Полный текст (428 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
١٤ - وصار حرف من الأَضْداد. يقال: صرتُ الشَّيْءَ إِذا جمعتَه، وصُرْته إِذا قطَّعتَه وفرَّقته. وفسَّر النَّاسُ قول الله : فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ، على ضربين، فقال ابن عبَّاس: معناه قَطِّعْهُنَّ. وقالَ غيره: معناه ضُمَّهنَّ إِليك، فالَّذين قالوا: معناه قَطِّعْهُنَّ، قالوا: إِلى مُقَدَّمَةٌ في المعنى، والتَّأْويل: فَخُذْ أَرْبَعَةً منَ الطَّيْرِ إِليك فصُرهنَّ، أَي قطّعهنّ. وقالَ الفرَّاء: بنو سُلَيْم يقولون: فَصِرْهُنَّ. وقالَ: أَنشدني الكِسَائِيّ عن بعض بَنِي سُلَيْم:
وفَرْعٍ يَصيرُ الجِيدَ وَحْفٍ كَأَنَّهُ ... على اللِّيتِ قِنْوَانُ الكُرُومِ الدَّوَالِحِ
أَراد: يضمّ الجِيدَ.
قال أَبو بَكْر: واستضعف الفَرَّاءُ مذهب مَنْ قال: صِرْهُنّ: قَطِّعْهُنَّ، وقالَ: لا نعرف صار بمَعْنَى قَطَّع، إِلَاّ أَنْ يكون الأصل فيه صَرَى، فقدِّمَت الرَّاءُ إِلى موضع العين، وأُخِّرت العين إِلى موضع الَّلام؛ كما قالوا: عاثَ في الأَرْضِ وَعَثاً، وقاع على النَّاقة وَقَعاً.
стр. 37
وقالَ الآخر حُجَّةً لمن قال: صار جَمَع:
مَأْوَى يَتَامَى تَصُورُ الحَيَّ جَفْنَتُهُ ... ولَا يَظَلُّ لَدَيْهِ اللَّحْمُ مَوْشُومَا
وقال الآخر:
فانْصَرْن مِنْ فَزَعٍ وَسَدَّ فُروجَهُ ... غُبْرٌ ضَوَارٍ وَافِيَانِ وأَجْدَعٍ
وقالت الخنساءُ:
لَظَلَّتِ الشُّمُّ مِنْهُ وَهْيَ تَنْصَارُ
أَرادت: تنقطع.
وأَنشد أَبو عُبيدة للمعلَّى بن حَمَّال العَبْدِيّ:
وجَاَءتْ خُلْعة دُهْسٌ صَفَايَا ... يَصُورُ عُنُوقَها أَحْوَى زَنيمُ
يُفَرِّقُ بَيْنَها صَدَعٌ رَبَاع ... لَهُ ظأبٌ كَمَا صَخِبَ الغَرِيمُ
الخُلْعة: الخيار من شائه. والدُّهْس: التي لونها لون التُّراب، وهي مشبَّهة بالدَّهاس من الرَّمل. والصَّفايا: الغزيرات، يقال: نخلة صَفيَّةٌ، إِذا كانت مُوقَرَةً بالحَمْل. والظأب: الصوت. وقال الآخر:
فَذَلَّتْ لِيَ الأَنْسَاعَ حتَّى بَلَغْتُها ... هُدوءاً وقد كان ارتقائي يَصُورُها
стр. 38
وقال الآخر:
فمَا تُقْبِلُ الأَحْياءُ من حُبِّ خِنْدِفٍ ... ولكنَّ أَطْرافَ العَوَالي تَصُورُها
أَي تجمعها، وقال الآخر، وهو الطِّرِمّاح:
عَفَائف إِلَاّ ذاكَ أَو أَنْ يَصُورَها ... هَوى والهوى للعاشقين صَرُوعُ
وقالَ ذو الرُّمَّة:
ظَلِلْنَا نَعوجُ العَنْسَ في عَرَصَاتِها ... وُقُوفاً وتَسْتَنْعِي بنا فَنَصُورُها
تستنعي: معناه تذهب وتتقدم. وقالَ بعض المفسرين: صِرْهُنّ معناه: قَطِّع أَجنِحَتَهُنّ، وأَصله بالنَّبَطيَّة صِرْيَة. ويُحكَى هذا عن مُقاتل سُليمان. فإِن كان أُثر هذا عن أَحد من الأَئمَّة، فإِنَّه ممَّا اتَّفقت فيه لغة العرب ولغة النَّبَط؛ لأنَّ الله عزَ
وجلّ لا يخاطِب العرب بلغة العجم؛ إذْ بَيَّن ذلك في قوله جلَّ وعلا: إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ، وقالَ الشَّاعر:
فأَصْبَحْتُ من شَوْق إِلى الشَّأْم أَصْوَرا
فهذا مأْخوذٌ من الميل العَطْفِ. ويقال: قدْ صار الرَّجُل، إِذا صَوَّرَ الصُّوَر. قال الأَعشى:
стр. 39
فما أَيْبُلِيٌّ على هَيْكَلٍ ... بَناهُ وصَلَّبَ فيه وصَارَا
الأَيْبُلِيٌّ: الرَّاهب، وصَلَّبَ: من الصُّلْبَان، وصار: من التَّصوير.
١٥ - وصَرَى حرف من الأَضْداد. يقال: صَرَى الشَّيْءَ، إِذا جمعه، وصَرَاه إِذا قطعه وفرَّقه؛ فمن الجمع قولهم: قدْ صَرَى اللَّبَنَ في ضَرْعِ الشَّاة إِذا جَمعه، والمصرَّاة: الشَّاة التي جُمع لبنُها، قال الشَّاعر:
رُبَّ غُلامٍ قدْ صَرَى في فِقْرَتِهْ ... مَاَء الشَّبَابِ عُنْفُوَانَ سَنْبَتِهْ
أَراد جمع ماءَ الشَّباب، والسَّنْبَةُ: الدَّهر. ومن القطع قولهم: قد صَرَى ما بيننا من المودَّة، أَي قطعه.
وقالَ الفَرَّاءُ: يقال: باتَ يَصْرِي في حوضه، إِذا استقى ثمَّ قطع، ثمَّ استقى. وأَنشدنا أَبو العبَّاس:
صَرَتْ نَظْرَة لَوْ صَادَفَتْ جَوْزَ دارِعٍ ... غَدَا والعَواصِي من دمِ الجوْف تَنْعِرُ
معناه: قطعت المرأة نظرة لو صادفتْ وسط رجل دارع غَدا في حال هلاك. والعَواصِي: العروق التي تعصى فلا
стр. 40
يرقأ دمعها؛ وتنعِر: تسيل؛ قال الرَّاعي:
فَظَلَّ بالأُكْمِ ما يَصْرِي أَرانِبَهَا ... من حَدِّ أَظفارِه الحُجْرانُ والقَلَعُ
ما يَصْرِي: معناه ما يقطع ويمنع، والحُجْران: جمع حاجر؛ وهو موضع له حروف تمنع الماءَ، والقَلَع: قطع من الجبال. ويكون صَرَى بمَعْنَى نَجَّى، قال الشَّاعر:
صَرَى الفَحْلَ مِنِّي أَنْ ضَئيلٌ سَنَامُهُ ... ولَمْ يَصْرِ ذَاتَ النَّيِّ مِنِّي بُرُوعُهَا
معناه: نجَّى الفحل منِّي صِغَرُ سَنامه وقلَّتُه، ولم يُنْج ذاتَ الشَّحم منِّي كمالُها وكثرة شحمها ولحمها وحسنها. والبُروع: من قولهم: رَجُلٌ بارع، إِذا كان كاملاً.
١٦ - وسواء من الأَضْداد. يكون سواء غيرَ الشَّيء، ويكون سواء الشَّيء بعينه؛ فإِذا كانت بمَعْنَى غير قيل: الرجل سواءَك وسِواك وسُواك، إِذا كسرت السِّين أَو ضممتها قَصَرْت، وإِذا فتحتَها مددت؛ وأَنشد الفَرَّاءُ:
كمالكٍ القُصَيِّرِ أَوْ كَبَرْزٍ ... سِوًى كالمُؤْخِراتِ من الضُّلُوعِ
وأَمَّا الموضع الَّذي يكون فيه سواء نفس الشَّيْء، فمثل قول الأَعشى:
стр. 41
تجانَفُ عن جَوِّ اليمامة ناقَتي ... ومَا عَدَلَتْ من أَهلها بسَوَائِكَا
معناه: وما عدلت من أَهلها بك. قال أَبو بَكْر: هكذا رواه أَبو عُبيدة وفَسَّره. ورواه غيره:
وما عَدَلَتْ عَن أَهْلها لسِوَاكَا
وقالوا: معناه لغيرك. ويُنشد في هذا المعنى أَيْضاً:
أَتَانَا فَلضمْ نَعْدِلْ سِوَاهُ بغَيْرِهِ ... نبيٌّ أَتَى من عندِ ذي العرشِ صادقُ
معناه: أَتانا فلن نعدِلْه، على هذا أَكثر النَّاس. ويقال فيه قولان آخران. وسواهُ: صلة للكلام، معناها التَّوكيد، كما قال : لَيْسَ كَمِثْله شَيْءٌ، أَراد ليس كهو شيء؛ فأَكَّد بمِثْل، قال الشَّاعر:
وَقَتْلي كمِثلِ جذُوعِ النَّخِيلِ ... يغْشَاهُمُ سَبَلٌ مُنْهَمِرْ
أَراد كجذُوع النَّخيل. وقد تُكسر السِّين منه ويُقْصر، وهو بمَعْنَى النَّفس ومِثْل، قال الرَّاجِزُ:
يا لَيْتَ شِعْرِي والمُنَى لا تَنْفَعُ ... هَلْ أَغْدُوَنْ يوماً وأَمري مُجْمَعُ
وتَحْتَ رَحْلِي زَفَيَانٌ مَيْلَعٌ ... كأَنَّها نائِحَةٌ تَفَجَّعُ
تَبْكِي لمَيْتٍ وسِوَاهَا الموجَعُ
стр. 42
قال الأَصْمَعِيّ: سِواها نفْسها، ولو كان سواها غيرها لكان قد قَصَّر في صفة النَّاقة، وإِنَّما أَرادَ امرأَة تبكِي على حميمها، ولم يرد نائحةً مُسْتَأْجَرَة.
وتكون سواء بمَعْنَى حِذاء، حكى الفَرَّاءُ: زيدٌ سَواء عَمْرو، بمَعْنَى حذاء عَمْرو. وتكون سواء بمَعْنَى وَسَط، فتُفْتَحُ سِينُه فيمدّ، وتُكْسَر فيُقْصَر، قال الله : فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ، فمعناه وسط السَّبيل، ومثله: فاعْتِلُوه إِلى سَوَاءِ الجَحِيمِ معناه في وسط الجحيم، قال حسَّان:
يا وَيْحَ أَنْصَارِ النَّبِيِّ ورَهْطِهِ ... بَعْدَ المُغَيَّبِ في سَواءِ المُلْحَدِ
وقالَ عيسى بن عمر: كتبتُ حتَّى انقطعَ سَوائِي. وقال الآخر:
سُحَيْراً وأَعْجازُ النُّجوم كأَنَّها ... صِوَارٌ تَدَلَّى من سواءِ أَمِيلِ
وقالَ الله : لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ ولا أَنْتَ مَكَاناً سُوًى، فمعناه وسطاً بين الموضعين، وقال الشَّاعر:
وإِنَّ أَبَانَا كانَ حَلَّ ببَلْدَةٍ ... سِوًى بَيْنَ قَيْسٍ قَيْسِ عَيْلانَ والفِرْزِ
стр. 43
أَراد وَسَطا. وتكون سواء بمَعْنَى معتدل، وأَنشد الفَرَّاءُ:
وليلٍ تَقُولُ القومُ من ظُلُماتِهِ ... سواءٌ صَحيحاتُ العُيونِ وعُورُها
وقالَ ابن قَيْسِ الرُّقَيَّات:
تَقَدَّتْ بيَ الشَّهْباءُ نحو ابنِ جَعْفَرٍ ... سَواءٌ عليها لَيْلُها ونَهَارُها
١٧ - والسَّامِد من الأَضْداد. فالسَّامِد في كلام أَهل اليمن: الَّلاهي، والسَّامِد في كلام طَيِّئٍ: الحزين، قال الله : وَلَا تَبْكُونَ وأَنْتُمْ سَامِدُونَ، فقال: معناه لَاهُونَ. وأَخبرنا أَبو العبَّاس، عن ابن الأَعْرَابِيّ، قال: السَّامِد: الَّلاهي في الأَمر الثابت فيه، وأَنشدنا عن ابن الأَعْرَابِيّ:
لوْ صاحَبَتْنَا ذاتُ خَلْقٍ فَوْهَدِ ... ورَابَعَتْنا واتَّخَذَتْنَا باليَدِ
إِذاً لقالَتْ ليتَنِي لَمْ أُولَدِ ... ولَمْ أُصاحِبْ رُفَقَ ابنِ مَعْبَدِ
ولا الطَّويلَ سَامِداً في السُّمَّدِ
ويروى: ثوهد بالثَّاء، الثَّوْهد: التامُّ الخَلْق.
وأَخبرنا أَبو محمد جعفر بن أَحمد بن عاصم، قال: حدَّثنا هشام بن عمار، قال: حدَّثنا أَبو عبد الرحمن عثمان بن عبد الرحمن الجزريّ، قال: حدَّثنا عبيد الله بن أَبي العبَّاس، عن جويبِر،
стр. 44
عن الضّحّاك، قال: سأَل نافع بن الأَزرق عبد الله بن العبَّاس عن قول الله : وأَنْتُمْ سَامِدُونَ، فقال: معناه لاهون، فقال نافع: وهل كانت العربُ تعرف هذا في الجاهليَّة؟ قال: نعم، أَما سمعت قول هُزَيْلة بنت بكر، وهي تبكي عاداً حيث تقول:
بَعَثَتْ عَادٌ لُقَيْماً ... وأَبَا سَعْد مريدَا
وأَبا جُلْهُمَة الخَيْـ ... ـرَ فَتَى الحيِّ العَنُودا
قيلَ قُمْ فانْظُرْ إِليهمْ ... ثمَّ دَعْ عنك السُّمودَا
وقالَ عِكْرِمة: سَامِدون من السُّمود، والسُّمود: الغناء بالحِمْيَرِيَّة؛ يقولون: يا جارِية اسْمُدي لنا، أَي غَنِّي لنا. وقالَ أَبو عُبيدة: السُّمود: اللهو واللعب، قال أَبو زُبَيد:
وكأَنَّ العَزيفَ فيها غِناءٌ ... لِنَدَامَى من شاربٍ مَسْمُودِ
أَي ملهًى. وقالَ رُؤْبَةُ:
ما زالَ إِسْآدُ المَطايَا سَمْدَا ... تَسْتَلِبُ السَّيْرَ اسْتِلاباً مَسْدَا
وقالَ ذو الرُّمَّة:
يُصْبِحْنَ بَعْدَ الطَّلَقِ التَّجْريدِ ... وبَعْدَ سَمْدِ القَرَبِ المَسْمُودِ
стр. 45
وقالَ بعض أَهل اللغة: السُّمود: الحزن والتحيُّر، وأَنشد:
رَمَى الحِدْثَانُ نِسْوَةَ آلِ حَرْبٍ ... بمقدارٍ سَمَدْنَ لَهُ سُمُودَا
فَرَدَّ شُعُورَهُنَّ السُّودَ بيضا ... ورَدَّ وُجوهَهُنَّ البيضَ سُودَا
وقالَ مجاهد: سَامِدون مبرطِمُون. قال أَبو بَكْر: البرطمة الانتفاخ من الغضب وقال بعض المفسرين سَامِدون: متكبِّرون شامخون، ويقال: سَامِدون غافلون. والسُّمُود في غير هذا قيام النَّاس في الصَّفّ والمؤذِّن يقيم الصَّلاة. قال أَبو خالد الوالبيّ: أُقيمت الصَّلاة، فدخل علينا عليّ بن أَبي طالب رضوان الله عليه ونحن قيام، فقال: ما لي أَراكم سُمُودا! أَي قياما.
١٨ - وأَسْرَرْتُ من الأَضْداد أَيْضاً، يكون أَسررت بمَعْنَى كتَمْت وهو الغالب على الحرْف. ويكون بمَعْنَى أَظهرت، قال الله : وأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذينَ ظَلَمُوا يعني أَسرُّوا هاهنا كتموا. وقالَ ﵎ في غير هذا الموضع: وأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأُوا العَذَابَ، فقال الفَرَّاءُ والمفسِّرون: معناه كتم الرُّؤساء النَّدامة من السَّفِلَةِ الَّذين أَضلُّوهم.
стр. 46
وقالَ أَبو عُبيدة وقُطْرب: معناه: وأَظهروا النَّدامة عند معاينة العذاب، واحتجَّا بقول الفرزدق:
ولَمَّا رَأَى الحجاجَ جَرَّدَ سَيْفَهُ ... أَسَرَّ الحَرُوريّ الَّذي كان أَضْمَرَا
معناه: أَظهر الحَروريّ.
١٩ - والمولَى من الأَضْداد؛ فالمولَى المنعِم المعتِق، والمولَى: المنعَم عليه المعتَق. وله أَيْضاً معان ستَّة سوى هذين: فالمولَى الأَوْلى بالشَّيء، قال الله : النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ، فمعناه هي أَوْلى بكم، قال لَبِيد:
فغَدَتْ كِلَا الفَرْجَيْنِ تحسِبُ أَنَّهُ ... مَوْلَى المخافَةِ خَلْفُها وأَمامُها
معناه أَولى بالمخافة خلفُها وأَمامُها.
ويكون المولَى الوليّ، جاءَ في الحديث: مُزَيْنَةُ وجُهَيْنَةُ وأَسْلَم وغِفَار موالي الله ورسوله، فمعناه أَولياء الله ويروَى في الحديث أَيْضاً: أَيَّمَا امرأة تزوَّجت بغير إِذن مَوْلاها فنكاحها باطل، معناه بغير إِذن وليِّها، وقالَ العجَّاج:
стр. 47
فالحَمْدُ للهِ الَّذي أَعْطَى الخِيَرْ ... مَوَالِيَ الحَقِّ إِنِ المَوْلَى شَكَرْ
معناه أَولياءُ الحقّ، وقالَ الأَخطل لبني أُميَّة:
أَعْطَاكُمُ اللهُ جَدًّا تُنْصَرُونَ بهِ ... لا جَدَّ إِلَاّ صَغيرٌ بَعْدُ مُحْتَقَرُ
لمْ يأْشَروا فيه إذْ كانُوا مواليَهُ ... ولو يكون لقومٍ غيرهم أَشِرُوا
أَراد أَولياءه. وقالَ الأَخطل أَيْضاً لبعض خلفاء بَنِي أُميَّة:
فأَصْبَحْتَ مَوْلاهَا من النَّاس بعده ... فأَحْرَى قريشٍ أَن يُهابَ ويُحْمَدا
أَراد فأَصبحتَ وليّ الخلافة. وقال الآخر:
كانُوا موالِيَ حَقٍّ يَطْلُبُونَ به ... فأَدْرَكُوهُ ومَا مَلُّوا ومَا لَغَبُوا
معناه أَولياءُ حقّ.
والمولَى ابن العمّ، والمَوالي بنو العمّ، قال الله : وإِنِّي خِفْتُ المَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي، أَراد بَنِي العمّ، وقالَ ﵎: يَوْم لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً، فمعناه لا يغْني ابنُ عمّ عن ابن عمّه، وقوله : لَبِئْسَ المَوْلَى ولَبِئْسَ العَشِيرُ، معناه لبئس الوليّ ولبئس المعاشر. وقالَ الزُّبرقان بن بَدْر:
стр. 48
ومِنَ المَوَالِي مَوْلَيَانِ فمنهما ... مُعْطِي الجزيلِ وباذلُ النَّصْرِ
ومن المَوالي ضَبُّ جَنْدَلَةٍ ... لَحِز المُروءةِ ظاهِرُ الغِمْرِ
وقال الآخر:
فابْقُوا لا أَبا لكمُ عليهم ... فإِنَّ ملامَةَ المولَى شَقَاءُ
أَراد ابن العمّ. وأنشدنا أَبو العبَّاس، عن ابن الأَعْرَابِيّ للفضل بن العباس بن عُتْبة بن أَبي لهب يُخاطب بَنِي أُميَّة:
مَهلاً بَنِي عَمِّنَا مَهْلاً مَوَالِينا ... لا تَنْبُشُوا بَيْنَنَا ما كانَ مَدْفُونَا
لا تجعَلُوا أَن تُهِينُونَا ونُكْرِمَكُمْ ... وأَنْ نكفَّ الأَذَى عنكمْ وتُؤْذونَا
اللهُ يَعْلَمُ أَنَّا لا نُحِبُّكُمُ ... ولا نَلُومكُمُ أَلا تُحِبُّونَا
قال أَبو بَكْر: قال لنا أَبو العبَّاس: إذْ لا تحبُّونا:
كلٌّ يُداجي على البغضاءِ صاحبَه ... بنِعْمَةِ اللهِ نَقْلِيكُمْ وتَقْلُونَا
وقالَ مُخارق بن شهاب المازنيّ لابن عمٍّ له مازِنيّ:
وإِنِّي لمَوْلَاكَ الَّذي لَكَ نَصْرُهُ ... إِذا بُرْطِمَتْ تحْتَ السِّبَالِ العَنَافِقُ
وقال الآخر:
ذُو نَيْرَبٍ من مَوالي الحيِّ ذُو حَشدٍ ... يُزْجِي ليَ القَوْلَ بالبغضاءِ والكَلِمِ
стр. 49
أَراد من بَنِي عمّ الحيّ. والمولَى الحليف، قال الشَّاعر:
مَوَالِيَ حِلْفٍ لا مَوَالِي قَرابةٍ ... ولكنْ قَطيناً يأْخُذُون الأَتاوِيَا
وقالَ الحُصَيْن بنُ الحُمام المُرّي:
يا أَخوَيْنا مِن أَبِينا وأُمِّنَا ... مُرَا مَوْلَيَيْنَا من قُضاعَةَ يَذْهَبا
أَراد بأَحد الموليين بَنِي سَلامان بن سَعْد وبالمولَى الآخر ابن خميس بن عامر، وعَنَى بالموليين الحَليفَيْن. وقال الآخر:
أَتَشْتِمُ قَوْماً أَثَّلُوكَ بدَارِمٍ ... ولولاهمُ كنتمْ كَعُكْل مَوَالِيَا
أَراد حلفاء. وقالَ الرَّاعي:
جزى الله موْلانا غنِيًّا ملامَةً ... شِرارَ مَوالِي عامِر في العَزائم
أَراد أَولياءنا. والمولَى الجار، قال مرْبَع بن وَعْوَعَة الكلابيّ - وجاور كليب بن يربوع فأَحمد جوارهم:
جَزَى اللهُ خَيْراً والجَزَاءُ بكَفِّه ... كُلَيْبَ بنَ يَرْبوع وزادَهُمُ حَمْدَا
هُمُو خَلَطُونا بالنُّفوسِ وأَلجَمُوا ... إِلى نصرِ مولاهمْ مُسَوَّمَة جُرْدا
стр. 50
أَرادَ نصر جارهم. والمولَى: الصهر، وأَنشد ابن السِّكِّيتِ وغيره لأَبي المختار الكلابيّ:
ولا يُفْلِتَنَّ النَّافِعانِ كِلاهُما ... وذاكَ الَّذي بالسُّوقِ مَوْلَى بَنِي بَدْرِ
معناه صهر بَنِي بدْر.
٢٠ - والهاجد حرف من الأَضْداد، يقال للنائم هاجد، وللسَّاهر هاجد، قال المرقِّش:
سَرَى لَيْلاً خيالٌ مِنْ سُلَيْمَى ... فَأَرَّقَنِي وأَصحابي هُجُودُ
أَرادَ نيام. وقال الآخر:
وحاضرو الماءِ هُجُودٌ ومُصَلّْ
وقال الآخر:
أَلَا هَلَكَ امْرُؤٌ ظَلَّتْ عَلَيْه ... بِشَطِّ عُنَيْزَةٍ بَقَرٌ هُجُودُ
أَرادَ نسوة كالبقر في حُسْن أَعينهنّ، سواهر. وقالَ الحطيئة:
فَحيَّاكِ وُدٌّ ما هداك لفِتْيَةٍ ... وخوصٍ بأَعلَى ذي طُوَالة هُجَّدِ
وقالَ الأَخطل:
عَوَامِدَ للأَلْجام أَلجام حَامِرِ ... يُثِرْنَ قَطاً لولا سُرَاهُنَّ هَجَّدَا
стр. 51
ويروى هُجَّدَا. الأَلجام: ما بين الحَزْن والسُّهولة. قال أَبو بَكْر: واحدها لجَم، قال لَبِيد:
أَسْرَى لأَشْعَثَ هاجدٍ بمَفازَةٍ ... بخيالِ ناعمَةِ السُّرَر مِكْسَالِ
وقال الآخر:
يسَيْرٍ لا يُنِيخُ القومُ فيهِ ... لساعاتِ الكَرَى إِلَاّ هُجُودَا
ومعناه إِلَاّ ساهرين، أَي مَن السَّهر نومُه وإِناخته، فلا نومَ ولا إِناخة له. ويروى:
بسَيْرٍ لا يُنِيخُ الرَّكْبُ فيه ... لساعاتِ الكَرَى إِلَاّ هُجُودَا
ومثل هذا قول الكُمَيْتُ:
إِنْ قيلَ قِيلوا فَفَوْقَ أَظهرِها ... أَو عَرِّسُوا فالذَّمِيلُ والخَبَبُ
الذَّمِيل والخَبب: ضربان من السّير، ومعناه مَن الذَّميل والخَبب تعريسه، فلا تعريسَ له، وقال الله : وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ، فمعناه فاسْهَرْ به. وقالَ الأَصْمَعِيّ: سابَّ رجلٌ امرأَتَه فقال: عليها لعنة
стр. 52
المتهدِّجين، أَي السَّاهرين
بذكر الله . وقالَ نابغة بَنِي ذُبْيَان:
وَلَوَ انَّهَا عَرَضَتْ لأَشْمَطَ راهِبٍ ... عَبَدَ الإِلهَ صَرورةٍ وُمتَهَجِّدِ
لَرَنَا لبَهْجَتِها وحُسْنِ حَدِيثِها ... ولَخَالَهُ رَشَداً وإِنْ لَمْ يَرْشُدِ
٢١ - والضَّرَاء من الأَضْداد، يقال: هو يَمْشي الضَّرَاء، إِذا كان يمشي في الموضع البارز المنكشف. ويقال أَيْضاً: هو يمشي الضَّرَاء إِذا كان يمشي في الموضع المستتر الَّذي تستره الأَشجار. ويقال في مَثَلٍ يُضرَب للرجل الحازم: لا يُدَبَّ له الضَّرَاء ولا يُمْشَى له الخَمَر، فالضَّرَاءُ ما ستر الإِنسان من الأَشجار خاصَّةً، والخَمَر: ما ستره من الأَشجار وغيرها. وقالَ بِشْر بن أَبي خَازم:
عَطَفْنَا لَهُمْ عَطْفَ الضَّرُوسِ من المَلا ... بشهباَء لا يَمْشِي الضَّرَاَء رَقِيبُها
أَي لا يختِل؛ ولكنَّه يجاهر، وقالَ زهير:
فمهلاً آلَ عبدِ الله عَدُّوا ... مخازِيَ لا يُدَبُّ لها الضَّرَاءُ
عَدُّوا، معناه اصرفوا هذه المخازي عنكم. وقالَ الكُمَيْتُ:
وإِنِّي على حُبِّيهِمُ وتَطَلُّعِي ... إِلى نَصْرِهِمْ أَمشي الضَّرَاَء وأَخْتِلُ
стр. 53
معناه أَمشي في موضع الاستتار. وقال الآخر في الخَمَر:
أَلا يا زيدُ والضَّحَّاكَ سِيرَا ... فقد جاوَزْتُمَا خَمَرَ الطَّريقِ
وقالَ ابن السِّكِّيت: من الخَمَر قولهم: قد دخل في غُمَار النَّاس، أَي في جماعتهم وما يستره منهم. وقد يقال أَيْضاً: دخل في خُمار النَّاس.
٢٢ - وشَعَبْتُ من الأَضْداد. يقال شعبت الشَّيْءَ إِذا جمعته وأَصلحتَه، وشعبتُه إِذا فرَّقْتَه. وقالَ عليّ بنُ الغَدِيرِ الغَنَويّ:
وإِذا رَأَيْتَ المرَء يَشْعَبُ أَمْرَهُ ... شَعْبَ العصا ويَلَجُّ في العِصْيَانِ
فاعمِدْ لما تَعْلو فمالَك بالَّذي ... لا تَستطيع من الأُمُورِ يَدَانِ
فمعنى يشعب هاهنا يفرِّق. وقال الآخر:
خلَّى طُفَيْلٌ عليَّ الهمَّ فانشعبا
وقالَ بِشْر بن أَبي خَازم:
عَفَتْ رامةٌ مِنْ أَهلِها فكثيبُها ... وشطَّتْ بها عنك النَّوى وشَعُوبُها
والمنيَّة تُسمَّى شَعوب، لأَنَّها تَشْعَبُ، أَي تُفَرِّقُ. وقالَ ذو الرُّمَّة:
стр. 54
متى إِبْلَ أَو تَرْفَعْ بيَ النَّعشُ رِفْعَةً ... على القومِ إِحدى الخارمات الشَّوَاعِبِ
ويروى: على الرَّاح، ويقال: اشْعَبْ له شُعْبة من المال، أَي اقطعْ له قِطْعة. ويقال: قد أشعب الرجل، إِذا مات أَو ذهب ذهاباً لا يُرْجع منه، ويقال: قد تشعبت أَهواؤُهُم أَي تفرَّقت، وقالَ جَرير:
وقدْ شَعَبَتْ يَوْمَ الرَّحُوب سُيُوفُنا ... عواتقَ لم يثبتْ عليهنَّ مِحْمَلُ
أَي فرَّقت. وأنشدنا أَبو العبَّاس لابن الدُّمَيْنَة:
وإِنَّ طبيباً يَشْعَبُ القَلْبَ بَعْدَما ... تَصَدَّعَ مِنْ وَجْدٍ بها لكَذوبُ
أَرادَ: يجمع.
٢٣ - والمَسْجُور من الأَضْداد. يقال: المسجور للمملوء، والمسجور للفارغ، قال الله : والبَحْرِ المَسْجُورِ، يريد المملوءَ. وقالَ النَّمر بن تَوْلب يذكر وَعلاً:
إِذا شاَء طالَعَ مَسْجُورَةً ... ترَى حَوْلَها النَّبْعَ والسّاسَمَا
أَرادَ طالع عيناً مملوءة، والنَّبْع والساسم شجر. قال لَبِيد:
فَتَوَسَّطَا عُرْض السَّرِيّ فصدَّعا ... مَسْجُورَةً متجاوراً قُلَاّمُهَا
стр. 55
أَرادَ بالمسجور عيناً مملوءة، وقال الآخر:
صَفَفْنَ الخُدودَ والقلوبُ نواشِزٌ ... على شطِّ مَسْجورٍ صَخُوبِ الضَّفَادِعِ
أَرادَ بالقلوب قلوب الحمير، وقالَ أَيْضاً يذكر حميراً:
فأَوْرَدَهَا مَسْجُورَةً ذات عَرْمَضٍ ... يَغُول سُمُولَ المكفهرَّات غُولُهَا
المَسْجُورة: المملوءة، والعَرْمض: الخضرة التي تعلو الماءَ، إِذا لم يُسْتَقَ منه
ويغُول: يذهب، والسُّمُول: البقايا من الماء، والمكفهرَّات: السحائب المتراكبات، ويقال: قَدْ عَرْمض الماء عرمضةً، إِذا علتْه الخضرة التي تستره وتغطِّيه، قال الشَّاعر:
أَمَا ورَبِّ بئْرِكُمْ ومَائِها ... والعَرْمَضِ الَّلاصقِ في أَرجائِها
لأَتْرُكَنَّ أَيِّماً بدائها
الأَرجاء: الجوانب، واحدها رَجاً، فاعلم.
وقالَ ابن السِّكِّيتِ: قال أَبو عَمْرو: يقال: قد سَجَر الماءُ الفراتَ والنَّهرَ والغديرَ والمصنَعَةَ، إِذا ملأَها. وقال الرَّاعي:
يَهَابُ جَنَانَ مَسْجُورٍ تَرَدَّى ... من الحَلْفَاءِ وأْتَزَرَ ائْتِزَارا
стр. 56
المَسْجُور: المملوءُ بالماءِ. وقوله: تَرَدَّى من الحَلْفَاءِ، معناه: أَنَّ الحَلْفاءَ كثرت على هذا الماء حتَّى صارت كالإِزار والرِّداءِ له.
وأَخبرنا أَبو العبَّاس، عن سلمة، عن الفَرَّاءُ، قال: واحد الحَلْفاءِ حَلْفَة. وقالَ غيرُ الفَرَّاءِ: واحدها حَلَفَة. وقالَ ابن السِّكِّيتِ: يقال: هذا ماءُ سُجُر، إِذا كانت بئر قد ملأَها السَّيل، ويقال: أَورد إِبْلَه ماءً سُجُراً. قال الله : وإِذا البِحَارُ سُجِّرَتْ، فمعناه أَفضى بعضُها إِلى بعض، فصارت بحراً واحداً. وقالَ ابن السِّكِّيت: يجوز أن يكون المعنى فُرِّغَتْ، أَي فُرِّغَ بعضها في بعض.
وقالت امرأة من أَهل الحجاز: إِنَّ حوضَكم لمَسْجُور وما كانت فيه قَطْرة. ففيه وجهان: أَحدهما أَن يكون معناه إِنَّ حوضكم لفارغ. والآخر: إِنَّ حوضكم لملآن، على جهة التفاؤل، كما قالوا للعطشان: إِنَّه لريَّان، وللمهلكة مفازة.
٢٤ - وظَاهِر حرف من الأَضْداد. يقال: هذا الكلام ظاهر عنك، أَي زائلٌ عنك، ويقال: النعمة ظاهِرَةٌ عليك، أَي لازمة لك، وقالَ أَبو ذُؤَيْبٍ:
стр. 57
وعَيَّرَهَا الوَاشُونَ أَنِّي أُحِبُّها ... وتِلْكَ شَكاةٌ ظاهِرٌ عَنْكِ عارُهَا
أَرادَ: زائل عنكِ.
٢٥ - وذَعَورٌ من الأَضْداد؛ يقال: فلان ذَعُور، أَي ذاعر، وذَعُور، أَي مذعور، أَنشدنا أَبو العبَّاس:
تَنُولُ بمعروفِ الحَدِيثِ وإِنْ تُرِدْ ... سِوَى ذاكَ تُذْعَرْ مِنْك وهْيَ ذَعُورُ
أَي مذْعُورة. ويُرْوَى: تَنُولُ بمَغْرُوضِ الحَديث، أَي بطريِّه، واللَّحم الغريض عند العرب الطريّ، قال الشَّاعر:
إِذا لم يَجْتَزِرْ لِبَنِيهِ لَحْماً ... غَرِيضاً مِنْ هَوَادِي الوَحْشِ جَاعُوا
ويُرْوَى: تَنُول بمشهود الحديث، والمشهودُ الَّذي كأَنَّ فيه شُهْداً من حلاوته وطيبه، قال الشَّاعر يذكر ثَغْراً:
وبَارِداً طَيِّباً عَذْباً مُقَبَّلُهُ ... مُخَيَّفاً نَبْتُهُ بالظَّلْمِ مَشْهُودا
ومعنى قوله: تنول بمعروف الحديث، تنيلك معروف حديثها، يقال: أَنالني فلان معروفاً ونالني، بأَلف وغير أَلف، أَنشدنا أَبو العبَّاس، عن ابن الأَعْرَابِيّ:
لَوْ مَلك البَحْرَ والفُراتَ معاً ... مَا نَالَني مِنْ نَدَاهُما بَلَلا
فَعَالُهُ عَلْقَمٌ مَغَبَّتُهُ ... وقولُهُ لوْ وَفَى به عَسَلا
стр. 58
أَرادَ بِنالَني أَعطاني، ونصب العسل على معنى كانَ عَسَلاً.
٢٦ - وقَسَطَ حرف من الأَضْداد. يقال: قَسَطَ الرَّجل إِذا عدل، وقَسَط إِذا جار، والجوْر أَغلب على قَسَطَ؛ قال الله : وأَمَّا القَاسِطُونَ فكَانُوا لجَهَنَّمَ حَطَباً، أَرادَ الجائرون. وقالَ القُطاميّ:
أَلَيْسُوا بالأُلى قَسَطُوا جمِيعاً ... على النُّعْمانِ وابْتَدَرُوا السِّطَاعَا
وقال الآخر:
قَسَطُوا على النُّعْمانِ وابنِ مُحَرِّقٍ ... وابنَ قَطامِ بعِزَّةٍ وتَنَاوُلِ
ويقال: أَقسط الرَّجل، بالأَلف إِذا عدل، لا غير، قال الله : إِنَّ الله يُحِبُّ
المُقْسِطِينَ. وقالَ الحارث ابن حِلّزة:
مَلِكٌ مُقْسِطٌ وأَكْمِلُ مَنْ يَمْ ... شِي ومِنْ دونِ ما لديه الثَّنَاءُ
٢٧ - وقالَ سهل السّجِستانيّ: قال أَبو عُبيدة:
стр. 59
الخِنْذِيذ من الأَضْداد؛ يقال: خِنْذِيذ للفحل والخَصيّ، واحتجَّ بقول خُفاف:
وخَنَاذِيذَ خصْيةً وفُحُولا
وقالَ السّجِستانيّ: لم يصب أَبو عُبيدة في هذا القول، لأنَّ الشَّاعِر لم يذهب إِلى أَنَّ الفحول من الخناذيذ؛ وإِنَّما مدح الشَّاعِر الجنسيْن، فكان الفحول خارجين من الخناذيذ. قال: والخِنْدِيذ: الفائق من كلِّ شيءٍ، يقال: خطيب خِنْدِيذ، وشاعر خِنْدِيذ، قال بشر بن أَبي خَازم:
وخِنْدِيذٍ تَرَى الغُرْمُولَ مِنْهُ ... كطيِّ الزق علقه التجار
وأنشد ابن السكيت البيت الأول في شعر النابغة:
وبراذين كابيات وأتنا ... وخنا ذيد خصية ومخولا
وقالَ: الخناذيذ الكرام. وأَخبرنا أَبو العبَّاس، عن ابن الأَعْرَابِيّ، قال: الخِنْدِيذ الضَّخم، والخناذيذ: الضِّخام، وأنشدنا:
يَصُدُّ الفارِسَ الخِنْدِيذَ عَنِّي ... صُدودَ البَكْرِ عن قَرْمٍ هِجَانِ
стр. 60
وأَخبرنا أَبو العبَّاس، عن ابن الأَعْرَابِيّ، قال: الخِنْدِيذ: الضَّخم، والخناذيذ: الضِّخام، وأَنشدنا:
تَعْلُو أَوَاسِيَه خَنَاذِيذُ خِيَمْ
قال: أَواسِيَه: ثَوَابِتُه.
٢٨ - وقالَ أَبو عُبيدة: كان من الأَضْداد؛ يقال: كان للماضي، وكانَ للمستقبل، فأَمَّا كونها للماضي فلا يُحتاج لها إلى شاهد، وأَمَّا كونها للمستقبل، فقول الشَّاعِر:
فأَدركْتُ مَنْ قدْ كانَ قبلي ولم أَدَعْ ... لمَنْ كانَ بَعْدي في القَصَائِدِ مَصْنَعَا
أَرادَ لمن يكون بعدي، قال: وتكون كانَ زائدة، كقوله تعالى: وكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً، معناه: والله غفور رحيم.
٢٩ - قال أَبو عُبيدة: ويكون من الأَضْداد أَيْضاً، يقال: يكون للمستقبل، ويقال: يكون للماضي، فكونه للمستقبل لا يُحتاج فيه إِلى شاهد، وكونه للماضي قول الصَّلَتان يرثي المغيرة بن المُهَلَّب:
стр. 61
قُلْ للقَوَافِلِ والغُزَاةِ إِذا غَزَوْا ... والبَاكِرِينَ والمُجِدِّ الرَّائِحِ
إِنَّ السَّماحَةَ والشَّجاعَةَ ضُمِّنَا ... قَبْراً بمرْوَ على الطَّريقِ الواضِحِ
فإِذا مَرَرْتَ بقَبْرِهِ فاعْقِرْ بهِ ... كُومَ الجِلادِ وكُلَّ طِرْفٍ سابِحِ
وانْضَحْ جَوانِبَ قَبْرِهِ بِدِمائِها ... فَلَقَدْ يكونُ أَخَا دَمٍ وذَبَائِحِ
أَرادَ: فلقد كان.
قال أَبو بَكْر: والَّذي نَذْهب إِلَيْه أَنَّ كان ويكون لا يجوز أَن يكونا على خلاف ظاهرهما، إِلَاّ إِذا وَضَح المعنى، فلا يجوز لقائل أَنْ يقول: كان عبد الله قائماً، بمَعْنَى يكون عبد الله، وكذلك محال أَنْ يقول: يكون عبد الله قائماً؛ بمَعْنَى كان عبد الله، لأنَّ هذا ما لا يُفهم ولا يقوم عليه دليل؛ فإِذا انكشف المعنى حُمِلَ أَحدُ الفعْليْن على الآخر، كقوله جلَّ اسمه: كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ في المَهْدِ صَبِيَّا، معناه مَنْ يكون في المهد فكيف نكلِّمه! فصلَح الماضي في موضع المستقبل لبيان معناه. وأَنشد الفَرَّاءُ:
فَمَنْ كانَ لا يأْتيكَ إِلَاّ لحَاجَةٍ ... يَرُوحُ لهَا حتَّى تَقَضَّى ويَغْتَدِي
فإِنِّي لآتِيكُمْ تَشَكُرَ ما مَضَى ... من الأَمْرِ واسْتِيجابَ ما كانَ في غَدِ
أَرادَ: ما يكون في غد. وقالَ الله عزَّ ذكره: وَنَادَى
стр. 62
أَصْحابُ الجَنَّةِ أَصْحابَ النَّار، فمعناه وينادي، لأنَّ المعنى مفهوم، وقالَ : يا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الكَيْلُ، فقال بعضُ النَّاس: معناه يُمنع مِنَّا. وقالَ الحُطَيْئة:
شَهِدَ الحُطَيْئَةُ يَوْمَ يَلْقَى رَبَّهُ ... أَنَّ الوليدَ أَحَقُّ بالعُذْرِ
معناه: يشهد الحطيئة.
وقول أَبي عُبيدة كان زائدة في قوله ﵎: وكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً ليس بصحيح، لأنَّها لا تُلْغَى مبتدأَةً ناصبة للخبر؛ وإنما التأويل المبتدأ عند الفراء وكائن الله غفورا رحيما فصلح الماضي في موضع الدائم لأنَّ أَفعال الله جلَّ وعزَّ تخالف أَفعالَ العباد، فأَفعال العباد تنقطع، ورحمة الله لا تنقطع وكذلك مغفرته وعِلْمُه وحِكْمَتُه.
وقالَ غير الفَرَّاء: كأَنَّ القوم شاهدوا لله مَغْفِرَةً ورحمةً وعلماً وحكمةً، فقال الله : وكَانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً، أَي لم يزل الله على ما شاهدتم.
стр. 63
٣٠ - وبَسْل من الأَضْداد؛ يقال: بَسْل للحلال، وبَسْل للحرام، قال زهير:
بِلادٌ بِها نادَمْتُهُمْ وعَرَفْتُهُمْ ... فإِنْ أَوْحَشَتْ منهمْ فإِنَّهُمُ بَسْلُ
أَرادَ حرام. وقالَ ضَمْرَة بنُ ضَمْرَة:
بَكَرَتْ تَلُومُكَ بَعْدَ وَهْنٍ في النَّدَى ... بَسْلٌ عَلَيْكِ مَلامَتِي وعِتابي
أَرادَ حرام عليك. وأَنشدَنا أَبو العبَّاس، عن ابن الأَعْرَابِيّ:
أَيُقْبَلُ ما قُلْتُمْ وتُلْقَى زيادَتِي ... دَمي إِنْ أُحِلَّتْ هذه لكمُ بَسْلُ
أَي دمي حلال مُباح. ويكون بسل بمَعْنَى آمين؛ قال الشَّاعر:
لا خابَ مِنْ نَفْعِكَ مَنْ رَجَاكا ... بَسْلاً وعَادَى اللهُ من عَادَاكَا
أَرادَ آمين، وتفسير آمين: اللهمّ استجب. ويقال: أَمين بالقصر وآمين بالمدّ، وتشديد الميم خطأ. وقال الآخر في بسل بمَعْنَى حرام:
أَجَارَتُكُمْ بَسْلٌ عَلَيْنَا مُحَرَّمُ ... وجارَتُنَا حِلٌّ لكُمْ وحَلِيلُها
٣١ - وقالَ بعض العرب: برّدت من الأَضْداد؛ يقال: برَّدَ الشَّيْءَ على المعنى المعروف، ويقال: برَّدَ الشَّيْءَ إِذا أَسخَنه، واحتجُّوا بقول الشَّاعِر:
стр. 64
عَافَتِ الشُّرْبَ في الشِّتَاءِ فقُلْنا ... بَرِّديه تُصَادِفيهِ سَخِينَا
أَي سَخِّنيه.
قال أَبو بَكْر: فإِذا صحَّ هذا القول صلح أَنْ يقال للحارّ بارد، وأَن يقع البرد على الحرّ إِذا فهمَ المعنى.
قال أَبو بَكْر: وحَكَى لي بعضُ أَصحابِنا عن أَبي العبَّاسِ أَنَّهُ كان يقول في تفسير هذا البيت: بل رِدِيه، من الوُرود، فأَدغم اللام في الراء، فصارتا راء مشدَّدة. والبرْد له معنيان آخران: يكون البرد النوم، من قوله تعالى: لا يَذُوقُونَ فيها بَرْداً ولا شَرَاباً، أَي نوماً، وأَنشدنا أَبو العبَّاس للعرْجِيّ:
فإِنْ شِئْتِ حَرَّمْتُ النِّساَء سِواكُمُ ... وإِنْ شِئْتِ لم أَطْعَمْ نُقاخاً ولا بَرْدَا
فالنقاخ: الشَّراب العذب، والبرد النوم، وقال الآخر:
بَرَدَتْ مَراشِفُها عليَّ فَصَدَّني ... عنْهَا وعَنْ قُبُلاتِهَا البَرْدُ
أَرادَ النوم. وقالَ بعض المفسِّرين: البرْد برْد الشَّراب، ويقال: معنى قول الشَّاعِر: فصدَّني عنها وعن قبلاتها البرد: شدَّة برد فيها. وقال الآخر:
стр. 65
زَعَمَ الهُمَامُ بأَنَّ فَاهَا بَارِدٌ ... عَذْبٌ إِذا ما ذقتَه قُلْتَ ازْدَدِ
ويكون البرْد بمَعْنَى الثَّبَات؛ يقال: ما بَرد فِي يدي شيء، أَي ما ثَبَت، قال الشَّاعر:
اليَوْمَ يَوْمٌ بارِدٌ سَمُومُهُ ... مَنْ عَجَزَ اليَوْمَ فَلا نَلومُهُ
أَرادَ: ثابت.
٣٢ - وقالَ بعض أَهل اللُّغة أَيْضاً: المتفكّه من الأَضْداد، يقال: رجل متفكّه، إِذا كان متنعّماً مسروراً، ورَجُلٌ متفكّه، إِذا كان حزيناً متندِّماً، قال الله : فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ، فمعناه تندَّمُون. وعُكْل تقول: تَفَكَّنُون بالنُّون. ويقال: معنى قوله جلَّ وعزَّ: تَفَكَّهون: تعجَّبون ممَّا وقع بكم في زرعكم، يقال: قد فكِه الرَّجل يَفْكَهُ، إِذا عَجِبَ، وأَنْشَدَ اللِّحْيانِيّ أَبو الحسن:
ولَقَدْ فَكِهْتُ من الَّذينَ تَقَاتَلُوا ... يَوْمَ الخَمِيسِ بلا سِلاحٍ ظَاهِرِ
أَرادَ: عجِبت.
ويقال: رجلٌ فَكِهٌ، إِذا كان يأْكل الفاكهة، وفاكه، إِذا كثرت عنده الفاكهة، قال الشَّاعر:
فَكِهٌ على حِينِ العَشيِّ إِذا ... خَوَتِ النُّجومُ وَضُنَّ بالقَطْرِ
стр. 66
ويقال: رجل فكِه وفاكه، إِذا كان مُعْجَباً بالشَّيء، قال الله : فَاكِهينَ بمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ، فمعناه مُعْجَبين.
٣٣ - والقانع من الأَضْداد. يقال: رَجُلٌ قانِع، إِذا كان راضياً بما هو فيه لا يسأَل أحداً، ورَجُلٌ قانع إِذا كان سائلاً، قال الله : وأَطْعِمُوا القَانِعَ والمُعْتَرَّ، فالقانع السَّائل، والمعترّ الَّذي يعرِّض بالمسأَلة ولا يصرّح، ويقال: المعترّ: السَّائل، والقانع: المحتاج. ويقال: قد قَنع الرَّجلُ يَقْنَعُ قَنَاعةً وقَنَعاً وقَنَعَاناً، إِذا رضِيَ بما هو فيه؛ وهو قانعٌ وقَنِعٌ، ويقال: قَدْ قَنَع يَقْنَع قُنوعاً، إِذا سأَل؛ يقال: نعوذُ بالله من القُنُوع والخُنُوع، ونسأَلُ الله القناعَةَ، فالخُنُوع الخضوع، والقُنوع المسأَلة. وقالَ أَعرابيٌّ لقوم سأَلهم فلم يُعطوه: الحمد لله الَّذي أَقْنَعني إِليكم، أَي أَحوجني. قال الشَّمَّاخ:
أَعائشَ ما لأَهلِك لا أَراهُمْ ... يُضِيعُونَ الهِجَانَ مَعَ المُضيعِ
وكَيْفَ يُضيعُ صاحبُ مُدْفآتٍ ... على أَثْباجِهِنَّ مِنَ الصَّقيعِ
стр. 67
لَمالُ المَرْءِ يُصْلِحُه فيُغْنِي ... مَفَاقِرَهُ أَعَفُّ من القُنُوعِ
أَي من المسألة. وقال الآخر:
وإِعْطائِي المولَى على حينِ فَقْرِهِ ... إِذا قالَ أَبْصِرْ خَلَّتي وَقُنُوعِي
وقالَ أَيْضاً بعض المعمّرين:
فمنْهُمْ سَعيدٌ آخذٌ بنَصِيبِهِ ... ومِنْهُمْ شَقِيٌّ بالمَعيشَةِ قانِعُ
وقال الآخر:
وأَقْنَعُ بالشَّيْءِ اليَسيرِ صِيَانَة ... لنفسيَ ما عُمِّرْتُ والحُرُّ قَانِعُ
أَي راض. وربَّما تكلَّموا بالقنوع في معنى القناعة، والاختيارُ مَا قدَّمنا ذكرَه، فمنه قول بعضهم:
فسَرْبَلْتُ أَخْلاقي قُنُوعاً وعِفَّةً ... فعِنْدِي بأَخْلاقي كُنوزٌ من الذَّهَبْ
فَلَمْ أَرَ عِزًّا كالقُنُوعِ لأَهْلِهِ ... وأَنْ يُجْمِلَ الإِنْسانَ ما عاشَ في الطَّلَبْ
وقال الآخر:
ثِقْ بالإِلهِ ورُدَّ النَّفْسَ عن طَمَعٍ ... إِلى القنُوعِ ولا تَحْسُدْ أَخا المالِ
فإِنَّ بين الغِنَى والفقرِ منْزِلَةً ... مقرونة بجديدٍ لَيْسَ بالبَالي
وقال الآخر:
مَنْ قَنِعَتْ نَفْسُهُ ببُلْغَتِها ... أَضْحَى عَزيزاً وظَلَّ مُمْتَنِعَا
стр. 68
للهِ دَرُّ القُنُوعِ مِنْ خُلُقٍ ... كَمْ مِنْ وَضِيعٍ بِهِ قدِ ارْتَفَعَا
تَضِيقُ نَفْسُ الفَتَى إِذا افتقرتْ ... ولَوْ تَعَزَّى بِرَبِّهِ اتَّسَعا
وقالَ نصيب في المعترّ:
مَنْ ذَا ابنَ لَيْلَى جَزاكَ اللهُ مَغْفِرَةً ... يُغْنِي مكانكَ أَو يُعْطي كما تَهَبُ
قَدْ كانَ عندَ ابنِ لَيْلَى غيرَ معوزِه ... للفَضْلِ وَصْلٌ وللمعترّ مُرْتَغَبُ
وقال الآخر:
لَعَمْرُكَ ما المعترّ يأْتي بِلادَنا ... لنمنَعَه بالضَّائِعِ المتهَضَّمِ
٣٤ - ووَراء من الأَضْداد. يقال للرَّجل: وَراءَك، أَي خلْفَكَ، ووَراءَك أَي أَمامك، قال الله : منْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ، فمعناه من أَمامهم. وقالَ تعالى: وكَانَ من وَرَاءهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبَا، فمعناه: وكانَ أَمامهم. وقال الشَّاعر:
لَيْسَ على طُولِ الحياةِ نَدَمْ ... ومِنْ وَراءِ المرْءِ ما يُعْلَمْ
أَي من أَمامه، وقال الآخر:
أَتَرْجُو بَنُو مَرْوانَ سَمْعي وطَاعَتي ... وقومِي تَميمٌ والفَلاةُ وَرائيا
أَرادَ قدَّامي. وقال الآخر:
стр. 69
أَلَيْسَ وَرائي إِنْ تَراخَتْ مَنِيَّتي ... لزومُ العَصَا تُحْنَى عليها الأَصابِعُ
وقال الآخر:
أَلَيْسَ وَرائي أَنْ أَدِبَّ على العَصَا ... فيأْمَنَ أَعْدائي ويَسْأَمَني أَهْلي
والوَراءُ ولد الولد، قال حيَّان بن أَبجر: كنت عند ابن عبَّاس، فجاءهُ رجلٌ من هُذَيْل، فقال له: ما فعل فلان؟ لرجل منهم، فقال: مات وترك كذا وكذا من الولد، وثلاثة من الوَراء؛ يريد من ولد الولد.
وحكى الفَرَّاءُ عن بعض المشيَخة، قال: أَقبل الشَّعبيّ ومعه ابن ابنٍ له، فقيل: أَهذا ابنك؟ فقال: هذا ابني من الوَراء، يريد من ولد الولد.
وقال الله : ومِنْ وَراء إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ، يريد من وَلَد ولده. والورى مقصور: الخلْق، يقال: ما أَدري أَي الوَرَى هو؟ يراد: أَي النَّاس هو؟ قال ذو الرُّمَّة:
وكائن ذعَرْنا من مَهاةٍ ورامحٍ ... بلادُ الوَرَى لَيْسَتْ لهُ بِبِلادِ
والورى داءٌ يُفْسِد الجوْف، من قول النَّبِيّ صَلّى اللهُ عليه
стр. 70
وسَلّم: لأَنْ يمتلئ جوفُ أَحدِكم قَيْحاً حتَّى يَريَه خير من أَنْ يمتلئ شعراً، أَي حتى يفسد جوفه منه، قال الشَّاعر:
هَلُمَّ إِلى أُمَيَّةَ إِنَّ فِيها ... شِفَاَء الوَارِيَاتِ مِنَ الغَلِيلِ
وقال الآخر:
وَراهُنَّ ربِّي مِثلَ ما قَدْ وَرَيْنَنِي ... وأحميَ على أَكْبادِهِنَّ المَكَاوِيَا
وقالَ آخر:
قالَتْ لهُ وَرْياً إِذا تَنَحْنَحْ ... يا لَيْتَهُ يُسْقَى على الذُّرَحْرَحْ
الذُّرَحْرَحْ: واحد الذَّراريح. ويقال في دعاء العرب: به الوَرَى، وحُمَّى خَيْبَرَى، وشرُّ ما يُرى، فإِنَّه خَيْسَرَى.
وقالَ أَبو العبَّاس: الوَرْيُ المصْدَر، بتسكين الرَّاء، والوَرَى، بفتح الرَّاء الاسم، وأَنشد قُطْرب للنَّابغة:
حَلَفْتُ فلَمْ أَتْرُكْ لنَفْسِكَ رِيبَةً ... ولَيْسَ وَراَء اللهِ للمَرْءِ مَذْهَبُ
أَرادَ: وليس قُدَّامه، ويقال: معناه وليس سواء الله؛ كما قال جلَّ اسمه: ويَكْفُرُونَ بِما وَرَاءهُ، أَي بما سواءهُ، ويقال للرَّجل إِذا تكلَّم: لَيْسَ وَراء هذا الكلام
стр. 71
شيء، أَي لَيْسَ يحسن سواءه، وأَنشد قُطْرب أَيْضاً:
أَتوعدني وَراَء بَنِي رياحٍ ... كَذَبْتَ لتقصُرَنَّ بذاك عَنِّي
٣٥ - وأَفْرَطْتُ حرف من الأَضْداد. يقال: أَفرطت الرَّجل إِذا قدَّمْتَه، وأَفرطتُه إِذا أَخَّرْتَه ونسيتَه؛ قال الله : لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ، فمعنى قوله : مُفْرَطُونَ مقَدَّمونَ معجَّلُون. وقالَ جماعة من المفسِّرين والقرَّاء: معناه مَنْسِيُّون مَتْروكون. ويقال: قد فَرَطَ الفارط في طلب الماء إِذا تقدَّم، وهو الفارط، وهم الفُرَّاط؛ قال القُطَامِيّ:
فَاسْتَعْجَلُونَا وكانُوا من صَحابَتِنَا ... كما تَعَجَّلَ فُرَّاطٌ لِوُرَّادِ
وقال الآخر:
فأَثَارَ فارِطُهُمْ غَطاطاً جُثَّماً ... أَصواتُهُ كَتَرَاطُنِ الفُرْسِ
الغَطاط: جنس من القطا. وقالَ النَّبِيّ ﵇: أَنا فَرَطُكُم على الحوْض، أَي أَنا أَتقدَّمكم إِلَيْه حتَّى تَرِدُوه عليَّ.
стр. 72
ويقال في الصَّلاة على الصَّبيّ الميت: اللَّهمَّ اجْعَلْه لنا فَرطاً، فمعناه أَجْراً سابقاً. ويقال: قدْ فَرَطَ من فُلان إِليَّ مكرُوه، أَي تقدَّم وتعجَّل، قال الله : إِنَّنَا
نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى.
٣٦ - واشتريتُ حرف من الأَضْداد. يقال: اشتريتُ الشيءَ على معنى قَبَضْتُه وأَعطيت ثمنَه. وهو المعنى المعروف عند النَّاس، ويقال: اشتريتُه إِذا بعتَه، قال الله : أُولئِكَ الَّذينَ اشْتَرَوا الضَّلالَةَ بالهُدَى، قال جماعة من المفسِّرين: معناه باعُوا الضَّلالة بالهدى. وقالَ بعض أَهل اللُّغة: كلُّ من آثر شيئاً على شيءٍ فالعرب تجعل الإِيثار له بمنزلة شرائه، واحتجُّوا بقول الشَّاعِر:
أَخَذْتُ بالجُمَّةِ رأْساً أَزْعَرَا ... وبالثَّنايا الواضحاتِ الدُّرْدُرَا
وبالطَّويلِ العُمْرِ عُمْراً أَنْزَرا ... كما اشترى المسْلِمُ إذْ تَنَصَّرا
ويقال: شريت الشَّيء إِذا بعتَه، وشريتُه إِذا ابْتَعْتَه، قال الله : ومِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ، فمعناه مَنْ يبيع نفسه. وقال الشَّاعر:
стр. 73
فإِنْ كانَ رَيْبُ الدَّهرِ أَمْضَاكَ في الأُلَى ... شَرَوْا هذه الدُّنْيا بجَنَّاتِهِ الخُلْدِ
أَرادَ باعوا هذه الدُّنيا. وقالَ الشَّمّاخ:
فلمَّا شَراها فاضتِ العينُ عَبْرَةً ... وفي الصَّدْرِ حزَّاز من اللَّوْمِ حَامِزِ
أَرادَ باعها. وقالَ الحِمْيَرِيّ:
وشَرَيْتُ بُرْداً لَيْتَنِي ... مِنْ بَعْدِ بُرْدٍ كُنْتُ هَامَهْ
أَو هامَةً تَدْعُو صَدًى ... بين المشقَّرِ واليَمامَهْ
أَرادَ: وبِعت بُرْداً. وقال الآخر في معنى ابتعت:
اشْرُوا لها خاتِناً وابْغُوا لخاتِنِها ... مَعَاوِلاً ستَّةً فيهنَّ تَذْرِيبُ
أَرادَ اشْتَرُوا لها.
٣٧ - وبعت من الأَضْداد؛ يقال: بعتُ الشَّيْء، على المعنى المعروف عند الناس، وبعتُ الشَّيْء، إِذا ابتعتَه؛ قال جماعة من الرُّواة: قيل لجرير: مَنْ أَشْعَرَ النَّاس؟ قال: الَّذي يقول:
ويأْتيكَ بالأَخْبارِ مَنْ لمْ تَبِعْ لَهُ ... بَتَاتاً ولمْ تَضْرِبْ لهُ وَقْتَ مَوْعِدِ
أَرادَ مَنْ لم تشتر له، والبتاتُ الزَّاد. وقالَ الفَرَّاءُ: سمعتُ أَعرابيًّا يقول: بِعْ لي تمراً بدرْهم، يريد اشتر لي تمراً،
стр. 74
وقالَ المسيَّب بن عَلَس:
يُعطَى بها ثمناً فيَمْنَعُها ... ويقولُ صاحبهُ أَلا تَشْرِي
بالتَّاء، قال الرُّواة: معناه أَلا تبيع. وقالَ قُطْرب: شَرَيْتُ بمَعْنَى بِعْت، لغة لغاضرة، وأَنشد لأَبي ذُؤَيْبٍ:
فإِنْ تَحْسَبِيني كنتُ أَجْهَلُ فِيكُمُ ... فإِنِّي شرَيْتُ الحِلْمَ بعدكِ بالجَهْلِ
وقال الآخر:
وإِنِّي لأَسْتَحْيِي الخليلَ وأَتَّقِي ... تُقايَ وأَشْري من تِلادِيَ بالحَمْدِ
وقال الآخر:
شرَيْتُ غُلاماً بينَ حِصْنٍ ومالكٍ ... بأَصْواعِ تَمْرٍ إذْ خشيتُ المَهالِكا
أَرادَ بعت غلاماً، وجاءَ في الحديث عن حُذيفة أَنَّهُ قال عند موته: بيعُوا لي كَفَناً، أَي اشتروه، وقال الشَّاعر:
إِذا الثُّرَيَّا طلعتْ عِشاَء ... فبِعْ لراعِي غنمٍ كِساَء
وقالَ:
стр. 75
إِذا الثُّريَّا طَلعتْ غُدَيَّهْ ... فبِعْ لِراعِي غنمٍ شُكَيَّهْ
أَرادَ فاشتر. وقالَ كُثَيّر:
فيا عَزَّ لَيْتَ النَّأْيَ إذْ حالَ بينَنَا ... وبينَكِ باعَ الوُدَّ لي منكِ تاجِرُ
وقالَ أَوْس:
قَدْ فارَقَتْ وهْي لم تَجْرَبْ وباعَ لها ... من الفَضافِصِ بالنُّمِّيِّ سِفْسِيرُ
الفَصافِصِ: الرّطبة، والنُّمِّيِّ: الفُلوس، والسِّفْسير: القهرمان. وقال الآخر:
وَبَاعَ بَنِيهِ بعضَهُمْ بخَسَارَةٍ ... وبعتُ لذُبْيَانَ العَلَاء بمالِكا
٣٨ - والبين من الأَضْداد؛ يكون البيْن الفراق، ويكون البين الوصال؛ فإِذا كان الفراق فهو مصدر بانَ يَبِينُ بَيْناً، إِذا ذهب؛ كقول جرير:
بانَ الخَليطُ ولوْ طُووِعْتُ ما بانا ... وقطَّعوا مِنْ حبالِ الوصْلِ أَقْرانا
طووعت: فوعلت، لأنَّه من طاوعت، وقال الله :
следующие страницы →