← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17082

مواعظ الصحابة لعمر المقبل

عمر المقبل

Полный текст (279 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مواعظ الصَّحَابَة ﵃ «مَوَاعِظُ عِلميَّةٌ مَنهَجِيَّةٌ وَتَرْبَوِيَّةٌ» تأليف د. عُمر بن عَبدِ الله بنِ مُحَمَّد الْمقبل الْأُسْتَاذ المشَارك بقسم السّنة وعلومها بكلية الشَّرِيعَة - جَامِعَة القصيم مكتبة دَار الْمِنْهَاج

стр. 2

المقدمة الحمد لله الذي جعل كتابه موعظة وذكرى للمؤمنين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ نبينا وإمامنا وسيدنا محمدًا عبد الله ورسوله، الذي كان يتخوَّل أصحابه بالموعظة، وينوِّعها عليهم حالًا، وزمانًا ومكانًا، فكان بحقِّ سيد الواعظين، صلَّى الله عليه وعلى آله وصحابته الذين كانوا للمواعظ خير مستمعين، وسلَّم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدِّين؛ أمَّا بعد: فلقد أخذ الوعظ في كتاب الله وسنَّة رسوله ﷺ مكانًا بارزًا، ومحلًّا كبيرًا؛ وما ذاك إلا لعظيم أثره على القلوب، وحاجة النفوس إليهن خاصةً مع كثرة ملابسة الأمور التي تقسِّي القلب، وتشتِّت الذهن؛ ولهذا كان نبيُّنا ﷺ يتخوَّل أصحابه بالموعظة، والسؤال: من الواعظ؟ ومن الموعوظ؟ فإذا كان الأمر كذلك، فحاجتنا نحن إلى الوعظ أكثر وأكبر؛ فالوعظ طريقٌ من الطُّرق الموصلة إلى الجنَّة، ينير العقل، ويصلح القلب، وأثره في حصوله المحبَّة والألفة بين المسلمين أشهر من أن ينوَّه به (١).

стр. 3

يقول محمد بن عبادة المعافريُّ؛ كنَّا عند أبي شريحٍ المعافريِّ ﵀ فكثرت المسائل، فقال: قد درنت قلوبكم، فقوموا إلى خالد بن حميدٍ المهريِّ، استقلُّوا قلوبكم، وتعلَّموا هذه الرغائب والرقائق؛ فإنَّها تجدِّد العبادة، وتورث الزَّهادة، وتجرُّ الصَّداقة، وأقلُّوا المسائل؛ فإنَّها في غير ما نزل تقسِّي القلب، وتورث العداوة (١). والمتأمِّل في الهدي النبويِّ في الوعظ، يمكنه تلخيص منهجه ﷺ فيما يلي: (١) - ممارسة الوعظ بأنواعه؛ القوليِّ والفعليِّ. (٢) - عدم الإملال بالوعظ، كما في الصحيحين من حديث أبي وائلٍ شقيق بن سلمة، قال: كان عبد الله بن مسعودٍ يذكِّرنا كلَّ يوم خميسٍ، فقال له رجلٌ: يا أبا عبد الرحمن، إنَّا نحبُّ حديثك ونشتهيه، ولوددنا أنَّك حدَّثتنا كلَّ يومٍ، فقال: ما يمنعني أن أحدِّثكم إلا كراهية أن أملَّكم؛ «إنَّ رسول الله ﷺ كان يتخوَّلنا بالموعظة في الأيام؛ كراهية السآمة علينا» (٢). (٣) - اغتنام المناسبات، واهتبال الفرص، فهو ﷺ لم يكن يجعل للوعظ هيئةً معيَّنةً لا يخرج عنها، بل كانت حياته دعوةً، ودعوته حياةً، فهو يرى مشهدًا من المشاهد، فيغتنمه ليربط الصحابة بمعنى من المعاني الشريفة، فمثلًا: يقول جابر ﵁ مرَّ رسول الله ﷺ بالسوق، داخلًا من بعض العالية، والناس كَنَفَتَهُ، فمرَّ بجدي أسكَّ - يعني: صغير الأذنين - ميِّتٍ، فتناوله فأخذ بأذنه، ثم قال: (أيُّكم يحبُّ أنَّ هذا له بدرهم؟)، فقالوا: ما نحبُّ أنَّه لنا بشيءٍ، وما نصنع به؟ قال: (أتحبُّون أنَّه لكم؟)،

стр. 4

قالوا: والله لو كان حيًّا، كان عيبًا فيه؛ لأنَّه أسكُّ، فكيف وهو ميِّتٌ؟ فقال: (فوالله للدُّنيا أهون على الله، من هذا عليكم) (١). وفي إحدى الغزوات قدم على رسول الله ﷺ بسبيٍ، فإذا امرأةٌ من السبي تبحث عن صبيِّها الصغير الذي فقدته، فوجدته فأخذته فألصقته ببطنها وأرضعته، فقال لنا رسول الله ﷺ : (أترون هذه المرأة طارحةً ولدها في النَّار؟)، قلنا: لا والله، وهي تقدر على ألاَّ تطرحه، فقال رسول الله ﷺ : (لله أرحم بعباده من هذه بولدها)» (٢). (٤) - ومن الهدي النبويِّ في الوعظ: التعميم في الخطاب: (ما بال أقوام)، هذا هو الأصل المطَّرد، والأعمُّ الأغلب في وعظه ﷺ ، ويندر أن ينصَّ على شخصٍ بعينه؛ فإنَّ النفوس تكره وتنفر من مثل هذا. ٥ - الإيجاز والاختصار، وعدم الإطالة إلا نادرًا لمصلحةٍ عارضةٍ. ومن تأمَّل في مواعظ الصحابة ﵃، وجدهم قد ساروا على هذا الهدي العظيم، فهم خير هذه الأمة، وأبرُّها قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلُّها تكلُّفاً - كما وصفهم بذلك الحسن البصريُّ ﵀ (٣). ولما سبقت الإشارة إليه؛ وقع الاختيار على مواعظهم، للتعليق على ما تيسَّر منها؛ لتميُّزها بعدة مزايا: ١ - أنها مواعظ صادرةٌ عن تلاميذ سيِّد الواعظين ﷺ . ٢ - أنَّهم جمعوا بين العلم العميق المؤصَّل، وسهولة العبارة التي جعلتهم يتكلَّمون بكلامٍ يفهمه عامة الناس في عصرنا فضلًا عمَّن

стр. 5

قبلهم، بينما تجد في بعض عبارات العبَّاد الذين عاشوا في قرونٍ بعدهم شيئًا من التكلُّف، والغموض، وأحيانًا لا تسلم من إشكالاتٍ شرعيَّةٍ. (٣) - قصر مواعظهم، وسهولة فهمها، وتطبيقها. (٤) - أنَّها مواعظ مترجمةٌ عمليًّا في واقعهم، فلا يعجز الباحث أن يجد في سيرهم الترجمة العمليَّة لها، وهذا له أثره في الإفادة منها. قيل لحمدونٍ القصَّار: ما بال كلام السلف أنفع من كلامنا؟ قال: لأنَّهم تكلَّموا لعزِّ الإسلام، ونجاة النفوس، ورضا الرحمن، ونحن نتكلَّم لعزِّ النفوس، وطلب الدُّنيا، ورضا الخلق (١). يقول ابن القيِّم ﵀ مبيِّنًا هذا المعنى في حقِّ الصحابة ﵃: «ولا ريب أنَّهم كانوا أبرَّ قلوبًا، وأعمق علمًا، وأقلَّ تكلُّفاً، وأقرب إلى أن يوفَّقوا لما لم نوفَّق له نحن؛ لما خصَّهم الله تعالى به من توقُّد الأذهان، وفصاحة اللسان، وسعة العلم، وسهولة الأخذ، وحسن الإدراك وسرعته، وقلة المعارض أو عدمه، وحسن القصد، وتقوى الربِّ تعالى؛ فالعربية طبيعتهم وسليقتهم، والمعاني الصحيحة مركوزةٌ في فطرهم وعقول».اهـ (٢). إذا تبيَّن هذا، فلنبيِّن على وجه الاختصار معنى الوعظ وحقيقته: فالوعظ في اللُّغة يدور على الترغيب، والترهيب، قال ابن فارسٍ: الوعظ: التخويف، والعظة الاسم منه، وقال الخليل: هو التذكير بالخير وما يرقُّ له قلبه (٣).

стр. 6

وقال الذَّهبيُّ: «الوعظ فنٌّ بذاته، يحتاج إلى مشاركةٍ جيِّدةٍ في العلم، ويستدعي معرفةً حسنةً بالتفسير، وإكثارًا من حكايات الفقراء والزُّهاد» (١). وههنا معنى مهمُّ يتعلَّق بالوعظ، شكا منه الصحابة ﵃ وخافوا على أنفسهم من النِّفاق بسببه، فبيَّن لهم النبيُّ ﷺ وجه الصواب؛ ذلك أنَّ حنظلة الأسيِّديَّ ﵁ قال: لقينى أبو بكرٍ، فقال: كيف أنت يا حنظلة؟ قال: قلت: نافق حنظلة! قال: سبحان الله ما تقول؟! قال: قلت: نكون عند رسول الله ﷺ يذكِّرنا بالنار والجنة، حتى كأنَّا رأي عينٍ، فإذا خرجنا من عند رسول الله ﷺ ، عافسنا الأزواج والأولاد والضَّيعات، فنسينا كثيرًا، قال أبو بكر: فوالله إنَّا لنلقى مثل هذا، فانطلقت أنا وأبو بكرٍ، حتى دخلنا على رسول الله ﷺ ، قلت: نافق حنظلة، يا رسول الله! فقال رسول الله ﷺ (وما ذاك؟)، قلت: يا رسول الله نكون عندك، تذكِّرنا بالنار والجنة، حتى كأنَّا رأي عينٍ، فإذا خرجنا من عندك، عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات، نسينا كثيراً! فقال رسول الله ﷺ : (والَّذي نفسي بيده، إن لو تدومون على ما تكونون عندي، وفي الذِّكر، لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة ساعةً وساعةً) ثلاث مرَّاتٍ (٢). يوضِّح ابن الجوزي ﵀ هذا المعنى فيقول: «قد يعرض عند سماع المواعظ للسامع يقظةٌ، فإذا انفصل عن مجلس الذِّكر، عادت القسوة والغفلة، فتدبَّرت السبب في ذلك، فعرفته، ثم رأيت الناس يتفاوتون في ذلك، فالحالة العامة أنَّ القلب لا يكون على صفه من اليقظة عند سماع الموعظة وبعدها؛ لسببين:

стр. 7

أحدهما: أنَّ المواعظ كالسِّياط، والسياط لا تؤلم بعد انقضائها، وإيلامها وقت وقوعها. والثَّاني: أنَّ حالة سماع المواعظ يكون الإنسان فيها مزاح العلَّة، قد تخلَّى بجسمه وفكره عن أسباب الدُّنيا، وأنصت بحضور قلبه، فإذا عاد إلى الشواغل اجتذبته بآفاتها، فكيف يصحُّ أن يكون كما كان؟! وهذه حالةٌ تعمُّ الخلق! إلا أنَّ أرباب اليقظة يتفاوتون في بقاء الأثر، فمنهم من يعزم بلا تردُّدٍ، ويمضي من غير التفاتٍ، فلو توقَّف بهم ركب الطبع لضجُّوا، كما قال حنظلة عن نفسه: نافق حنظلة! ومنهم أقوامٌ يميل بهم الطبع إلى الغفلة أحيانًا، ويدعوهم ما تقدَّم من المواعظ إلى العمل أحيانًا، فهم كالسُّنبلة تميلها الرِّياح. وأقوامٌ لا يؤثِّر فيهم إلا بمقدار سماعه، كماءٍ دحرجته على صفوانٍ» (١).اهـ. ولا يفوتني هنا أن أنوِّه بالجهد الكبير الذي بذله الشيخ صالحٌ الشامي - أثابه الله - في كتابه «مواعظ الصحابة»، والذي جمع فيه جملةً كبيرةً من مواعظهم، واستفدتُّ منه كثيرًا، لكنَّ الكتاب لم يتعرَّض لها بالتعليق والشرح، بل كان هدفه الجمع - وهو هدفٌ نبيلٌ. أما هذا الكتاب، فهدفه الأكبر: جمع بعض هذه المواعظ، والتعليق عليها، بما يوضِّح شيئًا من دلالتها، مع الحرص على ربطها بواقعنا الذي نعيشه. ومن أهمِّ النتائج التي خرجت بها - بعد هذا التَّطواف في مئات

стр. 8

المواعظ - أنَّ عددًا ليس بالقليل من الأحاديث الموقوفة على الصحابة، يرويها بعض الضعفاء مرفوعةً، فيجعلها من كلام النبيِّ ﷺ . ومن نافلة القول: أنَّ الأئمة في مثل هذه الأبواب لا يشدِّدون في الأسانيد، من حيث تطبيق قواعد المحدِّثين عليها، وهذا ما جعلني أتأسَّى بهم، مع وقوفي على أسانيد تلك المواعظ التي رويت في الكتب المسندة. وقد اجتهدتُّ في عدم إيراد ما قد يستنكر من متون هذه الموا عظ، وحرصت على إيراد ما له أصلٌ صحيحٌ، أو لا تمنع منه القواعد الشرعيَّة، والأصول المرعيَّة لهذه الشريعة العظيمة. وقد قدَّمت بين يدي المواعظ بتمهيدٍ، أشرت فيه إلى جملةٍ من النصوص الشرعيَّة، وكلام الأئمة في فضل الصحابة وخطورة تنقُّصهم. اللَّهمَّ إنِّي أحببت من اخترتهم لصحبة نبيِّك ﷺ حبًا كبيرًا؛ لنصرتهم لدينك، ودفاعهم عن نبيِّك ﷺ حيًا وميتًا، اللَّهمَّ أسلكني - وقارئ هذه الأحرف- فيمن قلت فيهم: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠]. اللَّهمَّ فاحشرني ووالديَّ، وأهل بيتي، ومشايخي، ومن له حقٌّ عليَّ، وقارئ هذه المواعظ في زمرتهم، وارزقنا الانتفاع بمواعظهم! والحمد لله ربِّ العالمين. كتبه عمر بن عبد الله بن محمد المقبل في ١٩/ ١٢/١٤٣٤ هـ للمراسلة للتواصل الموقع الرسمي: www.almuqbil.com للتواصل على تويتر: dr_almuqbil البريد العادي: السعودية ـ القصيم ـ المذنب الرمز البريدي ٥١٩٣١ ـ ص. ب: ١٦

стр. 9

تمهيدٌ بين يدي مواعظ خير أصحابٍ ﵃ لخير نبيٍّ ﷺ لعلَّ من المناسب أن أقدِّم بين يدي هذه المواعظ بذكر بعض فضائل الصحابة ... - رضوان الله عليهم - وشيءٍ من كلام الأئمة في بيان مكانتهم، فأقول: إنَّ من الأصول المقرَّرة في الشرع المطهَّر، ومن سمات أهل السُّنَّة والجماعة: سلامة قلوبهم وألسنتهم للصحابة الأخيار، وحملة الشريعة الأتقياء الأبرار، والذبَّ عن حرماتهم وأعراضهم. فلولاهم ما وصلنا الدِّين كاملًا - وأصله القرآن - غضًّا طريًّا كأنَّما أنزل اليوم. إنهم خير الناس للناس، وأفضل تابعٍ لخير متبوعٍ ﷺ ، هم الذين فتحوا البلاد بالسِّنان، والقلوب بالإيمان. لم يعرف - التاريخ البشر أعظم من تاريخهم، ولا رجالًا - بعد الأنبياء - أفضل منهم. هم الذين استرخصوا في سبيل نصر الدِّين أنفسهم وأموالهم! وفارقوا أهلهم وأوطانهم! حين ضنَّ غيرهم بالنفس والمال، واستثقلوا مُفارقة الأهل والولدان، فلا كان ولا يكون مثلهم والله!

стр. 10

هم الذين اصطفاهم الله لصحبة نبيِّه ﷺ . ونشر دينه، فأخرجوا من شاء الله من عبادة العباد إلى عبادة ربِّ العباد، ومن ضيق الدُّنيا إلى سعتها، ومن جور أهل الطغيان إلى عدل الإسلام، وعلى أيديهم سقطت عروش الكفر، وتحطَّمت شعائر الإلحاد، وذلَّت رقاب الجبابرة والطغاة، ودانت لهم الممالك. إنَّهم أصحاب محمدٍ ﷺ : «الذين شهدوا الوحي والتنزيل، وعرفوا التفسير والتأويل، وهم الذين اختارهم الله لصحبة نبيِّه ﷺ ونصرته، وإقامة دينه، وإظهار حقِّه، فرضيهم له صحابةً، وجعلهم لنا أعلامًا وقدوةً، فحفظوا عنه ﷺ ما بلَّغهم عن الله ، وما سنَّ وما شرع، وحكم وقضى وندب، وأمر ونهى وأدَّب، ووعوه وأتقنوه، ففقهوا في الدِّين، وعلموا أمر الله ونهيه ومراده بمعاينة رسول الله ﷺ ... ونفى عنهم الشكَّ والكذب والغلط والريبة والغمز، وسمَّاهم عدول الأمَّة، فقال - عزَّ ذكره - في محكم كتابه ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣]» (١). إنَّهم أصحاب محمدٍ ﷺ الذين: «سمحت نفوسهم ﵃ بالنفس والمال والولد والأهل والدار، ففارقوا الأوطان، وهاجروا الإخوان، وقتلوا الآباء والإخوان، وبذلوا النفوس صابرين، وأنفقوا الأموال محتسبين، وناصبوا من ناوأهم متوكِّلين، فآثروا رضاء الله على الغناء، والذلَّ على العزِّ، والغربة على الوطن، هم المهاجرون: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَائِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحشر: ٨] حقًّا، ثمَّ إخوانهم من

стр. 11

الأنصار، أهل المواساة والإيثار، أعزُّ قبائل العرب جارًا، واتَّخذ الرسول ﷺ دارهم أمنًا وقرارًا، الأعفَّاء الصُّبر، والأصدقاء الزهر، الذين ﴿تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩]. فمن انطوت سريرته على محبتهم، ودان الله تعالى بتفضيلهم ومودَّتهم، وتبرَّأ ممَّن أضمر بغضهم؛ فهو الفائز بالمدح الذي مدحهم الله تعالى به فقال: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠]. إنَّهم الصحابة ﵃ الذين تولَّى الله شرح صدورهم فأنزل السكينة على قلوبهم، وبشَّرهم برضوانه ورحمته فقال: ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ﴾ [التوبة: ٢١]. جعلهم الله خير أمةٍ أخرجت للناس، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويطيعون الله ورسوله، فجعلهم مثلًا للكتابين؛ لأهل التوراة والإنجيل، خير الأمم أمَّته، وخير القرون قرنه، يرفع الله من أقدارهم؛ إذ أمر الرسول ﷺ بمشاورتهم؛ لما علم من صدقهم، وصحة إيمانهم، وخالص مودَّتهم، ووفور عقلهم، ونبالة رأيهم، وكمال نصيحتهم، وتبيُّن أمانتهم، ﵃ أجمعين» (١). «فكلُّ خير فيه المسلمون إلى يوم القيامة؛ من الإيمان والإسلام، والقرآن والعلم، والمعارف والعبادات، ودخول الجنة والنجاة من النار،

стр. 12

وانتصارهم على الكفار، وعلوِّ كلمة الله فإنَّما هو ببركة ما فعله الصحابة ﵃ الذين بلَّغوا الدِّين، وجاهدوا في سبيل الله، وكلُّ مؤمنٍ آمن بالله فللصحابة ﵃ عليه فضلٌ إلى يوم القيامة» (١). وقد قال تعالى - في فضلهم ومآلهم-: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة:١٠٠]. وقال تعالى في مدحهم - ومن أصدق من الله قيلًا وحديثًا؟! -: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: ٢٩]. وبعد هذا الثناء السماويِّ، تأتي التزكية من أصدق الخلق كلامًا، وأفصحهم بيانًا ﷺ في أحاديث كثيرةٍ، جمعها بعض العلماء في مجلداتٍ كبارٍ ... فماذا عسى الإنسان أن يقول في هذا المقام؟! لقد زكَّاهم - بأبي هو وأمِّي - بقوله: (خير الناس قرني، ثمَّ الذين يلونهم، ثمَّ الذين يلونهم) (٢). وزكَّاهم ﷺ فقال: (النُّجوم أمنةٌ للسَّماء، فإذا ذهبت النُّجوم أتى السَّماء ما توعد، وأنا أمنةٌ لأصحابي، فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنةٌ لأمَّتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمَّتي ما يوعدون) (٣). ونهى عن التعرُّض لهم، فقال ﷺ : (لا تسبُّوا أصحابي، لا تسبُّوا أصحابي؛ فو الَّذي نفسي بيده، لو أنَّ أحدكم أنفق مثل أحدٍ ذهبًا، ما أدرك

стр. 13

مدَّ أحدهم، ولا نصيفه) (١). ولأجل ما تقدَّم من نصوص الوحيين في فضائل الصحابة ﵃ كان أئمة السلف ﵏ يحذِّرون أشدَّ التحذير من الخوض في شيءٍ من أخطاء الصحابة ﵃ مع اعتقادهم بأنَّهم ليسوا بمعصومين على مستوى أفرادهم، وقد يوجد من آحادهم أخطاءٌ، هم فيها بين الأجر والأجرين ﵃ وإنَّما قال السلف هذا وأكَّدوه؛ لأنَّهم أدركوا ورأوا بأعينهم أنَّ الوالج في هذا الباب لا ينتهي به الأمر إلا إلى هدم الشريعة! يقول الإمام الجليل أبو زرعة ﵀: «إذا رأيت الرجل ينتقص أحدًا من أصحاب رسول لله ﷺ ، فاعلم أنه زنديقٌ؛ وذلك أنَّ الرسول ﷺ عندنا حقٌّ، والقرآن حقٌّ، وإنَّما أدَّى إلينا هذا القرآن والسُّنن أصحاب رسول الله ﷺ ! وإنَّما يريدون أن يجرحوا شهودنا؛ ليبطلوا الكتاب والسُّنَّة! والجرح بهم أولى، وهم زنادقةٌ». وقال الإمام أحمد ﵀: «ومن انتقص أحدًا من أصحاب رسول الله أو أبغضه لحدثٍ كان منه، أو ذكر مساويه، كان مبتدعًا حتى يترحَّم عليهم، ويكون قلبه لهم سليمًا» (٢). وقال شيخ الإسلام ﵀ فيمن زعم: «أنهم ارتدُّوا بعد الرسول ﷺ إلا نفرًا قليلًا لا يبلغون بضعة عشر نفسًا، أو أنَّهم فسقوا عامتهم، فهذا لا ريب أيضًا في كفره؛ فإنَّه مكذِّبٌ لما نصَّه القرآن في غير موضع من الرِّضا عنهم والثناء عليهم، بل من يشكُّ في كفر مثل هذا، فإنَّ كفره

стр. 14

متعينٌ؛ فإنَّ مضمون هذه المقالة أنَّ نقلة الكتاب والسُّنَّة كفارٌ أو فسَّاقٌ، وأنَّ هذه الأمة التي هي: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ وخيرها هو القرآن الأوَّل - كان عامتهم كفارًا أو فساقًا - ومضمونها أنَّ هذه الأمة شرُّ الأمم، وأنَّ سابقي هذه الأمة هم شرارها، وكفر هذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام؛ ولهذا تجد عامة من ظهر عنه شيءٌ من هذه الأقوال، فإنَّه يتبيَّن أنَّه زنديقٌ، وعامة الزنادقة إنما يستترون بمذهبهم، وقد ظهرت لله فيهم مثلاثٌ» (١).اهـ. ومن دقيق فهم الإمام مالك ﵀ للقرآن أنَّه قال في قوله تعالى عن الصحابة: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ إلى قوله: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح: ٢٩]، قال ﵀: «من أصبح من الناس في قلبه غيظٌ على أحد من أصحاب رسول الله ﷺ ، فقد أصابته هذه الآية» (٢). فليعرف المؤمن لأصحاب نبيِّه ﷺ قدرهم، وليحذر من الاستماع أو المشاهدة لتلك القنوات، التي تثير الشُّبه حول أصحاب النبيِّ ﷺ ، فخيرٌ للمؤمن - والله - أن يلقى ربَّه وقلبه سليمٌ لعموم المؤمنين، فكيف بأصحاب النبيِّ ﷺ ؟! وليحفظ المسلم ثناء الله على أصحاب نبيِّه ﷺ ورضاه عنهم، ولا يكن في قلبه غلٌّ على أحدٍ منهم؛ فإنَّ هذا من أعظم خبث القلوب. اللَّهمَّ اجعلنا ممَّن دخل في قولك: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا

стр. 15

غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠]، واجمعنا بصحابة نبيِّك ﷺ في دار الكرامة؛ فإنَّا - وأنت خير الشاهدين - قد أحببناهم، وواليناهم، وكرهنا وأبغضنا من أبغضهم. ***

стр. 16

من مواعظ الصِّدِّيق ﵁ - إنَّه خليفة رسول الله ﷺ (١): عبد الله (٢) بن أبي قحافة - واسمه عثمان - بن عامرٍ، القرشيُّ، التَّيميُّ، يلتقي مع رسول الله ﷺ في مرَّة (٣). ولد بمكة، ونشأ سيِّدًا من سادات قريشٍ، وغنيًّا من كبار موسريهم، وعالمًا بأنساب القبائل وأخبارها وسياستها، وكانت العرب تلقِّبه بـ «عالم قريشٍ» (٤)، وحرَّم على نفسه الخمر في الجاهليَّة فلم يشربها، ثم كانت له في عصر النبوة - وما بعده - مواقف كبيرةٌ؛ فشهد الحروب، واحتمل الشدائد، وبذل الأموال (٥)، له في كتب الحديث ١٤٢ حديثًا (٦).

стр. 17

وهو أول من جمع القرآن في اللَّوحين (١). وتوفِّي مساء ليلة الثلاثاء لثمانٍ بقين من جمادى الآخرة (١٣هـ)، وكانت خلافته سنتين ومئة يومٍ (٢). والمتأمِّل فيما روي من المواعظ عن الصِّدِّيق ﵁؛ يلحظ تنوُّعها بتنوُّع المناسبات، كما هو هدي النبيِّ ﷺ ، ومن تلكم المواعظ (٣): • خطب أبو بكرٍ ﵁ الناس، فحمد الله وأثنى عليه ثمَّ قال: «إنَّه ستفتح لكم الشام، فتأتون أرضًا رفيعةً حيث تمتَّعون فيها من الخبز والزيت، وستبنى لكم بها مساجد، فإيَّاكم أن يعلم الله أنَّكم إنَّما تأتونها تلهِّيًا! إنَّما بنيت للذِّكر». ففي هذه الموعظة تنبيهٌ من الصِّدِّيق ﵁ على أنَّ الانهماك في الدُّنيا- أو التوسُّع فيها- مظنَّة الغفلة عن الذِّكر. وفيها: أنَّ النِّعم إذا استعملت في اللَّهو الذي يصدُّ عن ذكر الله، فهي نقمٌ واستدراجٌ. • وقال الصِّدِّيق ﵁ (٤): «إذا عمل قومٌ بالمعاصي بين ظهراني قومٍ هم أعزُّ منهم، فلم يغيِّروه عليهم، انزل الله عليهم بلاءً، ثم لم ينزعه منهم».

стр. 18

• وقال ﵁ بعد أن حمد الله وأثنى عليه -: «يا أيَّها الناس، إنَّكم تقرؤون هذه الآية وتضعونها على غير مواضعها: ﴿عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]! وإنَّا سمعنا النبيَّ ﷺ يقول: (إنَّ النَّاس إذا رأوا الظَّالم فلم يأخذوا على يديه، أوشك أن يعمَّهم الله بعقابٍ)». وما ذكره الصِّدِّيق ﵁ في هاتين الموعظتين دلَّت عليه نصوص الكتاب والسُّنَّة؛ قال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ *كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: ٧٨، ٧٩]. وفي الترمذيِّ - وقال: حديثٌ حسنٌ - عن حذيفة بن اليمان، عن النبيِّ ﷺ قال (والَّذي نفسي بيده، لتأمرنَّ بالمعروف، ولتنهونَّ عن المنكر، أو ليوشكنَّ الله أن يبعث عليكم عقابًا منه، ثمَّ تدعونه فلا يستجاب لكم). بل إنَّ من أعمق التشبيهات التي تبيِّن أهمية الاحتساب، وقيام شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وخطورة تركه أو التقصير فيه - قوله ﷺ من حديث النُّعمان بن بشير ﵄: «مثل القائم على حدود الله والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينةٍ، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الَّذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مرُّوا على من فوقهم، فقالوا: لو أنَّا خرقنا في نصيبنا خرقًا ولم نؤذ من فوقنا! فإن يتركوهم وما أرادوا، هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا، ونجوا جميعًا» (١).

стр. 19

إنَّه لخليقٌ والله ونحن نقرأ هذه الموعظة النبويَّة ثم الصِّدِّيقيَّة- أن نكون من أسرع الناس للقيام بشعيرة الاحتساب حسب القدرة والطاقة؛ حتى لا نهلك، أو تغرق سفينة مجتمعنا. • وعن زيد بن أسلم، عن أبيه قال (١): رأيت أبا بكرٍ ﵁ آخذًا بلسانه يقول: «هذا أوردني الموارد». الله أكبر! هذا كلام الصِّدِّيق عن لسانه، فماذا نقول نحن؟! ولك أن تتصوَّر- أخي القارئ - ما هي الكلمات التي خشي منها أبو بكرٍ؟ وما الكلام الذي جعله يقول مثل هذا الكلام؟! إنَّها خشية الله، التي جعلته يفكِّر في كلامٍ مباحٍ قاله ولا حاجه له، أو قال كلامًا في غير موضعه اجتهادًا وتأوُّلًا! أما والله، إنَّا لأحقُّ بهذه الكلمة من الصِّدِّيق ﵁! ونحن الذين نتكلَّم أكثر مما نعمل، وقلَّ أن نسلم من الغيبة، فإن سلمنا منها لم نسلم من استماعها والسكوت عنها! • وقال الصِّدِّيق ﵁ (٢): «بلغنا أنَّه إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ: أين أهل العفو؟ فيكافئهم الله تعالى بما كان من عفوهم عن الناس». إنَّ من أعظم المواعظ العمليَّة في حياة الصِّدِّيق ﵁ في باب العفو - أنَّه حين أقسم أن يقطع النفقة عن ابن خالته مسطح بن أثاثة ﵁

стр. 20

بعد أن جرى لسانه بمقال أهل الإفك، ثم نزل قوله تعالى: ﴿وَلَا يَاتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور:٢٢]، لم يزد عل أن قال: بلى والله! ثم أعاد النَّفقة إلى مسطح. حين تتأمل هذا الموقف، فإنَّك ستجد لقوله هذا موقعًا عظيمًا. • وقال الصِّدِّيق ﵁ عن آل بيت رسول الله (١): «يا أيُّها النَّاس، ارقبوا محمَّدًا ﷺ في أهل بيته». وفي الصحيحين عنه ﵁ أنَّه قال: والله لقرابة رسول الله ﷺ أحبُّ إليَّ أن أصل من قرابتي! (٢). هذه كلماتٌ كان يعظ بها الناس، ويذكِّرهم على المنبر، وفي مناسباتٍ متنوِّعةٍ، ليبيِّن منزلة آل بيته ﷺ في نفسه، وأقسم ﵁ وهو الصادق أنَّ صلته لقرابة النبيِّ ﷺ أحبُّ إليه من أن يصل قرابته، فأين من يطعن فيه ويتَّهمه بعداوته لآل البيت الأطهار الكرام؟! • وقال ﵁ (٣): «أطوع الناس لله أشدُّهم بغضًا لمعصيته». وهذا معنى دقيقٌ؛ فإنَّ كثيرًا من الناس قد يفعل جملة من

стр. 21

الطاعات، بل ويكثر منها، لكنَّه ضعيف المقاومة عند وجود أسباب المعصية؛ فمن كان كذلك، فطاعته ناقصةٌ، وولايته فيها خللٌ، وهذا معنى قول سهل بن عبد الله التُّستريِّ ﵀: «أعمال البرِّ يعملها البرُّ والفاجر، ولا يجتنب المعاصي إلا صدِّيقٌ» (١). • وقال ﵁ في خطبته (٢): «اعلموا أنَّ أكيس الكيس التَّقوى، وأنَّ أحمق الحمق الفجور، وأنَّ أقواكم عندي الضعيف حتى آخذ له بحقِّه، وأنَّ أضعفكم عندي القويُّ حتى آخذ منه الحقَّ، أيُّها الناس، إنَّما أنا متَّبعٌ ولست بمبتدعٍ، فإن أحسنت فأعينوني، وإن زغت فقوِّموني». • وقال ﵁: «وجدنا الكرم في التَّقوى، والغنى في اليقين، والشَّرف في التَّواضع» (٣). ولنختم بدعاءٍ مأثورٍ من دعواته ﵁، حيث يقول: «اللَّهمَّ إنَّا نسألك الذي هو خيرٌ لنا في عاقبة الخير، اللَّهمَّ اجعل آخر ما تعطينا من الخير رضوانك، والدرجات العلى من جنَّات النَّعيم» (٤). اللَّهمَّ اجمعنا بالصِّدِّيق في مقعد صدقٍ عند مليكٍ مقتدرٍ. ****

стр. 22

من مواعظ الفاروق عمر ﵁ - (١/ ٢) في الفاروق وسيرته ومناقبه تكتب المجلدات، لكن هذه نبذةٌ يسيرةٌ بين يدي الحديث عنه، فهو أبو حفصٍ عمر بن الخطَّاب بن نفيل العدويُّ القرشيُّ، يلتقي مع النبيِّ ﷺ في كعب بن لؤيٍّ. أسلم سنة ستٍّ، وقيل: سنة خمسٍ، وعمره ستٌّ وعشرون سنةً تقريبًا. وبإسلامه عزَّ الإسلام، فهاجر جهرًا (١)، وشهد بدرًا وأحدًا والمشاهد كلَّها، وهو أول خليفةٍ دعي بأمير المؤمنين، وأول من كتب التاريخ للمسلمين، وأول من جمع الناس على صلاة التَّراويح، وأول من عسَّ في عمله، وفتح الفتوح (٢)، ووضع الخراج، ومصَّر الأمصار، واستقضى القضاة، ودوَّن الدِّيوان، وفرض الأعطية، وحجَّ بأزواج رسول الله في آخر حجَّةٍ حجَّها.

стр. 23

ولي الخلافة بتوصيةٍ من أبي بكرٍ الصِّدِّيق، فلمَّا توفِّي أبو بكرٍ - ليلة الثلاثاء لثمانٍ بقين من جمادى الآخرة من سنة ثلاث عشرة - استقبل عمر بخلافته يوم الثلاثاء صبيحة موت أبي بكرٍ ﵄. وبقي في الخلافة نحو عشر سنين، وقد قتله أبو لؤلؤة الفارسيُّ المجوسيُّ بخنجرٍ في خاصرته، وهو في صلاة الصبح، وعاش بعد الطعنة ثلاث ليالٍ، كان هذا أواخر ذي الحجة من سنة ثلاثٍ وعشرين للهجرة (١) ﵁ وأرضاه-. أما مواعظه المنقولة عنه، فهي كثيرةٌ جدًا، ومن تلكم المواعظ (٢): • عن المسور بن مخرمة: أنَّه دخل هو وابن عبَّاسٍ على عمر بن الخطَّاب فقالا: «الصلاة يا أمير المؤمنين!» بعدما أسفر، فقال: «نعم، ولاحظَّ في الإسلام لمن ترك الصَّلاة» فصلَّى والجرح يثعب دمًا. إنَّك وأنت تقرأ هذه الوصيَّة العمريَّة بالصلاة وهو يُحتضر، ويستقبل الآخرة، ويودِّع الدُّنيا- لتتذكَّر وصية إمامه ونبيِّه ﷺ الذي أوصى بالصلاة وهو يجود بنفسه (الصَّلاة الصَّلاة وما ملكت أيمانكم) (٣) .. وكان وهو يغالب المرض، ويغمى عليه ثمَّ يفيق- لا يبدأ بغير ذلكم السؤال:

стр. 24

(أصلَّى النَّاس؟)، ثمَّ يغمى عليه ثمَّ يفيق، ثم يعيد السؤال (أصلَّى النَّاس؟) (١). وها هو الفاروق يعيد السيرة، وينتهج ذات المنهج! فيعظنا قولًا وعملًا: «لا حظَّ في الإسلام لمن ترك الصلاة»، وأمَّا موعظته العمليَّة، فحين صلَّى والجرح يثعب دمًا! إنَّ هذا الموقف ليهدى للذين يقصِّرون في الصلاة لأدنى سببٍ، أو يصرُّون على تركها - عياذًا بالله! - وأيُّ دينٍ يبقى إذا سقط ركنه؟! • وقال الفاروق ﵁ (٢): «تفقَّهوا قبل أن تسوَّدوا». هذه موعظةٌ عظيمةٌ قالها الفاروق ﵁، رواها البخاريُّ في صحيحة تعليقًا وعقَّب عليها بقوله: «وبعد أن تسوَّدوا، وقد تعلَّم أصحاب النبيِّ ﷺ في كبر سنِّهم». «وإنما عقَّبه البخاري بقوله: «وبعد أن تسوَّدوا»؛ خشية أن يفهم أحدٌ من ذلك أنَّ السيادة مانعةٌ من التفقُّه، وإنَّما أراد عمر أنَّها قد تكون سببًا للمنع؛ لأنَّ الرئيس قد يمنعه الكبر والاحتشام أن يجلس مجلس المتعلِّمين. وقال الشافعي: إذا تصدَّر الحدث، فاته علمٌ كثيرٌ. وقد فسَّره أبو عبيدٍ فقال: تفقَّهوا وأنتم صغارٌ قبل أن تصيروا

стр. 25

سادةً، فتمنعكم الأنفة عن الأخذ عمَّن هو دونكم فتبقوا جهَّالًا» (١). لقد أشار الفاروق في موعظته هذه إلى داءٍ يسري في نفوس بعض الناس، كما بيَّنه الأئمَّة، ولكن ماذا يقال عمَّن حال دون تعلُّمه لا رياسةٌ ولا ولايةٌ ولا منصبٌ ولا جاهٌ، إنَّما هو الأنفة من أن يجلس للتعلُّم وهو كبيرٌ في السِّنِّ فقط؟! إنَّ في تعلُّم أصحاب النبيِّ ﷺ لنموذجًا يُحتذى كما قال البخاريُّ ﵀، وإنَّ ممَّا يُزري بالرجل رضاه بجهله بأبسط أمور دينه التي يحتاجها، فلا يتعلُّمها ولا يسأل عنها! ومن الصور التي يتألَّم الإنسان من تكرُّرها: أن ترى شابًّا - فضلًا عن شيخٍ كبيرٍ في السنِّ- يلحن في القرآن لحنًا عظيمًا، ومع ذلك يأبى أن يتعلَّم في حلق تحفيظ القرآن؛ خشية الجلوس بين يدي معلِّمٍ في سنِّ أبنائه! • وقال الفاروق ﵁ (٢): «التُّؤدة في كلِّ شيءٍ خيرٌ إلا ما كان من أمر الآخرة». هذا تصحيحٌ من الفاروق لمفهومٍ قد يختلط على بعض الناس؛ ذلك أنَّ العرب اتَّفقت على ذمِّ العجلة من حيث الجملة، وكانت العرب تكنيها أمَّ النَّدامات، ولهم في ذلك الحكم المنثورة، والأشعار المشهورة، إلا أنَّ هذا المفهوم - كما يقول الفاروق - لا ينبغي أن يُجرى على أمر الآخرة، بل العجلة-أي: المبادرة-إليه محمودةٌ ومطلوبةٌ؛ لأنَّ الإنسان لا يدري متى ينقطع أجله، فعليه أن يبادر ولا يتأنَّى.

стр. 26

فإذا حانت فرصةٌ للتعبُّد، والإكثار من أبواب الخير، فلا تحسن الأناة هنا، بل تذمُّ؛ فإنَّ الله تعالى يقول في أكثر من آيةٍ: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨]. ومن الصور التي ذكرها العلماء أنَّ الأناة فيها مذمومةٌ: التوبة، وقضاء الدَّين، وإكرام الضيف، وتجهيز الميت؛ فهي من الأمور التي تستحبُّ فيها المبادرة والاستعجال في تنفيذها على الوجه الشرعيِّ. وممَّا يلحق بذلك: محاسبة النفس، فلا ينبغي للراجي ربَّه والآخرة أن يتوانى في محاسبتها، بل يبادر، كما قال الفاروق ﵁: «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا؛ فإنَّ أهون عليكم في الحساب غدًا أن تحاسبوا أنفسكم، وتزيَّنوا للعرض الأكبر، يوم تعرضون لا تخفى منكم خافيةٌ!» (١). كم قرع المتأنُّون في شأن الآخرة سنَّ الندم! وها هو القرآن يعبِّر عن هذه الصورة في مواضع كثيرةٍ؛ كقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ إلى قوله سبحانه: ﴿أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ [الزمر: ٥٣ - ٥٦]. • وقال الفاروق ﵁ (٢): «ما أبالي على أيِّ حالٍ أصبحت! على ما أحبُّ، أم على ما أكره؛ ذلك بأنِّي لا أدري الخيرة فيما أحبُّ أم فيما أكره».

стр. 27

يا له من درسٍ عميقٍ! نحتاج أن ندرِّب أنفسنا على تعلُّمه، وتربية قلوبنا على العيش معه. ما أكثر ما تقع لنا أحداثٌ على المستوى الفرديِّ أو الجماعيِّ، نرى في ظاهرها الشرَّ، وتكون الخيرة فيها! وهذا مصداق لقوله تعالى: ﴿وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦]، وقوله : ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩]. لقد مرَّ بي أخوان خلال أسبوعين، وكلاهما يتحدَّث عن مصيبةٍ يتوقَّع نزولها، وهو كارهٌ لها، ووالله لم أجد لي ولهما سلوةٌ إلا التذكير بهاتين الآيتين، وبنحو ما ذكره الفاروق ﵁، حتى قال لي أحدهما لمَّا وقع ما يكره: والله إنِّي لمَّا تدبَّرت هذه الآية: ﴿فَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩] وقرأتها بقلبٍ، وجدتُّ راحةً وطمأنينةً! لقد كثرت المنغِّصات في حياة الناس، وتنوَّعت المكدِّرات، ويبقى كلام الله، وكلام رسوله، ثمَّ مواعظ أصحابه بلسمًا شافيًا، نداوي به جراح الحياة. ****

стр. 28

من مواعظ الفاروق عمر ﵁ - (٢/ ٢) • ومن مواعظ أمير المؤمنين عمر الفاروق ﵁ قوله (١): «من يدخل مدخل السُّوء يتَّهم». هذه موعظةٌ بليغةٌ، ينبغي أن ينتبه الإنسان لها، وأن يحذر العاقل من ورود الأماكن أو المواضع أو إلقاء المقالات والكتابات التي تجلب التهمة له في دينه؛ ذلك أنَّ الناس ليس لهم إلا الظاهر في أحكامهم، فعلى الإنسان ألاَّ يطالبهم بغير ذلك، وإذا كان هذا مطلوبًا ممَّن عُرف عنه الصلاح في دينه، والعلم، فكيف بمن دونه؟! وانظر إلى هدي النبيِّ ﷺ في هذا الباب، تجد عجبًا، فإنَّه لمَّا أراد أن يوصل زوجته أمَّ المؤمنين صفيَّة ﵂ من معتكفه إلى بيته، مرَّ به رجلان فأسرعا، فقال ﷺ : «على رسلكما، إنها صفيَّة بنت حييٍّ»، فقالا: سبحان الله يا رسول الله! قال: «إنَّ الشَّيطان يجري من الإنسان مجرى الدَّم، وإنِّي خشيت أن يقذف في قلوبكما شرًّا»، أو قال: «شيئًا» (٢) فإذا كان هذا رسول الله ﷺ فما الظنُّ بمن دونه؟!

стр. 29

علَّق الإمام الشَّافعيُّ على ذلك بقوله: «إنَّما قال لهما ذلك؛ لأنَّه خاف عليهما الكفر إن ظنَّا به التُّهمة، فبادر إلى إعلامهما؛ نصيحةً لهما، قبل أن يقذف الشيطان في نفوسهما شيئًا يهلكان به» (١). ولتوضيح صلة موعظة الفاروق بهذا الحديث العظيم، يقول ابن حجرٍ ﵀: «قال ابن دقيق العيد ﵀: وهذا متأكِّدٌ في حقِّ العلماء ومن يقتدى به، فلا يجوز لهم أن يفعلوا فعلًا يوجب سوء الظنِّ بهم، وإن كان لهم فيه مخلصٌ؛ لأن ذلك سببٌ إلى إبطال الانتفاع بعلمهم، ومن ثمَّ قال بعض العلماء: ينبغي للحاكم أن يبيِّن للمحكوم عليه وجه الحكم إذا كان خافيًا؛ نفيًا للتُّهمة. ومن هنا يظهر خطأ من يتظاهر بمظاهر السوء ويعتذر بأنه يجرِّب بذلك على نفسه! وقد عظم البلاء بهذا الصِّنف، والله أعلم» (٢). • ومن مواعظه قوله ﵁ (٣): «ويلٌ لديَّان الأرض من ديَّان السماء يوم يلقونه، إلاَّ من أمَّ العدل، وقضى بالحقِّ، ولم يقض بهوًى ولا لقرابةٍ، ولا لرغبةٍ ولا لرهبةٍ، وجعل كتاب الله مرآته بين عينيه». حين يتحدَّث عمر الفاروق عن العدل، فينبغي للآذان أن تنصت؛ فإنَّه الذي ضرب المثل بعدله، وسارت الرُّكبان بأخباره. إنَّ الفاروق حينما يعظ من تولَّى أدنى ولايةٍ من ولايات المسلمين،

стр. 30

فإنَّه يعظه وهو الذي عاش همَّ الولاية وغمَّ المسؤولية، وهو الذي طالما ذرفت عيونه من الدمع؛ خوفًا من سؤال الله عن رعيَّته التي استرعاه الله عليهم، وهو الذي كان يقول: «لو ماتت شاةٌ على شطِّ الفرات ضائعةً لظننت أنَّ الله تعالى سائلي عنها يوم القيامة» (١). إنَّ الفاروق بموعظته هذه، ينبِّه القضاة خصوصًا على أعظم الموانع التي تحول بين الإنسان وبين القضاء بالحقِّ، وهي أربعٌ: الهوى، القرابة، الرغبة في الأطماع، الرهبة من ذي سلطانٍ! ثمَّ لمَّا ذكر هذه الموانع، أشار إلى الدواء والعلاج: «أن يجعل كتاب الله مرآته بين عينيه». وكأنَّه بذلك يشير إلى وصيَّة الله تعالى لنبيِّه داود ﵊: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص: ٢٦]، وهي التي جاء بعدها قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩]؛ إشارةً - والله أعلم - إلى أنَّ من أقبل على القرآن متدبِّرًا، طالبًا الهدى في باب القضاء، أو البحث العلميِّ، فإنَّ الله تعالى يهديه ويدلُّه على الصواب. • وقال الفاروق ﵁ (٢): «إنَّك لم تنل عمل الآخرة بشيءٍ أفضل من الزهد في الدُّنيا». مرَّ جابر بن عبد الله ﵄ وهو معلِّقٌ لحمًا على ظهره - على عمر ﵁، فقال: «ما هذا يا جابر؟»، قال: «هذا لحمٌ اشتريته

стр. 31

اشتهيته!»، قال: «أو كلَّما اشتهيت شيئًا اشتريته؟ أما تخشى أن تكون من أهل هذه الآية: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ [الأحقاف: ٢٠]؟!» (١). وكتب عمر إلى أبي عبيدة، فذكر كلامًا، وقال (٢): «فغمِّض عن الدُّنيا عينك، وولِّ عنها قلبك، وإيَّاك أن تهلكك كما أهلكت من كان قبلك؛ فقد رأيت مصارعها، وأُخبرت بسوء أثرها، على أهلها: كيف عري من كست، وجاع من أطعمت، ومات من أحيت؟! ... وأنت غائبٌ منتظرٌ متى سفره في غيره دار مقامٍ، قد نضب ماؤها، وهاجت ثمرتها، فأحزم الناس الراجل منها إلى غيرها بزاد بلاغٍ». ووضوح هذه المواعظ والوصايا يغني عن التعليق عليها، إلا أنَّه يحسن الإشارة إلى أنَّ هذه المواعظ يعظم وقعها حين تصدر من مثل عمر ﵁؛ فهو الذي تولَّى خلافة المسلمين عشر سنواتٍ، فما مالت به الدُّنيا ولا أطاحت، كان يلي من بلدان المسلمين ما يوازي عشر دولٍ عربيَّةٍ بل أكثر! ومع هذا لم يفتنه بهرجها، ولم يطغ، بل عاش عيشةً أذهلت رسول كسرى حين جاء يطلبه ليوصل له رسالة من سيِّده، فلم يزد - حين رآه متوسِّدًا التراب - إلا أن قال: «عدلت فأمنت فنمت». إنَّ التاريخ والواقع يثبتان أنَّ أعظم شيءٍ يفسد صاحب العلم، ومن تولَّى شأنًا من شؤون المسلمين هو: الطمع في الدُّنيا والتعلُّق بها تعلُّقًا ينسي الآخرة! وكلام السلف مع ما يشاهده الإنسان يغني عن الإطالة في بيان ذلك.

стр. 32

• ومن مواعظه العمليَّة (١): أنَّه ﵁ حمل قِربةً على عنقه، فقيل له في ذلك، فقال: «إنَّ نفسي أعجبتني؛ فأردتُّ أن أُذلِّها». ما أحوج أهل العلم وطلبته - ومن نال شيئًا من أسباب الرِّفعة بين الناس - أن يداووا نفوسهم حين تهوي إلى دركات النيَّات السيِّئة، والأخلاق الرديئة! هذا عمر - وهو عمر! - يُهدي لنا درسًا عمليًا في تربية النفس حين تصاب بشيءٍ من أدوائها. فإن قلت: ما الذي أفعله؟ فيقال: كلُّ أعلم بما يُصلح نفسه، وأدرى بسبب العُجب الذي أصابه. وهذا نموذجٌ عمليٌّ أذكره، فقد قال لي مرةً أحدُ طلبة العلم المشاهير إعلاميًا: إنِّني إذا أعجبتني نفسي، حرصت أن ألبِّي دعوةً لمحاضرةٍ في قريةٍ نائيةٍ؛ لأجل أن أداوي نفسي، فالإعلام والفلاشات - كما يقال - لها أثرها، فلله درُّه! وللفاروق ﵁ كلماتٌ جامعةٌ في الوعظ، أسوق منها قوله: - لا تعترض فيما لا يعنيك، واعتزل عدوَّك، واحتفظ من خليلك إلا الأمين؛ فإنَّ الأمين من القوم لا يعادله شيءٌ، ولا تُصاحب الفاجر فيعلِّمك من فجوره، ولا تفش إليه سرَّك، واستشر في أمرك الذي يخشون الله» (٢). - وقال ﵁: «عليكم بذكر الله فإنَّه شفاء، وإيَّاكم وذكر الناس

стр. 33

فإنَّه داء» (١). ولنختم ببعض أدعية الفاروق ﵁ الذي كان يقول: - «اللَّهمَّ عافنا واعف عنَّا» (٢). - «اللَّهمَّ اجعل عملي صالحًا، واجعله لك خالصًا، ولا تجعل لأحدٍ فيه شيئًا» (٣) هذه رشفةٌ من مواعظ الفاروق ﵁ وما تركته أكثر، وفيما ذكر - إن انتفعنا به - خيرٌ ومغنمٌ. ...

стр. 34

من مواعظ ذي النُّورين ﵁ - إنَّه عثمان بن عفَّان بن أبي العاص بن أميَّة بن عبد شمسٍ القرشيُّ الأمويُّ، أشهر كناه: أبو عمروٍ. ولد بمكة، وأسلم بعد البعثة بقليلٍ، وكان غنيًا شريفًا في الجاهليَّة. هاجر إلى أرض الحبشة فارًّا بدينه مع زوجته رقيَّة بنت رسول الله ﷺ ، وكان أوَّل خارجٍ إليها، وتابعه سائر المهاجرين إلى أرض الحبشة، ثم هاجر الهجرة الثانية إلى المدينة. كان من كبار الرجال الذين اعتزَّ بهم الإسلام في عهد ظهوره. ومن أعظم أعماله في الإسلام: تجهيزه نصف جيش العسرة بماله، فبذل ثلاثمائة بعيرٍ بأقتابها وأحلاسها، وتبرَّع بألف دينارٍ. وصارت إليه الخلافة بعد وفاة عمر بن الخطَّاب سنة (٢٣هـ)، فافتتحت في أيَّامه: إرمينية، والقوقاز، وخراسان، وكرمان، وسجستان، وإفريقيَّة، وأتمَّ جمع القرآن، وهو أول من زاد في المسجد الحرام ومسجد الرسول ﷺ ، وأمر بالأذان في الأول يوم الجمعة، واتَّخذ الشرطة، وله غير ذلك من المناقب. مات ﵁ شهيدًا، حيث قتل في ١٨ من ذي الحجَّة، يوم الجمعة،

стр. 35

سنة (٣٥هـ)، وهو ابن اثنتين وثمانين سنةٌ (١). • وأما ما روى عنه من المواعظ، فكثيرةٌ، ولعلَّنا نبتدئ بهذه الموعظة التي تعكس لنا شيئا من حياة عثمان مع أشرف كتابٍ نزل من السماء، حيث يقول ﵁ (٢): «لو طهرت قلوبكم، ما شبعت من كلام الله ». إنَّها موعظةٌ بليغةٌ، تصف الدَّاء الذي حال بين كثيرٍ من الناس وبين عدم انتفاعهم بالقرآن؛ إنَّها أمراض القلوب: من الرياء، والحسد، والحقد، وغيرها من الأدواء التي تحول بين المرء وبين الانتفاع الحقِّ من الكتاب الحقِّ. إنَّ القلب كالوعاء؛ إذا امتلأ بشيءٍ ازدحم به، فإذا امتلأ بهذه الأدواء ضعف أثر القرآن عليه، إلا أن يقرأ بقصد علاجها وشفائها، فهذا من أعظم مقاصد نزول القرآن؛ قال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢]. إنَّ تعبير عثمان ﵁ بقوله: (ما شبعت) تعبيرٌ دقيقٌ ومعبِّرٌ، ففي القلب جوعٌ لا يسدُّه شيءٌ كما يسدُّه التعلُّق بالقرآن، تلاوةً وسماعًا وتدبُّرًا. - لقد عبَّر عثمان ﵁ عن حبِّه لكلام ربِّه، وعدم شبعه منه بقوله: «ما أحبُّ أن يأتي عليَّ يومٌ وليلةٌ إلاَّ أنظر في كلام الله »، وفي لفظٍ «إلى عهد الله»؛ يعني: القراءة في المصحف (٣).

стр. 36

يقول هذا وهو خليفة المسلمين، الذي اتَّسعت في عهده الفتوح جدًا! فأين الذين تمضي عليهم الأيام والليالي وما فتحوا صفحةً من المصحف وهم لم يرتبطوا بأدنى مسؤوليةٍ؟! • ومن خطبه الوعظيَّة التي خطبها في آخر حياته قوله ﵁ (١): «إنَّ الله إنَّما أعطاكم الدُّنيا لتطلبوا بها الآخرة، ولم يعطكموها لتركنوا إليها، إنَّ الدُّنيا تفنى، وإنَّ الآخرة تبقى، لا تبطرنَّكم الفانية، ولا تشغلنَّكم عن الباقية، وآثروا ما يبقى على ما يفنى؛ فإنَّ الدُّنيا منقطعة، وإنَّ المصير إلى الله، اتَّقوا الله فإنَّ تقواه جنَّةٌ من بأسه، ووسيلةٌ عنده، واحذروا من الله الغير، والزموا جماعتكم لا تصيروا أحزابًا ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣]». ووضوح المعاني التي ذكرها ﵁ في الزهد في الدُّنيا تغني عن الإطالة في إيضاحها. إلا أنَّه لا بدَّ من الإشارة إلى موعظته المتعلِّقة بلزوم جماعة المسلمين، وهو الذي رأى بوادر فتنةٍ أطلَّت، وهو -أيضًا - الذي ذاق مرارة الفرقة في الجاهليَّة، وذاق حلاوة الاجتماع والألفة في الإسلام على يدي النبيِّ ﷺ . فهل يعي هذا المعنى أناسٌ ولدوا في أمَّةٍ مجتمعةٍ، ويريدون أن يفرِّقوا جماعة المسلمين، ويحفروا - بجهلهم - حفرًا من النار؟! ...

стр. 37

• ومن مواعظة البديعة قوله ﵁ (١): «ما من عاملٍ يعمل عملًا إلاَّ كساه الله رداء عمله». ويروى عنه أنَّه قال «ما أسرَّ أحدٌ سريرةً إلا أبداها الله على صفحات وجهه، وفلتات لسانه». وقال مرةً ﵁ «لو أنَّ عبدًا دخل بيتًا في جوف بيتٍ فأدمن هناك عملًا، أوشك الناس أن يتحدَّثوا به، وما من عاملٍ يعمل إلا كساه الله رداء عمله؛ إن خيرًا فخيرٌ، وإن شرًا فشرٌّ» (٢). إنَّ فيما ذكره أمير المؤمنين عثمان ﵁ في موعظته - إرشادًا لنا أن نتَّقي الله في سرائرنا، وأن نعامل الله بالصدق وليس غيره؛ إذ لا نجاة مع الله في الدُّنيا والآخرة إلا به، قال تعالى: ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [المائدة: ١١٩]، وفي المقابل فإنَّ المرء إن حاول أن يخفي شيئًا خلاف سريرته، فإنَّ الله تعالى يظهره ولا بدَّ، إن خيرًا فخيرٌ، وإن شرًا فشرٌّ، كما قال عثمان ﵁، وتأمَّل ما حكاه الله تعالى عن المنافقين: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٠]، فهذا المنافق يجتهد في كتمان نفاقه، فأخبر الله أنَّه سيظهر أمرهم في لحن قولهم، وكذلك المؤمن الذي يجتهد في كتمان إيمانه - كمؤمن آل فرعون، وامرأة فرعون - سيظهر إيمانه على لسانه عند المخالفين الذين يخالفهم، فويل للمنافقين، وبشرى للصادقين! ومن الدواء لعلاج الخلل في شأن السريرة: ما ذكره سلمان ﵁،

стр. 38

قال: «إذا أسأت سيئةً في سريرةٍ، فأحسن حسنةً في سريرةٍ، وإذا أسأت سيِّئةً في علانيةٍ، فأحسن حسنةً في علانيةٍ؛ لكي تكون هذه بهذه» (١). * ومن مواعظه في شأن الولاية (٢): «إنَّ الله ليزع بالسُّلطان، ما لا يزع بالقرآن». ومعنى هذه الجملة المحكمة: أنَّ من الناس من لا يردعه أمرٌ ونهيٌ، ولا ترغيبٌ ولا ترهيبٌ، بل لا يردعه إلا زجر السلطان، بسوطه أو بسيفه، حسب حاله! ومن هنا شرعت الحدود؛ لأنَّ من الناس من لا يرتدع بوعظٍ، فليردعه الحدُّ؛ ليكفَّ شرَّه عن نفسه وعن الناس. *ومن مواعظه العظيمة في الخمر (٣): «إيَّاكم والخمر؛ فإنَّها مفتاح كلِّ شرٍّ! أتي رجلٌ فقيل له: إمَّا أن تحرق هذا الكتاب، وإمَّا أن تقتل هذا الصبيَّ، وإمَّا أن تقع على هذه المرأة، وإمَّا أن تشرب هذه الكأس، وإمَّا أن تسجد لهذا الصليب! قال: فلم ير فيها شيئًا أهون من شرب الكأس، فلمَّا شربها، سجد للصليب، وقتل الصبيَّ، ووقع على المرأة، وحرق الكتاب!». إنَّها موعظةٌ ملئت نصحًا وعقلًا، لو تأمَّلها الذين ابتلوا بشرب أمِّ الخبائث، فأفسدت عليهم أديانهم وعقولهم وأموالهم، وشتَّتت

стр. 39

أمورهم، لوجدوا فيها تشخيصًا للداء .. ويكفي المؤمن أن يتأمَّل في عواقبها السيِّئة ليتركها، فضلًا عن زواجر القرآن والسُّنَّة، التي لو فكَّر شاربها أنَّه ملعونٌ على لسان رسول الله ﷺ ، لارتدع! قيل لعثمان ﵁: ما منعك من شرب الخمر في الجاهليَّة ولا حرج عليك فيها؟ قال: «إنِّي رأيتها تُذهب العقل جملةً، وما رأيت شيئًا يذهب جملةً ويعود جملةً» (١). • ولنختم بكلماتٍ قالها ﵁ في إحدى خطبه: «أيُّها الناس، اتَّقوا الله؛ فإنَّ تقوى الله غنمٌ، وإنَّ أكيس الناس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، واكتسب من نور الله نورًا لظلمة القبر، وليخش عبدٌ أن يحشره الله أعمى وقد كان بصيرًا، واعلموا أنَّ من كان الله له لم يخف شيئًا، ومن كان الله عليه فمن يرجو بعده؟!» (٢). رضي الله عن الخليفة الراشد ذي النورين، وجمعنا به في جنَّات عدنٍ. ...

стр. 40

من مواعظ أمير المؤمنين عليٍّ ﵁ - (١/ ٣) إنَّني هنا لا أترجم لأبي الحسن ﵁، ولا أتحدَّث عن علمه ومكانته، فهو الإمام حقًّا، وأمير المؤمنين صدقًا، وهو العالم العلم الكبير؛ وإنَّما هي إشارةٌ بين يدي الحديث عن بعض مواعظه! إنَّه عليُّ بن أبي طالب - واسم أبي طالبٍ: عبد منافٍ - بن عبد المطَّلب بن هاشم بن عبد منافٍ، أمير المؤمنين، أبو الحسن، القرشيُّ الهاشميُّ، وهو أول من أسلم من الصبيان (١)، وهو رابع الخلفاء الراشدين، وأحد العشرة المبشَّرين بالجنَّة، وابن عمِّ النبيِّ وصهره، وأحد الشجعان الأبطال، ومن أكابر الخطباء والعلماء بالقضاء. وكان اللواء بيده في أكثر المشاهد، ولي الخلافة بعد مقتل عثمان بن عفان (سنة ٣٥ هـ). قال أبو رجاءٍ العطارديُّ: رأيت عليًّا شيخًا أصلع، كثير الشَّعر، كأنَّما اجتاب (٢) إهاب شاةٍ، ربعةً، عظيم البطن، وعظيم اللحية. روى الكثير عن النبيِّ ﷺ وعرض عليه القرآن وأقرأه، ومناقبه كثيرةٌ.
следующие страницы →