← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17081

سنة الترك ودلالتها على الأحكام الشرعية

محمد حسين الجيزاني

Полный текст (98 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

المطلب الثالث أقسام السُّنَّة التَّرْكِيَّة أولاً: تنقسم السَّنَّة التَّرْكِيَّة بحسب مجالاتها إلى ما يأتي: ١ - باب الاعتقادات, كالقول بأن أول واجب على المكلف هو النظر أو القصد إليه، وكالاستدلال بطريقة الأعراض وحدوثها على إثبات الصانع. ٢ - باب العبادات, كَتَرْكِه ﷺ صلاة ركعتين بعد الفراغ من السَّعْي. ٣ - باب الأعياد، وذلك أن النبي ﷺ تَرَكَ الاحتفال بأيام الإسلام المشهودة ولم يتخذها أعيادًا. قال ابن تيمية: "وللنبي ﷺ خطب وعهود ووقائع في أيام متعددة، مثل يوم بدر وحنين والخندق وفتح مكة، ووقت هجرته ودخوله المدينة، وخُطَب له متعددة يذكر فيها قواعد الدين، ثم لم يوجب ذلك أن يتخذ أمثال تلك الأيام أعيادًا، وإنما يفعل مثل هذا النصارى الذين يتخذون أمثال أيام حوادث عيسى ﵇ أعيادًا أو اليهود". وإنما العيد شريعة، فما شرعه الله اتُّبع، وإلا لم يحدث

стр. 37

في الدين ما ليس منه (١). ٤ - باب النكاح وما يتعلق به، وقد مَثَّلَ الشاطبي لذلك فقال: "وعلى هذا النحو جرى بعضهم في تحريم نكاح المُحَلِّل وأنها بدعة منكرة من حيث وجد في زمانه ﵊ المعنى المقتضى للتخفيف والترخيص للزوجين بإجازة التحليل ليراجعا كما كان أول مرة، وأنه لما لم يشرع ذلك مع حرص امرأة رفاعة على رجوعها إليه دل على أن التحليل ليس بمشروع لها ولا لغيرها. ٥ - باب الجنايات والحدود، ومن الأمثلة على ذلك: تَرْكِه ﷺ جَلْدَ الزاني المحصن اكتفاءً برجمه. وسيأتي مزيد من الأمثلة لهذه الأبواب وغيرها في الفصل الثالث الخاص بالتطبيقات. ثانيًا: تنقسم السُّنَّة التَّرْكِيَّة بالنسبة إلى نقلها إلى طريقين (٢): الطريق الأول: أن يرد نص صريح من الصحابي، بأن الرسول ﷺ تَرَكَ كذا وكذا ولم يفعله، وذلك كقوله: «إن رسول الله ﷺ صلى العيد بلا أذان ولا إقامة» (٣).

стр. 38

وقد ورد في السُّنَّة المطهرة تَرْكِه ﷺ الأذان والإقامة لصلاة العيد بألفاظ متعددة فمن ذلك: عن جابر بن سمرة ﵁ قال: "صليت مع النبي ﷺ العيدين غير مرة ولا مرتين بغير أذان ولا إقامة» (١). وعن ابن عباس ﵄ قال: «صلى رسول الله ﷺ ثم خطب وأبو بكر وعمر وعثمان في العيد بغير أذان ولا إقامة» (٢). وفي "صحيح البخاري" أن ابن عباس ﵄ أرسل إلى ابن الزبير ﵄ في أول ما بويع له إنه لم يكن يؤذن بالصلاة يوم الفطر إنما الخُطْبَة بعد الصلاة (٣). الطريق الثاني: اجتماع القرائن الدالة على مواظبته ﷺ على تَرْكِ هذا الفعل، وذلك بأن تتوافر همم الصحابة ﵃ ودواعيهم أو أكثرهم أو واحد منهم على نقله لو أن الرسول ﷺ فعله, فحيث لم ينقله واحد منهم البتة، ولا حدَّث به في مجمع أبدًا عُلم أنه لم يكن. ومن أمثلة ذلك: تَرْكُه ﷺ التلفظ بالنية عند دخوله في

стр. 39

الصلاة، وتَرْكُه الدَّعاء بعد الصلاة مستقبل المأمومين وهم يُؤَمِّنُون على دعائه دائمًا بعد الصُّبْح والعصر أو في جميع الصلوات (١). قال ابن النجار: "وإذا نُقل عن النبي ﷺ أنه تَرَكَ كذا كان - أيضًا - من السنة الفعلية؛ كما وَرَدَ أنه ﷺ لما قُدِّمَ إليه الضَّبُّ فأمسك عنه وتَرَكَ أكله: أمسك الصحابة ﵃ وتركوه حتى بين لهم أنه حلال ولَكنَّه يَعَافه" (٢). ولكن هذا النوع مقيد بتصريح الراوي بأنه تَرك، أو قيام القرائن عند الراوي الذي يروي عنه أنه تَرك (٣).

стр. 40

المطلب الرابع علاقة سُنَّةِ التَّرْكِ بالسُّنَّةِ التقريرية قبل الشروع في بيان هذه العلاقة يحسن التمهيد لذلك بالكلام عن السُّنَّة التقريرية من حيث معناها وحجيتها. فأقول: المقصود بتقريره ﷺ : أن يفعل أحد الصحابة ﵁ بحضرة النبي ﷺ فعلًا أو يقول قولا فيمسك ﷺ عن الإنكار ويسكت، أو يُضَمَّ إلى عدم الإنكار تحسينًا له، أو مدحًا عليه، أو ضحكًا منه على جهة السرور به (١). ومن المثلة على ذلك: أكل الضَّبِّ على مائدة رسول الله ﷺ (٢) وكإقراره ﷺ إنشاد الشعر المباح (٣). والأصل في حجية إقراره ﷺ (٤) هو أنه لا يجوز في حقه تأخير البيان عن وقت الحاجة، إذ سكوته يدل على جواز ذلك الفعل أو القول، بخلاف سكوت غيره، لذلك بَوَّبَ

стр. 41

الإمام البخاري في صحيحه بقوله: "باب من رأى تَرْكَ النكير من النبي ﷺ حجة لا من غير الرسول" (١). وكذلك فإن من خصائصه ﷺ أن وجوب إنكار المنكر لا يسقط عنه بالخوف على نفسه لقوله - تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] (٢). وإنما يكون سكوته ﷺ وعدم إنكاره حُجَّة فيدل على الجواز بشرطين (٣): أ - أن يعلم ﷺ بوقوع الفعل أو القول، فأما أن يقع ذلك بحضرته، أو في غيبته لكن ينقل إليه أو في زمنه وهو عالم به لانتشاره انتشارًا يبعد معه ألا يعلمه ﷺ . ب - ألَّا يكون الفعل الذي سكت عنه ﷺ صادرًا من كافر لأن إنكاره ﷺ لما يفعله الكفار معلوم ضرورة فالعبرة في فعل أحد المسلمين. قال الطوفي: "نعم شرط كون إقراره حجة، بل شرط كون تَرْكِه الإنكار إقرارًا: علمه بالفعل وقدرته على الإنكار؛ لأنه بدون العلم لا يوصف بأنه مُقِرٌ أو مُنْكِرٌ، ومع العجز يدل على أنه مُقِرٌ كحاله مع الكفار في مكة قبل ظهور كلمته".

стр. 42

وأما العلاقة بين السُّنَّة التَّرْكِيَّة والسُّنَّة التقريرية فيمكن بيانه في أمرين: الأمر الأول: وجه الاتفاق بينهما: تشترك السنة التركية والسنة التقريرية في وجهين: ١ - أن كُلًّا منهما يدخل تحت السُّنَّة النبوية المُطهرة، ومن هنا فإن كُلًّا منهما طريق يحصل به معرفة الحكم الشرعي. ٢ - أن كُلًّا منهما يستند إلى التَّرْكِ؛ فسُنَّة التَّرْكِ من قبيل تَرْكَه ﷺ للفعل، وسُنَّة التقرير من قبيل تَرْكِه ﷺ للقول. الأمر الثاني: وجه الافتراق بينهما: تفترق السُّنَّة التَّرْكِيَّة عن السُّنَّة التقريرية من وجهين: ١ - أن سُنَّة التَّرك تَعُود إلى السُّنَّة الفعلية، بخلاف السُّنَّة التقريرية فإنها قِسْمٌ مستقل. ٢ - أن السُّنَّة التقريرية لا بد أن يقترن بها ويحصل معها فعل أو قول من بعض الصحابة ﵃ بخلاف سُنَّة التَّرْكِ فإنها لا يقترن بها فعل ولا قول من الصحابة ﵃ بل الغالب أن يقترن بها تَرْكٌ منهم. ٣ - أن السُّنَّة التقريرية تَرْكٌ للقول, إذ هي من قبيل الاستدلال بسكوته ﷺ بخلاف سُنَّة التَّرك فإنها من قبيل تَرْكِه ﷺ للفعل.

стр. 43

المطلب الخامس علاقة سُنَّة التَّرْك بالمصلحة المُرْسَلة (١) قبل الشروع في بيان هذه العَلاقة يحسن الكلام على المصلحة المرسلة من حيث معناها وحُجيتها فأقول: المصلحة لغة: ضد المفسدة، وهي الخير والصواب (٢). والمصلحة المرسلة عند الأصوليين هي: منفعة لم يشهد الشرع لاعتبارها ولا لإلغائها بدليل خاص (٣). وتنقسم المصلحة المرسلة بالنظر إلى قُوَّتها إلى ثلاثة أقسام (٤): فأقواها المصلحة الضرورية ثم الحاجية، ثم التحسينية. والمراد بالمصلحة المرسلة الضرورية، ما كانت المصلحة فيه في محل الضرورة، بحيث يترتب على تفويت

стр. 44

هذه المصلحة تفويت شيء من الضروريات أو كلها. ومن الأمثلة على ذلك: تولية أبي بكر ﵁ الخلافة من بعده لعمر بن الخطاب ﵁ وجمع القرآن الكريم (١). وأما شروط العمل بالمصلحة المرسلة فهي (٢): الأول: ألا تكون المصلحة مصادمة لِنَصٍّ أو إجماع. الثاني: أن تعود على مقاصد الشريعة بالحفظ والصيانة. الثالث: ألا تكون المصلحة في الأحكام التي لا تتغير، كوجوب الواجبات، وتحريم المحرمات والحدود والمقدرات الشرعية، ويدخل في ذلك الأحكام المنصوص عليها والمجمع عليها، وما لا يجوز فيه الاجتهاد. الرابع: ألَّا تُعارضها مصلحة أرجح منها أو مساوية لها وألَّا يستلزم من العمل بها مفسدة أرجح منها أو مساوية لها. وأما العلاقة بين السُّنَّة التَّرْكِيَّة والمصلحة المُرسلة فيمكن بيانه في أمرين: أولاً: وجه الاتفاق بين سُنَّة التَّرْكِ والمصلحة المرسلة: تتفق سُنَّةِ التَّرْك مع المصلحة المرسلة في أن كُلًّا منهما

стр. 45

من الأمور التي لم يُنقل عن النبي ﷺ أنه فعلها. ثانيًا: وجه الافتراق بين سُنَّة التَّرْكِ والمَصلحة المُرسلة: تفترق سُنَّة التَّرْك عن المَصلحة المُرسلة من وجوه ثلاثة: ١ - أَنَّ سُنَّة التَّرْك تنفرد بأن عدم وقوعها من جهة النبي ﷺ إنَّما كان مع قيام المُقتضي لفعلها، وتوفر الداعي، مع انتفاء المانع، بخلاف المَصلحة المُرسلة فإِنَّ عدم وقوعها منه ﷺ إنما كان لأَجْلِ انتفاء المقتضي لفعلها، أو لِأَنَّ المقتضي لفعلها قائم لكن وجد مانع يمنع منه. ٢ - أَنَّ سُنَّة التَّرك إنما تعتبر في الأمور التَّعَبُّدية وما يلتحق بها بخلاف المَصلحة المُرسلة؛ فإنَّ عامة النَّظر فيها إنما هو فيما عقل معناه، وجرى على المناسبات المعقولة التي إذا عُرِضَت على العقول تلقتها بالقبول، فلا مدخل للمَصالح المُرسلة في التعبدات، ولا ما جرى مجراها من الأمور الشرعية. ٣ - أنَّ مُخَالفة سُنَّة التَّرك يدخل تحت معنى الابتداع في الدين، وذلك أنَّ مَنْ تَعَبَّدَ الله بعبادة لم يفعلها النبي ﷺ فهو مشمول بقوله ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رَدٌّ» (١).

стр. 46

ومن هنا يتبين أَصْلٌ مُهم: وهو أنَّ سُنَّة التَّرك تتميز بها البدع وتُعرف، وذلك أنَّ مُخالفة سُنَّة التَّرْك بِدْعَة في الدين. بخلاف المَصلحة المُرسلة, فإن مخالفتها لا تندرج تحت معنى الابْتِداع في الدين، وإنَّمَا تندرج تحت باب تعارض المَصالح والمَفاسد، وذلك أن المَصالح المُرسلة قد تقع في رتبة الضروريات، وقد تقع في رتبة الحاجيات أو التحسينات؛ فمن تَرَكَ المَصْلحة المُرسلة وأهدرها فإنه قد وقع في المَفسدة، وهذه المَفسدة تتفاوت بِحَسْبِ هذه الرُّتَب (١).

стр. 47

الفصل الثاني حُجِّيَّة السُّنَّة التَّرْكِيَّة وفي هذا الفصل ثلاثة مَطالب: المطلب الأول: دلالة السُّنَّة التَّرْكِيَّة. المطلب الثاني: شروط الاحتجاج بالسُّنَّة التَّرْكِيَّة. المطلب الثالث: الأدِلَّة على حُجِّيَّة السُّنَّة التَّرْكِيَّة.

стр. 48

المطلب الأول دلالة السُّنَّة التَّرْكِيَّة سُنَّة التَّرْك قِسْمٌ من أقسام السُّنَّة المُطهَّرة، وهي حُجَّة شرعية مُعتبرة، وذلك أنَّ تَرْكَ الرسول ﷺ للشيء دليل على تحريمه؛ فيجب حينئذ تَرْك ما تَرَكَه رسول الله ﷺ . إلا أن هذا ليس على إطلاقه؛ إذ مجرد تَرْكه ﷺ للشيء لا يدل على تحريم هذا الشيء المتروك، وإنَّما يُستفاد التحريم من تَرْكه ﷺ متى انضم إلى هذا التَّرك القرائن المفيدة للتحريم، ولذا فإنَّ الاحتجاج بتَرْكه ﷺ لا بد أن تتوافر فيه شروط , هذا ما يمكن ذكره إجمالاً، وإليك فيما يأتي تفصيل ذلك في أصول خمسة: الأصل الأول: أن النَّبيَّ ﷺ إذا تَرَكَ أمرًا من الأمور فإن هذا التَّرك مَحَلٌ للاقتداء والتَّأَسِّي به ﷺ وذلك أن تَرْكِه ﷺ جُزْء من سُنَّته ﷺ إذ سُنَّته تَعُمُّ جميع أفعاله وتَرْكِه ﷺ . وقد دَلَّ على ذلك عُموم قوله - تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١].

стр. 49

ويدخل تحت معنى التَّأسي بالرسول ﷺ في تَرْكِه أمور ثلاثة: الأول: متابعة الرسول ﷺ في تَرْكِ ما تَرَكَه: قال السمعاني: "إذا ترك النبي ﷺ شيئًا من الأشياء وجب علينا متابعته فيه (١). ووجوب مُتابعة الرسول ﷺ في تَرْكِه ليس على إطلاقه، وإنما يشترط فيه أن يقع هذا التَّرْك منه ﷺ مع وجود المُقتضي لفعله في زمنه ﷺ مع انتفاء المانع، كما سيأتي. الثاني: مُوافقة الرسول ﷺ في قصده في هذا التَّرْكِ: إذ لا يكفي في التَّأسي بالرسول ﷺ مجرد تَرْك ما تركه الرسول ﷺ بل لا بد أن يضم إلى هذا التَّرْك موافقته ﷺ في قَصْدِه ﷺ من هذا التَّرْك. أمَّا إذا تَرَكَ الرسول ﷺ أمرًا من الأمور بحكم الاتفاق دون قصد للتَّرْكِ، أو وَقَعَ التَّرك منه ﷺ دون أن يقصد العبادة بهذا التَّرك؛ فمتابعة الرسول ﷺ في هذا التَّرْكِ بقصد العبادة لا يكون من التَّأسي به ﷺ لأنه ﷺ لم يقصد العبادة (٢). قال ابن النَّجَّار: وأمَّا التَّأسي في التَّرْك: فهو أنّه تترك ما تركه لأجل أن تَرَكَه (٣).

стр. 50

الثالث: الاقتداء بالرسول ﷺ في تحصيل معاني تَرْكِه وتحقيق حِكَمِه: ومن الأمثلة على ذلك: أنَّ الرَّسول ﷺ قد يترك فعل أمر من الأمور من أجل علة معينة؛ كَتَرْكِه ﷺ قيام رمضان جماعة (١) , رحمةً بأُمَّتِه وشفقة عليهم فالمتعين على المُفْتِي وهو قائم مقام النبي في الأمة، أن يسلك في فتواه مَسلك الرَّحمة بالخلق والشَّفَقة عليهم، وأن يقتدي بمنهج الرسول ﷺ في بيانه للشَّرِيعة. قال الشاطبي: "لا ينبغي لمن اِلْتَزم عبادة من العبادات البَدَنِيَّة النُّدْبِيَّة أن يُواظب عليها مُوَاظبة يَفهم الجاهل منها الوجوب إذا كان منظورًا إليه مرموقًا، أو مَظَّنَّة لذلك؛ بل الذين ينبغي له أن يدعها بعض الأوقات حتى يُعلم أنها غير واجبة؛ لأن خاصية الواجب المكرر الالتزام والدوام عليه في أوقاته، بحيث لا يتخلف عنه". كما أن خاصية المَنْدُوب عدم الالتزام، فإذا التزمه فَهِمَ النَّاظر منه نفس الخاصية التي للواجب؛ فحمله على الوجوب، ثم استمر على ذلك فَضَلَّ .. ولذلك لما قرأ عمر بن الخطاب السجدة على المِنْبَر ثم سجد وسجد معه الناس قرأها في كرة أخرى فلما قرب من

стр. 51

موضعها تهيأ الناس للسجود فلم يسجدها، وقال: "إن الله لم يكتبها علينا إلا أن نشاء" (١). ومن الأمثلة على ذلك: تَرْكِه ﷺ نقض الكعبة ثم بنائها على قواعد إبراهيم (٢) تأليفًا للقلوب فيجدر بالمفتي أن يقتدي بالرسول ﷺ في فتواه بمراعاة المآل والنظر إلى ثاني الحال. ومن هنا فإن عبد الله بن الزبير لمَّا وُلِّيَ الحجاز قام بمد الكعبة على الأركان الأربعة، ثم إن الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان رَدَّ الكعبة على ما كانت عليه. ثم لما جاء بعض خلفاء بني العباس استشار الإمام مالك في ذلك فقال: "أُنْشدك الله يا أمير المؤمنين أن لا تجعل هذا البيت مَلْعَبَةً للملوك, لا يشاء أحد منهم أن يغيره إلَّا غيره؛ فتذهب هيبته من قلوب الناس فصرفه عن رأيه فيه" (٣). الأصل الثاني: أن تَرْكَه ﷺ لأمر من الأمور يدل على مشروعية تَرْكِه وعلى عدم وجوبه في أدنى الدَّرجات. قال التلمساني: "ويلحق بالفعل في الدلالة: الترك؛ فإنه كما يستدل بفعله ﷺ على عدم التحريم يستدل بتركه على عدم

стр. 52

الوجوب" (١). وبهذا يتبين أنَّ تَرْكَه ﷺ لا يدل على تحريم هذا الشيء المتروك. وهذا كله إنما يستقيم إذا خلا تَرْكُه ﷺ من القرائن. وهذه قضية في غاية الأهمية؛ فإنَّ تَرْكَه ﷺ من حيث هو يحتمل - وهذا هو الأصل - جواز الترك, وهو الإباحة ويحتمل - أيضًا - وجوب الترك، وهو التحريم. ومن هنا فلا يسوغ لأحد أن يجعل من مجرد تَرْكه ﷺ لأمر من الأمور دليلًا على تحريم هذا الأمر المتروك، كما لا يسوغ لأحد أن يجعل من مجرد تَرْكِه ﷺ لأمر من الأمور دليلًا على إباحة هذا الأمر المتروك. إلا أن تَرْكَه ﷺ قد تقترن به قرائن تمنع من الاحتجاج به فيكون هذا التَّرك دليلًا على الإباحة. وقد تقترن بتَرْكِه ﷺ قرائن تجعل من هذا التَّرك حُجَّة، فيكون هذا التَّرك دليلًا على التحريم، ويتعين إذ ذاك متابعته ﷺ في هذا التَّرك. وسيأتي بيان هذه القرائن في الأصل الرابع والخامس. ثُمَّ إنَّ تَرْكَ النبي ﷺ حتى يكون حُجَّة يجب متابعته فيه لا بد أن يتوافر فيه شرطان:

стр. 53

الشرط الأول: أن يترك ﷺ فعل أمر من الأمور مع وجود السبب المقتضي لهذا الفعل في عهده ﷺ . والشرط الثاني: أن يترك ﷺ فعل هذا الأمر مع انتفاء الموانع وعدم العوارض. وسيأتي تفصيل هذه الشروط إن شاء الله في المطلب الآتي. الأصل الثالث: أن تَرْكَه ﷺ ليس قِسما واحدًا بل تَرْكَه ﷺ كأفعاله ﷺ فإنها على أقسام فمنها التَّرك الجبلي والعادي والتَّرك الخاص به ﷺ والتَّرك المصلحي، والتَّرك البياني، وقد تقدم بيان هذه الأقسام في الفصل السابق. الأصل الرابع: أن تَرْك النبي ﷺ قد تقترن به قرائن تمنع من الاحتجاج به، وتفيد عدم مشروعية الاقتداء به ﷺ في هذا التَّرك. ومن الأمثلة على هذه القرائن: ١ - أن يترك ﷺ الفعل لمانع يرجع إلى الجِبِّلة أو العادة؛ كتَرْكِه ﷺ أكل الضَّبِّ لكونه لم يكن بأرض قومه (١). ٢ - أن يترك ﷺ الفعل لأمر يختص به ﷺ وهو أنه يناجي الملائكة وذلك كتَرْكِه ﷺ أكل الثَّوم (٢).

стр. 54

٣ - أن يترك ﷺ الفعل تحقيقًا لمصلحة شرعية؛ كتَرْكِه ﷺ هدم الكعبة وبناءها على قواعد إبراهيم ﷺ تأليفًا لقلوب أهل مكة (١). ٤ - أن يترك ﷺ الفعل لعدم القدرة عليه، بسبب حدوث مسائل مستجدة وقعت بعد عصره ﷺ كتعدد الطوابق في الطواف والسعي ورمي الجمرات. والضابط لهذه القرائن: أن يحصل هذا الترك منه ﷺ لأجل وجود مانع يمنعه من الفعل، أو من أجل انتفاء سبب هذا الفعل المقتضي له. الأصل الخامس: أنَّ تَرْك النبي قد تقترن به قرائن تجعل من هذا التَّرك حجة قاطعة؛ فيتعين إذ ذاك متابعته ﷺ في هذا الترك. وأقرب هذه القرائن أن يقترن بتَرْكِه ﷺ تَرْكِ السلف الصالح من الصحابة ﵃ والتابعين وتابعيهم. والأصل في ذلك أن كل عبادة اتفق على تَرْكِها الرسول ﷺ وسلف الأمة من بعده فهي بلا شك بدعة ضلالة، ليست من الدين في صدر ولا ورد. فإذا تواطأ النبي ﷺ وسلف الأمة من بعده على تَرْكِ عبادة فهذا دليل قاطع على أنها بدعة.

стр. 55

ذلك أن المانع من فعل عبادة من العبادات إن وُجِدَ في حق النبي ﷺ فلا يمكن أن يوجد في حق السلف من بعده؛ إذ لا يمنعهم عن فعل العبادات مانع، ولا يشغلهم عن بيان الدين شاغل. وذلك أن السكوت عن حكم الفعل أو التَّرْك - إذا وُجِدَ المعنى المقتضى له وانتفى المانع منه - إجماع من كل ساكت على أنْ لا زائد على ما كان؛ إذ لو كان ذلك لائقًا شرعًا أو سائغًا لفعلوه، فهم كانوا أحق بإدراكه والسبق إلى العمل به. ومن هنا يتبين أن كل عبادة من العبادات, ترك فعلها السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم أو نقلها أو تدوينها في كتبهم أو التعرض لها في مجالسهم فإنها تكون بدعة بشرط أن يكون المقتضي لفعل هذه العبادة قائماً والمانع منه منتفيًا (١). ومِنْ هنا يظهر وجه التقارب والتلازم بين قاعدة السُّنَّة التَّرْكِية وقاعدة تَرْك السلف. ويعتبر في العمل بقاعدة تَرْك السلف جميع ما يُذْكر من شُروطٍ في حُجِّيِّة تَرْك النبي ﷺ سواء بسواء. ومن الأمثلة على التلازم بين تَرْك النبي ﷺ وتَرْك السلف:

стр. 56

١ - صلاة الرَّغَائب المُبْتَدعة (١) وقد اعتمد العِزَّ بن عبد السلام في إنكار هذه الصلاة وبيان بدعيتها على قاعدة تَرْك السلف. قال_ ﵀: "ومما يدل على ابتداع هذه الصلاة أن العلماء الذين هم أعلام الدين وأئمة المسلمين من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين وغيرهم ممن دَوَّن الكُتُب في الشريعة مع شدة حرصهم على تعليم الناس الفرائض والسُّنَّن لم يُنقل عن أحد منهم أنه ذكر هذه الصلاة، ولا دونها في كتابه، ولا تَعَرَّضَ لها في مجالسه. والعادة تحيل أن تكون مثل هذه سُنَّة وتغيب عن هؤلاء الذين هم أعلام الدين وقدوة المؤمنين، وهم الذين إليهم الرجوع في جميع الأحكام من الفرائض والسُّنَن والحلال والحرام" (٢).

стр. 57

٢ - الاحتفال بأيام الإسلام ووقائعه المشهودة واتخاذها أعيادًا (١). فمن ذلك: الاحتفال بمولد النبي ﷺ فإنه لم ينقل عن أحد من السلف فضلا عن فعله. قال ابن تيمية: "وإنما العيد شريعة، فما شرعه الله اتُّبِع وإلا لم يحدث في الدين ما ليس منه" (٢). وقال أيضًا: "فإن هذا لم يفعله السلف مع قيام المقتضي له وعدم المانع منه، ولو كان هذا خيرًا محضًا أو راجحًا لكان السلف ﵁ أحق به منا، فإنهم كانوا أشدَّ محبة لرسول الله ﷺ وتعظيمًا له منا، وهم على الخير أحرص. وإنما كمال محبته وتعظيمه في متابعته وطاعته واتباع أمره، وإحياء سُنَّته باطنًا وظاهرًا، ونشر ما بُعِثَ به، والجهاد على ذلك بالقلب واليد واللسان. فإن هذه طريقة السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان" (٣).

стр. 58

المطلب الثاني شروط الاحتجاج بالسُّنَّة التَّرْكِية (١) الشرط الأول: أن يقع هذا التَّرْكُ منه ﷺ مع وجود السبب المتقضي لهذا الفعل في عهده ﷺ وذلك بأن تقوم الحاجة إلى فعله ويتركه ﷺ , فَتَرْكُه ﷺ حينئذ لهذا الفعل يُعُّد سُنَّة يجب الأخذ بها وتجب متابعته ﷺ في تَرْكِ هذا الفعل ولكن ذلك بشرط انتفاء الموانع كما سيأتي في الشرط الثاني. أمَّا إن انتفى السبب المقتضي ولم يوجد هذا السبب الموجب لهذا الفعل، فإنَّ تَرْكَ النبي ﷺ حينئذ لا يكون سُنَّة؛ لأنَّ تَرْكَه كان بسبب عدم وجود المقتضي إذ لو وُجِدَ المقتضي لفعله ﷺ . ومن الأمثلة على ذلك: تَرْكُه ﷺ قتال مانعي الزكاة فقط؛ إذ إن هذا الترك كان لعدم وجود السبب المقتضي، فلمَّا فعل أبو بكر ﵁ ذلك وقاتل مانعي الزكاة فقط (٢) لم يكن مخالفًا لسنة رسول الله ﷺ .

стр. 59

تنبيه: احتج بعضُهم بذلك في تحسين بعض البدع - كالاحتفال بمولده ﷺ وبيوم هجرته، وتخصيص ليلة السابع والعشرين من شهر رجب بالمزيد من الذِّكر والقيام - حيث قال: إنَّ الرَّسول ﷺ لم يفعل بعض العبادات، وذلك لأن المقتضي في حقه ﷺ منتف؛ لكونه قد غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ومعلوم أنَّ تَرْكَه ﷺ كمَّا تقرر لا يكون حُجَّة إلا بشرط قيام المقتضي، فهو ﷺ بخلاف أمته - ولا سيما المتأخرين - فإن المقتضي في حقهم قائم ثابت، وذلك لعظم تقصيرهم وكثرة ذنوبهم. والجواب على ذلك: أن الرسول ﷺ قد بَيَّنَ بُطْلَان هذه الدعوى وذلك في قصة الرَّهْط الثلاثة الذين سألوا عن عبادته ﷺ فلمَّا أُخبروا بها كأنهم تَقَالُّوها, فقالوا: أين نحن من النبي ﷺ وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فقال ﷺ : «أمَا والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له» (١). وبذلك يُعلم أن الرَّسول ﷺ بلغ الغاية القصوى في تقوى الله والحرص على التقرب إليه بأنواع التعبدات والطاعات. وبهذا يتقرر أصل مهم في هذا الباب، وهو: أن

стр. 60

المقتضي لفعل عمل ما في باب العبادات متى ثبت في حق الأمة فثبوته في حق النبي ﷺ أَوْلَى وأَتَم، لأنه ﷺ كان أتقى هذه الأمة لله على الإطلاق. ومثل هذا يُقَال - أيضًا - في حق السلف الصالح، فإن المعنى المقتضي للإحداث - وهو الرغبة في الخير والاستكثار من الطاعة - كان أَتَمُّ في السلف الصالح؛ لأنهم كانوا أحقُّ بالسبق إلى الفضل وأرغب في الخير ممن أتى بعدهم. وهذا بخلاف غير العبادات من الأعمال، فإن المقتضي لفعلها قد يوجد في حق النبي ﷺ وفي حق السلف، وقد لا يوجد (١). الشرط الثاني: أن يقع هذا التَّرْك منه ﷺ مع تمكنه ﷺ من الفعل، ويحصل ذلك بانتفاء الموانع وعدم العوارض؛ لأنه ﷺ قد يَتْرُك فعلا من الأفعال - مع وجود المقتضي له - بسبب وجود مانع يمنع من فعله. ومن الأمثلة على ذلك: تركه ﷺ جمع القرآن (٢) فإن المانع من جمعه كان على عهد رسول الله ﷺ أن الوحي لا يزال ينزل فيغير الله ما يشاء ويحكم ما يريد، فلو جُمع في مصحف واحد لتعسر أو تعذر تغييره كل وقت فلما استقر

стр. 61

القرآن بموته أَمِنَ الناس من زيادة القرآن ونقصه فكان جمعه داخلا تحت معنى سنته ﷺ . وهكذا تَرْكِه ﷺ قيام رمضان مع أصحابه ﵁ في جماعة بعد ليالٍ وعلل ذلك بخشيته أن يُفرض عليهم (١) فلما كان في عهد عمر ﵁ جمعهم على قارئ واحد (٢) ولم يكن هذا الاجتماع بهذه الهيئة مخالفًا لسنة رسول الله ﷺ بل هو راجع إلى العمل بالسُّنَّة. تنبيه: احتج بعضهم بذلك في تحسين بعض البدع - كالاحتفال بمولده ﷺ وبيوم هجرته، وتخصيص ليلة السابع والعشرين من شهر رجب بالمزيد من الذكر والقيام - حيث قال: إن الرسول ﷺ ربما لم يفعل بعض العبادات وآثر تَرْكها مع قيام المقتضي لفعلها؛ رحمة منه ﷺ بأمته وشفقة عليهم؛ كما تَرَكَ ﷺ الاجتماع في صلاة التراويح خشية أن يُكْتب على أمته، فهذا هو المانع الذي لأجله تَرَكَ ﷺ فعل بعض العبادات، ومعلوم أنَّ تَرْكَه ﷺ مع وجود المانع - كما تقرر - لا يكون حجة. والجواب: أن هذا يفتح باب الإحداث في الدين على

стр. 62

الإطلاق، فمن زاد في أعداد الصلوات أو أعداد الركعات أو صيام شهر رمضان أو الحج أمكنه أن يقول: هذه زيادة مشروعة، وهي عمل صالح والرسول ﷺ إنما تَرَكَها رحمةً بأمته. بل الصواب أن ينظر فيما تَرَكَه ﷺ من العبادات: هل تَرَكَه كذلك صحابته من بعده ﵃ والتابعون لهم؟ فإن كانت هذه العبادة قد تركها النبي ﷺ , ثم لما توفي فعلها الصحابة ﵃ من بعده عُلم أنَّ تَرْكَ النبي ﷺ كان لأجل مانع من الموانع؛ كَتَرْكِه ﷺ صلاة التراويح جماعة. أمَّا إذا تواطأ النبي ﷺ وصحابته ﵃ من بعده على تَرْكِ عبادةٍ فهذا دليل قاطع على أنها بدعة.

стр. 63

المطلب الثالث الأدلة على حُجِّيَّة السُّنَّة التَّركية تتنوع الأدلة الدالة على حُجَّيَّة سُنَّة التُّرْكِ إلى أنواع ثلاثة. أولاً: الأدلة الدَّالة على حُجَّيَّة أفعاله ﷺ : من المقرر أن أفعاله ﷺ قِسْمٌ من أقسام السُّنَّة النبوية، وهذه الأفعال تشمل ما قصد ﷺ إلى فعله وما قصد إلى تَرْكِه. والأدلة كثيرة على وجوب الاقتداء به ﷺ ومتابعته في أفعاله وتروكه (١) فمن ذلك: أ - قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ﴾ [الأحزاب: ٢١]. قال ابن كثير: "هذه الآية أصل كبير في التأسي برسول الله ﷺ في أقواله وأفعاله وأحواله" (٢). ب - وقوله تعالى: ﴿فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ

стр. 64

الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨]. قال ابن تيمية: "وذلك لأن المتابعة أن يفعل مثل ما فعل على الوجه الذي فعل؛ فإذا فعل فعلًا على وجه العبادة شرع لنا أن نفعله على وجه العبادة، وإذا قصد تخصيص مكان أو زمان بالعبادة خصَّصناه بذلك (١). ثانيًا: ما ورد عن الصحابة ﵃ وعن أئمة العلم والدين من الاحتجاج بسُنَّة التَّرْكِ والعمل بها في غير موضع فمن ذلك: قال حذيفة ﵁: «كل عبادة لم يتعبد بها أصحاب رسول الله ﷺ فلا تتعبدوا بها، فإن الأول لم يدع للآخر مقالا فاتقوا الله يا معشر القُرَّاء، خذوا طريق من كان قبلكم» (٢). وقال الإمام مالك: «لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها» (٣). وقال الإمام الشافعي: «كل من تكلم بكلام في الدين أو في شيء من هذه الأهواء ليس له فيه إمام متقدم من النبي ﷺ

стр. 65

وأصحابه فقد أحدث في الإسلام حدثًا» (١). وقال الإمام أحمد لابن أبي دؤاد يسأله: "خبِّرني عن هذا الأمر الذي تدعو الناس إليه: أشيء دعا إليه رسول الله ﷺ ؟ قال: "لا" قال: "ليس يخلو أن تقول: علموه أو جهلوه؛ فإن قلت علموه وسكتوا عنه وسعنا وإياك من السكوت ما وسع القوم، وإن قلت جهلوه وعلمته أنت فيا لكع بن لكع يجهل النبي ﷺ والخلفاء الراشدون ﵃ شيئًا وتعلمه أنت وأصحابك" (٢). وبوَّب الإمام ابن خزيمة في صحيحه فقال: "باب ترك الصلاة في المصلي قبل العيدين وبعدها اقتداء بالنبي واستنانًا به" (٣). وقال السمعاني: "إذا ترك الرسول شيئًا وجب علينا متابعته فيه" (٤). وقال الطرطوشي في إبطاله لبعض البدع: "ولو كان هذا لشاع وانتشر وكان يضبطه طلبة العلم والخلف عن السلف فيصل ذلك إلى عصرنا، فلما لم ينقل هذا عن أحد ممن يعتقد علمه ولا ممن هو في عداد العلماء؛ عُلم أن هذه حكاية العوام والغوغاء" (٥).

стр. 66

وقال ابن تيمية في إنكاره لبعض البدع: "ومعلوم أنه لو كان هذا مشروعًا مستحبًا يثيب الله عليه لكان النبي ﷺ أعلم الناس بذلك، ولكان يعلم أصحابه ذلك وكان أصحابه أعلم بذلك وأرغب فيه ممن بعدهم. فلما لم يكونوا يلتفتون إلى شيء من ذلك علم أنه من البدع المحدثة التي لم يكونوا يعدونها عبادة وقربة وطاعة فمن جعلها عبادة وقربة وطاعة فقد اتبع غير سبيلهم، وشرع من الدين ما لم يأذن به الله (١). وسئل تقي الدين السبكي عن بعض المحدثات فقال: "الحمد لله هذه بدعة لا يَشُكُ فيها أحد، ولا يرتاب في ذلك ويكفي أنها لم تُعرف في زمن النبي ﷺ ولا في زمن أصحابه ولا عن أحد من علماء السلف" (٢). وقال ابن القيم: "فإن تَرْكَه ﷺ سُنَّة كما أن فعله سُنَّة، فإذا استحببنا فعل ما تَرَكه كان نظير استحبابنا تَرك ما فعله، ولا فرق" (٣). وقال الشاطبي: "لأن تَرْك العمل به من النبي ﷺ في جميع عمره، وتَرْك السَّلف الصالح له على توالي أزمنتهم قد تقدم أنه نص في التَّرك، وإجماع مِنْ كل مَنْ ترك؛ لأن عمل

стр. 67

الإجماع كنصه (١). وقال الزركشي: "لأن المتابعة كما تكون في الأفعال تكون في التُّروك (٢). وقال ابن النجار: "وإذا نقل عن النبي ﷺ أنه تَرَك كذا كان - أيضًا - من السُّنَّة الفعلية" (٣). وقال الشوكاني: "تَرْكه ﷺ للشيء كفعله له في التأسي به فيه" (٤). ثالثًا: أن عدم الاحتجاج بسُنَّة التَّرك وإهدار العمل بها والغفلة عنها يلزم منه الوقوع في مفاسد شرعية ومحاذير دينية فمن ذلك: المفسدة الأولى: القول بعدم قيام الرسول ﷺ بواجب التبليغ وأن الرسول ﷺ لم يُعْلِّم أمته بعض الدين. مثال ذلك: أن اعتقاد الأذان للتراويح عبادة مشروعة والعمل بها يلزم منه القول بأن الرسول ﷺ لم يُبَيِّنْ ذلك لأحد من أمته. المفسدة الثانية: القول بضياع بعض الدين، وأن الرسول ﷺ فعل هذه العبادة وبلغها للأمة، لكن الصحابة ﵁ كتموا نقل ذلك.

стр. 68

المفسدة الثالثة: فتح باب الابتداع والإحداث في الدين عامة، وفي باب العبادات خاصة دون قيد ولا شرط. فمن زاد في أعداد الصلوات أو أعداد الركعات أو صيام شهر رمضان أو الحج أمكنة أن يقول: هذه زيادة مشروعة وهي عمل صالح. قال ابن القيم: "فإن قيل: من أين لكم أنه لم يفعله وعدم النقل لا يستلزم نقل العدم؟ فهذا سؤال بعيد جدًا عن معرفة هديه وسُنَّته وما كان عليه. ولو صَحَّ هذا السؤال وقُبِلَ لاستحب لنا مستحب الأذان للتراويح وقال: من أين لكم أنه لم يُنْقَل؟ واستحب لنا مستحب آخر الغسل لكل صلاة، وقال: من أين لكم أنه لم يُنْقَل؟ واستحب لنا مستحب آخر النداء بعد الأذان للصلاة يرحمكم الله ورفع بها صوته، وقال: من أين لكم أنه لم يُنْقَل؟ واستحب لنا آخر صلاة ليلة النصف من شعبان أو ليلة أول جمعة من رجب وقاك: من أين لكم أن إحياءهما لم يُنَقَل؟ وانفتح باب البدعة وقال كل من دعا إلى بدعة: من أين لكم أنَّ هذا لم يُنْقَل؟ "

стр. 69

ومن هنا يظهر لكل ذي بصيرة أن العمل بالسُّنَّة التَّركية أمر متعين شرعًا، وهو ضرورة دينية لا بد من المصير إليها. وذلك أن الاحتجاج بسُنَّة التَّرك مَبْنِي على مقدمات ثابتة راسخة (١). المقدمة الأولى: كمال هذه الشريعة واستغناؤها التام عن زيادات المبتدعين واستدراكات المستدركين فقد أتَمَّ الله هذا الدين فلا ينقصه أبدًا ورضيه فلا يسخطه أبدًا (٢). ومن الأدلة على هذه المقدمة: قوله - تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. وقوله ﷺ : «وأَيْمُ الله لقد تركتكم على مثل البيضاء، ليلها ونهارها سواء» (٣). المقدمة الثانية: بيانه ﷺ لهذا الدين وقيامه بواجب التبليغ خير قيام، فلم يُتْرَك أمرًا من أمور هذا الدين صغيرًا كان أو كبيرًا إلا وبلغه لأمته. ومن الأدلة على ذلك: قوله - تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا

стр. 70

أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧] وقد امتثل ﷺ لهذا الأمر، وقام به أَتَمّ القيام. وقد شهدت له أمته بإبلاغ الرسالة وأداء الأمانة واستنطقهم بذلك في أعظم المحافل، في خطبته يوم حُجْة الوداع فقال ﷺ «ألا هل بلغت؟» قالوا: نعم، قال: «اللهم فاشهد» (١). المقدمة الثالثة: حفظ الله لهذا الدين وصيانته من الضياع، فهَيَّأ الله له من الأسباب والعوامل التي يسرت نقله وبقاءه حتى يومنا هذا وإلى الأبد إن شاء الله - تعالى. ومن الأدلة على ذلك قوله - تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]. والواقع المشاهد يصدِّق ذلك؛ فإن الله قد حفظ كتابه وسُنَّة نبيه ﷺ ووفق علماء المسلمين إلى قواعد مصطلح الحديث، وأصول الفقه، وقواعد اللغة العربية.

стр. 71

الفصل الثالث أثر الاحتجاج بالسُّنَّة التَّرْكِية وفي هذا الفصل أربعة فروع: الفرع الأول: أثر سُنَّة التَّرك في تخصيص العموم. الفرع الثاني: أثر سُنَّة التَّرك في معرفة مقاصد الشريعة. الفرع الثالث: أثر سُنَّة التَّرك في إبطال البدع والرد على المبتدعة. الفرع الرابع: أثر سُنَّة التَّرك في المسائل المعاصرة.

стр. 72

الفرع الأول أثر سُنَّة التَّرك في تخصيص العموم الأصل في ذلك: أن سُنَّة التَّرك دليل خاص يقدم على كل عموم. وإليك توضيح ذلك بالأمثلة: المثال الأول: تَرْكه ﷺ للأذان في العيدين (١)؛ فإن الرسول ﷺ تَرَكَه مع وجود المقتضي لفعله في عهده وهو إقامة ذكر الله ودعاء الناس إلى الصلاة. فهذا التَّرْك دليل خاص يقدم على العمومات الدَّالة على فضل ذكر الله، كقوله _تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤١] والأذان من الذِّكر الذي يدخل تحت هذا العموم. قال ابن تيمية تعليقًا على هذا المثال: "فهذا مثال لما حدث مع قيام المقتضي له وزوال المانع لو كان خيرًا. فإنَّ كل ما يبديه المحدث لهذا من المصلحة، أو يستدل به من الأدلة قد كان ثابتًا على عهد رسول الله ﷺ ومع هذا لم يفعله رسول الله ﷺ .

стр. 73

فهذا التَّرْك سُنَة خاصة، مقدمة على كل عموم وكل قياس (١). المثال الثاني: إسقاط الزكاة من الخضر والبقول مع وجوب الزكاة فيها بعموم قول النبي ﷺ : «فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريًا العشر، وما سُقِي بالنضح نصف العشر» (٢) لأن عدم نقل أن النبي ﷺ أخذ الزكاة منها يُنَزَّل كالسُنَّة القائمة في أن لا زكاة فيها. المثال الثالث: تَرْكه ﷺ استلام الرُّكنين الشاميين، وغيرهما من جوانب البيت. وقد ورد في ذلك أن ابن عباس ومعاوية ﵄ طافا بالبيت فاستلم معاوية ﵁ الأركان الأربعة, فقال ابن عباس ﵄ إنَّ رسول الله ﷺ لم يستلم إلا الركنين اليمانيين, فقال معاوية ﵁: ليس من البيت شيء متروك, فقال ابن عباس ﵄: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] فرجع إليه معاوية ﵁ (٣).

стр. 74

الفرع الثاني أثر سُنَّة التَّرك في معرفة مقاصد الشريعة عَدَّ الإمام الشاطبي سُنَّة التَّرْك من الطرق التي تُعْرَف بها مقاصد الشريعة, فقال - رحمه الله تعالى: "والجهة الرابعة مما يعرف به مقصد الشارع السكوت عن شرع التسبب أو عن شرعية العمل مع قيام المعنى المقتضي له" (١). وقد بين الشاطبي في هذا المقام أن سكوت الشارع عن الحكم على ضربين: (٢). الضرب الأول: أن يسكت الشارع عنه لأنه لا داعية له تقتضيه ولا موجب يُقَدَّر لأجله. ومن الأمثلة على ذلك: تلك النوازل التي حدثت بعد رسول الله ﷺ فإنها لم تكن موجودة ثم سكت عنها مع وجودها وإنما حدثت بعد ذلك, فاحتاج أهل الشريعة إلى النظر فيها وإجرائها على ما تقرر في كلياتها وما أحدثه السلف الصالح؛ كجمع المصحف وتدوين العلم وتضمين الصناع وما أشبه ذلك مما لم يجر ذكره، في زمن رسول الله ﷺ ولم

стр. 75

تكن من نوازل زمانه ولا عرض للعمل بها موجب يقتضيها. فهذا الضرب يندرج تحت مقاصد الشريعة، وهذا ما يُعْرف باسم المصالح المرسلة. الضرب الثاني: أن يسكت الشارع عنه وموجبه المقتضي له قائم فلم يقرر فيه حكم عند نزول النازلة زائد على ما كان في ذلك الزمان. فهذا الضرب يعتبر فيه سكوت الشارع كالنص على أن قصد الشارع أن لا يزاد فيه ولا ينقص؛ لأنه لما كان هذا المعنى الموجب لشرع الحكم العملي موجودًا ثم لم يشرع الحكم دلالة عليه كان ذلك صريحًا في أن الزائد على ما كان هنالك بدعة زائدة ومخالفة لما قصده الشارع إذ فهم من قصده الوقوف عند ما حد هنالك لا الزيادة عليه ولا النقصان منه. وقد مَثَّل الشاطبي لهذا الضرب بقوله: "وعلى هذا النحو جرى بعضهم في تحريم نكاح المحلل، وأنها بدعة منكرة؛ من حيث وجد في زمانه ﵊ المعنى المقتضي للتخفيف والترخيص للزوجين بإجازة التحليل ليراجعا كما كان أول مرة، وأنه لما لم يشرع ذلك مع حرص امرأة رفاعة على رجوعها إليه دَلَّ على أن التحليل ليس بمشروع لها ولا لغيرها. وهو أصل صحيح إذا اعْتُبر وضح به الفرق بين ما هو من البدع وما ليس منها، ودَلَّ على أن وجود المعنى المقتضي
следующие страницы →