← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17082

مواعظ الصحابة لعمر المقبل

عمر المقبل

Полный текст (279 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

يقول هذا وهو خليفة المسلمين، الذي اتَّسعت في عهده الفتوح جدًا! فأين الذين تمضي عليهم الأيام والليالي وما فتحوا صفحةً من المصحف وهم لم يرتبطوا بأدنى مسؤوليةٍ؟! • ومن خطبه الوعظيَّة التي خطبها في آخر حياته قوله ﵁ (١): «إنَّ الله إنَّما أعطاكم الدُّنيا لتطلبوا بها الآخرة، ولم يعطكموها لتركنوا إليها، إنَّ الدُّنيا تفنى، وإنَّ الآخرة تبقى، لا تبطرنَّكم الفانية، ولا تشغلنَّكم عن الباقية، وآثروا ما يبقى على ما يفنى؛ فإنَّ الدُّنيا منقطعة، وإنَّ المصير إلى الله، اتَّقوا الله فإنَّ تقواه جنَّةٌ من بأسه، ووسيلةٌ عنده، واحذروا من الله الغير، والزموا جماعتكم لا تصيروا أحزابًا ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣]». ووضوح المعاني التي ذكرها ﵁ في الزهد في الدُّنيا تغني عن الإطالة في إيضاحها. إلا أنَّه لا بدَّ من الإشارة إلى موعظته المتعلِّقة بلزوم جماعة المسلمين، وهو الذي رأى بوادر فتنةٍ أطلَّت، وهو -أيضًا - الذي ذاق مرارة الفرقة في الجاهليَّة، وذاق حلاوة الاجتماع والألفة في الإسلام على يدي النبيِّ ﷺ . فهل يعي هذا المعنى أناسٌ ولدوا في أمَّةٍ مجتمعةٍ، ويريدون أن يفرِّقوا جماعة المسلمين، ويحفروا - بجهلهم - حفرًا من النار؟! ...

стр. 37

• ومن مواعظة البديعة قوله ﵁ (١): «ما من عاملٍ يعمل عملًا إلاَّ كساه الله رداء عمله». ويروى عنه أنَّه قال «ما أسرَّ أحدٌ سريرةً إلا أبداها الله على صفحات وجهه، وفلتات لسانه». وقال مرةً ﵁ «لو أنَّ عبدًا دخل بيتًا في جوف بيتٍ فأدمن هناك عملًا، أوشك الناس أن يتحدَّثوا به، وما من عاملٍ يعمل إلا كساه الله رداء عمله؛ إن خيرًا فخيرٌ، وإن شرًا فشرٌّ» (٢). إنَّ فيما ذكره أمير المؤمنين عثمان ﵁ في موعظته - إرشادًا لنا أن نتَّقي الله في سرائرنا، وأن نعامل الله بالصدق وليس غيره؛ إذ لا نجاة مع الله في الدُّنيا والآخرة إلا به، قال تعالى: ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [المائدة: ١١٩]، وفي المقابل فإنَّ المرء إن حاول أن يخفي شيئًا خلاف سريرته، فإنَّ الله تعالى يظهره ولا بدَّ، إن خيرًا فخيرٌ، وإن شرًا فشرٌّ، كما قال عثمان ﵁، وتأمَّل ما حكاه الله تعالى عن المنافقين: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٠]، فهذا المنافق يجتهد في كتمان نفاقه، فأخبر الله أنَّه سيظهر أمرهم في لحن قولهم، وكذلك المؤمن الذي يجتهد في كتمان إيمانه - كمؤمن آل فرعون، وامرأة فرعون - سيظهر إيمانه على لسانه عند المخالفين الذين يخالفهم، فويل للمنافقين، وبشرى للصادقين! ومن الدواء لعلاج الخلل في شأن السريرة: ما ذكره سلمان ﵁،

стр. 38

قال: «إذا أسأت سيئةً في سريرةٍ، فأحسن حسنةً في سريرةٍ، وإذا أسأت سيِّئةً في علانيةٍ، فأحسن حسنةً في علانيةٍ؛ لكي تكون هذه بهذه» (١). * ومن مواعظه في شأن الولاية (٢): «إنَّ الله ليزع بالسُّلطان، ما لا يزع بالقرآن». ومعنى هذه الجملة المحكمة: أنَّ من الناس من لا يردعه أمرٌ ونهيٌ، ولا ترغيبٌ ولا ترهيبٌ، بل لا يردعه إلا زجر السلطان، بسوطه أو بسيفه، حسب حاله! ومن هنا شرعت الحدود؛ لأنَّ من الناس من لا يرتدع بوعظٍ، فليردعه الحدُّ؛ ليكفَّ شرَّه عن نفسه وعن الناس. *ومن مواعظه العظيمة في الخمر (٣): «إيَّاكم والخمر؛ فإنَّها مفتاح كلِّ شرٍّ! أتي رجلٌ فقيل له: إمَّا أن تحرق هذا الكتاب، وإمَّا أن تقتل هذا الصبيَّ، وإمَّا أن تقع على هذه المرأة، وإمَّا أن تشرب هذه الكأس، وإمَّا أن تسجد لهذا الصليب! قال: فلم ير فيها شيئًا أهون من شرب الكأس، فلمَّا شربها، سجد للصليب، وقتل الصبيَّ، ووقع على المرأة، وحرق الكتاب!». إنَّها موعظةٌ ملئت نصحًا وعقلًا، لو تأمَّلها الذين ابتلوا بشرب أمِّ الخبائث، فأفسدت عليهم أديانهم وعقولهم وأموالهم، وشتَّتت

стр. 39

أمورهم، لوجدوا فيها تشخيصًا للداء .. ويكفي المؤمن أن يتأمَّل في عواقبها السيِّئة ليتركها، فضلًا عن زواجر القرآن والسُّنَّة، التي لو فكَّر شاربها أنَّه ملعونٌ على لسان رسول الله ﷺ ، لارتدع! قيل لعثمان ﵁: ما منعك من شرب الخمر في الجاهليَّة ولا حرج عليك فيها؟ قال: «إنِّي رأيتها تُذهب العقل جملةً، وما رأيت شيئًا يذهب جملةً ويعود جملةً» (١). • ولنختم بكلماتٍ قالها ﵁ في إحدى خطبه: «أيُّها الناس، اتَّقوا الله؛ فإنَّ تقوى الله غنمٌ، وإنَّ أكيس الناس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، واكتسب من نور الله نورًا لظلمة القبر، وليخش عبدٌ أن يحشره الله أعمى وقد كان بصيرًا، واعلموا أنَّ من كان الله له لم يخف شيئًا، ومن كان الله عليه فمن يرجو بعده؟!» (٢). رضي الله عن الخليفة الراشد ذي النورين، وجمعنا به في جنَّات عدنٍ. ...

стр. 40

من مواعظ أمير المؤمنين عليٍّ ﵁ - (١/ ٣) إنَّني هنا لا أترجم لأبي الحسن ﵁، ولا أتحدَّث عن علمه ومكانته، فهو الإمام حقًّا، وأمير المؤمنين صدقًا، وهو العالم العلم الكبير؛ وإنَّما هي إشارةٌ بين يدي الحديث عن بعض مواعظه! إنَّه عليُّ بن أبي طالب - واسم أبي طالبٍ: عبد منافٍ - بن عبد المطَّلب بن هاشم بن عبد منافٍ، أمير المؤمنين، أبو الحسن، القرشيُّ الهاشميُّ، وهو أول من أسلم من الصبيان (١)، وهو رابع الخلفاء الراشدين، وأحد العشرة المبشَّرين بالجنَّة، وابن عمِّ النبيِّ وصهره، وأحد الشجعان الأبطال، ومن أكابر الخطباء والعلماء بالقضاء. وكان اللواء بيده في أكثر المشاهد، ولي الخلافة بعد مقتل عثمان بن عفان (سنة ٣٥ هـ). قال أبو رجاءٍ العطارديُّ: رأيت عليًّا شيخًا أصلع، كثير الشَّعر، كأنَّما اجتاب (٢) إهاب شاةٍ، ربعةً، عظيم البطن، وعظيم اللحية. روى الكثير عن النبيِّ ﷺ وعرض عليه القرآن وأقرأه، ومناقبه كثيرةٌ.

стр. 41

استشهد سنة (٤٠هـ)، قتله عبد الرحمن بن ملجمٍ المراديُّ غيلةً في مؤامرة السابع عشر من شهر رمضان (١). - إنَّه عليٌّ ﵁، حبُّه إيمانٌ، وبغضه نفاقٌ، إنَّه الرجل الذي (يحبُّ الله ورسوله، ويحبُّه الله ورسوله) (٢) .. إنَّه الصِّهر القريب، والشابُّ المقرَّب الحبيب! - إنَّه الشابُّ العالم الذي اختاره ﷺ لمهمَّةٍ خطيرةٍ، وهي بعثه إلى اليمن قاضيًا. - إنَّه العالم بكتاب الله تعالى وسنَّة رسوله ﷺ ، حتى قال سعيد بن المسيِّب: لم يكن أحدٌ من أصحاب النبيِّ ﷺ يقول: سلوني، إلا عليُّ بن أبي طالبٍ (٣)، بل كان الفاروق ﵁ الذي يعرف أقدار الرجال -: يتعوَّذ بالله من معضلةٍ ليس لها أبو حسنٍ. - بل قال ابن عبَّاسٍ ﵁: إذا بلغنا شيءٌ تكلَّم به عليٌّ ﵁ من فتيا أو قضاءٍ وثبت، لم نجاوزه إلى غيره (٤). وفي البخاريِّ عن سعدٍ ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ خرج إلى تبوك واستخلف عليًّا، فقال: أتخلِّفني في الصِّبيان والنِّساء؟! قال: «ألا ترضى أن تكون منِّي بمنزلة هارون من موسى؟ إلاَّ أنَّه ليس نبيٌّ بعدي» (٥). - إنَّه الرجل الذي ما مات النبيُّ ﷺ عن خيرٍ منه من آل البيت - عليهم سلام الله ورضوانه -.

стр. 42

- إنَّه أحد من شملتهم الوصيَّة النبويَّة: «أذكِّركم الله في أهل بيتي». - إذا ذكرت مواعظ الصحابة ﵃، فإن مواعظ أمير المؤمنين أبي الحسن عليٍّ ﵁ لها شأنها وتميُّزها؛ نظرًا لتأخُّر وفاته مقارنةً ببقية الخلفاء الراشدين ﵃. لذا؛ قد يمتدُّ بنا الحديث مع مواعظه في أكثر من درسٍ أو مجلسٍ. فمن تلك المواعظ: • قوله في وصيَّته المشهورة لكُميل بن زيادٍ (١): «يا كُميل بن زيادٍ، إنَّ هذه القلوب أوعيةٌ، وخيرها أوعاها للعلم، احفظ عنِّي ما أقول لك: الناس ثلاثةٌ: عالمٌ ربَّانيٌّ، ومتعلِّمٌ على سبيل نجاةٍ، وهمجٌ رعاعٌ أتباع كلِّ ناعقٍ، يميلون مع كلِّ ريحٍ، لم يستضيئوا بنور العلم، ولمك يلجؤوا إلى ركنٍ وثيقٍ. يا كُميل بن زيادٍ، العلم خيرٌ من المال؛ العلم يحرسك وأنت تحرس المال، المال ينقصه النفقة والعلم يزكو على الإنفاق. يا كُميل بن زيادٍ، محبة العالم دينٌ يدان، تكسبه الطاعة في حياته، وجميل الأحدوثة بعد وفاته، ومنفعة المال تزول بزواله، العلم حاكمٌ والمال محكومٌ عليه. يا كميل، مات خزَّان المال وهم أحياءٌ! والعلماء باقون ما بقي الدهر؛ أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة».

стр. 43

وأظنُّ أنَّ وضوح هذه المعاني تعني عن الإفاضة في التعليق عليها، إلا أنَّ اللافت في هذا أنَّه جمع لتلميذه كُميلٍ بين اللذَّات الدُّنيويَّة التي يسعى لها عموم الناس، وهي: العلم وأهله، المال، حسن الذِّكر، ثم بيَّن له كيف تعود هذه الأمور الثلاثة على صاحبها بالغنيمة في الدُّنيا قبل الآخرة. كما أنَّه أبدع حين عقد هذه المقارنة بين العلم والمال؛ حيث قال: «العلم خيرٌ من المال؛ العلم يحرسك وأنت تحرس المال، المال ينقصه النفقة والعلم يزكو على الإنفاق»، ومن الجميل في هذه المقارنة سهولة التعبير مع عمق المعنى، بالإضافة إلى وضوح الحجَّة العقليَّة فيها. وشاهد هذه المقارنة في قول الإلبيريِّ في قصيدته الشهيرة: وكنزٌ لا تخاف عليه لصًّا ... خفيف الحمل يوجد حيث كنتا يزيد بكثرة الإنفاق منه ... وينقص إن به كفًّا شددتا • ومن مواعظه المتينة ﵁ قوله (١): «حدِّثوا النَّاس بما يعرفون؛ أتحبُّون أن يكذَّب الله ورسوله؟!». وهذا من المعنى الذي يوفَّق له العاقل من حملة العلم، فليس كلُّ علمٍ يلقى على الناس، دون مراعاةٍ لأحوالهم الزمانيَّة والمكانيَّة والعلميَّة! ومن ذلك: التحدُّث بأحاديث مشكلةٍ لا تستوعبها عقول العامة؛ إمَّا لغموض معناها، أو لكونها منسوخةً، أو لغير ذلك من العوارض العلميَّة.

стр. 44

وتأمَّل في تعليل عليٍّ ﵁ لهذا النهي، حيث يقول: «أتحبُّون أن يكذَّب الله ورسوله؟». سبحان الله! انظر كيف ينقلب مراد الإنسان من نفع الناس، والرغبة في إفادتهم، إلى عكس مقصوده، حينما يحدِّث بما لا تفقهه عقول الناس! إنَّ هذا التوجيه الكريم من أمير المؤمنين عليٍّ ﵁، يهدى لإخواننا الذين يتصدَّون لوعظ الناس وإرشادهم، أن يتجنَّبوا ما قد يثير القلق أو الحيرة لدى المستمعين، من خلال ذكر بعض القصص الغريبة، أو الأخبار التي تشتمل على معانٍ لا تستوعبها عقول العامة! وفي محكم القرآن والسُّنَّة وواضح النصوص ما يكفي ويشفي. • ومن مواعظه البليغة ﵁: قال يعزِّي رجلًا في ابنه (١): «إنَّك إن صبرت جرى عليك القدر وأنت مأجور، وإن جزعت جرى عليك القدر وأنت مأزور!». يا للعلم والحكمة! كم نحن محتاجون لمثل هذا الفقه العمليِّ عند وقوع المصائب، فما منَّا إلا ويبتلى بمصيبةٍ تحزنه، من موت حبيبٍ وصاحبٍ وقريبٍ، فكم هو جميلٌ أن يستحضر الإنسان هذا المعنى. وفي هذا المقام تذكر القصة التي فيها: أنَّ رجلًا كتب إلى أخٍ له فجع بوفاة ولده قائلًا: إنَّما يستوجب على الله وعده من صبر لله بحقِّه، فلا تجمع إلى ما أصبت به من المصيبة الفجيعة بالأجر، فإنَّها أعظم

стр. 45

المصيبتين عليك، والسلام (١). لم ننته بعد من تطوافنا مع مواعظ أمير المؤمنين عليِّ ﵁؛ فللحديث صلةٌ مع مواعظه ﵁. ...

стр. 46

من مواعظ أمير المؤمنين عليٍّ ﵁ - (٢/ ٣) • ومن مواعظ أمير المؤمنين، الإمام الفصيح، أبي الحسن عليِّ بن أبي طالب ﵁ قوله (١): «إنَّ النِّعمة موصَّلةٌ بالشُّكر، والشُّكر معلَّقٌ بالمزيد، وهما مقرونان في قرنٍ، فلن ينقطع المزيد من الله حتَّى ينقطع الشُّكر من العبد». وهذا المعنى الذي ذكره ﵁ منتزعٌ من قوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧]. إنَّ فهم هذه الحقيقة يكشف لك سرًا من أسرار تبدُّل النِّعم على أممٍ وجماعاتٍ وأفرادٍ، وصدق الله إذ يقول: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال: ٥٣]. • ومن مواعظه ﵁ قوله (٢): «من لانت كلمته، وجبت محبَّته». صدق ﵁! فإنَّ شواهد الواقع على هذا أكثر من أن تحصر! وإنَّ أحقَّ من ينبغي عليهم مراعاة هذا المعنى والسعي إليه: الدُّعاة

стр. 47

إلى الله تعالى؛ ذلك أنَّ الرفق في الخطاب، واجتناب الكلمات الجافية، له أثره القويُّ في تأليف القلوب، وإصغاء الأسماع لما يريد المتكلِّم قوله؛ ولهذا أمر الله تعالى موسى وأخاه هارون -حين بعثهما إلى أشدِّ طغاة الأرض- بلين الكلام؛ وعلَّل ذلك لهما فقال سبحانه: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤]. وإذا كان الله تعالى يقول لرسوله ﷺ : ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، فمن الواعظون بعده؟ ومن بعد الصحابة موعوظون؟! نعم، قد يحتاج إلى الشِّدِّة في بعض المواضع، لكن المؤكَّد أنَّها استثناء، وليست أصلًا. وفيما يخصُّ لين الكلام، وأثره على محبة الناس، فإنَّ أولى الناس بلين الكلام هم: الوالدان، والزوجة والأولاد، ومن لهم حقٌّ على الإنسان -كمشايخه ومعلِّميه -ثم كبار السنِّ وعموم الناس، كما قال تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣]، وفي قراءةٍ سبعيَّةٍ: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾، فشمل ذلك: حسن اللفظ، وحسن الأداء. • ومن مواعظه ﵁ قوله (١): «حِلمُك على السَّفيه يكثِّر أنصارك عليه» والمعنى: أنَّ الإنسان قد يبتلى بسفيهٍ يرمي كلامًا يجرح، أو يتصرَّف تصرُّفًا يؤذي، فإن قابله الإنسان بسفهٍ، فقد نزل إلى مستواه، وإن

стр. 48

سكت عنه وأعرض، تولَّى الناس الدفاع عنه، والانتصار له، وهذا من ثمار التخلُّق بأخلاق عباد الرحمن الذين لا يكتفون بالسكوت عمَّا يلقونه من السَّفه، بل يرتقون درجةً أعظم، وهي مقابلة السَّفه بالقول الليِّن، والخطاب السديد! كما قال الله عنهم: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: ٦٣] إنَّ مقابلة السفيه بمثل قوله، وإن جاز شرعًا، فإنَّه ليس من درجات الكمال، بل الأولى الإعراض عنهم؛ لأنَّهم - لسفههم - يظُّنُّون أنَّ إجابتهم على سفههم نوعٌ من الاعتبار لهم؛ ولهذا يجمل بالعاقل أن يتحاشى هذا، على حدِّ قول الأوَّل: يُخاطبني السَّفيه بكلِّ قُبحٍ ... فاكره أن أكون له مجيبا يزيد سفاهةً وأزيد حلمًا ... كعودٍ زاده الإحراق طِيبا وهذا النوع من السفهاء، لئن كان الإنسان لا يلقاهم في الزمن السابق إلا لِمامًا، فإنَّه اليوم يلقاهم كلَّ يومٍ بل بالساعات! من خلال مواقع التواصل الاجتماعيِّ - كتوتير والفيسبوك! - وهذا شيءٌ معروفٌ ومجرَّبٌ لمن له أدنى مشاركةٍ في هذه المواقع، ولا دواء أحسن من الإعراض عنهم، ولقد رأى المجرِّبون صدق مقولة أبي الحسن ﵁ «حلمك على السَّفيه يكثِّر أنصارك عليه». • ومن مواعظه ﵁ قوله (١): «المشاورة حصنٌ من النَّدامة، وأمنٌ عن الملامة».

стр. 49

وهذه الموعظة هي ثمرة تجارب طويلةٍ عاشها عليُّ ﵁ بنفسه، وقبل ذلك مع أستاذة ومعلِّمه الأوَّل ﷺ . إنَّ الاستشارة أمارةٌ على عقل المستشير؛ ذلك أنَّ الرأي الفذَّ ربَّما زل، والعقل الفرد ربَّما ضلّ- كما يقول بعض العلماء-. وقد قال بعض السَّلف: من حقِّ العاقل أن يضيف إلى رأيه آراء العلماء، ويجمع إلى عقله عقول الحكماء. وقال بعضهم: «الاستشارة عين الهداية، وقد خاطر من استغنى برأيه» (١). وشواهد الحال - فضلًا عن شواهد السُّنَّة - تؤكِّد أهمية الاستشارة، وتتأكَّد أهميتها كلَّما عظم الأمر الذي سيقدم عليه الشخص، وتتأكَّد أكثر وأكثر حين يتعلَّق الأمر بجماعةٍ من الناس أو بالأمَّة! إنَّ ممَّا يوسف عليه: أن ترى بعض الناس - وخاصة الشباب - ربَّما أقدم على أمورٍ مهمَّةٍ ومصيريَّةٍ في حياته دون استشارةٍ أو استخارةٍ! يحمله على ذلك التَّعجُّل وضعف الإدراك للمآلات! وهذا غلطٌ عظيم، غالبًا يقع معه الندم، ولكن بعد فوات الأوان حيث يتعذَّر الاستدراك! ولو كان أحدٌ من الخلق يستغني عن الاستشارة، لاستغنى عنها المؤيَّد بالوحي ﷺ ، الذي قال الله له: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، قال الحسن البصريُّ وغيره: ما أمر الله تعالى نبيَّه بالمشاورة لحاجةٍ منه إلى رأيهم؛ وإنَّما أراد أن يعلِّمهم ما في المشاورة من الفضل، ولتقتدي به أمَّته من بعده (٢).

стр. 50

وهكذا كان ﷺ يفعل، ومن تأمَّل السِّيرة، وجد كيف طبَّقها ﷺ عمليًا، بل كان له من خاصَّة أصحابه - كالخلفاء الأربعة - من يستشيرهم ويراجعهم. إذا بلغ الرَّأي المشورة فاستعن ... برأي نصيحٍ أو نصيحة حازم ولا تجعل الشُّورى عليك غضاضةً ... فإن الخوافي قوَّةٌ للقوادم ويؤكِّد عليُّ ﵁ في موعظته هذه على فائدةٍ أخرى من فوائد الاستشارة، وهي: أنَّها أبعد عن الملامة؛ ملامة الشخص لنفسه، أو ملامة الناس له، ولسان حاله يقول: قد استشرت الخلق، واستخرت الخالق، وهذا غايةُ وُسْعِي! وأعرف من أهل العلم المعاصرين -وهو في عشر السبعين متَّع الله بحياته على حسن عملٍ - من لا يقدم على أيِّ خطوةٍ في حياته العلميَّة والدعويَّة إلا وقد استشار، وقال لي مرةً: لم أندم يومًا في حياتي على قرارٍ اتَّخذته ولو جاء الأمر على خلاف مرادي؛ لأنَّني لا أقدم إلا بعد استخارةٍ واستشارةٍ، وهذا غاية ما في وُسْعِي. • ومن مواعظه ﵁: «لله امرؤٌ راقب ربَّه، وخاف ذنبه، وعمل صالحًا، وقدَّم خالصًا، واحتسب مذخورًا، واجتنب محذورًا، ورمى عَرَضَا، وأحرز عِوَضًا، كابَرَ هواه، وكذَّب مُناه» (١).

стр. 51

وسمع رجلًا يذمُّ الدُّنيا، فقال: «إنَّها لدار صدقٍ لمن صدقها، ودار عافيةٍ لمن فهم عنها، ودار غنى لمن تزوَّد منها» (١). هذه جملةٌ من مواعظ هذا الإمام الجليل، والأمير الكريم، أبي الحسن عليِّ بن أبي طالب ﵁، بقي لنا جولةٌ ثالثةٌ في رياض وعظه. ****

стр. 52

من مواعظ أمير المؤمنين عليٍّ ﵁ - (٣/ ٣) • ومن مواعظ أمير المؤمنين، الإمام الفصيح، أبي الحسن عليِّ بن أبي طالبٍ ﵁ قوله (١): «خذوا منِّي هذه الكلمات الخمس؛ فإنَّكم -والله - لو ركبتم المطيَّ حتى تنصبوها، ما أدركتم مثلهنَّ: لا يرجونَّ عبدٌ إلا ربَّه، ولا يخافنَّ إلا ذنبه، ولا يستحي إذا سُئل عمَّا لا يعلم أن يقول: لا أعلم، ولا يستحي أن يتعلَّم إذا لم يعلم، وإنَّ الصَّبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد؛ لا خير في جسدٍ لا رأس له». خمس كلماتٍ عليها أثارةٌ من النبوَّة: أوَّلها: تذكير العبد بالتعلُّق بمن بيده مقاليد السموات والأرض، وأزمَّة الأمور، فإليه المُنتهى والرغبة، ولا حول ولا قوة إلا به. ولكأنَّك - وأنت تقرأ هذه الوصيَّة- تتذكَّر وصية النبيِّ ﷺ لابن عباس ﵄ حين أردفه النبيُّ ﷺ معه على حمارٍ، وأوصاه بجملةٍ من الوصايا، والتي منها: «واعلم أنَّ الأمَّة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيءٍ، لم ينفعوك إلاَّ بشيءٍ قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضرُّوك بشيءٍ، لم يضرُّوك إلاَّ بشيءٍ قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام،

стр. 53

وجفَّت الصُّحف» (١). وثاني هذه الكلمات: «ولا يخافنَّ عبدٌ إلا ذنبه»؛ فإنَّ الله تعالى علَّق لحوق الآفات والمصائب بهذا، فقال: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠]. ولقد فقه هذا المعنى أكابر سلف هذه الأمَّة، ومن أجمع ما رأيته من كلامهم في التعبير عن هذه الحقيقة، قول عمر بن عبد العزيز ﵀ حين كتب إلى بعض عمَّاله: «عليك بتقوى الله في كلِّ حال ينزل بك؛ فإنَّ تقوى الله أفضل العدَّة، وأبلغ المكيدة، وأقوى القوَّة، ولا تكن في شيءٍ من عداوة عدوِّك أشد احتراسًا لنفسك ومن معك من معاصي الله؛ فإنَّ الذنوب أخوف عندي على الناس من مكيدة عدوِّهم، وإنَّما نعادي عدوَّنا ونستنصر عليهم بمعصيتهم، ولولا ذلك لم تكن لنا قوةٌ بهم؛ لأنَّ عددنا ليس كعددهم، ولا قوَّتنا كقوَّتهم، فإن لا ننصر عليهم بحقِّنا لا نغلبهم بقوَّتنا، ولا تكوننَّ لعداوة أحدٍ من الناس أحذر منكم لذنوبكم، ولا أشدَّ تعاهدًا منكم لذنوبكم» (٢). اهـ. وأمَّا الكلمة الثالثة التي تضمَّنتها هذه الموعظة البليغة من عليِّ ﵁، فهي: «ولا يستحي إذا سُئل عمَّا لا يعلم أن يقول: لا أعلم». هذه سنَّةٌ ملائكيَّةٌ؛ فإن الملائكة حسن سألهم الله وكانوا لا يعلمون، قالوا: ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ٣٢]. ولا أجد في بيان هذه الجملة خيرًا من ذكر بعض ما رُوي عن الإمام مالك ﵀، كما في القصة المشهورة التي رواها عبد الرحمن بن

стр. 54

مهديِّ، يقول: كنَّا عند مالك بن أنسٍ، فجاءه رجلٌ فقال: يا أبا عبد الله، جئتك من مسيرة ستة أشهرٍ؛ حمَّلني أهل بلدي مسألةً أسألك عنها، قال: فسل، فسأله الرجل عن مسألةٍ، فقال: «لا أحسنها»، قال: فبهت الرجل كأنَّه قد جاء إلى من يعلم كلَّ شيءٍ! قال: فأيُّ شيءٍ أقول لأهل بلدتي إذا رجعت لهم؟! قال: «تقول لهم: قال مالكٌ: لا أحسن». وقال ابن وهبٍ: سمعت مالكًا يقول: «ينبغي للعالم أن يألف فيما أشكل عليه قول: (لا أدري)؛ فإنَّه عسى أن يهيَّأ له خيرٌ»، قال ابن وهبٍ: وكنت أسمعه كثيرًا ما يقول: لا أدري. وقال في موضعٍ آخر: لو كتبنا عن مالكٍ: (لا أدري)، لملأنا الألواح! وقال أبو داود: «قول الرجل فيما لا يعلم: (لا أعلام) نصف العلم» (١)! فليعتبر طلبه العلم بهذا، وأين منهم من هو في درجة مالكٍ ﵀؟ والذي ما زاده هذا المسلك في قول: (لا أدري) إلا رفعةً ومكانةً في الأمَّة. وأمَّا الجملة الرابعة من موعظة عليٍّ ﵁، فهي قوله: «ولا يستحي أن يتعلَّم إذا لم يعلم». وصدق ﵁، وكم منع الحياء من أناسٍ أن يتعلَّموا؛ إمَّا خوفًا من الغلط، أو حذار أن يجلسوا عند من هو أصغر منهم سنًا، أو أقلُّ وجاهةً اجتماعيَّةً!

стр. 55

ولهؤلاء الذين حال بينهم وبين التعلُّم ما سبق أو غيره، أذكِّرهم بكلمةٍ وموقفٍ: أمَّا الكلمة، فهي قول أمير المؤمنين عمر ﵁ كما علَّقه البخاري -: «تفقَّهوا قبل أن تُسوَّدُوا»، قال البخاريُّ بعد هذا مباشرةً: «وبعد أن تُسوَّدوا، وقد تعلَّم أصحاب النبيِّ ﷺ في كِبَرِ سنِّهم». وأمَّا الموقف، فهو للبضعة النبويَّة الملقَّب بزين العابدين: عليِّ بن الحسين بن عليِّ بن أبي طالبٍ، والذي عاش حياته في المدينة، وكان سيِّدًا من سادات الناس، وموضع الإجلال والتقدير، فكان يتخطَّى حلق قومه من قريشٍ، حتى يأتي زيد بن أسلم -وهو مولى من الموالي، لكنَّه عالمٌ كبيرٌ - فيجلس عنده، فقال: «إنما يجلس الرجل إلى من ينفعه في دينه» (١). يا للعلم والعقل! لم يلتفت للُّغة المستعلية على العلم، ولا المنطق الذي يثير غبار الجاهليَّة، فيجيب بهذه الكلمة التي عليها أثارةٌ من النبوة «إنَّما يجلس الرجل إلى من ينفعه في دينه». وأمَّا الكلمة الخامسة، فهي: «وإنَّ الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد؛ لا خير في جسدٍ لا رأس له» (٢). نعم .. إنَّه الصبر! «فإذا استحكمت الأزمات وتعقَّدت حبالها، وترادفت الضوائق وطال ليلها، فالصبر وحده هو الذي يشعُّ للمسلم النور العاصم من التخبُّط، والهداية الواقية من القنوط» (٣).

стр. 56

إنَّه الصبر الذي تكرَّر الحديث عنه في القرآن في أكثر من تسعين موضعًا. ومن المحزن أن يَظُنَّ بعض الناس أنَّ الوصيَّة بالصبر- عند انغلاق الأمور -وصية عاجزٍ! عجبًا! أو تكون الوصية بوصية الله ورسوله وصية عاجزٍ؟! بل هي وصية ناصحٍ، خاصةً أنَّ عددًا من المصائب والمشاكل لا يمكن تجاوز أثرها إلا بالصبر، وإلا فماذا يصنع من يفجع بوفاة حبيبٍ؟ هل ثمَّة إلا الصبر؟ أو من يُبتلى بتلف مالٍ؟ هل ثمَّة إلا الصبر؟ (١) • ومن موعظه ﵁ قوله (٢): «إنَّ الحقَّ والباطل لا يعرفان بأقدار الرجال، وبإعمال الظنِّ! اعرف الحقَّ تعرف أهله، واعرف الباطل تعرف أهله». يا له من مقياسٍ دقيقٍ! يحتاجه الإنسان في زمنٍ طاشت فيه الموازين إلا عند من وفَّقهم الله تعالى للإنصاف. لقد ابتليت الأمَّة بطوائف من الناس، يتعصَّبون لأشخاص ولأقوالهم، ويمتحنون الناس بها، ويوالون ويعادون عليها، حتى إذا ما رجع الذي يتعصَّبون لقوله عن رأيه هذا أو ذاك، طاشت موازينهم مرةً أخرى! إنَّ من حكمة الله تعالى ورحمته أنَّه لم يربط هذه الأمَّة بفردٍ بعينه سوى رسول الله ﷺ ؛ إذ غيره يصيب ويخطئ؛ لتتربَّى الأمة على تعظيم

стр. 57

الحقِّ وإن أتى به من أتى، وعلى ردِّ الخطأ وإن قال به من قال من الأئمة والفضلاء. ومن الكلمات السائرة كلمة الإمام مالك ﵀: «كلٌّ يؤخذ من قوله ويترك، إلا رسول الله ﷺ ». وبعد، فلنختم هذه الجولة- مع مواعظ أمير المؤمنين عليٍّ ﵁ ببعض الكلمات التي هي أشبه ما تكون بالتوقيعات، بل الأمثال السائرة: - قال ﵁: «الفقيه من لم يقنِّط الناس من رحمة الله تعالى، ولم يرخِّص لهم في معاصي الله » (١). - وقال ﵁: «أخاف عليكم اثنين: اتِّباع الهوى، وطول الأمل؛ فإنَّ اتِّباع الهوى يصدُّ عن الحقِّ، وطول الأمل ينسي الآخرة» (٢). - وقال ﵁: «ميدانكم نفوسكم؛ فإن انتصرتم عليها، كنتم على غيرها أقدر، وإن خذلتم فيها، كنتم على غيرها أعجز، فجرِّبوا معها الكفاح أولًا» (٣). - «الهوى عمى» (٤). - وقال ﵁: «الناس نيامٌ، فإذا ماتوا انتبهوا» (٥).

стр. 58

من مواعظ أبي عبيدة ﵁ هو أحد أكابر الصحابة ﵁، الذين كانت لهم عند رسول الله ﷺ الحظوة الكبيرة، والمنزلة الرفيعة، وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، شهد بدرًا، وأحدًا، وسائر المشاهد مع رسول الله ﷺ ، وهاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية. وهو أحد الخمسة الذين أسلموا في يومٍ واحد على يدي الصِّدِّيق ﵁ وكان معدودًا فيمن جميع القرآن العظيم. وكان رأس الإسلام في وقعة اليرموك، التي استأصل الله فيها جيوش الروم وقتل منهم خلقٌ عظيمٌ. وهو أول من صلَّى في مسجد دمشق إمامًا، وهو أمير الأمراء بالشام. وصفه النبيُّ ﷺ بوصفٍ تشرئبُّ ليه الأعناق، وتتطلَّع إليه النفوس .. إنَّه (أمين هذه الأمَّة) أبو عبيدة عامر بن عبد الله بن الجرَّاح بن هلال بن أهيبٍ القرشيُّ الفهريُّ ﵁. ومن مناقبه ﵁: أنَّه كان أهتم- أي: سقطت ثنايا أسنانه- لأنَّه لما انتزع الحلقتين من وجنتي رسول الله ﷺ يوم أحدٍ، خاف أن يؤلم رسول الله ﷺ فتحامل على ثنيَّتيه فسقطتا، فما رئي أحسن هتمًا منه (١).

стр. 59

وقد واصل سيرته الحسنة بعد وفاة النبيِّ ﷺ في صحبة الصِّدِّيق - الذي أسلم على يده - فكان نعم المعين له، ثم واصل السيرة الرائعة مع عمر، حتى قال فيه الفاروق: إن أدركني أجلي وأبو عبيدة بن الجرَّاح حيٌّ، استخلفته، فإن سألني الله: لم استخلفته على أمَّة محمد ﷺ ؟ قلت: إنِّي سمعت رسولك ﷺ يقول: (إنَّ لكلِّ نبيٍّ أمينًا، وأميني أبو عبيدة بن الجرَّاح) (١). ... • مات أبو عبيدة شهيدًا في طاعون عمواس (٢) سنة ثماني عشرة للهجرة، ولمَّا أصابه الطاعون دعا المسلمين، فدخلوا عليه، فقال لهم (٣): «إنِّي موصيكم بوصية، فإن قبلتموها، لم تزالوا بخيرٍ ما بقيتم، وبعد ما تهلكون! أقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وصوموا وتصدَّقوا، وحجُّوا واعتمروا، وتواصلوا وتحابُّوا، واصدقوا أمرءكم ولا تغشُّوهم، ولا تلهكم الدُّنيا؛ فإنَّ امرأً لو عمِّر ألف حولٍ، ما كان له بدُّ من أن يصير إلى مثل مصرعي هذا الذي ترون؛ إنَّ الله قد كتب الموت على بني آدم، فهم ميِّتون؛ فأكيسهم أطوعهم لربِّه، وأعملهم ليوم معاده». إنَّ هذه الوصية تضمَّنت جملة من المواعظ العظيمة: فهو يذكِّر بأركان هذا الدِّين الذي ما قام إلا عليها: الصلاة والزكاة، والصوم، والحجُّ.

стр. 60

ثم أوصاهم بالتواصل والتحابِّ، فإنَّ هذا أحد أهمِّ أسباب القوة في المسلمين، الذين متى ما تفرَّقوا، سهل على العدوِّ أن يتسلَّط عليهم: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦]. ثم ذكَّرهم بفضيلة من أصول الفضائل، ألا وهي الصِّدق مع من ولَّاه الله تعالى أمرهم؛ فإنَّ الصِّدق بين الحاكم والمحكوم، والرَّاعي والرعيَّة، هو الحبل الأوثق الذي يثمر مجتمعًا قويًّا، يطيع الله وينصح لولاته بالمعروف، ومتى دبَّ الغشُّ، وضعف النصح بين الطَّرفين، ظهرت آثار هذا على الأمَّة كلِّها، وما خبر الخوارج الذين خرجوا على أمير المؤمنين عثمان ﵁ إلا مثالٌ واضحٌ على ما ذكره أبو عبيدة ﵁. * ثم ختم وصيَّته بكلمة ترسم منهجًا للزهد الحقيقيِّ لمن عرف هذه الدُّنيا، فقال: «ولا تلهكم الدُّنيا؛ فإنَّ أمرأً لو عمِّر ألف حولٍ، ما كان له بدُّ من أن يصير إلى مثل مصرعي هذا الذي ترون؛ إنَّ الله قد كتب الموت على بني آدم، فهم ميِّتون؛ فأكيسهم أطوعهم لربِّه، وأعملهم ليوم معاده». إنَّها سنَّة الحياة، يسير الحيُّ في هذه الدُّنيا حتى يدخل من بوابة الموت، وليس هذا هو الشأن، بل الشأن في كيفية القدوم على الله تعالى! إنَّ أعقل الناس وأكيسهم- كما يقول أبو عبيدة ﵁ هو أطوعهم لربِّه، وأعملهم -أي: أكثرهم عملًا -ليوم معاده، فلذلك فليسع العاقل، وليجتهد العامل؛ ففي ذلك اليوم يظهر التغابن، نعوذ بالله من أن نكون مغبونين في الدُّنيا والآخرة!

стр. 61

• ومن مواعظه ﵁ قوله (١): «التَّهلكة هي: أن يذنب العبد ذنبًا ثم لا يعمل بعده خيرًا حتى يهلك». ويوضِّح هذه الموعظة قوله في موضعٍ آخر: (ألا رُبَّ مبيِّضٍ لثيابه مدنِّسٌ لدينه، ألا رُبَّ مُكرمٍ لنفسه وهو لها مُهينٌ، ألا بادروا السيِّئات القديمات، بالحسنات الحديثات؛ فلو أنَّ أحدكم أخطأ ما بينه وبين السماء والأرض ثم عمل حسنةً، لعلت فوق سيِّئاته حتى تقهرهنَّ» (٢). وهذا من فقه أبي عبيدة ﵁؛ فإنَّ الله تعالى لمَّا تكرَّم على عباده بمضاعفة الحسنات، وأنَّ السيئة لا تكون إلا واحدةً فقط، صار الهالك حقًا هو من غلبت سيِّئاته حسناته، كما روى النبيُّ ﷺ عن الله ﵎ في حديث مضاعفة الحسنات والجزاء بالسيئات واحدةً، قال: (ولا يهلك على الله إلَّا هالكٌ) (٣). إنَّه ليس منَّا أحدٌ إلا، وهو عرضةٌ للخطأ والذَّنب، ولكنَّ الشأن في المبادرة إلى محو الذنب بالحسنة، كما في الحديث: (وأتبع السَّيِّئة الحسنة تمحُها) (٤)، وفي التنزيل العزيز: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤]. إنَّ من توفيق الله تعالى لعبده أن يبادر بالصالحات عند الوقوع في السيئات. وإنَّ من رحمة الله تعالى أن شرع لعباده جملةً من المكفِّرات، ففي

стр. 62

صحيح مسلمٍ من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الصَّلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفِّراتٌ ما بينهنَّ إذا اجتنب الكبائر» (١). وفي سياق الثناء على أهل الجنة قال تعالى: ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ [الرعد: ٢٢]، قال ابن عبَّاس ﵁ في بيان معناها-: يدفعون بالصالح من العمل السيِّئ من العمل، علَّق الإمام البغويُّ على كلمة ابن عباس هذه، فقال: «وهو معنى قوله: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾» (٢). وقال الحسن البصريُّ: (استعينوا على السيِّئات القديمات، بالحسنات الحديثات، وإنَّكم لن تجدوا شيئًا أذهب بسيئةٍ قديمةٍ من حسنةٍ حديثةٍ، وأنا أجد تصديق ذلك في كتاب الله: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ (٣). ولعلَّ قصة توبة القاتل الذي قتل تسعةً وتسعين نفسًا نموذجٌ تطبيقيُّ لهذا، فإنَّه لمَّا قتل وتاب، بادر إلى مُفارقة مكان السُّوء وقرية السُّوء، فأخذته ملائكة الرحمة؛ لأنَّه جاء تائبًا مقبلًا بقلبه إلى الله (٤). فالي كلِّ من أسرف على نفسه، وقنَّطه الشيطان من رحمه ربِّه: لا تيأسنَّ ولا تقنطنَّ، فهذا رجلٌ قتل تسعةً وتسعين نفسًا، فلمَّا صحَّت توبته، رحمه ربُّه ومولاه، مع أنَّه لم يعمل خيرًا قطُّ من أعمال الجوارح، سوى هجرته من بلد السُّوء إلى بلد الخير، أفلا تحرِّك فيك هذه القصة

стр. 63

الرغبة في هجر المعاصي، والإقبال على من لا سعادة ولا أُنس إلا بالإقبال عليه؟! • ومن مواعظ أبي عبيدة ﵁ أنَّه لمَّا كان أميرًا على الشام، خطب الناس فقال (١): «يا أيُّها الناس، إنِّي امرؤٌ من قريشٍ، وإنِّي والله ما أعلم أحمر ولا أسود يفضلني بتقوى الله إلا وددتُّ أنِّي في مسلاخه»؛ أي: في جلده. الله أكبر! ما أجمل أن يصدر هذا الكلام من أميرٍ، ومن قريشٍ! إنَّه الفقه لحقيقة الموازين الشرعيَّة، أمَّا بقية الفروق التي ليس للإنسان فيها حيلةٌ، فإنَّها لا وزن لها عند الله! أيُّ شيءٍ نفع أبا لهبٍ حين كفر مع أنَّه عمُّ النبيِّ ﷺ ؟! وماذا ضرَّ بلالًا الحبشيَّ، وصهيبًا الرُّوميَّ، وسلمان الفارسيَّ حين آمنوا بالله وصدَّقوا رسوله ﷺ ؟! إنَّها رسالةٌ أعلنها أبو عبيدة من منبره -وهو الأمير -ليؤكِّد للعامة الذين قد تشرئبُّ أعناق بعضهم لمثل مقامه في الإمارة، ليقوم لهم بلسان الحال: العبرة بالتقوى، وليست بإمارةٍ أو نسبٍ! رضي الله عن أبي عبيدة عامر بن الجرَّاح، وجمعنا به في بُحبُوحة جنانه، ومع سادة أوليائه الذين أنعم عليهم من النبيِّين والصِّدِّيقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا. ...

стр. 64

من مواعظ طلحة بن عبيد الله ﵁ - والزبير بن العوام ﵁ - إنَّهما من أكابر الصحابة ﵃، وممَّن بشِّر بالجنة وهم أحياءٌ، مات النبيُّ ﷺ وهو عنهما راضٍ، وأدخلهما الفاروق ﵁ في مجلس الشورى السُّداسيِّ حين حضرته الوفاة. أمَّا الأول منهم، فهو طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرٍو التَّيميُّ، أبو محمدٍ، الذي سطَّر التاريخ مناقبه بأحرفٍ من نورٍ، أليس هو الذي جعل ظهره وقايةً لرسول الله ﷺ يوم أحدٍ؟ حتى صار ظهره كظهر القنفذ من كثرة ما وقع عليه من سهامٍ ﵁، وكانت يده شلَّاء ممَّا وقى بها رسول الله ﷺ يوم أحدٍ؛ ولذلك قال عنه ﷺ : (أوجب طلحة) (١)؛ أي: وجبت له الجنة، وكان أبو بكرٍ ﵁ إذا ذكر يوم أحدٍ قال: «ذاك كلُّه يوم طلحة»، وشهد بقية المشاهد مع رسول الله ﷺ ، وقتل ﵁ سنة ستٍّ وثلاثين، وهو ابن أربعٍ وستِّين سنةً (٢).

стр. 65

• ولعلَّنا نبتدئ بما نُقل عنه من مواعظ -على ندرته- بقوله ﵁ (١): «إنَّا لنجد بأموالنا ما يجد البخلاء، لكنَّنا نتصبَّر». ومراده ﵁ أنَّ حبَّ المال قد فُطرت عليه القلوب، وجُبلت عليه النفوس، لكنَّ الفرق بين البخيل والكريم، وبين الجواد والممسك، هو الصبر، ومعرفة حقيقة المال، وأنَّه غادٍ رائحٌ، وأنَّ المال الباقي في الحقيقة هو ما أنفقه العبد لا ما حبسه، كما قال النبيُّ ﷺ فيما رواه البخاريُّ عن ابن مسعودٍ ﵁: (أيُّكم مال وارثه أحبُّ إليه من ماله؟)، قالوا: يا رسول الله، ما منَّا أحدٌ إلاَّ ماله أحبُّ إليه، قال: (فإنَّ ماله ما قدَّم، ومال وارثه ما أخَّر) (٢). لقد كانت سيرة طلحة ﵁ ترجمةً عمليَّةً للسَّخاء الذي جُبل عليه، وترجمةً حيَّةً لهذه الموعظة، يقول قبيصة بن جابرٍ: «صحبت طلحة، فما رأيت رجلًا أعطى لجزيل مالٍ عن غير مسألةٍ منه» (٣). «وكان لا يدع أحدًا من بني تيمٍ عائلًا إلا كفاه مؤونته ومؤونة عياله، وزوَّج أيَاماهم، وأخدم عائلهم، وقضى دين غارمهم» (٤). • ومن مواعظه ووصاياه ﵁ قوله (٥): «لا تشاور بخيلًا في صلةٍ، ولا جبانًا في حربٍ، ولا شابًا في جاريةٍ». والمعنى: أنَّ الإنسان إذا أراد المشاورة، فليختر الشخص المناسب

стр. 66

للمشورة، وليحذر ممَّن يحمل الصفة المضادَّة للأمر الذي يستشار فيه؛ لأنَّ النتيجة معروفةٌ مسبقًا! فمن استشار البخيل في البذل، فلن يشير عليه إلا بالإمساك، ومن استشار جبانًا في المضيِّ إلى القتال، فلن يشير عليه إلا بالبقاء والترهيب من الموت الذي لا يتقدَّم أجله ولا يتأخَّر! وهكذا الأمر في شأن الشابِّ مع الجارية؛ فالمظنَّة هي الوقوع في المحذور. ولهذا؛ فإنَّ من كمال عقل الإنسان أن يستشير، وأن يكون المستشار أهلًا للاستشارة، بحيث يكون معروفًا بالحكمة والعقل، والخبرة بالشيء الذي يستشار فيه، كما قال لقمان الحكيم لابنه: شاور من جرَّب الأمور؛ فإنَّه يعطيك من رأيه ما قام عليه بالغلاء، وأنت تأخذه مجانًا (١). وقال بعض الحكماء: من استشار، فإنَّه يضيف إلى رأيه آراء العقلاء، ويجمع إلى عقله عقول الحكماء، فالرأي الفذُّ ربَّما زلّ، والعقل الفرد ربَّما ضلّ، وقد قيل: ما خاب من استخار، ولا ندم من استشار (٢). أمَّا الصحابيُّ الثاني الذي نقف مع ما وقفنا عليه من مواعظه، فهو من الذين استجابوا لله وللرَّسول من بعد ما أصابهم القرح (٣)، وكان معدودًا في أنجاد أصحاب رسول الله ﷺ (٤)، وكان من السَّابقين إلى الإسلام، هو ابن عمَّة رسول الله ﷺ ، إنَّه الزُّبير بن العوَّام بن خويلد بن أسد بن عبد العزَّى بن قصيٍّ، أبو عبد الله الأسديُّ، يلتقي مع رسول الله ﷺ في

стр. 67

قصيٍّ، قال عنه النبيُّ ﷺ : (إنَّ لكلِّ نبيٍّ حواريًا، وحواريَّ الزُّبير) (١)، شهد بدرًا والمشاهد كلَّها، وشهد له النبيُّ ﷺ بالشهادة وهو حيٌّ؛ فقال حين كان على جبل حراءٍ فتحرَّك: (اسكن حراء؛ فما عليك إلَّا نبيٌّ، أو صدِّيقٌ، أو شهيدٌ)، وكان عليه النبيُّ ﷺ ، وأبو بكرٍ، وعثمان، وعليُّ، وطلحة، والزبير، وسعد بن أبي وقَّاصٍ ﵁ (٢). وفضائله ومناقبه كثيرةٌ، وقد مات شهيدًا مغدورًا به من البغاة الخوارج سنة ستٍّ وثلاثين، وعمره سبعٌ وستُّون سنة، وقيل غير ذلك (٣). • والمنقول من وعظه قليلٌ، ومنه قوله (٤): «من استطاع أن تكون له خبيئةٌ من عملٍ صالح، فليفعل». يا لها من موعظةٍ بليغةٍ، ووصيَّةٍ فذَّةٍ! ذلك أنَّ الأعمال الصالحة لا تقبل إلا بإخلاص العمل، ولمَّا كان الإخلاص يحتاج إلى مجاهدةٍ، خاصةً إذا كان العمل كبيرًا، والأثر عظيمًا، والإنسان كثير الخلطة للخلق؛ لذا كان السلف - ومنهم الزبير - يوصون بمثل هذه الوصيَّة، وهي أن يكون للإنسان خبيئة عملٍ صالحٍ، لا يطلع عليها إلا الله تعالى؛ فإنَّ الإخلاص ما خالط عملًا إلا عظَّمه، ولأنَّ اطِّلاع الناس على العمل - وإن لم يسارع له العبد -له ضريبته من جهة حاجته إلى الإخلاص، والبعد عن حظِّ النفس، والرغبة في ثناء الخلق.

стр. 68

قال عبد الله بن داود الخريبي ﵀: «كانوا - أي: السلف - يستحبُّون أن يكون للرجل خبيئةٌ من عملٍ صالحٍ، لا تعلم به زوجته ولا غيرها» (١). لهذا؛ فإنَّ من توفيق الله تعالى للعبد للعبد أن يحرص على هذه الوصية الزُّبيريَّة: «من استطاع أن تكون له خبيئةٌ من عملٍ صالحٍ، فليفعل». فإن قلت: مثِّل لي بمثالٍ على الخبيئة، فالجواب: أمثلة هذا كثيرةٌ، كأن تدمع عينك وأنت خالٍ بربك! أو تتصدَّق بصدقةٍ فتخفيها؛ حتى لا تعلم شمالك ما أنفقت يمينك، ونحو هذه الأعمال الصالحة. ذكر ابن المبارك عند الإمام أحمد- ﵏ جميعًا - فقال الإمام أحمد: «ما رفع الله ابن المبارك إلا بخبيئةٍ كانت له» (٢). • ومن مواعظ الزُّبير العمليَّة: ما رواه البخاريُّ في صحيحه عن عبد الله بن الزبير بن العوَّام ﵄ قال: لمَّا وقف الزبير يوم الجمل دعاني، فقمت إلى جنبه، فقال: «يا بُنيَّ، إنَّه لا يقتل اليوم إلا ظالمٌ أو مظلومٌ، وإنِّي لا أُراني إلا سأقتل اليوم مظلومًا، وإنَّ من أكبر همِّي لَدَيْنِي، أفترى يبقي دَيْنُنَا من مالنا شيئًا؟ ..». قال عبد الله: فجعل يوصيني بدَيْنه، ويقول: «يا بُنيَّ، إن عجزت عنه في شيءٍ، فاستعن عليه مولاي»، فوالله ما دريت ما أراد حتى قلت: يا أبة، من مولاك؟! قال: «الله»!

стр. 69

قال عبد الله: فوالله ما وقعت في كربةٍ من دينه إلا قلت: يا مولى الزبير، اقض عنه دينه، فيقضيه ... قال: فكان للزبير أربع نسوةٍ، ورفع الثُّلث، فأصاب كلَّ امرأةٍ ألف ألفٍ ومائتا ألفٍ، فجميع ماله خمسون ألف ألفٍ، ومائتا ألفٍ (١). أرأيتم كيف يعظ السلف أبناءهم عمليًّا؟ لم يقل الزبير: إذا عجزت فاذهب للسلطان -مثلًا -مع أنَّ هذا جائزٌ، أو اذهب لفلانٍ، أو اجمع قريشًا، بل علَّقه بالله تعالى، الذي بيده خزائن السموات والأرض، فما كانت النتيجة؟! إنَّه الغنى بالله، والاستغناء عن الخلق، والرِّزق الواسع، وقضاء الديون. وهذا كلُّه - كما هو ظاهرٌ - لا يعني إهمال الأسباب، ولكنَّها موعظةٌ يُقصد منها لفت النظر إلى أهمية التعلُّق بالله، خاصةً في هذه القضية الحقوقيَّة بين الناس - وهي الدَّين الذي أثقل كواهل الكثيرين- فإليهم نهدي هذا الموقف، ونقول لهم: إذا ضاقت عليكم، وعجزتم عن ديونكم، فقولوا: يا مولانا، اقض عنَّا ديوننا، قولوا بألسنتكم وقلوبكم. رضي الله عن طلحة بن عبيد الله، ورضي الله عن الزُّبير بن العوَّام، وجمعنا بهما في جنَّات النعيم، مع الذين أنعم عليهم من النبيِّين والصِّدِّيقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا. ...

стр. 70

من مواعظ عبد الرحمن بن عوفٍ ﵁ هو أحد أكابر الصحابة ﵃، وأحد العشرة، وأحد السِّتة أهل الشُّورى، وأحد السابقين البدريِّين، وهو أحد الثمانية الذين بادروا إلى الإسلام، وأحد من كان يُفتِي في عهد رسول الله ﷺ (١). إنَّه عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوفٍ الزُّهريُّ القرشيُّ، أبو محمدٍ، المتوفَّى سنة ٣٢ من الهجرة، وهو ابن اثنتين وسبعين، ويقال خمسٍ وسبعين (٢)، دفن بالبقيع، فقال عليٌّ ﵁ يوم وفاته: «اذهب يابن عوفٍ؛ فقد أدركت صفوها، وسبقت رنقها! -أي: كدرها -» (٣). • أمَّا مواعظ هذا الصحابيِّ الجليل، فهي- على قلَّتها -بليغةٌ، وعميقة الدَّلالة فيما أشارت إليه، ومن ذلك قوله (٤). «ابتلينا بالضَّرَّاء فصبرنا، وابتلينا بالسَّرَّاء فلم نصبر». وهذه من متين الفقه لمعاني الكتاب والسُّنَّة، فإنَّ الصبر على الضراء والشدَّة ظاهر المعنى، ويدركه كلُّ أحدٍ، لكنَّ الذي لا يتفطَّن له إلا الألبَّاء، وذوو العقول والنُّهى: الصبر على الغنى، والرخاء، ورغد

стр. 71

العيش، وما يترتَّب عليه من تبعاتٍ وتكاليف، فقلَّ من يتفطَّن له؛ ولهذا قال ﷺ : (فو الله ما الفقر أخشى عليكم، ولكنِّي أخشى أن تبسط عليكم الدُّنيا كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتهلككم كما أهلكتهم) (١). قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة ﵀: «وكلتا النعمتين - الضراء والسراء - تحتاج مع الشكر إلى الصبر؛ أمَّا الضراء، فظاهرٌ، وأمَّا نعمة السراء، فتحتاج إلى الصبر على الطاعة فيها، كما قال بعض السلف: ابتلينا بالضراء فصبرنا، وابتلينا بالسراء فلم نصبر؛ فلهذا كان أكثر من يدخل الجنة المساكين، لكن لمَّا كان في السراء اللذَّة، وفي الضراء الألم؛ اشتهر ذكر الشكر في السراء، والصبر في الضراء؛ قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [هود: ١١] الآية» (٢) انتهى. «فالرجل كلَّ الرجل من يصبر على العافية، ومعنى الصبر عليها: ألاَّ يركن إليها، ويعلم أنَّ كلَّ ذلك مستودعٌ عنده، وعسى أن يسترجع على القرب، وألَّا يرسل نفسه في الفرح بها، ولا ينهمك في التنعُّم واللذة، واللهو واللعب، وأن يرعى حقوق الله في ماله بالإنفاق، وفي بدنه ببذل المعونة للخلق، وفي لسانه ببذل الصِّدق، وكذلك في سائر ما أنعم الله به عليه» (٣). يقول الله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥]، قال ابن رجب رحمة الله معلِّقًا على هذه الآية:

стр. 72

«فجعل كلَّ ما يصيب الإنسان من شرٍّ أو خيرٍ فتنةً؛ يعني: أنَّه محنةٌ يُمتحن بها؛ فإن أُصيب بخيرٍ، امتُحن به شكره، وإن أُصيب بشرٍّ امتُحن به صبره، وفتنة السراء أشدُّ من فتنة الضراء؛ قال بعض السلف: فتنة الضراء يصبر عليها البرُّ والفاجر، ولا يصبر على فتنة السراء إلا صدِّيقٌ، ولمَّا ابتلي الإمام أحمد بفتنة الضراء، صبر ولم يجزع، وقال: كانت زيادةً في إيماني، فلمَّا ابتلي بفتنة السراء - وهي شهرته وإقبال الناس عليه وتعظيمهم له - جزع وتمنَّى الموت صباحًا ومساءً، وخشي أن يكون نقصًا في دينه!» (١). إنَّ من تأمَّل الواقع، أدرك عمق هذه الموعظة التي قالها عبد الرحمن بن عوفٍ ﵁: «ابتلينا بالضراء فصبرنا، وابتلينا بالسراء فلم نصبر»، فكم شاهد الناس أقوامًا كانوا أيام فقرهم وتوسُّط حالهم الماديَّة على قدرٍ جيدٍ من الديانة، ورعاية الحقوق، والصِّلة، فلمَّا فتحت عليهم الدُّنيا وبسطت لهم، تغيَّرت أحوالهم للأسوأ! ودخلوا في مضايق الأمور، ومقاطع الحقوق؛ فمنهم من سجن، ومنهم من هجرة الناس، ومنهم ... ومنهم! فنسأل الله تعالى العفو والعافية في حال السراء والضراء، وأن يجعلنا ممَّن إذا ابتلي بالخير أو الشرِّ صبر. • ومن مواعظ عبد الرحمن بن عوفٍ ﵁ قوله (٢): «يا حبَّذا المال؛ أصون به عرضي، وأرضي به ربِّي!». صدق ﵁، وهذا القول منه هو الفقه؛ فإنَّ الشرع لا يذمُّ جمع

стр. 73

المال لذات الجمع؛ وإنَّما يذمُّه إذا جمعه صاحبه ثم قصَّر في أداء حقوقه -كالزكاة والنفقة والصِّلة والصدقة - أو تسبَّب في تعلُّقه الزائد عن حدِّه بالدُّنيا. وأمَّا ما سرى في أبجديَّات بعض الزهَّاد، من ذمِّ المال مطلقًا، فهو كلامٌ لا يجري على قواعد الشرع ولا أصوله. والصحيح في مسألة جمع المال وعدمه أن يفصَّل فيها، فيقال: إن كان جمعه لمجرَّد الجمع، مع التقصير في حقِّ الله وحقِّ عباده فيه، أو ألهى عن الواجبات الشرعيَّة، أو كان سببًا في رقَّة الديانة وضعفها، فهو مذمومٌ بلا شكٍّ، أمَّا إن جمعة الإنسان لغرضٍ صالحٍ، فأنفقه في سبيل الله، ودعم مشاريع الخير، وعرف الجامع حقَّ الله فيه، فأدَّى زكاته، وأدَّى حقوقه الأخرى، فهو ليس بمذمومٍ؛ وبهذا تجتمع الأحاديث والآثار الواردة في هذا الباب. وعند التأمُّل في حياة الصحابة ﵃ وتعامل النبيِّ ﷺ معهم، يتَّضح ما ذكرناه بجلاءٍ، فمن الذي جهَّز جيش العسرة؟ ومن الذي حفر بئر رُومة؟ بل من الذي جهَّز النبيَّ ﷺ عندما أراد الهجرة؟ وكم نفع الله بأموال تجار الصحابة في قيام الدولة الإسلاميَّة! وكم نفع الله بأموال تجار المسلمين في هذا الزمان في قيام الدعوة، ودعم الجهاد وتجهيز المجاهدين في سبيل الله، وانتشار الخير في أنحاء العالم! وممَّا يؤسف عليه أن بعض الناس يظنُّ أن من يسعى في جمع المال معدودٌ خارج دائرة الصالحين، بعيدٌ عن وصف الزهاد، مصنَّفٌ من أهل الدُّنيا بإطلاقٍ تصنيفًا بغيضًا! وماذا أجدت هذه النظرة هؤلاء؟! إلا تأخُّرًا في مشاريع الخير،

стр. 74

وعنتًا ومشقَّةً عند السعي في إقامة أيِّ مشروعٍ خيريٍّ، وتسوُّلًا مهذَّبًا عند أبواب التجار، فاضطرَّ هذا النوع من الناس إلى العودة إلى هؤلاء الذين سلبنا عنهم وصف الزهد والرغبة في الآخرة! والحمد لله أنَّ هذا الأمر ليس عامًّا، ولا شائعًا؛ لكنَّه موجودٌ (١). وقد أبدع الإمام ابن الجوزيِّ ﵀ في حديثه عن هذه المسألة في فصولٍ متفرِّقةٍ من كتابه الماتع «صيد الخاطر». • ومن مواعظ عبد الرحمن بن عوفٍ ﵁ العمليَّة (٢): أنَّه لمَّا أتي بطعامٍ، وكان صائمًا، فقال: «قتل مصعب بن عميرٍ وهو خيرٌ منِّي، وكفِّن في بردةٍ إن غطِّي رأسه بدت رجلاه، وإن غطِّي رجلاه بدا رأسه، وأراه قال: وقتل حمزة وهو خير منِّي، ثمَّ بسط لنا من الدُّنيا ما بسط، أو قال: أُعطينا من الدُّنيا ما أُعطينا، وقد خشينا أن تكون حسناتنا عجِّلت لنا، ثمَّ جعل يبكي حتى ترك الطعام». هكذا هي القلوب الحيَّة! لا تنسيها النعمة عبادة الشكر والذِّكر والتَّفُّكر في الحال والمآل. إنَّ عبد الرحمن بن عوفٍ ﵁ يضرب بهذا الموقف درسًا عمليًا لأرباب المال، الذين أحيا الله قلوبهم، فلم تُنسهم بسطة الرزق شكر المنعم، ولا تذكُّر ما سلف وما هم مقبلون عليه.

стр. 75

تأمَّل قوله: «وقد خشينا أن تكون حسناتنا- وفي روايةٍ: طيِّباتنا- عجِّلت لنا»، يقول هذا وهو المبشَّر بالجنة! يقول هذا وهو الذي أنفق في سبيل الله ما أنفق! يقوله وهو لا يشكُّ في وعد الله ورسوله .. لكنَّ المؤمن ما دام نفسه يتردَّد، فهو يطير بجناحي الخوف والرجاء، حتى إذا اقتربت ساعة الرحيل، غلَّب جانب الرجاء بربِّه الذي وفَّقه للخير، وأمدَّه بالخير، وأنعم عليه وبسط في رزقه. وفي هذه القصة: «فضل الزهد، وأنَّ الفاضل في الدِّين ينبغي له أن يمتنع من التوسُّع في الدُّنيا؛ لئلا تنقص حسناته، وإلى ذلك أشار عبد الرحمن بقوله: خشينا أن تكون حسناتنا قد عجِّلت لنا» (١). وفي هذه القصة تواضع عبد الرحمن بن عوفٍ، حيث ذكر مصعب بن عميرٍ، وقال: إنَّه خيرٌ منِّي، مع أنَّ ابن عوفٍ ممَّن شهد له النبي ﷺ بالجنة! إنَّهم الكبار حقًّا! إذا ازداد فضل الله على أحدهم، ازداد تواضعًا لربِّه، ألا ترى كيف دخل النبيُّ ﷺ يوم فتح مكة متواضعاً، منكِّسًا رأسه لله تعالى، معترفًا بفضله؟ وها هو تلميذه عبد الرحمن بن عوفٍ يكرِّر المعنى ذاته. رضي الله عن عبد الرحمن بن عوفٍ، وجمعنا به في دار كرامته، ومع سادة أوليائه الذين أنعم عليهم من النبيِّين والصِّدِّيقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا. ...
следующие страницы →