المال ولا حق النشر، وإنما كانت حرصاً منه (أحسن الله إليه) على إخراجي من المَحبس الذي حبست فيه نفسي، وظناً منه أنه سيأتي «بما عَجَزَتْ عنه الأوائِلُ»، فيعيد الشباب إلى ذهن قد دبّ إليه المَشيب، يريد أن أصف عرس الربيع وأنا في مأتم الشتاء.
إن إخواني في المملكة العربية السعودية لا يعرفون ما الربيع، ولو كانوا في الشام ورأوا الغوطة حين تشم روائح آذار، فتنبثق فيه الزهور من الحطب حتى تصير الشجرة بيضاء كالألماس (١)، ثم تتناثر الزهور وينبت مكانها الورق فتغدو خضراء كالزبرجد، ثم تحبل الشجرة فتلد الثمار حتى تميل إلى الأغصان.
ولكن ما لي أترك سماء الواقع وأنزل إلى حضيض التشابيه؟ ما لي وللألماس والزبرجد؟ تلك حجارة ميتة وأنا أصف الزهر الحيّ. إن أشجار الغوطة في الربيع كالعرائس في ليالي الزفاف. ولكن لا، أتريدون أن أشبّه العروس بتمثال الشمع في المتحف، أو في مخازن الثياب عند عارضي الأزياء كما كان يصنع ابن المعتز؟
لست في سوق الصاغة، ولكني في معرض الأذواق.
* * *
وينتهي الصيف، ويأتي الخريف فيصفرّ الورق ويسّاقط، وترجع الشجرة حطباً، وتصير أيام الربيع ذكرى. ولكن الشجرة يتجدّد ربيعها. إن شتاءها يلد ربيعاً جديداً، وربيع حياتي الذي
стр. 37
ولّى لا يتجدّد.
ودّعت أحلامي بطَرْفٍ باكي ... ولمَمْتُ مِن طُرُقِ المِلاحِ شِباكي (١)
وإن لم أنصُبْ في عمري شبكة لفتاة (صدّقوني) ولا أوقعت حسناء يوماً في شرَك.
كانَ لي بالأمسِ قلبٌ فقضى ... وأراحَ الناسَ منهُ واستراحْ (٢)
لقد قضى، فهل رأيت ميتاً عاد بعدما مات؟ هل أبصرت في سنة واحدة تعاقب ربيعَين؟ هل سمعت بإنسان عاش شبابَه مرّتين؟
كنتُ إن برقَت لي بارقة من جمال في وجوه البشر أو صفحات الكون أحسست بالعاطفة تشتعل في صدري والمشاعر تلعب بشغاف قلبي، فأفزع إلى القلم لأسجّل ما أحسست به، فيسابق قلمي فكري. وإن قرأت أخبار الوفاء أو الغدر أو سمعت أنباء الخير أو الشرّ شعرت بالأفكار تقرع جوانب رأسي، فأسارع إلى القلم لأقيّدها فأسكّنها. وإن صافح سمعي أبياتٌ من شاعر يَنظِم حبّات قلبه عقودَ بيان (لا كشِعر هذا الزمان) أو نغمات من مغنٍّ يصوغ عواطفه طاقات من ألحان، هزّتني فهززت قلمي. أسمع المغني في هدآت الليل يقول «آه» فأحسّ أنه يوقظ نائم الأشجان في كل قلب عاشق هيمان، أو مفجوع أسيان، حتى
стр. 38
يقول معه «آه»، يقتلعها من أعماق فؤاده. وإن نادى «يا ليل يا ليل» أصغى إليه الليل وتوقّف يستمع فما يسير، وتأخّر الفجر واستمهل حتى يفرغ من نداء الليل.
كان كل ما أرى وكل ما أسمع يجعلني أكتب؛ أقوم من منامي وأكتب، وأقف على جانب الرصيف لأكتب، ولطالما كتبت المقالات والقصص على حواشي الجرائد وعلى كيس البقّال! لقد قرأت مرة ما كتبه الأستاذ محمد نمر الخطيب عن «بنات العرب في إسرائيل» وأنا على قوس المحكمة بعدما فرغت من المحاكمات، فكتبتها على كل قطعة ورق تحت يدي، لم أنتظر حتى أنزل عن القوس إلى غرفتي، ولم أنزل حتى كتبت القصة كلها في جلسة واحدة (١).
لذلك بلغ المطبوع ممّا كتبت إلى الآن أكثرَ من أحد عشر ألف صفحة، وما ضاع منه كثير. فلماذا لم تَلقَني يا أستاذ زهير في تلك الأيام؟ يا أسفي على تلك الأيام! لماذا لم تأتِني وقلبي شابّ، وذهني حادّ، وذاكرتي قوية، وهمّتي لا يقف أمامها شيء؟ لماذا؟
آلآن يا أستاذ، آلآن؟ بعدما جفّ القلم، وطُويَت الصحف، ونُسيت الوقائع، وخمدت نار الحماسة، وسكنتُ إلى عزلتي ...
стр. 39
جئتَ تدعوني أن أملأ بالمِداد قلماً ما عاد يصلح للكتابة، وأنشر صحفاً بليت واصفرّت من طول الإهمال؟ ولئن قدرت على هذا ففعلتُه فمَن لي بأن تتّقد بين جوانحي النار التي خمدت، وتُبعَث في نفسي الحماسة التي ماتت؟
أبعدما ولّى الربيع وصوّح النبت جئت تطلب مني الزهر؟ من أين آتيك باللبن وشاتي قد جفّ ضرعها؟ أين مني الزهر وروضتي قد يبس زرعها؟
على أني لا أيأس، فلا يكلّف الله نفساً إلاّ وسعها. فاقبل مني ما عندي، فهذا هو اليوم غاية جهدي.
* * *
وتعليق آخر:
قال الأخوان الأستاذان الناشران إني لو أعلنت رقم هاتفي لما تركني السائلون ساعة في الأربع والعشرين ساعة.
يا سيدَيّ الكريمَين، إني لم أعلن رقم الهاتف ولكن قد كان الذي صوّرتماه. وطالما رجوت أن ينحصر سؤال السائلين بين العصر والمغرب فما استُجيب رجائي. إني لا أكتم شيئاً من علمي القليل ولا أضنّ بمشورة على من يثق بي ويستشيرني، ولكن طاقة المرء محدودة و «الصبر له حدود» كما تقول الأغنية.
* * *
وبعد، فلقد طال الوقوف على الباب، فتفضّلوا بالدخول؛
стр. 40
لا إلى الأطلال التي وصفتها في الحلقة التي مضت، بل إلى الدار أيام عزّها. أترون جلالها وتحسّون جمالها؟
هنا كانت المدرسة الأولى التي دخلتها في حياتي. لا تعجلوا عليّ فتغبطوني أن انتقلت من ذلك الكُتّاب المُعتم إلى هذه المدرسة المشرقة ومن ضيقه إلى سعتها، فقد يعيش المرء سعيداً في الكوخ وقد يشقى في القصر. أما أنا فقد استهللت دراستي شقياً في الكُتّاب وشقياً في المدرسة. هذه المدرسة الكبيرة، التي كانت تسمى «اتحاد وترقّي مكتبي إعدادي سي» والتي اختصر الناس اسمَها وعرّبوه فقالوا «المدرسة التجارية» لأن الذي فتحها جماعة من التجّار (١).
وكانت مدرسة جامعة، فيها قسم للحضانة وقسم للابتدائي وقسم للإعدادي والثانوي، ومجموع سنوات الدراسة فيها اثنتا عشرة سنة، ومنها إلى الطب أو السفر لإسطمبول. وهي إحدى مدارس أهلية ثلاث: «الكاملية» التي أنشأها الشيخ كامل القصاب، العالِم الوطني السياسي ومن مؤسّسي «المعارف» في المملكة، و «الكلية العلمية الوطنية»، وهذه (المدرسة التجارية).
ومدارس حكومية أُنشئت في أواخر القرن الثالث عشر الهجري، مع مدارس البنات التي فُتحت بسعي المصلح الموجّه المعلم الشيخ طاهر الجزائري. ولي عمة كانت رحمها الله من أوائل مَن تعلّم في هذه المدارس وأخذت منها الشهادة «الرشدية»
стр. 41
(وهي بين الابتدائية والمتوسطة) سنة ١٣٠٠هـ، وكانت الشهادة عندي فضاعت من عهد قريب.
ومدارس نصرانية أقيمت في الأصل للنصارى ولكن كان يدخلها بعض المسلمين بحجة تعلم اللغة الأجنبية (الحجة الواهية الباقية إلى الآن). ومن أعجب العجب أن شيخنا عالم الشام السلفي الجليل منشئ دار التوحيد في الطائف وعضو المجمع العلمي في دمشق (وهو أقدم المجامع العربية، أنشئ سنة ١٩٢٠) شيخنا الشيخ محمد بهجة البيطار درس مدة في المدرسة العازارية النصرانية، وفيها تعلّم اللسان الفرنسي. ولا أقول هذا ليكون حجّة لمن يُدخِل ولده إليها، فقد كان دخول شيخنا إليها «فتنة وقى الله شرّها» كما قال عمر ﵁.
كان المدير العام لهذه المدرسة (المدرسة التجارية) هو أبي الشيخ مصطفى بن أحمد بن علي بن مصطفى الطنطاوي، وهذا كل ما أعرف من نسبي (١)، أما الباقي فاسألوا عنه أهل طنطا فإنه هناك، ولن يعرفه أحد لأن لقب الطنطاوي أخذناه في الشام،
стр. 42
فماذا كان لقب أسرتنا هناك؟
كان المدير هو أبي، فهل تحسبون أني كنت مدلَّلاً مكرَّماً لأني ابن المدير؟ لا والله، ولقد رأيت أول عهدي بها ما كرّه إليّ العلم وأهله، ولولا أنْ تداركني الله بغير معلمي الأول لما قرأتم لي صفحة كتبتها ولا سمعتم مني حديثاً أو خطاباً ألقيته، بل لما قرأت أنا كتاباً.
هذه القاعة التي وصفتها لكم بأنها من روائع فنّ العمارة والتي يأتي السيّاح للتفرّج برؤيتها، لبثت حيناً من دهري أرتجف من النظر إليها أو التفكر فيها. وكَلوا بنا معلّماً شيخاً كبيراً لا أسميه (١)، فقد ذهب إلى رحمة الله، فكان يحبسنا فيها ونحن أطفال، لا يدعنا نخرج منها حتى نكتب «ألف باء» كلها في ألواحنا الحجرية أربعاً وعشرين مرة، نكتبها ليراها وليمحوها ثم نكتبها ليراها ويمحوها، إلاّ أن يُضطَرّ أحدنا (أو يزعم أنه مضطرّ) إلى الخروج إلى المرحاض فيسمح له بدقائق، إن زاد عليها ازدادت عليه ضربات الخيزران. كنّا نكذب، نعم! أفليسوا هم الذين دفعونا إلى الكذب؟
كنت أنظر من شبّاك القاعة إلى التلاميذ يلعبون في الساحة الداخلية والطلاب الكبار يمشون في الصحن الكبير كما ينظر السجين إلى الطلقاء من طاقة السجن.
كانت هذه بدايتي، أنا ابن المدير العام. فهل يحمد اللهَ
стр. 43
تلاميذُ المدارس اليوم على ما يتمتعون به من نِعَم؟
وغاب الشيخ يوماً وجاؤونا بطالب كبير من طلاّب الفصول العالية، فوجدنا (للمرة الأولى) مدرّساً من بني آدم، يكلّمنا ونكلمه ويضحك في وجوهنا، وما كنت أعلم أن المعلم يستطيع أن يضحك!
هذا الطالب الشابّ الذي عرفته ولم يعرفني، لأن التلاميذ يعرفون معلمهم ولا يعرفهم كلهم، مرت عليّ وعليه الأيام، وصار صاحب مكتبة ولم ينقطع عن العلم، فوضع معجماً لألفاظ القرآن اسمه «المرشد»، ثم وضع معجماً للموضوعات مع صديق له من نوادر المكفوفين من الرجال، حافظ لكتاب الله أديب، ينظم الشعر ارتجالاً، عارف بالموسيقى ملحّن، يقرأ الكتابة الموسيقية (بالحروف البارزة) ويعزفها، وأمامه في مجلسه خرز صغير من كل الألوان في علب صغار يؤلّف منه بالإبرة والخيط صُوراً على القماش لو حاولها مبصر بعينيه وهو متفرغ لها لما استطاعها، يصنعها وهو يتكلّم معك أو يناقشك أو يُنشِدك الشعر وهو أعمى! وهو من نوادر العميان واسمه الشيخ عارف القلطقجي، وهو قريب في هذه المزايا من الرجل العجيب المشهور الشيخ عثمان الموصلي رحمهما الله.
وهذا كله استطراد، وقد أنذرتكم به من أول الحديث وسأعود إلى الكلام الأصلي: كنت أتكلم عن هذا الطالب الذي كان أول من ردّ إليّ ثقتي بالله ثم بنفسي، وحبي للدراسة، وقلت إنه وضع مع الشيخ عارف هذا معجماً آخر لموضوعات القرآن
стр. 44
وكلّفني أن أكتب مقدمة له، فذكرت هذه القصة التي لم يكُن يعرفها في مقدمة الكتاب (١).
ثم انتقلت إلى معلم آخَر فيه أنس وفيه إنسانية، فزاد من تقرّبي من العلم والدراسة، اسمه الشيخ كامل البغال، عُمّر حتى ناهز المئة أو زاد عليها ﵀.
ولم أكُن أمتاز من التلاميذ إلاّ بأني كنت آكُلُ أحياناً في غرفة في مدخل المدرسة، هي غرفة الفرّاشين. وكنت يوماً آكلُ رغيفاً وسطه لحم مشوي أمر لي به أبي، وكان في غرفة الإدارة ولد رجلاه في الفَلَق (٢) والخيزران ينزل عليهما، فدُعِيَ بي وأُخذت من وسط طعامي ورُبطت بالفلق، وكانت علقة أقسم بالله إني لم أعرف سببها إلى الآن، وقد مضى على ذلك أكثر من سبعين سنة!
هكذا كان أسلوب التعليم! أفترونني حين أعيبه أعيب أبي؟ لا، ولكن أصف ما كان ليعرف التلاميذ ما هم فيه من النّعَم الآن.
* * *
стр. 45
-٤ -
من ذكريات الطفولة
ذكرياتي عن الحرب العالمية الأولى
بقيت في هذه المدرسة إلى سنة ١٩١٨، فماذا بقي لديّ من ذكرياتي الشخصية فيها؟ لقد قلبت جيوبي، ونفضت ثوبي، وفتّشت كل زاوية من ذاكرتي، وبحثت في كل ركن فلم أجد إلا القليل الذي سأجلوه لكم.
أمّا الذكريات العامّة فقد كان منها الكثير، وإن لم أدرك منها يوم حدوثها إلا ما يدركه ذلك الولد الصغير. وكانت أياماً عشتها ورأيت أحداثها، ولكني لم أستوعبها، وأحس الآن وأنا أتحدث عنها كأني أسرد قصة حلم من الأحلام أو رؤيا منام، صحا مَن رآها فلم يجد في يده شيئاً منها.
أشعر كأني ألخّص صفحات من تاريخ قديم، قديم جداً. إي والله، لقد تبدّلَت حياتنا كلها من سنة ١٩١٤ إلى سنة ١٩٨١؛ لم يبقَ شيء على ما كان عليه. وأنا إنما أعني هنا أوضاع الدنيا، أمّا الدين فلم يتبدّل لأن الذي أنزله هو حافظه. من هذه الأوضاع ما صار إلى أحسن مما كان عليه، ومنها ما ساء وفسد.
стр. 46
لقد استمتعنا بثمرات الحضارة ورأينا من جديدها ما كنا نظنه من المستحيلات، ولقد ازددنا علماً بالأرض وقوانين الله فيها، وضاقت مسافة التخلف بيننا وبين من كنا نراهم وحدهم المتمدنين من أهل أوربا وأميركا، وصارت لنا جامعات كجامعاتهم، وقام فينا ومنّا علماء مثل علمائهم، ومن ينطق بألسُنهم (١) ويعرف آدابها مثلهم بل ربما فاقهم.
كل هذا وأكثر منه قد كان، ولكن تعالوا فكّروا معي: ما هو ثمنها الذي دفعناه فيها؟ لقد ربحنا هذا كله فماذا خسرنا فيه من عقيدتنا ومن أخلاقنا ومن كريم سجايانا؟ أخشى أن يأتي يوم نقول فيه ونحن نعضّ بنان الندم حين لا ينفع الندم: خذوا هذا كله، لا نريده، وردّوا علينا ديننا وخلائقنا.
كنّا نعيش على شط بحر الحياة نائين عن لُجّه، فلا غصنا على لآلئه ولا تعرضنا لعضّ كلابه ولا لخطر الغرق فيه. كنا (أعني الطبقة التي أنا منها من العلماء المستورين، لا أعني الأغنياء ولا الموسرين) كنا نحيا حياة ضيقة محدودة، ولكنها سعيدة مجدودة (٢). كانت تسلياتنا قليلة ولكنها نبيلة، ليس عندنا إذاعات ولم تكُن قد اختُرعت، ولا كان الرائي ولا السينمات، إلا سينما واحدة أخذونا إليها فأرونا فِلْماً صامتاً (إذ لم تكُن السينما قد نطقت) عن معركة «جناق قلعة». وكانت هذه السينما في موضع المجلس النيابي، احترقت وبقيت أنقاضها سنين طويلة حتى أقيمَ المجلس مكانها
стр. 47
ببنائه الجميل وما فيه من الخشب المحفور (١) الذي أتقن صناعته أبوسليمان الخياط (٢)، وصنع بعده خشب «دار عين الفيجة»، ثم دار «بيت الدين» في لبنان.
ما كانت عندنا سيارات ولا شوارع يمكن أن تمشي فيها السيارات، إنما كانت عندنا العربات الجميلة تجرّها الخيول الأصيلة. وأنا أذكر أن أول سيارة وصلت إلينا وصلت سنة ١٩١٦ وخرج الناس ينظرون إليها، فلما رأوها تمشي وحدها لا يسحبها حصان قال قائل من العوامّ إن الجنّ تسيّرها، فتدافع ضعاف القلوب هاربين. وهربنا نحن الصغار معهم، وضاعت حقيبة كتبي ونلت على ذلك جزائي.
* * *
стр. 48
أما الطيارة فقد جاءتنا سنة ١٩١٥ (سمعت بذلك ولم أرَه لأني كنت صغيراً. وكانت قصة عجباً تحدّث الناس بها طويلاً، مع أن الطيران إنما ابتدأ سنة ١٩٠٣) يقودها طياران تركيان مسلمان، فتحي وآخر نسيت اسمه (١) واستُقبِلت في المرج الأخضر (وهو الملعب البلدي اليوم وفيه معرض دمشق الدائم، وهو وقف إسلامي) استُقبلت استقبالاً عظيماً، وكان يوماً -كما قالوا- مشهوداً. وطارت بسلام ووُدّع الطياران باحترام، ولكنها سقطت عند طبرية، ودُفن الطياران في صحن مدفن بطل الإسلام وفاتح القدس صلاح الدين الأيوبي، وراء الجدار الشمالي للجامع الأموي.
وأول شارع فُتح في دمشق هو شارع جمال باشا، من رأس سوق الحميدية إلى محطة الحجاز التي يبدأ منها خط القطار وينتهي عند محطة باب العنبرية في مدينة الرسول ﷺ . والخطّ وقف إسلامي ثابت بصكوك قضائية وقرارات دولية، وهو من آثار السلطان المُفترَى عليه الذي شوّه اليهود صورته، السلطان عبدالحميد (انتهى مَدّه سنة ١٩٠٨، سنة مولدي. وخرّبناه نحن، نحن العرب، بأيدينا وأيدي لورنس وجماعته سنة ١٩١٨) (٢).
هذا هو أول شارع عرفناه، وكان عريضاً جداً وسطه ممر حوله الحدائق وأغراس المرجان، وفُتح معه شارع من محطّة
стр. 49
الحجاز إلى نهر بردى، ومن أقدم عماراته «العباسية» نسبة إلى رجل بيروتي يقال له أبو عباس، وكانت طابقَين من الخشب واللبِن فيها مقهى (١) وملهى.
ومن طريف أخبار ذوي الغفلة من الوعاظ (أذكره ولو لم يكُن هذا مكانه) أن أحد مشايخنا جاء من يقول له إن منيرة المهديّة تغنّي وترقص في «العباسية»، فأعلن غضبه في درسه في الأموي وقال: كيف ترقص هذه المرأة أمام الرجال وهي كاشفة جسدها مبدية مفاتنها؟ أين الدين وأين النخوة؟ قالوا: نعوذ بالله! وكيف يكون هذا، وأين يا سيدنا، ومتى؟ قال: في العباسية، في الليل بعد صلاة العشاء.
وكان نصف المقاعد خالياً فامتلأت تلك الليلة المقاعدُ كلها! فليتنبّه الواعظون، فكثيراً ما تكون المبالغة في وصف المنكَر دعاية له.
* * *
وجمال باشا كان قائد الجيش الرابع العثماني وأحد أركان جمعية الاتحاد والترقي، وهم: قائد الجيش أنور باشا، ووزير الداخلية طلعت باشا، وجاويد (دافيد أو داود) وزير المالية ومترجم كتاب شارل جيد في الاقتصاد إلى التركية (٢)، ثم جاء من بعدهم مصطفى كمال (أتاتورك). وأصل أكثرهم من يهود
стр. 50
الأندلس، ممّن يدعونهم «الدونمة»، أضاعوا الدولة العثمانية التي كانت ثالثة الدولتين العظيمتين: الأموية والعباسية، والتي عاشت المدة الطويلة وفتحت بالإسلام وللإسلام الفتوح الجليلة، وكانت يوماً أقوى دول الأرض وملكها أكبر ملوكها.
فهدم هؤلاء ما بنى بنو عثمان، ونسوا (أو لم يعلموا) أن الإسلام لا يفرّق الناس للألسن ولا للألوان فأرادوا «تتريك» العناصر العثمانية، فبدؤوا -بهذا- الفتنةَ التي جعلت الأمة الواحدة، أمة محمد، هيئةَ أمم، حين قالوا «تُرك» فقال ناس منا «عرب» وقال الفرس وقال الأكراد، وكانت عودة إلى الجاهلية! مع أننا ما كنا نفرّق في معلمينا وفي رفاقنا بين عربي وتركي وكردي، ولا الإسلام يسمح لنا أن نفرّق. وقد ماتت الآن هذه الفتنة أو هي على سرير الاحتضار، وستلحق بها إن شاء الله أخواتها ولا تبقى إلا دعوة الإسلام.
كانت مدرستنا أهلية ولكنّا ذقنا -مع هذا- الكثير من الثمر المرّ لهذه الدعوة. كان عندنا معلمون من الأتراك، أما الديّن التقيّ منهم فينكر هذه التفرقة الجاهلية، وأما من كان غير ذلك فكان يؤيّدها. حتى قواعد اللغة العربية (النحو والصرف) درسناها آخر المدة على معلّم تركي، فكان يسأل الواحد منّا: «فاعل نِدِرْ؟» أي: ما هو الفاعل؟ وانتقل خوف جمال باشا من الكبار إلينا، فكان عندنا معلّم للموسيقى قالوا إنه نسيب الباشا، فكنا نخشى أن نكلمه.
* * *
стр. 51
كان هذا كله استطراداً وسبقاً للحوادث، فلنَعُد إلى سنة ١٩١٤، إلى السنة التي اشتعلت فيها نيران أول حرب عالمية في تاريخ البشر. ولكن لا تنتظروا مني أن أحدثكم عنها حديث المؤرّخ المحقّق، فإني أدوّن ذكريات إنسان كان طفلاً في تلك الأيام، لا أنقل عن ابن خلدون ولا عن شارل سنيوبوس (١).
مرّ عليّ في هذه المدرسة شهور لم أخالط فيها أحداً من الأولاد ولم أكلمهم إلا الكلمة التي لا بدّ منها؛ فقد نشأت -أول ما نشأت- على الوحدة، لم ألعب يوماً مع الأولاد في الحارة ولا زرت أحداً من لِدَاتي ولا زارني، فكنت طول عمري عائشاً وحدي، أنيسي كتابي، وإن زرت فالكبار من تلاميذ أبي أو إخوانه، كان يصحبني أحياناً معه فأستمع ولا أتكلم لأن الصغار لا يتكلمون في مجلس الكبار. لذلك كنت في المدرسة متوحّداً منفرداً.
حتى كان يوم رأيت فيه سماء «الصحن» الواسع مغطاة بسحابة سوداء دانية منا ليست بعيدة عنا، وكان يسّاقط شيء منها على رؤوسنا ... لا، لم تكُن قطرات المطر فلم تكُن سحابة ممطرة، وإنما كانت رِجْلاً من الجراد (٢)، ملأ سماء الشام وأرضَها
стр. 52
وأتى على الأخضر واليابس من زرعها، وكان شيئاً رهيباً. ولم تكُن يومئذٍ هذه المبيدات ولم يكُن شيء من هذه الوسائل التي قضت اليوم أو كادت على الجراد.
فبدأ القحط في البلد.
ثم سمعنا من أفواه الكبار كلاماً لم ندرك غوره، ولكن فهمنا من لهجة كلامهم ومن ملامح وجوههم ومن جزعهم أنه شيء مكروه مخيف. فهمنا أنها قامت حرب في مكان بعيد عنا، ليست كحرب البَسوس التي دامت (كما قالوا) أربعين سنة ولم تقع فيها إلا أربعون معركة ما زادت المعركة منها عن مناوشة خفيفة بين فصيلَين من الجنود. وأن هذه الحرب يموت في المعركة الواحدة منها ما يزيد مئة مرة عن كل الذين ماتوا في معارك الجاهلية كلها، بل والذين ماتوا في بدر وأحد والقادسية واليرموك.
سمعنا هذا فلم نبالِ به. ما لنا ولقوم لا نعرفهم ليسوا منا ولا نحن منهم، يتقاتلون في مكان لا نعرفه ولم نسمع به؟ حريق ولكن لم تمتدّ إلينا ناره ولم يلذعنا أُواره. ولكنا ما لبثنا إلا قليلاً حتى بلغَنا شرارُه وروّعتنا أخباره، حين كنت أمشي إلى المدرسة من داري في العقيبة فأرى الفرن مسدودةً واجهتُه بالخشب ما فيها إلا طاقة صغيرة، والناس يسدّون نصف عرض الطريق، يطلبون أرغفة من الخبز الأسود فلا يكادون يصلون إليها.
стр. 53
كانت الشام أرض الخيرات وكانت تسمى قديماً «أنبار روما»، فأين ذهب قمحها حتى صرنا نطلب الخبز المخلوط بالشعير وبالذرة وبأشياء لا تبلغ قدر الذرة ولا الشعير فلا نصل إليه؟ كان عهدنا بالخبز معروضاً بأثمان لا يتصوّرها القارئ اليوم من شدة الرخص، وكان منه المشروح والتنّوري وخبز الصاج والمصنوع من خالص القمح والمعمول من الدقيق الأبيض المنخول ... فأين ذهب هذا كله؟
ذهب ببعضه الجراد، وبباقيه حلفاؤنا (بل حلفاء حكّامنا الاتحاديين) من الألمان.
ثم خلت الشام إلا من الشيوخ والنساء والأطفال، أما الشبّان فقد ساقوهم (مشاة على أقدامهم) إلى حرب ترعة السويس أولاً، التي عدنا منها بالهزيمة، وإلى معركة «جناق قلعة» لمحاربة أعداء الألمان.
وكان الضابط الذي يتعقب الفُرّار يلبس لبّادة، لذلك يدعونه «أبو لبادة»، وإذا رأوه نادوا «عباية» ليهرب من ليس معه وثيقة إجازة من الجندية. وكان كلما أبصر شاباً أمسك به أعوانه وقال له: نَرْدِه وثيقة؟ أي أين وثيقتك؟ فإن لم يجدها جرّه إلى «السُّويقات»، في البناءين القائمَين إلى الآن في سوق صاروجا، حيث فتح مرة الشيخ أحمد كفتارو «مدرسة الأنصار».
ثم رأينا الناس -ونحن في طريقنا إلى المدرسة- ينبشون أكوام القمامة لعلهم يجدون فيها بقايا طعام. وعزّ السكّر حتى صارت الأوقية (مئتا غرام) بريال مجيدي، وقد كان المجيدي
стр. 54
قبل الحرب يكفي لوليمة ضخمة، أي أن الكيلو بليرة (أي بجنيه) ذهبي! وقلّ الكاز (البترول)، وفُقدت أشياء كثيرة مما كنا نستورده. وما كان منه عند التجّار قبضوا عليه أيديهم وأخفوه في مستودعاتهم، وكانت أيام شداد.
ولكن الأتراك مسلمون، وإن كان حكامنا وحكامهم يومئذٍ من الاتحاديين أعداء الأمة العربية، وكدت أقول أعداء الدين. فقد عزّ عليهم أن يجوع علماء المسلمين، فخصّصوا لهم جرايات من القمح تسدّ حاجة بطونهم وتصون ماء وجوههم.
وكان والدي (وقد نسيت أن أقول لكم) قد ترك إدارة المدرسة وصار «أمين الفتوى» عند المفتي الشيخ أبي الخير عابدين، والد شيخنا الشيخ أبي اليسر عابدين مفتي الشام، الطبيب الذي نال شهادة الطبّ على كِبَر ثم صار أستاذاً في كلية الحقوق (وكانت تُدعى معهد الحقوق، وكانت هي وكليّة الطب نواةَ جامعة دمشق).
كان والدي هو الذي يتولّى إعداد قوائم بأسماء العلماء وطلبة العلم لينالوا نصيبهم من القمح.
* * *
стр. 55
-٥ -
من ذكريات الطفولة أيضًا
وكان من المناظر المألوفة أيضاً أن نرى جنود «أبي لبّادة» يمسكون بجماعة من الشبان الفُرّار (وكانوا يدعونهم الفرّارية) مربوطين يُساقون وحراب البنادق في ظهورهم إلى حيث لا ندري. فلماذا يفرّون من الجيش؟ ومتى كان العربي المسلم، بل متى كان المسلم -عربياً كان أم تركياً أم كردياً- يهرب من مقارعة الأعداء ومقابلة الخصوم؟
إنه يستحيل أن يكون اليهودي شجاعاً أو نبيلاً، ولو قاتل بالسلاح الكثير الذي جاء به من يضعه في يده ويسلّطه به على الناس. ويستحيل أن يكون المسلم جباناً أو نذلاً، ولو أعوزه البارود أو فقد الرغيف. إنه يقاتل بالبندقية القديمة ويقاتل بالسيف ويقاتل بالحجارة، ولو كان خصمه أقوى دول الأرض. ويقاتل جائعاً أو يصبر يومه على تمرة أو يأكل الكلأ.
لا، ما هذه قصيدة فخر وحماسة بل هي حقيقة واقعة. أما ترون ما يصنع المسلمون الأفغان أمام المعتدين الشيوعيين، ودولتُهم إحدى الدولتين الكبرَيَين في عالم اليوم؟ أليست هذه
стр. 56
الوقفة إعادة كريمة ماجدة لموقف المسلمين الأوّلين، يوم نازلوا الدولتين الكبريَين في عالم الأمس في اليرموك والقادسية؟
إن الإسلام صبّ البطولة صباً في أعصاب المسلمين وأجراها في دمائهم، فمهما حاقت بهم الشدائد وتوالت المحن فلن تتبدل طبيعة البطولة فيهم، والعاقبة لهم إن كانوا مع الله لأن الله سيكون حينئذٍ معهم، ومَن كان الله معه لا يغلبه مخلوق.
أتذكرون يوم عادوا من معركة الأحزاب وقد نفدت منهم آخر قطرة من الطاقة البشرية، استنفدها ما قاسوا من الشدة والامتحان في ذلك اليوم، حتى لم يبقَ لأحدهم أمنيّة إلا أن يأكل لُقيمات ثم يطرح نفسه على الأرض يستسلم إلى نومة مريحة. فجاءهم الأمر من القائد العام، من الذي لا ينطق عن الهوى، من الذي يأتيه «البريد الخاصّ» من السماء. جاء الأمر بالمسير إلى الناقضي العهد، إلى حثالة البشر وزبالة بني آدم، إلى اليهود، إلى بني قريظة. أما مسحوا النوم من عيونهم واستلّوا بعزائمهم (بل بإيمانهم) التعب من أجسادهم وامتثلوا الأمر وساروا؟
لقد دُعوا بعدها إلى الجهاد، إلى التضحية، إلى بذل الروح مئة مرة، فما تقاعسوا ولا تردّدوا. لقد لبّوا دوماً وما أبوا يوماً، ولا يزالون حاضرين ليلبّوا إن دُعوا من جديد. على أن يدعوهم الداعي بلسانهم لا بلسان غريب عنهم لا يفهمونه ولا يعرفونه؛ يدعوهم باسم الدين جهاداً في سبيل الله وإعلاءً لكلمة الله، لا باسم الوطنية ولا القومية ولا التقدمية. إن الله يعطي الشهيد الذي يموت في سبيله جنة عرضها السماوات والأرض، يعطيه حياة
стр. 57
مدتها مليار مليار قرن، بل إن مدتها لا تحيط بها الأرقام لأنها لا نهاية لها، حياة ما فيها إلاّ السعادة وكل لذيذ مشتهى، بدل حياة على الأرض مهما طالت فإن نهايتها الموت وفيها ما فيها من المتاعب والآلام.
هذا جزاء من يقاتل في سبيل الله. فماذا تعطي القومية وتعطي التقدمية وتعطي الوطنية من يموت في سبيلها؟ هل عندها ما تعطيه؟ بل قولوا ما هي؟ هل هي شيء له وجود أم هي أسماء سمّيناها نحن (لا آباؤنا) ما أنزل الله بها من سلطان؟ فما لنا ندع شرعة الإسلام إلى نظام أساسه أوهام، ونتائجه أحلام، ولن يكون له (كما لم يكُن لأمثاله) دوام؟
فإذا كنا نحن أبناء الحرب، وإذا كنا أبطال القتال، وإذا كنا نحن، «نحن المسلمين» (١) أحفاد من خاضوا عشرة آلاف معركة مظفَّرة، ومن أزاحوا عن صدر البشر كابوس الدولتين الظالمتين الروم والفرس، ومن فتحوا بالحقّ والعدل وللعدل والحقّ ما بين قلب فرنسا وقلب الهند ... فكيف كنا نفرّ من الجيش العثماني أيام الحرب الأولى؟
نفرّ لأننا كنا نُساق إلى حرب لم تكُن جهاداً في سبيل الله فنرجو فيها الأجر من الله، ولم تكُن حرباً اضطُررنا إليها فلم يكُن لنا بدّ من خوضها، ولا كان لنا فيها مصلحة ظاهرة فندخلها
стр. 58
لتحقيق مصلحتنا. حرب كان قادتها من غيرنا، لا أقصد أنهم من غير العرب فإن الله قال: ﴿إنّما المؤمنونَ إخوةٌ﴾ لم يقُل: «إنما العرب»؛ بل لأنّي أشكّ في صدق إسلام أكثر أولئك القادة من الاتحاديين، ولا أشكّ أن أيدي غيرنا هي التي كانت تحرّكهم.
ولما انجلى غبار المعركة ووضح الأمر عرفنا حقيقتهم مما صنع أتاتورك، وقد كان واحداً منهم. وليس الضمير راجعاً إلى الأتراك، لا والله؛ فالشعب التركي ما عدل بالإسلام شيئاً من يوم دخل فيه مختاراً، والسلاطين الأوّلون كانوا من أحاسن الملوك، فتحوا للإسلام أوربا. ولو مدّ الله في عمر محمد الفاتح (١)، ولو استمر الخير في أحفاده، ولو لم تفتنهم وتُعْشِ أبصارَهم بهارجُ هذه الحضارة لكان لهم تاريخ آخر.
* * *
واستمرّت الحرب. وكان الكبار لا يعرفون من أخبارها شيئاً، فكيف بنا نحن الصغار؟ ولم نكُن نقرأ الجرائد لأنها لم تكُن عندنا جرائد كجرائد اليوم، ولم نكُن نسمع أخبار الإذاعات لأنها لم تكُن قد اختُرعت الإذاعات؛ كانت حياتنا قبل الحرب كالبِرْكة الساكنة، وإن كانت مياهها آسنة. كنا في عزلة عن الدنيا: عزلة مادية وفكرية، أضعنا ثمرات حضارتنا الأولى التي قَبست منها أوربا في عصر نهضتها، ولم نأخذ إلا القليل من نتاج الحضارة الجديدة.
ولكن كانت في حياتنا فضائل وكانت لها مزايا، إن فتحتُ
стр. 59
بابَ الحديث عنها الآن لم أستطع أن أغلقه، وإن دخلت فيه لم أقدر أن أخرج منه فأوالي طريقي. ولقد كتبت عن دمشق التي عرفتها وأنا صغير فصولاً ومقالات كثيرة في «رسالة» الزيات ﵀ وفي غيرها من الصحف والمجلات، وأودعت بعضها كتابي «دمشق» وكتابي «من حديث النفس» و «صور وخواطر» و «قصص من الحياة»، وكل هذه الكتب مطبوع مرّات تتداوله أيدي القرّاء.
أما موقفنا من هذه الحضارة فقد ألقيت فيه محاضرة جامعة في «ندوة الشباب العالمية» من نحو عشر سنين في الرياض (١)، طبعتها الندوة طبعة غاب عنها المصحّح فامتلأت بأخطاء الطبع التي كان يدعوها صديقنا أديب العربية إسعاف النشاشيبي ﵀ «التطبيعات».
لذلك أدعها الآن وأرجع فأقتصر على حديث الذكريات، إلاّ وقفات ولفتات؛ أقف قليلاً أو ألتفت يميناً أو شمالاً ثم أمضي في طريقي.
* * *
قلت لكم إني كنت أرى الجياع ينبشون أكوام القمامة علّهم يجدون ما يؤكل، وما جاعت دمشق قط في عمرها الطويل إلاّ تلك الأيام.
стр. 60
وكانت دمشق -مذ كانت- أرخص بلاد الله وأكثرها خيرات؛ كان ثمن رطل الخبز (والرطل كيلان ونصف) ما يعادل ثلاثة قروش سعودية، فصار رطل الخبز الأسود الذي فيه كلّ ما يُطحن دقيقاً إلا دقيق القمح، صار بستّين قرشاً، ولو وُجدت القروش الستون (على صعوبة إيجادها) لم يوجد الخبز. وصار كيلو السكر بدينار (أي جنيه ذهبي)، وصار النفط (زيت الكاز) أغلى من عطر الورد الأصلي الذي يُستخرج من ورد مسرابا في الغوطة، ووردها الجوريّ أعطر الأوراد.
وازدادت مناظر الجياع والهاربين من الجندية لأن مدرستنا قد انتقلت إلى سوق صاروجا، إلى دار هولو باشا العابد بجوار السويقات، وترك والدي المدرسة وجاء مدير جديد اسمه شكري بك عابدين.
وكانت دمشق في التقسيم الرسمي ثمانية «أثمان»، أي أحياء؛ فأحياء «العمارة» و «باب السلام» يسكنها في الغالب العلماء، و «القيمرية» للتجار، و «القنوات» للوجهاء، أما سوق صاروجا (١) الذي يمتدّ من «العقيبة» إلى بوابة الصالحية فلكبار الموظفين وللأتراك، وأما حيّ الميدان وحيّ الصالحية وحيّ الأكراد فكانت في الغالب مغلَقة على أهلها.
وهولو باشا والد أقوى وأشهر عربي كان على عهد السلطان عبد الحميد، وكان كاتبه الثاني وكان بمثابة أمين الدولة، وهو أحمد عزت باشا العابد. ومن آثاره «بناية العابد» في المرجة،
стр. 61
وهي أول عمارة حديثة ضخمة أقيمت في دمشق على النمط الإفرنجي، وهي أربعة طوابق من الحجر، لا تزال من أضخم العمارات.
أما سبب ترك والدي إدارة المدرسة وانتقاله إلى دائرة المفتي «أميناً للفتوى»، وهو بمثابة مساعد للمفتي، فإني لا أعرفه.
* * *
وصلت سنة ١٩١٨ إلى الصف الخامس الابتدائي، وكانت مدرستنا (الأهلية) تتبع منهج مديرية المعارف وتزيد عليه العناية بالعلوم الإسلامية، ولكن تدريسها سيّئ الأسلوب معوجّ الطريقة، ولا أذكر لمدرّس من مدرّسيها أثراً في نفسي، فكأني كنت أنتقل من سنة إلى سنة وأرتقي من فصل إلى فصل وأنا نائم.
ووصلَت إلى أسماعنا أطرافٌ من أحاديث الكبار عن ثورة قام بها شريف مكة على الدولة العثمانية. وكنا قد شهدنا من قبل شنق جماعة من كبار الناس في المرجة، دعاهم الناس «الشهداء» وسمّوا -من بعد- «المرجةَ» من أجلهم «ساحة الشهداء»، وبقينا سنين طوالاً نحتفل كل سنة في اليوم السادس من أيار (مايو) بذكراهم. ولقد كتبت في مطلع شبابي كما كتب غيري في رثائهم وتمجيد أسمائهم، ودعوا جمال باشا -لما صنع بهم- «جمال السفاح».
ثم حصحص الحق، وشهد مؤرّخو النصارى في لبنان وفتحت مجلاتهم ملفات عنهم، فتبيّن أنهم إلاّ قليلاً منهم (نحو الخُمس منهم)، تبيّن أنهم كانوا خوَنة للدولة جواسيس لأعدائها
стр. 62
عليها، وأن الدولة العثمانية -لمّا وضعت يدها على قنصليتَي فرنسا وإنكلترا أيام الحرب- وجدت الأدلّة القاطعة والبراهين الدامغة على خيانة أكثرهم وتجسّسهم (١).
طلع النهار فجلّى ما توهمناه في ظلام الليل، فسوّدَت الحقيقةُ الصورةَ التي كانت بيضاء لهؤلاء الذين دعوناهم شهداء، كما بيّضَت وجه السلطان عبد الحميد الذي حاول اليهود تلاميذ إبليس أن يسوّدوه، سوّد الله وجوههم.
* * *
واستيقظنا يوماً من أيام سنة ١٩١٨ (المحرم ١٣٣٧) على صوت رعد شديد، ولكن السماء ما فيها قطعة من غمام، ورجّات هائلة كأنها زلزال، ولكن ما اهتزّت الدار. فصعدنا نحاول أن نرى من سطوح المنازل، فشاهدنا نوراً يسطع ثم يخمد وناراً تتفجّر في الجوّ ثم تهمد، وانتظرنا فجاء من يخبرنا بأن «الجَبخانة» في «القدَم» (٢) (أي مستودع الذخائر) قد فُجّر! وسألنا: لماذا؟ فلم يعرف أحد لماذا.
стр. 63
فلما أصبحنا قالوا إن الجيش التركي قد انسحب في ظلام الليل وخرج من دمشق، وإن الشريف فيصل بن الحسين قادم إلى دمشق. وكانت رجّة في البلد وكانت مظاهرات، وما كنا نعرف ما المظاهرات، إنما نعرف «العرضة» في زفة العرس أو في مثلها من المناسبات.
وكنا نهتف في المدرسة كل صباح بالتركية «باديشاهم جوق يشا» ومعناها «يعيش سلطاننا طويلاً»، فسمعنا هتافاً جديداً ما كان لنا بمثله عهد هو «يعيش الاستقلال العربي». ورأيناه مطبوعاً في أوراق ليُعلَّق على الجدران، لا أدري متى طُبع، ولعلهم طبعوه وحملوه معهم.
ورأينا العلَم الأحمر ذا الهلال والنجم الذي عشنا إلى ذلك اليوم تحته قد نزل، ورأينا في مكانه علماً جديداً فيه الألوان الأربعة: الأبيض للأمويين، والأسود للعباسيين، والأخضر للهاشميين، والأحمر ما عدت أدري لمن هو ... فكأنه يقول مع صفي الدين (١):
بِيضٌ صنائعُنا، سُودٌ وقائعُنا ... خضرٌ مرابعُنا، حمرٌ مواضينا
* * *
стр. 64
-٦ -
من المدرسة التجارية إلى المدرسة السلطانية
ومن العهد التركي إلى العهد العربي
لبثنا ننتظر، حتى إذا سكنت هزّة المفاجأة ورجعت الحياة تسير مسارها وبدأ الناس يألفون العهد الجديد أخذنا كتبنا ودفاترنا وذهبنا إلى مدرستنا، فوجدنا المدرسة قد أغلقت. لقد جنى عليها اسمها، وما كان لها من صلة بجمعية الاتحاد والترقي إلاّ صلة هذا الاسم، كما أن الجمعية لم يكُن لها مما يدلّ عليه اسمها إلاّ نصيب المدّعي الكاذب في الدعوى الباطلة:
اسمها جمعية الاتحاد، وهي التي جرّت علينا الانقسام: كانت الدول العثمانية جسداً واحداً، العرب أعضاء فيه والترك والكرد، فقطعوا الخيط الذي كان يربط أجزاءه ويؤلف بينها (وهو الإسلام)، فصار كل جزء جسداً مستقلاً، أي أنه صار مسخاً زريّاً لا إنساناً سويّاً.
وكانوا في أوربا يُشبّهون الدولة العثمانية بـ «الرجل المريض». مريض؟ نعم. إن المريض يشفى والمرض ليس عيباً، ولكنه باعترافهم رجل. وكان السلطان عبد الحميد رجلاً حقاً، استطاع
стр. 65
بدولة هَرِمة وجيش هزيل أن يحجز دول أوربا عن بلاده، وكان يضرب بدهائه بعضها ببعض. كان «رجلاً» يلعب بالرجال، فلما جاء «صبيان» الاتحاديين وأمسكوا هم الزمام لعبت بهم الرجال وأشباه الرجال.
واسمها جمعية الترقي، وهي التي سبّبت لنا التدنّي: فبعد أن كانت الدولة على عهد السلاطين العظام أقوى دول الأرض صارت بهم دويلات لا وزن لها في الأرض، يحكمها حكّام من غير أبنائها بقوانينهم لا بشريعتها. ذلك لمّا خاضت -بحماقتها وجهلها وخبث سرائرها وقبح نياتها- حرباً لا ناقة لها فيها ولا جمل ولا شاة، فانتهت بها وبنا جميعاً إلى الضياع.
* * *
وبدأت دمشق تعيش كأنها في بهجة العرس، وقد كانت قبل شهر واحد في كربة كأنها كَمْدة المأتم. وحل الوجدان محل الحرمان، فالخبز مبسوط أمام الشارين من كل نوع وفي كل مكان، كما كان. وكَثُر السكّر والبنّ والرزّ و (الكاز)، وكل ما كان مفقوداً صار موجوداً.
والأعلام الجديدة ترفرف على الدكاكين وعلى أبواب المنازل، والأناشيد التركية ذات الألحان القوية العبقرية بُدّلت أناشيد عربية صيغت كلماتها على عجل، ورُكّب اللحن التركي القديم على النشيد العربي الجديد. وكان الناس في الشام (كما كانوا في أكثر بلاد الشرق) لا يهتمّ جمهورهم بسياسة ولا رياسة، همّهم أداء فرضهم وحفظ عيالهم وتسلية أنفسهم بما لم يحرّمه
стр. 66
عليهم دينهم؛ لذلك فرحوا بما جاءهم من السعة بعد الضيق والسلام بعد الحرب، لم يستطيعوا أن يَزِنُوا ما كان بميزان الربح والخسارة ولا أن يتبيّنوا هل كان خيرُه أكبرَ أم شرُّه، ولم يتنبّهوا إلى أن عهداً قد انتهى وأن عهداً آخر قد بدأ.
سقوط روما كان نهاية القرون الأولى وبداية القرون الوسطى، ولكن هل معنى هذا أنه إذا كان سقوطها يوم الخميس، كان الأربعاء من القرون الأولى والجمعة من الوسطى؟ وإذا انتهى العصر الأموي بقتل مروان وولاية السفاح، فهل القصيدة التي نُظمت قبل مقتله بيوم لها مزايا وخصائص الشعر الأموي والتي نُظمت بعده بيوم لها خصائص ومزايا الشعر العباسي؟
التبدّل الآني ليس من سنن الله في هذا الوجود. الليل يكون أسود حالكاً ثم يكون بعده النهار أبيض مشرقاً، فهل تحوّل الظلام نوراً في لحظة أم الله يولج الليل في النهار؟ وكنتَ طفلاً ثم صرتَ شيخاً، فهل انتقلت في ساعة واحدة من الطفولة إلى الشباب أو من الشباب إلى الشيخوخة؟ وهل أحسست بهذا التبدل؟
راقب العقرب الصغير في الساعة، إنك لا تراه يتحرك، ولكنه مع سكونه الظاهر يدور دائرة الساعة كلها. وكذلك كنا ونحن نشهد ميلاد عهد جديد، العهد كان مخاضه عند بداية الحرب الأولى وولادته عند نهاية الحرب الثانية، ولكنا لم نحسّ بذلك لأننا كنا نعيش فيه.
إذا كنت في المصعد وهو مغلق عليك، فهل تحسّ بأنه ينزل أو يصعد؟ إنك تدرك حركته بعد أن تخرج منه وتقف فتنظر إليه.
стр. 67
ونحن نستطيع الآن أن ندرك حقيقة الذي كان ونَزِنه بميزان الربح والخسران.
* * *
وقبل أن أودّع المدرسة التجارية أذكر أنها خرّجت طبقة من المثقفين كانت سبّاقة وكانت رائدة، أتمنى لو كانت أسماؤهم عندي، لكني أسمّي من يخطر على بالي؛ فمنهم خالد بك العظم السياسي المعروف رئيس وزراء سوريا، وقد درس فيها حيناً وإن لم يتخرج فيها. ومنهم صبحي بك القوّتلي الرئيس الثاني لمحكمة النقض، وفؤاد بك المحاسني النائب العام. وممن تخرج فيها وحمل شهادتها طاهر الطنطاوي، وقد دخل بعدها مدرسة الطب وخرج منها طبيباً سنة ١٩٢٠، ورفاقه الدكتور محمد سالم، والدكتور سهيل الخياط، وهو لا يزال حياً مدّ الله في عمره ورحم الباقين.
وقد كان يدرّس فيها أكابرُ المشايخ الدروسَ الدينية، وقادةُ الجيش العثماني العلومَ الرياضية والطبيعية. وحسبكم أن من مدرّسيها مدير معارف سوريا هاشم بك يوم كانت ولاية سوريا تشمل البقاع وبعلبكّ وطرابلس والأردن إلى معان. ومن مآثر المدرسة عنايتها المبكّرة بالألعاب الرياضية، ولقد كان الدكتور محمد سالم من أوائل المعنيّين بكرة القدم ومن قدماء لاعبيها، ولقد أنشأ ابن عمي الدكتور طاهر الطنطاوي الذي تُوُفّي السنة الماضية (١٤٠٠هـ) أنشأ في بستان داره في الصالحية ملعباً كاملاً لنفسه ولإخوانه.
стр. 68
أُغلِقت هذه المدرسة فتفرّق تلاميذها في المدارس. وأدخلني أبي المدرسة السلطانية الثانية، وكانت في القسم الشمالي من جامع يَلْبُغا في «المرجة»، في صحنه الواسع وفي الغرف التي بُنيت على جوانب الصحن. أما البركة الكبيرة فقد أقيم عليها حاجز من الخشب يقسمها قسمين متساويَين، قسم بقي في حيّز المسجد وقسم في حيّز المدرسة.
وقد كان موضع المسجد تلاًّ يُشنَق عليه المجرمون، فأخذه والي الشام سيف الدين يَلْبُغا سنة ٨٤٧هـ وأنشأ عليه هذا المسجد.
* * *
يا لله كم في حياتي من منعطفات! وكلما انعطف بي الطريق مرة في وادي العمر تبدّلَت المناظر من حولي.
كنا في المدرسة التجارية نتعلم اللغة التركية فصرنا هنا ندرس العربية، وكنا نهتف في الصباح «باديشاهم جوق يشا» فصرنا نهتف «يعيش الاستقلال العربي»، وكنا قد بدأنا نتلقى مبادئ اللغة الفرنسية فصرنا نتلقى مبادئ الإنكليزية.
على أن من الإنصاف أن أقول -تدليلاً على إسلامية الشعب التركي التي لا تحتاج إلى دليل- أن تعليم التركية كان يبدأ باسم الله. كنا نقرأ التركية ونكتبها بالحروف العربية، لم يكن قد نجم فينا (أعني الأمة الإسلامية) من يحارب ديننا بإضعاف لساننا، فيستبدل بالحروف العربية الحروفَ اللاتينية كما فعلوا -من بعد- باللغة الإندونيسية، وكانت تُكتب بالحروف العربية. كنا
стр. 69
نبدأ بحفظ كتاب صغير اسمه «أسماء تركية» أوله: "تنري الله جل شأنه، بيغمبر النبي، أبدست الوضوء، نماز الصلاة ... " لا أزال أحفظه إلى الآن! وكانت كلمة «تنري» تُكتب «تكري»، كما تكتب كلمة بينباشي (أي رئيس الألف) بكباشي. ولعل المؤرخ المصري «ابن تَغْري بَرْدي» كان اسمه «تنري ويردي» أي عطاء الله. أقول هذا من عندي، ما عندي فيه نص.
* * *
وكان في دمشق مدرسة سلطانية واحدة هي «مكتب عنبر»، ثم فُتحت في أواخر حكم الأتراك مدرسة أخرى (وكنا نسمّي المدرسة «المكتب»، و «السلطاني» معناها الثانوي). وهذه المدرسة هي «المكتب السلطاني العربي»، وقد كانت في طريق «ستّي زيتونة». وممن أعرفه درس فيها أستاذنا الشيخ زين العابدين التونسي، والشيخ عصام الدين الحسني، وهو ابن الشيخ بدر الدين الحسني والأخ الأكبر للشيخ تاج الدين الذي صار رئيس الجمهورية السورية، ووالد الصديق الشيخ فخر الدين مدير دائرة الإفتاء في سوريا سابقاً.
أما هذه الزيتونة فقد كانت شجرة هرمة، أمامها قفص من حديد تربط النساء به الخِرَق وتحتها قبر، وعندها «شيخ» دجّال قد جعل مرتَزَقهُ سِدانة هذا الوثن. أما قصّتها فعجيبة حقاً؛ هي أن قاسم الأحمد (جد صديقنا وزميلنا نهاد القاسم، الأخ الوفي والوزير المستقيم رحمة الله على روحه) لمّا ثار على إبراهيم باشا أيام حكمه الشام قُبض عليه بعد معارك طويلة، فشنقه مع خمسة
стр. 70
من رفاقه تحت زيتونة كانت هنا، فقال الناس «الستة بالزيتونة»، ثم نسوا القصة فقدّسوا الشجرة وسمّوها «ستي زيتونة»!
أما السلطانية الثانية التي دخلتها فقد فُتحت بعد دخول الشريف فيصل بن الحسين ولورانس الإنكليزي دمشق، وكانت ابتدائية وسلطانية (أي ثانوية)، مدير القسم الابتدائي الأستاذ شريف آقبيق (وقد سمعت أنه لا يزال حياً، قوّاه الله)، ومدير الثانوي و «المدير العام» هو شيخ المعلمين الرسميين في الشام الأستاذ سعيد مراد (١).
وكان من معلمينا فيها شابّ (أعني أنه كان يومئذٍ شاباً) من نابلس، هو أول من علمني الإنشاء العربي: كان يأخذ مقالات المنفلوطي فيجعلها بحيث نفهمها ثم يكلّفنا أن نكتب مثلها، وكانت مزيّته الأولى صوته، فما عرفت -على كثرة ما سمعت من الأصوات- ما هو أحلى منه وأطرب. وقد أنشد يوماً في اجتماع عام نشيد «ويلي على أوطاني .... من غارةِ العُدوانِ» أمام الشريف فيصل، فأُعجبَ به فجعله مدرّس الموسيقى في السلطانية الأولى. ثم صار مدرساً سيّاراً لها، يدور على المدارس فيكون يومُ وصوله فرحةً للمدرسة، وكان ممّن ينظم الأناشيد العربية أو يترجمها عن التركية ويُلبِسها النغمة الأصلية. وهو الأستاذ حسني كنعان، وسأعود إلى الكلام عنه، فقد استمرّت اتصالاتنا حتى توفاه الله سنة ١٩٨٠ ﵀.
стр. 71
أمّا رفاقي فيها فلست أذكر منهم إلا المهندس صلاح شيخ الأرض، وقد كان هنا منذ سنوات. والمحامي الشاعر عبد الحكيم مراد، ولم أرَه من ثلاثين سنة وأحسب أنه في الكويت. والأستاذ حسن السقّا الكيميائي، ولست أدري ما فعل الله به.
ومن ذكريات هذه المدرسة الباقية في نفسي أن حاكم دمشق العسكري الجديد، وهو رضا باشا الركابي الذي كان أعلى عربي رتبةً في الجيش العثماني، زار المدرسة يوماً. فدخل علينا الفصل ووراءه وزير المعارف ورؤساء التعليم ومدير المدرسة، وكان بلباس «الجنرال» العسكري، والشارات على كتفيه والأوسمة على صدره. وكان الأستاذ حسني قد حفّظنا قصيدة الحِلّي: «سَلي الرّماحَ العوالي عن معالينا»، ولكنه بدّل البيت الثاني (١) فجعله:
وسائلي العُرْبَ والألبانَ: ما فعَلَتْ ... بعسكرِ التركِ والألمانِ أيدينا؟
وكان حسن السقّا يُلقيها بصوت عالٍ وحماسة بالغة، فقاطعه الباشا وسأله: من علّمَك هذا؟ فارتعب وأشار إلى الأستاذ، فمدّ الباشا يده إلى الأستاذ، ولكن الأستاذ كان قد اصفرّ لونه، ولولا
стр. 72
أنه استند إلى المقعد لهوى ... وإذا الباشا يصافحه! ولمّا خرج الباشا ومن كان معه قال الأستاذ: "أرأيتم يا أولادي؟ هكذا تكون الشجاعة" ... واستدار لئلاّ نرى البلل في بنطاله!
ولا تظنوا أني أكتب هذا بعدما توفّاه الله لأني لا أقدّره ولا أحترمه. لا والله، ولو علمت أنه كان يسوؤه ما رويته. ولقد كتبته في حياته وضحك لمّا قرأه، ثم كتب القصة بقلمه وروى عن نفسه أشياء أبلغَ في بابها منها رحمة الله عليه.
ومن ذكريات هذه المدرسة فيضان بردى الذي كتبت عنه الكثير (١) والذي يصل «المرجة» بعدما انشقّ عنه أبناؤه الستة (يزيد، وتورا، وباناس، والقنوات، والقناة، والديراني) ولم يبقَ من مائه ما يبلّل ظهر قط مشى فيه. بردى الذي لا تذهب منه قطرة هدراً على حين تذهب مياه الأنهار الكبار إلى البحر، فلا هي حفظت ماءها لها ولا البحرُ امتلأ منها. بردى الذي قال كاتب شوقي لمّا زار دمشق فرآه بعدما سمع من شوقي أشعاره فيه، قال متعجباً: أهو ده بردى؟!
بردى هذا إذا وصل إلى المرجة وأردنا أن نسلبه حريته في جريه، وأن نسجنه تحت القناطر فيدوس عليه الماشون في المرجة، ثار. وإذا ثار أغرق المرجة وما فيها، وممّا كان فيها مدرستنا (السلطانية الثانية).
стр. 73
إني لأذكر ذلك الفيضان سنة ١٩١٨ وأستحضره في ذهني حتى أرى المدرسة كلها قد صارت بركة واحدة، والمقاعد قد طفَت على وجه الماء كالزوارق، وتصايح التلاميذ واستُدعيَت الشرطة، وأسرع المدرّسون إلى إنقاذ الصغار، وكان يوماً لا ينسى.
* * *
стр. 74
-٧ -
في المدرسة السلطانية
اذهب إلى المرجة (١) اليوم، واستقبل جهة الجامع الأموي وانظر إلى يسارك، لا تبصر إلا برحة واسعة ما فيها بنيان. ارجع إلى العهد الذي أخبر عن ذكرياته الآن لترى بناء من طبقتين، الداخلون إليه كثير والخارجون منه كثير. هذا يدخل والحديد في يديه فيخرج طليقاً، أو يدخل طليقاً فيخرجون به إلى السجن (في القلعة)، وهذا يدخل مدّعياً آملاً الربح فيخرج خائباً خاسراً دعواه، وذاك يخرج فَرِحاً رابحاً الدعوى.
стр. 75
هنا كانت «العدلية» وإلى شرقها بناء أصغر هو «البريد»، والبريد «مصلحة» القلوب والجيوب (١)، وحقيبة ساعي البريد فيها البشائر وفيها النذُر، يترقبه العاشق وينتظره التاجر، والأم التي غاب عنها ولدها تعدّ الدقائق لتأخذ رسالة منه تطفئ أو تخفّف من نار الشوق في صدرها، والطالب يقف على الباب وبصره على أول الشارع ليرى ما يحمل إليه موزّع البريد، هل يحمل خبر النجاح في الامتحان أو نبأ السقوط والخسران؟
وإلى قربها عمارات تطلّ على بردى، يقابلها من هناك «السراي». وقد كانت في ذلك العهد (بل إلى ما بعده بربع قرن) تجمع -وحدها- وزارات الدولة كلها ومعها مجلس الوزراء،