Полный текст (428 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(الملك الحق المبين، وما توفيقي إِلا بالله)
قال أَبو بكر محمدُ بن القاسم بن بشَّارٍ الأَنباريُّ النحويّ: الحمد لله حقَّ حمدِه، على ما أَوْلَى من نِعمه وفَضْلِه، وظَاهَر من آلائه وَطوْله. والصَّلاةُ على خيرِ خَلْقه، أَبي القاسم خاتِم رُسُله، والأَمينِ على وَحْيِه، والدَّاعي إِلى أَمرِه، والسَّلامُ على الطّيّبين من آله وصحبِه.
هذا كتاب ذِكْر الحروف التي تُوقِعُها العربُ على المعاني المتضادّة، فيكونُ الحرفُ منها مؤدِّياً عن معنييْن مختلفيْن، ويَظُنُّ أَهلُ البِدَع والزَّيْغ والإِزْرَاء بالعرب، أَنَّ ذلك كان منهُمْ لنُقْصان حكمتهم، وقلَّة بلاغتهم، وكثرة الالْتباس في محاوراتهم، وعند اتّصال مخاطباتهم، فيَسْأَلُون عن ذلك، ويحتجُّون بأنَّ الاسم مُنبِئ عن المعنى الَّذي تحته ودالٌّ عليه، ومُوضِحٌ تأْويلَه، فإِذا اعتورَ اللفظةَ الواحدة معنيان مختلفانِ لم يَعْرِف المخاطَب أَيَّهما أَراد المخاطِب،
стр. 2
وبَطَل بذلك معنى تعليق الاسمِ على المسمّي.
فأُجيبوا عن هذا الَّذي ظنُّوه وسأَلوا عنه بضُروبٍ من الأجوبة: أَحدُهنّ أَنَّ كلامَ العرب يصحِّح بعضُه بعضاً، ويَرتبِط أَوَّلُه بآخره، ولا يُعْرَفُ معنى الخطابِ منه إِلَاّ باستيفائه، واستكمال جميع حروفه، فجاز وقوعُ اللَّفظَةِ على المعنييْن المتضادَّيْن، لأَنَّها يتقدَّمُها ويأْتي بعدَها ما يدلُّ على خصوصيَّةِ أَحد المعنييْن دون الآخر، ولا يُراد بِها في حالِ التكلُّم والإِخبار إِلَاّ معنًى واحد؛ فمن ذلك قول الشَّاعِر:
كلُّ شَيْءٍ ما خَلَا المَوْتَ جَلَلْ ... والفَتَى يَسْعَى ويُلْهِيه الأَمَلْ
فدلّ ما تقدَّم قبل جلل وتأَخَّر بعده على أَنَّ معناه: كلُّ شيءٍ ما خَلا الموت يَسيرٌ؛ ولا يتوهَّم ذو عقل وتمييز أَنَّ الجَلَلَ هاهنا معناه عظيم. وقول الآخر:
يا خَوْلَ يا خَوْلَ لا يَطْمَحْ بِكِ الأَمَلُ ... فقد يُكَذِّبُ ظَنَّ الآمِلِ الأَجَلُ
يا خَوْلَ كَيْفَ يَذُوقُ الخفضَ معترِفٌ ... بالموتِ والموتُ فيما بَعْدَهُ جَلَلُ
فدلَّ ما مضى من الكلام على أَنَّ جللا معناه يسيرٌ.
стр. 3
وقول الآخر:
فَلَئِنْ عَفَوْتُ لأَعْفُوَنْ جَلَلاً ... ولَئِنْ سَطَوْتُ لأُوهِنَنْ عَظْمِي
قَوْمِي هُمُ قَتَلوا أُمَيْمَ أَخِي ... فإِذا رَمَيْتُ يُصِيبُني سَهْمِي
فدلَّ الكلامُ على أَنَّهُ أَراد: فلئن عفوتُ لأَعفونَّ عفواً عظيماً، لأنَّ الإِنسان لا يفخر بصفحه عن ذنب حقير يسير؛ فلمَّا كان اللَّبس في هذين زائلاً عن جميع السامعين لم ينكَرْ وقوعُ الكلمة على معنيين مختلفين في كلامين مختلفَي اللَّفْظين. وقالَ الله ، وهو أصدق قيل: الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللهِ أَراد: الذين يتيقنون ذلك، فلم يذهب وهْمُ عاقل إِلى أَنَّ الله يمدح قوماً بالشكّ في لقائه، وقالَ في موضع آخر حاكياً عن فرعون في خطابه موسى: إنِّي لأَظُنُّكَ يا مُوسَى مَسْحُوراً. وقالَ تعالى حاكياً عن يونس: وَذَا النُّونِ إذْ ذَهَبَ مُغَاضباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدرَ عَلَيْهِ، أراد: رَجَا ذلك وطمع فيه، ولا يَقُولُ مسلِم إِنَّ يونسَ تيقَّنَ أَنَّ الله لا يقدر عليه. ومَجْرَى حروف الأَضْدادِ مجرى الحروف التي تقعُ على
стр. 4
المعاني المختلفة، وإِنْ لم تكُنْ متضادَّة، فلا يُعرَف المعنى المقصودُ منها إِلَاّ بما يتقدَّم الحرفَ ويتأَخَّر بعده ممَّا يُوضِحُ تأْويله، كقولك: حَمَل، لولد الضّأْنِ من الشّاء، وحَمَل اسم رجل، لا يعرف أَحدُ المعنيين إِلَاّ بما وصفنا. وكذلك يتلمَّظَان، ويَقومُ عَبْدِ اللهِ؛ لا يُعْرَفُ أَنَّ شيئاُ من هذا منقول عن معناه إِلى تسمية الرّجال به إِلَاّ بدليلٍ يُزيل اللَّبْس عن السامعين؛ فمن ذلك ما أَنْشدنا أَبو العباس، عن سلَمة، عن الفَرَّاءُ:
إِذا ما قيلَ أيُّ الناس شَرٌّ ... فشرُّهُمُ بَنو يَتَلَمَّظانِ
جعل يتلمّظان اسماً لرجل. وأَنشدنا أَبو العباس أَيْضاً:
خُذُوا هذهِ ثمَّ استعِدّوا لمثلِها ... بَنِي يَشْتهي رُزء الخليل المُناوِب
جعل يشتهي، وما بعده اسماً لرجل. وأَنْشَدَنا أَبو العباس، عن سَلَمة، عن الفَرَّاءُ، عن الكِسائيّ:
стр. 5
وكنتُ ابنَ عَمٍّ باذلاً فوَجدْتكُمْ ... بَني جُدَّ ثَدْياها عليَّ ولا لِيا
جعل جُدَّ ثَدْياها اسماً. وأَنْشَدَنا أَبو العباس، عن سلَمة، عن الفَرَّاءُ، عن الكِسائيّ:
أَعَيْرُ بَني يَدِبُّ إِذا تَعَشَّى ... وعَيْرُ بَنِي يَهِرُّ على العَشاءِ
جعل يهِرّ ويدِبّ اسمين. وكذلك غَسقَ، يقع على معنييْن مختلفين للعلة التي تقدّمت،: أَحدُهما أَظْلَمَ، من غَسَقِ الليل، والآخر سالَ من الغَساق، وهو ما يَغْسِقُ من صَديد أَهل النار، قال عُمارة بن عَقيل:
تَرَى الضَّيْفَ بالصَّلْعاءِ تغْسِقُ عَيْنُهُ ... مِنَ الجوعِ حتَّى تحْسِبَ الضَّيْفَ أَرْمدا
وقالَ عمران بن حِطّان:
إِذا ما تذكَّرْتُ الحياة وطيبَها ... إليّ جَرَى دَمْعٌ من العَيْنِ غاسِق
أَي سائل. والجميل: الرجل الحسَن، والجميل: الشحْم المُذاب، يعرف معناهما بما وصفناه.
والزِّبْرِج: الأَثَر، والزِّبْرِج: السحاب الرقيق. والحَلَمة: رأْس الثّدي، والحلَمة: نبات ينبت في السهل.
стр. 6
والأُمّة: تُبَّاع الأَنبياء، والأُمّة: الجماعة، والأُمّة: الصالح الَّذي يؤتم به، والأُمّة: الدِّين، والأُمّة: المنفرد بالدِّين، والأُمّة: الحين من الزمان، والأُمّة: الأُمّ، والأُمّة: القامة؛ وجَمْعُها أُمَم؛ قال الأَعشى:
وإنَّ مُعاوِية الأَكْرَمينَ ... حِسانُ الوُجوهِ طِوالُ الأُمَمْ
في أَلفاظ كثيرة يطول إحصاؤها وتعديدها، تُصْحِبُها العربُ من الكلام ما يدلّ على المعنى المخصوص منها. وهذا الضرب من الأَلفاظ هو القليل الظريف في كلام العرب. وأَكثر كلامهم يأْتي على ضربيْن آخرين:
أَحدُهما أَن يقع اللفظان المختلفان على المعنييْن المختلفين؛ كقولك: الرجل والمرأَة،
والجمل والناقة، واليوم والليلة، وقام وقعد، وتكلّم وسكت؛ وهذا هو الكثير الَّذي لا يُحاط به.
والضرب الآخر أَن يقع اللفظان المختلفان على المعنى الواحد، كقولك: البُرّ والحنْطة، والعَيْر والحمار، والذّئب
стр. 7
والسِّيد، وجلس وقعد، وذَهب ومضى. قال أَبو العباس عن ابن الأَعْرَابِيّ: كلُّ حَرْفين أَوْقعتْهُما العرب على معنًى واحد؛ في كلّ واحد منهما معني ليس في صاحبه، ربَّما عرفناه فأَخْبَرْنا به، وربَّما غَمُض علينا فلم نُلْزِم العربَ جهله.
وقالَ: الأَسماءُ كلّها لعلة؛ خَصّت العربُ ما خصّتْ، منها من العلل ما نعلمه، ومنها ما نجهلُه. وقالَ أَبو بكر: يذهب ابن الأَعْرَابِيّ إِلى أَن مكّة سُمْيت مكّةَ لجذْب الناس إليها، والبَصْرة سميت البصرة للحجارة البيض الرِّخوة بها، والكوفة سُمِّيت الكوفة لازْدحام الناس بها، من قولهم: قد تَكوَّف الرملُ تكَوُّفاً، إِذا ركبَ بعضُه بعضاً، والإِنسانُ سمّي إنساناً لنسيانه، والبهيمة سُمْيت بهيمة لأنها أُبْهِمَتْ عن العقل والتمييز، من قولهم: أَمْرٌ مُبْهَمٌ إِذا كان لا يعرف بابُه. ويُقَالُ للشجاع: بُهْمة، لأَنَّ مُقاتله لا يَدْري من أَيّ وجه يُوقِع الحيلَة عليه. فإِن قال لنا قائل: لأَيّ علّة سُمِّي الرجلُ رجلاً، والمرأَة امرأَةً، والموْصل الموصِلَ، ودعد دعدا؟
стр. 8
قلنا: لعلل علمتْها العرب وجهلناها، أَو بعضها، فلم تَزُلْ عن العرب حكمةُ العلم بما لحقنا من غموض العلة، وصعوبة الاستخراج علينا.
وقالَ قطرب: إنما أَوقعت العرب اللفظتين على المعنى الواحد ليدلّوا على اتساعهم في كلامهم، كما زاحفوا في أَجزاء الشِّعْر، ليدلّوا على أَنَّ الكلام واسعٌ عندهم، وأَنَّ مذاهبه لا تضيق عليهم عند الخطاب والإطالة والإِطناب. وقول ابن الأَعْرَابِيّ هو الَّذي نذهب إليه، للحجّة التي دَللْنا عليها، والبرهان الَّذي أَقمناه فيه.
وقالَ آخرون: إِذا وقع الحرفُ على معنيين متضادّين، فالأَصلُ لمعنًى واحد، ثمَّ
تداخل الاثنان على جهة الاتساع. فمن ذلك: الصّريم، يُقَالُ لليل صَريم، وللنهار صَريم، لأنُ الليل ينصرِم من النهار، والنهار ينصرِم من الليل، فأَصلُ المعنيين من باب واحد، وهو القَطْع.
وكذلك الصارخ المغيث، والصارخ المستغيثَ؛ سمِّيا بذلك لأَن المغيث يصرُخُ بالإِغاثة، والمستغيثَ
стр. 9
يصرُخ بالاستغاثة؛ فأَصلهما من باب واحد. وكذلك السُّدْفَة: الظلمة، والسّدفة: الضَّوْءُ، سُمِّيا بذلك لأَنَّ أَصلَ السُّدْفة السِّتْر، فكأنَّ النهار إِذا أَقبل ستر ضوءه ظُلْمَة اللَّيل، وكأَنَّ الليلَ إِذا أَقبل سترت ظلمتُه ضوءَ النهار. والجَلَل: اليَسير، والجَلَل: العظيم، لأنَّ اليسيرَ قد يَكُونُ عظيماً عندما هو أَيْسر منه، والعظيم قد يَكُونُ صغيراً عند ما هو أَعظم منه.
والبعضُ يَكُونُ بمعنى البعض والكُلّ، لأنَّ الشَّيْء كُلَّه قد يَكُونُ بعضاً لغيره. والظَّنُّ يَكُونُ بمَعْنَى الشكّ والعلم، لأنَّ المشكوك فيه قد يُعْلَم. كما قيل راجٍ للطّمِع في الشَّيْء، وراجٍ للخائف، لأَنَّ الرجاءَ يقتضي الخوفَ إذْ لم يكن صاحبُه منه على يقين، قال الله : وتَرْجونَ مِنَ الله ما لا يَرْجونَ، فقال الكلبيّ، عن أَبي صالح، عن ابن عباس: معناه: وتخافون من الله ما لا يخافون. وقالَ الفَرَّاءُ: العرب لا تذهب بالرّجاء مذهبَ
стр. 10
الخوف إِلَاّ مع الجَحْد، كقولهم: ما رجوت فلاناً، أَي ما خفته، قال الله : ما لَكُمْ لا تَرْجونَ لله وَقاراً، فمعناه: لا تخافون لله عظمة. وقالَ أَبو ذُؤَيْب:
إِذا لسعتْه النَّحْلُ لم يَرْجُ لَسْعَها ... وَحالفَها في بَيْت نُوبٍ عَوامِلِ
أَراد: لم يخَفْ لَسْعَها. وقالَ أَبو بكر: ويروى: خالفها، بالخاء معجمة. وفي النُّوب قولان: أَحدُهما أَنَّها تضرب إِلى السواد، بمنزلة النُّوبة من الحَبَشة. والقول الآخر: النُّوب جمع نائب، وهو الرّاجع. وقالَ الهاشميّ عُبَيْدَة بن الحارث - قُتِلَ مع حمزة يوم أُحُد:
لَعَمْرُكَ ما أَرْجو إِذا مُتُّ مُسْلِماً ... على أَيّ جَنْبٍ كان في الله مَصْرَعي
معناه ما أَخاف.
стр. 11
وأَنشد يونس البصريّ:
إِذا أَهلُ الكرامةِ أَكرموني ... فَلا أَرْجو الهوانَ مِنَ اللِّئامِ
وأَنْشَدَ الفَرَّاءُ:
ما تَرْتَجي حينَ تُلاقي الذَّائدا ... أَسَبْعَةً لاقتْ معاً أَم واحدا
أَراد: ما تخاف.
قال أَبو بكر: فكلام العرب في الرجاء على ما ذكر الفَرَّاءُ. وقالَ المفسِّرون خلاف ما روى الكلبيّ في المعنى الَّذي أَبطل صحتَه الفَرَّاءُ: وترجون من ثواب الله وتطمعون من حسن العاقبة والظَّفَر والغلَبة لأعدائكم فيما لا يَطْمع أَعداؤُكم، ولا يؤمَّلون مثلَه. وقالَ آخرون: إِذا وقع الحرفُ على معنيين متضادين، فمحالٌ أَن يَكُونُ العربيّ أَوقعه عليهما بمساواةٍ منه بينهما ولكنّ أَحد المعنيين لحيٍّ من العرب، والمعنى الآخر لحيٍّ غيره، ثمَّ سَمِعَ بعضُهم لغَة بعض، فأَخذ هؤلاء عن هؤلاء، وهؤلاء عن هؤلاء، قالوا: فالجَوْن الأَبيض في لُغَة حيٍّ من العرب، والجَوْن الأَسود في لُغَة حيٍّ آخر،
стр. 12
ثمَّ أَخذ أَحد الفريقين من الآخر، كما قالت قريش: حَسِبَ يَحْسِبُ.
وأَخبرنا أَبو العبَّاس، عن سلمة، عن الفرَّاء، قال: قال الكِسَائِيّ: أَخذوا يحسِب بكسر السِّين في المستقبل عن قوم من العرب يقولون: حَسب يَحْسِب، فكأَنَّ حَسِبَ من لغتهم في أَنفسهم، ويحسِب لغة لغيرهم، سمعوها منهم فتكلَّموا بها، ملم يقع أَصلُ البناء على فَعِل يَفْعِل.
وقالَ الفرَّاء: قوَّى هذا الَّذي ذكره الكِسَائِيّ عندي أنِّي سمعت بعضَ العرب يَقُولُ: فَضِلَ يفضُل.
قال أَبو بكر: يذهب الفَرَّاءُ إِلى أنَّ يفعُل لا يَكُونُ مستقبلاً لفَعِل، وأَنَّ أَصل يفضُل
من لغة قوم يقولون: فَضَل يفضُل، فأَخذ هؤلاء ضمّ المستقبل عنهم.
وقالَ الفَرَّاءُ: الذين يقولون: مِتّ أَموت، ودِمْت أَدوم، أَخذوا الماضيَ من لغة الذين يقولون: مِتّ أَمات، ودمْت أَدَام، لأَنَّ فَعِل لا يَكُونُ مستقبله يفْعُل على صحّة. قال أَبو بكر: فهذا قول ظريف حَسَن.
стр. 13
وقد جَمَع قومٌ من أَهل اللُّغة الحروفَ المتضادَّة، وصنَّفوا في إِحصائها كتباً، نظرت فيها فوجدت كلَّ واحد منهم أَتى من الحروف بجزء، وأَسقط منها جزءاً، وأَكثرهم أَمْسَكَ عن الاعتلال لها، فرأَيت أَن أَجمعها في كتابنا هذا على حَسَب معرفتي ومبلغ علمي؛ ليستغنِيَ كاتبُه والناظر فيه عن الكتب القديمة المؤلَّفة في مثل معناه؛ إِذا اشتمل على جميع ما فيها، ولم يُعْدَمْ منه زيادَةُ الفوائد، وحسنُ البيان، واستيفاءُ الاحتجاج، واستقصاءُ الشواهد.
وأَنا أَرغب إِلى الله في حسن المعونة على ذلك، وأَسأَلُه التَّوفيق للصَّواب؛ وكمال الأَجر، وجزيل الثواب.
стр. 14
١ - فأوّل ذلك الظَنّ يقع على معانٍ أَربعة: معنيان متضادَّان: أَحدُهما الشكّ، والآخر اليقين الَّذي لا شكَّ فيه. فأَمَّا معنى الشكّ فأَكثر من أَن تُحْصَى شواهدُه. وأَمَّا معنى اليقين فمنه قول الله : وأَنَّا ظَننَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ في الأَرْضِ ولَنْ نُعْجِزَهُ هرَباً، معناه عَلِمْنَا. وقالَ جلَّ اسمه: ورَأَى المُجْرِمُونَ النَّارَ فظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها، معناه فعلِموا بغير شكّ، قال دُرَيْد، أَنشدناه أَبو العباس:
بأَن تَغْتَزُوا قَوْمي وأَقعدَ فيكُم ... وأَجْعَلَ مِنِّي الظَّنَّ غَيْباً مُرَجَّما
معناه: وأَجعل منِّي اليقين غيباً، وقالَ عديّ بن زيد:
أُسْنِدُ ظَنِّي إِلى المَلِيكِ ومَنْ ... يَلْجَا إِلَيْه فلَمْ ينَلْه الضّرّْ
стр. 15
معناه: أُسْنِدُ علمي ويقيني. وقالَ الآخر:
رُبَّ هَمٍّ فَرَّجْتُه بعَزِيمٍ ... وغيوبٍ كَشَّفْتُها بظُنُونِ
معناه: كشفتها بيقين وعلم ومعرفة؛ والبيت لأَبي دواد. وقالَ أَوْس بن حَجَر:
فَأَرْسَلْتُه مُسْتَقِينَ الظَّنِّ أَنَّهُ ... مخالطُ ما بين الشَّراسِيف جَائفُ
معناه: مستقِين العلم. والمعنيان اللَّذان ليسا متضادَّين: أَحدُهما الكذب، ولآخر التّهمة، فإِذا كان الظنّ بمَعْنَى الكذب قلت: ظَنَّ فلان، أَي كَذَب، قال الله : إِنْ هُمْ إِلَاّ يَظُنُّونَ، فمعناه: إِنْ هُمْ إِلَاّ يكذبون؛ ولو كان على معنى الشكّ لاستوفَى منصوبَيْهِ، أَو ما يقومُ مقامَهما. وأَمَّا معنى التّهمة فهو أَن تقول: ظننت فلاناً، فتستغنيَ عن الخبر، لأَنَّكَ اتَّهمته، ولو كان بمَعْنَى الشكّ المحْض لم يُقْتَصرْ به على منصوب واحد.
ويُقالُ: فلان عندي ظَنِين، أَي متَّهم، وأَصله مَظْنون، فصرِف عن مفعول إِلى فعيل، كما قالوا: مطبوخ وطبيخ، قال الشَّاعر:
стр. 16
وأَعْصِي كلَّ ذِي قُرْبَى لَحَاني ... بجَنْبك فَهْو عندي كالظَّنينِ
وقالَ الله : ومَا هُوَ على الغَيْنِ بِظَنِين، فيجوز أَن يكون معناه: بمتَّهم. ويجوز أَن يكون معناه: بضعيف، من قول العرب: وَصْلُ فلان ظَنون، أَي ضعيف، فيكون الأَصل فيه: وما هو على الغيب بظَنون، فقلَبوا الواو ياءً، كما قالوا: ناقةٌ طَعُوم وطَعِيم، للَّتي بين الغَثَّة والسَّمينة؛ في حروف كثيرة يطول تعديدها وإِحصاءها.
وقالَ أَبو العباس: إنَّما جاز أن يقع الظّن على الشَّكّ واليقين؛ لأَنه قولٌ بالقلْب؛ فإِذا صَحَّت دلائل الحق، وقامت أَماراتُه كان يقيناً، وإِذا قامت دلائلُ الشَّكّ وبطلتْ دلائلُ اليقين كان كَذِباً، وإِذا اعتدلت دلائلُ اليقين والشَّكّ كان على بابه شَكًّا لا يقيناً ولا كذباً.
٢ - وقال بعض أَهل اللُّغة: رجوت حرف من الأَضداد. يكون بمَعْنَى الشَّكّ والطَّمع،
ويكون بمَعْنَى اليقين؛ فأَمَّا معنى الشَّكّ والطّمع فكثير لا يحاط به؛ ومنه قول كَعْب ابن زهير:
стр. 17
أَرْجُو وآمُلُ أَنْ تَدْنُو مودَّتُها ... ومَا إِخالُ لدينا منكِ تَنْوِيلُ
معناه: وما لدينا منك تنويل، وإِخال: لغو. وأَما معنى العلم فقوله: فَمَنْ كان يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّه فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صالِحاً. معناه: فمن كان يعلم لقاء ربّه فليعمل عملاً صالحاً. وقولهم عندي غير صحيح؛ لأَنَّ الرَّجاءَ لا يخرج أَبداً من معنى الشَّكّ، أَنشدنا أَبو العباس:
فَوَا حَزَنَى ما أَشْبَهَ اليأْسَ بالرَّجَا ... وإِنْ لَمْ يكونا عِنْدَنا بِسَواءِ
والآية التي احتَجُّوا بها لا حجَّة لهم فيها؛ لأَنَّ معناها: فمن كان يرجو لقاءَ ثوابِ ربّه، أَي يطمع في ذلك ولا يتيقَّنه.
وقالَ سهل السَّجسْتَانيّ: معنى قوله: فَمَنْ كان يَرْجُو لقَاءَ رَبِّه: فمن كان يخاف لقاءَ ربِّه. وهذا عندنا غَلَط؛ لأَنَّ العرب لا تذهب بالرَّجاء مذهب الخوف إِلَاّ مع حروف الجَحْد؛ وقد استقصينا الشواهد لهذا.
ويقال: ارتجيت ورجَّيت بمعنًى؛ قال الشَّاعر:
стр. 18
فَرَجِّي الخَيْرَ وانْتَظِري إِيابي ... إِذا مَا القارِظُ العَنَزِيُّ آبا
وجاءَ في الحديث: لوْ وُزِنَ رجاءُ المُؤمن وخوفه بميزان تَرِيصٍ لاعْتَدَلا، معناه: بميزان مُقَوَّم، يقال: قد تَرَّصَ الميزانَ إِذا قوَّمه، قال الشَّاعر:
قَوَّمَ أَفْواقَها وتَرَّصَها ... أَنْبَلُ عَدْوانَ كلِّها صَنَعَا
أَنبل عَدْوَانَ، معناه: أَحذقُهم بصنعة النَّبْل. وقالَ النَّابِغَة الذُّبْيَانِيّ:
مَجَلَّتُهُمْ ذَاتُ الإِلهِ وَدِينُهُمْ ... قَوِيمٌ فما يرجُون غَيْرَ العَوَاقِبِ
يقال: معناه فما يطمعون في غيرها. ويقال: معناه: فما يخافون غيرَها، ومَجَلَّتهم: كتابُهم، ويروى: محَلَّتُهم، بالحاء. وكنانة وخُزاعة ونَضْر وهُذَيْل يقولون: لم أَرْجُ،
يريدون: لم أُبَالِ.
فإِنْ قال قائل: إِنَّ معنى قول الله : قالَ
стр. 19
الَّذينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللهِ، يظنون أَنَّهم ملاقو ثواب الله، كان ذلك جائزاً. والظَنّ بمَعْنَى الشَّكّ.
ولا يبطل بهذا التَّأْويل قولُ من جعل الظَنّ يقيناً، لأَنَّ قوله: أَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللهَ في الأَرْضِ، لا يحتمل معنى الشَّكّ، والظِّنَّة عند العرب الشَّكّ، ولا تُجعل في الموضع الَّذي يراد به اليقين، قال الشَّاعر:
إِنَّ الحَمَاةَ أُولِعَتْ بالكَنَّهْ ... وأَبَتِ الكَنَّةُ إِلَاّ ظِنَّهْ
والظّنون أَيْضاً لا يستعمل إِلَاّ في معنى التُّهَمة والضعف، قال الشَّاعر:
أَلَا أَبْلِغْ لَدَيْكَ بَنِي تَمِيمٍ ... وقد يأْتيكَ بالرَّأْي الظَّنُونُ
أَي المتَّهَم أَو الضعيف. ويقال في جمع الظِّنَّة الظنائن، قال الشَّاعر:
تُفَرِّقُ مِنَّا مَنْ نُحِبُّ اجْتماعَهُ ... وتَجْمَعُ مِنَّا بَيْنَ أَهْلِ الظَّنَائِنِ
ويروى:
تُبَاعِدُ مِنَّا مَنْ نُحِبُّ اجْتماعَهُ ... وتَجْمَعُ مِنَّا. . . . . . . . . .
стр. 20
ولا يجمع من هذا الباب على فعائل إِلَاّ ما كان فيه إِدغام أو اعتلال؛ كقولهم: حاجة وحوائج؛ قال الشَّاعر، أَنشده الفرَّاء:
بَدَأْنَ بِنَا لَا رَاجِياتٍ لِرَجْعَةٍ ... ولَا يائِسَاتٍ مِنْ قَضَاءِ الحَوائجِ
وأَنْشَدَ أَبو العباس:
إِنَّ الحَوائجَ ربَّما أَزْرَى بها ... عِنْدَ الَّذي تُقْضَى لهُ تَطْوِيلُهَا
وأَكثر ما تقول العرب في جمع الحاجة: حاجات وحاج وحِوَج، أَنشد الفرَّاء:
أَلا لَيْتَ سُوقاً بالكُنَاسَةِ لم يَكُنْ ... إِليها لِحاجِ المسلمين طريقُ
أَراد لحوائج المسلمين. وأَنْشَدَ أَبو عُبيدة:
ومُرْسِلٍ ورَسُولٍ غَيْرِ مُتَّهَمٍ ... وحَاجَةٍ غير مُزْجَاةٍ من الحَاجِ
أَراد غير ناقصة من الحوائج، والمَزْجاة المسوقة، تقول: أَزجيت مطيَّتِي أَي سُقْتُها، قال الله : بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ. وقال الآخر يهجو عَبْدِ اللهِ بن الزُّبير:
أَرى الحَاجاتِ عِنْدَ أَبي خُبَيْبٍ ... نَكِدْنَ ولا أُمَيَّةَ بالبِلَادِ
стр. 21
وقال الآخر:
تَمُوتُ مع المرءِ حاجاتُهُ ... وتَبْقَى لهُ حاجَةٌ ما بَقِي
وأَنْشَدَ الفرَّاءُ:
لَقَدْ طالَ ما ثَبَّطتِنِي عَنْ صَحَابَتِي ... وعَنْ حِوَجٍ قِضَّاؤُها مِنْ شفائِيَا
قِضَّاؤُها مصدر، من القضاء، بمنزلة الكِذَّابِ من الكَذب.
٣ - وحسبتُ حرف من الأَضداد. يكون بمَعْنَى الشَّكّ، ويكون بمَعْنَى اليقين، قال الله : وَحَسِبُوا أَلَاّ تَكونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وصَمُّوا، فحَسِبُوا هاهنا من باب الشَّكّ. وقالَ لَبِيد في معنى اليقين:
حَسِبْتُ التُّقَى والبِرَّ خَيْرَ تِجَارَةٍ ... رَبَاحاً إِذا ما أَصْبحَ المَرْءُ قَافِلَا
معناه تيقَّنت ذاك، وقافلا: راجعاً؛ يقال: قد قَفَل القوم إِذا رجعوا من سفرهم؛ ولا يقال قافلة إِلَاّ للراجعين، فإِنْ كانوا غير رَاجعين فليسوا قافلة. وقالَ الفَرَّاءُ: حسِبت أَصله من حَسَبْتُ الشَّيْء، أَي وقع
стр. 22
في حِسابي، ثمَّ كسرت السِّين منه، ونقل إِلى معنى الشكّ.
٤ - وخلتُ حرف من الأَضداد؛ يكون شكًّا، ويكون يقيناً، قال الشَّاعر:
فَإِنْ تَنْجُ مِنْهَا تَنْجُ مِنْ فِي عَظِيمَةٍ ... وإِلَاّ فإِنِّي لا إِخالك نَاجِيَا
معناه: لا أَتوهّمك. وقوله: من في عظيمة معناه: من فَم داهية عظيمة. وقالَ أَبو ذُؤَيْب في معنى اليقين:
فَلَبِثْتُ بَعْدَهُمُ بعَيْشٍ ناصِبٍ ... وإِخَالُ أَنِّي لاحِقٌ مُسْتَتْبِعُ
معناه: وأَعلم أَنِّي أَلحقهم بلا شكّ؛ يعني بنِيه الَّذين ماتوا.
وقالَ الفَرَّاءُ: خِلْتُ أَصله من الخيال، إِذا تخيَّل لك الشَّيء، ثمَّ أُعْمل في الاسم والخبر، ونُقِل إِلى معنى الظنّ.
٥ - وعَسَى لها معنيان متضادَّان: أَحدهما الشكّ والطّمَع، والآخر اليقين، قال الله : وعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ، معناه: ويقين أَنَّ ذاك يكون. وقالَ بعض المفسِّرين: عسى في جميع كتاب الله جلّ وعزّ واجبة.
стр. 23
وقالَ غيره: عسى في القرآن واجبة إِلَاّ في موضعين: في سورة بَنِي إِسرائيل: عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ، يعنى بَنِي النَّضِير، فما رحمهم ربّهم، بل قاتلهم رسول الله ﷺ ، وأَوقع العقوبة بهم. وفي سورة التَّحريم: عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِنْكُنَّ، فما أَبدله الله بهنَّ أَزواجاً ولا بِنَّ منه، حتَّى قُبِض ﵇.
وقالَ تميم بن أُبَيّ في كون عَسَى إِيجاباً:
ظَنٌّ بهمْ كعَسَى وهُمْ بَتَنُوفَةٍ ... يتنازعون جوائزَ الأَمْثالِ
أَراد ظَنٌّ بهم كيقين. ويروى: سَوَائرَ الأَمثال، ويروى جوائب الأَمثال.
وأَنشد أَبو العباس:
عَسَى الكَرْبُ الَّذي أَمْسيتَ فيهِ ... يكُون وراءهُ فَرَجٌ قَريبُ
فعَسَى في هذا البيت على معنى الشكّ.
٦ - والنِّدُّ يقع على معنيين متضادَّيْن؛ يقال: فلان
стр. 24
ندّ فلان إِذا كان ضدّه، وفلان ندُّه إِذا كان مثلَه؛ وفسَّرَ النَّاسُ قول الله : فَلَا تَجْعَلُوا للهِ أَنْدَاداً وأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ على جهتين: قال الكلبيّ، عن أَبي صالح، عن ابن عبَّاس: معناه فلا تجعلوا لله أعدالا، فالأَعدال جمع عِدْل والعِدْل المثْل. وقالَ أَبو العبَّاس، عن الأَثْرم، عن أَبي عُبيدة: فَلَا تَجْعَلُوا للهِ أَنْدَاداً أَضْداداً.
ويقال: فلان نِدِّي، ونَدِيدِي، ونَدِيدَتِي، فالثلاث اللُّغات بمعنًى واحد.
قال حسَّان لأَبي سُفْيان بن الحارث:
أَتَهْجُوهُ ولَسْتَ لهُ بنِدٍّ ... فشرُّكُما لخيرِكُما الفِدَاءُ
وقالَ لَبِيد:
أَحْمَدُ اللهَ فَلا نِدَّ لَهُ ... بِيَدَيْهِ الخَيْرُ مَا شَاَء فَعَلْ
وقال الآخر:
أَتَيْماً تَجْعَلون إِليَّ نِدًّا ... وما تيمٌ لِذِي حَسَبٍ نديدُ
وقالَ لَبِيد في إِدخال الهاء:
لِكَيْ لا يكُونَ السَّنْدِريُّ نَدِيدَتِي ... وأَشْتِمُ أَقْواماً عُمُوماً عَماعِمَا
стр. 25
العماعم: الجماعات. ويروى: وعُمًّا عَماعِمَا، فالعُمّ: الرِّجال البالغون. ويستعمل في غير الرجال أَيْضاً، اشترى بعضُ الشُّعراءِ نخلاً، بعضُه بَالغ، وبعضُه غير بالغ، فَعُذِل في ذلك، فقال:
فَعُمٌّ لعُمّكُمُ نَافِعٌ ... وطِفْلٌ لطِفْلِكُمُ يُؤْمَلُ
أَراد: فالبالغ من النخل ينفع الرجال البالغين، والَّذي ليس ببالغ ينفع الأَطفال، ويُؤمَّلُ بلوغُه لهم؛ وإِنَّما دخلت الهاءُ في نديدة للمبالغة، كما قالوا: رجل علاّمة ونسَّابة، وجاءَني كريمةُ القوم؛ يراد به البالغ في الكرم، المشبَّه بالدَّاهية. ويقولون في الذمّ: رجل هِلْبَاجَة، إِذا كان أَحْمَق، فيشبِّهونه بالبَهيمة.
ويقال في تثنية النِّد: ندَّان، وفي جمعه أَنداد. ومن العرب من لا يثنِّيه ولا يجمعه ولا يؤنِّثه؛ فيقول: الرجلان نِدِّي، والرِّجال نِدِّي، والمرأَةُ نِدِّي، والنِّساء نِدِّي، كما قالوا: القوم مِثْلِي، والقوم أَمثالي؛ قال الله : ثمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ، وقالَ ﵎ في موضع آخر: إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ.
стр. 26
ومَجْرَى نِدّ إِذا وُحِّد مَجْرَى قولهم: رجل كرَمٌ، ورجال كرَمٌ، ونساء كَرَمٌ، ومنزل حَمَد، ودار حَمَد، أَي محمودة، ورجال شَرَطٌ وقَزَمٌ، إِذا كانوا سُقَّاطاً لا أَقْدَار لهم، قال الأُمويّ:
عَنَّيْتُمُ قَوْمَكُمْ فَخْراً بأُمِّكُمُ ... أُمٌّ لَعَمْري حَصَانٌ بَرّةٌ كَرَمُ
هي الَّتي لا يُوَازِي فَضْلُها أَحدٌ ... بِنْتُ النَّبِيِّ وخَيْرِ النَّاسِ قَدْ عَلِمُوا
وأَنشدنا أَبو العبَّاس:
سَقَى اللهُ نَجْداً مِنْ رَبِيعٍ وصَيِّفٍ ... ومَاذَا تُرَجِّي مِنْ سَحابٍ سَقَى نَجْدَا
بَلَى إِنَّهُ قَدْ كان للعيشِ مَرَّةً ... وللبِيضِ والفِتْيَانِ مَنْزِلَةً حَمْدَا
وقالَ الكُمَيْتُ:
وَجَدْتُ النَّاسَ غَيْرَ ابْنَيْ نزَارٍ ... وَلَمْ أَذْمُمْهُمُ شَرَطاً وَدُونَا
وأَنشدنا أَبو شُعيب، قال: أَنشدنا يَعقوب بن السِّكِّيتِ:
لقَدْ زادُ الحَياةَ إِليَّ طِيباً ... بنَاتِي إِنَّهُنَّ مِنَ الضِّعَافِ
مَخَافَةَ أَنْ يَذُقْنَ البُؤْسَ بَعْدِي ... وأَنْ يَشْرَبْنَ رَنْقاً بَعْدَ صَافِ
وأَنْ يَعْرَيْنَ إِنْ كَسِيَ الجَوارِي ... فَتَنْبُو العَيْنُ عَنْ كَرَمٍ عِجَافِ
стр. 27
٧ - وقالَ بعض أَهل اللُّغة: الضِّدّ يقع على معنيين متضادَّين، ومجراه مَجْرَى النّدّ؛ يقال: فلان ضِدِّي؛ أَي خِلافي، وهو ضِدِّي، أَي مثلي.
قال أَبو بكر: وهذا عندي قول شاذّ لا يُعوَّل عليه؛ لأنَّ المعروف من كلام العرب: العقلُ ضدّ الحمق، والإِيمان ضدّ الكفر، والَّذي ادَّعى من موافقة الضِّدّ للمثْل لم يُقِمْ عَليه دليلاً تصحُّ به حجَّته.
٨ - والقُرْء من الأَضداد. يقال: القُرْءُ للطهر، وهو مذهب أَهل الحجاز، والقُرْءُ للحيض، وهو مذهب أَهل العراق، ويقال في جمعه: أَقراء وقروء.
وقالَ الأَصْمَعِيّ عن أَبي عَمْرو: يقال: قد دفع فلان إِلى فلانة جاريته تُقَرِّئْها. يعني أن تحفي ثم تطهَرْ للاستبراءِ. ويقال: القُرْءُ هو الوقت الَّذي يجوز أَن يكون فيه حَيْض، ويجوز أَن يكون فيه طُهْر، أَنشدنا أَبو العبَّاس:
قَطَعَتْ عَلَيَّ الدَّهْرَ سَوْفَ وعَلَّهُ ... ولَانَ وزُرْنَا وانْتَظِرْنا وأَبْشِرِ
غَدٌ عِلَّةٌ لليوم واليومُ عِلَّةٌ ... لأَمْسِ فلا يُقْضَى ولَيْسَ بمُنْظَرِ
стр. 28
مَوَاعيدُ لا يأْتي لقُرْءِ حَوِيرُها ... تكون هَبَاءً يَوْمَ نَكْباَء صَرْصَرِ
معناه لا تأْتي لوقت. وقال الآخر:
وصاحبٍ مُكَاشِحٍ مُباغِضِ له ... قُرُوءٌ كقُرُوءِ الحَائِضِ
أَي له أَوقات تشتدَّ فيها مُكاشحتُه. ويُقال: أَقْرَأَتِ الرِّيحُ، إِذا هَبَّتْ لوقتها، وقالَ مالك بن خالد الهُذَلِيّ:
كَرِهْتُ العَقْرَ عَقْرَ بَنِي شُلَيْلٍ ... إِذا هَبَّتْ لِقَارِئِها الرِّياحُ
أَي لوقتها، ويروى: لقارِيها بترك الهمز، أَي لأهْلِها وسُكَّانِها. وقالَ أَبو بكر: يُحْكَى هذا عن أَبي عُبيدة، والقارية أهل الدار، وفي العَقْر لغتان، أَهلُ الحجاز يقولون عُقْر الدَّار، بالضَّمِّ، وأَهل نَجْدِ يقولون: عَقْر الدَّار، بالفَتْحِ؛ ومعناه أَصل الدار، ومن ذلك العَقَار أَصل المال، وعُقْر الحوض حيث تقوم الشَّاربة؛ وقالَ الشَّاعر:
стр. 29
إِذا ما السَّماءُ لم تغِمْ ثم أَخلفت ... قُروءُ الثّرَيَّا أَن يَصُوبَ لَهَا قَطْرُ
والقِرْأَةُ: وقت المرض. وأَهل الحجاز يقولون: القِرَة؛ يقال: إِذا تحوَّلْتَ من بلدٍ إِلى بلدٍ، فمكثتَ خمسَ عشرةَ لَيْلة، فقد ذهبت عنك قِرْأَةُ البلد، وقِرَة البلد؛ أَي إِنْ مرضت بعد خمس عشرة ليلة، فليس مرضك من وباءِ البلدة التي انتقلت إليها. ويقال: قد أَقْرَأَتِ النُّجوم، إِذا غابت.
قال أَبو بَكْر: وهذا حجَّة لمن قال: الأَقراءُ الأَطهار؛ لأَنَّها خرجت من حال الطُّلوع إِلى حال الغَيْبَة. وقالَ الأَصْمَعِيّ وأَبو عبيدة: يقال: قد أَقْرَأَتِ المرأَةُ إِذا دَنَا حَيْضُها، وأَقْرَأَتْ إِذا دَنَا طُهْرُها.
قال أَبو بَكْر: هذه رواية أَبي عُبيد عنهما. وروى غيره: أَقْرَأَتْ إِذا حاضت، وأَقْرَأَتْ إِذا طَهُرت. وحكَى بعضُهم: قَرَأَتْ، بغير أَلف في المعنيين جميعاً.
والصَّحيح عندي ما رواه أَبو عبيدة.
وقالَ قطرب: يقال قد قرأَت المرأَة، إِذا حملت. وقالَ أَبو عبيدة، يقال: ما قرأَت النَّاقة سَلاً قطّ،
стр. 30
أَي لم تَضُمَّ في رحمها وَلَداً. وأَنشد لعمرو بن كُلْثوم:
ذِرَاعَي حُرَّةٍ أَدْمَاَء بِكْرٍ ... هِجَانَ اللَّوْنِ لَم تَقْرأَ جَنِينَا
أَي لم تضمّ في رحمها ولداً.
وأَخبرنا أَبو العباس، عن سلمة، عن الفرَّاءِ، قال: يقال: أَقْرَأَت المرأَة إِذا حاضت، وقرأَت: حملت. ويقال: قد أَقرأَت الحيَّة إِقراءً، إِذا جمعت السّمَّ شهراً، فإِذا وَفَى لها شهر مَجَّتْهُ. ويقال: إِنَّها إِذا لَدَغَتْ في إِقرائها ذا روح لم تُطْنِه، أَي لم يَنْجُ منها. وقالَ يَعْقُوبُ ابن السِّكِّيتِ: لم تُطْنِه معناه لم تُشْوِه؛ إِلَاّ أَنَّ تُشْوِه يستعمل في غير الحيَّة، وتُطْنِه لا يستعمل إِلَاّ في الحيَّة. ومعنى تُشْوِه تخطئه، يقال: رَمَى فأَشْوَى، إِذا أَخطأَ. ومن الحجَّة لمن قال: الأَقْراء الأَطهار قولُ الأَعشى:
وفي كُلِّ عامٍ أَنْتَ جَاشمُ غَزْوَةٍ ... تَشُدُّ لأَقْصاها عَزِيمَ عَزائِكا
مورِّثةٍ مالاً وفي الأَصْلِ رِفْعةً ... لما ضاعَ فيها من قُرُوءِ نِسائِكا
معناه من أَطهار نسائك؛ أَي ضَيَّعتَ أَطْهار النِّساء، فلم تغشهنَّ مؤثراً للغزو، فأَورثك ذاك المال والرفعة. وشبيه
стр. 31
بهذا البيت قول الآخر:
أَفَبَعْدَ مَقْتَلِ مَالكِ بن زُهَيْرٍ ... تَرْجُو النِّساءُ عَواقِبَ الأَطْهارِ
أَي يرجون أَن يُغْشَين في أَطهارهنّ، فيَلدْنَ ما يُسْرَرْنَ به. ومثله أَيْضاً قول الأَخطل:
قَوْمٌ إِذا حارَبُوا شَدُّوا مآزِرَهُمْ ... دُونَ النِّساءِ ولَوْ بَاتَتْ بأَطْهارِ
أَي إِذا حاربوا لم يغشو النِّساءَ في أَطهارهنَّ. ويقال: قد أَقْرَأَ سَمُّ الحيَّة، إِذا اجتمع.
قال أَبو بَكْر: ومن الحجَّة لمن قال: القُرْءُ الحيض، الحديث الَّذي يُروَى عن النَّبِيّ ﷺ أَنَّهُ قال للمرأَةِ: دَعِي الصَّلاةَ أَيَّام أَقرائك.
ويقال: قد تحيَّضت المرأة إِذا تركت الصَّلاةَ أَيَّام الحيض، من ذلك الحديث الَّذي يُرْوَى في المستحاضة، أَنَّ النَّبِيّ ﷺ قال لها: احتسِي كُرْسُفاً قالت: إِنِّي أَثُجُّه ثَجًّا. فقال: اسْتَثْفِرِي وتَحَيَّضِي في عِلْم الله ستًّا أَو سبعاً، ثمَّ اغتسِلي وصلِّي، فتَحَيَّضي، على ما وصفنا، والكُرْسف: القطن، ويقال له: البِرْس والطَّاط. ويروى: فتلجَّمي. ويقال: أَثَجُّه، معناه أُسيّله، من الماء الثَّجَّاج وهو السَّيَّال، وفي الحَدِيث:
стр. 32
أَفضلُ الحجّ العَجُّ والثَّجُّ، فالعجُّ التلبية، والثَّجُّ صبُّ الدِّماءِ. واستثفري، له معنيان، يجوز أَن يكون شبَّه اللِّجام للمرأَة بالثَّفَر للدَّابَّة، إذْ كان ثَفَرُ الدَّابَّة يقع تحت الذَّنَبِ. ويجوز أَن يكون استثفري كناية عن الفَرْج، لأنَّ الثَّفَر للسِّباع بمنزلة الحياء للنَّاقة، ثمَّ يستعار من السِّباع، فيجعل للنَّاس وغيرهم؛ قال الأَخطل:
جَزَى اللهُ فيها الأَعْوَرَيْنِ مَلامَةً ... وفَرْوَةَ ثَفْرَ الثَّوْرَةِ المُتَضَاجِمِ
فجعل للبقرة ثَفْراً، على جهة الاستعارة.
٩ - وعَسْعَسَ حرف من الأَضْداد. يقال: عسعس اللَّيل، إِذا أَدبر، وعسعس إِذا أَقبل. قال الفَرَّاءُ في قول الله : واللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ، أَجمع المفسِّرون على أَنَّ معنى عَسْعَسَ أَدْبَرَ وحُكِي عن بعضهم أَنَّهُ قال: عَسْعَسَ، دنا من أَوَّله ويقال: أَظلم. قال: وكانَ أَبو البِلاد النَّحويّ يُنشد هذا البيت:
عَسْعَسَ حتَّى لَوْ يَشَاءُ ادَّنَى ... كانَ لَهُ مِنْ ضَوْئِهِ مَقْبِسُ
معناه: لو يشاءُ إذْ دنا، فتركت همزة إذْ، ويقال: أَبدلوا
стр. 33
من الذَّالِ دالاً، ويقال: أَدغموها في الدَّال التي بعدها. قال الفَرَّاءُ: وكانوا يَرون أَنَّ هذا البيت مصنوع.
وحدَّثنا أَبو محمد جعفر بن أَحمد بن عاصم الدمشقيّ، قال: حدَّثنا هشام بن عمَّار، قال: حدَّثنا أَبو عبد الرحمن عثمان بن عبد الرحمن الجزريّ، قال: حدَّثنا عبيد الله بن أَبي العباس، عن جويبِر، عن الضحَّاك، قال: قال نافع بن الأَزرق لعبد الله بن
العبَّاس: أَرأَيت قيلَ الله : واللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ ما معناه؟ فقال ابن عبَّاس: عَسْعَسَ: أَقبلت ظُلْمته، فقال له نافع: فهل كانت العرب تعرف هذا؟ قال: نعم، أَما سمعتَ قول امرئ القَيْس:
عَسْعَسَ حتَّى لَوْ يَشَاءُ ادَّنَى ... كانَ لَهُ مِنْ نَارِهِ مَقْبِسُ
وقالَ أَبو عُبيدة: عَسْعَسَ أَدبر ويقال: أَقبل جميعاً. وأَنشد لعلقمة بن قُرْط:
حتَّى إِذا الصُّبْحُ لَها تَنَفَّسَا ... وانْجَابَ عَنْها لَيْلُها وعَسْعَسَا
هذا حجَّة للإِدبار. وقال الآخر في هذا المعنى:
وَرَدْتُ بأَفْرَاسٍ عِتَاقٍ وفِتْيَةٍ ... فَوارِطَ في أَعْجَازِ لَيْلٍ مُعَسْعِسِ
وقال الآخر في ضِدِّ هذا المعنى:
стр. 34
حتَّى إِذا اللَّيْلُ عَلَيْها عَسْعَسَا ... وادَّرَعَتْ مِنْهُ بَهِيماً حِنْدِسَا
الحِنْدس: الشَّديد السَّواد، والبَهيم: الَّذي لا يخالط لونه لون آخر، يقال: أَسودُ بَهيم، ويقال: أَشقرُ بَهِيم، وكُمَيْتٌ بَهِيم.
١٠ - والأَمين مِنْ حروف الأَضْداد؛ يقال: فلان أَميني، أَي مُؤْتمِني، وفلان أَميني مُؤْتَمَنِي الَّذي أَتَّمِنه على أَمري، قال الشَّاعر:
أَلَمْ تَعْلَمي يا أَسْمَ وَيْحَكِ أَنَّني ... حَلَفْتُ يَمِيناً لا أَخُونُ أَميني
أَي مؤتمِني.
١١ - والوامق من الأَضْداد أيضاً؛ يقال: فلان وامق إِذا كانَ مُحِبًّا ومُحَبًّا، قال الشَّاعر:
إِنَّ البَغِيضَ لَمَنْ تَمَلُّ حَدِيثَهُ ... فانْقَعْ فُؤَادَك مِنْ حَديثِ الوَامِقِ
أَخبرنا أَبو العبَّاس، قال: قال ابن الأَعْرَابِيّ: الوامق في هذا البيت معناه الموموق.
١٢ - والمعبَّد أَيْضاً من الأَضْداد، ويقال: بَعيرٌ مُعَبَّدٌ، إِذا كان مذلَّلاً قد طُلِيَ بالهَناءِ من الجَرَبِ حتَّى ذهب وَبَرُه،
стр. 35
وهو بمنزلة الطَّريق المعبَّد الَّذي سلكه النَّاس فأَثَّروا فيه وصارت له جادَّة، قال طرَفة:
تُبَارِي عِتَاقاً ناجياتٍ وأَتْبَعَتْ ... وظيفاً وظيفاً فوق مَوْرٍ مُعَبَّدِ
معناه فوق طريقٍ مُذَلَّلِ. والمور: الطَّريق. وقالَ طَرَفَةُ أَيْضاً:
إِلى أَنْ تَحامَتْني العَشيرَةُ كُلّها ... وأُفْرِدْتُ إِفْرادَ البَعيرِ المُعَبَّدِ
أَي المذلَّل، ويقال: بَعير مُعَبَّد، إِذا كان مكرَّماً، وهذا ضدّ المعنى الأَوَّل، قال الشَّاعر:
تقولُ أَلَا أَمْسِكْ عليك فإِنَّني ... أَرى المالَ عِنْدَ البَاخِلينَ مُعَبَّدا
أَي مكرَّماً. ويروى: مُعَتَّدَا، أَي يجعلونه عُدَّة للدهر.
١٣ - واللّمْق حرف من الأَضْداد، تقول بَنِو عُقَيْل: لَمَقْتُ الكِتابَ أَلْمُقُهُ لُموقاً ولَمْقاً، إِذا كتبتَه. ويَقُولُ سائر قَيْس: لَمَقْتُه لُموقاً، إِذا محوتَه. وقد يقال في المعنيين جميعاً: نَمَق، بالنُّون.
стр. 36
١٤ - وصار حرف من الأَضْداد. يقال: صرتُ الشَّيْءَ إِذا جمعتَه، وصُرْته إِذا قطَّعتَه وفرَّقته. وفسَّر النَّاسُ قول الله : فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ، على ضربين، فقال ابن عبَّاس: معناه قَطِّعْهُنَّ. وقالَ غيره: معناه ضُمَّهنَّ إِليك، فالَّذين قالوا: معناه قَطِّعْهُنَّ، قالوا: إِلى مُقَدَّمَةٌ في المعنى، والتَّأْويل: فَخُذْ أَرْبَعَةً منَ الطَّيْرِ إِليك فصُرهنَّ، أَي قطّعهنّ. وقالَ الفرَّاء: بنو سُلَيْم يقولون: فَصِرْهُنَّ. وقالَ: أَنشدني الكِسَائِيّ عن بعض بَنِي سُلَيْم:
وفَرْعٍ يَصيرُ الجِيدَ وَحْفٍ كَأَنَّهُ ... على اللِّيتِ قِنْوَانُ الكُرُومِ الدَّوَالِحِ
أَراد: يضمّ الجِيدَ.
قال أَبو بَكْر: واستضعف الفَرَّاءُ مذهب مَنْ قال: صِرْهُنّ: قَطِّعْهُنَّ، وقالَ: لا نعرف صار بمَعْنَى قَطَّع، إِلَاّ أَنْ يكون الأصل فيه صَرَى، فقدِّمَت الرَّاءُ إِلى موضع العين، وأُخِّرت العين إِلى موضع الَّلام؛ كما قالوا: عاثَ في الأَرْضِ وَعَثاً، وقاع على النَّاقة وَقَعاً.
стр. 37
وقالَ الآخر حُجَّةً لمن قال: صار جَمَع:
مَأْوَى يَتَامَى تَصُورُ الحَيَّ جَفْنَتُهُ ... ولَا يَظَلُّ لَدَيْهِ اللَّحْمُ مَوْشُومَا
وقال الآخر:
فانْصَرْن مِنْ فَزَعٍ وَسَدَّ فُروجَهُ ... غُبْرٌ ضَوَارٍ وَافِيَانِ وأَجْدَعٍ
وقالت الخنساءُ:
لَظَلَّتِ الشُّمُّ مِنْهُ وَهْيَ تَنْصَارُ
أَرادت: تنقطع.
وأَنشد أَبو عُبيدة للمعلَّى بن حَمَّال العَبْدِيّ:
وجَاَءتْ خُلْعة دُهْسٌ صَفَايَا ... يَصُورُ عُنُوقَها أَحْوَى زَنيمُ
يُفَرِّقُ بَيْنَها صَدَعٌ رَبَاع ... لَهُ ظأبٌ كَمَا صَخِبَ الغَرِيمُ
الخُلْعة: الخيار من شائه. والدُّهْس: التي لونها لون التُّراب، وهي مشبَّهة بالدَّهاس من الرَّمل. والصَّفايا: الغزيرات، يقال: نخلة صَفيَّةٌ، إِذا كانت مُوقَرَةً بالحَمْل. والظأب: الصوت. وقال الآخر:
فَذَلَّتْ لِيَ الأَنْسَاعَ حتَّى بَلَغْتُها ... هُدوءاً وقد كان ارتقائي يَصُورُها
стр. 38
وقال الآخر:
فمَا تُقْبِلُ الأَحْياءُ من حُبِّ خِنْدِفٍ ... ولكنَّ أَطْرافَ العَوَالي تَصُورُها
أَي تجمعها، وقال الآخر، وهو الطِّرِمّاح:
عَفَائف إِلَاّ ذاكَ أَو أَنْ يَصُورَها ... هَوى والهوى للعاشقين صَرُوعُ
وقالَ ذو الرُّمَّة:
ظَلِلْنَا نَعوجُ العَنْسَ في عَرَصَاتِها ... وُقُوفاً وتَسْتَنْعِي بنا فَنَصُورُها
تستنعي: معناه تذهب وتتقدم. وقالَ بعض المفسرين: صِرْهُنّ معناه: قَطِّع أَجنِحَتَهُنّ، وأَصله بالنَّبَطيَّة صِرْيَة. ويُحكَى هذا عن مُقاتل سُليمان. فإِن كان أُثر هذا عن أَحد من الأَئمَّة، فإِنَّه ممَّا اتَّفقت فيه لغة العرب ولغة النَّبَط؛ لأنَّ الله عزَ
وجلّ لا يخاطِب العرب بلغة العجم؛ إذْ بَيَّن ذلك في قوله جلَّ وعلا: إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ، وقالَ الشَّاعر:
فأَصْبَحْتُ من شَوْق إِلى الشَّأْم أَصْوَرا
فهذا مأْخوذٌ من الميل العَطْفِ. ويقال: قدْ صار الرَّجُل، إِذا صَوَّرَ الصُّوَر. قال الأَعشى:
стр. 39
فما أَيْبُلِيٌّ على هَيْكَلٍ ... بَناهُ وصَلَّبَ فيه وصَارَا
الأَيْبُلِيٌّ: الرَّاهب، وصَلَّبَ: من الصُّلْبَان، وصار: من التَّصوير.
١٥ - وصَرَى حرف من الأَضْداد. يقال: صَرَى الشَّيْءَ، إِذا جمعه، وصَرَاه إِذا قطعه وفرَّقه؛ فمن الجمع قولهم: قدْ صَرَى اللَّبَنَ في ضَرْعِ الشَّاة إِذا جَمعه، والمصرَّاة: الشَّاة التي جُمع لبنُها، قال الشَّاعر:
رُبَّ غُلامٍ قدْ صَرَى في فِقْرَتِهْ ... مَاَء الشَّبَابِ عُنْفُوَانَ سَنْبَتِهْ
أَراد جمع ماءَ الشَّباب، والسَّنْبَةُ: الدَّهر. ومن القطع قولهم: قد صَرَى ما بيننا من المودَّة، أَي قطعه.
وقالَ الفَرَّاءُ: يقال: باتَ يَصْرِي في حوضه، إِذا استقى ثمَّ قطع، ثمَّ استقى. وأَنشدنا أَبو العبَّاس:
صَرَتْ نَظْرَة لَوْ صَادَفَتْ جَوْزَ دارِعٍ ... غَدَا والعَواصِي من دمِ الجوْف تَنْعِرُ
معناه: قطعت المرأة نظرة لو صادفتْ وسط رجل دارع غَدا في حال هلاك. والعَواصِي: العروق التي تعصى فلا
стр. 40
يرقأ دمعها؛ وتنعِر: تسيل؛ قال الرَّاعي:
فَظَلَّ بالأُكْمِ ما يَصْرِي أَرانِبَهَا ... من حَدِّ أَظفارِه الحُجْرانُ والقَلَعُ
ما يَصْرِي: معناه ما يقطع ويمنع، والحُجْران: جمع حاجر؛ وهو موضع له حروف تمنع الماءَ، والقَلَع: قطع من الجبال. ويكون صَرَى بمَعْنَى نَجَّى، قال الشَّاعر:
صَرَى الفَحْلَ مِنِّي أَنْ ضَئيلٌ سَنَامُهُ ... ولَمْ يَصْرِ ذَاتَ النَّيِّ مِنِّي بُرُوعُهَا
معناه: نجَّى الفحل منِّي صِغَرُ سَنامه وقلَّتُه، ولم يُنْج ذاتَ الشَّحم منِّي كمالُها وكثرة شحمها ولحمها وحسنها. والبُروع: من قولهم: رَجُلٌ بارع، إِذا كان كاملاً.
١٦ - وسواء من الأَضْداد. يكون سواء غيرَ الشَّيء، ويكون سواء الشَّيء بعينه؛ فإِذا كانت بمَعْنَى غير قيل: الرجل سواءَك وسِواك وسُواك، إِذا كسرت السِّين أَو ضممتها قَصَرْت، وإِذا فتحتَها مددت؛ وأَنشد الفَرَّاءُ:
كمالكٍ القُصَيِّرِ أَوْ كَبَرْزٍ ... سِوًى كالمُؤْخِراتِ من الضُّلُوعِ
وأَمَّا الموضع الَّذي يكون فيه سواء نفس الشَّيْء، فمثل قول الأَعشى:
следующие страницы →