← Каваид фикха

Каваид фикха · id 17079

دراسة وتحقيق قاعدة «الأصل في العبادات المنع»

محمد حسين الجيزاني

Полный текст (94 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

والتوقيف قد يراد به- وهو الغالب- النص الخاص المعين، وقد يراد به مطلق الدليل الشرعي؛ خاصًا كان أو عامًا. فما استند من العبادات إلى توقيف فهو عبادة مشروعة، وما سوى ذلك من العبادات فهو عبادة باطلة مردودة، كما دل على ذلك قوله ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد». وهذا معنى قولهم: (العبادات توقيفية) (١)، يعني أن العبادات في الشرع لا تؤخذ ولا تثبت بطريق الرأي والاجتهاد، وإنما تؤخذ من جهة الوحي المجرد.

стр. 37

المطلب الثاني القواعد الأصولية والفقهية ذات الصلة بالقاعدة أولاً: دليل الاستصحاب: القول بأن الأصل في العبادات المنع مبني على دليل الاستصحاب. ويسمى استصحاب البراءة الأصلية، أو استصحاب دليل العقل، أو استصحاب العدم الأصلي. ومعناه عند الأصوليين: "أن ما ثبت في الزمن الماضي فالأصل بقاؤه في الزمن المستقبل، وهو معنى قولهم: الأصل بقاء ما كان على ما كان حتى يوجد المزيل، فمن ادعاه فعليه البيان" (١). وذلك أن الأصل في الأحكام الشرعية بقاؤه على النفي الأصلي المستفاد من استصحاب دليل العقل، وهذا هو معنى أن الأصل فيها هو المنع والحظر، حتى يأتي دليل مغير لهذا الأصل وناقل عنه.

стр. 38

وهذا الناقل بالنسبة لاستصحاب المنع في باب العبادات إنما هو الدليل المثبت للمشروعية. مثال ذلك: أن الأصل في الاجتماع للصلاة عند الكسوف هو المنع والحظر، إلا أن فِعله ﷺ ذلك نقل حكم صلاة الكسوف من المنع والحظر إلى الإذن والمشروعية. ثانيًا: قاعدة: اليقين لا يزول بالشك (١): هذه القاعدة إحدى القواعد الفقهية الكبرى، ومعناه: أن الأمر المتيقن يتعين الحكم باستدامته وبقائه، ولا يجوز تركه بأمر مشكوك فيه، وإنما يترك اليقين بدليل قاطع أو ظن غالب معتبر. وقد أفادت قاعدة: (الأصل في العبادات المنع) أن الأصل المتيقن هو انتفاء العبادة وعدم ورودها في الشرع ما لم يأت الدليل المزيل لهذا اليقين، وهذا الدليل إنما هو نصوص الكتاب والسنة. ثالثًا: قاعدة الأصل بقاء ما كان على ما كان (٢): هذه القاعدة متفرعة عن القاعدة الكبرى: (اليقين لا يزول بالشك)، وذلك أن الأصل المتيقن في الأحكام الشرعية بقاؤها على النفي الأصلي المستفاد من استصحاب دليل

стр. 39

العقل، حتى يأتي دليل مغير لهذا الأصل وناقل عنه. رابعًا: قاعدة الأصل في العادات الحل (١): يقابل قاعدة: (الأصل في العبادات المنع): قاعدة أخرى في باب العادات والمعاملات، ألا وهي قاعدة: (الأصل في العادات الحل). قال ابن تيمية: "الأصل في العبادات التوقيف، فلا يشرع منها إلا ما شرعه الله تعالى وإلا دخلنا في معنى قوله: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١]. والعادات الأصل فيها العفو، فلا يحظر منها إلا ما حرمه، وإلا دخلنا في معنى قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا﴾ [يونس: ٥٩]. وقال أيضًا: فالأصل في العبادات ألا يشرع منها إلا ما شرعه الله، والأصل في العادات لا يحظر منها إلا ما حظره الله" (٢). وقال ابن القيم: "كما أن الأصل في العبادات البطلان إلا ما شرعه الله ورسوله، وعكس هذا: العقود والمطاعم؛ الأصل فيها الصحة والحل إلا ما أبطله الله ورسوله

стр. 40

وحرمه" (١). وقال أيضًا: "فالأصل في العبادات البطلان حتى يقوم دليل على الأمر، والأصل في العقود والمعاملات الصحة حتى يقوم دليل على البطلان والتحريم" (٢). ومن الأدلة على أن الأصل في العادات الحل ما يأتي: ١ - قوله -تعالى-: ﴿الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]. ٢ - قوله -سبحانه-: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا﴾ [يونس: ٥٩] (٣). ٣ - قال الله -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآَنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ * قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ﴾ [المائدة: ١٠١، ١٠٢]. قال ابن القيم: "ولم ينقطع حكم هذه الآية، بل لا ينبغي للعبد أن يتعرض للسؤال عما إن بدا له ساءه بل يستعفي ما أمكنه ويأخذ بعفو الله" (٤). ٤ - قوله ﷺ : «إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها

стр. 41

وحرم حرمات فلا تنتهكوها، وحد حدودًا فلا تعتدوها، وسكت عن أشياء -رحمة لكم من غير نسيان- فلا تبحثوا عنها» (١). ٥ - قوله ﷺ : «إن أعظم المسلمين جرمًا من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته» (٢). ٦ - قول ابن عباس ﵄: "كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء ويتركون أشياء تقذرًا فبعث الله نبيه ﷺ وأنزل كتابه، وأحل حلاله، وحرم حرامه، فما أحل فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، ثم تلا قوله -تعالى-: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] " (٣).

стр. 42

المطلب الثالث أدلة القاعدة لقد تكاثرت الأدلة الدالة على أن الأصل في العبادات المنع، وتنوعت جهات الاستدلال عليها، بل إنها بلغت مبلغ التواتر المعنوي. حيث تضافرت على تقرير هذه القاعدة: نصوص الكتاب والسنة وإجماع الأمة وأقوال الصحابة ﵃ والتابعين وأئمة الهدى والدين. كما دلت عليها طائفة من القواعد الشرعية ومقاصد التشريع. وبهذا النظر فإن ثبوت هذه القاعدة بات ضرورة شرعية لا محيد عنها، وأمرًا معلومًا من الدين بالضرورة. وإليك فيما يأتي شذرات يسيرة من هذه الأدلة: أولاً: الأدلة الدالة على أن الحكم والتشريع لله وحده؛ إذ لا يجوز إثبات حكم شرعي بغير الأدلة الشرعية التي جعلها الله طريقًا لمعرفة أحكامه وهذا أصل عظيم من أصول هذا الدين (١).

стр. 43

قال ابن تيمية: " ... فلهذا كان دين المؤمنين بالله ورسوله أن الأحكام الخمسة: الإيجاب، والاستحباب والتحليل، والكراهية، والتحريم، لا يؤخذ إلا عن رسول الله ﷺ فلا واجب إلا ما أوجبه الله ورسوله، ولا حرام إلا ما حرمه الله ورسوله" (١). وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: "وبذلك تعلم أن الحلال هو ما أحله الله، والحرام هو ما حرمه الله، والدين هو ما شرعه الله، فكل تشريع من غيره باطل، والعمل به بدل تشريع الله عند من يعتقد أنه مثله أو خير منه، كفر بواح لا نزاع فيه. وقد دل القرآن في آيات كثيرة على أنه لا حكم لغير الله، وأن اتباع تشريع غيره كفر به، فمن الآيات الدالة على أن الحكم لله وحده: قوله -تعالى-: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [يوسف: ٤٠]، وقوله -تعالى-: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ [يوسف: ٦٧]، وقوله -تعالى-: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ [الأنعام: ٥٧]، وقوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، وقوله -تعالى-: ﴿وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٢٦]، وقوله -تعالى-: ﴿كُلُّ شَيْءٍ

стр. 44

هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٨٨]، وقوله -تعالى-: ﴿لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآَخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٧٠]، والآيات بمثل ذلك كثيرة" (١). ثانيًا: الأدلة الدالة على وجوب اتباع الوحي، والعمل بالنصوص، والاعتصام بالكتاب والسنة، بل إن هذا مقتضى توحيد الله والإيمان به: قال ابن تيمية: "وجماع الدين أصلان: ألا نعبد إلا الله، ولا نعبده إلا بما شرع، لا نعبده بالبدع. كما قال -تعالى-: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]، وذلك تحقيق الشهادتين: شهادة أن لا إله إلا الله، وشهادة أن محمدًا رسول الله؛ ففي الأولى: أن لا نعبد إلا إياه، وفي الثانية: أن محمدًا هو رسوله المبلغ عنه فعلينا أن نصدق خبره ونطيع أمره" (٢). وقال ابن القيم: "إذا عرف هذا فلا يكون العبد متحققًا بـ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٤] إلا بأصلين عظيمين: أحدهما: متابعة الرسول. والثاني: الإخلاص للمعبود: فهذا تحقيق إياك نعبد" (٣).

стр. 45

وقال شارح الطحاوية: " ... فهما توحيدان، لا نجاة للعبد من عذاب الله إلا بهما، توحيد المرسِل، وتوحيد متابعة الرسول فلا نحاكم إلى غيره، ولا نرضى بحكم غيره" (١). والأدلة على ذلك لا تكاد تحصر فمن ذلك: ١ - قوله -تعالى-: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ [الأعراف: ٣]. ٢ - قوله: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ٣٢]. ٣ - قوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾ [النساء: ٥٩]. ٤ - قصة الرهط الثلاثة، فعن أنس بن مالك ﵁ قال-: "جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادة النبي ﷺ فلما أُخبروا كأنهم تقالُّوها فقالوا: وأين نحن من النبي ﷺ قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. قال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبدًا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا. فجاء رسول الله ﷺ فقال: «أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر

стр. 46

وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني» " (١). ٥ - أن أبا بكر الصديق ﵁ دخل على امرأة من أحمس يقال لها زينب، فرآها لا تتكلم فقال: "ما لها لا تكلم؟ " قالوا: حجَّت مصمته. قال لها: "تكلمي، فإن هذا لا يحل، هذا من عمل الجاهلية" فتكلمت فقالت: من أنت؟ قال: "امرؤ من المهاجرين" قالت: أي المهاجرين؟ قال: "من قريش" قالت: من أي قريش أنت؟ قال: "إنك لسؤول، أنا أبو بكر" (٢). وقد علق ابن تيمية على هذا الأثر فقال: "ومعنى قوله: "من عمل الجاهلية" أي مما انفرد به أهل الجاهلية، ولم يشرع في الإسلام. فيدخل في هذا: كل ما اتُخذ عبادة مما كان أهل الجاهلية يتعبدون به، ولم يشرع الله التعبد به في الإسلام" (٣). ثالثًا: الأدلة الدالة على تحريم القول على الله بغير علم: فمن ذلك:

стр. 47

١ - قوله -تعالى-: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ [النحل: ١١٦]. ٢ - وقال -سبحانه-: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آَللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٥٩]. ٣ - وقال -تعالى-: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١]. ٤ - وقال -سبحانه-: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣] ٥ - قال الشافعي: "لا أعلم أحدًا من أهل العلم رخَّص لأحد من أهل العقول والآداب في أن يفتي ولا يحكم برأي نفسه إذا لم يكن عالمًا بالذي تدور عليه أمور القياس من الكتاب والسنة والإجماع والعقل، لتفصيل المشتبه" (١). ٦ - وقال ابن قدامة: "نعلم بإجماع الأمة قبلهم على أن العالم ليس له الحكم بمجرد هواه وشهوته من غير نظر في الأدلة" (٢). ٧ - وقد خصص ابن القيم فصلا لهذه المسألة في كتابه القيم "إعلام الموقعين" فقال: "ذكر تحريم الإفتاء في دين الله

стр. 48

بغير علم وذكر الإجماع على ذلك" (١). رابعًا: الأدلة الدالة على ذم الابتداع في الدين، فمن ذلك (٢): ١ - قول الله -تعالى-: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣]. فالصراط المستقيم هو سبيل الله الذي دعا إليه، وهو السنة، والسبل هي سبل أهل الاختلاف الحائدين على الصراط المستقيم وهم أهل البدع. وعن مجاهد في قوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ قال: "البدع والشبهات". ٢ - قوله -تعالى-: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٩]. قال ابن عطية: "هذه الآية تعم أهل الأهواء والبدع والشذوذ في الفروع وغير ذلك من أهل التعمق في الجدال والخوض في الكلام". ٣ - حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «من أحدث

стр. 49

في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» وفي رواية لمسلم: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد». هذا الحديث عده العلماء ثلث الإسلام؛ لأنه جمع وجوه المخالفة لأمره ﷺ ويستوي في ذلك ما كان بدعة أو معصية. ٤ - حديث العرباض بن سارية ﵁ قال: "صلَّى بنا رسول الله ﷺ ذات يوم ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله؟ كأن هذه موعظة مودع، فماذا تعهد إلينا؟ فقال: «أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة لولي الأمر وإن كان عبدًا حبشيًا فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيرًا فعليكم بسنتي وسنة الخفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» " (١). ٥ - قال عبد الله بن مسعود ﵁: "اتبعوا آثارنا ولا تبتدعوا فقد كفيتم" (٢).

стр. 50

المطلب الرابع سياق كلام أهل العلم حول القاعدة قال ابن تيمية: "تصرفات العباد من الأقوال والأفعال نوعان: عبادات يصلح بها دينهم، وعادات يحتاجون إليها في دنياهم. فاستقراء أصول الشريعة أن العبادات التي أوجبها الله أو أباحها لا يثبت الأمر بها إلا بالشرع، وأما العادات فهي ما اعتاده الناس في دنياهم مما يحتاجون إليه. والأصل فيه عدم الحظر فلا يحظر منه إلا ما حظره الله ورسوله. وذلك لأن الأمر والنهي مما شرع الله تعالى، والعبادة لا بد أن تكون مأمورًا بها، فما لم يثبت أنه مأمور كيف يحكم عليه بأنه عبادة؟ وما لم يثبت من العادات أنه منهي عنه كيف يحكم عليه أنه محظور؟ ولهذا كان أصل أحمد وغيره من فقهاء الحديث: أن الأصل في العبادات التوقيف فلا يشرع منها إلا ما شرعه الله -تعالى- وإلا دخلنا في معنى قوله: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١].

стр. 51

والعبادات الأصل فيها العفو فلا يحظر منها إلا ما حرمه الله وإلا دخلنا في معنى قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا﴾ [يونس: ٥٩]. ولهذا ذم الله المشركين الذين شرعوا من الدين ما لم يأذن به الله وحرموا ما لم يحرمه في سورة الأنعام من قوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٦ - ١٣٨] فذكر ما ابتدعوه من العبادات والتحريمات" (١). وقال ابن القيم: "ومعلوم أنه لا حرام إلا ما حرمه الله ورسوله، ولا تأثيم إلا ما أثَّم الله ورسوله به فاعله، كما أنه لا واجب إلا ما أوجبه الله، ولا حرام إلا ما حرمه الله، ولا دينًا إلا ما شرعه الله. فالأصل في العبادات البطلان: حتى يقوم دليل على الأمر، والأصل في العقود والمعاملات الصحة حتى يقوم دليل على البطلان والتحريم. والفرق بينهما: أن الله -سبحانه- لا يعبد إلا بما شرعه على ألسنة رسله؛ فإن العبادة حقه على عباده وحقه الذي أحقه هو، ورضي به وشرعه.

стр. 52

وأما العقود والشروط والمعاملات فهي عفو حتى يحرمها، ولهذا نعى الله -سبحانه- على المشركين مخالفة هذين الأصلين، وهو تحريم ما لم يحرمه، والتقرب إليه بما لم يشرعه، وهو -سبحانه- لو سكت عن إباحة ذلك وتحريمه لكان ذلك عفوًا لا يجوز الحكم بتحريمه وإبطاله؛ فإن الحلال ما أحله الله، والحرام ما حرمه، وما سكت عنه فهو عفو" (١). وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي: "القاعدة السادسة: الأصل في العبادات الحظر؛ فلا يشرع منها إلا ما شرعه الله ورسوله. والأصل في العادات الإباحة؛ فلا يحرم منها إلا ما حرمه الله ورسوله. وهذه القاعدة تضمنت أصلين عظيمين، ذكرهما الإمام أحمد وغيره من الأئمة، ودل عليهما الكتاب والسنة في مواضع؛ مثل قوله -تعالى- في الأصل الأول: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١]. وبيان ذلك أن العبادة هي ما أمر به أمر إيجاب أو استحباب فكل واجب أوجبه الله ورسوله أو مستحب فهو عبادة يعبد الله به وحده ويدان الله به. فمن أوجب أو استحب عبادة لم يدل عليها الكتاب ولا

стр. 53

السنة فقد ابتدع دينًا لم يأذن الله به، وهو مردود على صاحبه؛ كما قال ﷺ : «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» متفق عليه. وتقدم أن من شروط العبادة: الإخلاص لله والمتابعة لرسول الله ﷺ . واعلم أن البدع من العبادات، إما أن يشرِّع عبادة لم يشرع الله ورسوله جنسها أصلا، أو شرعها الله ورسوله على صفة أو في زمان أو مكان مخصوص، ثم غيرها المغير إلى غير تلك الصفة. كمن أوجب صلاة أو صومًا أو غيرهما من العبادات بغير إيجاب من الله ورسوله. أو ابتدع مبتدع الوقوف بعرفة أو مزدلفة أو رمي الجمار في غير وقتها. أو استحب مبتدع عبادة في وقت من الأوقات أو مكان من الأمكنة بغير هدى من الله وحجة شرعية. والله تعالى هو الحاكم لعباده على لسان رسوله، فلا حكم إلا حكمه ولا دين إلا دينه" (١).

стр. 54

الفصل الثالث أثر القاعدة وتطبيقاتها وفي هذا الفصل أربعة مطالب: المطلب الأول: أسماء الله وصفاته توقيفية. المطلب الثاني: ألفاظ الأذكار توقيفية. المطلب الثالث: المنع من الغلو في الدين. المطلب الرابع: مسائل متفرقة.

стр. 55

المطلب الأول أسماء الله وصفاته توقيفية (١) قال شهاب الدين القرافي: "الأصل في أسماء الله -تعالى- المنع إلا ما ورد السمع به ... فإن مخاطبة أدنى الملوك تفتقر إلى معرفة ما أذنوا فيه من تسميتهم ومعاملتهم حتى يعلم إذنهم في ذلك، فالله -تعالى- أولى بذلك، ولأنها قاعدة الأدب والأدب مع الله تعالى متعين؛ لا سيما في مخاطباته" (٢). وقال ابن قيم الجوزية: "ما يطلق عليه -سبحانه- في باب الأسماء والصفات توقيفي، وما يطلق عليه من الأخبار لا يجب أن يكون توقيفيًا؛ كالقديم والشيء والموجود والقائم بنفسه. فهذا فصل الخطاب في مسألة أسمائه هل هي توقيفية أو يجوز أن يطلق عليه منها بعض ما لم يرِد به السمع" (٣). وقال الشيخ محمد العثيمين: "أسماء الله -تعالى- توقيفية لا مجال للعقل فيها. وعلى هذا فيجب الوقوف فيها على ما جاء به الكتاب

стр. 56

والسنة؛ فلا يزاد فيها ولا ينقص؛ لأن العقل لا يمكنه إدراك ما يستحقه -تعالى- من الأسماء، فوجب الوقوف في ذلك على النص؛ لقوله -تعالى-: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦] " (١).

стр. 57

المطلب الثاني ألفاظ الأذكار توقيفية قال الحافظ ابن حجر: "ألفاظ الأذكار توقيفية ولها خصائص وأسرار لا يدخلها القياس، فيجب المحافظة على اللفظ الذي وردت به. وهذا اختيار المازري قال: فيقتصر فيه على اللفظ الوارد بحروفه، وقد يتعلق الجزاء بتلك الحروف، ولعله أوحي إليه بهذه الكلمات فيتعين أداؤها بحروفها" (١). ومن الأدلة على ذلك ما يأتي: الدليل الأول: عن البراء بن عازب ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة ثم اضطجع على شقك الأيمن، ثم قل: اللهم أسلمت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت، فإن مت من ليلتك فأنت على الفطرة واجعلهن آخر ما تتكلم به».

стр. 58

قال: فرددتها على النبي ﷺ فلما بلغت: اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت قلت: ورسولك، قال: «لا، ونبيك الذي أرسلت» (١). الدليل الثاني: عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ عاد رجلا من المسلمين قد خفت فصار مثل الفرخ، فقال له رسول الله ﷺ : «هل كنت تدعو بشيء أو تسأله إياه؟» قال نعم، كنت أقول: اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجِّله لي في الدنيا، فقال رسول الله ﷺ : «سبحان الله لا تطيقه- أو لا تستطيعه- أفلا قلت: اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار» قال: فدعا الله له فشفاه (٢). الدليل الثالث: عن عوف بن مالك الأشجعي ﵁ قال: كنا نرقي في الجاهلية فقلنا: يا رسول الله، كيف ترى في ذلك؟ فقال: «اعرضوا عليَّ رقاكم لا بأس بالرُقى ما لم يكن فيه شرك» (٣).

стр. 59

المطلب الثالث المنع من الغلو في الدين نهى الشارع عن الغلو في العبادة بالزيادة فيها على القدر المشروع والتشدد والتنطع في الإتيان بها، بل هو بدعة ضلالة (١). قال ابن رجب: "إن أحب الأعمال إلى الله ما كان على وجه السداد والاقتصاد والتيسير دون ما كان على وجه التكلف والاجتهاد والتعسير، كما قال -تعالى-: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وقال -تعالى-: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ [المائدة: ٦]، وقال -تعالى-: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]. وكان النبي ﷺ يقول: «يسروا ولا تعسروا» (٢)، وقال ﷺ : «فإنما بُعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين» " (٣). ومن الأمثلة على ذلك:

стр. 60

١ - التقرب إلى الله بقيام الليل كله وترك النوم، وبصوم الدهر كله، وباعتزال النساء وترك الزواج، وقد ورد هذا في قصة الرهط الثلاثة. ٢ - رمي الجمار بالحجارة الكبار بناء على أنه أبلغ من الحصى الصغار (١). ٣ - الوسوسة في الوضوء والغسل وتنظيف الثياب بالزيادة والإسراف، وصب الماء على المحل غير المشروع، والتنطع في ذلك والتعمق والتشديد (٢).

стр. 61

المطلب الرابع مسائل متفرقة المسألة الأولى: هل يُصلَّى على كل ميت صلاة غائب أم لا ؟ قال الشيخ ابن عثيمين جوابًا على هذا السؤال: "في هذا خلاف بين أهل العلم: فمنهم من يقول يُصلّى على كل ميت غائب حتى أن بعضهم قال: ينبغي للإنسان في كل مساء أن يصلي صلاة الميت وينوي بها الصلاة على كل من مات من المسلمين في ذلك اليوم في مشارق الأرض ومغاربها. وآخرون قالوا: لا يُصلى على أحد إلا من علم أنه لم يُصلى عليه. وفريق ثالث قالوا: يُصلى على كل من كانت له يد على المسلمين من علم نافع أو غيره. والراجح أنه لا يُصلى على أحد إلا من لم يُصلى عليه. ففي عهد الخلفاء الراشدين مات كثير ممن كانت لهم أياد على المسلمين، ولم يصلَّ صلاة الغائب على أحد منهم، والأصل في العبادات التوقيف حتى يقوم الدليل على

стр. 62

مشروعيتها" (١). المسألة الثانية: حكم تقديم الزكاة قبل وقت وجوبها (٢): من قال من أهل العلم: إنه لا يجوز تقديم الزكاة على الحول فهذا مبني على أن الأصل في العبادات التوقيف، حيث رأى أنها إحدى دعائم الإسلام فوفَّاها حقها في النظام وحسن الترتيب، ولذا فقد قاسها على الصلاة، فقال: لا يجوز تقديم الزكاة على وقتها لحظة. ورأى سائر العلماء أن التقديم اليسير فيها جائز؛ لأنه معفو عنه في الشرع بخلاف الكثير. المسألة الثالثة: رجل صحيح الجسم ويريد أن يُحَجِّج عن نفسه فهل الحجة صحيحة ؟ وقد أجابت اللجنة الدائمة للإفتاء على هذا السؤال بما يأتي: "لا تجوز استنابة القادر على الحج في حج واجب عليه بإجماع العلماء. قال ابن قدامة في المغني ﵀: "لا يجوز أن يستنيب في الحج من يقدر على الحج بنفسه إجماعًا" (٣). كما لا

стр. 63

تجوز استنابته في حج نافلة على القول الصحيح؛ لأن الحج عبادة، والأصل في العبادات التوقيف، ولم يرد في الشرع فيما نعلم ما يدل على ذلك. وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، وفي لفظ «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» (١) " (٢). المسألة الرابعة: هل يجوز قراءة الفاتحة على الموتى ؟ قال الشيخ ابن عثيمين جوابًا على هذا السؤال: "قراءة الفاتحة على الموتى لا أعلم فيها نصًا من السنة، وعلى هذا فلا تقرأ، لأن الأصل في العبادات الحظر والمنع حتى يقوم دليل على ثبوتها وأنها من شرع الله . ودليل ذلك: أن الله أنكر على من شرعوا في دين الله ما لم يأذن به الله فقال -تعالى-: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١]. وثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» وإذا كان مردودًا كان باطلا وعبثًا يُنزّه الله أن يتقرب به إليه" (٣).

стр. 64

الفصل الرابع القواعد المندرجة تحت القاعدة القاعدة الأولى: لا تثبت العبادة إلا بتوقيف. القاعدة الثانية: الأصل في العبادات المقيَّدة: الإتيان بها مقيدة. القاعدة الثالثة: الأصل في العبادات المطلقة: التوسعة. القاعدة الرابعة: ما شرع من العبادات على وجه العموم لا يدل على مشروعيته على وجه الخصوص.

стр. 65

توطئة ثبوت العبادة في الشرع يتوقف على إقامة الدليل عليها من جهتين متلازمتين: الجهة الأولى: إقامة الدليل من النص الصحيح على ثبوت هذه العبادة من جهة أصلها وابتداء مشروعيتها: فلا يصح ثبوت شيء من العبادات بحديث مكذوب أو برأي بعض العلماء أو العُبَّاد أو ببعض الحكايات أو المنامات أو الكشوفات أو الوجد أو الذوق (١). ثم إن أصل العبادة متى ثبت بطريق صحيح فهذا وحده لا يكفي بل لا بد من شيء آخر، وهو: الجهة الثانية: إقامة الدليل على ثبوت هذه العبادة من جهة صفتها وكيفيتها: فلا يجوز تقييد ما أطلقه الشارع من العبادات دون دليل شرعي، كما أنه لا يجوز إطلاق ما قيده الشارع من العبادات.

стр. 66

فلا بد إذن من اتباع الشارع في إطلاقه وتقييده، وتحقيق مقصوده في الإطلاق والتقييد. فهذان ضابطان لا بد منهما لثبوت العبادة شرعًا: أولا: ثبوت العبادة من جهة أصلها، والحديث عن ذلك سيكون في القاعدة الأولى. ثانيًا: ثبوت العبادة من جهة صفتها وكيفيتها، والحديث عن ذلك سيكون في القاعدة الثانية والثالثة والرابعة.

стр. 67

القاعدة الأولى لا تثبت العبادة إلا بتوقيف الأصل المستقر: أن الكتاب والسنة هما جهة العلم عن الله وطريق الإخبار عنه سبحانه، وهما طريق التحليل والتحريم ومعرفة أحكام الله وشرعه (١). قال ابن رجب: "فمن تقرب إلى الله بعمل لم يجعله الله ورسوله قربة إلى الله فعمله باطل مردود عليه" (٢). فكل عبادة لا تستند إلى دليل من الكتاب أو السنة فهي بدعة ضلالة، وإن استدل صاحبها واستمسك بأدلة يظنها أدلة، وهي- عند الراسخين- كبيت العنكبوت. قال الشاطبي: "وبذلك كله يعلم من قصد الشارع، أنه لم يَكِل شيئًا من التعبدات إلى آراء العباد، فلم يبق إلا الوقوف عند ما حدَّه" (٣). ويتعلق بهذه القاعدة ست مسائل:

стр. 68

المسألة الأولى: الأحاديث المكذوبة على رسول الله ﷺ - ليست من سنته ﷺ ، فالعمل بها يكون بدعة؛ إذ هو تشريع ما لم يأذن به الله (١): وبذلك يعلم أن الأحكام الشرعية وفضائلها لا يصح أن تثبت إلا بدليل صحيح، ولا يجوز إثباتها بحديث لا يثبت. ومن الأمثلة على ذلك: الأحاديث الموضوعة في فضل سور القرآن الكريم سورة سورة (٢). المسألة الثانية: هل تثبت العبادة بالحديث الضعيف ؟ يتعين في هذا المقام التنبيه إلى أن الحديث الضعيف لفظ ربما يقع فيه إجمال؛ إذ قد يراد بالضعيف الحديث الباطل المردود، وقد يراد به الحديث الذي لم يبلغ درجة الحديث الصحيح. ثم إن القول بأن هذا الحديث أو ذاك حديث ضعيف حكم شرعي، وهو أمر قد يكون في أحيان كثيرة محل اجتهاد ونظر بين أهل العلم بالحديث، فبعضهم يُرجِّح ضعف حديث ما، وبعضهم يرجح صحته لذاته أو لغيره.

стр. 69

ومن الأمثلة على ذلك: الأحاديث الواردة في مشروعية مسح الوجه باليدين بعد الفراغ من الدعاء. قال ابن القيم: "ليس المراد بالضعيف عند أحمد الباطل ولا المنكر ولا ما في روايته متهم لا يسوغ الذهاب إليه والعمل به، بل الحديث الضعيف عنده قسيم الصحيح وقسم من أقسام الحسن ولم يكن يقسم الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف بل إلى صحيح وضعيف، وللضعيف عنده مراتب" (١). المسألة الثالثة: هل تثبت العبادات بطريق القياس (٢)؟ جرى الأصوليون على التفريق بين إثبات أصل العبادة وإثبات فروعها (٣). فبالنسبة لإثبات أصل العبادة بالقياس فقد ذهب جمهور الأصوليين إلى المنع من ذلك، استنادًا إلى أن الأصل في العبادات المنع، وأنها مبنية على التوقيف. وذلك مثل إيجاب صلاة سادسة. أما بالنسبة لإثبات فروع العبادات بالقياس فقد جوَّز ذلك جمهور الأصوليين.

стр. 70

وحجة الجواز: "أن الشريعة إذا وجد فيها أصل عبادة لنوع من المصالح، ووجد ذلك النوع من المصالح في فعل آخر، وجب أن يكون مأمورًا به عبادة قياسًا على ذلك النوع الثابت بالنص تكثيرًا للمصلحة. والأدلة الدالة على القياس لم تفرق بين مصلحة ومصلحة" (١). ومن الأمثلة على ذلك: جواز التيمم للنافلة قياسًا على التيمم للفرض، والجمع بين الصلاتين بعذر الثلج والبرد قياسًا على المطر، وإثبات الكفَّارة في اليمين الغموس وفي القتل العمد بالقياس على اليمين المنعقدة وقتل الخطأ (٢). قال القرافي: "والفرق أن أصل العبادة أمر مهم في الدين، فيكون بالتنصيص من جهة صاحب الشرع لاهتمامه به، والفرع بعد ذلك يُنبه عليه أصله، فيكفي فيه القياس" (٣). ومما يقرب من القياس في العبادات: مسألة القياس في الحدود والكفارات والمقدرات. قال الإسنوي: "الصحيح وهو مذهب الشافعي كما قاله الإمام أن القياس يجري في الشرعيات كلها، أي: يجوز التمسك به في إثبات كل حُكم حتى الحدود والكفارات

стр. 71

والرخص والتقديرات إذا وجدت شرائط القياس فيها" (١). المسألة الرابعة: الإلهام (٢): وهو ما يقع في القلب من آراء وترجيحات وقد صرح الأئمة أن الأحكام الشرعية لا تثبت بالإلهام. وهو بالنسبة إلى صاحب القلب المعمور بالتقوى ترجيح شرعي، وكلما كان العبد أكثر اجتهادًا في طاعة الله وتقواه كان ترجيحه أقوى. ذلك أن ما ورد به النص فليس للمؤمن فيه إلا الطاعة والتسليم التام، وأما ما ليس فيه نص وكان الأمر فيه مشتبهًا والرأي فيه محتملا فهنا يرجع فيه المؤمن إلى ما حكَّ في صدره ووقع في قلبه. "فثبت بهذا أن الإلهام حق، وأنه وحي باطن، وإنما حُرِمه العاصي لاستيلاء وحي الشيطان عليه" (٣). قال السمعاني: "ونحن لا ننكر أن الله يكرم عبده بزيادة نور منه، يزداد به نظره ويقوى به رأيه، وإنما ننكر أن يرجع إلى قلبه بقول لا يعرف أصله.

стр. 72

ولا نزعم أنه حجة شرعية، وإنما هو نور يختص الله به من يشاء من عباده، فإن وافق الشرع كان الشرع هو الحجة" (١). المسألة الخامسة: الرؤيا (٢): هي: ما يراه الشخص في منامه، وحكمها كالإلهام؛ "فتعرض على الوحي الصريح: فإن وافقته وإلا لم يعمل بها" (٣). قال ابن حجر: "النائم لو رأى النبي ﷺ يأمره بشيء هل يجب عليه امتثاله ولا بد؟ أو لا بد أن يعرضه على الشرع الظاهر فالثاني هو المعتمد" (٤). المسألة السادسة: انتشار فعل من الأفعال لا يدل على مشروعيته: قال الطرطوشي: "شيوعة الفعل وانتشاره لا يدل على جوازه؛ كما أن كتمه لا يدل على منعه" (٥). وقال أيضًا -في معرض رده على من احتج على مشروعية بعض الأمور بانتشارها وذيوعها-: "وأكثر أفعال أهل زمانك على غير السنة، وكيف لا وقد روينا قول أبي

стр. 73

الدرداء إذ دخل على أم الدرداء مغضبًا فقالت: ما لك؟ فقال: والله ما أعرف فيهم شيئًا من أمر محمد ﷺ إلا أنهم يصلون جميعًا" (١). وما روينا هنالك من الآثار! فإنه لم يبق فيهم من السُنة إلا الصلاة في جماعة، كيف لا تكون معظم أمورهم محدثات؟ وأما من تعلق بفعل أهل القيروان فهذا غبي يستدعي الأدب دون المراجعة. فنقول لهؤلاء الأغبياء: إن مالك بن أنس رأى إجماع أهل المدينة حجة، فرده عليه سائر فقهاء الأمصار، وهذا هو بلد رسول الله ﷺ وعرصة الوحي، ودار النبوة، ومعدن العلم فكيف بالقيروان (٢).

стр. 74

القاعدة الثانية الأصل في العبادات المقيدة: الإتيان بها مقيَّدة (١) من قيد عبادة بغير ما قيدها به الشارع فقد أطلق ما قيده الشارع، وهذا الإطلاق مخالفة واضحة لمعنى التضييق المستفاد من تخصيص الشارع. فمتى خصَّص الشارع عبادة من العبادات بوقت معين أو مكان معين فينبغي أن يفهم من هذا التخصيص: تعين المصير إليه. إذ الواجب على الخلق اتباع الشارع في إطلاقه وتعيينه: قال ابن رجب: "وليس ما كان قربة في عبادة يكون قربة في غيرها مطلقًا، فقد رأى النبي ﷺ رجلا قائمًا في الشمس فسأل عنه فقيل: إنه نذر أن يقوم ولا يقعد ولا يستظل وأن يصوم، فأمره النبي ﷺ أن يقعد ويستظل وأن يتم صومه" (٢)، فلم يجعل قيامه وبروزه للشمس قربة يوفى بنذرهما ... مع أن القيام عبادة في مواضع أخر كالصلاة

стр. 75

والأذان والدعاء بعرفة والبروز للشمس قربة للمحرم (١) فدل على أنه ليس كل ما كان قربة في موطن يكون قربة في كل المواطن، وإنما يتبع في ذلك ما وردت به الشريعة في مواضعها" (٢). ومن الأمثلة على هذه القاعدة الصور التالية (٣): ١ - الموافقة في الزمان؛ فلا تجوز التضحية في أول أيام ذي الحجة. ٢ - الموافقة في المكان؛ فلا يصح الاعتكاف في غير المساجد. ٣ - الموافقة في الجنس؛ فلا تشرع التضحية بفرس. ٤ - الموافقة في القدر والعدد؛ فلا تجوز زيادة صلاة سادسة. ٥ - الموافقة في الكيفية والترتيب؛ فلا يصح بدء الوضوء بغسل الرجلين ثم غسل اليدين ثم مسح الرأس ثم غسل الوجه.
следующие страницы →