الماء الملوَّث، يُدخِلون فيها رؤوسهم ويعبّون عبّاً كالجمال، وإلاّ لقضاء الحاجة، ويسمّونها «الدّستور»، فإذا رفع الولد أصبعه وقال «دَسْتور» عرف الشيخ أنه خارج لقضاء حاجته في مراحيض المسجد أمام الكُتّاب. أما الطعام فكانوا يأكلونه وهم قعود في أماكنهم عندما يسمعون المؤذّن ينادي بالظهر، أو يلتهمون اللقمة إثر اللقمة في غير وقت الظهر من غير أن يراهم الأستاذ، أعني الشيخ.
وللحديث بقايا عن المدارس والكَتاتيب، وعن المصايف والاصطياف، وعن الاستفادة من العطلة في تغذية العقل بالمطالعة وتقوية الجسد بالرياضة. بقايا ستأتي إن شاء الله.
* * *
стр. 3117
-٢٤١ -
ذكريات العطلة الصيفية في دمشق (٢)
وضعت عنواناً لهذه الحلقات «العطلة الصيفية في دمشق»، ولكن طال الطريق إليها فلم أطرق بابها، وإنما تكلّمت عن المدارس التي كنت فيها ولم تكن تعرفها. تكلمت عن «الكُتّاب» ولم أكمل حديثه، وما هو بالحديث اللَذّ الممتع، ولولا أن أساتذة أفاضل يكتبون في الثناء عليه والدعوة إلى العودة إليه ما عرضت له ولا تكلمت فيه. قلت لكم إن جدّي أخذني إليه فبقيتُ فيه بعض يوم، ولكن مرارته لم تذهب من حلقي إلى اليوم؛ لا أزال أحسّ بها كأنما تجرّعت بالأمس غصصها! وقد مات جدي الذي أخذني إلى الكتّاب سنة ١٣٣٢هـ، أي من ثلاثة أرباع القرن، ولكن ثلاثة أرباع القرن لم تُشفِني من الصدمة التي ضعضعت نفسي في تلك الساعات الثلاث التي قضيتها في الكتّاب.
أفلا يتصور دعاة الرجوع إليه أن للأطفال قلوباً ومشاعر، وأنهم يُسَرّون ويَألمون كما يألم الكبار ويُسَرّون، وأن ذكريات المسرّات والآلام في بواكير العمر تُختزَن في نفوسهم فتضيء لهم طريق العمر كله أو تجعله ظلاماً؟
стр. 3118
قلت لكم إننا كنا نقعد على الأرض، على حصير قديم لعلّ تحته حديقة حيوانات صغيرة فيها من كل حشرة زوجان! وإن علينا أن نقرأ النهار كله، أو نحرّك ألسنتنا ونُخرِج أصواتاً كأننا نقرأ، وأن نضجّ ضجّة مستمرّة يسمعها مَن يمشي في الطريق فتكون إعلاناً عن الكتّاب، يقول للناس: "أنا هنا"، ويا ليته ما كان هناك! وإننا كنا نختلس قضمة من الطعام الذي حملناه معنا ووضعناه بين أيدينا، فإن رآنا الشيخ بعينه تناولَتنا يده بعصاه وهو قاعد مكانه لا يفارقه، لأن بين يديه عصيّاً ثلاثاً: طويلة وقصيرة وعصا بين الطول والقصر، ينظر مكان الصبي ثم يتناوله بالتي تصل إليه منها.
والشيخ دائم العبوس، لا يبتسم إلاّ يوم الخميس حين يأتيه الولد بالخميسية، وهي الأجرة المفروضة عليه. وتكون سعة ابتسامته بمقدار كثرة القروش التي تُحمل إليه! ثم يعود إلى العبوس والتقطيب، كأنه شمس شباط (فبراير) في الشام حين تُطِلّ لحظات ثم يطويها تراكم السحاب.
أخذني جدي إليه فاحتفل به شيخ الكُتّاب احتفالاً عظيماً، لِما كان له من العلم والفضل والوجاهة أو لِما يطمع فيه من خميسيته المباركة. وبالغ في هذا الاحتفال حتى إنه وضع حذائي تحت سريره إلى جنب حذائه، أي حذاء الشيخ، وكان ذلك شرفاً عظيماً ما ناله من قبلي أحد. وما أدري أكان ذلك لمجرد الحفاوة والإكرام أم لزيادة التضييق والمراقبة، ولكن الذي أدريه أن جدّي قد خرج، فذهبت لألحق به فأمسكوني وأجلسوني عنوة، ولمّا صحت وبدأت أحتجّ لوّح الشيخ بعصاه فوق رأسي وكشّر لي عن أنيابه، فتكونَت في نفسي تلك اللحظة النفرة من المدرسة
стр. 3119
والكراهية لها، وبقيَت إلى الساعة التي أكتب فيها هذه الكلمات.
وقعدت يائساً لا أعلم لماذا يحجزونني ويخنقونني، وقد كنت أعيش كما أريد لا تُرَدّ لي رغبة ولا يقف دون إنفاذ مطالبي شيء، وكنت أربّى تربية الدلال لأن جدّي رُزق عشرة من الولد فذهبوا جميعاً ولم يبقَ منهم إلاّ أبي، وكنت ولده البكر، فدلّلوني هذا الدلال الرخو المائع الذي بلغ من أمره أنهم أقاموا حفلة في البيت عندما كسرتُ أول إناء: "لقد كبر الصبيّ ولله الحمد وصار يستطيع أن يكسر الأواني"! وإنه كان عندنا مرة حفلة عائلية، فخطر في بالي أن ألعب بالزائرات فأُقيم هذه على قدم واحدة وأرفع ذراعَي هذه، فكان لي ما أردت واضطُرّت زائراتنا الكريمات إلى الخضوع لهذه الرغبات، أي هذه الحماقات!
فكيف انتقلت منها مرة واحدة إلى حياة الكُتّاب السمجة الثقيلة؟ نقلة لم يستطع عقلي الصغير أن يفهم لها تأويلاً، فقعدتُ أنظر إلى الباب كما ينظر القطّ إلى الفريسة لينقضّ عليها، فلما رأيت جدّي ماراً في الطريق خارجاً من المسجد وجدت الفرصة قد جاءت، فقفزتُ قفزة واحدة كالقطّ وتبعته حافياً، وكان ذلك نتيجة لِما كنت فيه وما صرت عليه، ليس فيه شيء من قصد الإجرام ولا من روح الشرّ وليس بالإمكان أن يكون الطفل مجرماً، ولكن شيخي عدّها جريمة، وأطلق ورائي صبيان المكتب كما يُطلق الصيّادُ كلابَه وراء الأرنب المسكين، فازددت منهم فزعاً وللمدرسة بغضاً وأطلقت ساقَيّ الصغيرتين للريح، ولكني اضطربت فلم أدرِ أيّ طريق آخذ بعد اختفاء جدّي عن عيني، فسقطتُ وسال الدم من أنفي، وأدركني الأولاد فلم يرحموني
стр. 3120
ولم يمسحوا عني دمي، ولكنهم اقتادوني إلى شيخهم كما يُقتاد المحكوم عليه إلى خشبة المشنقة.
* * *
يقول الذين يمدحون هذه الكتاتيب أنها تحفّظ القرآن، وهذا صحيح، ولكنْ من أين لهم أنّ القرآن لا يُحفَّظ إلاّ بهذا الأسلوب؟ ألا يمكن أن يحفظه الأولاد وأن يجوّدوه وأن يُحسِنوا تلاوته من غير عصا شيخ الكتّاب؟ أسألكم والمثَل قائم أمامكم: هذه مدارس تحفيظ القرآن التي انتشرت في كل مدينة وكل قرية في المملكة، جزى الله مَن فكّر فيها ومَن أيّدها ومن أعانها ومن يقوم عليها خير الجزاء.
ألا تسمعون وترون الولد الآن يحفظ الجزء الكامل من القرآن ويتلوه مع التجويد والأحكام قبل أن يُتقِن تعلّم الكلام، ويحفظ الأجزاء الثلاثة أو الأربعة أو القرآن كله أحياناً وهو ابن أحد عشر عاماً؟ أين هذه المدارس من تلك الكتاتيب؟ تلك كنا نُساق إليها باكين وهذه يتسابق الأطفال إليها ضاحكين، تلك كانوا يُدفَعون إليها بالعصا وهذه يُدعَون إليها بالهدايا والرغائب.
يمكن إذن أن نصل إلى الثمرة من الجادة السهلة النظيفة، فلماذا تريدون أن نعود إلى الطريق الوعر الوسخ المليء بالأشواك وبالأوحال؟
أما المدارس الأهلية التي كنت فيها فقد كان فيها خير كثير، علّمتنا الدينَ ونشّأتنا على التقوى، ولكن الثمن كان غالياً
стр. 3121
والطريق شاقاً. فهذه الكتاتيب وهذه المدارس الأهلية كالدنيا: فيها ليل ونهار. فما لنا نذكر نهارها وننسى ليلها؟ ما لنا نُبصِر مزاياها ونُغمِض عن عيوبها؟ إنها تهتمّ بالدين، والدين هو الأساس لكل بناء خير، ولكنهم كانوا يلقّنون الدين بطريقة تنفّرنا من الدين؛ يسقوننا الشراب النافع، ولكن لا يرغّبوننا فيه ويجمّلونه في أعيننا ويضعونه في الآنية النظيفة على المائدة التي فيها الورد والفلّ، بل يضجعوننا كما تُضجَع النعجة للذبح ويمسكون بأيدينا حتى لا نتحرك، ويفتحون أفواهنا بذنَب الملعقة ويصبّونه فيها صباً يكاد يخنقنا! وكان من السهل عليهم (لو أنهم أرادوا) أن يفتحوا شهيتنا إليه ويثيروا رغبتنا فيه فنمدّ إليه أيدينا راضين ونشربه فرحين، ولكنها كانت هي الطريقة المتّبَعة على ما فيها من عوج.
وقد بقي من هذه الطريقة بقيّة إلى اليوم قاصرة -مع الأسف- على بعض دروس الدين.
* * *
هذه المدارس لم تكن فيها عطلة صيفية؛ كنا نذهب إليها كل يوم في الصيف وفي الشتاء، في أيام الفطر وأيام الصيام، لا نعطل إلاّ أيام الجمعة وسبعة أيام في العام هي أيام العيد.
وما كانت الطرق مزفَّتة (ولا تقولوا مسفلَتة) ولا نظيفة، بل كانت أرضها في الشتاء إذا نزل المطر وحلاً نخوض فيه إلى قريب الركب، يملأ رشاشه ثيابَنا من الظَّهر إلى قرب الخصر، فإذا جاء الصيف جفّ فصار تراباً يملأ أكتافنا ويستقرّ في صدورنا. وكانت السيارات في دمشق كلها تُعَدّ على أصابع اليدين، بل على أصابع
стр. 3122
اليد الواحدة. وأنّى لأمثالنا ركوب السيارات؟ وعربات الخيل كانت غالية علينا، ثم إنها لا تمشي إلاّ في الطرق العِراض ونحن نسلك إلى المدرسة أزقّة وحارات، والترام له خطوط محدودة لا يصل إلاّ إلى أحياء السفح، سفح قاسيون وإلى الميدان، فكنا نمشي على أقدامنا.
هذه كانت حياتنا، وكنا صابرين عليها راضين بها، ما كان عندنا ما يشغلنا عن الدراسة وعن الجِدّ وعن العمل النافع إلاّ ألوان قليلة من اللهو الحلال الذي لا مضرّة فيه ولا خشية من عواقبه. ما كان عندنا ولا كان في الدنيا كلها إذاعات نستمع إليها، ولا رائيات (تلفزيونات) نعكف الساعات الطويلة عليها، ولا مجلات مسلّية (أو مُفسِدة) نقرؤها. وأكرر القول إننا كنا مع هذا كله راضين، فما لأبناء هذه الأيام لا يقدّرون ما أنعم الله به عليهم وأوصله إليهم: السيارات تحملهم من باب الدار إلى باب المدرسة، والدراسة لا تجاوز نصف النهار، والعطلة قد تأخذ ربع السنة أو أكثر (وقد امتدت في العام الماضي أربعة أشهر)، وأساليب التدريس اليوم لانت شدّتها وسَهُلت وعورتها، والضرب ممنوع والعصا قد أُلغيت.
على أن الناس لم يكونوا على أيامنا يحتملون هذه العطلة، فكان تلاميذ المدارس الأميرية يأخذهم آباؤهم إلى المدارس الأهلية التي لا عطلة فيها ليقضوا فيها أيام الصيف، فكانت تمتلئ إذا فرغت الأخرى. وكان التجّار من أهل الشام يصحبون أولادهم معهم إلى متاجرهم بعد خروجهم من هذه المدارس التي أدخلوهم في الصيف إليها، يعلّمونهم من الصغر كيف يبيعون ويشترون وكيف
стр. 3123
يأخذون ويعطون، فيكبرون وهم لا يزالون في عهد الصغر.
وأهل الشام أبرع الناس في التجارة وأحرصهم عليها، إلاّ الأقل الأقل منهم. وكنت أنا وإخوتي من هذا الأقل، إذ لم يكن أبي تاجراً ولا جدّي، وإنما كان صاحب علم وجليس كتاب. وبراعة أهل الشام في التجارة فيها تفسير هذه الظاهرة التي كُتب عنها كثير من الكتب، هي أن اليهود قبل أن يسرقوا فلسطين وقبل أن يظاهرهم ويعينهم على سرقتها قوم آخرون، كانوا في كل بلد دخلوه أصحاب المال فيه وكانوا كبار تجّاره والقابضين على أزمّة اقتصاده، إلاّ الشام، فما جاوز اليهودُ عندنا أن يكونوا أصحاب ربابيكا (كما يقول العامة في مصر) عملهم الأوحد هو أن يحملوا أكياساً طويلة ويدوروا على البيوت ينادون: "أَواعي (١) عُتُق للبيع، أشياء عتيقة للبيع، أشياء عتيقة للبيع". كان هذا عملهم، وكان لهم عمل آخر اختصّوا به هو المتاجرة بنسائهم، لأن اليهود في البشر كالخنازير في الحيوان، ليس عندهم غيرة على إناثهم.
ولم ينفرد أهل الشام في البراعة في التجارة، بل كنت أرى وأنا صغير جماعة من أهل نجد يمشون إلى العراق وإلى الشام، وقد استقرّ فريق منهم فيها؛ رأيتهم في الزُّبَير لمّا ذهبت ماشياً إليها مع طائفة من تلاميذي في البصرة، وقد سبق الحديث عن هذا، ورأيتهم في البصرة وكانوا من وجوه أهلها، وقد دعانا مرة رجل كريم بيته مفتوح للضيوف هو من آل أبا الخيل (وقد نسيت اسمه،
стр. 3124
ويذكره الشيخ محمد محمود الصوّاف الذي أخذني إليه)، كما عرفت من الشباب الصالحين السيد سعود العقيل كان من طلاب الثانوية في البصرة. وكان هؤلاء النجديون يُعرفون عندنا بالعقيل (أو العقيلات)، يتاجرون بالإبل وغير الإبل ويدلّون القوافل على الطريق لمّا كان الحج بالبَرّ، وكانوا معروفين بصدق القول واستقامة السيرة وحسن المعاملة، وأظنّ أن ممّن كان عندنا منهم آل الروّاف وآل البسّام وآل الشبل، وجماعة آخرين نسيت أسماءهم.
ومن مدن الشام، والشام في عرف العرب كل ما ولي تبوك من الشمال، بل ربما اتصلت به أطراف العراق: بلد واحد فرقه الأعداء، كما قال صديقنا الكبير الشيخ رضا الشّبيبي (الذي سبق ذكر فضله عليّ لمّا كان وزيراً للمعارف سنة ١٩٣٦ وكنت مدرّساً في العراق)، قال:
ببغدادَ أشتاقُ الشآمَ وها أنا ... إلى الكَرْخِ من بغدادَ جَمُّ التّشَوُّقِ
هما بلَدٌ فردٌ وقدْ مزّقوهما ... رمى الله بالتشتيتِ شملَ المُمَزِّقِ
أقول: إنه كان من مدن جنوبيّ الشام بلاد لم يستطع أن يعيش فيها قبل ضياع فلسطين يهوديّ واحد، كالخليل ونابلس، فصاروا الآن يجولون فيها ويصولون ويعيثون فساداً في الأرض لأنهم شعب الفساد والإفساد. وما بقوّتهم سطوا، ولكن بضعفنا وتفرُّقنا وأننا أبعدنا الإسلام عن معركتنا في فلسطين، فلم نجعلها جهاداً إسلامياً (١) بل حرباً وطنية ومعركة قومية، فكأن الله يقول لنا الآن:
стр. 3125
"لِتَنصرْكم قوميتكم وعروبتكم ما دمتم أعرضتم عن نصرة ربكم فلم تنصروه لينصركم". فهل اعتبرتم؟ لقد خسرتم فما أغنَت عنكم قوميتكم ولا عروبتكم، فهل تعودون الآن إلى ربكم، تستغفرونه وتتوبون إليه وتجاهدون في سبيله ولإعلاء كلمته، وتستمطرون النصر منه باتّباع دينه والتمسّك بشريعته؟ أم أنتم محتاجون أن تستمرّ التجرِبة حتى تضيّعوا آخر ما بقي لكم؟
إنه والله لعجب يعجب منه العجب: رجل يقاتل عدوّه بالبندقية القديمة الصدئة التي ورثها عن جدّه، وأمامَه الرشّاش فلا يمدّ إليه يده وبين يديه القنبلة فلا يلتفت إليها ولا يحارب بها! أليست دعوة القومية المخالفة للإسلام هي البندقية القديمة الصدئة؟ أليست هي العصبية الجاهلية التي نهانا الإسلام عنها؟
لماذا نطلب المساعدة من عشرين مليوناً من العرب غير المسلمين (إن كانوا يبلغون العشرين)؟ نُقبِل عليهم وهم يُعرِضون عنا، ونبسم لهم وهم يعبسون في وجوهنا، ونُخلِص لهم وهم يكيدون لنا، يكذّبون رسولنا ويحاربون ديننا ويكونون دائماً مع عدوّنا علينا، وندع ثمانمئة مليون مسلم غير عربي هم منا، يمدّون الأيدي مخلصين إلينا، دينهم ديننا وقرآنهم قرآننا وعقيدتهم عقيدتنا! لقد جرّبنا، فهل بعد التجرِبة من برهان؟ جرّبنا رفع راية الإسلام بيد صلاح الدين فكانت حطّين، وكان بعدها استرداد فلسطين ثم كان طرد الواغلين الغاصبين، فخبّروني يامن رفعتم راية القومية ونكستم راية الإسلام، وقلتم «عرب» ولم تقولوا «مسلمون»، تنادون كل يوم من إذاعتكم صباح مساء: "أيها الإخوة في العروبة"، ونسيتم الأخوّة التي قرّرها ربّ
стр. 3126
العالَمين وهي أخوّة الإيمان، خبروني: ماذا أجْدَت عليكم؟
* * *
أمّا سؤال صاحب الرسالة عنا في الصيف: أين كنا نصطاف وكيف كنا نهرب من حرّ دمشق؟ فجوابه في الحلقة الآتية إن شاء الله.
* * *
стр. 3127
-٢٤٢ -
هذه الحلقة من الذكريات مسروقة
كان العزم أن يكون موضوع هذه الحلقة عن الاصطياف، ولكن هل يحتاج مَن يسكن دمشق إلى اصطياف ودمشق كلها مَصِيف؟ ولقد كان من إخواننا من كرام الأساتذة في المملكة وفي العراق مَن يؤمّ دمشق نفسها يقضي الصيف فيها، كان صيفها كالربيع في بلاد الناس، فما الذي بدّل حالها؟ أنا حين أسمع الآن في النشرة الجوية أن الحرارة في دمشق قد جاوزت الثلاثين أفرك أذني، أتبيّن هل سمعتا حقاً أم أسمعتاني ما لم يقُل المذيع؟ لقد بلغتُ هذا العمر وما عرفت في دمشق يوماً تصل حرارته إلى الثلاثين أو تقاربها.
ولعلّ دمشق التي أتكلم هنا عنها غير دمشق التي يراها الناس اليوم، إنما أعني دمشق طفولتي وصباي، فكيف أحدّ لكم حدودها وأعرض عليكم معالمها، وقد ذهب ذلك كله مع أمسِ الدابر وجاء بعده بلد جديد؟
إذا رأيتَ الرجل الكبير، وكنت تعرفه طفلاً صغيراً حلواً مبرّأ من العيب خالصاً من الشرّ، بعينيه الصافيتين اللتين تُشِعّان
стр. 3128
بالإخلاص وتوحيان بالحب، وفمه الباسم الذي لا ينطق بالفحش ولا يعرف الكذب، وروحه التي تحسّ بها شفّافة تنشر الطهر كأنها قطعة ألماس ينبعث منها مئة شعاع من النور ... هل تستطيع أن تُريني ذلك الطفل وأنا أبصر هذا الرجل؟ إنه منه ولكنه ليس إياه، إنه هو نفسه ولكنه غيره. أترونها أحجية من الأحاجي (أو هي حزّورة أو فزّورة كما يقول العوام)؟ إن الإنسان نفسه أحجيّة الوجود؛ «جرمٌ صغيرٌ وفيه انطوى العالَمُ الأكبرُ»، واقف في مكانه وذهنه يتحرك يقطع ما بين المشرق والمغرب، بل ما بين الأزل والأبد، في أقلّ من ثانية. ضعيف ولكنه قوي، ضعفه محقّق وقوته تتحقق إن كان لها مدد من قوة الله، وإلاّ فهي قوة مزعومة لا تقوى على أهون ما خلق الله من دقائق الحيوانات التي لا تراها عين ولا تلمسها يد، ومنها ما لا يُرى حتى بالمجاهر الكهربية.
لا أقول إن دمشق التي فتحتُ عيني عليها وقضيت صباي فيها كانت خالية من الآثام معصومة من المعاصي، فالبشر بشر، ما كانوا قطّ ملائكة، ولو خلا ذلك من بلد لخلت البلدة التي مشى رسول الله ‘ على أرضها وعاش فيها ودُفن في ثراها، لخلَت مدينة رسول الله على عهد الرسول ﵊، ولو نجا من ذلك جماعة لكان الناجون صحابة رسول الله ﵊، الذين كانوا أنقى الجماعات البشرية وأتقاها وأطهرها وأفضلها، حاشى الأنبياء والرسل. ولقد وقع فيها حتى على عهد رسول الله ‘ شيء من المعاصي، من السرقة ومن الزنا، ولكنه قليل قليل حتى ليُعَدّ من النادر، والنادر -كما قيل- لا حكيم له.
وكان في دمشق شيء من اللهو الحرام نسمع به من بعيد
стр. 3129
ولانراه، يقوم به غير المسلمات، فالمغنّيات اللواتي كانت تتسرّب إلينا أسماؤهن (بنات مكنو) كُنّ من اليهوديات، ومن أغراه الشيطان فطلب الفاحشة وجدها أكثر ما يجدها في حارة اليهود، فاليهود هم شِرار الناس والشرور مصدرها دائماً إبليس واليهود.
* * *
ولقد هممت قبل أن أتكلم عن الاصطياف في دمشق التي عرفتها وأنا صغير أن أجلو للقراء صورة منها ووصفاً لها، فوجدت مقالة منشورة من قديم، فأغراني الشيطان بأن أسرقها. وأحسب أنكم تذكرون حديثي في الرائي (التلفزيون) من سنين عن السرقات الأدبية قديمها وحديثها، الذي فصّلت فيه من أمرها ما لا أستطيع أن أعود إليه اليوم. وإن كانت السرقات مستمرّة باقية لا يكاد يسلم منها إلاّ قليل ممن عصم الله.
ولقد نشرَت الجرائد من عهد قريب أن أحد كبار رجال الدعوة إلى الله، وهو شابّ له على شبابه وحداثة سنّه منصب عالٍ في مجال الدعوة يكاد يكون أحد الرؤساء فيها، قالت الجريدة إنه سرق من «الظلال» فصلاً نسبه إلى نفسه وطبعه في رسالة نشرها باسمه. وعجبتُ وأنكرت الفعلة ولا سيما أنها جاءت من مثله، وكنت أرقب أن يعجب الناس وأن يُنكِروا هذا المنكَر، ولكن الخبر مرّ مرّ النسيم، لا يحرّك غصناً من شجرة ولا يُثير غباراً من قاع، فكأن الناس قرؤوه ولم يبالوا به.
وكتاب «في ظلال القرآن» طالما عدا عليه العادون وسرقوا منه فصولاً جعلوها رسائل وكتباً، وأرجو أن يكون ذلك زيادة في ثواب مؤلفه ﵀. ولي مع الشهيد السعيد سيد قطب
стр. 3130
تاريخ طويل، فلقد رافقته في دار العلوم بالمنيرة في القاهرة سنة ١٣٤٧هـ، وكنا في مقعد واحد. ثم نسيني ونسيته، وكانت معركة الرافعي والعقاد، فدخلت فيها وما أنا من أقطابها، فكنت مع العريان وشاكر عليه، فشتمني وشتمته. ثم كتب الله له الخير، والله يُعطي من يشاء بغير حساب، فسلك غير طريق النقد وتبرّأ من أكثر ما كان كتب فيه وصار من أركان الدعوة إلى الله، فأحببته من قلبي، وأظن أنه أحبّني، وطالما لقيته بعدُ ولقيَني ونُشرَت لنا صور وجمعتنا مجالس.
ولست أعيد هنا ما كنت قلت في السرقات الأدبية فإن القول فيها لا يزال ذا سعة: عمّن يريد أن يكون كاتباً وهو لا يزال طالباً، ومن يحب أن يغدو عالِماً وهو ما انفكّ متعلّماً، ومن يهوى (والهوى ليس هوى الغيد الحسان فقط، بل إن في الدنيا هوى المجد المبكّر والغنى المستعجَل والجاه الهيّن السريع، وكل هوى يُعمي ويُصِمّ) قلت: إن في الناس من يهوى أن يكون معروفاً قبل الأوان وأن «يتزبَّبَ قبل أن يَتَحَصْرَم» كما تقول العرب؛ وتفسيره أنه يريد أن يكون زبيباً قبل أن ينعقد حصرماً. نرى ذلك كله ونسمع من الإذاعات مثله؛ إننا نسمع من الإذاعة كل إحدى عشرة ساعة نشيداً يُذاع ستّ مرّات على أنه من نظم فلان ومن تلحين فلان، وما فلان الأول إلاّ مقلّد وما الثاني إلاّ سارق، وأصل النشيد لشيخنا الرافعي ومطلعه «بلادي بلادي فداكِ دمي»، وهو الذي يقول فيه بيتاً أنكرتُه عليه ونشرت إنكاري، فما غضب منه بل أقرّه، وهذا البيت هو:
غرامُكِ أوّلُ ما في الفؤادِ ... وذِكرُكِ آخِرُ ما في فمي
стр. 3131
/فقلت له: بل آخر ما يتمنى المسلم في فمه ذكر الله وشهادة أن لا إله إلاّ الله، فاعترف بذلك ﵀ ولم يُنكِره عليّ، بل شكره بلسانه لي، هذا وأنا أُقِرّ أنني تلميذ من تلاميذ الرافعي.
نشيد الرافعي هذا جاء مَن بدّل كلماته فقال (وأشهد أنه أحسن فيما قال): «بلادي بلادي منار الهدى»، وجاء من أخذ اللحن نفسه وادّعاه له وزعم أنه هو الذي وضعه، مع أنني أحفظ هذا اللحن ويكاد يحفظه من المصريين من لست أحصيهم عدداً من قبل أن يولَد هذا الأخ الكريم الذي يدّعي أن اللحن من وضعه، فكان مثاله كمن يزعم أن قلعة أجياد هي دار جده، ورثها عنه أبوه وانتقلت بالإرث إليه من أبيه!
السرقات كثيرة، وطالما سرق كبار الكتاب وأنكر الناس عليهم سرقاتهم: العقّاد سرق فكرة من شوبِنْهاور وأفكاراً من غيره، والمازني سرق من قصة ترجمها هو للكاتب الروسي هاتزيباشيف، ومن لم يسرق اقتبس كما قبس الموسيقي محمد عبد الوهاب من موسيقى الإفرنج جملاً كثيرة لا يعرفها ويميزها إلاّ من له بصر بالموسيقى، حتى إنني لأظن أن أغنيته «ما احلاها عِيشة الفلاّح» مقتبَسة -ولو من بعيد- من الأغنية المشهورة: «على بلدِ المحبوب ودّيني».
وأعجب سرقة وأخفاها هي كتاب «الأحكام السلطانية». ومن يسرق كتاباً في النحو أو البلاغة أو الأدب لا يكاد يُكشف أمره لأنها علوم معروفة وطرق مسلوكة ومسالك مطروقة، أما كتاب الأحكام السلطانية فإن موضوعه مبتكَر، ما أُلّف فيه قبله ولا كُتب بعده -فيما أعلم أنا- إلاّ ما أُخذ منه. و «الأحكام السلطانية» كتابان
стр. 3132
بين أيدي الناس، عنوانهما واحد وموضوعها واحد وترتيبها واحد وكل شيء فيهما واحد، إلاّ أن أحدهما يستشهد بأحكام الفقه الشافعي والآخر بأحكام من الفقه الحنبلي، ومؤلفاهما كانا يعيشان في عصر واحد وفي بلد واحد، وكلاهما كان قاضياً، وأحسب أنهما كانا في محكمة واحدة، وكلاهما عالِم كبير في مذهبه، هما: الماوَرْديّ الشافعي الملقَّب بأقضى القضاة، والقاضي أبويَعْلَى الذي إذا أُطلِقَ اسم القاضي عند الحنابلة انصرف إليه.
فمَن منهما الذي أخذ من الآخر؟ معضلة مرّت عليها القرون ولم يستطع أحدٌ أن يحكم فيها بدليل. ولكن الذي يميل القلب إليه أن المؤلّف الأصلي هو الماوَرْدي الشافعي لأن له كتباً أخرى تشبه هذا الكتاب، وأبو يعلى -على علوّ قدره في الفقه- ما في كتبه ما يشبه هذا الكتاب، لا في ترتيبه ولا في أسلوبه. هذا والله وحدَه هو العالِم بحقيقة ما كان.
* * *
أمّا المقالة التي سرقتُها فقد وجدتُها في الرسالة في عدد ٨ جمادى الأولى سنة ١٣٦٦هـ، أي قبل إحدى وأربعين سنة. على أن الذي أغراني بالسرقة ومهّد لي طريقها وأعانني عليها، ولولا الحياء لقلت إنه شريكي فيها، هو وزير عريق في الوزارة، فهل يمسك الشرطيُّ مَن يكون شريكه في صنيعه الوزير؟ إنه معالي الشيخ إبراهيم العنقري الذي أهدى إليّ من شهور أثمن هدية وصلت يوماً إلى يدي وأحبّ الهدايا إلى قلبي، وهي المجموعة الكاملة لمجلة «الرسالة»، التي ردّت إليّ أياماً مضت من حياتي،
стр. 3133
أعني أنها أعادت إليّ ذكراها، أما الأيام فلا يستطيع أن يُعيدها أحد. فكنت من فرحي بها أمسك مجلداً أقلّب فيه وأدعه فأمسك آخر، لا أملّ الرجوع إليها ولا النظر فيها، فوجدت مقالات لي عن دمشق كثيرة، دمشق التي أحبّتني حيناً كما أحببتها ثم أعرضَت عني وأولتني الصدّ بدل الودّ، وما عدلت أنا عن ودّها ولا جزيتها صداً بصدها، بل قلت ما قاله الشاعر القديم:
وإنّ الذي بيني وبينَ بني أبي ... وبينَ بني عمّي لمُختلفٌ جدّا
فإنْ أكَلوا لحمي وَفَرْتُ لحومَهُمْ ... وإنْ هدَموا مجدي بنَيتُ لهم مَجدا
وبعد، فهذه المقالة كنت ناسيها، فلما وجدتها أحسست كأني وجدت بها الشباب، أروي منها ما يتّسع له المقام (١):
دخلت مخزناً في القاهرة (وكنت تلك السنة مقيماً فيها) أشتري منه شيئاً، فسمع لهجتي الشامية شيخ كبير السنّ أبيض الشعر، كأن رأسه ولحيته -كما يقول العرب- الثَّغَامَة (وإن لم أرَ إلى الآن شجرتها ولم أعرف حقيقتها)، فالتفت إليّ وقال: أنت من دمشق؟ قلت: نعم. فسطع على وجهه نور وبرق في عينيه بريق، وبدت على جبينه ظلال ذكريات حلوة أحسستُ أنها مرّت في رأسه، وأخذ بيدي هاشّاً لي باشّاً في وجهي فأقعدني معه وقال لي:
أهلاً بك، أهلاً وسهلاً، تَشرّفنا ياولدي. فتعالَ، تعالَ
стр. 3134
حدّثني عن دمشق، فقد طال عنها ابتعادي وزاد إليها اشتياقي. حدّثني عن سهلها وجبلها، عن غوطتها وربوتها، عن الميزان: ألا يزال مثابة الطهر وموئل الجمال وجنّة الدنيا؟ ألا يزال السُّراة والتجار يصلّون الصبح كل يوم ويخرجون إليه، يقضون فيه حقّ النفس بالتأمل كما قضوا في المساجد حقّ الله بالصلاة، فيجمع الله لهم الجنتين ويعطيهم نعيم الدارَين؟ ألا يزال زاخراً بحِلَق الأحباب وجماعات الصحاب عاكفين على سَمَاوَرات الشاي، يشرفون على قَنَوات وباناس (من فروع بردى) وهما يخطران على العَدْوَة الدنيا من الربوة متعانقَين متخاصرَين فعل الحبيبين في غفلة الرقيب، يمشيان حالمَين خلال الورد والفلّ والياسمين كزوجين في شهر العسل، يظهران حيناً ثم تشوقهما الخلوة فيُلقيان عليهما حجاباً من زهر المشمش والرمّان، وعلى العَدْوَة القُصوى زوجان آخران حبيبان يمضيان يتناجيان: يزيد وتورا؟ وبردى، ألا يزال يدبّ في قرارة الوادي على عصاه، ينظر باسماً إلى بَنيه، ثم يلوي عن مشهدهم بصره وينطلق في طريقه لا يبالي، عاف الحب وملّ الغرام، وعلّمته تجارِب العمر أن كل ما في هذه الحياة باطل إلاّ ذكر الله والعمل للآخرة، كله لعب ولهو ومتاع زائل؟
وقاسيون، الجد العبقري الذي عاش عشرة ملايين سنة وماانفكّ شاباً، وشاخ ابن أخيه بردى ولم يشِخ. ألا يزال قاسيون قاعداً قعدة الملك الجبار، قد رفع رأسه ومدّ ذراعيه فأحاط بهما دمشق وغوطتَها من الرَّبْوَة إلى بَرْزَة، ووطأ لها ركبته فنامت المدينة عليها كما تنام الحبيبة إن أضناها النعاس على ركبة الحبيب؟ واحتمت الصالحية بصدره كما يحتمي الطفل الوليد بصدر الأم الرؤوم؟ والشمس، ألا تزال الشمس تضحك لبردى
стр. 3135
وأبنائه، وتستحمّ أشعتها في مائه وتسبح أنوارها في سمائه؟
وصدر الباز ومصطبة الإمبراطور والصوفانية والشاذِرْوان؟ حدّثني عنها، حدّث عن دمشق: ألا يزال الناس يعيشون في دمشق للخير والجمال؟ حدّثني عن برَكة ديارها ووَفرة ثمارها وكثرة خيراتها ورخص أسعارها واستقامة جمهور تجّارها: ألا يزال التجار يخرجون من صلاة العصر فيغلقون دكاكينهم فيمضون إلى بيوتهم، إلى أولادهم وأهليهم، ثم يتعشّون قُبَيل المغرب ويؤمّون المساجد، فإذا صلّوا العشاء خرجوا فمنهم من عاد إلى داره ومنهم من ذهب إلى درس الشيخ، ومنهم من مشى إلى «الدَّوْر»؟
قُل لي: ألا يزال «الدَّوْر» يَجمع الإخوان المتآلفين والأحبّة المتصافين، يسمرون كل ليلة في منزل واحد منهم، يقعد الرجل مع صاحب المنزل وإخوانه، والمرأةُ مع نسائه، يُنشِدون الأشعار ويسوقون النوادر ويروُون المضحكات، ويطالعون الكتب ويتجاذبون أطراف الحديث، ويأكلون ألوان الحلويات ويشربون الشاي، ثم ينصرفون إلى دورهم وقد استمتعوا أوفى ما يكون الاستمتاع وسُرّوا أكثر ما يكون السرور، وما غشوا قهوة ولا أمّوا ملهى ولا جالسوا غريباً ولا أتوا محرَّماً ولا أنفقوا في غير وجهه مالاً؟
ألا تزال منازل المشايخ في زقاق النقيب والقيمرية وأمثالهما معاهدَ إرشاد ومدارس علم ودارات ملوك؟ قُل لي: من بقي من تلك الأسر العلمية؟ آل حمزة وآل عابدين والعطّار والعاني والطنطاوي والطيبي والشطي والأسطواني والكزبري والعمادي والمحاسني والمنيني والخطيب؟ ألا يزال فيها العلماء الأعلام، أم تَنكّب الخَلَف طريقَ السّلَف، واستبدلوا الدنيا بالدين والمالَ
стр. 3136
بالعلم والمنصب بالتقوى، والتزلفَ إلى الحكام بالقيام بواجب النصح للحكام؟
خبّرني عن العلماء: ألا يزالون أعزّة بالدين، يزهدون في الدنيا فتُقبِل عليهم الدنيا ويهربون من الولايات والمناصب فتلحقهم المناصب والولايات؟ ألا يزال الناس يعكفون في دمشق على العلم لا يريدون به إلاّ الله والدار الآخرة، يُثنون لذلك رُكَبهم ويُحيون فيه ليلهم ويَكِدّون نهارهم، ويقنعون في أيام الطلب بما يسدّ الرمق ويحمل الجسد ويستر العورة، لا يسألون عمّا غاب من ذلك أو حضر لأنهم فكّروا في غيره وأقبلوا على سواه، فكان العلم أملَهم وكانت المطالعة شغلهم وكان ثواب الله مبتغاهم؟ ألا يزال الناس سعداء راضين، قد انصرف العالِم لعلمه والتاجر لتجارته والطالب لدَرْسه والمرأة لبيتها، لا يشتغل أحد بغير شغله ولا يدخل فما لا يعنيه؟
فقلت للشيخ: منذ كم فارقتَ دمشق ياسيدي؟ فتنهّد وقال: منذ سنة ١٨٩٧، فارقتها شاباً ولم أدخلها بعد ذلك أبداً.
فرحمتُ الشيخ من أن أفجعه في أحلى ذكرياته وأن أطمس في نفسه أجمل صور حياته، فتلطّفت وودّعته ولم أقُل له شيئاً. وماذا ترونني كنت أقول؟
* * *
قولوا أنتم ياأيها القراء، فقد عجزت عن الجواب سنة ١٩٤٧، فبماذا تُجيبون سنة ١٩٨٧؟
* * *
стр. 3137
-٢٤٣ -
عندكم نابغون فتّشوا عنهم بين الطلاب
لمّا جئت المملكة سنة ١٣٨٣هـ وعلّمت في الرياض لم تكن فيها إذاعة، لكنْ كان فيها بناء كبير أُعِدّ لها، ولم يكن فيه إلاّ موظف واحد هو الأستاذ موسى المجدّدي، أحد أبناء الشيخ الجليل الشيخ صادق المجدّدي، نسبة إلى الشيخ السَّرْهَندي الذي كان يُلقّب بمجدد الألف الثاني.
وكانت بيني وبينه ﵀ مودّة. عرفته في مصر يوم كان الوزيرَ المفوض للأفغان أيام الملكية، وكان عميد السلك الدبلوماسي فيها. ولي معه جلسات طويلة، حدّثني في بعضها عن الملك «أمان الله» وثورة العلماء عليه لمّا أراد الخروج عن أحكام الإسلام حديثاً مفصّلاً تمنيت لو أنني دوّنته في حينه. وكان مما سألته عنه ما أُذيعَ من أن الشيخ جمال الدين الأفغاني كان إيرانياً ولم يكن أفغانياً كما كتب أخونا ﵀ الأستاذ محمد حسين، فأكّد لي الشيخ صادق بأنه أفغاني أصيل. والشيخ صادق من العلماء المنجبين أبناؤه كثيرون، منهم الشيخ هاشم ومنهم الشيخ صبغة الله، أحد قادة الجهاد الإسلامي الرائع في بلاد الأفغان الآن.
стр. 3138
أقول: كانت الإذاعة من جدة، وكنت يوماً في الرياض أدير مفتاح الرادّ، فسمعت إذاعة غريبة ليست من جدة ولا من مصر، ولم أكن أسمع في الرياض يومئذ غيرهما، إلاّ إذاعة بغداد أسمعها أحياناً. فوجدت هذه الإذاعة الغريبة تذكر أشياء عن المملكة وعن الرياض بالذات، فأصغيت أنتظر أن أسمع في آخرها اسم البلد الذي يخرج منه الصوت، فإذا هو من الرياض، وإذا هو يذكر اسم «طامي». فسألت إخواني: وما طامي هذا؟ وتطوّع واحدٌ منهم فجاء به إليّ فعرّفني به، وإذا هو شابّ سعودي مهذّب لا يبدو عليه أنه من أصحاب الدراسات ولا من حَمَلة الشهادات، وأخذني إلى عمارة عالية في شارع الوزير (وكان يومئذ أحد شوارع قليلة لم يكن في الرياض غيرها) وأدخلني عمارة فصعد بي إلى سطحها، فوجدت غرفتين صغيرتين ما لهما ثالثة، فيهما قطع آلات وأسلاك وأزرار في لوحات فقلت: ما هذا؟
فضحك وقال: هذه إذاعة طامي. إنها قطع اشتريتها من مخلّفات الجيش البريطاني لمّا عرضها للبيع، فرتّبتها وجعلت منها هذه الإذاعة. وسألني أن أحدّث الناس منها، فحدّثت ووصفت ما رأيت. وخبّرني الناس بعد ذلك أنهم سمعوا حديثي، سمعوه في الرياض وعلى بُعد عشرة أكيال (كيلومترات) في كل جهة من جهاتها الأربع.
* * *
أليس هذا هو النبوغ؟ بل أليست هذه هي العبقرية؟ هل كانت بداية أديسون أكبرَ من هذه البداية؟ أم كان أديسون أكثر
стр. 3139
علماً وأوسع اطّلاعاً على علوم الطبيعة؟ هذا الطامي (الذي لم أعُد أسمع اسمه ولا أعرف خبره) كان يمكن أن يكون لنا منه أديسون آخر، يخترع مثل ما اخترع، لو أننا أخذنا بيده وشجّعناه. وهل كان أديسون (وأصحابه وأمثاله الذين وضعوا أسس هذه الحضارة المادية) أذكى منا ذكاء وأكبرَ عقولاً وأوسعَ مدارك؟ إن الذي صنعناه بالأمس البعيد والحضارةَ التي شيّدناها والمعارفَ التي بلغناها نستطيع أن نصنع الآن مثلها.
لا تقُلْ قد ذهَبَتْ أربابُهُ ... كلُّ مَنْ سارَ على الدّربِ وصَلْ
هذه اليابان: ماذا كانت اليابان قبل مئة سنة أو تزيد قليلاً، وماذا صارت الآن اليابان؟
بل أحدّثكم عمّا هو أقرب عهداً وأدنى بلداً؛ حالنا نحن لمّا كنا طلاباً وحال الطلاب الآن: لماذا كان ينبغ منا نابغون كل عام لا يكاد يظهر أمثالهم الآن في الأعوام الطِّوال، في الأدب وفي الفنّ وكل علم، شعراء وكتّاب وأطباء ومهندسون؟ لا أعني أنهم أكملوا الدراسة ونالوا الشهادة فقط، فإن الذين يحملون الشهادات لا يُعَدّون، ولكن أقصد أنهم عباقرة متميزون أو نابغون سابقون، فما لنا لا نرى الآن أمثالهم؟ ما لنا لا يكاد يظهر منا في السنين المتطاولة علماء وأدباء، بل لا نرى إلاّ حَمَلة الشهادات؟ هل انقطع النبوغ وجفّ الينبوع، وأصبح الطلاب اليوم أقلّ حظاً من الذكاء ونصيباً من الفهم؟
أقول: لا. أقولها مطمئناً إليها واثقاً منها، بل إن الشباب الآن أوسع مدارك وأكثر اطّلاعاً مما كنا عليه في أيام شبابنا، فما السبب
стр. 3140
إذن؟ ما هو الشيء الذي كان عندنا وكان سبب نجاحنا ولم نعُد نراه عندهم؟ لا شيء. إذن فما هو الشيء الذي نجده عندهم ولم يكن عندنا، فصرفهم عن العلم وشغلهم بالشهادات وبالمظاهر؟ هنا مربط الفرس كما يقول الناس.
* * *
لماذا أجمعَت كلمة رجال التعليم على الشكوى من الضعف العامّ في قواعد اللغة العربية وفي الإملاء بعدما ظهرَت نتائج الامتحان هذا العام؟ إن من المعروف أن من العلوم ما يمكن أن يعي التلميذُ المقدارَ المقرَّر عليه من مباحثه، أو أن يحفظه كما هو في الكتاب ويضعه في ورقة الامتحان، لا يخطئ منه شيئاً ولا ينقص منه شيئاً، فيُضطر المصحّح أن يقدّر له درجة النجاح.
ولكن درسين من الدروس لا ينفع فيهما هذا الأسلوب، بل لا بدّ فيهما من الإلمام بكل منهما إلماماً كاملاً لأنهما كل لا يتجزّأ وجميع لا يفترق، وهما اللغات والرياضيات.
ولقد كنت وكان إخواني في السنة الأولى من المدرسة الثانوية نميز الخطأ من الصواب، ونعرف كيف نراجع في القاموس المحيط، ونقرأ في كتب الأدب فلا نخطئ (أو نخطئ خطأ يسيراً). فإن لم نعِش في البلد الواحد فإننا نعيش في بلدان متشابهة، فما الذي كان لنا فأعاننا الله به على تحصيل الملَكة في العربية وحُرموا منه فمنعهم فَقْده من تحصيلها؟
إني لأنظر فأجد أنهم أذكى منا وأوسع أفقاً وأرفه عيشاً. كنا نقاسي من كثير من الشدائد فهوّن الله عليهم تلك الشدائد،
стр. 3141
وكنا نجد صعاباً كثيرة فسهّل الله لهم تلك الصعاب: كانت كتبنا المدرسية على عهد الترك ونحن صغار خلال الحرب الأولى أكثرُها بلسانهم، فلما انقضت الحرب وقامت الدولة العربية في الشام وصارت هي لسانَ التعليم لم نكن نجد في أول الأمر كتباً، فكنا ننسخ بأيدينا ما يُمليه الأساتذة علينا. فما السبب إذن؟
لعلّ قلة المدارس يومئذ دعتهم أن يأتوا بأكبر الأساتذة للتدريس فيها. وليس المدرّس القوي في مادته الواسع في علمه الذي علّم آلافاً من الطلاب في عشرات من السنين كمَن نال الشهادة يوم الأربعاء فجعلوه مدرّساً أو معيداً يوم الأحد، وكلّفوه أن يكون هو المدرّس لمن كانوا بالأمس معه إذ سبقهم قليلاً، كما سبق عريف الفصل إخوانه فيه. فكيف يكون مدرّساً لمن كانوا رفاقه قبل أسبوع؟ وكيف يُقرَن بمن كانوا أساتذته قبل أسبوع؟
وابنُ اللَّبونِ إذا ما لزَّ في قرَنٍ ... لمْ يستطعْ صَوْلَةَ البُزْلِ القَناعيسِ
* * *
هذه الأولى، والثانية كتب المطالعة (ونسمّيها في الشام «القراءة»)، وما يختارون فيها للطلاب من فنون الأدب ليكون لهم قدوة وإماماً ويكون نبراساً يستضيئون به.
اختار لنا الأستاذ سليم الجندي أولَ قدومه علينا في مكتب عنبر سنة ١٩٢٣ قصيدة «وا حَرَّ قلباهُ مِمّنْ قلبُهُ شَبِمُ» التي ودّع بها المتنبي سيفَ الدولة لمّا فارق حلب قاصداً مصر، وشرحها لنا؛
стр. 3142
لاكما يشرح المدرسون اليوم، يفسّرون مثلاً كلمة يتعاضدون بأنهم يتعاونون، بل يمرّ بنا على تاريخ الكلمة: كيف وُضعت، وما هو الجذر الذي اشتُقّت منه، وكيف تَحوّل معناها عن طريق التوسّع والمجاز والعُرف، فيقول مثلاً: إن أصلها من العَضُد، لأن الاسم أسبق دائماً في الوضع من الفعل، ولأن صيغة تفاعلوا تدلّ على المشاركة فالتعاضد هو لفّ العضُد على العضُد، والتكاتف إسناد الكتف بالكتف. وأعرض عنه: أي أعطاه عرضه فلم يُقبِل عليه بوجهه. وصفح عنه: منحه صفحة خدّه، أي لم يواجهه باللوم. وأمثال ذلك.
ومشيت أنا في تدريس الطلاب على هذه الطريقة. ولو وجدت من تلاميذي، أو لو وجد الأستاذ الجندي أو زميله المبارك منا نحن تلاميذه مَن يدوّن ما يقول لكان من ذلك كتب في الأمالي كأمالي الأولين.
ثم عاد من الحصة المقبلة بعد أن شرح القصيدة يقول لنا: اصرفوا أنظاركم عنها، لا تحفظوها لأن المتنبي في عُرف أهل اللغة شاعر مولَّد لا يُحتجّ بعربيته. وجعل يحفّظنا الشعر الجاهلي والإسلامي (أي الأموي)، فحفظنا المعلقات وجانباً كبيراً من الشعر الإسلامي، لا يزال في ذهني إلى اليوم قصائد كثيرة منها أحفظها برمّتها ولا أزال أرويها. انظروا أين كنا وإلى أين هبطنا.
قرأت في مجلة من نحو أسبوع هذه الكلمة، أنقلها بنصّها وإن كنت أكرم قلمي عن أن يخطّ مثلها وأصون صحفي عن أن أسوّدها بها، وهي: "قرأت في عدد من أعداد «المجلة» قصيدة
стр. 3143
عمودية للأستاذ الحيدري، والواقع أنني لم أُعجَب بهذه القصيدة، ولم أكن أتصوّر أن شاعراً كبيراً كالحيدري سيعود إلى مثل هذا الشعر الذي كان شائعاً في العشرينات من هذا القرن". انتهى، وأشهد أن لا إله إلاّ الله!
هل كنتم تظنون أن يأتي على الناس يوم يخجل فيه واحدٌ منا أن نعود إلى شعر العشرينات (يقصد العشرينيّات) من هذا القرن؟ أي إلى شعر شوقي وحافظ ومِن قبلهما البارودي! فهل ترونه يرضى لنا أن نعود إلى شعر أبي تمام والبحتري فضلاً عن جرير والفرزدق، فما بالك بعودتنا إلى شعر النابغة وزهير ولبيد؟ أيريد بخمسة أسطر في هذه المجلة أن يمحو خمسمئة ألف بيت من الشعر قيلت في ألف وستمئة سنة من عمر الدهر؟!
إن للشعر معنى محدّداً وصورة ثبتَت في أذهان الناس من أيام الأفْوَه الأَوْديّ (الذي كان يعيش كما قالوا على عهد سيدنا المسيح عيسى بن مريم ﵇؛ إن الشعر عندنا لا يمشي إلاّ على ساقين من الوزن والقافية، فإن فقد إحداهما مشى على العكاكيز، وإن فقدهما صار شعراً كسيحاً لا يتحرّك إلاّ على كرسيّ ذي دواليب.
رحم الله الأستاذ العقّاد، عندما كان رئيس لجنة الشعر قدّموا إليه بعض هذا الذي يسمّونه «شعر الحداثة» فأحاله إلى لجنة النثر، لأنه أراد أن يدخل مدينة الشعر بجواز مزوَّر فردّه إلى موطنه، ولولا أنه رحمه وأشفق عليه لأحاله إلى محكمة الجنايات بتهمة التزوير!
* * *
стр. 3144
المختارات التي تضعونها في كتب المطالعة وتُلزِمون التلاميذ بفهمها وحفظها هي العامل الأول في تنمية الملَكة الأدبية في نفوسهم وتقويتها أو في إضعافها وإماتتها. ولقد صرنا نجد مَن يكتب في الصحف يسخر من شوقي ومَن لو أنصف الناس لنصبوه وإخوانه على الأعمدة ليكونوا عِبرة لمن يتجرّأ على الحقّ وينصر الباطل، يسخرون من شوقي وما ظهر من قرونٍ مَن هو أشعر من شوقي. شوقي الذي قال وهو في طراوة الشباب قبل أن يقوى عوده ويشتد أَسْره:
صوني جَمالَكِ عنّا إنّنا بشَرٌ ... مِنَ التّرابِ، وهذا الحُسنُ رُوحاني
أوْ فابتغي فَلَكاً تأوينَهُ ملَكاً ... لا تنصِبي شرَكاً للعالَم الفاني
قابِلوا -ناشدتكم الله- بين هذا الكلام وبين ما يقوله شعراؤكم أهل الحداثة (أو الحدث)! شوقي القائل:
أفضى إلى ختمِ الزّمانِ ففَضَّهُ ... وحبا إلى التاريخِ في محرابِهِ
وطوى القُرونَ القَهْقَرى حتّى أتى ... فرعَونَ بينَ طعامِهِ وشرابِهِ
شوقي الذي أنطق في قصيدة «الأزهر» أكبرَ ناطق وهو الدنيا، وأسمع أعظمَ سامع وهو الزمان حين قال:
قُمْ في فَمِ الدّنيا وحَيِّ الأزهرا ... وانثُرْ على سَمْعِ الزّمانِ الجَوْهرا
شوقي الذي قال في قصيدته عن نابليون:
وُضِعَ الشَّطْرَنجُ فاستقبَلْتَهُ ... ببَنانٍ عابثٍ باللاعبِينْ
صِدتَ شاهَ الرُّوسِ والنّمسا معاً ... مَنْ رأى شاهَينِ صِيدا في كَمينْ؟
* * *
стр. 3145
وشيء آخر لعلّه من أسباب ضعف الطلاب في الدروس كلها وفي العربية على التخصيص، أخشى إن قلتُ الحقّ فيه أن أُغضِب ناساً ما لي إلى إغضابهم رغبة، هو أن الاهتمام بالشيء بمقدار الحاجة إليه، وتُعرَف الحاجة إليه بمقدار الخسارة في فقده. ونحن نحتاج إلى مَن يعلّم أولادنا ومن يداوي مرضانا ومن يضمن إقامة العدل فينا ويؤدّب الجانحين والمجرمين منا. ونحتاج قبل ذلك إلى مَن يدلّنا على طريق النجاة في آخرتنا والوصول إلى رضا ربنا، فهل إدخال الكرة في شبكة في الملعب أهمّ من هذا كله؟
هذا هو السؤال، فلا تغضبوا إن أنا سألتكم فما أريد إلاّ أن أتعلّم: لماذا نهتمّ بهذا اللاعب أكثرَ من اهتمامنا بالطبيب وبالمدرس وبالأستاذ وبالواعظ؟ وكيف نرغّب الطلاب في القواعد والإملاء وهم يرون هؤلاء ينالون من التكريم أكثر مما يناله الخليل والمبرّد وأئمة اللغة أجمعين، لو بعثهم الله القادر على كل شيء من قبورهم فمشوا بيننا وعاشوا معنا؟ وأنا لا أقول لكم اتركوا العناية بالرياضة، فإنها من القوة التي أمر الإسلام بإعدادها، والقوةُ زينة الرجال: قوة العلم وقوة الجسم وقوة الإيمان، ولكن الذي أقوله لكم أن لا تدفعوا ثلاثمئة ريال مثلاً في بضاعة مهما غلت لا تساوي إلاّ خمسة عشر ريالاً.
* * *
أعود إلى كتب المطالعة وما تضعونه فيها، فهل تريدون الحقيقة الصادقة والنصح المخلص أم أنكم لا تحبون الناصحين (وأعيذكم بالله من ذلك)؟ جنّبوا كتب المطالعة هذا الأدب الذي
стр. 3146
تسمّونه يوماً بأدب الحداثة ويوماً بالشعر المنثور ويوماً بالنثر المشعور (كما قال المازني ﵀ مازحاً ساخراً لمّا سألوه عنه) ويوماً بقصيدة النثر، وكل ذلك من مظاهر العجز عن نظم الشعر البليغ؛ كالثعلب لمّا لم يصل إلى عنقود العنب قال إنه حامض.
واختاروا لهم ما يقوّي ملَكتهم العربية، لأن العربية والإسلام لا يكادان يفترقان. لقد حاقت بالعربية نكبات واعترضت طريقها عقبات ونزلت بها من نوازل الدهر المعضلات، ولكن ما مرّ بها يومٌ هو أشد عليها وأنكى أثراً فيها من هذا الأدب المزوَّر الذي سمّيتموه «أدب الحداثة». إنه ليس انتقالاً من مذهب في الشعر إلى مذهب ولا من أسلوب إلى أسلوب، ولكنه لون من ألوان الكيد للإسلام بدأ به أعداؤه لمّا عجزوا عن مسّ القرآن لأن الله الذي أنزله هو الذي تعهّد بحفظه، فداروا علينا دَورة وجاءونا من ورائنا. وكذلك يفعل الشيطان، يأتي الناس من بين أيديهم وعن أيمانهم ومن وراء ظهورهم. فعمدوا إلى إضعاف الإسلام بإضعاف العربية؛ إنها بدعة لم يسبق لها من قبل نظير (١)، إنها ردّة عن البلاغة كالردّة عن الإسلام التي كانت عقب انتقال الرسول ﵊ إلى الرفيق الأعلى، ولكنها ردّة (كما يقول أخونا الأستاذ أبو الحسن الندوي): ردّة ولا أبا بكر لها.
* * *
стр. 3147
-٢٤٤ -
عزمتُ أن أطوي أوراقي
وآوي إلى عزلة فكرية
لمّا شرعت أكتب هذه الذكريات ما كنت أقدّر أن تبلغ أربعاً وعشرين حلقة، فوفّق الله حتى صارت مئتين وأربعين، وما استنفدت كل ما عندي ولا أفرغت كل ما في ذهني، فقد جاءت على نمط عجيب، ما سرتُ فيها على الطريق المعروف ولا اتّبعت فيها الأسلوب المألوف، فلم تجِئ مرتَّبة مع السنين ولا مقسَّمة تقسيم الأحداث والوقائع، وما كانت تستقيم دائماً على الجادة بل تذهب يميناً وتذهب شمالاً، أبدأ الحديث فلا أُتِمّه وأشرع في آخرَ فلا أستكمله، وما أدري كيف احتمل القراء واحتمل الأستاذان الكريمان الناشران هذا كله مني.
وأنا أعرف أن من عيوبي الاستطراد، ولكني لا أملك التخلص من هذا العيب، ولعلّه من أثر إدمان النظر في كتب الأدب العربي القديم، كتب شيخنا الجاحظ ومن نحا منحاه واتّبع أثره. وأنا عاكف على هذه الكتب أنظر فيها لا أفارقها، من يوم تعلّمت القراءة وأنا ابن عشر سنين إلى أن جاوزت الثمانين.
стр. 3148
ومن سيّئ عاداتي أنني أكتب من ستين سنة كاملة ولكني لا أكتب إلاّ للنشر، وأني أسوّف وأؤخّر حتى لا يبقى بيني وبين موعد تسليم المقالة أو إلقاء المحاضرة أو إعداد البحث إلاّ الوقت الذي لا يتّسع إلاّ له، فأركض ركض الأرنب لا أمشي مشي السلحفاة. وأنا أقول من قديم أنْ قد كذب لافونتين وافترى، فما سبقَت السلحفاة أرنباً قطّ ولو نام على الطريق!
وكنت أفارقكم كل خميس على أن ألقاكم في الخميس الذي بعده، ولكن فراق اليوم إلى غير لقاء. لقد أحسستُ أنكم مللتم من ذكرياتي، وحقّ لكم أن تملّوا، فما أنا بالسياسي الذي يشارك في صنع التاريخ فيسرد عليكم جانباً من التاريخ الذي شارك في صنعه، ولا بالزعيم الذي يعمل على توجيه الشعب فيحدّثكم عمّا وجّه إليه شعبه، ولا بالناقد الذي استحدث مذهباً في الأدب مشى فيه ودعا إليه، فيحدّد لكم مذهبه ويبيّن لكم معالمه. ما أنا إلاّ واحد من غمار الناس، إن كتبت فلقد كتب كثيرون مثلَ الذي كتبت، وإن علّمت التلاميذ أو قضيت بين الناس فلقد كان واحداً من مئات المعلّمين والقضاة، ولكن الله أكرمه فجاء مبكّراً ونبغ قبل أوان نبوغ أمثاله. وقد يُقبَل من السابق ما لا يُقبَل من اللاحق، ولو أن رجلاً صنع الآن طيّارة كالتي طار بها رايت وأخوه وعرضها للبيع لَما اشتراها أحد بمئة ريال، ولكن طيارة الأخوين لو وُجدت لبيعت بمئات الآلاف. وسيارة فورد التي كنت أركبها إلى مدرستي في غوطة دمشق التي كنت أعلّم فيها الأولاد سنة ١٩٣١ لو طُرحت في المزاد لعدل ثمنها أثمان عشر سيارات جديدة.
стр. 3149
لقد ظهرتُ مبكّراً فالتفتَت إليّ الأنظار. وما كان ذلك لأنني جئت بما لم تجئ به الأوائل أو لأن عندي عبقرية قلّ مثيلها بين الناس، بل لأن الساحة كانت خالية، أو كأنها لقلّة مَن فيها كالخالية. والبِركةُ الساكنة إن ألقيتَ فيها حصاة حرّكتها وانداحت فيها -كما يقول ابن الرومي- الدوائر، والنهر الهادر الجياش المتحدّر من الأعالي إلى الأعماق إن رميتَ فيه صخراً لم تجد للصخر أثراً. والدهر أيام ثلاثة (١):
ثلاثةُ أيامٍ هيَ الدهرُ كلُّهُ ... وما هُنّ غيرُ الأمسِ واليومِ والغدِ
أما الغد فللشبان يصبّون فيه أحلامهم ويستودعونه أمانيّهم وآمالهم ويتوقعون منه المستحيل، لقد كانوا يُنشِدون ذلك النشيد الذي كان يوماً على كل لسان وكان يُسمَع في كل محفل ونادٍ: «نحنُ الشبابُ لنا الغدُ». أمّا الأمس فللشيوخ، يستعيدون بالذكرى أيامه ويبكون بعد الفقد أحلامه، يتصورون مُرَّه حلواً وسوادَه بياضاً، لا يرون غيره، لا يقول أحدهم: سأكون؛ ولكن يقول: كنتُ، لذلك دعا العرب الشيخ الكبير «الكُنْتِيّ» (نسبة على غير قياس إلى قوله «كُنْتُ»).
وأمّا اليوم فلغافل جاهل وقفَت به همّته حيث تقف الأنعام، فكان مطلبه الشراب والطعام، فإن أخذ حاجته منهما طلب الزواج، فهمّه طعامه وشرابه ونكاحه، لا يكاد يذكر ما مضى ولا
стр. 3150
يستعدّ لِما هو آتٍ. وعلى ذلك أكثر الناس، وقليل منهم مَن يعمل في حاضره لمستقبله ويزرع في يومه ليحصد في غده، فمَن زرع قمحاً حصد قمحاً، ومن ترك أرضه للشوك لم يحصد إلاّ الشوك في أصابعه والدم يخرج منها.
المستقبل للشباب. ولَطالما قاسيت من هذا المستقبل لمّا كنت شاباً، كان يقول لي أبي: اعمل لمستقبلك، ويسألني معلّمي: ماذا تريد أن تكون في المستقبل؟ فإذا أجبتُ جاء معلّم آخر غيره فأعاد عليّ السؤال، حتى تَكرّر عليّ خمسين مرة بدّلت فيها الغايات وعددتُ الطرق، وما كان شيء مما قدّرت. كنت والمستقبل كحصان ربطوا بظهره عصا طويلة ثم علّقوا فيها حزمة من الحشيش وقالوا له: اسعَ لتدركها! فمهما سعى فلن يصل إليها لأنها معه مربوطة به، تمشي إن مشى وتقف إن وقف. أطلب المستقبل في غد، فإذا جاء الغد صار المستقبل حاضراً وذهبتُ أفتّش عن مستقبل غيره.
كنت كراكب زورق في بحر هائج يوجّه زورقه الوجهة التي يراها، فتضربه موجة عاتية فتحوّله فتبدّل وجهته حيث تتجه الموجة لا حيث يريد الراكب. أحسستُ أني كصاعد الجبل، كلما بدت له صخرة حسبها الذروة فحاول الوصول إليها، حتى إذا بلغها بدت له ذروة أخرى من ورائها، فإذا بلغ أعلى الجبل فلم يبقَ أمامه ما يسمو إليه هبط من الجهة الأخرى. وأنا الآن قد بلغت الذروة التي استطعت الوصول إليها ولم يبقَ أمامي ما أسمو إليه، فرجعت أهبط من الوجه الآخر للجبل. عُدت من هذه الرحلة الشاقة، رحلة العمر، وما معي مما رأيت وما سمعت وما
стр. 3151
لذذت وما أَلِمْت وما سعدت وما شقيت، إلاّ بقايا صور في ذهني وأحاديث على لساني.
هي هذه الذكريات التي طالت حتى سئمتموها ومللتم منها، فسأدع الآن حديثها.
لقد عزمت على أن أطوي أوراقي وأمسح قلمي، وآوي إلى عزلة فكرية كالعزلة المادية التي أعيشها من سنين، فلا أكاد أخرج من بيتي ولا أكاد ألقى أحداً من رفاقي وصحبي. ثم قلت: أسأل القرّاء وأسأل صاحبَي الجريدة، فإن شاؤوا اعتزلت. ولقد وضعت استقالتي تحت أيديهما من سنين ثلاث. وإن شاؤوا جعلت بدل الذكريات خواطر ومشاهدات (١)، على أن يسمحا لي ويسمح القراء قبل أن أدعها أن أُكمِل شيئاً شرعتُ فيه.
* * *
كان أمامي قبل أن أشرع في كتابة هذه الحلقة كتاب أُنجز طبعه ولم تُخَرّم كراريسه ولم يوضَع غلافه، اسمه «كلمات نافعة»،
стр. 3152
حملته إليّ «دار المنارة» في جدة لأقدّم له مقدّمة.
ولقد سبق أن قدّمت لأكثر من خمسين كتاباً في أكثر من خمسين سنة، أولها كان لصحفي ناشئ اسمه عباس الحامض، صار من بعد صحفياً معروفاً ثم مضى حيث يمضي الأحياء ﵀، وآخرها مقدّمة شرّفني بها الداعية الكبير أخي الأستاذ أبوالحسن الندوي الذي تعرفونه فلا أحتاج أن أعرّفكم به.
هذه الكراريس التي وُضعت أمامي لكتاب ألّفه أخي ناجي، القاضي من قبلُ في الشام والمستشار الشرعي الآن في وزارة الأوقاف هنا من نحو ربع قرن، فكيف أكتب مقدّمة لكتاب لأخي؟ كنت أعرف عن مؤلّفي الكتب التي أقدّمها القليل فأصوغ منه الفصل الذي يطلبونه، ولكنني اليوم حيال حياة طويلة أخبارها كلها ماثلة لعيني، أعرفها من يوم وُلد سنة ١٣٣٢هـ (وكان عمري نحو ستّ سنين) إلى حين بلغت الواحدة والثمانين، فهل يمكن أن أختصر حياة طولها خمس وسبعون سنة حتى أُدخِلها في خمس صفحات تكون مقدّمة لكتاب؟ حياة رأى فيها ورأيت مثل ما يرى الناس جميعاً: أياماً بيضاً وأياماً سوداً، عرفنا فقراً وإن لم يبلغ حدّ الحاجة، واكتفاء وإن لم يصل إلى الغنى، عرفنا السرور عن طريق الحلال وعرفنا الكدر، ورأينا أزواجاً وأشكالاً من البشر، منهم الصالح ومنهم الطالح، ومنهم الوفي ومنهم الغادر، ومنهم الأمين ومنهم الخَؤون. حياة تبدّلت فيها الدنيا التي نشأنا فيها مرّات، دالت دول وحالت أحوال، ومات أقوام ووُلد أقوام، وبادت مذاهب في الفكر وفي الأدب ونشأت مذاهب، وكانت حرب وكان سلام ... فما دام سرور وما دام كدر، وما دام نفع وما دام ضرر.
стр. 3153
كان عالَمنا صغيراً ولكنا كنا نراه على صغره كبيراً، لم يكن عندنا إلاّ القليل ولكننا كنا راضين بقليلنا، كانت مسرّاتنا محدودة ولكنا لم نكن نطمح إلى أكثر من تلك المسرّات. لقد كنا سعداء، ولكن لم ندرك إلاّ الآن بعدما فات الأوان أننا كنا سعداء.
يحسب الإنسان أنه كلما زاد ماله واتسع اطّلاعه وعلَت منزلته كَبُرَت سعادته، وينسى أن السعادة هي قِصَر المسافة بين ما تجده وما تتمناه؛ فمن كان يجد عشرة ويتمنى عشرين فسعادته تنقص عشرة، ومن كان معه ألف وهو يطلب ألفين فنقص سعادته ألف. فنحن نحنّ إلى أيام الطفولة ونتمنى عودتها ونأسى على فَقدها، لأننا لم نكن نطلب فيها إلاّ القليل. ولست أريد أن ينشأ الشباب بلا طموح، فقد صدق شوقي لمّا قال:
شبابٌ قُنَّعٌ لا خَيرَ فيهمْ ... وبُورِكَ في الشّبابِ الطامحينا
* * *
كان عالَمنا بيتنا الصغير في الحارة الضيقة في حيّ في طرف دمشق، بلغ من ضيق الحارة أنه لو مشى فيها اثنان ومدّا أيديهما لنالا جانبَيها. والمسجد الصغير الذي كان أبي إمامه، فلما توفّاه الله ولّوني أنا الإمامة وأنا لم أكمل السابعة عشرة، فقالوا لي: لا بدّ للإمام من عمامة (وإن لم يكن قد اشترطها الشارع ولا أوجبها الدين) فأدرتُ على طربوشي عمامة فصرت شيخاً صغيراً. قالوا: ولا بدّ له من لحية. قلت: العمامة أتينا بها من عند البزّاز (أي بائع القماش) فمن أين آتي باللحية؟
стр. 3154
فإذا أردنا تبديلاً ذهبنا إلى بيت خالتي أم المشايخ: الشيخ شريف والشيخ سهيل والشيخ طه والسيد ثابت، وهي الشقيقة الكبرى لمحب الدين الخطيب التي ربّته وكانت له أماً بعد أن فقد أمه طفلاً. وكان هذا البيت مثلاً عجيباً للبيوت الشامية المتداخلة: يركب من جهة على بيت الجيران، له الطابق الأرضي وما فوقه للجيران، وهم يركبون ظهره من الجهة الأخرى فيكون السفل لهم وما فوقه له. ويدخل في بيت عمّي بيتُ جيرانه من الجهة الثالثة، فيكون له الوسط ولهم ما تحته وما فوقه! هندسة عجيبة. والبيوت متصلة السطوح، حتى إننا كنا نستطيع أن نقطع الحيّ كله من أوله إلى آخره من غير أن نضع أقدامنا على الأرض.
وكان الثوار (أيام الثورة السورية سنة ١٩٢٥) يمشون من جوار الأموي إلى قرب باب الجابية على السطوح المتصلة. ولبعض هذه الدور بابان (كدار الشيخ هاشم الخطيب ودار الشيخ صلاح الدين الزعيم، وهو الأخ الأكبر لحسني الزعيم صاحب بدعة الانقلاب) فكان المتظاهرون يدخلون الحارة يتعقّبهم الفرنسيون ومَن كان معهم بسلاحهم ليحصروهم، فإذا ولَجوا لم يجدوا فيها أحداً. كانوا (أي الثوار) يدخلون من باب الخيضرية (الخضيرية) إلى زقاق البرغل عند باب الجابية، فيجتازون خُمس دمشق من داخل بيت الشيخ هاشم الخطيب ﵀! كما يدخلون بيت الشيخ صلاح الزعيم في حيّ السمّانة من طرف دمشق فيخرجون من الباب الآخر إلى طرف بساتين الغوطة.
كان متنفَّسنا حين نريد متنفَّساً أن نذهب إلى بيت خالتي عند المدرسة البادرائية بين الأموي وباب السلام، الذي كان يُدعى
стр. 3155
قديماً باب السلامة. وهو أحد أبواب دمشق السبعة، وقد بقيَت ستة منها على حالها كما بقي أكثر السور سليماً. ولدمشق سوران وبينهما حي لا يزال يُسمّى إلى الآن «حيّ بين السّورين» (وإن كانت العامة تبدل السين صاداً). فإذا مشيت من باب السلام مشرّقاً بلغت باب توما ثم الباب الشرقي، وهو آخر الطريق المستقيم الذي ذُكر -كما أظنّ- في التوراة، فيكون بذلك أشهرَ شارع في التاريخ. وقد ورد في الأثر أن المسيح ينزل في آخر الزمان عند «المنارة البيضاء» شرقيّ دمشق، والله أعلم بصحّة الذي رُوي (١).
وأول هذه الطريق بابُ الجابِيَة الذي دخل منه أبو عبيدة دمشق صلحاً، كما دخلها خالد من الباب الشرقي فتحاً فالتقيا وسط معبد دمشق، الذي كان معبداً وثنياً ثم صار كنيسة نصرانية، ثم غدا مسجداً من أقدم مساجد الإسلام وأجملها، فقسموه بين المسلمين والنصارى، فكان ما حازه خالد عنوة مسجداً وما كان في حيّز أبي عبيدة بقي بالصلح كنيسة، فلما كان عهد الوليد ارتفع الصوت بالشكوى: المسلمون يشكون من قرع النواقيس وقت الصلاة والنصارى يشكون من ارتفاع الأذان، فبنى الوليد للنصارى الكنيسة الكبرى، بُنيت لهم بأموال المسلمين وبأيديهم ونقلهم برضاهم إليها، وأخذ منهم الكنيسة فضمّها إلى المسجد.