← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17076

ذكريات - علي الطنطاوي

علي الطنطاوي

Полный текст (3 178 стр.). Показаны 3151–3178 · переход к 3156.

стр. 3151

لذذت وما أَلِمْت وما سعدت وما شقيت، إلاّ بقايا صور في ذهني وأحاديث على لساني. هي هذه الذكريات التي طالت حتى سئمتموها ومللتم منها، فسأدع الآن حديثها. لقد عزمت على أن أطوي أوراقي وأمسح قلمي، وآوي إلى عزلة فكرية كالعزلة المادية التي أعيشها من سنين، فلا أكاد أخرج من بيتي ولا أكاد ألقى أحداً من رفاقي وصحبي. ثم قلت: أسأل القرّاء وأسأل صاحبَي الجريدة، فإن شاؤوا اعتزلت. ولقد وضعت استقالتي تحت أيديهما من سنين ثلاث. وإن شاؤوا جعلت بدل الذكريات خواطر ومشاهدات (١)، على أن يسمحا لي ويسمح القراء قبل أن أدعها أن أُكمِل شيئاً شرعتُ فيه. * * * كان أمامي قبل أن أشرع في كتابة هذه الحلقة كتاب أُنجز طبعه ولم تُخَرّم كراريسه ولم يوضَع غلافه، اسمه «كلمات نافعة»،

стр. 3152

حملته إليّ «دار المنارة» في جدة لأقدّم له مقدّمة. ولقد سبق أن قدّمت لأكثر من خمسين كتاباً في أكثر من خمسين سنة، أولها كان لصحفي ناشئ اسمه عباس الحامض، صار من بعد صحفياً معروفاً ثم مضى حيث يمضي الأحياء ﵀، وآخرها مقدّمة شرّفني بها الداعية الكبير أخي الأستاذ أبوالحسن الندوي الذي تعرفونه فلا أحتاج أن أعرّفكم به. هذه الكراريس التي وُضعت أمامي لكتاب ألّفه أخي ناجي، القاضي من قبلُ في الشام والمستشار الشرعي الآن في وزارة الأوقاف هنا من نحو ربع قرن، فكيف أكتب مقدّمة لكتاب لأخي؟ كنت أعرف عن مؤلّفي الكتب التي أقدّمها القليل فأصوغ منه الفصل الذي يطلبونه، ولكنني اليوم حيال حياة طويلة أخبارها كلها ماثلة لعيني، أعرفها من يوم وُلد سنة ١٣٣٢هـ (وكان عمري نحو ستّ سنين) إلى حين بلغت الواحدة والثمانين، فهل يمكن أن أختصر حياة طولها خمس وسبعون سنة حتى أُدخِلها في خمس صفحات تكون مقدّمة لكتاب؟ حياة رأى فيها ورأيت مثل ما يرى الناس جميعاً: أياماً بيضاً وأياماً سوداً، عرفنا فقراً وإن لم يبلغ حدّ الحاجة، واكتفاء وإن لم يصل إلى الغنى، عرفنا السرور عن طريق الحلال وعرفنا الكدر، ورأينا أزواجاً وأشكالاً من البشر، منهم الصالح ومنهم الطالح، ومنهم الوفي ومنهم الغادر، ومنهم الأمين ومنهم الخَؤون. حياة تبدّلت فيها الدنيا التي نشأنا فيها مرّات، دالت دول وحالت أحوال، ومات أقوام ووُلد أقوام، وبادت مذاهب في الفكر وفي الأدب ونشأت مذاهب، وكانت حرب وكان سلام ... فما دام سرور وما دام كدر، وما دام نفع وما دام ضرر.

стр. 3153

كان عالَمنا صغيراً ولكنا كنا نراه على صغره كبيراً، لم يكن عندنا إلاّ القليل ولكننا كنا راضين بقليلنا، كانت مسرّاتنا محدودة ولكنا لم نكن نطمح إلى أكثر من تلك المسرّات. لقد كنا سعداء، ولكن لم ندرك إلاّ الآن بعدما فات الأوان أننا كنا سعداء. يحسب الإنسان أنه كلما زاد ماله واتسع اطّلاعه وعلَت منزلته كَبُرَت سعادته، وينسى أن السعادة هي قِصَر المسافة بين ما تجده وما تتمناه؛ فمن كان يجد عشرة ويتمنى عشرين فسعادته تنقص عشرة، ومن كان معه ألف وهو يطلب ألفين فنقص سعادته ألف. فنحن نحنّ إلى أيام الطفولة ونتمنى عودتها ونأسى على فَقدها، لأننا لم نكن نطلب فيها إلاّ القليل. ولست أريد أن ينشأ الشباب بلا طموح، فقد صدق شوقي لمّا قال: شبابٌ قُنَّعٌ لا خَيرَ فيهمْ ... وبُورِكَ في الشّبابِ الطامحينا * * * كان عالَمنا بيتنا الصغير في الحارة الضيقة في حيّ في طرف دمشق، بلغ من ضيق الحارة أنه لو مشى فيها اثنان ومدّا أيديهما لنالا جانبَيها. والمسجد الصغير الذي كان أبي إمامه، فلما توفّاه الله ولّوني أنا الإمامة وأنا لم أكمل السابعة عشرة، فقالوا لي: لا بدّ للإمام من عمامة (وإن لم يكن قد اشترطها الشارع ولا أوجبها الدين) فأدرتُ على طربوشي عمامة فصرت شيخاً صغيراً. قالوا: ولا بدّ له من لحية. قلت: العمامة أتينا بها من عند البزّاز (أي بائع القماش) فمن أين آتي باللحية؟

стр. 3154

فإذا أردنا تبديلاً ذهبنا إلى بيت خالتي أم المشايخ: الشيخ شريف والشيخ سهيل والشيخ طه والسيد ثابت، وهي الشقيقة الكبرى لمحب الدين الخطيب التي ربّته وكانت له أماً بعد أن فقد أمه طفلاً. وكان هذا البيت مثلاً عجيباً للبيوت الشامية المتداخلة: يركب من جهة على بيت الجيران، له الطابق الأرضي وما فوقه للجيران، وهم يركبون ظهره من الجهة الأخرى فيكون السفل لهم وما فوقه له. ويدخل في بيت عمّي بيتُ جيرانه من الجهة الثالثة، فيكون له الوسط ولهم ما تحته وما فوقه! هندسة عجيبة. والبيوت متصلة السطوح، حتى إننا كنا نستطيع أن نقطع الحيّ كله من أوله إلى آخره من غير أن نضع أقدامنا على الأرض. وكان الثوار (أيام الثورة السورية سنة ١٩٢٥) يمشون من جوار الأموي إلى قرب باب الجابية على السطوح المتصلة. ولبعض هذه الدور بابان (كدار الشيخ هاشم الخطيب ودار الشيخ صلاح الدين الزعيم، وهو الأخ الأكبر لحسني الزعيم صاحب بدعة الانقلاب) فكان المتظاهرون يدخلون الحارة يتعقّبهم الفرنسيون ومَن كان معهم بسلاحهم ليحصروهم، فإذا ولَجوا لم يجدوا فيها أحداً. كانوا (أي الثوار) يدخلون من باب الخيضرية (الخضيرية) إلى زقاق البرغل عند باب الجابية، فيجتازون خُمس دمشق من داخل بيت الشيخ هاشم الخطيب ﵀! كما يدخلون بيت الشيخ صلاح الزعيم في حيّ السمّانة من طرف دمشق فيخرجون من الباب الآخر إلى طرف بساتين الغوطة. كان متنفَّسنا حين نريد متنفَّساً أن نذهب إلى بيت خالتي عند المدرسة البادرائية بين الأموي وباب السلام، الذي كان يُدعى

стр. 3155

قديماً باب السلامة. وهو أحد أبواب دمشق السبعة، وقد بقيَت ستة منها على حالها كما بقي أكثر السور سليماً. ولدمشق سوران وبينهما حي لا يزال يُسمّى إلى الآن «حيّ بين السّورين» (وإن كانت العامة تبدل السين صاداً). فإذا مشيت من باب السلام مشرّقاً بلغت باب توما ثم الباب الشرقي، وهو آخر الطريق المستقيم الذي ذُكر -كما أظنّ- في التوراة، فيكون بذلك أشهرَ شارع في التاريخ. وقد ورد في الأثر أن المسيح ينزل في آخر الزمان عند «المنارة البيضاء» شرقيّ دمشق، والله أعلم بصحّة الذي رُوي (١). وأول هذه الطريق بابُ الجابِيَة الذي دخل منه أبو عبيدة دمشق صلحاً، كما دخلها خالد من الباب الشرقي فتحاً فالتقيا وسط معبد دمشق، الذي كان معبداً وثنياً ثم صار كنيسة نصرانية، ثم غدا مسجداً من أقدم مساجد الإسلام وأجملها، فقسموه بين المسلمين والنصارى، فكان ما حازه خالد عنوة مسجداً وما كان في حيّز أبي عبيدة بقي بالصلح كنيسة، فلما كان عهد الوليد ارتفع الصوت بالشكوى: المسلمون يشكون من قرع النواقيس وقت الصلاة والنصارى يشكون من ارتفاع الأذان، فبنى الوليد للنصارى الكنيسة الكبرى، بُنيت لهم بأموال المسلمين وبأيديهم ونقلهم برضاهم إليها، وأخذ منهم الكنيسة فضمّها إلى المسجد.

стр. 3156

ولي كتاب صغير عن «الجامع الأموي» ألّفته لوزارة الأوقاف أيام الوحدة، جمعتُ فيه تاريخ المسجد: أبوابه ومآذنه ومحاريبه وكل ما يتصل بخبره، ولم أذكر فيه المراجع التي رجعت إليها لأني وجدت أساتذة كباراً جداً أخذوا ما كنت جمعت من أخبار أبي بكر وعمر في الكتابين الجامعَين اللذين ألّفتهما عنهما وطُبعا في أوائل الثلاثينيات من هذا القرن الميلادي (نحو سنة ١٣٥٢هـ) أخذوها ونسبوها إلى المصادر التي نقلتُ عنها، وهم لم يروا هذه المصادر ولم يصلوا إليها لأن بعضها مخطوط في الظاهرية! وأبطلوا جهدي وهدروا تعبي، ولذلك حديث طويل ليس هنا مكانه. * * * وكنا إذا أردنا نجعة أكبر وتبديلاً أكثر ذهبنا إلى بيت عمّي الأكبر الشيخ عبد القادر، الذي كان المرجع في علم الفلك الإسلامي وكان منزله في العفيف في أوائل حيّ المهاجرين. وقد أنشأ هذا الحيَّ الأتراكُ للمهاجرين من أهل إقريطش (كريت) وما والاها لمّا غلبهم الكفار على أرضهم وانتزعوا منهم جزيرتهم، وكان موضع «المهاجرين» ممتلئاً بالمدارس، تقوم صفاً متصلاً على كتف نهر يزيد متجاورة لا يكاد يُحصى عددها، من الصالحية إلى السفح المطلّ على الوادي. وفي قاسيون واديان: الوادي الأكبر الذي يجري فيه بردى، ويقدّر العلماء أن مجراه هو الذي أنشأ الله به هذا الوادي في سوالف الدهر. وهو من أجمل أودية الدنيا، لا أعرف مثله إلاّ وادي الآرْدِن في بلجيكا الذي يجري فيه نهر الموز، وفيه قرية دينان حيث كانت المعارك في الحربين العالميتين بين الحلفاء والألمان.

стр. 3157

فإذا رمينا بأبصارنا إلى بعيد وبلغناه بخيالنا تصوّرتُ مصر وفيها خالي محب الدين الخطيب، وإسطنبول وفيها عمّي الشيخ عبد الوهاب، يلاحق قضية لنا مع آل الصلاحي بقيت في المحاكم بين دمشق وإسطنبول ثلاثاً وثمانين سنة. وكانت أمي رحمها الله تُلزِمني أن أكتب إلى أخيها رسالة، وكان ذلك سنة ١٣٣٥هـ لمّا بدأت أتعلم الكتابة وأنشئ الرسائل. تقول لي كل يوم، وربما كرّرت لي القول مرتين في اليوم: ياعلي الله يرضى عليك اكتب لي مكتوباً إلى خالك في مصر. ولم يكن يُرضيها أن تكون الرسالة من إنشائي أنا فلم يكن يعجبها إنشائي، بل أن أختار لها ديباجة حلوة من كتاب «الإنشاء العصري»، وكان يشتمل على جميع أشكال الرسائل: رسائل الاستعطاف والاعتذار والتهنئة والتعزية، التي تُرسَل إلى الوزراء أو الرؤساء أو الأهل والأقارب أو الإخوان أو الأصدقاء. وتقول لي: اقرأ الديباجة حتى أسمعها. لأنها رحمها الله لم تكن تقرأ أو تكتب، مع أن عمّتي (وهي أسَنّ منها بخمس عشرة سنة) كانت تكتب وتقرأ وتحفظ كثيراً من آيات الكتاب ومن أحكام الفقه، وكانت قد تعلّمته من رسالة لمحمود الحمزاوي، أشهر مُفتٍ في دمشق في القرن الماضي، اسمها «علم حال»، وهو كُتيّب في أصول الدين وأصول الفقه وفي الحلال والحرام وفي الآداب والأخلاق وضعه لتلاميذ المدارس الابتدائية، ولم يكونوا يفهمون منه شيئاً فكانوا يحفظونه غيباً ويردّدونه كما تردّد الببغاء ما يُلقى عليها! وكانت عمّتي مع أول فوج تَخرّج في مدارس البنات التي أُنشئت بهمّة الشيخ طاهر الجزائري في أواخر القرن الثالث عشر الهجري وكان

стр. 3158

تاريخ شهادتها سنة ١٣٠٠هـ. أقول وأعود إلى الموضوع بعد أن خرجتُ عليه: إن أمي كانت ترتضي الديباجة فتكلّفني نقلها من الكتاب إلى الورق ثم إرسالها إلى أخيها. فمكرتُ يوماً فكتبتُ إليه: "السلام عليكم ورحمة الله، نحن بخير، والرسالة في الصفحة كذا من كتاب الإنشاء العصري. أقول هذا توفيراً لوقتك ووقتي وتسهيلاً عليك وعليّ"، فرَدّ عليّ مسروراً بما فعلت بكتاب لا يزال عندي، يثني فيه على فعلي لأنني -كما قال- حفظت له وقته. أما عمّي الذي في إسطنبول فما كنت أكتب إليه لأنني لا أعرف عنوانه. * * * يا لله كم تبدّلَت الدنيا من تلك الأيام إلى الآن! ذهب عالَم وجاء عالم آخر. كنت أصدر سنة ١٣٤٨هـ رسائل متتابعة اسمها رسائل «في سبيل الإصلاح»، جعلتُ إحداها صورة أدبية خيالية لِما تكون عليه دمشق بعد تسعين عاماً وجعلت ذلك عنوانها، أفتدرون ما الذي كان من ذلك مما نراه الآن، لا بعد تسعين عاماً بل بعد ستين فقط؟ إن الذي تصورتُه بخيالي الجامح الذي لا يقف عند حدّ لم يبلغ ربع ما وقع الآن. * * *

стр. 3159

-٢٤٥ - رسائل الإصلاح وسيف الإسلام انتقدت الشيوخ الجامدين والشبان الجاحدين طبعتُ رسالتي «دمشق بعد تسعين عاماً» سنة ١٣٤٨هـ، وأنا أتخيل الآن ماذا تكون حالي لو أنني نمت عشية ذلك اليوم في الكهف الذي نام فيه الفتية الذين آمنوا بربهم فلم أستيقظ إلاّ سنة ١٤٠٨هـ، فإذا الأرض غير الأرض والناس غير الناس، وإذا كل شيء قد تبدّل: انقلبت الموازين واختلّت المقاييس، كَبُرَ الصغير وصَغُرَ الكبير، وعزّ الذليل وذلّ العزيز، ولم تعُد العظمة دائماً بما تحوي الرؤوس ولكن بما تصنع الأقدام، فالذي يرمي الكرة برجله فيُدخِلها الشبكة في الملعب أشهر وأكبر في الناس من الذي يكشف في العلم مجهولاً، أو يحلّ معضلة، أو يبني في صرح الأدب رفرفاً يكون لأمّته ذخراً وفخراً. والذي يسلّي الناس على المسرح أشهر من الذي يعظهم في المسجد على المنبر، أو يعلّم في الجامعة أبناءهم، أو يداوي في المستشفى مرضاهم. وغدا أمثال عادل إمام ودريد لحّام أعرفَ في الناس من مدير الجامعة أو من شيخ الأزهر وأذْيَعَ اسماً وأشهر.

стр. 3160

ولكن من نعم الله على الإنسان أن الطفرة لا مكان لها في نظام هذا الكون وأن كل شيء يتبدّل ولكنه يجري في تبدُّله على مهل؛ إنك ترى ظل الشمس عند الجدار تحسبه ثابتاً لا يتحرك، ولكن عد إليه بعد ساعتين تجده قد انتقل من مكانه، والعقرب الصغير في الساعة تبصره واقفاً ولكنه يمشي. والإنسان ينتقل من الضعف إلى القوة ويعود بعد القوة إلى الضعف. يكون طفلاً لا يملك نفعاً ولا ضراً، لا يستطيع أن يطرد الذباب إذا حطّ على أنفه الذباب، ثم يقوى حتى يطوي الأرض فيعلو متن الهواء ثم يخترق طرف الفضاء. ولو سألته: في أيّ ساعة من أيّ يوم انتقلتَ من الطفولة إلى الشباب ومن الشباب إلى الكهولة؟ لما استطاع أن يُجيب. والليل يكون أسْوَدَ داجياً، فمَن كان في غرفة مغلقة لا يبصر مما حوله شيئاً، إذا أخرج يده لم يكَد يراها، فإذا كانت الظهيرة من الغد ملأ الضوء المكان وكشف كل ما فيه، فهل انتقلنا من ظلمة الليل إلى وهج الظهيرة في لحظة واحدة؟ إن سنّة الله في خلقه أنه يولج الليل في النهار، وأنه يُخرِج من الطفل الضعيف رجلاً قوياً، ثم يعود القوي ضعيفاً كما بدأ. لقد صدر في أعقاب الحرب الأولى، يوم كنت تلميذاً في أواخر المدرسة الابتدائية، كتاب تُرجم إلى أكثر اللغات وقُرئ في أكثر البلدان، ألّفه شبنكلر، ينتقد ما يقرَّر على الطلاب في المدارس من أن القرون الأولى تنتهي بسقوط روما وأمثال هذه التحديدات. ومثلها ما يدرَّس عندنا في تاريخ الأدب من أن العصر

стр. 3161

الأموي قد خُتم بقتل مروان، الذي كان يُدعى لصبره بالحمار مدحاً له لا ذمّاً وانتقاصاً. فلو أن روما سقطت يوم الجمعة فهل كان يوم الخميس قبلَها من القرون الأولى ويوم السبت من القرون الوسطى؟ ولو قُتل مروان يوم السبت هل يكون الأحد من العهد العباسي؟ إن من الشعراء من عاش في العهدين، نظم فيهما الشعر وقال فيهما القصائد، فهل القصيدة التي قالها بشار مثلاً في العهد الأموي تختلف بخصائصها وصفاتها عن التي قالها في العهد العباسي؟ الدنيا التي عاش فيها أبي ووُلدتُ فيها أنا وأكثرُ إخوتي ما زالت تنقص من أطرافها وتتغير معالمها حتى لم يكَد يبقى منها إلاّ أقلّ من القليل، وجاءت دنيا جديدة. فلو أن أبي بعثه الله من مرقده الآن لَما عرف كيف يمشي في دمشق ولا عرفه أحدٌ من أهل دمشق، ولغدا جاهلاً بها مجهولاً من أهلها، وقد كان علَماً من أعلام علمائها. ولرأى ولده سعيداً الذي تركه ابنَ ثلاثة أشهر صار في الخامسة والستين. ولقد غدونا كلنا -نحن الإخوة الأربعة وأختان لنا- كلنا صرنا أكبرَ سنّاً من أبينا ومن أمنا اللذين قضيا ولم يجاوز أكبرُهما الثالثةَ والأربعين. فهل رأيتم أو سمعتم بأولاد أبواهم أصغر سنّاً منهم؟ * * * أنا إنما أنشأت هذا الفصل ليكون مقدّمة لكتاب من كتب أخي ناجي. وناجي وأخواه عبد الغني وسعيد كلهم أنبغ مني، ولكني خطفتُ الأضواء منهم كما يقولون في التعبير الحديث. دخلت

стр. 3162

حلبة المصارعة (وما الحياة إلاّ مصارعة) بطبل وزمر وضجّة وصخب؛ نشرتُ سنة ١٣٤٨هـ «رسائل في سبيل الإصلاح» التي أتكلم الآن عنها، فانتقدت فيها المشايخ وأساليبَهم في التدريس واختيارهم للكتب وبُعدَهم عن العلوم الجديدة، فأثَرتُهم عليّ حتى أُلّفت في الردّ علي كتب منها «الإفصاح عن رسائل الإصلاح» للشيخ أحمد الصابوني ﵀. وقد كان خطيباً من أبرع مَن عرفت من الخطباء، يخطب في المساجد يذمّ الشباب المنحرفين ويدعو إلى التمسّك بالدين، يضرب المثل بي وبرسائلي، ولا يخرج حتى يبيع ما يحمله أتباعُه من رسالته. ولمّا تيقّن أنني بعيد عما اتهمني به من مخالفة الدين كتب في آخر الرسالة أنه يسلّني مما قال سلَّ الشعرة من العجين، ولكن ذلك لم يمنعه أن يبيع الكتاب وفيه العجين وفيه الشعرة التي سلّها، وأن يحدّث عنه في المساجد! ثم أصدرتُ السنة التي بعدها «رسائل سيف الإسلام» التي كانت تُطبع على نفقة طائفة من خيار التجار وتوزَّع بالمجان، هجمتُ فيها على الشبان الجاحدين كما هجمت في الرسائل الأولى على الشيوخ الجامدين، فوضعتُ نفسي بين حجرَي الرحى، وصرت كالواقف في الحرب بين الصفّين يتلقى السهام من الجانبَين. نبّهت الناس إليّ فظلمتُ إخوتي الذين هم أنبغ مني؛ ذلك لتعلموا أن الشهرة ليست مقياس العظمة ولا المدار عليها في تقدير قِيَم الرجال. لقد عرفت الشهرة وذاع اسمي وأنا ابن إحدى وعشرين سنة، ولي كتاب اسمه «الهيثميات»، لأنني كنت أنشر بإمضاء

стр. 3163

«أبو الهيثم»، وكنت أولَ من سمّى نفسه به في دمشق، وكلُّ مَن تعرفونه باسم «هيثم» في دمشق إنما وُلد بعد إصدار هذا الكتاب (١). وتحت يدي الآن العدد الأول من مجلة «البعث» التي كنت أُصدِرها من نحو ستين سنة، قبل أن يولد حزب البعث وقبل أن يتخذ لنفسه هذا الاسم. وكان المسؤول عنها أمام الحكومة والذي يتولى إدارتها جمعية التهذيب والتعليم، ورئيسها الشيخ هاشم الخطيب ﵀. في هذا العدد الذي صدر في غرة جمادى الأولى سنة ١٣٥٠هـ قصيدة لشاعر لم يصرّح باسمه، ولكنْ وقّع في ذيل قصيدته باسم «أبو النضر». جاء فيها: وَيلٌ لِمَن ملَكَ القويُّ قِيادَهُ ... وغدا يُبدّدُ مالَهُ وبلادَهُ ويُذيقُهُ مُرَّ العذابِ وليسَ مَنْ ... يُنجِيه من مَضَضٍ أذابَ فؤادَهُ ما للقويِّ سوى الضعيفِ فريسةٌ ... والذئبُ يَلقى في الشياه مُرادَهُ يعدو على الحَمَلِ البريءِ مُقادِعاً ... فيُريه منه البِشْرَ كي يَصطادَهُ فِعلَ الفِرَنْجَةِ بالضّعيفِ منَ الشعو ... بِ، توَدُّهُ إذ تبتغي استعبادَهُ يا شرقُ فاذكُرْ عهدَ عِزٍّ قدْ مضى ... كيما تُعيدَ إلى الوجودِ تِلادَهُ أيامَ كانَ العِلمُ فيكَ ونورُهُ ... يَهدي ببازغِ شَمسِهِ رُوّادَهُ أيامَ كنا للوجودِ أئمّةً ... ونُري الوجودَ ضَلالَهُ ورَشادَهُ اُذكُرْ أُسودَ اللهِ مَنْ حكَموا الورى ... بسيوفِهمْ يتسلّمونَ قِيادَهُ وانظُرْ ديارَهُمُ تراها بَلْقَعاً ... والغربُ يُؤوي ربعُها أجنادَهُ ملَكوا أئمّتَها وساموا شعبَها ... خسفاً وهدّوا ظالمينَ عمادَهُ الضَّعفُ في شَرعِ الحياةِ جريمةٌ ... يا وَيلَ مَنْ ملَكَ القويُّ قِيادَهُ

стр. 3164

وَيلٌ لِمَن ملَكَ القويُّ قِيادَهُ ... وغدا يُبدّدُ مالَهُ وبلادَهُ ويُذيقُهُ مُرَّ العذابِ وليسَ مَنْ ... يُنجِيه من مَضَضٍ أذابَ فؤادَهُ ما للقويِّ سوى الضعيفِ فريسةٌ ... والذئبُ يَلقى في الشياه مُرادَهُ يعدو على الحَمَلِ البريءِ مُقادِعاً ... فيُريه منه البِشْرَ كي يَصطادَهُ فِعلَ الفِرَنْجَةِ بالضّعيفِ منَ الشعو ... بِ، توَدُّهُ إذ تبتغي استعبادَهُ يا شرقُ فاذكُرْ عهدَ عِزٍّ قدْ مضى ... كيما تُعيدَ إلى الوجودِ تِلادَهُ أيامَ كانَ العِلمُ فيكَ ونورُهُ ... يَهدي ببازغِ شَمسِهِ رُوّادَهُ أيامَ كنا للوجودِ أئمّةً ... ونُري الوجودَ ضَلالَهُ ورَشادَهُ اُذكُرْ أُسودَ اللهِ مَنْ حكَموا الورى ... بسيوفِهمْ يتسلّمونَ قِيادَهُ وانظُرْ ديارَهُمُ تراها بَلْقَعاً ... والغربُ يُؤوي ربعُها أجنادَهُ ملَكوا أئمّتَها وساموا شعبَها ... خسفاً وهدّوا ظالمينَ عمادَهُ الضَّعفُ في شَرعِ الحياةِ جريمةٌ ... يا وَيلَ مَنْ ملَكَ القويُّ قِيادَهُ أترون هذه الأبيات؟ فلمن تحسبوها؟ إنها لطالب في الثانوية في السابعة عشرة من عمره، وأكثر طلاب الثانوية الآن في كثير من البلدان لا يستطيعون قراءة أمثالها بلا خطأ. وفي عدد جمادى الأولى ١٣٥٢هـ من مجلة «الرسالة» قصيدة مترجَمة شعراً عن أندريه شينيه، الشاعر الفرنسي المولود في إسطنبول سنة ١٧٦٢ (كما وُلد فيها أخوه الأديب ماري جوزيف شينيه بعده بسنتين)، وهو شاعر معروف. وترجمة الشعر شعراً مع المحافظة الممكنة على المعنى من أصعب الصعاب. عنوان القصيدة «اللقاء العجيب»، هذه أبياتها تصوّر الشاعر العاشق وصاحبتَه تائهَين في الغاب، كلٌّ يطلب الآخر ولا يجده ويبحث عنه ولا يصل إليه، فتقول هي: أيها الغابُ، هل رأيتَ حبيبي ... قُربَ ماءِ الغديرِ عندَ الغروبِ؟ كمْ صباحٍ أتاكَ بلْ كمْ مساءٍ ... عندَ همسِ الصَّبا وشدوِ الجنوبِ؟ سوفَ أُصغي لكلِّ صوتٍ بعيدٍ ... فلعلّي أحظى بِهِ مِنْ قريبِ ويقول هو (وهو في الجهة الأخرى من الغاب، لا يراها ولا يعرف مكانها): إيهِ ياموجةَ الغديرِ سلاماً ... يا عروسَ الماءِ النّميرِ السَّكوبِ اِحمِلي لي حبيبتي فهْيَ عندي ... زهرةُ الحبِّ، فَوقَ غُصنٍ رطيبِ

стр. 3165

كمْ لثمتُ العشبَ الذي وطِئَتهُ ... قدماها في الغاب دونَ رقيبِ هي: آهِ لو يعلَمُ الحبيبُ بشوقي ... وحنيني وحُرْقتي وشُحوبي هلْ أراهُ في الغابِ؟ إنّ خيالي ... لَيراهُ في ذا المكانِ الرّحيبِ سوفَ أدعوهُ بابتسامٍ وعطفٍ ... فعساهُ يكونُ يوماً مُجيبي هو: رَبِّ هبْ لي رُحماكَ صبراً جميلاً ... إنّما الصبرُ جنّةُ المَكْروبِ هلْ أتاها أنّي لَيخفِقُ قلبي ... لِسَماعِ اسمِها الجميلِ الطَّروبِ؟ سأنادي دوماً بصوتٍ حنونٍ ... علّها أن تُجيبَ صوتَ الحبيبِ هي: آهِ إني لمَحتُه فأعِنّي ... يا لساني في ذا اللقاءِ الرهيبِ أهُنا أنتَ؟ إنّ ذا لَعجيبٌ ... أنا وحدي في ذا المكانِ الرّحيبِ لم أفكّرْ في أن أراكَ ولكنْ ... جُزتُهُ نحوَ بيتِيَ المحبوبِ هو: أنا ألهو برؤيةِ الموجِ وحدي ... وذُرى الزَّيْزَفونِ تجلو كُروبي لم أفكّرْ في أن أراكِ أمامي ... لم أفكّر في ذا «اللقاءِ العجيبِ» * * * هاتان المقطوعتان نُشرتا من نحو ستين سنة لطالب كان يومئذ في المدرسة الثانوية، هو أخي ناجي الطنطاوي. نظم بعدها ما لا يُحصى من المقطوعات ومن القصائد ولكنه لم يجمع منها شيئاً، ولولا أنني وجدت بعضه في مجموعة «الرسالة» ومجموعة

стр. 3166

مجلة «البعث» من قبلها لضاعتا فيما ضاع. وناجي أحد الذين يجري الشعر على ألسنتهم كما يجري الماء، ينظمونه عفواً ويرتجلونه ارتجالاً. ولقد عرفت من الشعراء الكبار في هذا العصر مَن يرتجل، منهم الشاعر الكبير الشيخ عبدالمحسن الكاظمي. قال له مرة الأستاذ خير الدين الزركلي في مصر: وجدت أبياتاً أحب أن تُجيزها. قال: هاتِ. فقرأ عليه أبياتاً من بحر الطويل وقافية الراء، فتدفّق الكاظمي بقصيدة من البحر والرويّ، فلما بلغ منها بضعة عشر بيتاً قال له خير الدين: لا لا، عفواً بل من البحر الكامل وقافية النون. قال له: هل تمتحنني ياخير الدين؟ وأجاز هذه الأبيات بقصيدة ارتجلها بلغَت أبياتها خمسة وأربعين بيتاً، تدفّق بها تدفّقاً من غير إعداد ولا تحضير. وحدّثني بها الأستاذ الزركلي ﵀ والأستاذ أحمد عبيد. وجُزتُ يوماً بأخي ناجي، وكان وحده في الدار يعالج شيئاً فيها. قلت: ماذا تصنع؟ قال: هذا القميص وجدتُه متوسّخاً فنزعته. قلت: هذا كلام موزون فأتمِم القصة. قال: هذا القَميصُ معَ اللّباسِ (١) وجَدتُهُ ... متوسّخاً فنزَعتُه وخلَعتُه ووجَدتُ قِدراً فارغاً فوضَعتُهُ ... فيها وماءً صافياً فنقَعتُه ووضَعتُ «تَيْداً» فوقَهُ ومزَجتُهُ ... وترَكتُهُ في جوفِها ونقَعتُه وخرَجتُ منْ بيتي وقدْ أقفلتُهُ ... ورأيتُ قُربي مسجداً فدخَلتُهُ والفرضَ خلفَ إمامِهِ أدّيتُهُ ... ومشَيتُ في سوقٍ هناكَ رأيتُهُ

стр. 3167

متجوّلاً فيهِ وقدْ أحببتُهُ ... ورجعتُ للبيتِ الذي خلّفتُه وبدا القميصُ لناظري فأخذتُهُ ... وبهمّةٍ وعزيمةٍ نظّفتُهُ ومضى يكمل القصة على هذا النمط. وما هذا بالشعر السامي ولا بالفن الرفيع، ولكنه لسهولته ولقربه من الناشئة يصلح أن يُتّخَذ لنظم الأشعار للأطفال كما يصلح للمسرحيات المنظومة. وأنا أعرف من الشعراء القدماء والمحدَثين من كان له مثل هذا الأسلوب، وليست تحت يدي وأنا أكتب هذا الفصل مراجع أرجع إليها فأكتفي بما أحفظ من أسماء الشعراء وبما بقي في ذهني مما قالوا (١)، فمن هؤلاء البهاء زهير وأحفظ قوله: مِنَ اليومِ تعارَفْنا ... ونطوي ما جرى مِنّا فلا كانَ ولا صارَ ... ولا كُنتُمْ ولا كنّا ومن الشعراء المعاصرين شاعر عندي ديوانه في مكتبتي في الشام اسمه رستم (ونسيتُ بقية الاسم)، ديوانه كله من هذا النمط الذي يمكن أن تسميه العامي الفصيح كقوله: لقَدْ زُرتُ زيداً وما زارني ... وما عجَبٌ أنْ قبلتُ اعتذارَه فإنّ الحمار بإصطبْلِهِ ... يُزارُ وليسَ يَرُدّ الزياره وفي أول الديوان بيتان عالقان في ذهني هما: قالوا: متى يطلُعُ ديوانُكُمْ؟ ... فوقَعوا في غلطةٍ مُفظِعه صوابُه: «ينزِلُ»، إذْ أنّهُ ... في الطابقِ الأعلى منَ المطبعه

стр. 3168

وقد لحظتم أن الشطر الثاني من البيت الأول حشو ليس له مكان إلاّ إقامة الوزن. * * * وأخي ناجي شاعر وفقيه. ولا تعجبوا أن يجمع رجل بين الفقه والفتوى والقضاء وبين الشعر منظوماً ومترجَماً عن لغة أخرى، فإن تاريخنا العلمي مترَع بأمثال هذه النماذج، وحسبكم واحداً هو ابن رشد الحفيد، وقيل «الحفيد» لأن جدّه كان أيضاً فقيهاً وكان قاضياً، فهو في هذا كتقي الدين ابن تيميّة المشهور الذي كان جده مجد الدين مثلَه فقيهاً معروفاً، ولكن اسم الحفيد غطّى على اسم الجَدّ. ابن رشد مثلاً كان قاضي الجماعة في الأندلس. ولقب «قاضي الجماعة» فيها يعدل لقب «قاضي القضاة» في بغداد. وكان من أكبر فقهاء المذهب المالكي، مع مشاركة قوية واطّلاع واسع على المذاهب الأخرى، ويكفي دليلاً على ذلك كتابه العظيم «بداية المجتهد ونهاية المقتصد»، وهو من أجود الكتب فيما يدعونه الآن في كلّيات الشريعة بالفقه المقارن، وهي ترجمة حرفية لاسمه عند غيرنا، ولو رجعوا إلى ما كان يسمّيه به أجدادنا لكان خيراً وأجدى وهو «علم الخلاف»، فإذا قالوا «فلان عالِم باختلاف الفقهاء» قصدوا اختلاف العلماء في المذهب الواحد، وإذا قالوا «علم الخلاف» فإنما يريدون به ما يُراد الآن باسم الفقه المقارن. ابن رشد هذا كان أكبر الفقهاء، وكان في الوقت نفسه أكبر الأطباء وكان المرجع في علم الطب يُرجَع فيه إليه ويؤخَذ عنه،

стр. 3169

وكان أكبر عالِم بالفلسفة، ردّ على الغزالي بعد موته بزمن طويل. وذلك أن الغزالي كان أستاذاً في «المدرسة النظامية» يوم كانت تُعَدّ الجامعةَ الكبرى في العالَم المتحضر، فلخّص مذاهب الفلاسفة وشرَحها شرحاً واضحاً بيّناً على عادته في كل ما يكتب، وصار كتابه هذا «مقاصد الفلاسفة» مرجعاً لكل من درَسها، ثم ردّ عليها ونقدها في كتابه المشهور «تهافت الفلاسفة»، هذا الذي ردّ عليه ابن رشد في كتابه «تهافت التهافت»، وقد طُبع الكتابان معاً (ومعهما رسالة لمؤلّف ليس من طبقتهما ولا من أقرانهما، حشر نفسه أو حشروه معهما). * * * ولابن رشد أمثال من الذين جمعوا علوماً مختلفة أو كانوا أدباء وكانوا فقهاء وعلماء، أعرف من هؤلاء الكثير الكثير، ولكن لمّا ضَعُفَت الملَكات وكان ما يُدعى بعصر الانحطاط، انفكّت الصلة بين الأدب والعلم وضاعت الملَكة البيانية فافتقدها أكثر المؤلّفين. ولمّا كنا صغاراً كان العلماء بين اثنين: عالِم بالعلوم الشرعية لكنه وقف عند القديم الموروث فلم يجاوزه وجَهِلَ مااستُحدث في العلوم بعد عصر النهضة فلم يعرفه، وعالِم درس العلوم الحديثة (التي كانوا يدرسونها على أيامنا في إسطنبول، ثم صاروا يدرسونها في لندن أو باريس أو أمريكا). كان من علمائنا في الشام من يُنكِر كروية الأرض، مع أن المسلمين عرفوها من قديم، بل إنهم قاسوا طول خطّ الاستواء أيام المأمون إذ أوفد (كما أحفظ، ولعلّي لا أكون ناسياً أو

стр. 3170

مخطئاً) أوفد بعثتين، واحدة إلى صحراء سِنْجار والثانية إلى جوار تدمر (١)، فرصدوا نجم القطب ومشوا بخطّ مستقيم حتى رأوه قد ارتفع درجة واحدة، فقاسوا المسافة على الأرض وضربوها بثلاثمئة وستين التي هي درجات الدائرة عرفاً، فعرفوا طول محيط الأرض. والرقم الذي وصلوا إليه لا يختلف عن الرقم المعترَف به الآن علمياً إلاّ بقدر يسير. فجاء من مشايخنا الذين كنا نقرأ عليهم بعد أكثر من ألف ومئتَي سنة مَن يشكّ في كروية الأرض، ثم جاء شيخنا الشيخ الكافي التونسي (الذي كتبتُ عنه في ذكرياتي هذه) فألّف في الشام لمّا هاجر إليها كتابَيه «الأجوبة الكافية» أولاً و «المسائل الكافية» ثانياً، ذهب فيها شتّى المذاهب وجاء بما توهّمه دليلاً (وليس بدليل) على إنكار حركة الأرض والزعم بأنها ثابتة والشمس تدور من حولها، كما كان يعتقد الفلاسفة من اليونان. وعن الشيخ الكافي أخذ مَن قال هذه المقالة من العلماء هنا. ثم رأينا من يُنكِر حقائق فلكية ثابتة فلا يصدّق أن الشمس إنما تُكسَف في أوائل الشهر العربي وأن القمر إنما يُخسَف في أواسطه. وكان منهم من يدَع الطبّ الحديث ويلجأ إلى تذكرة داود الأنطاكي في الصيدلة، وإلى كتب الطبّ القديمة التي تأخذ عن جالينوس وأبقراط. وأصغر تلميذ اليوم في كلية الطب يعرف من

стр. 3171

الطب أكثر مما كان يعرف أبقراط وجالينوس! (١) والعجيب أن أسامة بن منقذ لمّا كانت الهدنة بين المسلمين والإفرنج خلال الحروب الصليبية ورُفعَت الحواجز بينهما ذهب فخالط الإفرنج من قرب، فرأى كيف كانوا يداوون المرضى بالسحر والطلاسم وبأشياء يقرؤونها عليهم لطرد الشياطين منهم لاعتقادهم أن الجنّ تدخل في الإنسان فتُمرِضه. وكان من مشايخنا من يقول بهذا ويصدّقه! والعجيب أن علماء كباراً جداً يتكلمون عن الصرع ينسبونه إلى الأرواح السفلية والأرواح العلوية والأرواح الطيّبة والأرواح الشريرة والنزاع بينها، يأخذون ذلك عن اليونان ولا يتنبهون -على جلالة أقدارهم وعلى علوّ منازلهم- إلى أن هذا من فروع تعدُّد الآلهة (أي الشِّرك) عند اليونان الذين كانوا يجعلون لكل شيء إلهاً، ثم يجعلون لهؤلاء الآلهة مكاناً يجتمعون فيه هو جبل الأولمب، ورئيساً لهم يُشرِف عليهم هو زيوس (الذي سمّاه الرومان لمّا أخذوا هذه «المثولوجيا» عن اليونان جوبيتير).

стр. 3172

وزعموا أن للأرواح بعض التصرّف بالكون وأن منها الخيّر وأن منها الشرير. والإسلام يأبى ذلك كله ويرفضه، ولا يؤمن المسلم بالنفع والضرر إلاّ من الله أو بالأسباب والقوانين الواضحة التي وضعها الله لهذا الوجود. وقد بيّن الله في القرآن بياناً شافياً أن الجنّ (أو كفّار الجنّ الذين هم الشياطين) لا يملكون إلاّ الوسوسة، ففي صريح القرآن أنه إذا كان يوم المحاكمة الكبرى أمام ربّ العالَمين يقول الشيطان للكافرين: ﴿ومَا كانَ لي عليكُمْ مِنْ سُلطانٍ إلاّ أنْ دَعَوْتُكم فاسْتَجَبْتُم لي، فلا تَلوموني ولوموا أنفسَكمْ﴾. والله يقول: ﴿إنّ كَيدَ الشّيطانِ كانَ ضعيفاً﴾، فالشيطانُ لا يعلم الغيب ولا يملك النفع ولا الضرر وليس عنده إلاّ الوسواس، وما نُشر رداً عليّ في مجلة «المجتمع» وفي مجلة «أخبار العالم الإسلامي» عندي ما ينقضه من أساسه وليس فيه دليل شرعي قطعي واحد على دخول الجني في أجساد الناس، ولا ثبت ذلك بدليل شرعي صحيح ولا بدليل عقلي ثابت. أمّا أن تتكلم المرأة بصوت الرجل فيكون هذا دليلاً على أن رجلاً خفياً من غير الإنس يتكلم بلسانها فهذا كلام إذا قيل على أنه نكتة لطيفة فهو مقبول، وإن قيل على أنه جِدّ فيكون الممثل عبد العزيز الهزّاع قد دخل فيه عشرون جنياً، لأنه يؤلّف رواية كاملة ينطق فيها الرجل بصوته وتنطق فيها المرأة بصوتها ويتكلم فيها الصبي بصوته، وكل ذلك يخرج من فمه! * * *

стр. 3173

الخاتمة هذه نهاية الجزء الثامن من «الذكريات»، ولكنها ليست نهاية الذكريات. ولا أحسب الذكريات تنتهي حتى تنتهي الحياة، لأن الإنسان كلما عاش يوماً رأى فيه مشهداً أو سمع خبراً أو مرّ بتجرِبة، وتمحّص الأيامُ هذه المرئيات وهذه المسموعات، فيأكل كثيراً منها النسيانُ وما بقي منها استحال إلى ذكريات. وقد علّمونا ونحن صغار أن الأمور مرهونة بأوقاتها، ولكنّا لا نعرف هذه الأوقات إلاّ حين لا تنفعنا معرفتنا بها، أي بعد حدوث الأمور، ولو عرفناها قبلها لأعددنا لها عدّتها. كنت عازماً على كتابة هذه الذكريات من قديم، حتى إني أعلنت عنها في مقدّمة كتابي «تعريف عامّ بدين الإسلام»، ولكني لم أبدأ بها إلاّ حين جاء وقتها، وشرعتُ فيها وما في ذهني خطّة لها أتبعها ولا صورة لها أحقّقها، فجاءت على أسلوب غير ما عرفنا من أساليب المذكرات، فرضي عنها ناس وسخط ناس. وكان الذهن موجَّهاً إليها والقلم ماشياً بها، وكان بالإمكان أن أكتب مثل الذي كتبتُ ونشرت، ولكني توهّمت أنها طالت وأن القراء بَرِموا بها والجريدةَ ضاقت بها. وما ضاقت الجريدة ولابَرِم القراء، ولكني توهّمت أمراً فرأيته حقيقة فقطعتها. والله وحده

стр. 3174

يعلم: هل لي عودة إليها أم قد صُرفت عنها فأحتسبها؟ فالذكريات في نفسي ولكن التوفيق من الله. فأسألُ الله أن يوفّقني في هذه وفي غيرها إلى ما يُرضيه وأن يُرضيني بما يرضاه لي. وله الحمد، ثم لجريدة «المسلمون» التي بدأَتها و «الشرق الأوسط» التي نشرَتها مقالات، ولدار المنارة التي أخرجَتها في هذا الكتاب. مكة المكرمة، العزيزية يوم ذكرى مولدي: ٢٣/ ٥/ ١٤٠٩هـ الذي يوافق هذه السنة غرة سنة ١٩٨٩م

стр. 3175

المحتويات الحلقة (٢١٥) وداع المحكمة الشرعية ... ٥ الحلقة (٢١٦) في محكمة النقض في القاهرة ... ٢١ الحلقة (٢١٧) أشتات من الذكريات ... ٣٧ الحلقة (٢١٨) زياراتي القديمة لمكة ... ٥١ الحلقة (٢١٩) حجة ١٣٨١: خواطر وأفكار ... ٦٥ الحلقة (٢٢٠) أبو الحسن النَّدْوي ومذكّراته (١) ... ٧٩ الحلقة (٢٢١) أبو الحسن النَّدْوي (٢) ... ٩١ الحلقة (٢٢٢) أبو الحسن النَّدْوي (٣) ... ١٠٣ الحلقة (٢٢٣) في مطلع العام ١٩٨٧ ... ١١٧ الحلقة (٢٢٤) مؤتمر القمة الإسلامي ... ١٣١ الحلقة (٢٢٥) الفقيدان الوزير والمدير، ومن قبلهما فقدنا الأمير ... ١٤٥ الحلقة (٢٢٦) لبّيكَ اللهمّ لبّيكَ ... ١٥٩ الحلقة (٢٢٧) كيف جئتُ المملكة؟ ... ١٧٣ الحلقة (٢٢٨) وقفة على المخيَّمات ... ١٨٥ الحلقة (٢٢٩) منزلي في الرياض ... ١٩٧ الحلقة (٢٣٠) لمّا كنت أستاذاً في الكلّيات والمعاهد ... ٢١١ الحلقة (٢٣١) تفسير بعض الآيات ... ٢٢١

стр. 3176

الحلقة (٢٣٢) من المستشفى المركزي في الرياض إلى مستشفى المواساة في دمشق ... ٢٣٥ الحلقة (٢٣٣) في مكة سنة ١٣٨٤هـ ... ٢٤٥ الحلقة (٢٣٤) في كلية التربية في مكة ... ٢٥٧ الحلقة (٢٣٥) يوم الجلاء عن سوريا ... ٢٧٣ الحلقة (٢٣٦) لمّا علّمتُ البنات ... ٢٨٧ الحلقة (٢٣٧) خواطر ومشاهدات عن تعليم البنات ... ٢٩٩ الحلقة (٢٣٨) لغتكم ياأيها العرب (١) ... ٣٠٩ الحلقة (٢٣٩) لغتكم ياأيها العرب (٢) ... ٣٢٣ الحلقة (٢٤٠) ذكريات العطلة الصيفية في دمشق (١) ... ٣٣٣ الحلقة (٢٤١) ذكريات العطلة الصيفية في دمشق (٢) ... ٣٤٧ الحلقة (٢٤٢) هذه الحلقة من الذكريات مسروقة ... ٣٥٧ الحلقة (٢٤٣) عندكم نابغون فتّشوا عنهم بين الطلاب ... ٣٦٧ الحلقة (٢٤٤) عزمتُ أن أطوي أوراقي وآوي إلى عزلة فكرية ... ٣٧٧ الحلقة (٢٤٥) رسائل الإصلاح وسيف الإسلام: انتقدت الشيوخ الجامدين والشبان الجاحدين ... ٣٨٩ الخاتمة ... ٤٠٣

стр. 3177

من آثار المؤلف ١ ـ أبو بكر الصديق ... ١٩٣٥ ٢ ـ قصص من التاريخ ... ١٩٥٧ ٣ ـ رجال من التاريخ ... ١٩٥٨ ٤ ـ صور وخواطر ... ١٩٥٨ ٥ ـ قصص من الحياة ... ١٩٥٩ ٦ ـ في سبيل الإصلاح ... ١٩٥٩ ٧ ـ دمشق ... ١٩٥٩ ٨ ـ أخبار عمر ... ١٩٥٩ ٩ ـ مقالات في كلمات ... ١٩٥٩ ١٠ـ من نفحات الحرم ... ١٩٦٠ ١١ـ سلسلة حكايات من التاريخ (١ ـ ٧) ... ١٩٦٠ ١٢ـ هتاف المجد ... ١٩٦٠ ١٣ـ من حديث النفس ... ١٩٦٠ ١٤ـ الجامع الأموي ... ١٩٦٠ ١٥ـ في أندونيسيا ... ١٩٦٠ ١٦ـ فصول إسلامية ... ١٩٦٠ ١٧ـ صيد الخاطر لابن الجوزي (تحقيق وتعليق) ... ١٩٦٠ ١٨ـ فِكَر ومباحث ... ١٩٦٠

стр. 3178

١٩ـ مع الناس ... ١٩٦٠ ٢٠ـ بغداد: مشاهدات وذكريات ... ١٩٦٠ ٢١ـ سلسلة أعلام التاريخ (١ـ ٥) ... ١٩٦٠ ٢٢ـ تعريف عام بدين الإسلام ... ١٩٧٠ ٢٣ـ فتاوى علي الطنطاوي ... ١٩٨٥ ٢٤ـ ذكريات علي الطنطاوي (١ـ ٨) ... ١٩٨٥ـ ١٩٨٩ ٢٥ـ مقالات في كلمات (الجزء الثاني) ... ٢٠٠٠ ٢٦ـ فتاوى علي الطنطاوي (الجزء الثاني) ... ٢٠٠١ ٢٧ـ فصول اجتماعية ... ٢٠٠٢ ٢٨ـ سيّد رجال التاريخ (محمد ﷺ ... ٢٠٠٢ ٢٩ـ نور وهداية ... ٢٠٠٦ إلى القرّاء الكرام لقد بذلتُ في تصحيح هذا الكتاب غايةَ ما استطعت من الجهد، لكنّي لا آمَنُ أن يكون فيه خطأ سهوتُ عنه، لأن الكمال ليس لأحد من البشر، إنما هو من صفات خالق البشر. فأرجو أن يَمُنّ عليّ قارئه (وقارئ سائر كتب جدّي التي صحّحتُها وأعدت إخراجها من قريب) فينبّهني إلى أي خطأ سهوت عنه لكي أتداركه في الطبعات الآتيات، وأنا أشكره وأدعو له اللهَ بأن يجزل له الأجر والثواب. مجاهد مأمون ديرانية mujahed@al-ajyal.com