← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17080

ذوق الصلاة عند ابن القيم

عادل الزرقي

Полный текст (85 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

والصلوات ثم عطف عليها الصلوات بلفظ الجمع والتعريف ليشمل كل ما أطلق عليه لفظ الصلاة خصوصًا وعمومًا فكلها لله لا تنبغي إلا له فالتحيات له ملكًا، والصلوات له عبودية واستحقاقًا فالتحيات لا تكون إلا له والصلوات لا تنبغي إلا له. والطيبات ثم عطف عليها الطيبات كذلك، وهذا يتناول أمرين: الوصف والملك. فأما الوصف فإنه سبحانه طيب، وكلامه طيب، وفعله كله طيب، ولا يصدر منه إلا الطيب، ولا يضاف إليه إلا الطيب، ولا يصعد إليه إلا الطيب فالطيبات له وصفًا وفعلاً وقولا ونسبة، وكل طيب مضاف إليه، وكل مضاف إليه طيب، فله الكلمات الطيبة والأفعال الطيبات، وكل مضاف إليه كبيته وعبده وروحه وناقته وجنته فهي طيبات. وأيضًا فمعاني الكلمات الطيبات لله وحده فإن الكلمات الطيبات تتضمن تسبيحه وتحميده وتكبيره وتمجيده والثناء عليه بآلائه وأوصافه فهذه الكلمات الطيبات التي يثنى عليه بها ومعانيها له وحده لا يشركه فيها غيره، كسبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك

стр. 37

ولا إله غيرك (١) ونحو سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر (٢) ونحو سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم (٣). فكل طيب فله وعنده ومنه وإليه، وهو طيب لا يقبل إلا طيبًا، وهو إله الطيبين، وجيرانه في دار كرامته هم الطيبون. فتأمل أطيب الكلمات بعد القرآن كيف لا تنبغي إلا لله، وهي «سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله». فإن «سبحان الله» تتضمن تنزيهه عن كل نقص وعيب وسوء، وعن خصائص المخلوقين وشبههم. و «الحمد لله» تتضمن إثبات كل كمال له قولاً وفعلاً ووصفًا على أتم الوجوه وأكملها أزلًا وأبدًا.

стр. 38

و «لا إله إلا الله» تتضمن انفراده بالإلهية، وأن كل معبود سواه فباطل، وأنه وحده الإله الحق وأنه من تأله غيره فهو بمنزلة من اتخذ بيتًا من بيوت العنكبوت يأوي إليه ويسكنه. و «الله أكبر» تتضمن أنه أكبر من كل شيء وأجل وأعظم وأعز وأقوى وأقدر وأعلم وأحكم، فهذه الكلمات الطيبات لا تصلح هي ومعانيها إلا لله وحده.

стр. 39

السلام على النبي ﷺ وعلى عباد الله الصالحين ثم شرع له أن يسلم على عباد الله الذين اصطفى بعد تقدم الحمد والثناء عليه بما هو أهله فطابق ذلك قوله تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آَللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٥٩] وكأنه امتثال له. وأيضًا فإن هذه تحية المخلوق فشرعت بعد تحية الخالق وقدم في هذه التحية أولى الخلق بها، وهو النبي ﷺ الذي نالت أمته على يده كل خير، وعلى نفسه بعده، وعلى سائر عباد الله الصالحين وأخصهم بهذه التحية الأنبياء، ثم أصحاب رسول الله ﷺ ، مع عمومها لكل عبد لله صالح في الأرض والسماء. شهادة الحق ثم شرع له بعد ذكر هذه التحية والتسليم على من يستحق التسليم خصوصًا وعمومًا أن يشهد شهادة الحق التي بنيت عليها الصلاة، وهي حق من حقوقها ولا تنفعه إلا بقرينتها وهي شهادة لرسول الله ﷺ بالرسالة

стр. 40

وختمت بها الصلاة، كما قال عبد الله بن مسعود (فإذا قلت ذلك فقد قضيت صلاتك فإن شئت أن تقوم فقم وإن شئت أن تقعد فاقعد (١). وهذا إما أن يحمل على قضاء الصلاة حقيقة كما يقوله الكوفيون، أو على مقاربة انقضائها ومشارفته كما يقوله أهل الحجاز وغيرهم. وعلى التقديرين فجعلت شهادة الحق خاتمة الصلاة كما شرع أن تكون خاتمة الحياة، فمن كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة (٢). وكذلك شرع للمتوضئ أن يختم وضوءه بالشهادتين (٣).

стр. 41

انقضاء الصلاة ثم لما قضى صلاته أذن له أن يسأل حاجته، وشرع له أن يتوسل قبلها بالصلاة على النبي ﷺ فإنها من أعظم الوسائل بين يدي الدعاء كما في السنن عن فضالة بن عبيد أن رسول الله ﷺ قال: «إذا دعا أحدكم فليبدأ بحمد الله، والثناء عليه، وليصل على رسوله، ثم ليسل حاجته» (١). فجاءت التحيات على ذلك، أولها حمد الله، والثناء عليه، ثم الصلاة على رسوله، ثم الدعاء آخر الصلاة، وأذن النبي ﷺ للمصلي بعد الصلاة عليه، أن يتخير من الدعاء أعجبه إليه (٢) ونظير هذا ما شرع لمن سمع المؤذن. ١ - أن يقول كما يقول (٣). ٢ - وأن يقول: «رضيت بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد ﷺ رسولًا» (٤).

стр. 42

٣ - وأن يسأل الله لرسوله الوسيلة، والفضيلة وأن يبعثه المقام المحمود (١). ٤ - ثم يصلي عليه (٢). ٥ - ثم يسأل حاجته (٣). فهذه خمس سنن في إجابة المؤذن لا ينبغي الغفلة عنها.

стр. 43

الإقبال على الله وسر الصلاة وروحها ولبها هو إقبال العبد على الله بكليته، فكما أنه لا ينبغي له أن يصرف وجهه عن قبلة الله يمينًا وشمالاً, فكذلك لا ينبغي له أن يصرف قلبه عن ربه إلى غيره. فالكعبة التي هي بيت الله قبلة وجهه وبدنه، ورب البيت ﵎ هو قبلة قلبه وروحه، وعلى حسب إقبال العبد على الله في صلاته يكون إقبال الله عليه، وإذا أعرض أعرض الله عنه وللإقبال في الصلاة ثلاث منازل: ١ - إقبال على قلبه فيحفظه من الوساوس والخطرات المبطلة لثواب صلاته أو المنقصة له. ٢ - وإقبال على الله بمراقبته حتى كأنه يراه. ٣ - وإقبال على معاني كلامه وتفاصيل عبودية الصلاة ليعطيها حقها. فباستكمال هذه المراتب الثلاث تكون إقامة الصلاة حقًا ويكون إقبال الله على عبده بحسب ذلك. فإذا انتصب العبد قائمًا بين يديه فإقباله على قيوميته وعظمته، وإذا كبر فإقباله على كبريائه. فإذا سبحه وأثنى عليه فإقباله على سبحات وجهه وتنزيهه عما لا يليق به والثناء عليه بأوصاف جماله.

стр. 44

فإذا استعاذ به فإقباله على ركنه الشديد وانتصاره لعبده ومنعه له وحفظه من عدوه. فإذا تلا كلامه فإقباله على معرفته من كلامه، حتى كأنه يراه ويشاهده في كلامه فهو كما قال بعض السلف: «لقد تجلى الله لعباده في كلامه» (١) فهو في هذه الحال مقبل على ذاته وصفاته وأفعاله وأحكامه وأسمائه. فإذا ركع فإقباله على عظمته وجلاله وعزه؛ ولهذا شرع له أن يقول: سبحان ربي العظيم. فإذا رفع رأسه من الركوع فإقباله على حمده والثناء عليه وتمجيده وعبوديته له وتفرده بالعطاء والمنع. فإذا سجد فإقباله على قربه والدنو منه والخضوع له والتذلل بين يديه والانكسار والتملق. فإذا رفع رأسه وجثا على ركبتيه فإقباله على غناه وجوده وكرمه وشدة حاجته إليه وتضرعه بين يديه والانكسار أن يغفر له ويرحمه ويعافيه ويهديه ويرزقه. فإذا جلس في التشهد فله حال آخر وإقبال آخر يشبه حال الحاج في طواف الوداع، وقد استشعر قلبه الانصراف من بين يدي ربه، إلى أشغال الدنيا وموافاة العلائق والشواغل التي قطعه عنها الوقوف بين يدي ربه، وقد ذاق قلبه التألم بها والعذاب بها قبل دخوله في الصلاة، فباشر قلبه روح القُرب ونعيم الإقبال على الله وعافبته منها وانقطاعها عنه مدة الصلاة.

стр. 45

ثم استشعر قلبه عودها إليه بخروجه من حمى الصلاة، فهو يحمل هَمَّ انقضاء الصلاة وفراغها ويقول ليتها اتصلت بيوم اللقاء، ويعلم أنه ينصرف من مناجاة من كل السعادة في مناجاته، إلى مناجاة من الأذى والهم والغم والنكد في مناجاته، ولا يشعر بهذا وهذا إلا قلب حي معمور بذكر الله ومحبته والأنس به. تسليم النفس ولما كان العبد بين أمرين من ربه : ١ - أحدهما: حُكمٌ عليه في أحواله كلها ظاهرًا وباطنًا واقتضاؤه منه القيام بعبودية حكمه فإن لكل حكم عبودية تخصه، أعني الحكم الكوني القدري. ٢ - والثاني: فعل يفعله العبد عبودية لربه، وهو موجب حكمه الديني الأمري، وكلا الأمرين يوجبان تسليم النفس إليه تعالى. ولهذا اشتق له اسم الإسلام من التسليم، فإنه لما أسلم نفسه لحكم ربه الديني الأمري ولحكمه الكوني القدري بقيامه بعبوديته فيه لا باسترساله معه استحق اسم الإسلام فقيل له مسلم.

стр. 46

صورة الصلاة ولما اطمأن قلبه بذكره وكلامه ومحبته وعبوديته، سكن إليه وقرت عينه به فنال الأمان بإيمانه، وكان قيامه بهذين الأمرين أمرًا ضروريًا له، لا حياة له، ولا فلاح ولا سعادة إلا بهما. ولما كان ما بُلي به من النفس الأمارة والهوى المقتضى أو الطباع المطالبة، والشيطان المغوي، يقتضي منه إضاعة حظه من ذلك أو نقصانه, اقتضت رحمة العزيز الرحيم أن شرع له الصلاة مخلفة عليه ما ضاع منه رادة عليه ما ذهب، مجددة له ما أخلق من إيمانه، وجعلت صورتها على صورة أفعاله خشوعًا وخضوعًا، انقيادًا وتسليمًا وأعطى كل جارحة من الجوارح حظها من العبودية، وجعل ثمرتها وروحها إقباله على ربه فيها بكليته، وجعل ثوابها وجزاءها القرب منه ونيل كرامته في الدنيا والآخرة، وجعل منزلتها ومحلها الدخول على الله ﵎ والتزين للعرض عليه تذكيراً بالعرض الأكبر عليه يوم القيامة.

стр. 47

قرة العين وكما أن الصوم ثمرته تطهير النفس، وثمرة الزكاة تطهير المال، وثمرة الحج وجوب المغفرة، وثمرة الجهاد تسليم النفس التي اشتراها سبحانه من العباد، وجعل الجنة ثمنها فالصلاة ثمرتها الإقبال على الله، وإقبال الله سبحانه على العبد، وفي الإقبال جميع ما ذكر من ثمرات الأعمال؛ ولذلك لم يقل النبي ﷺ جعلت قرة عيني في الصوم ولا في الحج والعمرة، وإنما قال: «وجعلت قرة عيني في الصلاة» ولم يقل بالصلاة إعلامًا بأن عينه إنما تقر بدخوله فيها، كما تقر عين المحب بملابسته لمحبوبه وتقر عين الخائف بدخوله في محل أمنه، فقرة العين بالدخول في الشيء أكمل وأتم من قُرة العين به قبل الدخول. ولما جاء إلى راحة القلب من تعبه ونصبه قال: «يا بلال أرحنا بالصلاة» (١)؛ أي أقمها لنستريح بها من مقاساة الشواغل، كما يستريح التعبان إذا وصل إلى منزله وقر فيه وسكن.

стр. 48

راحة الصلاة وتأمل كيف قال أرحنا بها ولم يقل أرحنا منها، كما يقوله المتكلف بها الذي يفعلها تكلفًا وغرمًا، فهو لما امتلأ قلبه بغيرها وجاءت قاطعة عن أشغاله ومحبوباته، وعلم أنه لا بد له منها فهو قائل بلسان حاله وقاله: نصلي ونستريح من الصلاة لا بها، فهذا لون وذاك لون آخر، فالفرق بين من كانت الصلاة لجوارحه قيدًا أو لقلبه سجنًا، ولنفسه عائقًا، وبين من كانت الصلاة لقلبه نعيمًا ولعينه قرة ولجوارحه راحة، ولنفسه بستانًا ولذة. ١ - فالأول الصلاة سجن لنفسه وتقييد لها عن التورط في مساقط الهلكات وقد ينالون بها التكفير والثواب وينالهم من الرحمة بحسب عبوديتهم لله فيها. ٢ - والقسم الآخر الصلاة بستان قلوبهم، وقرة عيونهم، ولذة نفوسهم، ورياض جوارحهم فهم فيها يتقلبون في النعيم. فصلاة هؤلاء توجب لهم القرب والمنزلة من الله ويشاركون الأولين في ثوابهم ويختصون بأعلاه وبالمنزلة والقربة وهي قدر زائد على مجرد الثواب، ولهذا يعد الملوك من أرضاهم بالأجر والتقريب كما قال السحرة لفرعون ﴿إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ * قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [الأعراف: ١١٣، ١١٤].

стр. 49

١ - فالأول عبد قد دخل الدار والستر حاجب بينه وبين رب الدار فهو من وراء الستر فلذلك لم تقر عينه؛ لأنه في حجب الشهوات، وغيوم الهوى، ودخان النفس، وبخار الأماني، فالقلب عليل، والنفس مكبة على ما تهواه، طالبة لحظها العاجل. ٢ - والآخر قد دخل دار الملك ورفع الستر بينه وبينه فقرت عينه واطمأنت نفسه، وخشع قلبه وجوارحه، وعَبَد الله كأنه يراه، وتجلى له في كلامه. فهذه إشارة ما، ونبذة يسيرةٌ جدًا في ذوق الصلاة.

стр. 50

الرسالة الثانية قال ابن القيم ﵀ عند قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾

стр. 51

إقامة الصلاة فأمرنا بإقامتها، وهو الإتيان بها قائمة تامة القيام والركوع والسجود والأذكار، وقد علق الله سبحانه الفلاح بخشوع المصلي في صلاته، فمن فاته خشوع الصلاة، لم يكن من أهل الفلاح، ويستحيل حصول الخشوع مع العجلة والنقر قطعًا بل لا يحصل الخشوع قط إلا مع الطمأنينة وكلما زاد طمأنينة ازداد خشوعًا وكلما قل خشوعه اشتدت عجلته حتى تصير حركة يديه بمنزلة العبث الذي لا يصحبه خشوع ولا إقبال على العبودية ولا معرفة حقيقية العبودية والله سبحانه قد قال: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] وقال: ﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ [المائدة: ٥٥] وقال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ [العنكبوت: ٤٥] وقال: ﴿فَإِذَا اطْمَانَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ١٠٣] وقال: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ١٦٢] وقال إبراهيم ﵇ ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ﴾ [إبراهيم: ٤٠] وقال لموسى ﵇ ﴿فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]. فلن تكاد تجد ذكر الصلاة في موضع من التنزيل إلا مقرونًا بإقامتها فالمصلون في الناس قليل، ومقيم الصلاة منهم أقل القليل، كما قال عمر ﵁: «الحاج قليل، والركب كثير» (١).

стр. 52

أقسام المصلين فالعاملون يعملون الأعمال المأمور بها على الترويج تحلة القسم، ويقولون: يكفينا أدنى ما يقع عليه الاسم, وليتنا نأتي به ولو علم هؤلاء أن الملائكة تصعد بصلاتهم فتعرضها على الرب ﷻ بمنزلة الهدايا التي يتقرب بها الناس إلى ملوكهم وكبرائهم فليس مَن عَمدَ إلى أفضل ما يقدر عليه فيزينه ويحسنه ما استطاع ثم يتقرب به إلى من يرجوه ويخافه كَمَنْ يعمد إلى أسقط ما عنده وأهونه عليه فيستريح منه ويبعثه إلى من لا يقع عنده بموقع وليس من كانت الصلاة ربيعًا لقلبه وحياة له، وراحة وقرة لعينه وجلاء لحزنه، وذهابًا لهمه وغمه، ومفزعًا إليه في نوائبه ونوازله كمن هي سُحْتٌ لقلبه وقيدٌ لجوارحه، وتكليف له وثقل عليه فهي كبيرة على هذا وقرة عين وراحة لذلك. وقال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ * الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ٤٥، ٤٦] فإنما كبرت على غير هؤلاء لخلو قلوبهم من محبة الله تعالى وتكبيره وتعظيمه والخشوع له وقلة رغبتهم فيه فإن حضور العبد في الصلاة وخشوعه فيها وتكميله لها واستفراغه ووسعه في إقامتها وإتمامها على قدر رغبته في الله.

стр. 53

قدر الصلاة قال الإمام أحمد في رواية مهنا بن يحيى: إنما حظهم من الإسلام على قدر حظهم في الصلاة، ورغبتهم في الإسلام على قدر رغبتهم في الصلاة، فاعرف نفسك يا عبد الله، احذر أن تلقى الله ، ولا قَدْرَ للإسلام عندك فإن قَدْرَ الإسلام في قلبك كقَدْر الصلاة في قلبك (١). وليس حظ القلب العامر بمحبة الله وخشيته والرغبة فيه وإجلاله وتعظيمه من الصلاة كحظ القلب الخالي الخرب من ذلك، فإذا وقف الاثنان بين يدي الله في الصلاة، وقف هذا بقلب مُخبت خاشع له قريب منه سليم من معارضات السوء، قد امتلأت أرجاؤه بالهيبة، وسطع فيه نور الإيمان، وكشف عنه حجاب النفس ودخان الشهوات، فيرتع في رياض معاني القرآن، وخالط قلبه بشاشة الإيمان بحقائق الأسماء والصفات وعلوها وجمالها وكمالها الأعظم، وتفرد الرب سبحانه بنعوت جلاله، وصفات كماله فاجتمع همه على الله وقرت عينه به وأحس بقربه من الله قربًا لا نظير له، ففزع قلبه له وأقبل عليه بكليته وهذا الإقبال منه بين إقبالين من ربه فإنه سبحانه أقبل عليه أولا فانجذب قلبه إليه بإقباله، فلما أقبل على ربه، حظي منه بإقبال آخر أتم من الأول.

стр. 54

استفتاح الصلاة وههنا عجيبة من عجائب الأسماء والصفات تحصل لمن تفقه قلبه في معاني القرآن وخالط بشاشة الإيمان بها قلبه، بحيث يرى لكل اسم وصفة موضعًا من صلاته ومحلاً منها. فإنه إذا انتصب قائمًا بين يدي الرب ﵎ شاهد بقلب قيوميته. وإذا قال: الله أكبر شاهد كبرياءه. وإذا قال: «سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك ولا إله غيرك» (١) شاهد بقلبه ربًا منزهًا عن كل عيب، سالمًا من كل نقص، محمودًا بكل حمد، فحمده يتضمن وصفه بكل كمال، وذلك يستلزم براءته من كل نقص تبارك اسمه، فلا يُذكر على قليل إلا كثره ولا على خير إلا أنماه وبارك فيه، ولا على آفة إلا أذهبها، ولا على شيطان إلا رده خاسئًا داحرًا، وكمال الاسم من كمال مسماه، فإذا كان هذا شأن اسمه الذي لا يضر معه شيء في الأرض ولا في السماء، فشأن المسمى أعلى وأجل. وتعالى جدك أي: ارتفعت عظمته، وجلت فوق كل عظمة وعلا شأنه على كل شأن وقهر سلطانه على كل سلطان فتعالى جده أن يكون معه شريك في مُلكه وربوبيته أو في إلاهيته، أو في أفعاله أو في

стр. 55

صفاته كما قال مؤمن الجن ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا﴾ [الجن: ٣] فكم في هذه الكلمات من تجل لحقائق الأسماء والصفات على قلب العارف بها وغير المعطل لحقائقها. الاستعاذة وإذا قال: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» فقد آوى إلى ركنه الشديد، واعتصم بحوله وقوته من عدوه الذي يريد أن يقطعه عن ربه، ويباعده عن قربه ليكون أسوأ حالاً.

стр. 56

الحمد لله رب العالمين فإذا قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وقف هنيهة يسيرة ينتظر جواب ربه له بقوله: «حمدني عبدي» (١) فإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ انتظر الجواب بقوله: «أثنى علي عبدي» فإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ انتظر جوابه: «يمجدني عبدي» فيا لذة قلبه وقرة عينه وسرور نفسه بقول ربه «عبدي» ثلاث مرات فوالله لولا ما على القلوب من دخان الشهوات وغيم النفوس لاستطيرت فرحًا وسرورًا بقول ربها وفاطرها ومعبودها: «حمدني عبدي، وأثنى علي عبدي، ومجدني عبدي». ثم يكون لقلبه مجال من شهود هذه الأسماء الثلاثة التي هي أصول الأسماء الحسنى وهي: الله والرب والرحمن، فشاهد قلبه من ذكر اسم الله ﵎ إلهًا معبودًا موجودًا مخوفًا، لا يستحق العبادة غيره، ولا تنبغي إلا له، قد عنت له الوجوه، وخضعت له الموجودات، وخشعت له الأصوات: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤].

стр. 57

و ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ [الروم: ٢٦] وكذلك خلق السماوات والأرض وما بينهما، وخلق الجن والإنس والطير والوحش والجنة والنار، وكذلك أرسل الرسل وأنزل الكتب، وشرع الشرائع، وألزم العباد الأمر والنهي، وشاهد من ذكر اسمه (رب العالمين) قيومًا قام بنفسه، وقام به كل شيء، فهو قائم على كل نفس بخيرها وشرها، قد استوى على عرشه، وتفرد بتدبير ملكه، فالتدبير كله بيديه، ومصير الأمور كلها إليه، فمراسيم التدبيرات نازلة من عنده على أيدي ملائكته بالعطاء والمنع، والخفض والرفع والإحياء والإماتة والتوبة والعزل، والقبض والبسط، وكشف الكروب، وإغاثة الملهوفين، وإجابة المضطرين ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَانٍ﴾ لا مانع لما أعطى، ولما معطي لما منع، ولا معقب لحكمه، ولا راد لأمره، ولا مبدل لكلماته، تعرج الملائكة والروح إليه، وتعرض الأعمال أول النهار وآخره عليه، فيقدر المقادير ويوقت المواقيت ثم يسوق المقادير إلى مواقيتها قائمًا بتدبير ذلك كله وحفظه ومصالحه.

стр. 58

الرحمن الرحيم ثم يشهد عند ذكر اسم "الرحمن" ﷻ ربًا محسنًا إلى خلقه بأنواع الإحسان متحببًا إليهم بصنوف النعم، وسع كل شيء رحمة وعلمًا، وأوسع كل مخلوق نعمة وفضلا فوسعت رحمته كل شيء ووسعت نعمته كل حي، فبلغت رحمته حيث بلغ علمه، فاستوى على عرشه برحمته، وخلق خلقه برحمته وأنزل كتبه برحمته، وأرسل رسله برحمته وشرع شرائعه برحمته، وخلق الجنة برحمته، والنار أيضًا برحمته، فإنها سوطه الذي يسوق به عباده المؤمنين إلى جنته، ويطهر بها أدران الموحدين من أهل معصيته وسجنه الذي يسجن فيه أعداءه من خليقته. فتأمل ما في أمره ونهيه ووصاياه ومواعظه من الرحمة البالغة، والنعمة السابغة، وما في حشوها من الرحمة والنعمة، فالرحمة هي السبب المتصل منه بعباده، كما أن العبودية هي السبب المتصل منهم به، فمنهم إليه العبودية ومنه إليهم الرحمة. ومن أخص مشاهد هذا الاسم شهود المصلي نصيبه من الرحمة الذي أقامه بها بين يدي ربه، وأهله لعبوديته ومناجاته، وأعطاه ومنع غيره وأقبل بقلبه وأعرض بقلب غيره وذلك من رحمته به.

стр. 59

مالك يوم الدين فإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ فهنا شهد المجد الذي لا يليق بسوى الملك الحق المبين فيشهد ملكًا قاهرًا قد دانت له الخليقة وعنت له الوجوه، وذلت لعظمته الجبابرة، وخضع لعزته كل عزيز، فيشهد بقلبه ملكًا على عرش السماء مهيمنًا لعزته تعنو الوجوه وتسجد وإذا لم تعطل حقيقة صفة الملك أطلعته على شهود حقائق الأسماء والصفات التي تعطيلها تعطيل لملكه وجحد له, فإن الملك الحق التام الملك: لا يكون إلا حيا قيومًا سميعًا بصيرًا مدبرًا قادرًا متكلمًا آمرًا ناهيًا مستويًا على سرير مملكته، يرسل إلى أقاصي مملكته بأوامره، فيرضى على من يستحق الرضا، ويثيبه ويكرمه ويدنيه ويغضب على من يستحق الغضب ويعاقبه ويهينه ويقصيه فيعذب من يشاء ويرحم من يشاء ويعطي من يشاء، ويقرب من يشاء، ويقصي من يشاء، له دار عذاب، وهي النار، وله دار سعادة عظيمة، وهي الجنة فمن أبطل شيئَا من ذلك، أو جحده وأنكر حقيقته فقد قدح في ملكه ونفى عنه كماله وتمامه، وكذلك من أنكر عموم قضائه وقدره فقد أنكر عموم ملكه وكماله، فيشهد المصلي مجد الرب تعالى في قوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾.

стр. 60

إياك نعبد وإياك نستعين فإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ففيها سر الخلق والأمر، والدنيا والآخرة وهي متضمنة لأجل الغايات وأفضل الوسائل، فأجل الغايات عبوديته وأفضل الوسائل إعانته فلا معبود يستحق العبادة إلا هو، ولا معين على عبادته غيره، فعبادته أعلى الغايات، وإعانته أجل الوسائل، وقد أنزل الله مائة كتاب وأربعة كتب جمع معانيها في أربعة وهي: التوراة والإنجيل والقرآن والزبور، وجمع معانيها في القرآن، وجمع معانيه في المفصل وجمع معانيه في الفاتحة وجمع معانيها في ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. وقد اشتملت هذه الكلمة على نوعي التوحيد، وهما: ١ - توحيد الربوبية. ٢ - وتوحيد الإلهية. وتضمنت التعبد باسم الرب واسم الله، فهو يعبد بألوهيته ويستعان بربوبيته ويهدي إلى الصراط المستقيم برحمته فكان أول السورة ذكر اسمه: الله والرب والرحمن، تطابقًا لأجل المطالب من عبادته وإعانته وهدايته، وهو المنفرد بإعطاء ذلك كله، لا يعين على عبادته سواه، ولا يهدي سواه.

стр. 61

اهدنا الصراط المستقيم ثم يشهد الداعي بقوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ شدة فاقته وضرورته إلى هذه المسألة التي ليس هو إلى شيء أشد فاقة وحاجة منه إليها البتة، فإنه محتاج إليه في كل نفس وطرفة عين، وهذا المطلوب من هذا الدعاء لا يتم إلا بالهداية إلى الطريق الموصل إليه سبحانه، والهداية فيه وهي هداية التفصيل وخلق القدرة على الفعل وإرادته وتكوينه وتوفيقه لإيقاعه له على الوجه المرضي المحبوب للرب ، وحفظه عليه من مفسداته حال فعله وبعد فعله. أمور الهداية ولما كان العبد مفتقرًا في كل إلى هذه الهداية في جميع ما يأتيه ويذره من: ١ - أمور قد أتاها على غير الهداية، فهو يحتاج إلى التوبة منها. ٢ - وأمور هُدي إلى أصلها دون تفصيلها. ٣ - أو هدي إليها من وجه دون وجه فهو يحتاج إلى إتمام الهداية فيها ليزداد هدى. ٤ - وأمور هو يحتاج إلى أن يحصل له من الهداية فيها بالمستقبل مثل ما حصل له في الماضي.

стр. 62

٥ - وأمور هو خال عن اعتقاد فيها، فهو يحتاج إلى الهداية فيها. ٦ - وأمور لم يفعلها فهو يحتاج إلى فعلها على وجه الهداية. ٧ - وأمور قد هدي إلى الاعتقاد الحق والعمل الصواب فيها، فهو محتاج إلى الثبات عليها. إلى غير ذلك من أنواع الهدايات فَرَضَ (١) الله سبحانه عليه أن يسأله هذه الهداية في أفضل أحواله مرات متعددة في اليوم والليلة. ثم بين أن أهل هذه الهداية هم المختصون بنعمته دون «المغضوب عليهم» وهم الذين عرفوا الحق، ولم يتبعوه ودون «الضالين» وهم الذين عبدوا الله بغير علم، فالطائفتان اشتركتا في القول في خلقه وأمره وأسمائه وصفاته بغير علم، فسبيل المنعم عليه مغايرة لسبيل أهل الباطل كلها علمًا وعملاً.

стр. 63

التأمين فلما فرغ من هذا الثناء والدعاء والتوحيد، شرع له أن يطبع على ذلك بطابع من التأمين يكون كالخاتم له، وافق فيه ملائكة السماء، وهذا التأمين من زينة الصلاة كرفع اليدين الذي هو زينة الصلاة، واتباع للسنة، وتعظيم أمر الله، وعبودية اليدين، وشعار الانتقال من ركن إلى ركن. ثم يأخذ في مناجاة ربه بكلامه واستماعه من الإمام بالإنصات وحضور القلب وشهوده وأفضل أذكار الصلاة ذكر القيام، وأحسن هيئة المصلي هيئة القيام، فخصت بالحمد والثناء والمجد وتلاوة كلام الرب ﷻ ولهذا نهى عن قراءة القرآن في الركوع والسجود؛ لأنهما حالتا ذل وخضوع وتطامن وانخفاض، ولهذا شرع فيهما من الذكر ما يناسب هيئتهما.

стр. 64

الركوع فشرع للراكع أن يذكر عظمة ربه في حال انخفاضه هو وتطامنه وخضوعه وأنه سبحانه يوصف بوصف عظمته عما يضاد كبرياءه وجلاله وعظمته فأفضل ما يقول الراكع على الإطلاق «سبحان ربي العظيم» فإن الله سبحانه أمر العباد بذلك، وعين المبلغ عنه السفير بينه وبين عباده هذا المحل لهذا الذكر لما نزلت ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ قال: «اجعلوها في ركوعكم» (١) وأبطل كثير من أهل العلم صلاة من تركها عمدًا وأوجب سجود السهو على من سها عنها، وهذا مذهب الإمام أحمد ومن وافقه من أئمة الحديث والسنة، والأمر بذلك لا يقتصر على الأمر بالصلاة عليه ﷺ في التشهد الأخير، ووجوبه لا يقتصر على وجوب مباشرة المصلي بالجبهة واليدين، وبالجملة، فسر الركوع تعظيم الرب ﷻ بالقلب والقالب والقول؛ ولهذا قال النبي ﷺ : «أما الركوع فعظموا فيه الرب» (٢).

стр. 65

الاعتدال من الركوع ثم يرفع رأسه عائدًا إلى أكمل حديثه، وجعل شعار هذا الركن حمدًا لله والثناء عليه وتحميده، فافتتح هذا الشعار بقول المصلي: «سمع الله لمن حمده» أي سَمعَ سَمْعَ قبول وإجابة، ثم شفع بقوله: «ربنا ولك الحمد، ملء السماوات والأرض وملء ما بينهما، وملء ما شئت من شيء» ولا يهمل أمر هذه الواو في قوله: «ربنا ولك الحمد» فإنه قد ندب الأمر بها في الصحيحين وهي تجعل الكلام في تقدير جملتين قائمتين بأنفسهما فإن قوله: «ربنا» متضمن في المعنى أنت الرب والملك القيوم الذي بيديه أَزِمَّةُ الأمور، وإليه مرجعها فعطفها على هذا المعنى المفهوم من قوله: «ربنا» على قوله: «ولك الحمد» فتضمن ذلك معنى قول الموحد له الملك وله الحمد. ثم أخبر عن شأن هذا الحمد وعظمته قدرًا وصفه، فقال: «ملء السماوات وملء الأرض، وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد» أي: قدر ملء العالم العلوي والسفلي والقضاء الذي بينهما فهذا الحمد قد ملأ الخلق الموجود وهو يملأ ما يخلقه الرب ﵎ بعد ذلك وما يشاؤه فحمده قد ملأ كل موجود وملأ ما سيوجد فهذا أحسن التقديرين وقيل ما شئت من شيء وراء العالم فيكون قوله: «بعد للزمان على الأول والمكان على الثاني ثم أتبع ذلك بقوله: «أهل الثناء والمجد»» فعاد الأمر بعد الركعة إلى ما افتتح به الصلاة قبل الركعة من الحمد والثناء والمجد ثم أتبع ذلك بقوله: «أحق ما قال العبد» تقريرًا لحمده وتمجيده والثناء عليه، وأن ذلك أحق ما نطق به العبد، ثم أتبع ذلك بالاعتراف بالعبودية وأن ذلك حكم عام لجميع العبيد ثم عقب ذلك بقوله: «لا مانع لما أعطيت ولا

стр. 66

مُعطي لما مَنعتَ، ولا ينفعُ ذا الجدَّ منك الجد» (١) وكان يقول ذلك بعد انقضاء الصلاة أيضًا فيقوله في هذين الموضعين اعترافًا بتوحيده، وأن النعم كلها منه وهذا يتضمن أمورًا. أحدها: أنه المنفرد بالعطاء والمنع. الثاني: أنه إذا أعطى لم يطق أحد منع من أعطاه، وإذا منع لم يطق أحد إعطاء من منعه. الثالث: أنه لا ينفع عنده، ولا يخلص من عذابه، ولا يدني من كرامته جدود بني آدم وحظوظهم من الملك والرئاسة والغنى وطيب العيش وغير ذلك، إنما ينفعهم عنده التقريب إليه بطاعته وإيثار مرضاته. ثم ختم ذلك بقوله: «اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد» (٢) كما افتتح به الركعة في أول الاستفتاح كما كان يختم الصلاة بالاستغفار وكان الاستغفار في أول الصلاة ووسطها وآخرها فاشتمل هذا الركن على أفضل الأذكار وأنفع الدعاء: من حمده وتمجيده والثناء عليه والاعتراف له بالعبودية والتوحيد والتنصل إليه من الذنوب والخطايا، فهو ذكر مقصود في ركن مقصود ليس بدون الركوع والسجود.

стр. 67

السجود ثم يكبر ويخر لله ساجدًا غير رافع يديه، لأن اليدين تنحطان للسجود كما ينحط الوجه فهما تنحطان لعبوديتهما فأغنى ذلك عن رفعهما، ولذلك لم يشرع رفعهما عند رفع الرأس من السجود؛ لأنهما يرفعان معه كما يوضعان معه، وشرع السجود على أكمل الهيئة وأبلغها في العبودية، وأعمها لسائر الأعضاء بحيث يأخذ كل جزء من البدن بحظه من العبودية (١). والسجود سر الصلاة وركنها الأعظم وخاتمة الركعة، وما قبله من الأركان كالمقدمات له، فهو شبه طواف الزيارة في الحج، فإنه مقصود الحج ومحل الدخول على الله وزيارته وما قبله كالمقدمات له. ولهذا أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد وأفضل الأحوال له حال يكون فيها أقرب إلى الله؛ ولهذا كان الدعاء في هذا المحل أقرب إلى الإجابة.

стр. 68

أصل الإنسان ولما خلق الله سبحانه العبد من الأرض، كان جديرًا بأن لا يخرج عن أصله، بل يرجع إليه إذا تقاضاه الطبع والنفس بالخروج عنه، فإن العبد لو ترك طبعه ودواعي نفسه لتكبر وأشر، وخرج عن أصله الذي خلقه منه، ولَوثبَ على حق ربه من الكبرياء والعظمة، فنازعه إياهما، وأُمر بالسجود خضوعًا لعظمة ربه وفاطره، وخشوعًا له وتذللا بين يديه، وانكسارًا له فيكون هذا الخشوع والخضوع والتذلل ردًا له إلى حكم العبودية ويتدارك ما حصل له من الهفوة والغفلة والإعراض الذي خرج به عن أصله. فتمثل له حقيقة التراب الذي خلق منه، وهو يضع أشرف شيء منه وأعلاه، وهو الوجه، وقد صار أعلاه أسفله خضوعًا بين يدي ربه الأعلى، وخشوعًا له وتذللا لعظمته واستكانة لعزته، وهذا غاية خشوع الظاهر فإن الله سبحانه خلقه من الأرض التي هي مذللة للوطء بالأقدام، واستعمله فيها، ورده إليها، ووعده بالإخراج منها، فهي أُمُّهُ وأبوه وأصله وفصله، ضمته حيًا على ظهرها، وميتًا في بطنها، وجُعلت له طهرًا ومسجدًا فأمر بالسجود، إذ هو غاية خشوع الظاهر، وأجمع العبودية لسائر الأعضاء، فيعفر وجهه في التراب استكانة وتواضعًا وخضوعًا وإلقاء باليدين. وقال مسروق لسعيد بن جبير: ما بقي شيء يرغب فيه إلا أن نعفر وجوهنا في هذا التراب له (١).

стр. 69

سنن السجود وكان النبي ﷺ لا يتقي الأرض بوجهه قصدًا بل إذا اتفق له ذلك فعله، ولذلك سجد في الماء والطين (١). ولهذا كان من كمال السجود الواجب أنه يسجد على الأعضاء السبعة: الوجه واليدين والركبتين وأطراف القدمين، فهذا فرض أمر الله به ورسوله، وبلغه الرسول لأمته. ومن كماله الواجب أو المستحب مباشرة مصلاه بأديم وجهه، واعتماده على الأرض بحيث ينالها ثقل رأسه وارتفاع أسافله على أعاليه، فهذا من تمام السجود. ومن كماله: أن يكون على هيئة يأخذ فيها كل عضو من البدن بحظه من الخضوع، فَيَقُلُّ بطنه عن فخذيه، وفخذيه عن ساقيه، ويجافي عضديه عن جنبيه، ولا يفرشهما على الأرض ليستقل كل عضو منه بالعبودية. ولذلك إذا رأى الشيطان ابن آدم ساجدًا لله اعتزل ناحية يبكي ويقول: يا ويله أمر ابن آدم بالسجود، فسجد، فله الجنة، وأمرت بالسجود فعصيت فلي النار (٢).

стр. 70

ولذلك أثنى الله سبحانه على الذين يخرون سجدًا عند سماع كلامه، وذم من لا يقع ساجدًا عنده؛ ولذلك كان قول من أوجبه قويًا في الدليل ولما علمت السحرة صدق موسى وكذب فرعون، خروا سجدًا لربهم، فكانت تلك السجدة أول سعادتهم وغفران ما أفنوا فيه أعمارهم من السحر؛ ولذلك أخبر سبحانه عن سجود جميع المخلوقات له فقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ * يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: ٤٩، ٥٠] فأخبر عن إيمانهم بعلوه وفوقيته وخضوعهم له بالسجود تعظيمًا وإجلالاً وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [الحج: ١٨]. فالذي حق عليه العذاب هو الذي لا يسجد له سبحانه، وهو الذي أهانه بترك السجود له، وأخبر أنه لا مكرم له، وقد هان على ربه حيث لم يسجد له وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ﴾ [الرعد: ١٥].

стр. 71

تكرار السجود ولما كانت العبودية غاية كمال الإنسان وقربه من الله بحسب نصيبه من عبوديته، وكانت الصلاة جامعة لمتفرق العبودية، متضمنة لأقسامها كانت أفضل أعمال العبد، ومنزلتها من الإسلام بمنزلة عمود الفسطاط منه وكان السجود أفضل أركانها الفعلية، وسرها التي شرعت لأجله، وكان تكرره في الصلاة أكثر من تكرر سائر الأركان، وجعله خاتمة الركعة وغايتها، وشرع فعله بعد الركوع، فإن الركوع توطئه له ومقدمة بين يديه، وشرع فيه من الثناء على الله ما يناسبه، وهو قول العبد: «سبحان ربي الأعلى» فهذا أفضل ما يقال فيه، ولم يرد عن النبي ﷺ أمره في السجود بغيره حيث قال: «اجعلوها في سجودكم» (١) ومن تركه عمدًا فصلاته باطلة عند كثير من العلماء، منهم الإمام أحمد وغيره؛ لأنه لم يفعل ما أمر به، وكان وصف الرب بالعلو في هذه الحال في غاية المناسبة لحال الساجد الذي قد انحط إلى السفل على وجهه، فذكر علو ربه في حال سقوطه، وهو كما ذكر عظمته في حال خضوعه في ركوعه، ونزه ربه عما لا يليق به مما يضاد عظمته وعلوه.

стр. 72

الجلوس بين السجدتين ثم لما شرع السجود بوصف التكرار، لم يكن بد من الفصل بين السجدتين، ففصل بينهما بركن مقصود، شرع فيه من الدعاء ما يليق به، ويناسبه، وهو سؤال العبد المغفرة والرحمة والهداية والعافية والرزق (١)، ودفع شر الدنيا والآخرة، فالرحمة تُحصل الخير، والمغفرة تقي الشر والهداية توصل إلى هذا وهذا، والرزق إعطاء ما به قوام البدن من الطعام والشراب، وما به قوام الروح والقلب من العلم والإيمان، وجعل جلوس الفصل محلاً لهذا الدعاء لما تقدمه من رحمة الله والثناء عليه والخضوع له، فكان هذا وسيلة للداعي ومقدمة بين يدي حاجته. فهذا الركن مقصود الدعاء فيه فهو ركن وضع للرغبة وطلب العفو والمغفرة والرحمة، فإن العبد لما أتى بالقيام والحمد والثناء والمجد، ثم أتى بالخضوع وتنزيه الرب وتعظيمه، ثم عاد إلى الحمد والثناء، ثم كمل ذلك بغاية التذلل والخضوع والاستكانة، بقي سؤال حاجته واعتذاره وتنصله فشرع له أن يتمثل في الخدمة فيقعد فعل العبد الذليل جاثيًا على ركبتيه كهيئة الملقي نفسه بين يدي سيده راغبًا راهبًا معتذرًا إليه مستعديًا إليه على نفسه الأمارة بالسوء ثم شرع له تكرير هذه العبودية مرة بعد مرة إلى إتمام الأربع، كما شرع له تكرير الذكر مرة بعد مرة لأنه أبلغ في حصول المقصود، وأدعى إلى الاستكانة والخضوع.

стр. 73

جلسة التشهد فلما أكمل ركوع الصلاة وسجودها وقراءتها وتسبيحها وتكبيرها، شرع له أن يجلس في آخر صلاته جلسة المتخشع المتذلل المستكين جاثيًا على ركبتيه، ويأتي في هذه الجلسة بأكمل التحيات وأفضلها عوضًا عن تحية المخلوق للمخلوق، إذا واجهه، أو دخل عليه، فإن الناس يحيون ملوكهم وأكابرهم بأنواع التحيات التي يحيون بها قلوبهم، فبعضهم يقول: أنعم صباحًا، وبعضهم يقول: لك البقاء والنعمة، وبعضهم يقول: أطال الله بقاءك، وبعضهم يقول: تعش ألف عام، وبعضهم يسجد للملوك، وبعضهم يسلم فتحياتهم بينهم تتضمن ما يحبه المحيا من الأقوال والأفعال، والمشركون يحيون أصنامهم. قال الحسن: كان أهل الجاهلية يتمسحون بأصنامهم ويقولون: لك الحياة الدائمة، فلما جاء الإسلام أُمِرُوا أن يجعلوا أطيب تلك التحيات وأزكاها وأفضلها الله.

стр. 74

التحيات فالتحية هي تحية من العبد للحي الذي لا يموت، وهو سبحانه أولى بتلك التحيات من كل ما سواه، فإنها تتضمن الحياة والبقاء والدوام، ولا يستحق أحَدٌ هذه التحيات إلا الحي الباقي الذي لا يموت ولا يزول ملكه، وكذلك قوله: «والصلوات» فإنه لا يستحق أحد الصلاة إلا الله والصلاة لغيره من أعظم الكفر والشرك به، وكذلك قوله: «والطيبات» فهي صفة الموصوف المحذوف أي: الطيبات من الكلمات والأفعال والصفات، والأسماء لله وحده، فهو طيب، وأفعاله طيبة، وصفاته أطيب شيء وأسماؤه أطيب الأسماء، واسمه الطيب، لا يصدر عنه إلا طيب، ولا يصعد إليه إلا طيب، ولا يقرب منه إلا طيب، فكله طيب، وإليه يصعد الكلم الطيب، وفعله طيب، والعمل الطيب يعرج إليه فالطيبات كلها له ومضافة إليه صادرة عنه ومنتهية إليه. قال النبي ﷺ : «إن الله طيبٌ لا يقبل إلا طيبًا» (١) وفي حديث رُقية المريض الذي رواه أبو داود وغيره «أنت ربُّ الطيبين» (٢) ولا يجاوره من عباده إلا الطيبون كما يقال لأهل الجنة ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣] وقد حكم سبحانه شرعه وقدره أن الطيبات للطيبين، فإذا كان هو سبحانه الطيب على الإطلاق

стр. 75

فالكلمات الطيبات، والأفعال الطيبات، والصفات الطيبات، والأسماء الطيبات كلها له سبحانه، لا يستحقها أحد سواه، بل ما طاب شيء قط إلا بطيبته سبحانه، فطيب كل ما سواه من آثار طيبته، ولا تصلح هذه التحية الطيبة إلا له. السلام على النبي ﷺ وعلى عباد الله الصالحين ولما كان السلام من أنواع التحية، وكان المسلم داعيًا لمن يحييه، وكان الله سبحانه هو الذي يطلب منه السلام لعباده الذين اختصهم بعبوديته، وارتضاهم لنفسه، وشرع أن يبدأ بأكرمهم عليه، وأحبهم إليه، وأقربهم منه منزلة في هذه التحية بالشهادتين اللتين هما مفتاح الإسلام. فشرع أن يكون خاتمة الصلاة، فدخل فيها بالتكبيرة والحمد والثناء والتمجيد وتوحيد الربوبية والإلهية، وختمها بشهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، وشرعت هذه التحية في وسط الصلاة إذا زادت على ركعتين تشبيهًا لها بجلسة الفصل بين السجدتين، وفيها مع الفصل راحة للمصلي لاستقباله الركعتين الآخرتين بنشاط وقوة بخلاف ما إذا والى بين الركعات، ولهذا كان الأفضل في النفل مثنى مثنى، وإن تطوع بأربع جلس في وسطهن.
следующие страницы →