← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17080

ذوق الصلاة عند ابن القيم

عادل الزرقي

Полный текст (85 стр.). Показаны 71–85 · переход к 76.

стр. 71

تكرار السجود ولما كانت العبودية غاية كمال الإنسان وقربه من الله بحسب نصيبه من عبوديته، وكانت الصلاة جامعة لمتفرق العبودية، متضمنة لأقسامها كانت أفضل أعمال العبد، ومنزلتها من الإسلام بمنزلة عمود الفسطاط منه وكان السجود أفضل أركانها الفعلية، وسرها التي شرعت لأجله، وكان تكرره في الصلاة أكثر من تكرر سائر الأركان، وجعله خاتمة الركعة وغايتها، وشرع فعله بعد الركوع، فإن الركوع توطئه له ومقدمة بين يديه، وشرع فيه من الثناء على الله ما يناسبه، وهو قول العبد: «سبحان ربي الأعلى» فهذا أفضل ما يقال فيه، ولم يرد عن النبي ﷺ أمره في السجود بغيره حيث قال: «اجعلوها في سجودكم» (١) ومن تركه عمدًا فصلاته باطلة عند كثير من العلماء، منهم الإمام أحمد وغيره؛ لأنه لم يفعل ما أمر به، وكان وصف الرب بالعلو في هذه الحال في غاية المناسبة لحال الساجد الذي قد انحط إلى السفل على وجهه، فذكر علو ربه في حال سقوطه، وهو كما ذكر عظمته في حال خضوعه في ركوعه، ونزه ربه عما لا يليق به مما يضاد عظمته وعلوه.

стр. 72

الجلوس بين السجدتين ثم لما شرع السجود بوصف التكرار، لم يكن بد من الفصل بين السجدتين، ففصل بينهما بركن مقصود، شرع فيه من الدعاء ما يليق به، ويناسبه، وهو سؤال العبد المغفرة والرحمة والهداية والعافية والرزق (١)، ودفع شر الدنيا والآخرة، فالرحمة تُحصل الخير، والمغفرة تقي الشر والهداية توصل إلى هذا وهذا، والرزق إعطاء ما به قوام البدن من الطعام والشراب، وما به قوام الروح والقلب من العلم والإيمان، وجعل جلوس الفصل محلاً لهذا الدعاء لما تقدمه من رحمة الله والثناء عليه والخضوع له، فكان هذا وسيلة للداعي ومقدمة بين يدي حاجته. فهذا الركن مقصود الدعاء فيه فهو ركن وضع للرغبة وطلب العفو والمغفرة والرحمة، فإن العبد لما أتى بالقيام والحمد والثناء والمجد، ثم أتى بالخضوع وتنزيه الرب وتعظيمه، ثم عاد إلى الحمد والثناء، ثم كمل ذلك بغاية التذلل والخضوع والاستكانة، بقي سؤال حاجته واعتذاره وتنصله فشرع له أن يتمثل في الخدمة فيقعد فعل العبد الذليل جاثيًا على ركبتيه كهيئة الملقي نفسه بين يدي سيده راغبًا راهبًا معتذرًا إليه مستعديًا إليه على نفسه الأمارة بالسوء ثم شرع له تكرير هذه العبودية مرة بعد مرة إلى إتمام الأربع، كما شرع له تكرير الذكر مرة بعد مرة لأنه أبلغ في حصول المقصود، وأدعى إلى الاستكانة والخضوع.

стр. 73

جلسة التشهد فلما أكمل ركوع الصلاة وسجودها وقراءتها وتسبيحها وتكبيرها، شرع له أن يجلس في آخر صلاته جلسة المتخشع المتذلل المستكين جاثيًا على ركبتيه، ويأتي في هذه الجلسة بأكمل التحيات وأفضلها عوضًا عن تحية المخلوق للمخلوق، إذا واجهه، أو دخل عليه، فإن الناس يحيون ملوكهم وأكابرهم بأنواع التحيات التي يحيون بها قلوبهم، فبعضهم يقول: أنعم صباحًا، وبعضهم يقول: لك البقاء والنعمة، وبعضهم يقول: أطال الله بقاءك، وبعضهم يقول: تعش ألف عام، وبعضهم يسجد للملوك، وبعضهم يسلم فتحياتهم بينهم تتضمن ما يحبه المحيا من الأقوال والأفعال، والمشركون يحيون أصنامهم. قال الحسن: كان أهل الجاهلية يتمسحون بأصنامهم ويقولون: لك الحياة الدائمة، فلما جاء الإسلام أُمِرُوا أن يجعلوا أطيب تلك التحيات وأزكاها وأفضلها الله.

стр. 74

التحيات فالتحية هي تحية من العبد للحي الذي لا يموت، وهو سبحانه أولى بتلك التحيات من كل ما سواه، فإنها تتضمن الحياة والبقاء والدوام، ولا يستحق أحَدٌ هذه التحيات إلا الحي الباقي الذي لا يموت ولا يزول ملكه، وكذلك قوله: «والصلوات» فإنه لا يستحق أحد الصلاة إلا الله والصلاة لغيره من أعظم الكفر والشرك به، وكذلك قوله: «والطيبات» فهي صفة الموصوف المحذوف أي: الطيبات من الكلمات والأفعال والصفات، والأسماء لله وحده، فهو طيب، وأفعاله طيبة، وصفاته أطيب شيء وأسماؤه أطيب الأسماء، واسمه الطيب، لا يصدر عنه إلا طيب، ولا يصعد إليه إلا طيب، ولا يقرب منه إلا طيب، فكله طيب، وإليه يصعد الكلم الطيب، وفعله طيب، والعمل الطيب يعرج إليه فالطيبات كلها له ومضافة إليه صادرة عنه ومنتهية إليه. قال النبي ﷺ : «إن الله طيبٌ لا يقبل إلا طيبًا» (١) وفي حديث رُقية المريض الذي رواه أبو داود وغيره «أنت ربُّ الطيبين» (٢) ولا يجاوره من عباده إلا الطيبون كما يقال لأهل الجنة ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣] وقد حكم سبحانه شرعه وقدره أن الطيبات للطيبين، فإذا كان هو سبحانه الطيب على الإطلاق

стр. 75

فالكلمات الطيبات، والأفعال الطيبات، والصفات الطيبات، والأسماء الطيبات كلها له سبحانه، لا يستحقها أحد سواه، بل ما طاب شيء قط إلا بطيبته سبحانه، فطيب كل ما سواه من آثار طيبته، ولا تصلح هذه التحية الطيبة إلا له. السلام على النبي ﷺ وعلى عباد الله الصالحين ولما كان السلام من أنواع التحية، وكان المسلم داعيًا لمن يحييه، وكان الله سبحانه هو الذي يطلب منه السلام لعباده الذين اختصهم بعبوديته، وارتضاهم لنفسه، وشرع أن يبدأ بأكرمهم عليه، وأحبهم إليه، وأقربهم منه منزلة في هذه التحية بالشهادتين اللتين هما مفتاح الإسلام. فشرع أن يكون خاتمة الصلاة، فدخل فيها بالتكبيرة والحمد والثناء والتمجيد وتوحيد الربوبية والإلهية، وختمها بشهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، وشرعت هذه التحية في وسط الصلاة إذا زادت على ركعتين تشبيهًا لها بجلسة الفصل بين السجدتين، وفيها مع الفصل راحة للمصلي لاستقباله الركعتين الآخرتين بنشاط وقوة بخلاف ما إذا والى بين الركعات، ولهذا كان الأفضل في النفل مثنى مثنى، وإن تطوع بأربع جلس في وسطهن.

стр. 76

الصلاة على النبي ﷺ - وجعلت كلمات التحيات في آخر الصلاة بمنزلة خطبة الحاجة أمامها، فإن المصلي إذا فرغ من صلاته، جلس جلسة الراغب الراهب يستعطي من ربه ما لا غنى به عنه، فشرع له أمام استعطائه كلمات التحيات مقدمة بين يدي سؤاله، ثم يتبعها بالصلاة على من نالت أمته هذه النعمة على يده وسعادته، ثم يتبعها بالصلاة على من نالت أمته هذه النعمة على يده وسعادته، فكأن المصلي توسل إلى الله سبحانه بعبوديته، ثم بالثناء عليه والشهادة له بالوحدانية، ولرسوله بالرسالة، ثم الصلاة على رسوله، ثم قيل له: تخير من الدعاء أحبه إليك، فذاك الحق الذي عليك، وهذا الحق الذي لك، وشرعت الصلاة على آله مع الصلاة عليه تكميلاً لقرة عينه بإكرام آله والصلاة عليهم، وأن يصلي عليه وعلى آله كما صلى على أبيه إبراهيم وآله. والأنبياء كلهم بعد إبراهيم من آله؛ لذلك كان المطلوب للرسول ﷺ صلاة مثل الصلاة على إبراهيم، وعلى جميع الأنبياء بعده وآله المؤمنين، فلهذا كانت هذه الصلاة أكمل ما يصلي على رسول الله ﷺ بها وأفضل.

стр. 77

الاستعاذة من مجامع الشر فإذا أتى بها المصلي أمر أن يستعيذ بالله من مجامع الشر كله، فإن الشر إما عذاب الآخرة وإما سببه فليس الشر إلا العذاب وأسبابه، والعذاب نوعان: عذاب في البرزخ وعذاب في الآخرة، وأسبابه: الفتنة، وهي نوعان كبرى وصغرى، فالكبرى فتنة الدجال وفتنة الممات، والصغرى فتنة الحياة التي يمكن تداركها بالتوبة بخلاف فتنة الممات وفتنة الدجال، فإن المفتون فيهما لا يتداركها. الدعاء قبل السلام ثم شرع له من الدعاء ما يختاره من مصالح دنياه وآخرته والدعاء في هذا المحل قبل السلام أفضل من الدعاء بعد السلام وأنفع للداعي، وهكذا كانت عامة أدعية النبي ﷺ كلها، كانت في الصلاة من أولها إلى آخرها فكان يدعو في الاستفتاح أنواعًا من الدعاء، وفي الركوع، وبعد رفع رأسه منه، وفي السجود وبين السجدتين وفي التشهد قبل التسليم، وعلم الصديق دعاءً يدعو به في صلاته، وعلمَ الحسن بن علي دعاءً يدعو به في قنوت الوتر، وكان إذا دعا لقوم أو على قوم جعله في الصلاة بعد الركوع ومن ذلك أن المصلي قبل سلامه في محل المناجاة والقربة بين يدي ربه، فسؤاله في هذه الحال أقرب إلى الإجابة من سؤاله بعد انصرافه من بين يديه.

стр. 78

وقد سئل النبي ﷺ أي الدعاء أسمع؟ فقال: «جوف الليل وأدبار الصلوات المكتوبة» (١) ودبر الصلاة جزؤها الأخير كدبر الحيوان ودبر الحائط، وقد يراد بدبرها ما بعد انقضائها بقرينة تدل عليه كقوله: «يُسبحون الله ويحمدونه ويكبرونه دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين» فهنا دبرها بعد الفراغ منها، وهذا نظير انقضاء الأجل، فإنه يراد به، ولما يفرغ، ويراد به فراغها وانتهاؤها. ثم ختمت بالتسليم، وجعل تحليلاً لها يخرج به المصلي منها كما يخرج بتحليل الحج منه، وجعل هذا التحليل دعاء الإمام لمن وراءه بالسلامة التي هي أصل الخير وأساسه، فشرع لمن وراءه أن يتحلل بمثل ما تحلل به الإمام. وفي ذلك دعاء له وللمصلين معه بالسلام، ثم شرع ذلك لكل مصل، وإن كان منفردًا فلا أحسن من هذا التحليل للصلاة كما أنه لا أحسن من كون التكبير تحريمًا لها، فتحريمها تكبير الرب تعالى الجامع لإثبات كل كماله له، وتنزيهه عن كل نقص وعيب، وإفراده وتخصيصه بذلك وتعظيمه وإجلاله، فالتكبير يتضمن تفاصيل أفعال الصلاة وأقوالها وهيئاتها. فالصلاة من أولها إلى آخرها تفصيل لمضمون: «الله أكبر» وأي تحريم أحسن من هذا التحريم المتضمن للإخلاص والتوحيد؟ وهذا التحليل المتضمن الإحسان إلى إخوانه المؤمنين. فافتتحت بالإخلاص، وختمت بالإحسان أ. هـ.

стр. 79

الرسالة الثالثة قال ابن القيم

стр. 80

فالصلاة قرة عيون المحبين في هذه الدنيا لما فيها من مناجاة من لا تقر العيون ولا تطمئن القلوب ولا تسكن النفوس إلا إليه, والتنعم بذكره والتذلل والخضوع له والقرب منه، ولا سيما في حال السجود، وتلك الحال أقرب ما يكون العبد من ربه فيها. ومن هذا قول النبي ﷺ : «يا بلال أرحنا بالصلاة» (١) فأعلم بذلك أن راحته في الصلاة، كما أخبر أن قرة عينه فيها. فأين هذا من قول القائل نصلي ونستريح من الصلاة. فالمحب راحته وقرة عينه في الصلاة، والغافل المعرض ليس له نصيب من ذلك، بل الصلاة كبيرة شاقة عليه، إذا قام فيها كأنه على الجمر، حتى يتخلص منها، وأحب الصلاة إليه أعجلها وأسرعها، فإنه ليس له قرة عين فيها، ولا لقلبه راحة بها، والعبد إذا قرت عينه بشيء واستراح قلبه به فأشق ما عليه مفارقته، والمتكلف الفارغ القلب من الله والدار الآخرة المبتلى بمحبة الدنيا أشق ما عليه الصلاة وأكره ما إليه طولها مع تفرغه وصحته وعدم اشتغاله. ومما ينبغي أن يعلم أن الصلاة التي تقر بها العين ويستريح بها القلب هي التي تجمع ستة مشاهد: المشهد الأول: الإخلاص: وهو أن يكون الحامل عليها والداعي إليها رغبة العبد في الله ومحبته له، وطلب مرضاته والقرب منه، والتودد إليه، وامتثال أمره بحيث لا

стр. 81

يكون الباعث له عليها حظًا من حظوظ الدنيا ألبتة، بل يأتي بها ابتغاء وجه ربه الأعلى، محبة له وخوفًا من عذابه ورجاء لمغفرته وثوابه. المشهد الثاني: مشهد الصدق والنصح: وهو أن يفرغ قلبه لله فيها، ويستفرغ جهده في إقباله فيها على الله، وجمع قلبه عليها، وإيقاعها على أحسن الوجوه وأكملها ظاهرًا وباطنًا فإن الصلاة لها ظاهر وباطن فظاهرها: الأفعال المشاهدة والأقوال المسموعة، وباطنها: الخشوع والمراقبة، وتفريغ القلب لله، والإقبال بكليته على الله فيها، بحيث لا يلتفت قلبه عنه إلى غيره, فهذا بمنزلة الروح لها، والأفعال بمنزلة البدن، فإذا خلت من الروح كانت كبدن لا روح فيه. أفلا يستحي العبد أن يواجه سيده بمثل ذلك، ولهذا تُلف بالثوب الخلق ويضرب بها وجه صاحبها، وتقول: ضيعك الله كما ضيعتني، والصلاة التي كمل ظاهرها وباطنها تصعد ولها نور وبرهان كنور الشمس حتى تعرض على الله، فيرضاها ويقبلها وتقول: حفظك الله كما حفظتني (١). المشهد الثالث: مشهد المتابعة والاقتداء: وهو أن يحرص كل الحرص على الاقتداء في صلاته بالنبي ﷺ ويصلي كما كان يصلي ويعرض عما أحدث الناس في الصلاة من الزيادة والنقصان والأوضاع التي لم ينقل عن رسول الله ﷺ شيء منها ولا عن أحد من أصحابه، ولا يقف عند أقوال المرخصين الذين يقفون مع أقل ما يعتقدون

стр. 82

وجوبه، ويكون غيرهم قد نازعهم في ذلك وأوجب ما أسقطوه. ولعل الأحاديث الثابتة والسنة النبوية من جانبه، ولا يلتفتون إلى ذلك ويقولون: نحن مقلدون لمذهب فلان، وهذا لا يخلص عند الله ولا يكون عذرًا لمن تخلف عما علمه من السنة عنده، فإن الله سبحانه إنما أمر بطاعة رسوله ﷺ واتباعه وحده، ولم يأمر باتباع غيره، وإنما يطاع غيره إذا أمر بما أمر به الرسول ﷺ وكل أحد سوى الرسول ﷺ فمأخوذ من قوله ومتروك. المشهد الرابع: مشهد الإحسان: وهو مشهد المراقبة وهو أن يعبد الله كأنه يراه، وهذا المشهد إنما ينشأ من كمال الإيمان بالله وأسمائه وصفاته، حتى كأنه يرى الله سبحانه فوق سمواته مستويات على عرشه، يتكلم بأمره ونهيه، ويدبر أمر الخليقة فينزل الأمر من عنده ويصعد إليه، وتعرض أعمال العباد وأرواحهم عند الموافاة عليه، فيشهد ذلك كله بقلبه ويشهد أسماءه وصفاته، ويشهد قيومًا حيًا سميعًا بصيرًا عزيزًا حكيمًا آمرًا ناهيًا يحب ويبغض ويرضى ويغضب ويفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، وهو فوق عرشه لا يخفى عليه شيء من أعمال العباد ولا أقوالهم ولا بواطنهم بل يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. ومشهد الإحسان أصل أعمال القلوب كلها، فإنه يوجب الحياء والإجلال والتعظيم والخشية والمحبة والإنابة والتوكل والخضوع لله سبحانه والذل له ويقطع الوساوس وحديث النفس ويجمع القلب والهم على الله، فحظ العبد من القرب من الله على قدر حظه من مقام الإحسان، وبحسبه تتفاوت

стр. 83

الصلاة حتى يكون بين صلاة الرجلين من الفضل كما بين السماء والأرض وقيامهما وركوعهما وسجودهما واحد. المشهد الخامس: مشهد المنة: وهو أن يشهد أن المنة لله سبحانه كونه أقامه في هذا المقام وأهلهُ له ووفقه لقيام قلبه وبدنه في خدمته فلولا الله سبحانه لم يكن شيء من ذلك كما كان الصحابة يَحْدُون بين يدي النبي ﷺ فيقولون: والله لولا الله ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا قال الله تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات: ١٧]. فالله سبحانه هو الذي جعل المسلم مسلمًا والمصلي مصليًا كما قال الخليل: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨] وقال ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [إبراهيم: ٤٠]. فالمنة لله وحده في أن جعل عبده قائمًا بطاعته, وكان هذا من أعظم نعمه عليه وقال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣] وقال: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ [الحجرات: ٧].

стр. 84

وهذا المشهد من أعظم المشاهد وأنفعها للعبد، وكلما كان العبد أعظم توحيدًا كان حظه من هذا المشهد أتم وفيه من الفوائد: ١ - أن يحول بين القلب وبين العجب بالعمل ورؤيته فإنه إذا شهد أن الله سبحانه هو المان به الموفق له الهادي إليه شغله شهود ذلك عن رؤيته والإعجاب به وأن يصول به على الناس فيرفع من قلبه فلا يعجب به، ومن لسانه فلا يمن به ولا يتكثر به، وهذا شأن العمل المرفوع. ٢ - ومن فوائده أنه يضيف الحمد إلى وليه ومستحقه فلا يشهد لنفسه حمدًا بل يشهده كله لله كما يشهد النعمة كلها منه والفضل كله له والخير كله في يديه. وهذه من تمام التوحيد، فلا يستقر قدمه في مقام التوحيد، إلا بعلم ذلك وشهوده فإذا علمه ورسخ فيه صار له مشهدًا وإذا صار لقلبه مشهدًا أثمر له من المحبة والأنس بالله والشوق إلى لقائه والتنعم بذكره وطاعته ما لا نسبة بينه وبين أعلى نعيم الدنيا ألبتة، وما للمرء خير في حياته إذا كان قلبه عن هذا مصدودًا وطريق الوصول إليه عنه مسدودًا، بل هو كما قال تعالى: ﴿ذَرْهُمْ يَاكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر: ٣]. المشهد السادس: مشهد التقصير: وأن العبد لو اجتهد في القيام بالأمر غاية الاجتهاد وبذل وسعه فهو مقصر وحق الله سبحانه عليه أعظم والذي ينبغي له أن يقابل به من الطاعة

стр. 85

والعبودية والخدمة فوق ذلك بكثير، وأن عظمته وجلاله سبحانه يقتضي من العبودية ما يليق بها، وإذا كان خدم الملوك وعبيدهم يعاملونهم في خدمتهم بالإجلال لهم والتعظيم والاحترام والتوقير والحياء والمهابة والخشية والنصح بحيث يفرغون قلوبهم وجوارحهم لهم، فمالك الملوك ورب السموات والأرض أولى أن يعامل بذلك بل بأضعاف ذلك، وإذا شهد العبد من نفسه أنه لم يوف ربه في عبوديته حقه ولا قريبًا من حقه علم تقصيره ولم يسعه مع ذلك غير الاستغفار والاعتذار من تقصيره وتفريطه وعدم القيام بما ينبغي له من حقه وأنه إلى أن يغفر له العبودية ويعفو عنه فيها, أحوج منه إلى أن يطلب منه عليها ثوابًا وهو لو وفاها حقها كما ينبغي لكانت مستحقة عليه بمقتضى العبودية, فإن عمل العبد وخدمته لسيده مستحق عليه بحكم كونه عبده، ومملوكه فلو طلب منه الأجرة على عمله وخدمته لعده الناس أحمق وأخرق. هذا وليس هو عبده ولا مملوكه على الحقيقة وهو عبد الله ومملوكه على الحقيقة من كل وجه لله سبحانه، فعمله وخدمته مستحق عليه بحكم كونه عبده فإذا أثابه عليه كان ذلك مجرد فضل ومنة وإحسان إليه لا يستحقه العبد عليه، ومن ههنا يفهم معنى قول النبي ﷺ : «لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله» قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل» (١).