← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17081

سنة الترك ودلالتها على الأحكام الشرعية

محمد حسين الجيزاني

Полный текст (98 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

سُنَّةُ التَّرْك وَدِلالتها عَلَى الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ تأليف مُحَمَّد بن حُسَيْن الجيزاني دَار ابْن الْجَوْزِيّ

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [المقدمة] الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين. أما بعد؛ فهذه دراسة أصولية تطبيقية لقاعدة شرعية عظيمة، وهي سُنَّة الترك، وهذا الترك نوع من أنواع سُنَّتِه المطهرة _عليه الصلاة والسلام. والملاحظ أن عناية الأصوليين ببحث هذه المسألة كانت جد يسيرة. وذلك أن معظم الأصوليين لم يتعرض أصلا لذكر السُّنة التركية، ومن تعرض إليها منهم فعلى سبيل الإشارة، وذلك عند الكلام على أفعاله ﷺ . وقد نبه إلى ذلك الإمام بدر الدين الزركشي إذ قال في معرض بيانه أقسام السنة النبوية: القسم السابع: التَّرْكُ لم يتعرضوا لتركه ﵇ (١). ومن هنا فقد عَزَمْتُ على الكتابة في هذه المسألة وجمع ما يتعلق بها من كلام أهل العلم في كتب أصول الفقه وغيرها.

стр. 3

ومن الدراسات السابقة التي وقفت عليها في هذه المسألة: كلام ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم (١). كلام ابن القيم في إعلام الموقعين (٢). كلام الشاطبي في الموافقات (٣). كلام الشاطبي في الاعتصام (٤). أفعال الرسول ﷺ للدكتور محمد العروسي عبد القادر (٥). أفعال الرسول ﷺ للدكتور محمد سليمان الأشقر (٦). وقد اقتضى المقام أن تكون خطة البحث في تمهيد وثلاثة فصول بيانها كالآتي. التمهيد في التعريف بالسُّنَّة وأقسامها وحجيتها. الفصل الأول: حقيقة السُّنَّة التركية. وفي هذا الفصل خمسة مطالب: المطلب الأول: تعريف الترك وأحكامه. المطلب الثاني: تعريف السُّنَّة التركية. المطلب الثالث: أقسام السُّنَّة التركية.

стр. 4

المطلب الرابع: علاقة سُنَّة الترك بالسنة التقريرية. المطلب الخامس: علاقة سُنَّة الترك بالمصالح المرسلة. الفصل الثاني: حجية السُّنَّة التركية. وفي هذا الفصل ثلاثة مطالب. المطلب الأول: دلالة السُّنَّة التركية. المطلب الثاني: شروط الاحتجاج بالسُّنَّة التركية. المطلب الثالث: الأدلة على حجية السُّنَّة التركية. الفصل الثالث: أثر الاحتجاج بالسُّنَّة التركية. وفي هذا الفصل أربعة فروع: الفرع الأول: أثر سُنَّة الترك في تخصيص العموم. الفرع الثاني: أثر سُنَّة الترك في معرفة مقاصد الشريعة. الفرع الثالث: أثر سُنَّة الترك في إبطال البدع والرَّد على المبتدعة. الفرع الرابع: أثر سُنَّة الترك في المسائل المعاصرة. وقد ذيلت هذا البحث بخاتمة، تضمنت خُلاصة البحث، ثم بقائمة للمصادر والمراجع. أسأل الله أن يوفقنا لما يحب ويرضى، وصلى الله وسلم على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 5

التمهيد في التعريف بالسُّنَّة وأقسامها وحجيتها وفيه ثلاثة مسائل: المسألة الأولى: تعريف السُّنَّة لغة واصطلاحًا. المسألة الثانية: أقسام السُّنَّة. المسألة الثالثة: حجية السُّنَّة.

стр. 6

المسألة الأولى تعريف السُّنَّة لغة واصطلاحًا ١ - السُّنَّة في اللغة (١): السُّنَّة لغة: الطريقة والسيرة, حميدة كانت أو ذميمة؛ فكل من ابتدأ أمرًا عمل به قوم من بعده قيل هو سُنَّة. ومن الأمثلة على ورود لفظ السُّنَّة بمعناه اللغوي قول الرسول ﷺ : «من سَنَّ في الإسلام سُنَّة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سَنَّ في الإسلام سُنُّة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء» (٢). ٢ - السُّنَّة في الاصطلاح (٣): للسُّنَّة في اصطلاح أهل الشرع إطلاقات عدة: فتطلق تارة على ما يقابل القرآن.

стр. 7

وهو اصطلاح الأصوليين، وهو أن السُّنَّة هي: ما صدر عن النبي ﷺ غير القرآن (١). والسُّنَّة بهذا المعنى تشمل أنواعًا ثلاثة، وهي: قوله ﷺ وفعله وتقريره؛ وهذا الإطلاق هو المراد في هذا المقام؛ وتطلق السُّنَّة تارة على ما يقابل الفرض وغيره من الأحكام الخمسة؛ كفروض الوضوء والصلاة والصوم وسننها؛ وتطلق السُّنَّة أيضًا على ما يقابل البدعة ومن ذلك قول النبي ﷺ : «ما أحدث قوم بدعة إلا رُفِعَ مثلها من السُّنَّة فتمسك بِسُنَّة خير من إحداث بدعة» (٢). وقوله ﷺ : «فإن لكل عابد شرة، ولكل شرة فترة؛ فإما إلى سنُةَّ وإما إلى بدعة، فمن كانت فترته إلى سُنَّة فقد اهتدى، ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد هلك» (٣). ومعنى السُّنَّة في هذا الإطلاق: الطريقة المسلوكة في الدين؛ وهي ما عليه الرسول ﷺ وخلفاؤه الراشدون من الاعتقادات والأعمال والأقوال، وإن كان الغالب تخصيص

стр. 8

اسم السُّنَّة بما يتعلق بالاعتقادات؛ لأنها أصل الدين، والمخالف فيها على خطر عظيم (١).

стр. 9

المسألة الثانية أقسام السُّنَّة أولا: تنقسم السُّنَّة باعتبار ذاتها إلى: قولية, وفعلية، وتقريرية (١). وهذا يشمل قوله ﷺ وفعله وتقريره وكتابته وإشارته وهَمَّه وترْكه (٢). وهذه الأنواع قد يدخل بعضها في بعض؛ فيدخل في الفعل كل من الكتابة والإشارة والهم والترك (٣). وقد زاد بعض الأصوليين (٤): سُنَّة الخلفاء الراشدين؛ لقوله ﷺ : «فعليكم بسُنَّتي وسُنَّة الخلفاء الراشدين المهديين, عَضُّوًا عليها بالنَّواجِذ» (٥). قال ابن رجب: "وفي أمره ﷺ باتباع سُنَّته وسُنَّة خلفائه الراشدين بعد أمره بالسمع والطاعة لولاة الأمر عمومًا دليل

стр. 10

على أن سُنَّة الخلفاء الراشدين مُتَّبَعَة، كاتباع سُنَّته" (١). ثانيًا: تنقسم السُّنَّة باعتبار وصولها إلينا وعدد نقلتها ورواتها إلى متواتر وآحاد (٢).

стр. 11

المسألة الثالثة حُجِّيَّة السُّنَّة أجمع المسلمون على وجوب طاعة النبي ﷺ ولزوم سُنَّته (١). قال الإمام الشافعي: "لم أسمع أحدًا نسبه الناس أو نسب نفسه إلى علم - يخالف في أن فرض الله اتباع أمر رسول الله ﷺ والتسليم لحكمه؛ بأن الله لم يجعل لأحد بعده إلا اتباعه، وأنه لا يلزم قول بكل حال إلا بكتاب الله أو سُنَّة رسوله ﷺ , وأن ما سواهما تبع لهما, وأن فرض الله علينا وعلى من بعدنا وقبلنا في قبول الخبر عن رسول الله ﷺ واحد، لا يختلف في أن الفرض والواجب قبول الخبر عن رسول الله ﷺ ، إلا فرقة سأصف قولها إن شاء الله تعالى" (٢). وقال أيضًا: "ولا أعلم من الصحابة ولا من التابعين أحدًا أخبر عن رسول الله ﷺ إلا قبل خبره وانتهى إليه وأثبت

стр. 12

ذلك سُنَّة" (١). وقال ﵀: "إذا وجدتم لرسول الله ﷺ سُنَّة فاتبعوها ولا تلتفتوا إلى قول أحد" (٢). وقال ابن تيمية: "وهذه السُّنَّة إذا ثبتت فإن المسلمين كلهم متفقون على وجوب اتباعها" (٣). والأدلة على وجوب اتباع السُّنَّة كثيرة جدًا (٤): فمن القرآن الكريم (٥): ١ - الأمر بطاعة الرسول ﷺ قال - تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ٣٢]. ٢ - ترتيب الوعيد على من يخالف أمر النبي ﷺ , قال - تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]. ٣ - نفي الخيار عن المؤمنين إذا صدر حكم عن رسول الله ﷺ , قال - تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى

стр. 13

اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦]. ٤ - الأمر بالرد إلى الرسول ﷺ عند النزاع، قال - تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]. ٥ - جعل الرد إلى الرسول ﷺ عند النزاع من موجبات الإيمان ولوازمه، قال - تعالى: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾ [النساء: ٥٩]. ومن السنة: قوله ﷺ : «فعليكم بسُنَّتي وسُنَّة الخلفاء المهديين الراشدين تمسكوا بها وعَضُّوا عليها بالنَّواجِذ» (١). وقوله ﷺ : «دعوني ما تركتكم، فإنما أهلك من كان قبلكم سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم, فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه, وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم» (٢). وقوله ﷺ : «ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، لا يوشك رجل شبعان على أريكته، يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرِّموه» (٣).

стр. 14

وقوله ﷺ : «ألا وإن ما حرم رسول الله مثل ما حرم الله» (١). هذه بعض النصوص الدالة على حُجِّيَّة السُّنَّة وبذلك يعلم أن الاحتجاج بالسُّنَّة أصل ثابت من أصول هذا الدين وقاعدة ضرورية من قواعد.

стр. 15

الفصل الأول حقيقة السُّنَّة التَّرْكِيَّة وفي هذا الفصل خمسة مطالب: المطلب الأول: تعريف التَّرْك وأحكامه. المطلب الثاني: تعريف السُّنَّة التَّرْكِيَّة. المطلب الثالث: أقسام السُّنَّة التَّرْكِيَّة. المطلب الرابع: علاقة سُنَّة التَّرْك بالسُّنَّة التقريرية. المطلب الخامس: علاقة سُنَّة التَّرْك بالمصالح المُرْسَلة.

стр. 16

المطلب الأول تعريف التَّرْكِ وأحكامه وفيه مسألتان: المسألة الأولى: تعريف التَّرْكِ (١): التَّرْكُ لُغَةً: تَرْكُ الشيءَ تَرْكًا وتَرْكَانًا، طرحه وخلَّاه، ويُقال: تركتُ المنزل تركًا، رحلتُ عنه؛ وتركتُ الرجل: فارقته. والتَّرْكُ: عدم فعل المقدور عليه. وأما عدم ما لا قدرة عليه فلا يُسمَّى تَرْكًا، ولذلك لا يُقال: تَرَكَ فلانٌ خَلْقَ الأجسام. وذلك أن التَّرْكُ فعل الضد لأنه مقدور، ولا بد أن يكون كلا الضدين مقدورَين حتى يكون ارتكاب أحدهما تَرْكًا للآخر، فإذا لم يكن أحدهما أو كلاهما مقدورًا لم يصح استعمال التَّرْكِ هناك، فلا يقال: تَرَكَ بقعوده الصعود إلى السماء، ولا تَرَكَ بحركته الاضطرارية حركته الاختيارية.

стр. 17

ثم إن عُدِمَ فعل المقدور إنما يُسمَّى تَرْكًا إذا كان حاصلا بالقصد فلا يُقال تَرَكَ النائم الكتابة، ولذلك يتعلق بالتَّرْكِ الذم والمدح والثواب والعقاب، فلولا أنه اعتبر فيه القصد لم يكن كذلك قطعًا. وذلك أن التَّرْكَ من أفعال القلوب؛ لأنه انصراف القلب عن الفعل وكَفُّ النَّفس عن ارتياده. المسألة الثانية: أحكام التَّرْكِ: ويمكن بيان ذلك في النقاط الآتية: أولاً: أن التَّرْكَ داخل تحت التكليف (١). التَّرْكُ معدود من الأفعال المُكلَّف بها؛ خلافًا لمن زعم أن التَّرك أمر عدمي لا وجود له، والعدم عبارة عن لا شيء. والدليل على أن الترك فعل من القرآن قوله - تعالى: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: ٧٩] فسمَّى الله عدم تناهيهم عن المنكر فعلا وذمهم على هذا الفعل، فقال - سبحانه: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ , ومن السُّنَّة قوله ﷺ : «المُسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده» (٢) فَسُمِّيَ تَرْكُ الأذى إسلامًا وهو يدل على أن التُّرْك فعل.

стр. 18

ثانيًا: متى يكون الترك مطلوبًا أو مباحًا في الشرع؟ (١) ١ - إذا وقع تَرْك ما أحله الله على وجه معتبر شرعًا وذلك إذا اقترن بهذا التَّرْك نية صحيحة، أو كان التَّرك وسيلة مفضية إلى العمل الصالح وعونًا عليه؛ فإن هذا التَّرك على هذا الوجه يدخل تحت معنى العبادة، فلا يكون بدعة حينئذ، وذلك كمن نوى بترك النَّوم ليلًا لإدراك صلاة الفجر، أو كان ترك النوم بالنسبة إليه سببًا للبر بوالديه أو أحدهما. ٢ - إذا وقع التَّرك لسبب معقول؛ كمن يترك الطعام لأنه يضره في جسمه، أو لأنه لا يجد ثمنه، أو ما أشبه ذلك من الدواعي الخاصة، ومنه تَرْك النبي ﷺ لأكل الضَّب لقوله فيه «إنه لم يكن بأرض قومي فأجدني أَعافه» (٢) , ولا يُسَمَّى مثل هذا تحريمًا لأن التحريم يستلزم القصد إليه، وهذا ليس كذلك فهذا التَّرْك في أصله من قبيل المباح. ٣ - ترك الأمور المشتبهات من باب الاحتياط؛ فإن هذا من باب الورع، وهو الوارد في قوله ﷺ : «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» (٣) , وقوله ﷺ : «فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه

стр. 19

وعرضه» (١). ٤ - تَرْك بعض السُّنَّة سُدًا للذريعة؛ لئلا يُظن الوجوب وهذا خاص بمن كان من الناس في مظنة الاقتداء به، وهو منقول عن السلف؛ كَتَرْكِ بعض الصحابة ﵃ الأُضحية؛ خشية أن يظن الناس أنها واجبة؛ نُقِلَ ذلك عن أبي بكر وعمر وابن عباس ﵄ وقال أبو مسعود البدري ﵁: «إني لأترك أضحيتي وإني لمن أيسركم؛ مخافة أن يظن الجيران أنها واجبة» (٢). والأصل في ذلك: تَرْك النبي ﷺ قتل المنافقين (٣) , وتَرْكه ﷺ هدم الكعبة وبنائها على قواعد إبراهيم ﷺ (٤). قال ابن القيم: " .. هذا إذا أمن المفتي غائلة الفتوى، فإن لم يأمن غائلتها وخاف من ترتب شر أكثر من الإمساك عنها أمسك عنها، ترجيحًا لدفع أعلى المَفسدتين باحتمال أدناهما، وقد أمسك النبي ﷺ عن نقض الكعبة وإعادتها على قواعد إبراهيم لأجل حُدثان عهد قريش

стр. 20

بالإسلام، وأن ذلك رُبَّما نفَّرهم عنه بعد الدخول فيه". وكذلك إن كان عقل السائل لا يحتمل الجواب عمَّا سأل عنه، وخاف المسئول أن يكون فِتْنَة له، أمسك عن جوابه (١). ثالثًا: متى يصير التَّرْكُ بدعة (٢)؟ ترك ما أحلَّه الله - تعالى - يصير بدعة ضلالة في حالتين: الحالة الأولى: أن يعتقد تحريم فعل ما أحلَّه الله. والأصل في ذلك: التحريم الواقع من الكفار؛ كالبحيرة والسائبة والوصيلة والحام؛ كما ورد ذلك في قوله - تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة: ١٠٣]. ومن الأمثلة على ذلك: ١ - اعتقاد تحريم التمتع بالطيبات. ٢ - اعتقاد حُرْمة جميع ما يُصنع ويأتي من بلاد الكافرين, من أطعمة وألبسة وغيرها. ٣ - اعتقاد حُرْمة بعض المخترعات العصرية, كالوسائل الكهربائية. والحالة الثانية: أن يقترن بِتَرْك فِعْل ما أحَلَّه الله قصد

стр. 21

التعبد ونية التقرب إلى الله، من وجه لم يعتبره الشارع، وإن كان هذا التَّارِك يعتقد في نفسه أن إتيان هذا الفعل حلال من حيث الأصل. وذلك مثل التَّقَرُّب إلى الله - تعالى - بِتَرْك النوم ليلًا أو تَرْك الأكل نهارًا، أو تَرْك إتيان النساء، وهذا ما وَرَدَ في قصة الرَّهْطِ الثلاثة. فعن أنس بن مالك ﵁ قال: «جاء ثلاثة رَهْط إلى بيوت أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادة النبي ﷺ فلما أخبروه كأنهم تَقَالُّوها فقالوا: وأين نحن من النبي ﷺ قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخَّر. قال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبدًا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أُفْطِر. وقال آخر: أنا اعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا. فجاء رسول الله ﷺ فقال: «أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأُفْطِر، وأُصلي وأرقد، وأتزوج النساء فمن رَغِبَ عن سُنَّتي فليس مني» (١). وذلك أن هؤلاء الثلاثة أرادوا التقرب إلى الله - تعالى - بِتَرْكِ الحلال، وهو تَرْكُ النوم ليلًا، وتَرَكُ الإفطار نهارًا، وتَرَكُ الزَّواج.

стр. 22

ثم إن الرسول ﷺ قد أنكر عليهم صنيعهم هذا وبَيَّنَ سُنَّتِه وجَلَّاها, فقال: «لَكِنِّي أصوم وأُفطر، وأُصلي وأرقد، وأتزوج النِّساء، فمن رَغِبَ عن سُنَّتِي فليس مِنِّي» والرغبة عن السنة مُوقِع في البدعة. والأصل في ذلك: قول الله - تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [المائدة: ٨٧] حيث نهى أوَّلًا عن تحريم الحلال ثم جاءت الآية تشعر بأن ذلك اعتداء لا يحبه الله، وذلك أن التَّرك المقصود معارضة للشارع في شرع التحليل. ومما يَحْلَق بهذا النوع من التَّرك: الاقتصار في الملبس على الخشن من غير ضرورة، أو الاقتصار على البشيع في المأكل من غير عذر فإنه تَنَطُّع؛ لأنه من قبيل التشديد والتَّنَطُّع المذموم، وفيه أيضًا مَنْ قصد الشهرة ما فيه، وهذا كله قد يفضي إلى الوقوع في الغلو المنهي عنه. رابعًا: متى يصير الترك معصية (١). يُعَدُّ التَّرْكُ معصية: إذا تُرِكَ ما هو مطلوب في الشرع كَسَلًا أو تضييعًا أو عبثًا، فهذا الضرب من التَّرْكِ راجع إلى مخالفة أمر الشارع, فإن كان في أمر يفيد الوجوب فالتَّرك يكون حينئذ معصية؛ كَتَرْك الطَّعام يوم العيد.

стр. 23

وإن كان التَّرْك في أمر يفيد النَّدب، فهذا التَّرك لا يُعَدُّ معصية؛ كترك الاستياك والتَّطَيُّب لصلاة الجمعة.

стр. 24

المطلب الثاني تعريف السُّنَّة التَّرْكِيَّة قبل الشروع في تعريف السُّنَّة التَّرْكِيَّة يَجْدُر التعرض بالبيان لأقسام تَرْكِه ﷺ وذلك على النحو الآتي: ينقسم تَرْكِه ﷺ إلى خمسة أقسام: القسم الأول: التَّرْكُ الجِبِلِّيّ أو العادي، وهو ما يرجع إلى الجِبِلَّة أو العادة؛ كَتْرِكه ﷺ أكل الضَّب؛ لكونه لم يكن بأرض قومه (١). ومن ذلك: ما تركه ﷺ على جهة النسيان. مثال ذلك: أن الرسول ﷺ صلى بأصحابه ﵃ صلاة فزاد أو نقص، فلما سلم قيل له: يا رسول الله أَحَدَثَ في الصلاة شيء؟ قال: "وما ذاك؟ " قالوا: صليت كذا وكذا، فثني رجليه بوجهه قال: «إنه لو حدث في الصلاة شيء لنبأتكم به ولكن إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تَنْسُون فإذا نسيت فذكروني، وإذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب فليتم

стр. 25

عليه ثم ليسلم ثم يسجد سجدتين» (١). القسم الثاني: التَّرك الخاص به ﷺ وهو ما ثبت بالدليل كونه خاصًا به ﷺ كتَرْكِه ﷺ أكل الثَّوم (٢). القسم الثالث: التَّرك المصلحي، وهو ما يرجع إلى تحقيق مصلحة شرعية. ومن أمثلته ما يأتي: تَرْكِه ﷺ صلاة القيام في رمضان جماعة بأصحابه؛ رحمةً بأمته (٣). تَرْكه ﷺ هدم الكعبة وبنائها على قواعد إبراهيم ﷺ تأليفًا لقلوب أهل مكة؛ لقرب عهدهم بالكفر (٤). تَرْكه ﷺ قتل المنافقين؛ سدًا لذريعة التنفير من الدخول في الإسلام (٥). تَرْكه ﷺ الصلاة على صاحب الدَّين (٦) وتركه ﷺ الصلاة على الغال (٧) من باب العقوبة لهما والترهيب من صنيعهما.

стр. 26

القسم الرابع: التَّرْكُ البياني، أو التَّرْكُ التشريعي، وهو ما تَرَكَه ﷺ بيانًا للشرع؛ كتَرْكه ﷺ الأذان للعيدين وتَرْكه الاحتفال بمولده ﷺ . وهذا القسم من تَرْكه ﷺ هو المُراد من السُّنَّة التَّرْكية، وإنما يُحْتج به فيجب تَرْك ما تَرَكَ ﷺ , إذا وجد السبب المُقتضي لفعل هذا المتروك في زمنه ﷺ وانتفى المانع من فعله كما سيأتي. ومما يلتحق بهذا القسم - أعني التُّرْك البياني - ثلاثة أنواع من التَّرْك: الأول: تَرْكه ﷺ واجتنابه لما هو مُحَرَّم شرعًا، ومن ذلك: تَرْكه ﷺ وهو مُحْرِم للطيب والصيد؛ فإن المعلوم من شاهد الحال أن ذلك لأجل الإحرام (١). الثاني: قاعدة: "تَرْك الاستفصال في حكاية الحال مع قيام الاحتمال يُنَزَّل منزلة العموم في المقال، ويحسن بها الاستدلال", وهي مقالة مشهورة عن الإمام الشافعي (٢).

стр. 27

ومعنى القاعدة: أن النبي ﷺ إذا تَرَك السُّؤَال عن تفاصيل واقعة ما فإن عدم السؤال يدل على عموم حكمها، وذلك أن غيلان بن سلمة الثقفي ﵁ أسلم وله عشر نسوة في الجاهلية فأسلمن معه، فأمره النبي ﷺ أن يتخير أربعًا منهن (١). فدَّل تَرْكه ﷺ سؤاله: هل عقد عليهن معًا أو مرتبًا على عموم الحكم وعدم الفرق بين الأمرين (٢). قال تاج الدين السبكي: "اشتهر عن الشافعي ﵁ أن تَرْكَ الاستفصال في حكاية الأحوال مع قيام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال". وهذا وإن لم أجده مسطورًا في نصوصه فقد نقله عنه لسان مذهبه، بل لسان الشريعة على الحقيقة أبو المعالي ﵁.

стр. 28

ومعناه صحيح؛ فقد كانت من عادته ﷺ أن يستفصل ويستقصي بحيث لا يدع غاية في البيان ولا إشكالا في الإيضاح. الثالث: سكوته ﷺ على حكم لو كان مشروعًا لبينه، فإنه يدل على عدم الحكم (١). ومن أمثلته: القول بأن المرأة لا كفارة عليها في الوقاع في نهار رمضان؛ إذ لو وجبت على المرأة كفارة لبَيَّنَهَا رسول الله ﷺ ولأمر الأعرابي بتبليغ ذلك لأهله؛ كما أمر أنيسًا لمَّا قال له: «واغْدُ يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارْجُمْها» (٢). ومما يدل على ذلك: قوله ﷺ «إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها وحرَّم حُرُمات فلا تنتهكوها وحدَّ حدودًا فلا تعتدوها، وسكت عن أشياء رحمة لكم من غير نسيان فلا تبحثوا عنها» (٣). ويدل على ذلك - أيضًا - قول ابن عباس ﵄ «وما سكت عنه فهو مما عفا عنه» (٤).

стр. 29

قال التلمساني: واعلم أن من شرط هذا الاستدلال بيان أن الوقت وقت حاجة للبيان, بحيث يكون التأخير معصية (١). وهذا النوع أعني دلالة سكوته ﷺ يقرب من السنة التقريرية إلا أن السنة التقريرية - كما سيأتي في المطلب الآتي - لا بد أن يقترن بها فعل أو قول من بعض الصحابة ﵃ بخلاف دلالة السُّكوت فإنها أعَمَّ؛ إذ قد يقترن بها استفسار وسؤال سابق, فتكون من قبيل السُّنَّة التَّقريرية، وقد لا يقترن بها سُؤال؛ فتكون من قبيل التمسك بالأصل، وهو براءة الذمة؛ فتكون من قبيل سُنَّة التَّرْكِ. القسم الخامس: ما تَرَكَه ﷺ لعدم القدرة عليه، وهذا التَّرْك لم يوجد معه القصد إلى التَّرْك (٢). وهذا على التحقيق لا يُسَمَّى تَرْكًا؛ لكونه غير داخل تحت حقيقة التَّرْك؛ إذ الترك كما تقدم مخصوص بتَرْكِ فعل المقدور عليه. ومن الأمثلة عليه: تركه ﷺ الإتيان بالمستجدات الواقعة

стр. 30

بعد عصره ﷺ كَتَرْكه ﷺ قتال مانعي الزكاة؛ فإن جحد وجوب الزكاة إنما وقع في عهد أبي بكر ﵁ وكتَرْكِه ﷺ دخول الحَمَّامَات، فإن هذه الحَمَّامَات لم تكن معروفة ولا متوافرة في بلاد المسلمين قبل الفتوحات. وبناء على ذلك فإن تَرْكه ﷺ عاد إلى أربعة أقسام، وهي ترجع إلى قسمين: تَرْكُ تشريعي وتَرْكُ مُعَلَّل. فالتَّرك التشريعي نوعان: فقد يكون خاصًا به ﷺ , وقد يكون تَرْكُه ﷺ عامًا له ولأمته، وهذا - أعني التَّرْك التشريعي العام - هو التَّرْك الرَّاتب، وهو مَحَل الاقتداء، وهو الذي يُطْلَق عليه سُنَّة التَّرْك. وأما الأنواع الأخرى من التُّرُوك فإنها داخلة تحت تَرْكِه ﷺ لكنها لا تُسَمَّى سُنَّة تَرْكِيَّة. وأما التَّرْكُ المُعَلَّل فهو ما وقع فيه التَّرْك لأجل عِلَّة معينة غير عِلَّة التشريع وبيان الحكم. وذلك أن الترك - ها هنا - حكم معلل بوجود مانع معين، وهذا المانع يتضمن معنى معتبرًا. إذ قد يرجع هذا المعنى أو المانع إلى الجِبِلَّة والعادة، وقد يرجع إلى تحصيل مصلحة أو درء مفسدة. وحيث إن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا, فإن هذا المعنى أو المانع متى تبين زواله وعُلِمَ انتفاؤه زال حكم التَّرْك

стр. 31

وانقطع وصار الإتيان بهذا الأمر المتروك مشروعًا متى ما وُجِدَ في الشرع ما يقتضيه. فهذا القسم من التَّرْكِ يُسَمَّى بالتَّرْك غير الرَّاتب؛ لأنه منوط بقيام علته، ومقيد بها، ولا يُشْرَع فيه الاقتداء بالنبي ﷺ . وقد أشار ابن تيمية إلى هذين القسمين من التَّرْك بقوله: " فاستحباب الصلاة عقب السعي كاستحبابها عند الجمرات أو بالموقف بعرفات أو جعل الفجر أربعًا قياسًا على الظهر". والتَّرْكُ الرَّاتب سُنَّة كما أن الفعل الرَّاتب سُنَّة. بخلاف ما كان تَرْكِه بعدم مقتضى أو فوات شرط أو وجود مانع وحدث بعده من المقتضيات والشروط وزوال المانع ما دلَّت الشريعة على فعله حينئذ كجمع القرآن في المصحف وجَمْعِ الناس التراويح على إمام واحد وتعلم العربية وأسماء النقلة للعلم وغير ذلك مما يحتاج إليه في الدين, بحيث لا تتم الواجبات أو المستحبات الشرعية إلا به. وإنَّمَا تَرْكُه ﷺ لفوات شرطه أو وجود مانع" (١): وبذلك يمكن تعريف سُنَّة التَّرْك بأنها: " تَرْكُه ﷺ فعل الشيء مع وجود مقتضيه بيانًا لأمته".

стр. 32

وقد تضمن هذا التعريف قُيودًا أربعة: القيد الأول: أن يكون هذا الأمر المَتْرُوك مقدورًا عليه من جهة النبي ﷺ ، وذلك أن التَّرْك - حسبما تقدم في التعريف اللغوي - عدم فعل المقدور عليه. وبهذا القيد يخرج ما تَرَكَه ﷺ لعدم القدرة عليه؛ فإن هذا النوع من الترك لم يوجد معه القصد إلى الترك (١). وهذا على التحقيق لا يسمى تَرْكًا؛ لكونه غير داخل تحت حقيقة التَّرْك؛ إذ الترك مخصوص بترك فعل المقدور عليه. ومن الأمثلة على ذلك: تركه ﷺ الإتيان بالمستجدات الواقعة بعد عصره ﷺ مع وجود مقتضيها؛ كتركه ﷺ استعمال مكبرات الصوت الحديثة في نقل الأذان وتكبيرات الإمام والخطبة فهي غير مقدور عليها. وقد مثل ابن تيمية لذلك بتركه ﷺ دخول الحمامات، وذلك أن هذه الحمامات لم تكن معروفة ولا متوافرة في بلاد المسلمين قبل الفتوحات. قال ﵀: ليس لأحد أن يحتج على كراهة دخولها أي الحمامات أو عدم استحبابه بكون النبي ﷺ لم يدخلها ولا أبو بكر وعمر، فإن هذا إنما يكون حجة لو

стр. 33

امتنعوا من دخول الحمام، وقصدوا اجتنابها، أو أمكنهم دخولها فلم يدخلوها. وقد علم أنه لم يكن في بلادهم حينئذ حمام، فليس إضافة عدم الدخول إلى وجود مانع الكراهة أو عدم ما يقتضي الاستحباب، بأولى من إضافته إلى فوات شرط الدخول، وهو القدرة والإمكان (١). القيد الثاني: أن يكون هذا الأمر المتروك من قبيل الأفعال فالسنة التركية مخصوصة بتركه ﷺ للفعل دون تركه ﷺ للقول. وبهذا القيد يحترز من السنة التقريرية؛ فإنها من قبيل السكوت وذلك تركه ﷺ للقول. القيد الثالث: أن يكون هذا الأمر المتروك من الأمور التي قام سببها ووجدت الحاجة إلى فعلها. وبهذا القيد خرج ما تركه الرسول ﷺ لعدم الحاجة إليه في زمنه، إلا أن الحاجة إليه طرأت فيما بعد، وهذا هو باب المصالح المرسلة، وذلك أن المصلحة المرسلة فعل أمر لم يكن في عهد النبي لكن دعت الحاجة إلى فعله بعد زمنه. ومن الأمثلة على ذلك: تَرْكه ﷺ قتال مانعي الزكاة؛ فإن منع الزكاة إنما وقع في عهد أبي بكر ﵁.

стр. 34

وخرج بهذا القيد - أيضًا: تَرْكه ﷺ للمنهيات والمنكرات، إذ ليس هنالك ما يقتضي فعل المعصية، بل الشرع يقتضي تَرْكها واجتنابها. القيد الرابع: أن يقع هذا التَّرْكُ من النَّبي ﷺ على وجه التشريع والبيان؛ وذلك أن يَتْرُك الرَّسُول ﷺ فعل الشيء ليبين لأمته أن المشروع في هذا الشيء تَرْكُه وعدم فعله. وبهذا القيد خَرَجَ ما تَرَكَه ﷺ لا على وجه التشريع، وإنما تَرْكُه مِن أجل قيام مانع من الموانع: إما لمانع جِبِلِّي، كَتَرْكِه ﷺ أكل الضَّب (١)، أو تأليفًا للقلوب؛ كَتَرْكِه ﷺ نقض الكعبة وبنائها على قواعد إبراهيم ﵇ (٢) , أو لغير ذلك من المعاني. وخرج بهذا القيد - أيضًا - تَرْكه ﷺ فعل أمر من الأمور الدنيوية المحضة؛ فإن هذا التَّرْك منه ﷺ إنما يقع من جهة كونه بشرًا، فهو راجع إلى أفعاله ﷺ الجِبِلِّيَّة والعادية، وهي في الأصل تأخذ حكم الإباحة. ومن الأمثلة على ذلك: أمرُه ﷺ بِتَرْك تأبير النخل, فعن موسى بن طلحة عن أبيه ﵁ قال: مررت مع رسول الله ﷺ بقوم على رؤوس النخل فقال: «ما يصنع هؤلاء» فقالوا:

стр. 35

يلقحونه؛ يجعلون الذكر في الأنثى فيلقح؛ فقال رسول الله ﷺ «ما أظن يغني ذلك شيئًا» قال: فأُخبروا بذلك فتركوه، فأخبر رسول الله ﷺ بذلك فقال: «إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه؛ فإني إنما ظننت ظنًا فلا تؤاخذوني بالظن، ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئًا فخذوا به فإني لن أكذب على الله » (١). وقد خرج بهذا القيد - أيضًا - التَّرْك الخاص به ﷺ ؛ فإن هذا التَّرْك وإن حصل به بيان للشريعة، لكنه بيان يختص به ﷺ دون أمته؛ كَتَرْكِه ﷺ أكل الثوم (٢).

стр. 36

المطلب الثالث أقسام السُّنَّة التَّرْكِيَّة أولاً: تنقسم السَّنَّة التَّرْكِيَّة بحسب مجالاتها إلى ما يأتي: ١ - باب الاعتقادات, كالقول بأن أول واجب على المكلف هو النظر أو القصد إليه، وكالاستدلال بطريقة الأعراض وحدوثها على إثبات الصانع. ٢ - باب العبادات, كَتَرْكِه ﷺ صلاة ركعتين بعد الفراغ من السَّعْي. ٣ - باب الأعياد، وذلك أن النبي ﷺ تَرَكَ الاحتفال بأيام الإسلام المشهودة ولم يتخذها أعيادًا. قال ابن تيمية: "وللنبي ﷺ خطب وعهود ووقائع في أيام متعددة، مثل يوم بدر وحنين والخندق وفتح مكة، ووقت هجرته ودخوله المدينة، وخُطَب له متعددة يذكر فيها قواعد الدين، ثم لم يوجب ذلك أن يتخذ أمثال تلك الأيام أعيادًا، وإنما يفعل مثل هذا النصارى الذين يتخذون أمثال أيام حوادث عيسى ﵇ أعيادًا أو اليهود". وإنما العيد شريعة، فما شرعه الله اتُّبع، وإلا لم يحدث

стр. 37

في الدين ما ليس منه (١). ٤ - باب النكاح وما يتعلق به، وقد مَثَّلَ الشاطبي لذلك فقال: "وعلى هذا النحو جرى بعضهم في تحريم نكاح المُحَلِّل وأنها بدعة منكرة من حيث وجد في زمانه ﵊ المعنى المقتضى للتخفيف والترخيص للزوجين بإجازة التحليل ليراجعا كما كان أول مرة، وأنه لما لم يشرع ذلك مع حرص امرأة رفاعة على رجوعها إليه دل على أن التحليل ليس بمشروع لها ولا لغيرها. ٥ - باب الجنايات والحدود، ومن الأمثلة على ذلك: تَرْكِه ﷺ جَلْدَ الزاني المحصن اكتفاءً برجمه. وسيأتي مزيد من الأمثلة لهذه الأبواب وغيرها في الفصل الثالث الخاص بالتطبيقات. ثانيًا: تنقسم السُّنَّة التَّرْكِيَّة بالنسبة إلى نقلها إلى طريقين (٢): الطريق الأول: أن يرد نص صريح من الصحابي، بأن الرسول ﷺ تَرَكَ كذا وكذا ولم يفعله، وذلك كقوله: «إن رسول الله ﷺ صلى العيد بلا أذان ولا إقامة» (٣).

стр. 38

وقد ورد في السُّنَّة المطهرة تَرْكِه ﷺ الأذان والإقامة لصلاة العيد بألفاظ متعددة فمن ذلك: عن جابر بن سمرة ﵁ قال: "صليت مع النبي ﷺ العيدين غير مرة ولا مرتين بغير أذان ولا إقامة» (١). وعن ابن عباس ﵄ قال: «صلى رسول الله ﷺ ثم خطب وأبو بكر وعمر وعثمان في العيد بغير أذان ولا إقامة» (٢). وفي "صحيح البخاري" أن ابن عباس ﵄ أرسل إلى ابن الزبير ﵄ في أول ما بويع له إنه لم يكن يؤذن بالصلاة يوم الفطر إنما الخُطْبَة بعد الصلاة (٣). الطريق الثاني: اجتماع القرائن الدالة على مواظبته ﷺ على تَرْكِ هذا الفعل، وذلك بأن تتوافر همم الصحابة ﵃ ودواعيهم أو أكثرهم أو واحد منهم على نقله لو أن الرسول ﷺ فعله, فحيث لم ينقله واحد منهم البتة، ولا حدَّث به في مجمع أبدًا عُلم أنه لم يكن. ومن أمثلة ذلك: تَرْكُه ﷺ التلفظ بالنية عند دخوله في

стр. 39

الصلاة، وتَرْكُه الدَّعاء بعد الصلاة مستقبل المأمومين وهم يُؤَمِّنُون على دعائه دائمًا بعد الصُّبْح والعصر أو في جميع الصلوات (١). قال ابن النجار: "وإذا نُقل عن النبي ﷺ أنه تَرَكَ كذا كان - أيضًا - من السنة الفعلية؛ كما وَرَدَ أنه ﷺ لما قُدِّمَ إليه الضَّبُّ فأمسك عنه وتَرَكَ أكله: أمسك الصحابة ﵃ وتركوه حتى بين لهم أنه حلال ولَكنَّه يَعَافه" (٢). ولكن هذا النوع مقيد بتصريح الراوي بأنه تَرك، أو قيام القرائن عند الراوي الذي يروي عنه أنه تَرك (٣).

стр. 40

المطلب الرابع علاقة سُنَّةِ التَّرْكِ بالسُّنَّةِ التقريرية قبل الشروع في بيان هذه العلاقة يحسن التمهيد لذلك بالكلام عن السُّنَّة التقريرية من حيث معناها وحجيتها. فأقول: المقصود بتقريره ﷺ : أن يفعل أحد الصحابة ﵁ بحضرة النبي ﷺ فعلًا أو يقول قولا فيمسك ﷺ عن الإنكار ويسكت، أو يُضَمَّ إلى عدم الإنكار تحسينًا له، أو مدحًا عليه، أو ضحكًا منه على جهة السرور به (١). ومن المثلة على ذلك: أكل الضَّبِّ على مائدة رسول الله ﷺ (٢) وكإقراره ﷺ إنشاد الشعر المباح (٣). والأصل في حجية إقراره ﷺ (٤) هو أنه لا يجوز في حقه تأخير البيان عن وقت الحاجة، إذ سكوته يدل على جواز ذلك الفعل أو القول، بخلاف سكوت غيره، لذلك بَوَّبَ
следующие страницы →