ذكريات
علي الطنطاوي
الجزء الأول
طبعة جديدة
راجعها وصحّحها وعلّق عليها حفيد المؤلف
مجاهد مأمون ديرانية
دار المنارة
للنشر والتوزريع
стр. 2
حقوق الطبع محفوظة
يُمنَع نقل أو تخزين أو إعادة إنتاج أي جزء من هذا الكتاب بأي شكل أو بأية وسيلة: تصويرية أو تسجيلية أو إلكترونية أو غير ذلك إلا بإذن خطي مسبق من الناشر
الطبعة الخامسة
٢٠٠٦
دار المنارة
للنشر والتوزريع
ص ب ١٢٥٠ جدة ٢١٤٣١ المملكة العربية السعودية
هاتف ٦٦٠٣٦٥٢ فاكس ٦٦٠٣٢٣٨ المستودع ٦٦٧٥٨٦٤
стр. 3
بين يَدَي الذّكريات
كان تدوين هذه «الذكريات» ونَشْرُها حُلماً حمله علي الطنطاوي في قلبه وأملاً ظلّ يراوده سنين طِوالاً، حتى قال -في بعض سطور مقدمته لكتاب «تعريف عام» - إنه يرضى أن يتنازل عن كل ما كتبه ويوفق الله إلى إكمال ذلك الكتاب (تعريف عام) وكتاب الذكريات. وتأخّرَ الأمر، وأجّل جدي الشروعَ فيه ثم ما زال يؤجّل، ومرت السنون بإثر السنين، حتى كان يومٌ من أيام سنة ١٩٨١ جاءه فيه زهير الأيوبي، يسعى إلى إقناعه بنشر ذكرياته في مجلة «المسلمون» التي كان قد ابتدأ صدورها في ذلك الحين، فما زال يُلحّ عليه حتى وافق على نشرها فيها.
لقد استجاب لهذا الإلحاح وهو لا يتصور ما هو مُقْدم عليه، وأكاد أجزم أنه لو كان يعلم لأحجم وما أقدم، فقد هوّنوا عليه الأمر في البداية حتى راح يتحدث وهم يكتبون ما يقول، وظهرت في مجلة «المسلمون» حلقتان كذلك، ولكنه ما لبث أن استُثيرت همّته ودَبَّت فيه الحماسة فتحول إلى كتابة الحلقات بنفسه، ومضى فيها تجرّ كلُّ حلقةٍ حلقةً بعدها حتى قاربَت ربعَ ألف حلقة. وأحسب أنه لو لم يوافق -في ذلك اليوم- على الشروع بهذا المشروع لما رأينا هذه الذكريات بين أيدينا قط.
стр. 4
ما سبق هو الذي قلته منذ سنوات في الكتاب الذي كتبته عن جدي ﵀ (علي الطنطاوي: أديب الفقهاء وفقيه الأدباء)، واليومَ أقول عن نفسي المقالَةَ ذاتَها، وأعترف بأنني كنت سأُحْجم كما كان سيُحْجِم لو عرفتُ ما سأنفقه في مراجعة هذه الذكريات من جهد ووقت. لقد تهيّبت الإقدامَ على «الذكريات» منذ البداية ودافعت هذه المهمةَ ما استطعت، وكان من خطتي أن أراجع الكتب جميعَها قبل أن أقحم نفسي في بحر الذكريات اللُّجَاج، لكنني -على ما بالغت في الحساب والتقدير- لم أقدّر أن يبلغ العمل في مراجعتها الصعوبةَ التي لقيتُها فيه ولا أن يستهلك الوقتَ الذي أنفقتُه.
وهأنذا اليوم أخط كلمات هذه المقدمة ويكاد عامٌ بأكمله ينصرم منذ بدأت بمراجعة السطور الأولى من الذكريات، لا أقول إني أنفقته كلَّه فيها، لكنني أجرؤ أن أقول غيرَ مبالغ ولا متزيّد إنني قد أنفقت فيها نصف أيام العام كاملة أو تزيد!
* * *
لقد كان العمل صعباً لطول هذا الكتاب وتنوّع موضوعاته، وأنا زدته على نفسي صعوبةً حين أردت أن أقترب من الكمال؛ أعني أنني سعيت إلى غاية الإتقان الممكن، أما الكمال الحقيقي فلا يقدر عليه الناس، إنما هو من عمل ربّ الناس.
اجتهدت -أولاً- في تصحيح أخطاء الطبعات السابقة، وهي كثيرة، ولا سيما في الأجزاء المتأخرة. فقد استغنى جدي ﵀ حين صدرت تلك الأجزاء عن المصحِّحين واعتمد
стр. 5
على تصحيحه. على أنه من المقرَّر في صناعة النشر أن المؤلف لا ينبغي له مراجعة تجارب طباعة ما يكتب، ذلك أنه يقرأ بعقله لا يقرأ بعينيه، أي أنه يمرّ بالكلمات فيرى ما كتبه ابتداءً ويُغفل -لاشعورياً- الاضطرابَ والخطأ الناشئ من عمل طابعي النَّص. ذلك فضلاً عن أنه كان قد كَبُر وكلَّ وملَّ حينما نُشرت الأجزاء الأخيرة، فكان عاقبة ذلك أن ازدحمت تلك الأجزاء بالأخطاء ازدحاماً عجيباً، حتى لا أكاد أبالغ لو قلت إن الجزأين السابع والثامن خاصة قد زادت أخطاء الطباعة في كل منهما على ألف خطأ. بل لقد بلغ الأمر في واحدة من الحالات أن انتقلت صفحات كاملة من حلقة من الحلقات إلى موضع قَصِيّ، فصار يفصل بين جزء من المقالة والجزء الآخر عشراتٌ من الصفحات!
ولم يقتصر الأمر على الخطأ المطبعي بل كَثُرَ السَّقْط (الحذف)، فسقطت أحياناً كلمات منفردة وأحياناً أخرى جُمَل كاملة وسطور عدّة، واضطربت أبيات كثيرة من الشعر واختلّ ميزانها بسبب نقص كلمات فيها أو طباعة بعضها خطَأً. وما أكثرَ الكلمات التي طُبعت خطَأً حتى صار المعنى الذي يفهمه القارئ عَجَباً من العجب، وحتى صار البحث لتصحيحها -في بعض الأحيان- أقربَ إلى حل لغز من الألغاز أو فكّ أسرار أُحْجِيّة من الأُحجيّات.
كان عليّ أن أقرأ النصّين، نصّ الكتاب ونصّ المقالة المنشورة في الجريدة، لكي أقع على مواطن الخطأ والخلل، واضطررت غيرَ مرة إلى مراجعة الأصل المخطوط أو المادة المسجَّلة بحثاً عن تصويب خطأ خفي أو خلل غامض. فكان
стр. 6
من جملة ما وجدته أن الطبعات السابقة من الذكريات قد فقدت نصفَ إحدى الحلقات بسبب خطأ وقع فيه الذين جمعوا مادة الطبعة الأولى من الكتاب، فأعدتها إلى موضعها (١) (وهي في الجزء الثالث). وفي الجزء ذاته أضفت حلقة لم يسبق نشرها من قبل، وهي الحلقة السابعة والتسعون (٢)، فتغيّر بإدراج هذه الحلقة ترتيبُ سائر الحلقات الآتية بعدها في الذكريات.
وقد اجتهدت في ضبط أكثر أسماء الأعلام والأماكن الواردة في هذا الكتاب بالشَّكْل، ولا سيما حيثما أحسست أنها أسماء بعيدة عن مألوف عامة القرّاء، رجاءَ أن يلفظوها لفظاً صحيحاً. وكذلك ضبطت بالشَّكْل كلَّ لفظ غريب قدّرتُ أن يستصعب النطقَ به بعضُ القرّاء، ثم شكّلت كل ما ورد من الشعر (ولم يكن شيءٌ منه مشكولاً في الطبعة السابقة)، فالشعر يفقد وزنه إذا اختلّت قراءته، وغريبُ اللفظ فيه أكثر من سواه.
ووحّدت رَسْمَ الكلمات التي وردت في الطبعة السابقة في صور شتى، إذ لا يجوز أن يتعدد رسم الاسم الواحد في الكتاب الواحد، فقد وجدت -مثلاً- «سوريا» و «سورية» عَلَماً على البلد، فجعلتها «سوريا» بالألف حيثما وردت، لأن مذهب كتابة أسماء البلدان بتاء مربوطة قد اندثر اليوم بعدما كان شائعاً في أخريات
стр. 7
القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، فلم تعد تجد اليوم «فرنسة» و «إيطالية» مثلاً بل «فرنسا» و «إيطاليا». وكذلك وجدت في الذكريات «أمريكا» و «أميركا» و «أوروبا» بواو ثانية و «أوربا» بلا واو، فجعلت ذلك كله «أميركا» و «أوربا» لأنه هو مذهب جدي ﵀ في كتابة هذه الأسماء. وقل مثل ذلك في اختلاف رسم اسم العلَم (العمودي والعامودي مثلاً)، وعشرات من أمثال ذلك. وقد وقعَت أخطاء الرسم هذه كلها وكثيرٌ من أخطاء الإملاء (التي صحّحتها) وبعضُ الأخطاء المضحكة في تبديل كلمة بأخرى، كل ذلك وقع حينما توقف جدي عن كتابة الحلقات بخط يده وتحوّل إلى إملائها بصوته، فصارت تُسَجَّل على شريط يذهب إلى الجريدة فيَطبع طابِعُها الحديثَ الذي يسمعه كما يسمعه، فما أكثرَ الأعاجيب التي كنتَ تجدها مطبوعة عندئذ، أكثرُها صحّحه جدي في وقته وأقلها وجد طريقه إلى الكتاب المنشور!
أما الحواشي التي أضفتها إلى الكتاب فقد سرت فيها على خطتي المألوفة التي اتّبعتها في كل ما راجعته من كتب جدي من قبل؛ فأنا أوضح فيها ما أجده غامضاً غموضاً أقدّر حاجة عامة القراء إلى إيضاحه (وهو في هذه الذكريات أكثر من سواه فيسائر الكتب بسبب خصوصية الزمان والمكان) أو موجَزاً إيجازاً يصلح معه بعض التفصيل والبيان، وإذا أشار إلى مقالة له أو كتاب ذكرتُ المقالة أو ذكرت الكتاب، وربما وجدته قد طرح المسألة في صيغة الشكّ أو التساؤل، فعندئذ أتابعه فيها بقدر ما أملك من التدقيق والتوثيق، كضبط بيت من الشعر أو نسبته إلى قائله، أو تحقيق معلومة تاريخية، وأمثال ذلك مما ستجدونه في مواضعه.
стр. 8
وسوف يجد قارئ هذه الذكريات أن في بعض مواضعها تكراراً، فيقرأ في حلقة وصفاً لأحداث قرأ عنها في حلقة مضت أو حديثاً عن أعلام سبق الحديث عنهم فيما مرّ من حلقات (وهو أمر اعتذر منه المؤلف غيرَ مرّة في ثنايا الذكريات) (١)، وكل ذلك تركته لم أمسّ منه شيئاً ولم أعلق عليه مشيراً إلى تكراره، لأن المناسبة جرّت إليه هنا كما جرّت إليه هناك، ولأن الحديث -وإن تكرر- قد جاء بصورة غير الصورة أو بكلمات غير الكلمات. الموضعُ الوحيد الذي تدخّلتُ فيه بالحذف كان حين حذفت قطعة طويلة مكررة بكلماتها وحروفها جميعاً، وهي نحو خمس صفحات كانت في الحلقتين ٢٠٧ و٢٠٨ من الطبعة القديمة (وهما اليوم الحلقتان ٢٠٨ و٢٠٩ في الجزء السابع)؛ فقد أفرد جدي ﵀ الحلقة الخامسة والسبعين من ذكرياته للحديث عن الخط الحديدي الحجازي، ثم عاد بعد سنتين فكرر عنه الحديثَ في هاتين الحلقتين، فلم أشكّ في أنه قد سها ونسي وتابعه الناشر في سهوه ونسيانه.
* * *
بقي أن أوضّح أمراً ربما كان قد أثار تساؤل بعض القراء الذين قرؤوا الكتاب في طبعته القديمة: لماذا بدأ علي الطنطاوي الحلقات الأولى من هذه الذكريات بالحديث عن مدرسته، ثم
стр. 9
عاد بعد خمسَ عشرةَ حلقة ليتحدث عن جدّه وأصل أسرته، وبعد عشرين حلقة ليحدثنا عن أبيه، وأربع وأربعين حلقة ليحدثنا عن أمه؟ نعم، لقد عوّدَنا أن يقفز من موضوع إلى آخر وأن يقطع موضوعاً فيَصِلَه بعد عشر حلقات أو عشرين، أو لا يصله أبداً، لكن المنطق أن يبدأ المرءُ حديثَه عن نفسه بالحديث عن منشأ أسرته وعن أجداده وآبائه، وذلك قبل أن يتفرّع مشرّقاً ومغرّباً.
والجواب هو أن ما ترونه أمامكم بعد هذه الصفحات وفي رأسه رقم (١) ليس هو الفصل الأول في الحكاية ولا هو أولى حلقات الذكريات، بل هو الحلقة الثالثة، أما الحلقتان الأولى والثانية فلم تظهرا في الكتاب قط.
لقد جاء الأستاذ زهير الأيوبي يطلب من جدي ابتداءً أن يكتب ذكرياته في «المسلمون»، فلما فشل في حمله على الكتابة هوّن له الأمر فعرض عليه أن يتحدث على سجيته فيسجَّل حديثُه ثم يُحرَّر ويُنشَر، فاستسهل المسألة فوافق على العرض. قال في المقدمة التي تقرؤونها في الصفحات الآتيات: "ثم اتفقنا على أن أحدّث بها واحداً من إخواننا الأدباء وهو يكتبها بقلمه، فسمع مني ونقل عني وكتب حلقتين كانتا من براعة الاستهلال لهذا الكتاب. وما قصّر أحسن الله إليه، ولكن لا يَحُكّ جسمَك مثلُ ظفرك، فكان من فضله عليّ أن أعاد بعضَ نشاطي إليّ، فبدأت أكتب".
وهكذا ظهرت الحلقة الأولى في الصفحة الأولى من العدد الرابع من أعداد مجلة «المسلمون» (الوليدة يومئذ) في الرابع والعشرين من محرم عام ١٤٠٢ (٢٠/ ١١/١٩٨١)، وتلتها الحلقة
стр. 10
الثانية في الأسبوع الذي بعده، وفي هاتين الحلقتينتحدث جدي ﵀ عن أصل أسرته وعن جده وأبويه وبيته الذي نشأ فيه صغيراً والكُتّاب الذي دخله ثم المدراس التي تنقّل بينها، كل ذلك حدّث به حديثاً مختصَراً لا تفصيل فيه ولا تطويل، لأنه لم يكن قد اختطّ خطة لكتابة هذه الذكريات ولا درى أنه سيتوسع فيها بالقَدْر الذي صنع من بعد (١). فلما رأى حديثه منشوراً في المجلة بقلم المحرر وأسلوبه اتّقَدت حماسته وشمّر عن ساعده، واستلّ من غمده قلماً كان قد طواه وشرع يكتب ذكرياته بنفسه، فثَمّ كان مبتدَأ الذكريات المنشورة وكانت أولى حلقات هذا الكتاب.
* * *
هذا مُجمَل عملي في هذه الطبعة الجديدة من «الذكريات»، لعلّي أفي به صاحبَها بعضَ الفضل الذي أنا مَدين له به، وإنه لكثير. وأرجو أن أشاركه في أجر الانتفاع بما فيها، فأكسب أجراً أجده في صحيفتي يوم الحساب، وإني إليه يومئذ لمحتاج.
مجاهد مأمون ديرانية
جُدّة: جُمادى الأولى ١٤٢٧
стр. 11
المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم. اللهم لك الحمد، اللهم وفّقنا لما ترضى واختم لنا بالحسنى. وبعد:
فهذه ذكرياتي، حملتُها طول حياتي وكنت أعُدّها أغلى مقتنياتي، لأجد فيها يوماً نفسي وأسترجع أمسي؛ كما يحمل قِربةَ الماء سالكُ المَفازة لتردّ عنه الموت عطشاً. ولكن طال الطريق وانثقبت القِربة، فكلما خطوت خطوة قطرَت منها قطرة. حتى إذا قارب ماؤها النفاد، وثقل عليّ الحمل، وكَلّ مني الساعد، جاء مَن يرتق خرقَها ويحمل عني ثقلها ويحفظ لي ما بقي فيها من مائها، وكان اسمه زهير الأيوبي.
جاءني يطلب مني أن أدوّن ذكرياتي في مجلة «المسلمون» لمّا عزم الأخوان الأستاذان هشام ومحمد ابنا أخي الأستاذ علي حافظ على إصدارها. وكان نشرُ هذه الذكريات إحدى أمانيّ الكِبار في الحياة، ولطالما عزمت عليها ثم شُغلت عنها، وأعلنت عنها لأربط نفسي بها فلا أهرب منها، ثم لم أكتبها، بل أنا لم أشرع بها؛ لأني لا أكتب إلا للمطبعة. لذلك لم أجد عندي شيئاً مكتوباً أرجع عند تدوين الذكريات إليه وأعتمد عليه، وما استودعتُ الذاكرة ضعفت الذاكرة عن حفظه وعجزَتْ عن تذكّره؛ لذلك
стр. 12
أجّلت وماطلت وحاولت الهرب من غير إبداء السبب، وهو يحاصرني ويسدّ المهارب عليّ ويمسك بأدبه ولطفه وحسن مدخله، يمسك لساني عن التصريح بالرفض. ثم اتفقنا على أن أحدّث بها واحداً من إخواننا الأدباء وهو يكتبها بقلمه، واخترنا الأخ العالِم الأديب إبراهيم سرسيق، فسمع مني ونقل عني، وكتب حلقتين كانتا من براعة الاستهلال لهذا الكتاب. وما قصّر أحسن الله إليه، بل لقد تطوّل وأحسن وأجمل، ولكن لا يَحُكّ جسمَك مثلُ ظفرك، فكان من فضله عليّ أن أعاد بعض نشاطي إليّ، فبدأت أكتب.
ولولا زهير الذي اقترح، ولولا إبراهيم الذي نشّط وشجّع، لما كتبتُ؛ فلهما وللأستاذين هشام ومحمد، ولَدَي الأستاذ علي حافظ وابنَي أخ الأستاذ عثمان حافظ، رائد الصحافة في هذه البلد، لهم الشكر.
والشكر لولدي وصهري صاحب دار المنارة التي تقدّم الطبعة الأولى من هذه الذكريات، ولحفيدي الذي عمل على ترتيبها وتنسيقها وإعدادها للطبع. وإن كان صهري محمد نادر حتاحت وحفيدي مجاهد ديرانية مني، ليسا غريبين عني، فإن شكرتهما فحمداً لله أن رزقني مثلهما، وإلاّ فما يشكر امرؤٌ نفسَه.
والشكر للأستاذ محمد علي دولة، الذي آثر العمل في نشر الكتب على التعليم الذي كان من أهله وكان موفَّقاً فيه، لما يجد في النشر من نفع الناس ورجاء ثواب الله. فهو الذي وقف على
стр. 13
طبع الكتاب ووضع فيه ذوقه وفنه وخبرته وتجرِبته.
* * *
بدأتُ كتابة الذكريات وليس في ذهني خطّة أسير عليها ولا طريقة أسلكها، وأصدُق القارئ أني شرعت فيها شبه المكرَه عليها، أكتب الحلقة ولا أعرف ما يأتي بعدها، وكثيراً ما كنت أنسى ما الذي كتبته في التي قبلها، فجاءت غريبة عن أساليب المذكّرات وطرائق المؤرّخين؛ فمن المؤرّخين من مشى مع السنين اقتداء بشيخهم وشيخ المفسّرين الطبري، فقطّع الحادث الواحد تقطيعاً فأضاع وَحدته وأبلى جِدّته، ومنهم من جمع الأحداث، ربط مبداها بمنتهاها ولكنه أخفى زمانها.
ووجدت الذين كتبوا مذكّراتهم في هذه الأيام منهم من اعتمد على وثائق مدوَّنة أو وصف للحادثات كتبه في حينها. وأنا لا أملك إلا بعض الأوراق الرسمية المدرسية أو الوظيفية أو الصور الشمسية، وكثيرٌ منها لم يكُن تحت يدي وأنا أكتب، وقلت لنفسي: إن جاءت مهوّشة على غير نظام فكذلك الدنيا؛ الدنيا فيها صحو ومطر، ومسرّة وكدر، ويسر وعسر، وضحك وبكاء، وشدة ورخاء. ولكن هل يأتي ذلك على ترتيب معروف ونهج واضح؟
كذلك جاءت ذكرياتي.
ولعلي إن مدّ الله في الأجل ونشّطني للعمل أعود إليها فأستأنف النظر فيها فأَنْظمها في خيط واحد، أضمّ النظير إلى نظيره، أجمع الأشياء وأؤلف بين النظائر حتى يأتي الحديث
стр. 14
مسلسَلاً. وإن لم يقدَّر لي ذلك فحسبي أن أنقذت من النسيان ما أمكن إنقاذه.
هذا وأنا إلى الآن قد كتبتُ (أو أنا على الصحيح قد أمليتُ وكتبوا) (١) مئة وثلاثين حلقة ولا أزال في سنة ١٣٥٩هـ، فهل أصل إلى نهاية الشوط؟
اللهم إن أحييتني فوفّقني لما يرضيك، وإن توفّيتني فعلى دينك، واكتب لي بكرمك العفوَ عن سيئاتي والنجاةَ يوم الحساب.
مكة المكرمة: صفر ١٤٠٥هـ
علي الطنطاوي
стр. 15
- ١ -
ذكريات لا مذكّرات
هذه ذكريات وليست مذكّرات؛ فالمذكّرات تكون متسلسلة مرتبة، تمدها وثائق معدَّة أو أوراق مكتوبة وذاكرة غضة قوية. وأنا رجل قد أدركه الكِبَرُ فكلّت الذاكرة وتسرب إلى مكامنها النسيان. والنسيان آفة الإنسان، وإن كان نعمة من الله. ولولا أن المرء ينسى آلام الحياة ما استطاع السكون إليها ولا الرضا بها.
وليس لديّ أوراق مكتوبة أدوّن فيها الحادثة حين حدوثها وأصف أثرها في نفسي، وهذا تفريط كامل مني لم يعد إلى تداركه من سبيل، لذلك أوصي كل قارئ لهذه الفصول أن يتّخذ له دفتراً يدوّن فيه كل عشية ما رأى في يومه، لا أن يكتب ماذا طبخ وماذا أكل ولا كم ربح وكم أنفق، فما أريد قائمة مطعم ولا حساب مصرف، بل أريد أن يسجّل ما خطر على باله من أفكار وما اعتلج في نفسه من عواطف، وأثر ما رأى أو سمع في نفسه، لا ليطبعها وينشرها (فما كل الناس من أهل الأدب والكتابة والنشر) ولكن ليجد فيها -يوماً- نفسَه التي فقدها.
لا تعجبوا من هذا الكلام، فنحن في تبدّل مستمرّ؛ كل يوم
стр. 16
يموت فيّ شخص ويولد شخص جديد، والميت أنا والمولود أنا. خلايا جسدي تتجدد كلها كل بضع سنوات حتى لا يبقى منها شيء مما كان (١). عواطف نفسي تتبدّل، فأحب اليوم ما كنت أكره بالأمس وأكره ما كنت أحبّ. أحكام عقلي تتغير، فأصوّب ما كنت أراه خطأ وأخطّئ ما كنت أجده صواباً.
فإذا كانت خلايا الجسد تتجدّد، وعواطف النفس تتغير، وحكم العقل يتبدّل، فما هو العنصر الثابت الذي لا يتبدّل ولا يتغير؟ أقول: "قال لي عقلي" و"قلت لنفسي"، فمَن أنا -إذن- إذا كان عقلي غيري فأقول له وكانت نفسي غيري فتقول لي؟
العنصر الثابت الباقي هو الذي لا ينقص إن قُطع عضو من أعضائي ولا يموت إن متّ، بل يبقى حياً يحاسَب، فيكافَأ أو يعاقَب. هذا العنصر هو «أنا» الحقيقي، وهو شيء من غير عالمنا الأرضي فلا تنطبق عليه قوانين علومنا الأرضية، هو الروح (٢).
هذا تفسير قولي إن من تعوّد أن يكتب كل يوم في هذا الدفتر وجد فيه يوماً نفسَه التي فقدها.
قلت إني أدوّن ذكريات لا أكتب مذكّرات. أنا لا أستطيع أن أكتب قصة حياتي متسلسلة مرتّبة لأني أعتمد على ذاكرة فقدَت حِدّتها وأبلت الأيامُ جِدّتَها، فقد أنسى الحادثة في موضعها ثم
стр. 17
أذكرها في غير موضعها.
وعيبٌ آخر عندي، هو عيب كتب الأدب العربي القديم ومن نشأ عليها وألِفها، هو الاستطراد والخروج عن الموضوع. هذا كتاب «الحيوان» للجاحظ مثلاً، أسألُ من قرأه منكم: كم في أبوابه ممّا يدل عليه عنوانه؟ هل التزم فيه علم الحيوان (أي علم الحياة) أم ذهب به الاستطراد يميناً وشمالاً فتكلم في كل شيء؟ هذا هو أسلوب كتبنا الأدبية، فلا تلوموني -وقد نشأت عليها- أن أسلك سبيلها.
لقد صار الاستطراد عادة لي. أعترفُ أنها عادة سيئة، ولكنْ ما أكثرَ العادات السيئة التي لزمتنا فلم نستطع الانفكاك عنها! ولو كانت من المحرّمات لأكرهت نفسي على تركها، فليس لمسلم يأتي المحرّمات أن يحتجّ بتعوده عليها، ولكنها -لسوء حظي- ليست من المحرّمات.
ولطالما كنت أخطب في الحشد الكبير أو أتكلم في الإذاعة أو الرائي (وأحاديثي فيهما كلها ارتجال ليس أمامي ورقة مكتوبة أقرأ فيها)، فأستطرد وأخرج عن الخط، فإذا انتهى الاستطراد وقفت كما وقف حمار الشيخ في العقبة، فلا أذكر من أين خرجت ولا إلى أين أعود. ولا تسألوني مَن هو هذا الشيخ، فإن المثل خلّد ذِكر الحمار ونسي اسم الشيخ ليعلّمنا أن خلود الأسماء ليس الدليلَ على عظمة أصحابها.
والمذكّرات يكتبها أرباب المناصب ورجال السياسة وقادة الجيوش، الذين شاركوا في صنع الأحداث فاستحقّوا أن تكون
стр. 18
مذكّراتهم من مصادر التأريخ لهذه الأحداث (بعد ضرب بعضها ببعضٍ وتمحيص ما ورد فيها، لأن كل خبّاز يجرّ النار إلى قرصه وكل راوٍ لقصة يكبّر دوره فيها ويصغّر أو يمحو دور غيره). ولست من هؤلاء، وإن كنت قد شاركت -من فوق المنبر، أو من وراء المذياع، أو من بين سطور الصحف والكتب- في كثير من الأحداث في بلدي. شاركت فيها ولم أكن من صانعيها ولا من قاطفي أثمارها. وإني طول عمري أقرب إلى العزلة، أعيش بين كتبي وقلة من إخواني، ذهب جلّهم إلى رحمة الله.
وقد يقرأ امرؤٌ ما كتبت في الحادث العظيم أو يسمع ما قلت فيه، فيحسب أني أنا مدبّر الأمر وأني مديره، لا يعلم أني جئت من بيتي فدخلت من الباب الخلفي إلى المنبر، ثم نزلت من المنبر فخرجت من الباب الخلفي إلى بيتي، وإن كانت لي مواقف حوّلت مسار الحوادث وأقامَت وأقعدَت وأثارت وحمّست، لا يزال يذكرها كثير من أهل بلدي.
عفواً فأنا لا أمدح نفسي، وأنا أعلم أن الحديث عن النفس ثقيل على السمع، وكلمة «أنا» ليست من الكلمات المستساغات، ولكن ماذا أصنع وأنا أدوّن ذكريات موضوعها «أنا»، فإن لم أتكلم عن نفسي في سرد ذكرياتي فعمّن تريدون أن أتكلم؟ ولكن لكم عليّ عهداً أنا موفٍ به إن شاء الله، هو ألاّ أقول إلاّ الحقّ وألاّ أذكر مما صنعت إلاّ ما يشهد كل مَن «عاصره» أنني صنعته.
وبيان آخر: الجندي حين يمشي في مهمة عسكرية يمضي إلى غايته قُدُماً، لا يعرج على شيء ولا يلتفت إليه، ولكن السائح يسير متمهلاً ينظر يَمْنةً ويَسْرةً، فإن رأى منظراً عجيباً وقف عليه،
стр. 19
وإن أبصر شيئاً غريباً صوّره، وإن مرّ بأثر قديم سأل عن تاريخه، فيكون له من سَيره متعة ويكون له منه منفعة. وأنا لا أحب في هذه الذكريات أن أمشي مشية الجندي، بل أسير مسيرة السائح.
لا أكون مغمض العينين لا يرى من الدنيا إلاّ نفسه، كالذي يدخل بهو المرايا في «فرساي»، ولا أريد أن أتحدث عن نفسي وحدها وأغفل ما حولي. ولعلّ وصف ما كان حولي أجدى على القراء من سرد قصة حياتي وحدها؛ ذلك أن ما كان في صغري أمراً عادياً صار الآن عند أكثر الناس تاريخاً.
* * *
دمشق التي عرفتها وأنا صغير ليست دمشق التي نراها الآن؛ تبدلت دُورُها وحاراتها وأزياء أهلها وكثير من أعرافهم وأوضاعهم، ودخل الحديث عنها في باب التاريخ. ولست أصف هنا دمشق، فإن لي كتاباً اسمه «دمشق» فيه صور من جمالها وعِبَر من نضالها، ونشرت في «الرسالة» في عَشر الثلاثين من هذا القرن الميلادي (أو الثلاثينيات كما تقولون) مقالات كثيرة عنها (١).
وفي الدنيا اليوم مدن كثيرة موغلة في القِدَم، حتى إن التاريخ نفسه لم يدرك ولادتها، ولكن دمشق أقدم المدن العامرة المسكونة في الدنيا. وفي الدنيا مدن كثيرة بارعة الجمال، ولكن
стр. 20
دمشق (في نظر أهلها على الأقل) أجمل مدن الدنيا. أوْ كانت أجمل بلاد الدنيا، فأفسدنا نحن -أهلَها- جمالها.
أدهشَت غوطتُها العربَ لمّا رأوها، فأنطقت شعراءهم بروائع البيان وخوالد القصائد. فأين اليوم الغوطة؟ الغوطة الغربية قطعنا أشجارها وقلعنا أورادها وأزهارها، ورمينا فوق رأسها الحجارة والأبرق (أي الإسمنت المسلّح)، فقتلناها خنقاً ودفنّاها حية، وأقمنا عليها بيوتاً طبقاتها صناديق وعلب لسردين البشر جعلناها قبوراً لها.
تبدلت دمشق حتى جوها. مَن كان يحتاج في صيف دمشق إلى مراوح فضلاً عن المكيّفات؟ متى كانت تصل الحرارة فيها إلى أربعين درجة مئوية؟ كان إخواننا من أهل المملكة السعودية وأهل العراق يصيّفون في دمشق نفسها، وما كنا نحن -أهل دمشق- نعرف الانتقال في الصيف إلى الجبال. فما الذي غيّرها؟ مَن ألهب هواءها وسدّ مسارب النسيم الناعش إليها؟ نحن، نحن الذين قطعوا أشجارها. الناس يزرعون ونحن نقلع، وهم يحوّلون الصحارى بساتين ونحن نمسخ البساتين صحراء. ما صنعنا هذا اليوم ولا قبل خمس سنين، بل هي جناية جنيناها على دمشق من عشرات مضت من السنين، حتى ضاع الجاني وقُيّدت «جناية من مجهول»!
حتى الغوطة الشرقية، الغوطة الكبرى، ما سلمت منا ولا نجت من أذى أيدينا. في طرف الغوطة منطقة تُدعى «درب الجوز» أعرفها أنا، فيها من أشجار الجوز ما لا يحيط بجذع الشجرة منها رجلان إذا مدّا أيديهما، لست أدري من هو العبقري
стр. 21
الذي اختارها لمنطقة المصانع ولا متى كان ذلك، فقامت مكان الأشجار الضخمة التي تثمر الجوز مداخنُ تنفث الدخان.
الذي يقف على باب داره يرى الطريق والدكاكين والمارّة رؤية وضوح وبيان، ولكنه لا يرى ما بعد المنعطف ولا ما وراء الحيّ. فإن صعد المنارة رأى الحيّ كله، فاتسعت ساحة النظر ولكن قلّت تفاصيل المنظور. فإن ركب الطيارة أبصر البلدة كلها بنظرة شاملة لأطرافها مبيّنة لحدودها، لكنها مضيّعة لتفاصيلها ماحية لدقائقها.
فما صورة دمشق التي عرفتها وأنا صغير؟
كنت إذا صعدت جبل قاسيون وبدت لي دمشق بغوطتَيها، وانجلت لعينَيّ لوحة عرضها أكثر من عشرين كيلاً، ألفّها بنظرة واحدة من شرفة داري؛ أرى الدنيا كلها تجمّعت مصغّرة فيها: فالعمران في البلد يتوسطه الجامع الأموي وقبة النسر التي كانت -منذ كانت- من أعظم القِباب التي أقامها العقل المفكر واليد الصَّنَاع، والحدائق والجنّات من حولها، وبردى وأبناؤه الستة تجري من تحتها، والمِزّة (١) تنظر إليها، وقاسيون يطلّ عليها، وسهول المزّة والكسوة تجاورها. فيها كل ما في الدنيا من سهل وجبل، وبستان وقفر، وساقية ونهر، ومسجد وقصر، إلاّ البحر.
стр. 22
على أنك ترى حول البلد (أو كنت ترى) بحراً من الخضرة والنبت والشجر.
وأرى دمشق كأنها طائر حطّ ليستريح، جسده وسط السور وجناحاه ممتدّان إلى ميدان الحصى وحيّ المهاجرين. أو كأنها عروس أتعبَتها حفلة الزفاف فنامت: رأسها على ركبتَي قاسيون وقدماها في قرية «القدم»، وقلبها حيال قلب البلد الذي يهفو إليه قلب كلّ مسلم، وهو المسجد، الجامع الأموي، أقدم المساجد الفخمة في ديار الإسلام (حاشا الحرمين). وإن كان التأنق في تفخيم المساجد وتزويقها وزخرفتها مما لا يستحسنه الإسلام.
على أني سأعود ثم أعود إلى الحديث عن دمشق. والحديثُ عن دمشق لا يُمَلّ، ولو أني كتبت عن كل شهر عشته فيها صفحتين لكان من ذلك كتاب أكبر من القاموس المحيط.
* * *
أرجع إلى ذكرياتي:
قرأتم في بعض ما كتبت قديماً قصة الساعات التي قضيتها في الكتّاب (١). بل الذي قرأتموه هو بعض القصة، طرف منها. في
стр. 23
المحكمة يحلّفون الشاهد بأن يقول الحق، كل الحق ولا شيء غير الحق؛ ذلك لأن بعض الحق أقرب إلى الباطل. والذي قرأتموه عن ساعاتي في ذلك الكتّاب صحيح، ولكنه بعض الحق.
كانت تلك الساعات أمرّ مما قرأتم عنها وكان جرحها في نفسي أعمق، وحسبكم أن تعلموا أنه مرّ عليها اليوم سبع وستون سنة ولم أنسَها. ولكني لم أعُد أحسّ ألمها، لأنني حين أتحدث عني وأنا صغير أكون كمن يتحدث عن إنسان آخر، هو أنا وليس أنا. لا أتفلسف ولا آتي بالأحاجي والألغاز، بل أقرر حقيقة. قلت لكم إنه مر في حياتي عشرات من الناس كلهم يحمل اسمي، وكلهم «أنا» بمعنى الكلمة عند زملائنا أساتذة علم النفس، وما منهم إلاّ واحد هو أنا بإحساسي وعاطفتي وفكري.
حسبتموني قد أثّر فيّ الكبر فخرفت؟ أتريدون أن أفسر لكم ما قلت؟ قفوا على الجسر وراقبوا ماء النهر يجري تحت أرجلكم. هل ترون قطرة تقف؟ أليس كل ما ترونه قطرات يدفع بعضُها بعضاً؟ واحدة تروح فلا ترجع أبداً، وواحدة تأتي على إثرها فلا تقف أبداً. إنه أبداً في تبدّل، في تجدّد، لا يمكن -مهما أطلت الوقوف على الجسر ومهما عدت فوقفت من جديد- لا يمكن أن ترى قطرة واحدة مرتين. وكذلك الإنسان، إنه في تبدّل وتجدّد. ولكن هذا التبدّل لا يُفقِد النهرَ اسمه ولا خصائصه، ولا يجعل النيل دجلة ولا دجلة بردى ولا بردى نهر التايمس.
وكذلك الإنسان تبقى شخصيته ثابتة، فلا يصير زيد عَمْراً ولا صالح بكراً.
стр. 24
لذلك أشكر أخي زهيراً أن أرجعني القَهقرى في طريق العمر حتى لقيت ما أضعت من نفسي، حين ألزمني كتابة هذه الذكريات، وغرّه مني شيبي وشبابه فأمسك بي بقبضة لم أستطع الإفلات منها، وبعث في أثري شرطياً عنيفاً هو إبراهيم سرسيق، رجل له لسان طريّ ليّن ويد طويلة قاسية، فسحبني بلسانه ولفّ عليّ يده. ولو جاءاني من أربعين سنة وأنا في مثل سنهما لما قدرا عليّ، ولو كانت هذه الكتابة يومئذٍ لكتبت غير هذا الذي أكتبه الآن.
كنت أغرف من بحر وأنا اليوم أنحت في الصخر. كان الفكر شاباً فشاخ، فمَن قال لكم إن الفكر لا يشيخ فلا تصدّقوه. كان قلمي يجري على القرطاس كفرس السباق لا أستطيع أن أجاريه، فأمسى كالحصان العجوز أجرّه فلا يكاد يُجَرّ. كانت المعاني حاضرة والقلم مستعداً، ولكن الصحف مفقودة أو قليلة، وكنا نكتب بلا أجر فلا نجد من ينشر لنا فكثرت المجلات وزادت الأجور، ولكنْ كَلّ الذهن، وثَقُل القلم، وضعفت الذاكرة. كنا جياعاً فقدنا الطعام، فلما حضر الطعام فقدنا الشهية!
كنت كمن أقام مصنعاً جلب له أحسن الآلات وشغّل فيه أقدر العمال وأخرج منه أجود المنتَجات، فلم يجد لها شارياً. وملّ الانتظار فباع البضاعة جزافاً، وسرّح العمال وباع الآلات، فأقبل عليه الشارون وتواترت الطلبات.
* * *
стр. 25
-٢ -
من ذكرياتي عن دمشق
«الحياةُ الحبُّ والحبُّ الحياة». هذا ما قاله شوقي، ولكني لست في هذا معه؛ فقد يموت المحبّ ويعيش ناس بلا حبّ. وما أنا من أنداد شوقي، لكن لو قال «ما العيش إلاّ الذكريات» لكان أصدق.
النبات يمتصّ حياته من أرضه بجذوره، فإن نقلتَه منها تقطّعَت فذبلَت الأوراق وتراخت العروق. والإنسان في هذا كالنبات، وجذوره ذكرياته؛ فإن نقلتَه إلى بلد ما له فيها ذكرى وما تربطه بها رابطة أحسّ كأنْ قد انقطع سلكُ حياته. فإذا أقام في البلد الجديد اتصل المنقطع، كالنبات يضرب جذوراً جديدة في المكان الجديد وتنمو وتمتدّ كلما امتدّ به المقام، فإذا أعدتَه إلى أرضه الأولى عاد إلى الذبول.
وهذه مشاعر عرفتها لما ذهبت إلى مصر للدراسة سنة ١٩٢٨، وإلى العراق للتدريس سنة ١٩٣٦، وإلى بيروت سنة ١٩٣٧. ثم قدمت المملكة سنة ١٩٦٣ وأقمت فيها إلى الآن. وإن لم أجد الاستقرار لأن دنيا طالب العلم مكتبته، ومكتبتي في
стр. 26
الشام مودَعة في خمس وثمانين صندوقاً لم تُفتَح من إحدى عشرة سنة، ولست أدري أأكلَتها الأَرَضة أم هي سالمة لا تزال، وأنا هنا محروم منها لا أستطيع الوصول إليها، ولم أجد المحسن الكريم الذي يوصلها إليّ، بالأجرة لا بالمجّان، فما أريد إحساناً من أحد لأن الله أغناني بإحسانه.
وقد أصبحت أزور الشام لِماماً لمّا حيل بيني وبين زيارتها، بعد أن كتبت عنها ما لم يكتب مثلَه أحدٌ من أهلها وشاركت أهلها النضال للاستقلال. وكان آخر عهدي بها من أربع سنين (١)؛ ذهبت إليها بعدما انقطعت عنها (أو قُطِعتُ) خمساً (٢)، فهبطت بي الطيارة في المطار الجديد، ولم أكن أعرفه من قبل، فنظرت إلى البلد من بعيد فقلت مقالة بلقيس: «كأنه هو»!
الجبل الذي يلوح لي جاثماً على حافة الأفق هو قاسيون، وهذه المنازل الماثلات صفوفاً كالأولاد المدلّلين في حضن الأب الحاني هي أحياء السفح: «الأكراد» و «الصالحية» و «المهاجرين». وهذه العمد البيض السامقة التي تشبه إصبع المتشهد يشير بكلمة الحق نحو السماء هي مآذن المساجد. ومن نِعَم الله على أهل الشام أنه لا ينشأ فيها حيّ جديد إلاّ كان أول ما يُقام فيه المسجد، يقيمه الشعب بماله، مساجد ليست للمظهر ولا للزينة ولكن لتمتلئ بالمصلّين والدارسين، وجلهم من الشباب.
هذي دمشق، فلِمَ لا أحسّ فرحة الآيب إلى بلده؟ لماذا
стр. 27
أراها متغيرة في عيني؟
وتوجهت بي السيارة إلى البلد تمشي خمسة وعشرين كيلاً في بستان واحد، هو ما بقي من الغوطة الشرقية، تتماسك أشجاره تَماسُك أيدي الأصدقاء ساعة اللقاء وتتعانق فروعها تَعانُق العشّاق بعد طول الفراق، حتى بلغنا دمشق.
ولكني لم أشعر بأنها دمشق، وحسبت الطيارة ضلت الطريق إليها فهبطت غيرها. شوارع عراض، وعمارات عالية، وساحات وجسور (يسمّيها إخواننا المصريون باسمها التركي: الكباري). ولكن ما لي ولها؟ هذه مدينة جديدة طالما رأيت مثلها حيثما مشيت في مناكب الأرض (ولقد مشيت إلى أقصى الشرق من أندونيسيا وأبعد الشمال من هولندا). إنها متشابهة كالنسخة المطبوعة من الكتاب وأنا أريد نسختي المخطوطة، نسختي المفردة على ما فيها من عيوب. هل يتخلى أب عن ابنه لعيوبه ويأخذ ابن غيره المنزَّه عن العيوب؟
أريد دمشق مَربَع أسرتي، ومَرتَع صباي، ومَغنى فتوّتي. فأين هي دمشق التي تشمّمتُ ريّاها، ونشقت صَباها، ونشأت في حماها؟
أهذي هي دمشق؟ فما لها تغيرت معالمها وتبدّلت أزياؤها، وإن ازداد عمرانها وعلا بنيانها؟ ما للوجوه غدت غير الوجوه؟ كنت إن قابلت في الطريق عشرة عرفت منهم واحداً أو اثنين وعرفني أربعة أو خمسة، فما لي اليوم أبصر مئة فلا أكاد أعرف من المئة واحداً ولا يعرفني ثلاثة؟
стр. 28
أبُدِّلت الدنيا أم صرت غريباً في بلدي؟
أمّا الخيامُ فإنها كخِيامِهم ... وأرى نساءَ الحيّ غيرَ نسائها
وطفت في هذه الشوارع المتشابهة أفتّش عن دمشق التي عرفتها وأحببتها. ومَن يعرف دمشق (تلك) ويملك نفسَه ألاّ يحبها؟ وطفقت أسأل المحسنين من المارّين: ألا مَن يدلّني على دار الحبيب؟ ولكن ما من مجيب.
حتى هبّت نسمة من جهتها شممت فيها طيبها، فهداني أريجها إلى مكانها. فإذا أنا في ساحة «المرجة»، تلك التي كانت طرف البلد فصارت وسط القديم منه؛ ذلك أن المدن كالناس تعيش وتموت، وتنمو وتشبّ، ثم تهرم وتشيخ، وربما ولدت طفلاً فكبر الطفل فزاحمها على مكانها وأزاحها عنه.
ودخلت سوق الحميدية الذي سارت بذكره -كما يُقال- الرّكبان، ولكن وقفَت فيه المشاة، وقفت فلم تتحرك إلاّ بمثل حركة «التصوير البطيء» في الأفلام. ورحت أزاحم، ونسيت أن الأيام لم تُبقِ لي كتفاً تشق الزحام وتطيق الصدام. غامرت ودخلت وصبرت، حتى إذا صرت عند السوق الذي يصل إلى خندق القلعة (قلعة دمشق التي لا تزال باقية سليمة) انحرفت يميناً فإذا أنا أمام مدرسة التجارة. وما مدرسة التجارة؟ إن هذا المكان أقدم وأكرم وأعظم. إن فيه مأثرة من أعظم المآثر في تاريخنا العلمي، بل في تاريخ العلم الإنساني؛ ها هنا كان أكبر مستشفى في الدنيا وأرقاه وأكمله، لم ينشأ مثله إلى عصره، هو البيمارستان النوري، أي المستشفى الذي أقامه السلطان نور الدين زنكي.
стр. 29
لا، لن أحدّثكم هنا عن عظمته، فاذهبوا فابحثوا عن تاريخه.
ثم انعطفت يساراً فدخلت زقاق الفخر الرازي، وفيه قبر له (ولهذا القبر قصة طريفة سأقصّها عليكم)، فمررت بين القبر وبين منزل الأديب الشاعر خليل مردم بك. وكم كانت لنا فيه من مجالس مع شيخنا عالم الشام الشيخ محمد بهجة البيطار وصديقنا (بل أستاذنا) العالم الأديب الشاعر عزّ الدين التنوخي وأستاذنا صاحب الدار، رحم الله الجميع، وأخوَيّ رفيقَي العمر، أنور العطّار الشاعر ﵀، والأستاذ سعيد الأفغاني سلّمه الله (١).
وجزت بها حتى وصلت إلى زاوية الزقاق، ومن هذه الزاوية يبدأ حديث اليوم.
* * *
في هذه الزاوية بقايا باب تدخل منه إلى دار صغيرة، تُفضي إلى صحن واسع جداً في صدره إيوان له قوس عالية جداً، وإلى جانبك واجهةُ قاعةٍ بعيدة الجنَبات رفيعة السقف. ولكنّ الدارَ مخرَّبةُ الجدران والقوسَ مهدّمةُ الأركان والأرضَ قد تحطّم بلاطها وتكسرت حجارتها، وفي وسطها بركة ما فيها ماء وليس عليها رواء، وحول الصحن غرف مهترئة الأبواب مخلَّعة النوافذ. والقاعة الكبيرة التي تمتدّ على نصف طول الصحن مملوءة هي والغرف بالبضائع، والحمّالون يدخلون ويخرجون يحملون
стр. 30
صناديق ويُنزِلون صناديق وهم يصيحون ويصرخون.
فوقفت أنظر وفي العين عَبْرة وفي النفس عِبْرة. وتصورت أني أخرج من مكاني الذي أقف فيه ثم أنأى عنه، وانحصر ذهني في الماضي فتوهمت أنها تحققت خرافة «نفق الزمان» التي عرضها علينا الرائي هنا في يوم من الأيام: يدخل منه المرء فيسافر في الماضي يقف حيث شاء. فدخلت فإذا أنا أعود أدراجي أتخطى رقاب السنين، وأتقدّم ولكن إلى الوراء، أوغل في مسالك النفق والأيام تكرّ راجعة بي، حتى وقفت على أوائل سنة ١٩١٤.
ورأيت الدار تعود مثل مَعادي، فإذا هي كمثيلاتها من دور دمشق العِظام في تلك الأيام. الأرض تُفرَش بالحجر المنقوش والمرمر الصافي، والجدران تكتسي الرخامَ ذا الألوان والنقوش الروائع الحسان، وتتجدّد البركة ويعود إليها رواؤها ويجري فيها ماؤها، أما «القاعة» فيكون فيها مثل ما في «قاعات» الدور الكبار في الشام: «فِسْقِيّة»، وهي طبق من الرخام المجزّع والحجر المِزّي (نسبة إلى المزة في دمشق) منحوت بيدٍ صَناع مُقَرنَص الجوانب، ينصبّ فيها الماء من نوافير صغار ترسم خطوطها متعاطفاً بعضها على بعض يكون منها مثل القبة الصغيرة، إذا تكسرت عليها أشعة النور بدت كأن فيها ألفَي حجر من الألماس، ثم ينصبّ الماء من الجوانب إلى طبق مثله أكبر منه، وكذلك ينتقل الماء من طبق إلى طبق بأبرع صناعة وأجمل فنّ.
وفي هذه «القاعة» من هذا المنزل شيء لم أرَ مثله في غيره من دور دمشق الكبار. هو موقد (شومينه) من الرخام المتشابك
стр. 31
لها مدخنة من مثله، ومن حولها ممران في الجدار، يجري فيها الماء شلالاً صغيراً في الصيف ليبرد الجو في حين يدفّئه الموقد في الشتاء.
وفي صحن الدار أشجار لا بد من مثلها في دور دمشق: الليمون والنارِنْج، ودَوَالي العنب تمتدّ جذوعها حتى تبلغ «المَشْرَقة»، وهي سطح الدور الثاني (وأكثر المنازل من طابقين أو دورَين، أرضيّ للصيف وعلويّ للشتاء). ويُقام لدوالي العنب «عَريشة»، وهي سطح من جذوع الخشب تتمدّد عروقُها عليها، تثمر العنبَ «البلدي» (وثمرته بيضاء مستطيلة قاسية) أو «الحلواني» (وهو مستدير أشقر قاس). وكان في دارٍ لعمّي في الصالحية دَوالٍ تغطي سطوح الدار، تُنتج في السنة (حقيقة لا تقديراً) من سبعمئةٍ إلى ألف كيل (١).
صدّقوني فلست أبالغ، لقد أقاموا مرّة في داريّا (من قرى الغوطة الغربية) معرضاً للعنب الشامي عُرض فيه مئة وأربعة أنواع من العنب.
وجدران الدار مغطّاة بأجمل أنواع النباتات المعروشات: الياسمين البلدي والمَلّيسة والياسمين العراتلي، وأنواع أخرى لا ينفعكم سرد أسمائها إن لم تذهبوا إلى الشام وتروها في دورها، وتروا في كل دار عشرات الأُصُص الصغار فيها من كل الأوراد والأزهار.
ولكن يا للأسف ويا للحسرة! لقد ذهبت تلك الدور وما
стр. 32
فيها. تلك «بيوتنا هدمناها بأيدينا» (١). كانت جنّات تجري من تحتها الأنهار، كانت مَصيفاً وكانت مشتى. كان مَن فيها حرّاً، لا يرى حُرَم جار ولا يرى جارٌ حُرَمَه، فاستبدلنا بها صناديق من الإسمنت لا تدفع حرّ الصيف ولا برد الشتاء، من كان فيها رآه جاره وهو في فراشه ورأى هو الجار، إن ضحك أو بكى أو عطس سمعه من «المَنْوَر» كل سكان العمارة!
كانت بيوتنا من خارجها كأنها مستودَعات بضاعة أو مخازن تبن، فإذا دخلت فُتح لك باب إلى الجنة، بهاؤها لأهلها لا نافذة تُفتح على طريق، بل لقد أدركت عهداً في الشام: الدار التي يُفتح بابها على الجادّة يقلّ ثمنها، لأن الدار المرغوب فيها التي يكون بابها في «دخلة» أو «حارة».
وكانت نساؤنا كمنازلنا، يسترها عن العيون الحجاب السابغ فلا يبدو جمالها إلاّ لمن يحلّ له النظر إليها، فهُتكت الأستار عن المرأة وعن الدار! هذه هي الدور الشامية التي انتقل طرازها، لا إلى جيرانها، بل إلى الجانب الآخر من البحر الأبيض المتوسط (الذي كان يوماً بحيرة عربية، ولا تزال شواطئه أكثرها عربي وغالبها مسلم). إنها قفزت البحر بطوله لا بعرضه، إلى الأندلس ثم إلى المغرب.
* * *
ما الذي أريد أن أقوله بعد هذه المقدمة التي نويت أن أجعلها سطوراً فصارت صفحات، وغدت مقالة كاملة؟
стр. 33
أريد أن أقول إن المدرسة التي انتقلت إليها بعد تلك الساعات المعدودة في ذلك الكتّاب المرعب كانت في هذه الدار.
هذه هي إحدى دور أسرة مردم بك، ما زهد فيها أهلها حتى جعلوها خراباً، بل إن صاحبها تنبّه إلى سقف القاعة، وكان -كأمثاله من السقوف القديمة- فيه أبرع النقوش وأحلاها بأثبت الألوان وأبقاها، أدرك قيمته ففكّه قبل أن يتخلّى عن الدار وباعه لمديرية الآثار، وهو محفوظ الآن في متحف الفنون الشعبية في دمشق. وهذا المتحف أقيمَ في أكمل أنموذج للدور الشامية، وهو «دار العظم»، فإن زرتم دمشق فستزورونه وترونه.
ومن أصحاب هذه الدور مَن نقل القاعة (بحجارة جدرانها وسقفها المنقوش) إلى عمارته الجديدة فجعلها في غرفة فيها، صنع ذلك لطفي الحفّار ﵀، وهو من قدماء السياسيين ومن رؤساء الوزارات.
* * *
стр. 34
-٣ -
من الكُتّاب إلى المدرسة التجارية
تركتكم عند باب الدار قبل أن ندخل إليها، فهل أتبع معكم سنة نسائنا عند باب الدار قبل أن يخرجن منها؟ من سننهنّ في الشام أنها مهما طالت الزيارة ومهما امتدّ الحديث فلا بدّ للزائرات من وقفة وراء الباب للدّرْدَجة (١)، فهل تقفون معي أمام الباب لمثلها؟
أقف لأشكر ولأشكو، «فاعجَبْ لشاكٍ منهُ شاكِرْ» كما قال البهاء زهير. أشكر الأستاذين الناشرَين (٢) والأستاذ رئيس التحرير، والأستاذ إبراهيم سرسيق على ما كتب في جريدة المدينة، فقد ألبسوني من ثنائهم ثوباً أطول من جسدي وأعرض فجعلوني أتعثّر بذيوله إن مشيت، لذا اضطررت إلى الوقوف.
стр. 35
وهذا الذي أشكوه:
يا إخوتي، إن مَثَلي ومثلكم مَثَل رجل غنّى لنفسه في الحمّام (كما غنى جحا) فأعجبه صوته، فغنّى لنفر من أصدقائه الأدنَين فأطربهم غناؤه، فلما طربوا طلبوا إليه أن يعود فيغني لهم، وهو يتشجع ويزيد. فقام واحد منهم على المنبر في مجمع الناس فقال لهم: أعرّفكم بمغنٍّ ما سمع السامعون أندى منه صوتاً ولا أطيب حنجرة، ولا أبصر بالألحان ولا أعرف بالأنغام. فهل تعرفون ماذا كان بعد؟
الذي كان أنه لم يَعُد يحسن شيئاً. إن النتيجة تُعلَن بعد الامتحان، فما لكم تعلنونها قبله؟ ألا تخافون أن أسقط فيه؟ ألا تعلمون أنكم بما رفعتموني فوق منزلتي (في صَدْر العدد الرابع من مجلة «المسلمون») ستجعلون سقطتي أشدّ، لأن الذي يقع من فوق النضد أو الكرسي ليس كمن يقع من فوق المنارة؟
ولماذا وضعتم صورتي على الغلاف؟ إننا نسمع أن «فتاة الغلاف» لا تكون إلاّ من ذوات الصّبا والجمال، فماذا يصنع القرّاء بصورة شيخ مثلي؟ ثم إنكم اخترتم صورة لي كبّرَتني وجعلتني أبدو أكبر من سنّي. إن الذي يراها يظنها صورة (عجوز) في السادسة والسبعين، مع أني في الخامسة والسبعين فقط لا غير.
قال الأستاذ زهير إنه أقنعني بأن أكتب بعد جهود استمرّت أكثر من ثمانية شهور، فظن القرّاء أنها كانت مفاوضات مالية ومساومات على نشر المذكّرات، ولم يعلموا أننا لم نذكر فيها قطّ
стр. 36
المال ولا حق النشر، وإنما كانت حرصاً منه (أحسن الله إليه) على إخراجي من المَحبس الذي حبست فيه نفسي، وظناً منه أنه سيأتي «بما عَجَزَتْ عنه الأوائِلُ»، فيعيد الشباب إلى ذهن قد دبّ إليه المَشيب، يريد أن أصف عرس الربيع وأنا في مأتم الشتاء.
إن إخواني في المملكة العربية السعودية لا يعرفون ما الربيع، ولو كانوا في الشام ورأوا الغوطة حين تشم روائح آذار، فتنبثق فيه الزهور من الحطب حتى تصير الشجرة بيضاء كالألماس (١)، ثم تتناثر الزهور وينبت مكانها الورق فتغدو خضراء كالزبرجد، ثم تحبل الشجرة فتلد الثمار حتى تميل إلى الأغصان.
ولكن ما لي أترك سماء الواقع وأنزل إلى حضيض التشابيه؟ ما لي وللألماس والزبرجد؟ تلك حجارة ميتة وأنا أصف الزهر الحيّ. إن أشجار الغوطة في الربيع كالعرائس في ليالي الزفاف. ولكن لا، أتريدون أن أشبّه العروس بتمثال الشمع في المتحف، أو في مخازن الثياب عند عارضي الأزياء كما كان يصنع ابن المعتز؟
لست في سوق الصاغة، ولكني في معرض الأذواق.
* * *
وينتهي الصيف، ويأتي الخريف فيصفرّ الورق ويسّاقط، وترجع الشجرة حطباً، وتصير أيام الربيع ذكرى. ولكن الشجرة يتجدّد ربيعها. إن شتاءها يلد ربيعاً جديداً، وربيع حياتي الذي
стр. 37
ولّى لا يتجدّد.
ودّعت أحلامي بطَرْفٍ باكي ... ولمَمْتُ مِن طُرُقِ المِلاحِ شِباكي (١)
وإن لم أنصُبْ في عمري شبكة لفتاة (صدّقوني) ولا أوقعت حسناء يوماً في شرَك.
كانَ لي بالأمسِ قلبٌ فقضى ... وأراحَ الناسَ منهُ واستراحْ (٢)
لقد قضى، فهل رأيت ميتاً عاد بعدما مات؟ هل أبصرت في سنة واحدة تعاقب ربيعَين؟ هل سمعت بإنسان عاش شبابَه مرّتين؟
كنتُ إن برقَت لي بارقة من جمال في وجوه البشر أو صفحات الكون أحسست بالعاطفة تشتعل في صدري والمشاعر تلعب بشغاف قلبي، فأفزع إلى القلم لأسجّل ما أحسست به، فيسابق قلمي فكري. وإن قرأت أخبار الوفاء أو الغدر أو سمعت أنباء الخير أو الشرّ شعرت بالأفكار تقرع جوانب رأسي، فأسارع إلى القلم لأقيّدها فأسكّنها. وإن صافح سمعي أبياتٌ من شاعر يَنظِم حبّات قلبه عقودَ بيان (لا كشِعر هذا الزمان) أو نغمات من مغنٍّ يصوغ عواطفه طاقات من ألحان، هزّتني فهززت قلمي. أسمع المغني في هدآت الليل يقول «آه» فأحسّ أنه يوقظ نائم الأشجان في كل قلب عاشق هيمان، أو مفجوع أسيان، حتى
стр. 38
يقول معه «آه»، يقتلعها من أعماق فؤاده. وإن نادى «يا ليل يا ليل» أصغى إليه الليل وتوقّف يستمع فما يسير، وتأخّر الفجر واستمهل حتى يفرغ من نداء الليل.
كان كل ما أرى وكل ما أسمع يجعلني أكتب؛ أقوم من منامي وأكتب، وأقف على جانب الرصيف لأكتب، ولطالما كتبت المقالات والقصص على حواشي الجرائد وعلى كيس البقّال! لقد قرأت مرة ما كتبه الأستاذ محمد نمر الخطيب عن «بنات العرب في إسرائيل» وأنا على قوس المحكمة بعدما فرغت من المحاكمات، فكتبتها على كل قطعة ورق تحت يدي، لم أنتظر حتى أنزل عن القوس إلى غرفتي، ولم أنزل حتى كتبت القصة كلها في جلسة واحدة (١).
لذلك بلغ المطبوع ممّا كتبت إلى الآن أكثرَ من أحد عشر ألف صفحة، وما ضاع منه كثير. فلماذا لم تَلقَني يا أستاذ زهير في تلك الأيام؟ يا أسفي على تلك الأيام! لماذا لم تأتِني وقلبي شابّ، وذهني حادّ، وذاكرتي قوية، وهمّتي لا يقف أمامها شيء؟ لماذا؟
آلآن يا أستاذ، آلآن؟ بعدما جفّ القلم، وطُويَت الصحف، ونُسيت الوقائع، وخمدت نار الحماسة، وسكنتُ إلى عزلتي ...
стр. 39
جئتَ تدعوني أن أملأ بالمِداد قلماً ما عاد يصلح للكتابة، وأنشر صحفاً بليت واصفرّت من طول الإهمال؟ ولئن قدرت على هذا ففعلتُه فمَن لي بأن تتّقد بين جوانحي النار التي خمدت، وتُبعَث في نفسي الحماسة التي ماتت؟
أبعدما ولّى الربيع وصوّح النبت جئت تطلب مني الزهر؟ من أين آتيك باللبن وشاتي قد جفّ ضرعها؟ أين مني الزهر وروضتي قد يبس زرعها؟
على أني لا أيأس، فلا يكلّف الله نفساً إلاّ وسعها. فاقبل مني ما عندي، فهذا هو اليوم غاية جهدي.
* * *
وتعليق آخر:
قال الأخوان الأستاذان الناشران إني لو أعلنت رقم هاتفي لما تركني السائلون ساعة في الأربع والعشرين ساعة.
يا سيدَيّ الكريمَين، إني لم أعلن رقم الهاتف ولكن قد كان الذي صوّرتماه. وطالما رجوت أن ينحصر سؤال السائلين بين العصر والمغرب فما استُجيب رجائي. إني لا أكتم شيئاً من علمي القليل ولا أضنّ بمشورة على من يثق بي ويستشيرني، ولكن طاقة المرء محدودة و «الصبر له حدود» كما تقول الأغنية.
* * *
وبعد، فلقد طال الوقوف على الباب، فتفضّلوا بالدخول؛
стр. 40
لا إلى الأطلال التي وصفتها في الحلقة التي مضت، بل إلى الدار أيام عزّها. أترون جلالها وتحسّون جمالها؟
هنا كانت المدرسة الأولى التي دخلتها في حياتي. لا تعجلوا عليّ فتغبطوني أن انتقلت من ذلك الكُتّاب المُعتم إلى هذه المدرسة المشرقة ومن ضيقه إلى سعتها، فقد يعيش المرء سعيداً في الكوخ وقد يشقى في القصر. أما أنا فقد استهللت دراستي شقياً في الكُتّاب وشقياً في المدرسة. هذه المدرسة الكبيرة، التي كانت تسمى «اتحاد وترقّي مكتبي إعدادي سي» والتي اختصر الناس اسمَها وعرّبوه فقالوا «المدرسة التجارية» لأن الذي فتحها جماعة من التجّار (١).
وكانت مدرسة جامعة، فيها قسم للحضانة وقسم للابتدائي وقسم للإعدادي والثانوي، ومجموع سنوات الدراسة فيها اثنتا عشرة سنة، ومنها إلى الطب أو السفر لإسطمبول. وهي إحدى مدارس أهلية ثلاث: «الكاملية» التي أنشأها الشيخ كامل القصاب، العالِم الوطني السياسي ومن مؤسّسي «المعارف» في المملكة، و «الكلية العلمية الوطنية»، وهذه (المدرسة التجارية).
ومدارس حكومية أُنشئت في أواخر القرن الثالث عشر الهجري، مع مدارس البنات التي فُتحت بسعي المصلح الموجّه المعلم الشيخ طاهر الجزائري. ولي عمة كانت رحمها الله من أوائل مَن تعلّم في هذه المدارس وأخذت منها الشهادة «الرشدية»