← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17082

مواعظ الصحابة لعمر المقبل

عمر المقبل

Полный текст (279 стр.). Показаны 246–279 · переход к 251.

стр. 246

من مواعظ أنس بن مالكٍ ﵁ - (١/ ٢) هو أنس بن مالك بن النَّضر بن ضمضم الأنصاريُّ، النَّجَّاريُّ ﵁، أحد أعلام الصحابة المشاهير؛ لاتِّصاله الوثيق برسول الله ﷺ ، حيث طالت صحبته له، فبلغت عشر سنواتٍ. وصفه الذَّهبيُّ بقوله: الإمام، المفتي، المقرئ، المحدِّث، راوية الإسلام، أبو حمزة الأنصاريُّ، الخزرجيُّ، النَّجَّاريُّ، المدنيُّ، خادم رسول الله ﷺ وقرابته من النساء، وتلميذه، وآخر أصحابه موتًا. روى عن النبيِّ ﷺ علمًا جمًّا، وعن: أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعدَّةٍ من الصحابة ﵃، وروى عنه خلقٌ عظيمٌ من التابعين، سرد الحافظ المزِّيُّ في «التهذيب» نحو مائتي نفسٍ من الرواة عنه. وكان يقول: قدم رسول الله ﷺ المدينة وأنا ابن عشرٍ، ومات وأنا ابن عشرين. فصحب نبيَّه ﷺ أتمَّ الصُّحبة، ولازمه أكمل الملازمة منذ هاجر، وإلى أن مات، وغزا معه غير مرَّةٍ، وبايع تحت الشجرة. جاءت به أمُّه إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، هذا ابني أنسٌ، أتيتك به يخدمك، فادع الله له، فقال: (اللَّهمَّ أكثر ماله وولده).

стр. 247

قال ﵁: فوالله إنَّ مالي لكثيرٌ، حتى إنَّ كرماً لي - أي: عنبًا - لتحمل في السنة مرَّتين، وولد لِصُلبي مائةٌ وستةٌ، وقد مات منهم ثمانون - وقيل: سبعون - في طاعون الجارف الذي وقع سنة تسعٍ وستِّين (١). استعمله أبو بكرٍ الصِّدِّيق ساعيًا على الصدقة، بعد أن استشار فيه الفاروق، فقال له الفاروق ﵁: ابعثه، فإنَّه لَبيبٌ كاتبٌ. مات- على الأصحِّ - سنة ثلاثٍ وتسعين، وقد جاوز المئة (٢). * * * • رويت عنه بعض المواعظ؛ منها قوله (٣): «إذا لقيت امرأةً فغمِّض عينيك حتى تمضي». قد تبدو هذه الوصيَّة في غضِّ البصر مكرَّرة ومعتادةً، لكنَّنا - والله- بحاجةٍ للتذكير بها، خاصةً في عصرنا الذي تفتَّحت الأعين على صورٍ لا قبل للناس بها، فالصالح من الناس- ممَّن يتحاشى رؤية امرأةٍ أجنبيَّةٍ - يُبتلى بسبب انتشار وسائل نشر الصور بشيءٍ من هذا البلاء! فكان حقًّا على اللبيب العاقل أن ينتبه لهذا المنفذ الخطير الذي أودى بقلوبٍ كانت معلَّقةً بالعرش، فهوى بها إطلاق النظر إلى الفرش! بل ذكر القرطبيُّ ﵀ قصةً في كتابه «التَّذكرة» (٤) يقشعرُّ لها البدن،

стр. 248

حاصلها أنَّ رجلًا صالحًا مؤذِّنًا وقعت عينه على امرأةٍ نصرانيَّةٍ، فعلقها قلبه، فخطبها، واشترط أهلها أن يتنصَّر، فوافق! فتنصَّر، لكنَّه مات قبل أن يدخل بها! نعوذ بالله من الخذلان وسوء الخاتمة! ولخطورة هذا النظر؛ جاء الأمر بغضِّ البصر للرجال والنساء، على خلاف المعتاد في غالب أوامر القرآن، التي تكتفي بتوجيه الخطاب للعموم، فقال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: ٣٠، ٣١]. بل نصَّ النبيُّ ﷺ على أنَّ من أهمِّ مقاصد النكاح غضَّ البصر، فقال: (يا معشر الشَّباب، من استطاع منكم الباءة، فليتزوَّج؛ فإنَّه أغضَّ للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع، فعليه بالصَّوم؛ فإنَّه له وجاءٌ) (١). ولمَّا نهى النبيُّ ﷺ عن الجلوس في الطُّرقات، قال الصحابة ﵃: يا رسول الله، ما لنا بُدٌّ من مجالسنا نتحدَّث فيها! قال رسول الله ﷺ : (فإذا أبيتم إلَّا المجلس، فأعطوا الطَّريق حقَّه)، قالوا: وما حقُّه؟ قال: (غضُّ البصر، وكفُّ الأذى، وردُّ السَّلام، والأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر) (٢) فبدأ بغضِّ البصر. وإذا كان هذا التوجيه الربانيُّ والنبويُّ يتكرَّر في تلك الحِقبَة من الزمن، التي كانت عامَّة النساء فيها على قدرٍ كبيرٍ من الحشمة والسِّتر؛

стр. 249

فكيف سيكون الحال في عصرنا، الذي تنوَّعت فيه الصور وأساليب الإغراء بها، واستهدف الشباب والفتيات بها؟! لقد كثرت الشكوى من قسوة القلوب، وضعف الخشوع في الصلاة، ومن تأمَّل في أعظم الأسباب تأثيرًا في ذلك، أدرك أنَّ إطلاق البصر في الحرام يأتي في مقدِّمتها. والحديث في هذه المسألة يطول، والمقصود الإشارة إلى خطورة التساهل في ذلك، وعدم الركون إلى ما في القلب من صلاحٍ أو تُقًى، فلربَّ نظرةٍ أوقعت في قلب صاحبها البلابل! كما يروى عن الإمام أحمد ﵀. ومن أعظم طرق علاج هذه البليَّة: ما قاله الجنيد - لمَّا سُئل: بما يُستعان على غضِّ البصر؟ - قال: بعلمك أنَّ نظر الله إليك أسبق إلى ما تنظره. وهذا - والله - هو أنجع الأدوية؛ استشعار مراقبة الله . ومن وفِّق لغضِّ بصره، أكرمه الله بكراماتٍ كثيرةٍ؛ منها: - راحة القلب من قسوته، وصفاؤه من مُكدِّرات الخشوع، فسيجد لصلاته لذَّةً، ولتلاوته لكلام مولاه لذَّةً، ولمناجاته لذَّةً. - بركة اتِّباع الشرع المطهَّر، وما الظنُّ بعبدٍ أطاع خالقه، وخالف هواه؟ أيخذل الله قلبه؟ لا والله! قال ابن الجوزيِّ ﵀: «اعلم - وفَّقك الله - أنَّك إذا امتثلت المأمور به من غضِّ البصر- عند أول نظرةٍ - سلِمتَ من آفاتٍ لا تُحصى، فإذا كَّررت النظر لم تأمن أن يُزرع في قلبك زرعًا يصعب قلعه، فإن كان قد حصل ذلك، فعلاجه: الحِميَة بالغضِّ فيما بعد، وقطع مراد الفكر

стр. 250

بسدِّ باب النظر، فحينئذٍ يسهل علاج الحاصل في القلب؛ لأنَّه إذا اجتمع سيلٌ فسُدَّ مجراه، سَهُلَ نَزْف الحاصل، ولا علاج للحاصل في القلب أقوى من قطع أسبابه، ثم زجر الاهتمام به؛ خوفًا من عقوبة الله ، فمتى شرعت في استعمال هذا الدواء، رُجي لك قُرب السلامة» (١). اهـ. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «إنَّ غضَّ البصر عن الصورة التي نُهي عن النظر إليها - كالمرأة والأمرد الحسن- يورث ذلك ثلاث فوائد جليلة القدر: إحداها: حلاوة الإيمان ولذَّته، التي هي أحلى وأطيب ممَّا تركه لله؛ فإنَّ من ترك شيئًا لله، عوَّضه الله خيرًا منه. وأمَّا الفائدة الثانية في غض البصر، فهي: أنَّه يورث نور القلب والفراسة؛ قال تعالى عن قوم لوطٍ: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: ٧٢]، فالتعلُّق بالصور يوجب فساد العقل، وعمى البصيرة، وسُكر القلب؛ بل جنونه. وذكر سبحانه آية النور عقيب آيات غضِّ البصر، فقال: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥]، والله تعالى يجزي العبد على عمله بما هو من جنس عمله، فغضُّ بصره عمَّا حَرُمَ، يُعوِّضه الله من جنسه بما هو خيرٌ منه؛ فيُطلق نور بصيرته، ويَفتَحُ عليه. والفائدة الثالثة: قوة القلب وثباته وشجاعته، فيجعل الله له سلطان النُّصرة مع سلطان الحُجَّة، وفي الأثر: «الذي يخالف هواه، يفرق الشيطان من ظلِّه»؛ ولهذا يوجد في المتَّبع لهواه من الذُّلِّ- ذلِّ النفس

стр. 251

وضعفها ومهانتها- ما جعله الله لمن عصاه، فإنَّ الله جعل العزَّة لمن أطاعه، والذِّلَّة لمن عصاه؛ قال تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩]؛ ولهذا كان في كلام الشيوخ: الناس يطلبون العزَّ من أبواب الملوك، ولا يجدونه إلا في طاعة الله» (١) انتهى كلام ابن تيمية ﵀. * * *

стр. 252

من مواعظ أنس بن مالك ﵁ - (٢/ ٢) • ومن مواعظه ﵁ قوله (١): «إنَّكم لتعملون أعمالًا، هي أدقُّ في أعينكم من الشَّعر، إن كُنَّا لنعُدُّها على عهد النَّبيِّ ﷺ من الموبقات»، قال أبو عبد الله البخاريُّ: «يعني بذلك: المهلكات». وقد بوَّب البخاريُّ على هذا الأثر بقوله: «باب ما يُتَّقى من محقَّرات الذُّنوب». إنَّ السؤال الذي يطرح الإنسان وهو يقرأ هذه الموعظة من هذا الصحابيِّ الجليل: مَن هو المخاطب بهذه الكلمات؟! إنَّهم التابعون بلا ريبٍ! الذين أثنى النبيُّ ﷺ على قرنهم في الجملة، فقال: (خير الناس قرني، ثمَّ الَّذين يلونهم، ثمَّ الَّذين يلونهم ...) الحديث (٢). وما الموبقات والمهلكات التي يشير إليها أنسٌ ﵁؟! إنَّه الإيمان؛ لأنَّه كلَّما قوي الإيمان، استعظم العبد معصية سيِّده ومولاه، وكلَّما ضعُفَ الإيمان، هانت عليه المعصية، ورآها أمرًا هيِّنًا، فتراه يُقصِّر في الواجب، ولا يبالي بفعل المحرَّم، بل ربَّما استصغره!

стр. 253

وما أجمل ذلك التشبيه النبويَّ لحقيقة احتقار الذنوب وأثرها على العبد! الذي بيَّنه أفصح الخلق ﷺ بقوله: (إياكم ومُحقَّرات الذُّنوب؛ فإنَّما مَثَلُ مُحقَّرات الذُّنوب: كقومٍ نزلوا في بطن وادٍ، فجاء ذا بعودٍ، وجاء ذا بعودٍ؛ حتَّى أنضجوا خبزتهم، وإنَّ مُحقَّرات الذُّنوب متى يؤخذ بها صاحبها، تهلكه) (١). وروى أحمد عن ابن مسعودٍ ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: (إيَّاكم ومُحقَّرات الذُّنوب؛ فإنَّهن يجتمعن على الرَّجل حتَّى يُهلكنه) (٢). وحاصل هذا: أنَّ العبد إذا نظر إلى المعاصي التي تدخل تحت حدِّ الصغائر لا الكبائر، فربَّما استسهل الوقوع فيها! أو اعتمد فيها على عفو الله تعالى، فلا يلبث إلا أن يجد أثرها في اجتماعها المدمِّر؛ كالسَّيل العرم، لو جزَّأته لوجدتَّه نُقَطًا! كان أحمد ﵀ يمشي في الوحل ويتوقَّى، فغاصت رجله! فخاض وقال لأصحابه: هكذا العبد لا يزال يتوقَّى الذنوب، فإذا واقعها، خاضها! (٣). فمن نظر للذنوب على أنَّها أوساخٌ، توقَّاها وتجنَّبها ولو كانت صغارًا، فالوسخ يُؤثِّر ولو كان قليلًا، فإذا تراكم سوَّد الثياب. لا تحقرنَّ من الذُّنوب أقلَّها ... إنَّ القليل إلى القليل كثير وثمَّة معنًى أجُّل وأعظم، يراعيه أهل القلوب الحيَّة، وهو تعظيم أمر الله ونهيه، واستشعار مراقبته، ولسان حالهم كما قال التابعيُّ الجليل

стр. 254

بلال بن سعدٍ: «لا تنظر إلى صغر الخطيئة، ولكن انظُر من عصيت!» (١). نعم .. هكذا ينظر المؤمن الموفَّق لمسألة المعصية؛ لأنَّ الذي عُصِيَ هو الله، ومع يقيننا بأنَّ الذنوب ليست على درجةٍ واحدةٍ، لكنَّ المُحبَّ لا يُحِبُّ أن يُكدِّر حبيبه أدنى تكديرٍ، فكيف إذا كان هذا المحبوبُ هو ربَّ العالمين ﷻ وليَّ النِّعم كلِّها؟! ولهذا عبَّر ابن مسعودٍ عن هذا المعنى بعمقٍ يليق بعلمه ورسوخه ﵁ فقال: «إنَّ المؤمن يرى ذنوبه كأنَّه قاعدٌ تحت جبلٍ يخاف أن يقع عليه، وإنَّ الفاجر يرى ذنوبه كذبابٍ مرَّ على أنفه فقال به هكذا» (٢)؛ أي: طرده بيده. فتأمَّل كيف عبَّر ابن مسعودٍ عن تفاعل المؤمن والمنافق مع حدثٍ واحدٍ! وكيف تباين تفاعلهما إلى هذا الفرق الكبير! وما ذاك إلا أنَّه ليس لله في قلب المنافق وقارٌ يجعله يتألَّم من الذنب- كبيرًا كان أم صغيرًا. قال ابن بطَّالٍ ﵀: «إنَّما كانوا يعُدُّون الصغائر من الموبقات؛ لشدَّة خشيتهم لله وإن لم تكن لهم كبائر، ألا ترى أنَّ إبراهيم ﷺ إذا سُئل الشفاعة يوم القيامة يذكر ذنبه، وأنَّه كذب ثلاث كَذَبَاتٍ، وهي: قوله في زوجته: هذه أختي، وهي أخته في الدِّين، وقوله: إنِّي سقيمٌ؛ أي: سأسقم، وقوله: فعله كبيرهم هذا؛ يعني: الصَّنم، فرأى الخليل ذلك من الذنوب، وإن كان لقوله وجهٌ صحيحٌ، فلم يقنع من نفسه إلا بظاهرٍ يطابق الباطن، وهذا غاية الخوف.

стр. 255

والمحقَّرات إذا كثرت صارت كبائر؛ بالإصرار عليها والتمادي فيها، وقد روى ابن وهبٍ، عن أبي أيُّوب ﵁ قال: إنَّ الرجل ليعمل الحسنة فيثق بها، ويغشى المحقَّرات، فيلقى الله يوم القيامة وقد أحاطت به خطيئته! وإنَّ الرجل ليعمل السيِّئة، فما يزال منها مُشفقًا حَذِرًا حتى يلقى الله يوم القيامة آمنًا. وقال أبو عبد الرحمن الحُبلِّيُّ: مثل الذي يجتنب الكبائر ويقع في المُحقَّرات؛ كرجلٍ لقاه سبُعٌ فاتَّقاه حتى نجا منه، ثم لقيه فحل إبلٍ فاتَّقاه فنجا منه، فلدغته نملةٌ فأوجعته، ثم أخرى، ثم أخرى، حتى اجتمعن عليه فصرعنه! وكذلك الذي يجتنب الكبائر ويقع في المُحقَّرات» (١). ولقد أحسن القائل: خلِّ الذُّنوب صغيرها ... وكبيرها ذاك التُّقى واصنع كماشٍ فوق أر ... ض الشَّوك يحذر ما يرى لا تحقرنَّ صغيرةً ... إنَّ الجبال من الحصى فإن قلت: ما الموبقات التي أشار إليها أنسٌ ﵁؟ فالجواب: أنَّ العلماء تنوَّعت عباراتهم في تفسير ذلك؛ فمنهم من قال: ترك صلاة الجماعة والتهاون بها، والغِشُّ في البيوع، حتى انقلب الحال وصار بعضهم يَعُدُّ الغشَّ من المهارة في البيع والشراء والعقود! ويرى أنَّه من باب الحذق والذَّكاء والدَّهاء! نسأل الله العافية. وقال آخرون: فُشُوُّ المعاملات الرِّبويَّة، وبعض البيوع المحرَّمة. ومثَّل بعض العلماء لذلك: بالتسامح بعرض الخصم ومن بينه وبين

стр. 256

أخيه شَحْناء؛ التِذَاذاً بذلك، واستصغارًا لمثل هذا الذنب، وإطلاق البصر هوانًا بتلك الخطيئة، وفتوى من لا يعلم؛ لئلَّا يُقال: هو جاهلٌ، ونحو ذلك مما يَظُنُّه صغيرًا وهو عظيمٌ! ومثَّل آخرون: بالمدح في الوجوه، والكذب، إلى غير ذلك من صور الذنوب التي يعود التساهل فيها إلى انتشارها وقلَّة إنكارها (١). ومهما يكن من شيءٍ، فإنَّ العاقل من تلمَّح العواقب، وما أجمل ما قاله ابن الجوزيِّ في بيان خطورة التهاون بالذنب: «فالله الله! اسمعوا ممَّن قد جرَّب! كونوا على مراقبةٍ، وانظروا في العواقب، واعرفوا عظمة النَّاهي، واحذروا من نفخةٍ تُحتقر، وشررةٍ تُستصغر؛ فربَّما أحرقت بلدًا! وهذا الذي أشرت إليه يسير، يدلُّ على كثير، وأنموذجٌ يُعرِّف باقي المُحقَّرات من الذنوب. والعلم والمراقبة يُعرِّفانك ما أخللت بذكره، ويُعلمانك إن تلمَّحت بعين البصيرة أثر شؤم فعله» (٢)! * * *

стр. 257

من مواعظ عبد الله بن عبَّاسٍ ﵄ (١/ ٢) إنَّه الحبر، وترجمان القرآن، ابن عمِّ رسول الله ﷺ : عبد الله بن العبَّاس بن عبد المطَّلب بن هاشم بن عبد منافٍ القُرشيُّ، الهاشميُّ، المكِّيُّ، الأمير ﵁. جمع الله له العقل والرسوخ في العلم، فهو من أكابر علماء الصحابة، هو وأبوه وأمُّه صحابيُّون. أكرمه الله بقربه من النبيِّ ﷺ من جهة النَّسب، وُلِد بشعب بني هاشمٍ قبل عام الهجرة بثلاث سنين. صحب النبيَّ ﷺ نحوًا من ثلاثين شهرًا، وحدَّث عنه بجملةٍ صالحةٍ. روى عن أكابر الصحابة؛ كعمر، وعليٍّ، ومعاذٍ، وعبد الرحمن بن عوفٍ، وزيد بن ثابتٍ، وغيرهم كثيرٌ. وروى عنه خلقٌ كثيرٌ، ذكر منهم الحافظ المزِّيُّ قريبًا من مائتي نفسٍ. قال عنه الذهبيُّ ﵀: كان أبيض وسيمًا مُشربًا بصُفرةٍ، صبيح الوجه، جميلًا، يَخضِب بالحنَّاء، مديد القامة، مهيبًا، كامل العقل، ذكيَّ النفس، من رجال الكمال.

стр. 258

انتقل مع أبويه إلى دار الهجرة عام الفتح، وقد أسلم قبل ذلك، مسح النبيُّ ﷺ رأسه، ودعا له بالحكمة، وقال: (اللَّهمَّ علِّمه التَّأويل). توفِّي النبيُّ ﷺ وعمره قريبٌ من ثلاث عشرة سنةً. قال عن نفسه: وجدتُّ عامَّة علم رسول الله ﷺ عند هذا الحيِّ من الأنصار، إن كنت لآتي الرجل منهم فيُقال: هو نائمٌ؛ فلو شئت أن يُوقظ لي، فأدعه حتى يخرج لأستطيب بذلك قَلْبَه. وقال أيضًا: إن كنت لأسأل عن الأمر الواحد ثلاثين من أصحاب النبيِّ ﷺ . قال الحسن البصريُّ ﵀: كان ابن عباس من الإسلام بمنزلٍ، وكان من القرآن بمنزلٍ! وكان يقوم على منبرنا هذا فيقرأ البقرة وآل عمران، فيفسِّرهما آيةً آيةً، وكان عمر ﵁ إذا ذكره قال: ذلك فتى الكهول، له لسانٌ سؤول، وقلبٌ عقول. أُصيب في آخر حياته بالعمى، فقال ذينك البيتين المشهورين: إن يأخذ الله من عينيَّ نورهما ... ففي لساني وقلبي منهما نور قلبي ذكيٌّ، وعقلي غير ذي دخلٍ ... وفي فمي صارمٌ كالسَّيف مأثور وقال ابن حزمٍ ﵀: جمع أبو بكرٍ محمد بن موسى بن يعقوب بن المأمون - أحد أئمَّة الإسلام - فتاوى ابن عبَّاسٍ في عشرين كتابًا! توفِّي ﵁ سنة ثمانٍ وستِّين على الأشهر، وعمره إحدى وسبعون سنةً (١).

стр. 259

• لقد رويت عن ابن عباسٍ ﵁ جملةٌ كبيرةٌ من المواعظ، نعرض بعضها؛ فمنها هذه الموعظة العمليَّة التي يترجمها هذا الموقف الذي رواه عبد الله بن بريدة الأسلميُّ ﵀ إذ يقول (١): شتم رجلٌ ابن عبَّاسٍ، فقال ابن عباسٍ: «إنَّك لتشتُمُني وفيَّ ثلاث خصالٍ: إنِّي لأتي على الآية من كتاب الله ، فلوددتُّ أنَّ جميع النَّاس يعلمون منها ما أعلم منها. وإنِّي لأسمع بالحاكم من حُكَّام المسلمين يعدل في حكمه فأفرح به، ولعلِّي لا أقاضي إليه أبدًا. وإنِّي لأسمع بالغيث قد أصاب البلد من بلاد المسلمين فأفرح، وما لي به من سائمةٍ». العلماء الربَّانيُّون يُربُّون الناس بمواقفهم قبل كلامهم، وبسمتهم وهديهم قبل حديثهم. هذا ابن عباسٍ، وهو في المقام المعلوم من الدِّين، والعلم، وقرابة النبيِّ ﷺ يسمع شتمًا! وقد سمعه من هو خيرٌ منه، إنَّه إمامه ونبيُّه ﷺ ! لكنَّ الفرق هو في طريقة التعامل مع هذا النوع من الناس! إنَّ ردَّ الشتيمة سهلٌ، ومقابلة السفهِ بسفهٍ مثله لا يعجز عنه أحدٌ، وإنَّما الذي لا يطيقه إلا كِرامُ الناس هو: التحقُّقُ بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ [القصص: ٥٥]، وقوله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: ٦٣].

стр. 260

بل ارتقى ابن عباسٍ إلى مقام أعلى، وهو قلب الموقف ليكون درسًا تربويًّا، يحمل العبرة، ويَنضَحُ بالنصح ... في ثلاث جُملٍ تمتلئ حبًّا للخير من حبر الأمَّة للأمَّة، يقول ابن عباسٍ ﵄: «إنَّك لتشتُمُني وفيَّ ثلاث خصالٍ: إنِّي لآتي على الآية من كتاب الله ، فلوددتُّ أنَّ جميع النَّاس يعلمون منها ما أعلم منها». الله أكبر! لقد فتح الله على هذا الحبر من فهم القرآن ما فتح، ووجد من لذَّة الفهم، ونعمة التدبُّر، وروعة الاستنباط ما تمنَّى معه أن يشاركه الناس في فهمها، والعمل بها. وهو نموذجٌ مشرقٌ للسلامة من لوثة الحسد، أو الضَّنِّ بالعلم على الناس! وهو رسالة وموعظةٌ لمن فتح الله عليه في علمٍ من العلوم، أن يكون على هذه السَّجيَّة التي كان عليها ابن عباسٍ ﵄، وأن يترجم هذا الحبَّ بتعليمه ونشره. ثم قال ﵁: «وإنِّي لأسمع بالحاكم حُكَّام المسلمين يعدل في حكمه فأفرح به، ولعلِّي لا أقاضي إليه أبدًا»، ومراد ابن عبَّاسٍ بذلك القضاة الذين تولَّوا شأن الفصل في الدماء والأموال والفروج. ولا ريب أنَّ المؤمن يفرح بذلك، كما أنَّه يتنغَّص إن سمع بقاضٍ مُقصِّرٍ في عمله، وإن لم يترافع إليه أبدًا. وما ذاك إلا لأنَّ صلاح القضاة علامة خيريةٍ في الأمَّة، كما أنَّ فسادهم- والعياذ بالله- علامة فسادٍ في الأمَّة.

стр. 261

ثم قال ﵁: «وإنِّي لأسمع بالغيث قد أصاب البلد من بلاد المسلمين فأفرح، وما لي به من سائمةٍ»؛ أي: بهائم تسوم الأرض وترعاها، وهذه الجملة وقعت في نفس السياق الذي يحمل حبَّ الخير للمسلمين، وإن لم يصبه منه شيءٌ؛ لأنَّ ابن عباس ﵄ يتمثَّل عمليًّا قول نبيِّه ﷺ : (مثل المؤمنين في توادِّهم، وتراحمهم، وتعاطفهم: مثل الجسد؛ إذا اشتكى منه عضوٌ، تداعى له سائر الجسد بالسَّهر والحُمَّى) (١). قارن هذا التألُّق النفسيَّ والإيمانيَّ في خطاب ابن عباسٍ بمن لا يكترثُ ولا يفرح بما يتحقَّقُ لغيره من الناس ما دام أنَّه لا يناله من ذلك الخير شيءٌ! فضلًا عمَّن يحسد غيره والعياذ بالله. ألا ما أحوجنا أن نستفيد من موعظة ابن عباسٍ هذه في واقعنا! فما أكثر ما يسمع أحدنا أو يقرأ من أساليب التهكُّم، أو السخرية، سواءً كفاحًا، أم برسالة جوالٍ، أم عبر وسائل التواصل الاجتماعيِّ! وما أجمل الردَّ- إن احتاج إليه المقام - بمثل هذا الردِّ، الذي يفيض شفقةً ونصحًا! إنَّ تمثُّل هذه المواقف، ينشر في الناس ألوانًا من السُّموِّ الخلقيِّ، قد لا يجدها بعضهم في حياته، وربَّما لم يسمع بها إلا في الكتب، وفي أمثال هذه المواقف. والنفس- عادةً- فيها ميلٌ للانتصار لنفسها، وفيها ميلٌ للردِّ على السفهاء، ولكنَّ المؤمن يجاهد نفسه ما استطاع على تمثُّل هديِّ النبي ﷺ وهدي أصحابه؛ في الإعراض عن الجاهلين، والصفح عنهم، والصبر

стр. 262

على آذاهم، بل ووعظهم إن أمكن، متذكِّرًا موعود الله القائل: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤ - ١٣٦]. * * *

стр. 263

من مواعظ عبد الله بن عباسٍ ﵄ (٢/ ٢) ومن ذلك ما رواه البخاريُّ في الأدب المفرد، وغيره (١): «لو قال لي فرعون: بارك الله فيك، لقلت: وفيك». إنَّه درسٌ راقٍ في بيان المنهج في التعامل مع مَن نسمع منه كلمةً طيِّبةً، وإن كان من أبغض الناس وأكرههم إلى قلوبنا، فحقُّه إذا نطق بالخير أن نقابله بمثله. وإذا كان المنهج الشرعيُّ - في جملته- هو ابتداء الكلام الحسن للطَّرف الآخر، كما قال سبحانه: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣] (٢)، فكيف بمن يبتدئنا بالكلام الحسن؟! إنَّ المتابع لما يُكتب ويُقال عبر صفحات التواصل الاجتماعيِّ ليأخذه الألم كلَّ مأخذٍ من علوِّ لغة السبِّ والشتم، وظهور الفحش في الكلام بين المتحاورين، لماذا؟ لأجل أنَّ هذا طرح طرحًا يُخالف ما يراه ذاك! بل حتى لو ابتدأ أحد الطرفين بعبارةٍ طيِّبةٍ، فإنَّ بعض الناس يظُنُّ أنَّ مقابلتها بمثلها- مع اختلاف التوجُّه الفكريِّ أو العقديِّ - نوعٌ من الضعف!

стр. 264

إنَّ كلمة ابن عبَّاسٍ هذه لَهِيَ أثرٌ من آثار عقله، ورسوخه في العلم المزكَّى، الموروث عن سيِّد ولد آدم ﷺ ! الذي خالط المشركين في مكة، وخالط اليهود والمنافقين في المدينة، وزارة النصارى في آخر حياته، فلم يسمع منه كلمةٌ بذيئةٌ، مع كثرة ما رموه به من قبيح الأوصاف التي لا تليق بعاقلٍ؛ بَلْهَ نبيٍّ يُوحى إليه! بل لقد نهى زوجه عائشة ﵄ أن تقابل اليهود بسفههم؛ ذلك أنَّه في أحد الأيام دخل رهطٌ من اليهود على الرسول ﷺ ، فقالوا: السَّام عليكم، قالت عائشة: ففهمتها فقلت: وعليكم السام واللعنة! قالت: فقال رسول الله ﷺ : (مهلًا يا عائشة! إنَّ الله يحب الرِّفق في الأمر كلِّه)، فقلت: يا رسول الله، أولم تسمع ما قالوا؟! قال رسول الله ﷺ : (قد قُلْتُ: وعليكم) (١). بوَّب البخاريُّ على هذا الحديث فقال: باب الرفق في الأمر كلِّه. فمتى يفقه أتباع محمدٍ ﷺ الذين كثر في قواميسهم السبُّ والشتم واللعن- هذا المعنى؟ ومتى نراه واقعا مَعِيشًا؟ ومتى نرتقي بحواراتنا؛ حتى تعلو لغة العقل والأدب بدلًا من الضجيج والصَّخب؟! فإنَّ ارتفاع الصوت، وقبح العبارات ليس دليلًا على قوة الحجَّة، بل العكس! كما قيل: أكثر العربات ضجيجًا هي العربة الفارغة! * * * • ومن مواعظ ابن عباسٍ ﵄ قوله (٢): «لو بغى جبلٌ على جبلٍ، لدكَّ الباغي».

стр. 265

الله أكبر! يا لها من موعظةٍ تقرِّر سنَّةً إلهيَّةً من سنن الله في الخلق! إنَّ البغي- وحقيقته: تجاوز الحدِّ في أخذ الحقِّ- يُبغضه الله، ولو كان بين غير مُكلَّفين، فكيف بالمكلَّفين؟! ففي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (لتؤدُّنَّ الحقوق إلى أهلها يوم القيامة؛ حتَّى يُقاد للشَّاة الجلحاء، من الشَّاة القرناء) (١)، والقود فرعٌ عن الظلم والبغي، وهذا مأخذ قول ابن عباس هنا! الذي أراد أن يُقرِّر هذه الحقيقة من خلال ضرب المثل بجبلين أصمَّين غير مكلَّفين! على حدِّ قول الأوَّل: قضى الله أنَّ البغي يصرع أهله ... وأنَّ على الباغي تدور الدَّوائر والمقصود أن يحذر الإنسان من البغي؛ فإنَّ عاقبته وخيمةٌ، وفي الترمذيِّ، من حديث أبي بكرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ما من ذنبٍ أجدر أن يعجِّل الله لصاحبه العقوبة في الدُّنيا- مع ما يَدَّخِر له في الآخرة- من البغي وقطيعة الرَّحم) (٢). والبغي الذي جاءت النصوص بالتحذير منه، يشمل بغي الجماعات بعضهم على بعض، وبغي الأفراد، قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات: ٩، ١٠].

стр. 266

وفي قصة الخصمين اللذين دخلا على داود، قال تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَآ إِلَى سَوَآءِ الصِّرَاطِ﴾ [ص: ٢١، ٢٢]. والواجب الحذر من مسلك البغي؛ فإنَّ عقوبته مُعجَّلةٌ، وأول المتضرِّرين منه الباغي نفسه، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ٢٣]. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «ما كان من الذُّنوب يتعدَّى ضرر فاعله، عجِّلت لصاحبه العقوبة في الدُّنيا تشريعًا وتقديرًا؛ لأنَّ تأخير عقوبته فسادٌ لأهل الأرض» (١). * * * • ومن مواعظ ابن عبَّاسٍ ﵄ قوله (٢): «إذا أردتَّ أن تذكر عيوب صاحبك، فاذكر عيوب نفسك». إنَّها موعظةٌ تهذِّب النفس، وتكبح جماح النقد عندها؛ فإنَّ النفوس - إلا من رحم الله - مُولعةٌ بانتقاد الآخرين، والحديث عن معايبهم، والغفلة عن عيوبهم التي هم والغون فيها، وربَّما كانت أعظم ممَّا عابوا به غيرهم. وهذا كما أنَّه مذمومٌ وقبيحٌ بالإنسان؛ فهو من علامات الخِذلان

стр. 267

والعياذ بالله! وقد قيل: «طُوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس». وقد أحسن الأوَّل حين قال: لنفسي أبكي لست أبكي لغيرها ... لنفسي من نفسي عن النَّاس شاغل ولا يعني هذا إغلاق باب النصح بين الناس حتى يكتمل الناصح! فإنَّ هذا لا يقوله أحدٌ، وإلا للزم منه ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لكنَّ المقصود أن يحذر العبد أن يكون مُولعًا بتتبُّع عيوب الناس، غافلًا عن عيوب نفسه، وألا يكون مُنصفًا، بحيث يعامل الناس بالذي يحب أن يعاملوه به، ويكره أن يعامل الناس بالذي يكره معاملتهم له به. ومن العبر في هذا الباب: قول الإمام مالكٍ ﵀: أدركت بهذه البلدة- يعني: المدينة - أقوامًا لم تكن لهم عيوبٌ، فعابوا الناس؛ فصارت لهم عيوبٌ، وأدركت بها أقوامًا كانت لهم عيوبٌ، فسكتوا عن عيوب الناس؛ فنُسيت عيوبهم (١). ولو أنَّ الناس طبَّقوا موعظة ابن عباسٍ هذه «إذا أردتَّ أن تذكر عيوب صاحبك، فاذكر عيوب نفسك»، لأحجموا عن كثيرٍ ممَّا يتكلَّمون به في مجالسهم، ومنتدياتهم، ومواقعهم على الشبكة العالميَّة، أو القنوات الفضائيَّة، ولاستفادوا من ذلك فائدةً أخرى، وهي: حفظ حسناتهم من الذَّهاب لخصومهم، والسلامة من كبيرة الغيبة، التي أحرقت كثيرًا من الحسنات، وجلبت كثيرًا من السيِّئات، والله المستعان. نسأل الله تعالى أن يرزقنا الإنصاف من أنفسنا، والبصر بعيوبنا، والتماس الأعذار لإخواننا.

стр. 268

من مواعظ عبد الله بن الزُّبير ﵁ - إنَّه: عبد الله بن الزُّبير بن العوَّام بن خُويلدٍ، يُكنَّى (أبا بكرٍ) و (أبا خبيبٍ)، القرشيُّ، الأسديُّ، المكِّيُّ، ثم المدنيُّ، أحد الأعلام. كان أوَّل مولودٍ للمهاجرين بالمدينة، وُلِدَ: سنة اثنتين، وقيل: في السنة الأولى، وله صحبةٌ ورواية أحاديث. عداده في صغار الصحابة، وإن كان كبيرًا في العلم، والشرف، والجهاد، والعبادة، وكان فارس قريشٍ في زمانه، وله مواقف مشهودةٌ. قيل: إنَّه شهد اليرموك وهو مراهقٌ، وفتح المغرب، وغزو القُسطنطينيَّة. أدرك من حياة النبيِّ ﷺ ثمانية أعوامٍ وأربعة أشهرٍ، وكان ملازمًا للولوج على رسول الله ﷺ . خرجت به أمه حين هاجرت حُبْلَى، فنُفِست به بقُباءٍ، قالت أمُّه: فجاء بعد سبع سنين ليبايع النبيَّ ﷺ ؛ لأنَّ أباه أمره بذلك، فتبسَّم النبيُّ ﷺ حين رآه مُقبلًا، ثم بايعه. وقد روى أهل السِّير أنَّه لمَّا قدم المهاجرون المدينة، أقاموا مُدَّةً لا يولد لهم، فقالوا: سحرتنا يهود، حتى كثرت القالة في ذلك، فكان هو أوَّل مولودٍ، فكبَّر المسلمون تكبيرةً واحدةً حتى ارتجَّت المدينة.

стр. 269

كان عبد الله قويًّا في العبادة، حدَّث عنه التابعيُّ الجليل عمرو بن دينارٍ قائلًا: «ما رأيت مصلِّيًا قطُّ أحسن صلاةً منه»، وكان معروفًا بقيام الليل وصوم النهار؛ حتى لُقِّب بـ (حمامة المسجد). وقال بعض من عرفه: كان لا ينازع في ثلاثةٍ: شجاعةٍ، ولا عبادةٍ، ولا بلاغةٍ. ومن مناقبه: أنَّ عثمان ﵁ أشركه في اللجنة العلميَّة التي اختارها لكتابة المصحف الشريف، وقال له ولأصحابه الثلاثة الباقين: إذا اختلفتم أنتم وزيدٌ في شيء، فاكتبوه بلسان قريش؛ فإنَّما نزل بلسانهم. وقال هشام بن عروة: أوَّل من كسا الكعبة الدِّيباج ابن الزُّبير، وكان يُطيِّبها حتى يُوجد ريحها من طرف الحرم. قُتِل ﵁ في جمادي الآخرة، سنة ثلاثٍ وسبعين، وعاش نيِّفًا وسبعين سنةً (١). لقد رُويت عن ابن الزبير بعض المواعظ؛ منها ما ذكره وُهيب بن كيسان ﵀ حيث قال (٢): * * * • كتب إليَّ عبد الله بن الزبير بموعظةٍ: «أمَّا بعد، فإنَّ لأهل التَّقوى علاماتٍ يُعرفون بها، ويَعرِفُونها من أنفسهم؛ من صبرٍ على البلاء، ورِضًا بالقضاء، وشُكر النَّعماء، وذُلٍّ لحكم القرآن». لباس التقوى هو خير الألبسة على الإطلاق: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ

стр. 270

خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦]، وهي أشرف القمامات التي يوفَّق لها العبد، وكم ادَّعاها من مُدَّعٍ، وانتسب إليها من مُنتسبٍ! والعبرة ليست بالدعاوى- فما أكثرها! - بل بالحقائق والبراهين. قال تعالى في صفة المتَّقين: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٤، ١٣٥]. وقال أيضًا - جلَّ وعلا- في بيان صفاتهم: ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٤٩]. وموعظة ابن الزبير تأتي في هذا السياق، فهو يقول: «أمَّا بعد، فإنَّ لأهل التَّقوى علاماتٍ يُعرفون بها، ويَعرِفُونها من أنفسهم؛ من صبر على البلاء، ورضًا بالقضاء، وشكر النَّعماء، وذلٍّ لحكم القرآن»، فاعرض نفسك على هذه الصفات، وانظر موقعك منها. كيف أنت إذا نزل بك البلاء؟ وأين تجد قلبك مع مُرِّ القضاء؟ وهل أنت ممَّن يلهج بالشكر عند النَّعماء؟ وتاج ذلك كلِّه، الجامع لهذه الخصال: كيف أنت من حكم القرآن؟ أأنت تقطع خياراتك الشخصية لخيار الشرع؟ وتسلِّم لحكم الله ورسوله؟ وأنت تستشعر قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦]، وتتذكَّر جيِّدًا قوله سبحانه: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥].

стр. 271

• و من مواعظ ابن الزبير ﵄: ما رواه محمد بن عبد الله الثَّقفيُّ، قال (١): «شهدتُّ خُطبة ابن الزبير بالموسم، خرج علينا قبل التَّروية بيومٍ، وهو مُحرمٌ، فلبَّى بأحسن تلبيةٍ سمعتُها قطُّ، ثمَّ حمد الله وأثنى عليه، ثمَّ قال: «أمَّا بعد، فإنَّكم جئتم من آفاقٍ شتَّى، وفودًا إلى الله ، فحقٌّ على الله أن يكرم وفده، فمن كان جاء يطلب ما عند الله، فإنَّ طالب الله لا يخيب، فصدِّقوا قولكم بفعلٍ؛ فإنَّ ملاك القول الفعل. والنية النية، القلوب القلوب، الله الله في أيامكم هذه! فإنَّها أيامٌ تغفر فيها الذُّنوب، جئتم من آفاقٍ شتَّى في غير تجارةٍ ولا طلب مالٍ ولا دنيا، ترجون ما هنا». قال الثقفيُّ: «ثمَّ لبَّى ولبَّى الناس، فما رأيت يومًا قطُّ كان أكثر باكيًا من يومئذٍ». ما أجمل الوعظ إذا صدر من أمير عامَّةٍ! وهكذا كانت موعظة عبد الله بن الزبير هذه، فإنَّه قالها حين كان أميرًا على الحجاز. وإنَّ وضوح موعظته لَيُغني عن الإطالة في التعليق عليها، إلَّا أَّن في موعظته ما يستوقف قارئها، فهو يُؤكِّد على النية، وصلاح القلوب، وتلك - والله - هي الزاد للقاء علام الغيوب، وهي من أعظم أسباب إجابة الدَّعوات، وإغاثة اللَّهفات، وتفريج الكربات. ويظهر في هذه الموعظة أيضًا: فقه ابن الزبير، حيث ذكَّرهم ورغَّبهم، وبيَّن لهم سعة رحمة الله تعالى، وأنَّ الكريم سبحانه لابدَّ أن

стр. 272

يكرم وفده، وأنَّ طالبه- جلَّ وعلا- لا يخيب، وراجيه لا يردُّ، متى ما صدق في الطلب، وأعظم الرغبة، وأظهر الافتقار. وأشار ابن الزبير إلى الإخلاص في هذه الرحلة العظيمة - رحلة الحجِّ - حين قال: «جئتم من آفاقٍ شتَّى في غير تجارةٍ ولا طلب مالٍ ولا دنيا، ترجون ما هنا»، وهذا ما ينبغي أن يكون عليه الحاجُّ، لا يطلب سمعةً، ولا يبحث عن لقبٍ، بل غايته ومُناه: طلب الرِّضوان الأكبر، ومغفرة الذنب، وستر العيب، وحسن الختام. لقد ظهر- من وصف الراوي لهذه الخطبة - أثرها على الحجَّاج في ذلك اليوم العظيم، ولعلَّ هذا من أثر صدق ابن الزبير ﵄ في وعظه. وهكذا .. يسري أثر هذه المواعظ في الناس، حين يسري أثرها في واعظهم، الذي يُصدِّق قوله بفعله، ونصحه بتطبيقه، فإن حدث العكس، قلَّ الانتفاع به، وضعف الأثر. وليس المراد أنَّ الإنسان لا يعظ ولا يذكِّر إلا بعد أن يستكمل الفضائل، كلَّا: ولو لم يعظ في النَّاس من هو مذنب ... فمن يعظ العاصين بعد محمَّد؟! قال سعيد بن جبيرٍ: لو كان المرء لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر حتى لا يكون فيه شيءٌ، ما أمر أحدٌ بمعروفٍ ولا نهى عن منكرٍ! (١). وإنَّما المراد أن يتفقَّد قلبه وعمله؛ حتى لا يكون ممَّن قال الله فيه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ

стр. 273

تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢، ٣]؛ فإنَّ هذه من أشدِّ الآيات على الواعظين والمذكِّرين. اللَّهمَّ اجعلنا ممَّن يقول ويفعل، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عينٍ، وتجاوز عن زللنا وتقصيرنا. * * *

стр. 274

من مواعظ أمِّ المؤمنين عائشة ﵄ إنَّها أُّم المؤمنين أمُّ عبد الله، الصِّدِّيقة بنت الصِّدِّيق: عائشة بنت الإمام الصِّدِّيق الأكبر، خليفة رسول الله ﷺ أبي بكرٍ عبد الله بن أبي قُحافة عثمان بن عامرٍ القرشيَّة، التَّيميَّة، المكِّيَّة. عرفت بالذَّكاء الحادِّ، والحفظ الكثير لسنَّة النبيِّ ﷺ ، امتدَّت بها الحياة حتى احتاج الناس لعلمها، وصارت من علماء الصحابة، بل هي سيِّدة الفقهاء من النساء على الإطلاق، عقد عليها النبيُّ ﷺ بمكة، وبنى بها في المدينة، وكانت من أحبِّ نسائه إليه، ووعت عنه علمًا كثيرًا، وجاءت البشارة بالزواج منها في رؤيا رآها النبيُّ ﷺ ، لُقِّبت بالحُميراء؛ لبياضها وجمالها، ولم يتزوَّج النبيُّ ﷺ بكرًا غيرها، ولا أحبَّ امرأةً حُبَّها. كانت أمُّ المؤمنين من أكرم أهل زمانها، ولها في السخاء أخبارٌ عجيبةٌ. قال عطاءٌ ﵀: كانت عائشة أفقه الناس، وأعلمهم، وأحسن الناس رأيًا في العامة. مناقبها جمَّةٌ، وفضائلها كثيرةٌ، ماتت- بعد حياةٍ حافلةٍ بالبذل والسخاء، والعطاء العلميِّ - سنة (٥٧) من الهجرة، ﵂ وأرضاها (١). * * *

стр. 275

• ولقد رويت عن أمِّ المؤمنين عائشة ﵂ بعض المواعظ؛ منها قولها (١): «من أسخط النَّاس برضا لله، كفاه النَّاس، ومن أرضى النَّاس بسخط الله، وكله الله إلى النَّاس». هذه الموعظة رويت مرفوعةً إلى النبيِّ ﷺ كما عند الترمذيِّ وغيره - أنَّ معاوية ﵁ كتب إلى عائشة أمِّ المؤمنين: أن اكتبي إليَّ كتباً توصيني فيه، ولا تكثري عليَّ، فكتبت عائشة إلى معاوية: «سلامٌ عليك أمَّا بعد: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من التمس رضاء الله بسخط النَّاس، كفاه الله مؤنة النَّاس، ومن التمس رضاء النَّاس بسخط الله، وكله الله إلى النَّاس)، والسَّلام عليك» (٢). والصحيح وقفه على عائشة كما أشار إليه الترمذيُّ، ورواه الحفَّاظ عنها ﵂. والمقصود من هذه الموعظة: أن يتحرَّى العبد مرضاة الله وإن سخط من سخط، خاصة لمن ولَّاه الله تعالى مكانًة أو إدارةً أو رئاسةً؛ فإنَّ دواعي التماس الرِّضا من الخلق كثيرةٌ، ولكنَّها لا تُغني إذا صادمت رضا الله ، وتأمَّل في قوله تعالى: ... ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٩٦]، فقد ذمَّ الله هؤلاء المنافقين الذين يحلفون بالله تعالى من أجل كسب رضا النبيِّ ﷺ وأصحابه، مع ما استقرَّ في نفوسهم من الكفر والكبر، فالتمسوا رضا المخلوق في غفلةٍ عن رضا الخالق سبحانه، فلم ينفعهم ذلك.

стр. 276

تعرض للإنسان في حياته مواقف يتنازعها الصدق والكذب، ويتنازعها رضا مخلوقٍ وغضب الخالق، فهنا يأتي المحكُّ، ويظهر الإيمان، وتبدو آثار المراقبة لله تعالى، والمقطوع به أنَّ من التمس رضا المخلوق في سخط الخالق، عاد حامده من الناس ذامًّا، وحرم التوفيق ولو بعد حينٍ، والعكس صحيحٌ، وتأمَّل ما وقع للثلاثة الذين خلِّفوا، والذين ذكر الله قصتهم في كتابه الكريم خالدةً أبد الدهر! لقد تخلَّف عن تبوك عشرات الناس، أكثرهم منافقون، لاذوا بالكذب؛ ليرضى عنهم النبيُّ ﷺ وأصحابه، ولم يبالوا برضا الله في تلك القضية، بينما ثبت كعب بن مالكٍ وصاحباه، فصدقوا- مع مرارة الصدق التي تجرُّعوها خمسين ليلةً- فكانت العاقبة لهم، بل صاروا أئمةً في الصدق يقتدى بهم، حيث قال الله تعالى مُعقِّبًا على قصتهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩]. وهكذا كلُّ من صدق مع الله، صدقه وأنجاه، ومن التمس رضا الخلق بسخطه، تعسَّرت أموره، وربَّما انقلب عليه أسياده، ومن التمس رضاهم، آذوه بعد أن كانوا له مُكرمين! وبالجملة، فلنتذكَّر قول عائشة ﵂ جيِّدًا، حينما يعرض لنا من عوارض الدُّنيا ما تتنازع فيه النفس وتتردَّد بين حظِّها وبين حقِّ الله: «من أسخط النَّاس برضا الله، كفاه النَّاس، ومن أرضى النَّاس بسخط الله، وكله الله إلى النَّاس»، ومن وكله الله إلى الناس- مهماكثروا وقويت شوكتهم- وكله الله إلى عجزٍ وضعفٍ. * * *

стр. 277

• ومن مواعظها ﵂ قولها (١): «أقلُّوا الذُّنوب؛ فإنَّكم لن تلقوا الله بشيءٍ أفضل من قلَّة الذُّنوب». سبحان الله! ما أجمل هذه الموعظة! إنَّ كثيرًا من الناس قد لا ينشط للطَّاعات، ولا يستطيعها، خاصةً في مواسم الطاعات الفاضلة، فمن أحسن الصدقات على النفس في هذه الحال أن يُقِلَّ من الذنوب والمعاصي؛ ولهذا لما ذكر الله تعالى الأشهر الحرم ومكانتها، قال: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٦]، فتأمَّل كيف عقب سبحانه عليهم بقوله: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾؛ وذلك بفعل المعاصي صغارها وكبارها، وهذا لا ريب أنَّه من ظلم النفس. قد يعجز بعض الناس عن صيام الهواجر، أو قيام الليل، أو الصدقة، أو الحجِّ والعمرة، أو الجهاد في سبيل الله تعالى؛ لأنَّها أفعالٌ تتطلب جهدًا وصبرًا ومصابرةً، ولكنَّ ترك المعاصي غاية ما فيه عدم الفعل، نعم، هو يحتاج إلى مجاهدة النفس على ترك المعصية، لكنَّها أيسر وأسهل على من يسَّرها الله عليه. ولله درُّ الإمام سفيان الثَّوريِّ حين قيل له: يا أبا عبد الله، لو دعوت بدعواتٍ؟ قال: ترك الذنوب هو الدعاء (٢). وهو يشير بذلك إلى أنَّ من أعظم ما يحقِّق إجابة الدعاء: ترك الذنوب، وفي المقابل: الذنوب سببٌ للخِذلان، والحرمان.

стр. 278

إنَّ الإقلال من الذنوب له ثمراتٌ وفوائد كثيرةٌ، لو لم يكن منها - كما قال ابن القيِّم- إلا السلامة من الوحشة التي «يجدها العاصي في قلبه بينه وبين الله، لا توازنها ولا تُقارنها لذَّةٌ أصلًا، ولو اجتمعت له لذَّات الدُّنيا بأسرها، لم تف بتلك الوحشة! وهذا أمرٌ لا يُحُّس به إلا من في قلبه حياةٌ، وما لجرح بميِّتٍ إيلامٌ، فلو لم تترك الذنوب إلا حذرًا من وقوع تلك الوحشة، لكان العاقل حريًّا بتركها. وشكا رجلٌ إلى بعض العارفين وحشةً يجدها في نفسه، فقال له: إذا كنت قد أوحشتك الذُّنوب ... فدعها إذا شئت واستأنس وليس على القلب أمرُّ من وحشة الذنب على الذنب، فالله المستعان! (١). وقال ابن القيِّم ﵀ في موضعٍ آخر: «لو لم يكن في ترك الذنوب والمعاصي إلا: إقامة المروءة، وصون العرض، وحفظ الجاه، ومحبة الخلق، وصلاح المعاش، وراحة البدن، وقوة القلب، وطيب النفس، ونعيم القلب، وانشراح الصدر، والأمن من مخاوف الفسَّاق والفجَّار، وقلة الهمِّ والغمِّ والحزن، وعزُّ النفس عن احتمال الذُّلِّ، وصون نور القلب أن تُطفئه ظلمة المعصية، وتيسُّر الرزق عليه من حيث لا يحتسب، وتيسير ما عَسُرَ على أرباب الفسوق والمعاصي، وتسهيل الطاعات عليه، وتيسير العلم، والثناء الحسن في الناس، وسرعة إجابة دعائه، وزوال الوحشة التي بينه وبين الله، وقُرْبُ الملائكة منه، وبُعْدُ شياطين الإنس والجنِّ منه، وتنافس الناس على خدمته وقضاء حوائجه ... إلخ

стр. 279

كلامه ﵀» (١)؛ أي: لكفى بذلك داعيًا لترك الذنوب والمعاصي. نسأل الله أن يرزقنا عزَّ الطاعة، وأن يعيذنا من ذلِّ المعصية، وأن يجعلنا من المنتفعين بهذه المواعظ الربانيَّة، وألَّا يجعل حَّظنا منها مجرد العلم والنقل، والحمد لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله وسلَّم وبارك على نبيِّنا وإمامنا وسيِّدنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين. * * *