← Каваид фикха

Каваид фикха · id 17079

دراسة وتحقيق قاعدة «الأصل في العبادات المنع»

محمد حسين الجيزاني

Полный текст (94 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

دِرَاسَة وَتَحْقِيق قَاعِدَة «الأَصْلُ فِي الْعِبَادَات الْمَنْع» تأليف مُحَمَّد بن حُسَيْن الجيزاني دَار ابْن الْجَوْزِيّ

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين. أما بعد، فإن الغاية المقصودة من الخَلق إنما هي عبوديته -سبحانه- كما ورد التصريح بذلك في قوله -جلَّ شأنه-: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]. وحقيقة عبوديته -سبحانه- وسرها إنما يتحقق باتباع أمره واجتناب نهيه، فعند اتباع الأمر واجتناب النهي تتبين حقيقة العبودية وصحتها. ومن هنا فقد سطَّر أهل العلم قاعدة شرعية جامعة في هذا الباب، ألا وهي: (الأصل في العبادات المنع) وقد شرح الله صدري لدراسة هذه القاعدة، وجمع ما تناثر من كلام العلماء حولها ويمكن تقسيم الدراسات السابقة حول هذه القاعدة إلى ما يأتي:

стр. 3

أولاً: كتب أصول الفقه، وذلك عند الكلام على ما يجري فيه القياس، وعند الكلام على الصحة والفساد من الحكم الوضعي، وعند الكلام على دليل الاستصحاب، وعلى المسائل المتعلقة بالحاكم، ومسألة اقتضاء النهي الفساد. ثانيًا: كتب مقاصد الشريعة، وذلك عند الكلام على تقسيم أفعال المكلفين إلى عبادات وعادات، والكلام على التعبد والتعليل. ثالثًا: كتب القواعد الفقهية، وذلك في الغالب مندرج تحت قاعدة: (اليقين لا يزول بالشك) وما يتفرع عنها من قواعد. رابعًا: الكتب المصنفة في باب التحذير من البدع (١). خامسًا: كتب العقيدة، وذلك عند الكلام على توحيد العبادة وإخلاص العبودية لله سبحانه (٢).

стр. 4

وتحسن الإشارة في هذا المقام إلى أمور ثلاثة: أولها: أن لشيخ الإسلام ابن تيمية جهودًا مذكورة ومساعي مشكورة في تحرير هذه القاعدة؛ إذ له رسالة مفردة في ذلك، ألا وهي (العبودية) إضافة إلى عنايته الفائقة بمسألة العبادة والاتباع، وذلك مبثوث في ثنايا كتبه وفتاواه. والثاني: أن كتاب مدارج السالكين لابن القيم قد حوى معاني جليلة ومقاصد سامية فيما يخص مسألة العبادة وغايتها وأصناف أهلها وغير ذلك من المسائل ذات الصلة بها. والثالث: أن كتاب الاعتصام للشاطبي يعد من أعمق هذه المصادر فقهًا، وأوسعها مادة في هذه المسألة، وقد انفرد هذا لكتاب بما لا يوجد في غيره. وقد اقتضى المقام تقسيم هذا البحث إلى تمهيد وأربعة فصول: التمهيد في بيان: هل الأصل في الشريعة التعبد أو التعليل؟ وتحت هذه المسألة النقاط الآتية: ١ - تحرير محل النزاع. ٢ - الأقوال والأدلة. ٣ - الرأي الراجح ودليل الترجيح. ٤ - أثر الخلاف وثمرته.

стр. 5

الفصل الأول: معنى القاعدة. وفي هذا الفصل مطلبان: المطلب الأول: المعنى الإفرادي للقاعدة. وفي هذا المطلب ثلاث مسائل: المسألة الأولى: معنى الأصل. المسألة الثانية: معنى العبادة. المسألة الثالث: معنى المنع. المطلب الثاني: المعنى الإجمالي للقاعدة. الفصل الثاني: توثيق القاعدة. وفي هذا الفصل أربعة مطالب: المطلب الأول: صيغ القاعدة. المطلب الثاني: القواعد الأصولية والفقهية ذات الصلة بالقاعدة. المطلب الثالث: أدلة القاعدة. المطلب الرابع: سياق كلام أهل العلم حول القاعدة. الفصل الثالث: أثر القاعدة وتطبيقاتها: وفي هذا الفصل أربعة مطالب: المطلب الأول: أسماء الله وصفاته توقيفية. المطلب الثاني: ألفاظ الأذكار توقيفية.

стр. 6

المطلب الثالث: المنع من الغلو في الدين. المطلب الرابع: مسائل متفرقة. الفصل الرابع: القواعد المندرجة تحت القاعدة. وتحت هذا الفصل أربع قواعد: القاعدة الأولى: لا تثبت العبادة إلا بتوقيف. القاعدة الثانية: الأصل في العبادات المقيدة: الإتيان بها مقيدة. القاعدة الثالثة: الأصل في العبادات المطلقة: التوسعة. القاعدة الرابعة: ما شرع من العبادات على وجه العموم لا يدل على مشروعيته على وجه الخصوص. وقد ذيلت هذا البحث بخاتمة تضمنت خلاصته، وبثبت للمصادر والمراجع. أسأل الله -جل شأنه- أن يوفقنا لما يحب ويرضى، وأن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 7

التمهيد في بيان هل الأصل في الشريعة التعبد أو التعليل؟ وتحت هذه المسألة النقاط الآتية: ١ - تحرير محل النزاع. ٢ - الأقوال والأدلة. ٣ - الرأي الراجح ودليل الترجيح. ٤ - أثر الخلاف وثمرته.

стр. 8

١ - تحرير محل النزاع وذلك في أمور ثلاثة: الأمر الأول: أن كلا من التعبد والتعليل له معنى عام ومعنى خاص. أولا: المعنى العام لكل من التعبد والتعليل: التعبد بمعناه العام هو: ما دل عليه قوله ﷺ : «حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا» (١)، وعبادته -سبحانه- هي: امتثال أوامره واجتناب نواهيه بإطلاق. وبهذا يعلم أن علة التعبد العامة هي: الانقياد لأوامر الله -تعالى- وإفراده بالخضوع والتعظيم لجلاله والتوجه إليه؛ كما قال -سبحانه-: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]. وبناء على ذلك فيمكن أن يقال: الشريعة كلها تعبدية. وأما التعليل بمعناه العام هو: ما دل عليه قوله ﷺ : «حق العباد على الله إذا عبدوه ولم يشركوا به شيئًا ألا يعذبهم» (٢)، وهذا

стр. 9

يفيد أن هذه الشريعة إنما وضعت لمصالح العباد عاجلا وآجلا. ومن هنا يعلم أن أحكام الله معللة بالحِكم ورعاية المصالح، وأن جميع الأوامر والنواهي مشتملة على حِكم جليلة ومصالح عظيمة. وبناء على ذلك فيمكن أن يقال: الشريعة كلها معللة. ثانيًا: المعنى الخاص لكل من التعبد والتعليل: التعبد بمعناه الخاص هو: ما لا يُعقل معناه من الأحكام على الخصوص، ولا تدرك علته، وهو ما يسمى بالأمور التعبدية. ومثالها: تحديد أعداد الركعات في الصلوات الخمس، وتحديد مقادير الأنصبة في الأموال التي تجب فيها الزكاة، ومقادير ما يجب فيها، ومقادير الحدود والكفارات، وفروض أصحاب الفروض في الإرث (١). وهذا التعبد واقع في الشريعة؛ فإن بعض الأحكام قد تخفى علتها. وأما التعليل بمعناه الخاص فهو: كون الحكم متضمنًا لمعنى مناسب ومصلحة يدركها العقل (٢).

стр. 10

ونصوص القرآن والسنة طافحة بتعليل الأحكام ووجوه الحِكم، فمن الأمثلة على ذلك في القرآن الكريم (١): أنه تارة يذكر ذلك بلام التعليل الصريحة؛ كقوله -تعالى-: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة: ١٤٣]. وتارة يذكر "كي" الصريحة في التعليل، كقوله -تعالى-: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: ٧]. وتارة يذكر "من أجل" الصريحة في التعليل؛ كقوله -تعالى-: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [المائدة: ٣٢]. وتارة يذكر "لعل" المتضمنة للتعليل المجردة عن معنى الرجاء المضاف إلى المخلوق؛ كقوله -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣]. وتارة يذكر المفعول له؛ كقوله-تعالى-: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]. وتارة ينبه على السبب بذكره صريحًا؛ كقوله -تعالى-: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا * وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: ١٦٠، ١٦١].

стр. 11

وتعليل أفعال الله -سبحانه- لا يلزم منه -على مذهب السلف- القول بأنه يجب على الله رعاية مصالح العباد؛ ذلك لأن السلف يثبتون لله كمال القدرة والحكمة، ولا يشبهونه بشيء من خلقه، ولأجل ذلك يقولون: "إن الله خالق كل شيء ومليكه، وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وهو على كل شيء قدير، ويفعل -سبحانه- ما يفعل بأسباب ولحكم وغايات محمودة فله المشيئة العامة والقدرة التامة، والحكمة البالغة" (١). ولا يجب عليه -سبحانه- شيء فيما يحكم ويقضي؛ إذ لا يجوز قياسه على خلقه (٢): ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]، لذا فإن القول: بأن العلة مجرد علامة محضة لا يصح، لكونه مبنيًا على إنكار التعليل في أفعال الله، بل العلة هي الوصف المشتمل على الحكمة الباعثة على تشريع الحكم (٣). الأمر الثاني: أن إجراء القياس في الأحكام الشرعية لا يمكن إلا بعد معرفة العلة وتعقل المعنى: وبناء على ذلك فالقياس إنما يسوغ إجراؤه في الأحكام المعللة، وأما في الأحكام التعبدية غير المعللة فلا يمكن فيها إجراء والقياس بحال.

стр. 12

قال الطوفي عند بيانه لشروط القياس: "الشرط الثالث: أن يكون الأصل معقول المعنى، إذ لا تعدية بدون المعقولية، أي: ما لا يعقل معناه لا يمكن القياس فيه؛ لأن القياس تعدية حكم المنصوص عليه إلى غيره، وما لا يعقل لا يمكن تعديه، كأوقات الصلوات وعدد الركعات" (١). وقال الشاطبي: "ذلك أن التعبد راجع إلى عدم معقولية المعنى، وبحيث لا يصح فيه إجراء القياس. وإذا لم يعقل معناه دل على أن قصد الشارع فيه الوقوف عند ما حدَّه لا يُتعدى" (٢). الأمر الثالث: محل النزاع في هذه المسألة إنما هو في الأصل الغالب في أحكام الشريعة: هل هو التعبد أو التعليل؟ حيث الاتفاق واقع على أن أحكام الشريعة منها ما هو تعبدي، لا تعرف له علة، ومن هذه الأحكام أيضًا ما هو معلل بنص الكتاب والسنة. قال الطوفي: "الأحكام إما غير معلل؛ كالتعبدات أو معلل؛ كالحجر على الصبي لضعف عقله حفظًا لماله" (٣). فمحل الخلاف إذن فيما عدا ذلك من الأحكام: ما الأصل فيها؛ هل تحمل على التعبد أو على التعليل؟

стр. 13

٢ - الأقوال والأدلة القول الأول: أن الغالب في أحكام الشريعة التعليل، وأن التعبد فيها قليل. وهو مذهب الحنفية، ونسب ذلك إلى الإمام الشافعي، وقال به من الحنابلة القاضي أبو يعلي وأبو الخطاب (١). واستدلوا بما يأتي (٢): أولاً: أنَّ تعقُّل العلة وإدراك المناسبة أقرب إلى القبول من التعبد، وأدعى إلى العمل والامتثال. ثانيًا: أن التعبد في الأحكام قليل نادر، وأن التعليل هو الأغلب، وهو المألوف في عرف الشارع، فيلحق الفرد بالأعم الأغلب، ألا وهو التعليل، وإنما يحكم بالتعبد فيما لا تظهر فيه مناسبة. ثالثًا: العمومات الدالة على العمل بالقياس؛ فإنها تفيد أن هذه الشريعة مبناها على التعليل، وإدراك المناسبات حتى يمكن إلحاق النظير بنظيره.

стр. 14

القول الثاني: أن الغالب في أحكام الشريعة التعبد، وأن التعليل فيها قليل. وهو المشهور عند الشافعية، وعلى هذا المذهب طائفة من السلف (١). واستدلوا بالآتي (٢): أولاً: أن الموجب للامتثال إنما هو صيغة الأمر والنهي لا العلة. ثانيًا: أن الالتفات إلى التعليل يضعف الانقياد، وذلك أن من لم يمتثل الأمر حتى تظهر له علته لم يكن منقادًا للأمر، وأقل درجاته أن يضعف انقياده له. ولهذا كانت طريقة بعض السلف عدم التعرض لعلل التكاليف؛ خشية هذا المحذور. وقد ورد في بعض الآثار: "يا بني إسرائيل لا تقولوا: لِم أمر ربنا؟ ولكن قولوا: بم أمر ربنا؟ " (٣).

стр. 15

٣ - الرأي الراجح ودليل الترجيح يظهر لي أن الراجح في هذه المسألة هو ما اختاره الإمام الشاطبي، وهو: "التفرقة بين العبادات والعادات، وأنه غلب في باب العبادات جهة التعبد، وفي باب العادات جهة الالتفات إلى المعاني، والعكس في البابين قليل" (١). ومستند هذا الترجيح أمران: أولهما: أن في هذا القول جمعًا بين أدلة الفريقين، كما أن فيه توفيقًا بين القولين. وثانيهما: أن الشاطبي قد اعتمد في اختيار هذا الرأي على استقراء الشريعة وتتبُع نصوصها وأحكامها (٢). وبيان ذلك على النحو الآتي: أما أمور العبادات فمما يدل على أن الأصل فيها الالتفات إلى التعبد دون التعليل: أن الصلوات خُصَّت بأفعال مخصوصة على هيئات مخصوصة إن خرجت عنها لم تكن عبادات.

стр. 16

وأن الذكر المخصوص في هيئة ما مطلوب، وفي هيئة أخرى غير مطلوب. وأن طهارة الحدث مخصوصة بالماء الطهور وإن أمكنت النظافة بغيره، وأن التيمم وليست فيه نظافة حسية، يقوم مقام الطهارة بالماء المطهر. وهكذا سائر العبادات كالصوم والحج وغيرهما. فالركن الوثيق الذي ينبغي الالتجاء إليه الوقوف عند ما حُدَّ دون التعدي إلى غيره؛ لأنا وجدنا الشريعة حين استقريناها تدور على التعبد في باب العبادات فكان أصلا فيها. فيجب أن يؤخذ في هذا الضرب التعبد دون الالتفات إلى المعاني أصلا يبني عليه وركنًا يلجأ إليه. وأما أمور العادات فمما يدل على أن الأصل فيها الالتفات إلى المعاني والتعليل، دون التعبد: أنا وجدنا الشارع قاصدًا لمصالح العباد، وأن الأحكام العادية وجدناها تدور مع المصلحة حيثما دارت؛ فترى الشيء الواحد يمنع في حال لا تكون فيه مصلحة، فإذا كان فيه مصلحة جاز. فمن أمثلة ذلك: أن الدرهم بالدرهم إلى أجل يمتنع في المبايعة ويجوز في القرض.

стр. 17

ومن ذلك: نهيه عن الخذف (١)، وتعليل ذلك بأنه: «يفقأ العين ويكسر السن» (٢). وقوله ﷺ : «لا ضرر ولا ضرار» (٣). وفي القرآن: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ [المائدة: ٩١] إلى غير ذلك مما لا يحصى. وجميعه يشير بل يصرِّح باعتبار المصالح للعباد، وأن الإذن دائر معها أينما دارت؛ فدل ذل على أن العادات مما اعتمد الشارع فيها الالتفات إلى المعاني.

стр. 18

٤ - أثر الخلاف وثمرته انبني على هذه المسألة ثلاث قواعد: القاعدة الأولى: محل القياس في الأحكام الشرعية؛ حيث يسوغ إجراء القياس في الأحكام المعللة على وجه الخصوص دون الأحكام التعبدية، وهذا أمر واضح. وأما ما كان من الأحكام مترددًا بين كونه تعبديًا أو معللا فهذا محل نظر وهو يفتقر إلى اجتهاد وترجيح. قال الطوفي: "الأحكام إما غير معلل كالتعبدات، أو معلل كالحجر على الصبي لضعف عقله حفظًا لماله، أو ما يتردد في كونه معللاً أو لا، كقولنا: استعمال التراب في غسل ولوغ الكلب هل هو تعبد أم معلل؟ وخرج على ذلك الخلاف في قيام الأشنان والصابون الغسلة الثامنة مقامه: إن قلنا: هو تعبد، لم يقم غيره مقامه، وإن قلنا: معلل بإعانة الماء على إزالة أثر الولوغ؛ قام ذلك مقامه لوجود معنى الإزالة. وكذلك إن قلنا: هو تعبد؛ كفى بالتراب مُسمَّاه، وإن لم

стр. 19

يعم أجزاء محل الولوغ، وإن قلنا: هو معلل؛ اشترط تعميمه به؛ عملا بمقتضى التعليل. وكذلك غسل اليد عند الوضوء، وعند القيام من النوم إن قيل: هو عبادة، وجبت له النية، وإن قيل: نظافة لم يجب، ونظائر هذا كثير. وبالجملة لا نقيس إلا حيث فهمنا المعنى ووجدت شروط القياس: فأما كون هذه المسألة الخاصة معللة أو غير معللة؛ فتلك مسألة أخرى خارجة عما نحن فيه يثبت فيها من الحكم بالتعبد أو التعلل ما قام عليه الدليل (١). القاعدة الثانية: أن الأصل في العبادات المنع والحظر، وذلك بناء على أن الأحكام الشرعية في باب العبادات مبناها على التعبد والوقوف على ما حدَّه الشارع. القاعدة الثالثة: أن الأصل في العادات الحل والإباحة وهذا مبني على أن الأصل في الأحكام الشرعية في باب العادات التعليل والالتفات إلى المعاني. وقد أشار الشاطبي إلى ابتناء هاتين القاعدتين على هذين الأصلين؛ حيث قرر أن الأصل في العبادات التعبد وفي العادات التعليل ثم قال: "وإذا ثبت هذا فمسلك النفي متمكن في العبادات ومسلك التوقف متمكن في العادات" (٢).

стр. 20

الفصل الأول معنى القاعدة وفي هذا الفصل مطلبان: المطلب الأول: المعنى الإفرادي للقاعدة. المطلب الثاني: المعنى الإجمالي للقاعدة.

стр. 21

المطلب الأول المعنى الإفرادي للقاعدة وفي هذا المطلب ثلاث مسائل: المسألة الأولى: معنى الأصل: الأصل في اللغة: يطلق على عدة معان متقاربة، فيطلق على (١): ١ - ما يبنى عليه غيره. ٢ - ما مِنه الشيء، وأصل الشيء؛ أي: مادّته؛ كالوالد للولد والشجرة للغصن. ٣ - ما يستند وجود الشيء إليه. ٤ - المحتاج إليه. وفي الاصطلاح: يطلق الأصل على معان عدة فمنها (٢): ١ - الصورة المقيس عليها، على الخلاف المعروف في

стр. 22

القياس في تفسير الأصل، وذلك ما يقابل الفرع. ٢ - الرجحان؛ كقولهم: الأصل في الكلام الحقيقة، أي: الراجح عند السامع هو الحقيقة لا المجاز. ٣ - الدليل؛ كقولهم: أصل هذه المسألة من الكتاب والسنة، أي: دليلها، ومنه أصول الفقه، أي: أدلته. ٤ - القاعدة المستمرة؛ كقولهم: إباحة الميتة للمضطر على خلاف الأصل، ومنه قولهم: الأصل في الأبضاع التحريم، أي القاعدة المستمرة والحكم المطرد في الأبضاع التحريم، ومثله قولهم: الأصل في العادات الحِل. وهذا الإطلاق هو المراد في هذا المقام؛ فقولهم: "الأصل في العبادات المنع" معناه: أن القاعدة المستمرة في العبادات هي المنع. المسألة الثانية: معنى العبادة: وفي هذه المسألة ثلاث نقاط. أولاً: معنى العبادة في اللغة (١): العبادة في اللغة: الانقياد والخضوع والذل والطاعة. يقال: عَبَدَ الله عبادة وعبودية انقاد له وخضع وذلَّ. وتعبَّد: انفرد بالعبادة، والعابد: الموحِّد، وجميع ما

стр. 23

ذكر في القرآن من العبادة فالمراد به التوحيد. والعبودية أقوى من العبادة؛ لأنها الرضا بما يفعل الرب، والعبادة: فعل ما يرضي الرب، والعبادة تسقط في العقبى، والعبودية لا تسقط. ثانيًا: معنى العبادة في الاصطلاح: لأهل العلم في تعريف العبادة كلمات جامعة فمن ذلك: ١ - تعظيم الله وامتثال أوامره (١). ٢ - اسم لما يكون المرء بمباشرته مطيعًا لربه (٢). ٣ - ما أمر به الشارع من غير اطراد عُرفي، ولا اقتضاء عقلي (٣). ٤ - فعل المكلف على خلاف هوى نفسه تعظيمًا لربه (٤). ٥ - الأفعال الواقعة على نهاية ما يمكن من التذلل والخضوع المتجاوز لتذلل بعض العباد لبعض (٥). ٦ - اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه، من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة (٦).

стр. 24

وهذا التعريف لشيخ الإسلام ابن تيمية، وهو أحسن التعريفات وأوعاها. ونستخلص من هذه الكلمات أن العبادة لا بد أن يجتمع فيها أمران (١): أولهما: الطاعة والخضوع، وهذا يتحقق بالالتزام بما شرعه الله وأمر به. والثاني: أن يصدر هذا الامتثال مع المحبة للمعبود جل شأنه. قال ابن القيم: "العبادة تجمع أصلين: غاية الحب بغاية الذل والخضوع. والعرب تقول: طريق مُعبَّد، أي مذلل، والتعبد: التذلل والخضوع؛ فمن أحببته ولم تكن خاضعًا له لم تكن عابدًا له، ومن خضعت له بلا محبة لم تكن عابدًا له حتى تكون محبًا خاضعًا" (٢). ثالثًا: أقسام العبادة: تنقسم العبادة إلى قسمين (٣): القسم الأول: العبادات المحضة، وهي الطاعات من الواجبات والمندوبات، وهذا النوع من العبادات لا يمكن

стр. 25

للعقول أن تهتدي إلى تفاصيلها، وإنما سبيل الوقوف عليها هو الشرع؛ كالصلاة والصيام، والحدود وأنصبة المواريث. ثم إن العبادات المحضة منها ما يمكن للعقل إدراك علته، ومنها ما لا تدرك علته، وهو ما يسمى بالأمور التعبدية، "ومثالها: تحديد أعداد الركعات في الصلوات الخمس، وتحديد مقادير الأنصبة في الأموال التي تجب فيها الزكاة، ومقادير ما يجب فيها، ومقادير الحدود والكفارات، وفروض أصحاب الفروض في الإرث" (١). القسم الثاني: العبادات غير المحضة: وضابطها: أنها فعل ذو وجهين؛ إذ يتصور فعلها دون قصد التعبد لله، بل على جهة الاعتياد ونحوه، كما يتصور فعلها على جهة التعبد، فهي إذن كل فعل يتقرب به إلى الله تعالى من غير الطاعات المأمور بها شرعًا. وإنما يتصور ذلك شرعًا إذا اقترن مع الإتيان بهذه العادة نية صحيحة، أو كانت وسيلة إلى العمل الصالح وعونًا عليه. مثال ذلك: ما ورد في قوله -تعالى-: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ [التوبة: ١٢٠].

стр. 26

وقوله ﷺ : «ولست تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت بها حتى اللقمة تجعلها في فِيِّ امرأتك» (١). فمن هذا الوجه دون غيره، يصح شرعًا التقرب إلى الله بفعل العادات. ويجمع ذلك قاعدتان: أولاهما: قاعدة: (الأمور بمقاصدها) (٢). وثانيهما: قاعدة: (للوسائل أحكام المقاصد) (٣). وبهذا النظر يسوغ التقرب إلى الله بجميع الأفعال والتروك. فصارت الأقسام ثلاثة: ١ - عبادات محضة، وهي معقولة المعنى. ٢ - عبادات محضة، وهي غير معقولة المعنى. ٣ - عبادات غير محضة. تنبيهان مهمان: التنبيه الأول: المراد بالعبادات في هذه القاعدة: التقرب إلى الله بفعل جميع العبادات، وذلك أن (ال) في لفظ

стр. 27

العبادات للجنس؛ فيكون اللفظ للاستغراق؛ فيشمل العبادات المشروعة وغير المشروعة؛ فما ثبت في الشرع كونه عبادة فهذا النوع مستثنى من حكم المنع، باق بعد الاستثناء؛ إذ هو مأذون فيه، كما دل على ذلك قولهم: "الأصل في العبادات البطلان إلا ما شرعه الله". وأما ما لم يثبت في الشرع كونه عبادة فهذا النوع يمنع المكلف من فعله، بل هو باطل مردود؛ كما قال ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (١). وهذه القاعدة مع اختصارها وقلة ألفاظها دلت على النوعين معًا: الأول: أن من تعبد الله بما شرعه -سبحانه- فعبادته مشروعة مأذون فيها. والثاني: أن من تعبد الله بما لم يشرعه -سبحانه- فعبادته باطلة مردودة. التنبيه الثاني: الفرق بين العبادة والطاعة (٢): الطاعة هي الانقياد، وهي الموافقة للأمر، وهي أعم من العبادة؛ لأن العبادة غلب استعمالها في تعظيم الله غاية التعظيم، بخلاف الطاعة فإنها تستعمل لموافقة أمر الله وأمر غيره، وتجوز

стр. 28

الطاعة لغير الله في غير المعصية، ولا تجوز العبادة لغير الله تعالى. والعبادة أخص من الطاعة؛ لأنه يعتبر فيها النية. المسألة الثالثة: معنى المنع: قال في "المصباح المنير": "منعته الأمر ومن الأمر منعًا فهو ممنوع منه محروم" (١). وهذا ما دلت عليه -كما سيأتي- ألفاظ القاعدة؛ إذ ورد: (الأصل في العبادات الحظر)، وورد أيضًا: (الأصل في العبادات البطلان). وهذه الألفاظ كلها تدل على معنى واحد؛ إذ العبادة التي لم يأت بها الشرع محرمة ممنوعة، ثم إن وقعت فإنها تقع باطلة مردودة، فحكمها يدور بين المنع والحظر والبطلان والرد، وهذا ما دل عليه قول النبي ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد».

стр. 29

المطلب الثاني المعنى الإجمالي للقاعدة يمكن بيان معنى قاعدة: (الأصل في العبادات المنع) إجمالا بأن يقال: الحكم المستصحب والأصل المطرد في التقرب إلى الله هو: المنع والحظر، والرد والبطلان، إلا ما جاء به الشرع وأذن فيه من العبادات فإنه لا يأخذ حكم المنع، كما قال -سبحانه-: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١]، وقال ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» أي: مردود باطل. وتوضيح ذلك: أن التقرب إلى الله لا يكون إلا بما شرع، وهذا مقتضى توحيد الله والإيمان به، وهو توحيد الاتباع، وهو أحد شرطي العمل الصالح؛ إذ لا بد لقبول العمل من شرطين: الإخلاص والمتابعة. فهذه القاعدة تختص بالشرط الثاني، وهو شرط المتابعة. فمن ادعى عبادة من العبادات طولب بإقامة الدليل على ثبوت هذه العبادة، وهذا الدليل لا بد أن يكون نصًا من الكتاب أو السنة.

стр. 30

قال ابن تيمية: "والعبادة والطاعة والاستقامة ولزوم الصراط المستقيم ونحو ذلك من الأسماء مقصودها واحد ولها أصلان: أحدهما: ألا يعبد إلا الله، والثاني: أن يعبد بما أمر وشرع، لا بغير ذلك من البدع. قال -تعالى-: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]، وقال -تعالى-: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ١١٢]، وقال -تعالى-: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥]. فالعمل الصالح هو الإحسان وهو فعل الحسنات، والحسنات هي: ما أحبه الله ورسوله وهو ما أمر به أمر إيجاب أو استحباب. فما كان من البدع في الدين التي ليست مشروعة فإن الله لا يحبها ولا رسوله، فلا تكون من الحسنات ولا من العمل الصالح، كما أن من يعمل ما لا يجوز كالفواحش والظلم ليس من الحسنات ولا من العمل الصالح. وأما قوله: ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾، وقوله: ﴿أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ فهو إخلاص الدين لله وحده، وكان عمر بن الخطاب ﵁ يقول: اللهم اجعل عملي كله صالحًا، واجعله

стр. 31

لوجهك خالصًا، ولا تجعل لأحد فيه شيئًا" (١). وقال الفضيل بن عياض في قوله: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك:٢] قال: "أخلصه وأصوبه"، قالوا: يا أبا علي ما أخلصه وأصوبه؟ قال: "إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يقبل حتى يكون خالصًا صوابًا، والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة" (٢). تنبيهات: التنبيه الأول: قولهم: "الأصل في العبادات المنع" فيه اختصار، وهو يحتاج إلى إكمال؛ فيقال: "الأصل في العبادات المنع إلا ما شرعه الله"، وهذا ما دلت عليه ألفاظ أخرى للقاعدة كما سيأتي. التنبيه الثاني: قوله "الأصل في العادات الحل" فيه اختصار أيضًا، فيحتاج إلى إكمال؛ فيقال: "الأصل في العادات الحل إلا ما حرمه الله". التنبيه الثالث: من مجموع القاعدتين بعد إكمالهما يتضح المعنى بصورة جلية، فيقال: "الأصل في العبادات المنع إلا ما شرعه الله، كما أن الأصل في العادات الحل، إلا ما حرمه الله".

стр. 32

ومعنى هذا: أن الأفعال التي يتقرب بها إلى الله محصورة، وهي مقصورة على مصدر واحد، فهي إنما تؤخذ من الشرع وحده، فلا يجوز لأحد أن يتعبد الله بما لم يشرعه سبحانه. وما عدا ذلك من الأفعال العادية فهي باقية على أصلها وهو الحل والإباحة؛ فلا يجوز لأحد أن يحرم شيئًا منها. التنبيه الرابع: أن العمل بهاتين القاعدتين مستند إلى العمل بدليل الاستصحاب، وهو المعبر عنه أحيانًا بقاعدة: (اليقين لا يزول بالشك) (١). وهذا يقتضي في باب العبادات الحكم بانتفاء جميع العبادات ومنعها؛ استبقاء للأصل، وهو عدم مشروعيتها، ويقتضي أيضًا في باب العادات الحكم بحل جميع العادات والإذن فيها؛ استبقاء للأصل، وهو جواز الإقدام عليها. هذا هو حكم الاستصحاب وهو البقاء على الأصل، ولما كان هذا الأصل متيقنًا كان التمسك بالأصل تمسكًا باليقين وعملا به. ثم إن شرط الأخذ بالاستصحاب الذي هو التمسك بالأصل واستبقاؤه ألا يرد ناقل عن هذا الأصل ومزيل لحكمه.

стр. 33

التنبيه الخامس: في العمل بهذه القاعدة يظهر جليًا سعة هذه الشريعة وإحاطتها بأفعال المكلفين وتروكهم؛ إذ الشرع: ما شرعه الله، والحرام: ما حرمه الله. وقد قال ﷺ : «إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها وحرم حرمات فلا تنتهكوها، وحد حدودًا فلا تعتدوها، وسكت عن أشياء -رحمة لكم من غير نسيان- فلا تبحثوا عنها» (١).

стр. 34

الفصل الثاني توثيق القاعدة وفي هذا الفصل أربعة مطالب: المطلب الأول: صيغ القاعدة. المطلب الثاني: القواعد الأصولية والفقهية ذات الصلة بالقاعدة. المطلب الثالث: أدلة القاعدة. المطلب الرابع: سياق كلام أهل العلم حول القاعدة.

стр. 35

المطلب الأول صيغ القاعدة قد يعبر عن هذه القاعدة بقولهم: (الأصل في العبادات المنع والحظر إلا ما جاء به الشارع) (١) أو (الأصل في العبادات البطلان إلا ما شرعه الله ورسوله ﷺ ) (٢). وهذ الألفاظ يفسر بعضها بعضًا؛ فإن من ادعى عبادة طولب بإقامة الدليل على ثبوت هذه العبادة كما قال -سبحانه-: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١]. ومن هنا يقول الجنيد -رحمه الله تعالى-: "الطرق كلها مسدودة على الخلق إلا من اقتفى أثر الرسول واتبع سنته ولزم طريقته، فإن طرق الخيرات كلها مفتوحة عليه" (٣). وربما يعبر عن القاعدة بقولهم: (الأصل في العبادات التوقيف) (٤) بمعنى أن إثبات العبادة يحتاج ولا بد إلى نص.

стр. 36

والتوقيف قد يراد به- وهو الغالب- النص الخاص المعين، وقد يراد به مطلق الدليل الشرعي؛ خاصًا كان أو عامًا. فما استند من العبادات إلى توقيف فهو عبادة مشروعة، وما سوى ذلك من العبادات فهو عبادة باطلة مردودة، كما دل على ذلك قوله ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد». وهذا معنى قولهم: (العبادات توقيفية) (١)، يعني أن العبادات في الشرع لا تؤخذ ولا تثبت بطريق الرأي والاجتهاد، وإنما تؤخذ من جهة الوحي المجرد.

стр. 37

المطلب الثاني القواعد الأصولية والفقهية ذات الصلة بالقاعدة أولاً: دليل الاستصحاب: القول بأن الأصل في العبادات المنع مبني على دليل الاستصحاب. ويسمى استصحاب البراءة الأصلية، أو استصحاب دليل العقل، أو استصحاب العدم الأصلي. ومعناه عند الأصوليين: "أن ما ثبت في الزمن الماضي فالأصل بقاؤه في الزمن المستقبل، وهو معنى قولهم: الأصل بقاء ما كان على ما كان حتى يوجد المزيل، فمن ادعاه فعليه البيان" (١). وذلك أن الأصل في الأحكام الشرعية بقاؤه على النفي الأصلي المستفاد من استصحاب دليل العقل، وهذا هو معنى أن الأصل فيها هو المنع والحظر، حتى يأتي دليل مغير لهذا الأصل وناقل عنه.

стр. 38

وهذا الناقل بالنسبة لاستصحاب المنع في باب العبادات إنما هو الدليل المثبت للمشروعية. مثال ذلك: أن الأصل في الاجتماع للصلاة عند الكسوف هو المنع والحظر، إلا أن فِعله ﷺ ذلك نقل حكم صلاة الكسوف من المنع والحظر إلى الإذن والمشروعية. ثانيًا: قاعدة: اليقين لا يزول بالشك (١): هذه القاعدة إحدى القواعد الفقهية الكبرى، ومعناه: أن الأمر المتيقن يتعين الحكم باستدامته وبقائه، ولا يجوز تركه بأمر مشكوك فيه، وإنما يترك اليقين بدليل قاطع أو ظن غالب معتبر. وقد أفادت قاعدة: (الأصل في العبادات المنع) أن الأصل المتيقن هو انتفاء العبادة وعدم ورودها في الشرع ما لم يأت الدليل المزيل لهذا اليقين، وهذا الدليل إنما هو نصوص الكتاب والسنة. ثالثًا: قاعدة الأصل بقاء ما كان على ما كان (٢): هذه القاعدة متفرعة عن القاعدة الكبرى: (اليقين لا يزول بالشك)، وذلك أن الأصل المتيقن في الأحكام الشرعية بقاؤها على النفي الأصلي المستفاد من استصحاب دليل

стр. 39

العقل، حتى يأتي دليل مغير لهذا الأصل وناقل عنه. رابعًا: قاعدة الأصل في العادات الحل (١): يقابل قاعدة: (الأصل في العبادات المنع): قاعدة أخرى في باب العادات والمعاملات، ألا وهي قاعدة: (الأصل في العادات الحل). قال ابن تيمية: "الأصل في العبادات التوقيف، فلا يشرع منها إلا ما شرعه الله تعالى وإلا دخلنا في معنى قوله: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١]. والعادات الأصل فيها العفو، فلا يحظر منها إلا ما حرمه، وإلا دخلنا في معنى قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا﴾ [يونس: ٥٩]. وقال أيضًا: فالأصل في العبادات ألا يشرع منها إلا ما شرعه الله، والأصل في العادات لا يحظر منها إلا ما حظره الله" (٢). وقال ابن القيم: "كما أن الأصل في العبادات البطلان إلا ما شرعه الله ورسوله، وعكس هذا: العقود والمطاعم؛ الأصل فيها الصحة والحل إلا ما أبطله الله ورسوله

стр. 40

وحرمه" (١). وقال أيضًا: "فالأصل في العبادات البطلان حتى يقوم دليل على الأمر، والأصل في العقود والمعاملات الصحة حتى يقوم دليل على البطلان والتحريم" (٢). ومن الأدلة على أن الأصل في العادات الحل ما يأتي: ١ - قوله -تعالى-: ﴿الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]. ٢ - قوله -سبحانه-: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا﴾ [يونس: ٥٩] (٣). ٣ - قال الله -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآَنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ * قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ﴾ [المائدة: ١٠١، ١٠٢]. قال ابن القيم: "ولم ينقطع حكم هذه الآية، بل لا ينبغي للعبد أن يتعرض للسؤال عما إن بدا له ساءه بل يستعفي ما أمكنه ويأخذ بعفو الله" (٤). ٤ - قوله ﷺ : «إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها
следующие страницы →