← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17082

مواعظ الصحابة لعمر المقبل

عمر المقبل

Полный текст (279 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

«فإن تكلَّمت، فتكلَّم بحقٍّ أو اسكت»! وهي تُطابق تمامًا وصيَّة النبيِّ ﷺ : (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيرًا أو ليصمت) (١). وحين أوصاه بعدم الغضب؛ فهي مطابقةٌ للوصيَّة النبويَّة: (لا تغضب) (٢)، فحذَّره من تبعة الغضب إن وقع، وأن يحذر ذلك فقال: «فإن غضبت، فاملك لسانك ويدك»؛ ذلك أنَّ عامة من يغضبون يقع منهم بألسنتهم وأيديهم ما ينفِّسون به عن غضبهم زعموا! وكم من بيتٍ هُدمت أركان حياته الأسريَّة بسبب طلاقٍ أطلقه الرجل لحظة غضبٍ! وكم إنسانٍ خسر علاقاتٍ وصداقاتٍ بسبب كلمةٍ غير موزونةٍ أطلقها لحظة غضبٍ! وكم من حالات قتلٍ وقعت بسبب إنفاذ جرعة الغضب التي تتلظَّى نارها في الجوف! وكم تلفيَّاتٍ ماليَّةٍ حصلت بسبب غضبةٍ ترجمها الغاضب بسوء فعاله! ولهذا؛ يحسن أن نشير في هذا الموضع- باختصارٍ شديدٍ- إلى هدي الشريعة في علاج الغضب: ١ - تجنُّب أسباب الغضب، وعليه يحمل قوله ﷺ في الحديث الآنف الذِّكر: (لا تغضب). قال الرَّاوي- كما في رواية الإمام أحمد:- ففكَّرت حين قال النبيُّ ﷺ ما قال، فإذا الغضب يجمع الشرَّ كلَّه (٣).

стр. 212

٢ - إذا وقع الغضب، فليبادر إلى الاستعاذة بالله من الشيطان؛ ففي الصحيح عن سليمان بن صردٍ قال: كنت جالسًا مع النبيِّ ﷺ ، ورجلان يستبَّان، فأحدهما احمرَّ وجهه وانتفخت أوداجه- عروقٌ من العنق- فقال النبيُّ ﷺ (إنِّي لأعلم كلمةً لو قالها، ذهب عنه ما يجد، لو قال: أعوذ بالله من الشَّيطان، ذهب عنه ما يجد) (١). ٣ - تغيير الحالة التي هو عليها حال الغضب؛ ففي سنن أبي داود وصحَّحه ابن حبَّان، أنَّ النبي ﷺ قال: (إذا غضب أحدكم وهو قائمٌ، فليجلس، فإن ذهب عنه الغضب، وإلَّا فليضطجع) (٢). ٤ - أن يتذكَّر ما أعدَّه الله لمن كظم غيظه وهو قادرٌ على إنفاذه، قال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ ... ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٦]. ٥ - التأمُّل في سيرته ﷺ الذي هو القدوة المطلقة، وكم كظم من غيظٍ! وكم حَلُمَ على جاهلٍ، وعفا عن مخطئٍ! ٦ - معرفة مساوئ الغضب وآثاره السيِّئة- كما أسلفنا آنفًا .. ولنعد إلى خاتمة وصيَّة سلمان ﵁ للرجل، فإنَّه قال: زدني، قال: «لا تلابس الناس» - أي: لا تخالطهم خلطةً كثيرةً - قال: ما

стр. 213

يستطيع من عاش في الناس ألَّا يلابسهم، قال: «فإن لابستهم، فاصدق الحديث، وأدِّ الأمانة». ومن المعلوم أنَّ سلمان ﵁ لا يريد من الرجل أن يفارق الناس كليَّة، ولكنَّه أراد أن يوطِّئ له النصيحة عند المخالطة، وهي أن يخالطهم بأشرف الأخلاق، وهما: الصدق والأمانة؛ فالصدق في الأقوال، والأمانة في ردِّ الحقوق؛ فإنَّ غالب أسباب تصرُّم العلاقات، ووجود الوحشة، وارتفاع الناس للقضاء في الخصومات عائدٌ إلى الإخلال بهذين الأمرين، وما أوحش المجتمع إذا قلَّ فيه الصادقون، وكثر فيه الخائنون للأمانات! * * * • ومن مواعظ سلمان ﵁ العمليَّة (١): أنَّ بعض أفراد قبلية قريشٍ تفاخر عند سلمان الفارسيِّ ﵁ يومًا، فقال سلمان: «لكنَّني خُلقت من نُطفةٍ قذرةٍ، ثم أعود جيفةً مُنتنةً، ثم آتي الميزان، فإن ثَقُلَ فأنا كريم، وإن خفَّ فأنا لئيم». هكذا هم العلماء يعظون بأقوالهم وبمواقفهم، ولسان حال سلمان يقول: أبي الإسلام لا أب لي سواه ... إذا افتخروا بقيسٍ أو تميم ولا ريب أنَّ النَّسب الشريف إذا قارنته التَّقوى كان نورًا على نورٍ، أمَّا إذا تجرَّد منها، فهذا إلى الذمِّ أقرب منه إلى المدح، فالإنسان لا اختيار له في نسبه؛ ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «وليس في كتاب الله

стр. 214

آيةٌ واحدةٌ يمدح فيها أحدًا بنسبه، ولا يَذُمُّ أحدًا بنسبه، وإنَّما يمدح الإيمان والتقوى، ويَذُمُّ بالكفر والفسوق والعصيان» (١) انتهى كلامه ﵀. وممَّا يشهد لما قاله شيخ الإسلام: أنَّ الله تعالى أنزل سورةً كاملةً في ذمِّ أبي لهبٍ؛ لكفره وعداوته للنبيِّ ﷺ ، ونهى الله نبيَّه ﷺ أن يطرد المؤمنين من ضعفة أصحابه، وإن كان القصد من ذلك الرغبة في كسب قلوب أكابر قريشٍ، فقال سبحانه: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٥٢]، وقال له في الآية الأخرى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨]. وكلام سلمان الفارسيِّ ﵁ أراد به أن يبيِّن لهم هذا المعنى الذي تضافرت عليه النصوص، وأراد به أن ينقلهم إلى هناك ... حيث لا أنساب ولا قراباتٍ تُغني العبد إذا قدم على ربِّه مفلسًا، فقال هذه الكلمة المؤثِّرة: ثم آتِي الميزان، فإن ثَقُلَ فأنا كريم، وإن خفَّ فأنا لئيم! إي والله! إن ثقلت موازيننا غدًا إذا لقينا ربَّنا، فمن أكرم منَّا؟ وإن خفَّت فلا ألأم منَّا. اللَّهمَّ إنَّا نسألك أن تستر عيوبنا، وتثقِّل موازيننا، وتُيمِّن كتبنا، وتدخلنا الجنة برحمتك. * * *

стр. 215

من مواعظ أبي أمامة الباهلي ﵁ - هو صُديُّ بن عجلان بن وهبٍ الباهليُّ ﵁، صحب النبيَّ ﷺ ، ونزل حمص ... روى علمًا كثيرًا، كان عمره في حجَّة الوداع ثلاثين عامًا، وروي أنَّه بايع تحت الشجرة، ورويت له كراماتٌ، وعاش إلى سنة ستِّ وثمانين، وقيل: إحدى وثمانين، حديثة مرويٌّ في الكتب الستَّة (١). • وممَّا وري من المواعظ عن هذا الصاحب الكريم: ما ذكره عنه تلميذه الجليل سليم بن عامرٍ، قال (٢): خرجنا على جنازةٍ في باب دمشق معنا أبو أمامة الباهليُّ ﵁، فلما صُلِّي على الجنازة وأخذوا في دفنها، قال أبو أمامة: «يا أيُّها الناس، إنَّكم قد أصبحتم وأمسيتم في منزلٍ تقتسمون فيه الحسنات والسيِّئات، وتوشكون أن تظعنوا منه إلى المنزل الآخر، وهو هذا - يشير إلى القبر - بيت الوحدة، وبيت الظُّلمة، وبيت الدُّود، وبيت الضِّيق إلا ما وسَّع الله. ثمَّ تنتقلون منه إلى مواطن يوم القيامة، فإنَّكم لفي بعض تلك

стр. 216

المواطن، حتى يغشى الناس أمرٌ من أمر الله، فتبيضَّ وجوه وتسودَّ وجوهٌ. ثمَّ تنتقلون منه إلى منزلٍ آخر، فيغشى الناس ظلمةٌ شديدةٌ، ثمَّ يقسم النور، فيُعطى المؤمن نورًا، ويُترك الكافر والمنافق فلا يعطيان شيئًا، وهو المثل الذي ضربه الله تعالى في كتابه: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠]،ولا يستضيء الكافر والمنافق بنور المؤمن، كما لا يستضيء الأعمى ببصر البصير، يقول المنافق للذين آمنوا: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾ [الحديد: ١٣]،وهي خَدْعَةُ الله التي خدع بها المنافق، ثمَّ تلا: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢]، فيرجعون إلى المكان الذي قسم فيه النور، فلا يجدون شيئًا! فينصرفون إليهم وقد ضرب بينهم بسورٍ له بابٌ باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب! ينادونهم: ألم نكن معكم؟ نصلِّي بصلاتكم، ونغزو بمغازيكم؟ ﴿قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [الحديد: ١٤] تلا إلى قوله: ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الحديد: ١٥]».هذه الموعظة من أبي أُمامة ﵁ من الوضوح بمكانٍ، وهي تدلُّ على علم أبي أمامة بمعاني القرآن، واغتنام الفرصة للتذكير بهذه المآلات الخطيرة التي تنتظر الناس في أرض المحشر. وقد يقول قائلٌ: وهل كان من هدي النبيِّ ﷺ الوعظ عند القبر؟ فيقال: لم يكن هديًا ثابتًا، بل كان في أحيانٍ قليلةٍ، ويكون لها سبب؛ كعدم جاهزية القبر - كما في حديث البراء المشهور (١) - أو لغير ذلك من الأسباب.

стр. 217

ومن تأمَّل هدي الصحابة ﵃ علم أنَّهم لم يكونوا يعتادون ذلك هديًا غالبًا، بل للحاجة؛ اكتفاءً بوعظ المشهد نفسه، ففي الموت فزعٌ وعبرةٌ، والقبر نفسه واعظٌ صامتٌ. ولعلَّ أبا أمامة لحظ في المشهد ما حمله على الوعظ، فقد كان في بلاد الشام التي شهدت في أواخر حياته أحداثًا كبارًا، والله أعلم. * * * • ولنعد إلى موعظته ﵁، والتي قال فيها: «يا أيُّها الناس، إنَّكم قد أصبحتم وأمسيتم في منزلٍ تقتسمون فيه الحسنات والسيِّئات، وتوشكون أن تظعنوا منه إلى المنزل الآخر، وهو هذا - يشير إلى القبر - بيت الوحدة، وبيت الظُّلمة، وبيت الدُّود، وبيت الضِّيق إلا ما وسَّع الله!». نعم ... هذه هي الدُّنيا، ميدان العمل والتنافس، وهي ميدان الحسنات والسيِّئات، والناس فيها كما قال ﷺ : (كلُّ النَّاس يغدو، فبايعٌ نفسه؛ فمعتقها أو موبقها) (١)، فمن اجتهد في كسب الحسنات، فقد أعتق نفسه، ومن لم يبال بتضخُّم رصيده من السيِّئات، فقد أوبق نفسه وأهلكلها ... وهذا التنافس سيأتي عليه يوم ينقطع فيه النَّفس، ويتوقَّف عدَّاد الحسنات والسيئات، إلا أن يكون للعبد سبيلٌ يمتدُّ بسببه: إن خيرًا فخيرٌ، وإن شرًّا فشرٌّ، فمن خلَّف علمًا ينتفع به، أو صدقة جارية، أو ولدًا صالحًا يدعو له، فحسناته جاريةٌ، يغتبط بها في قبره، ومن خلَّف بعده سيِّئاتٍ تسبَّب فيها، فحاله عكس هذا والعياذ بالله؛ يمتلئ رصيده بالسيئات حتى يقوم الناس لربِّ العالمين.

стр. 218

ومن علم أنَّ مصيره لحفرةٍ ضيِّقةٍ؛ فليجتهد في عملٍ صالحٍ يوسِّعها عليه، ونورٍ يضيء ظلمتها، فما أشدَّ غربة أهل القبور، إلا من آنس الله وحشتهم! وما أطول حسرتهم إلا من نجا برحمة الله ثمَّ بعمله الصالح! فالله الله أن نجتهد في الاستعداد لذلك المصرع، وليوقن العبد أنَّه من صدق في سيره وسريرته مع الله، فلن يخيِّبه الله، ومن خرَّب ما بينه وبين الله، فيوشك أن يكون قد خرَّب دنياه وداره البرزخيَّة، والأخرويَّة، نعوذ بالله من الخذلان. * * * * • ثم قال ﵁: «ثمَّ تنتقلون منه إلى منزلٍ آخر، فيغشى الناس ظلمةٌ شديدةٌ، ثم يقسم النور، فيُعطى المؤمن نورًا، ويُترك الكافر والمنافق فلا يُعطيان شيئًا». وهذا تأكيدٌ للمعنى الذي سبق، فمن نوَّر الله قلبه في الدُّنيا بطاعته، امتدَّ هذا النور معه في البرزخ وفي الآخرة، ومن أظلم قلبه في هذه الدار بالمعاصي ومنكرات الأقوال والأعمال، فيوشك أن ينتقل أثر هذه الظُّلمة للبرزخ والآخرة! ويا لها من حسرةٍ! حين يرى الإنسان أناسًا في المحشر قد أوتوا نورًا، وإذا به يريد قبسةً من هذا النور، فإذا به يحال بينه وبين ذلك، ويعجز عن إدراكه! نعوذ بالله من الحرمان. وهذا معنى قوله ﵁: «ثمَّ تنتقلون منه إلى منزلٍ آخر، فيغشى الناس ظلمةٌ شديدةٌ، ثم يقسم النور، فيُعطى المؤمن نورًا، ويُترك الكافر والمنافق فلا يُعطيان شيئًا».

стр. 219

وتأمَّل في قول المنافقين: «فيرجعون إلى المكان الذي قُسم فيه النور، فلا يجدون شيئًا! فينصرفون إليهم وقد ضر بينهم بسورٍ له بابٌ باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب! ينادونهم: ألم نكن معكم؟ نصلِّي بصلاتكم، ونغزو بمغازيكم؟». وهذه موعظةٌ مخيفةٌ لمن يخادع الناس بمظهره، أو يظنُّ أنَّ عيشة في صفوف المسلمين يغنيه أو يشفع له! لا ... لا! العبرة بموافقة الباطن للشرع، والبراءة من أعداء الدِّين، وإلا فستنكشف الحقائق هناك، وسيندم هؤلاء المنافقون حين لا ينفع الندم، وسيسمعون تلك الكلمة القاسية التي لا أشدَّ منها على الأسماع يومها: ... ﴿فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَاوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الحديد: ١٥]. اللَّهمَّ ألهمنا الإخلاص في أقوالنا وأعمالنا الظاهرة والباطنة. * * *

стр. 220

من مواعظ أبي هريرة ﵁ - (١/ ٢) اختُلِف في اسمه كثيرًا، واشتهر بكُنيته جدًّا، أبو هريرة، عبد الرحمن بن صخرٍ الدَّوسيُّ، أحد تلاميذ المدرسة النبويَّة النجباء، صحب النبيَّ ﷺ وحمل عنه علمًا كثيرًا طيِّبًا مباركًا فيه، لم يشاركه في كثرة حفظ الحديث أحدٌ، مع أنَّه لم يصحب النبيَّ ﷺ سوى أربع سنين، وحدَّث عنه خلقٌ كثيرٌ من الصحابة والتابعين، حتى قيل: بلغ عدد أصحابه ثمانمائةٍ. قال الحافظ الذهبيُّ عن حفظه: كان حفظه الخارق من معجزات النبوة. مرَّت به مسغبةٌ شديدةٌ، واحتاج، ولزم المسجد، حتى قال عن نفسه: لقد رأيتني أُصرع بين القبر والمنبر من الجوع، حتى يقولوا: مجنونٌ! وكان من أهل الصُّفَّة، وهم أضياف الإسلام، لا أهل ولا مال، إذا أتت رسول الله ﷺ صدقةٌ، أرسل بها إليهم، ولم يصب منها شيئًا، وإذا جاءته هديةٌ، أصاب منها، وأشركهم فيها. دعا له النبيُّ ﷺ فقال: (اللَّهمَّ حبِّب عبيدك هذا وأمَّه إلى عبادك المؤمنين وحبِّبهم إليهما) (١).

стр. 221

تُوفِّي سنة سبعٍ وخمسين للهجرة، وقيل قريبًا منها (١). * * * * • وقد رويت عنه جملةٌ من المواعظ الطيِّبة؛ منها: ما رواه محمد بن سيرين، عن أبي هريرة أنَّه كان يقول في آخر عمره (٢): «اللَّهمَّ إنِّي أعوذ بك أن أزني، أو أعمل بكبيرةٍ في الإسلام»، يقول بعض أصحابه: يا أبا هريرة، ومثلك يقول هذا ويخافه وقد بلغت من السِّنِّ ما بلغت، وانقطعت عنك الشهوات، وقد شافهت النبيَّ ﷺ وبايعته، وأخذت عنه؟! قال: «ويحك! وما يؤمِّنني وإبليس حيٌّ؟!». الله أكبر! من كان بالله أعلم، كان من أخوف! هذا صاحب رسول الله ﷺ ، يحدِّث عن خوفه من الزَّلل في وحل الشهوات، مع تقدُّم سنِّه، وسابقته في العلم والعمل! لم يأخذه الغرور، ولا مزيدٌ من ثقةٍ واطمئنانٍ بسلامته من تزيين الشيطان وتسويله، وهو في هذه السنِّ التي أدبر فيها عن الدُّنيا وأقبل على الآخرة، بل تعلَّق بالحيِّ القيوم، الذي بيده نواصي الخلق، وقلوب العباد. وإذا كان هذا حاله وهو في شيخوخته، فماذا يقول الشباب الذين قد يغترُّ بعضهم ببقية صلاحٍ وخيرٍ فيه، والشهوة قويةٌ، والداعي لفعلها شديدٌ؟! إنَّ هذه الموعظة العمليَّة من أبي هريرة لتذكِّر بالموقف الذي رواه عبد الله ابن الإمام أحمد بن حنبلٍ، حيث يقول: «حضرت أبي الوفاة،

стр. 222

فجلست عنده، وبيدي الخرقة - وهو في النَّزع- لأشدَّ لحييه، فكان يغرق حتى نظنَّ أن قد قضى- أي: مات - ثم يفيق، ويقول بيده: لا بَعْدُ لا بَعْدُ! ففعل هذا مرةً، وثانيةً، فلما كان في الثالثة قلت له: يا أبت، أيشٍ هذا الذي قد لهجت به في هذا الوقت؟! فقال لي: يا بنيَّ، ما تدري؟ فقلت: لا! فقال: إبليس - لعنه الله - قام بحذائي عاضًّا على أنامله يقول: يا أحمد، فُتَّني! وأنا أقول: لا بَعدُ! حتى أموت» (١). فللَّه تلك النفوس العالمة بحقيقة نفوسها، وبضعفها، وحاجتها لتثبيت الله تعالى في كلِّ لحظةٍ وأوانٍ! ولله تلك القلوب التي أيقنت أنَّ الهلاك كلَّ الهلاك، والخذلان كلَّ الخذلان أن يكل الله العبد إلى نفسه. والعاقل يعتبر بمثل هذه المواعظ العمليَّة، ويتساءل: إذا كان هذا حال هؤلاء الصحب والأئمة الكرام، فماذا يقول من هو أقلُّ منهم علمًا وعملًا؟! * * * • ومن مواعظ أبي هريرة (٢)، حينما سأله رجلٌ: ما التقوى؟ فقال: «أخذتَ طريقًا ذا شوكٍ؟» قال: نعم، قال: «فكيف صنعت؟» قال: إذا رأيت الشوك، عدلت عنه، أو جاوزته، أو قصرت عنه! قال: «ذاك التَّقوى». ما أجمل الوعظ حين يقرَّب بالمثال الذي يرسخ المعنى! وما أجمل تقرير المعاني الكبار بمثل هذا التيسير! بدلًا من التعاريف المعقَّدة، والحدود التي تشتِّت الأذهان عن بلوغ الغاية من هذه المعاني ... ! وهكذا كان علم السلف الصالح ﵏.

стр. 223

وممَّا يُلحظ في موعظة أبي هريرة: تشبيهه المعاصي بالشَّوك، وتشبيه تجاوزه بالطاعة! ولله ما أصوبه من تشبيهٍ! فإنَّ للمعاصي وخزًا يؤثِّر في القلوب، كما أنَّ للشوك وخزًا وألمًا على أقدام الماشين عليه، يشعر بهذا من كانت قلوبهم حيَّة؛ تشعر بألم الذنب ووخزه. لكن ما الحيلة فيمن ينزل في أودية المعاصي ليلًا ونهارًا ولا يشعر بوخز الشوك؟! إنَّ التقوى أعظم مطالب الصالحين، وغاية مراد العابدين! ولا عجب؛ فإنَّ القارئ لكتاب الله لا يجد عناءً في إدراك الثمرات والأجور التي وعدها الله تعالى لعباده المتَّقين. كما لا يجد عناءً في معرفة ما يناله المتَّقون من كرامات وفضائل في الدُّنيا والآخرة! ألسنا نقرأ في أول سورة البقرة: ﴿آلم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١، ٢]؟ ألا يكفي أنَّ الله يحبُّهم؟ ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٤]. المتَّقون هم أهل معيَّة الله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٣٦]. العاقبة لهم: ﴿إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود: ٤٩]. هم وفد الله الذين نالوا كرامته: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ [مريم: ٨٥]. هم الذين تبقى صداقتهم يوم تتصرَّم بقية العلائق: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧]. بل إنَّ الله تعالى نسب الجنة إليهم! فقال: ﴿وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ [النحل: ٣٠].

стр. 224

وأخيرًا ... أهل كرامة الله الذين أعدَّ لهم ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشرٍ: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الحجر: ٤٥]. ليس الشأن أن يحفظ الإنسان منَّا تعريفًا دقيقًا للتقوى، أو اختلاف العلماء في تعريفها- مع فائدة ذلك وأهميَّته- بل الأهم أن نترجم ذلك واقعًا معيشًا، فكم من رجلٍ عامِّيٍّ، وامرأةٍ أمِّيَّةٍ، لا يعرفون تعريفًا واحدًا للتقوى، هم في أعلى قائمة المتَّقين! وكم من إنسانٍ يحمل من الشهادات ما يحمل، لو فتَّشت في قائمة المتَّقين لم تجده إلا في ذيل القائمة! بل ربَّما خرج منها تمامًا حينما يكفر بالله تعالى: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠]. فاللَّهمَّ ارزقنا تقواك، وخشيتك في الغيب والشهادة * * *

стр. 225

من مواعظ أبي هريرة ﵁ - (٢/ ٢) • ومن مواعظه ﵁ العمليَّة (١): أنَّه حين حضرته الوفاة بكى، فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: «أما إنِّي لا أبكي على دنياكم هذه، ولكنِّي أبكي على بُعدِ سفري، وقلة زادي، وأنِّي أصبحت في صعودٍ مُهبطٍ على جنةٍ ونارٍ، لا أدري لأيِّهما يُؤخَذُ بي». سبحان الله! كم مرَّ علينا في مواعظ الصحابة من أمثال هذه المواعظ الزهديَّة، التي تدلُّ على عظيم خوفهم من لقاء الله، وتهوينهم من شأن ما عملوه، حتى إنَّ الإنسان ليقرأ في أمثال هذه المواعظ الترجمة العمليَّة لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٧ - ٦١]. ويلفت نظرك في أمثال هذه المواقف أمران:

стр. 226

١ - احتقارهم لما بذلوه من أعمالٍ صالحةٍ، كما سبق في الآية الكريمة. ٢ - خوفهم من لقاء ربِّهم، وهول المطلع، مع سابقتهم في العلم والإيمان والعمل، والدعوة، والجهاد. فماذا يا تُرى سيقول المقصِّرون من أمثالنا إذا وقف مثل هذه المواقف، أو صرع ذاك المصرع؟! اللَّهمَّ لا حول لنا ولا قوة إلا بك، ليس ثمة إلا عفوك ورحمتك، وإلا فعملنا فيه تخليطٌ، وزادنا أقلُّ من زادهم، فامنن علينا بفضلك وواسع رحمتك في الدُّنيا، وعند نزع أرواحنا، وحين نلقاك يا ربَّ العالمين. * * * • ومن مواعظ أبي هريرة ﵁ قوله (١): «يبصر أحدكم القذاة في عين أخيه وينسى الجِذْلَ- أو الجذع - في عين نفسه». وهذه الموعظة أراد منها أبو هريرة تصحيح وتعديل الميزان الذي يطيش عند بعض الناس- أحيانًا- عند تقييمه للأمور، فيبالغ في نقد إخوانه، وتضخيم أخطائهم، وينسى ما يقع فيه هو ممَّا هو مثل أو أشدُّ ممَّا عاب به إخوانه! «وذلك من أقبح القبائح، وأفضح الفضائح، فرحم الله من حفظ قلبه ولسانه، ولزِم شَانه، وكفَّ عن عرض أخيه،

стр. 227

وأعرض عمَّا لا يعنيه، فمن حفظ هذه الوصيَّة دامت سلامته، وقلَّت ندامته، ولله درُّ القائل: أرى كُلَّ إنسان يرى عيب غيره ... وَيَعمَى عن العيب الَّذي هو فيه فلا خير فيمن لا يرى عيب نفسه ... وَيَعمَى عن العيب الَّذي بأخيه» (١). يقول بكر بن عبد الله المُزنيُّ- أحد سادات التابعين ﵏ مبيِّنًا معنى هذه الموعظة من أبي هريرة: «احملوا إخوانكم على ما كان فيهم، كما تحبُّون أن يحملوكم على ما كان فيكم، وليس كلُّ من رأيت منه سقطةً أو زلَّةً وقع من عينيك، فأنت أولى من يرى ذلك منه- إلى أن قال:- ولا تنظروا في ذنوب الناس كالأرباب، وانظروا في ذنوبكم كالعبيد، ولا تُعاهد القذاة في عين أخيك، وتدع الجذع في عينك معترضًا، والله ما عَدَلت!» (٢). ومن لطائف استنباط السلف لهذا المعنى من القرآن: قول قتادة في قوله تعالى: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ [القيامة: ١٤]، قال: إذا شئت - والله- رأيته بصيرًا بعيوب الناس وذنوبهم، غافلًا عن ذنوبه (٣). اهـ. وممَّا يدخل تحت هذا المعنى الذي ذكره أبو هريرة ﵁: ما أشار إليه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في مقام المناظرات، وأنَّ بعض المنتصرين لأقوالهم يبلغ به التعصُّب مبلغًا «يرى القذاة في عين أخيه، ولا يرى الجذع المعترض في عينه، ويذكر من تناقض أقوال غيره، ومخالفتها للنصوص والمعقول- ما يكون له من الأقوال في ذلك الباب

стр. 228

ما هو من جنس تلك الأقوال، أو أضعف منها، أو أقوى منها» (١). وهذه الحال- أعني البصر بعيوب الناس، والغفلة عن ذنوبه - إذا وصل إليها العبد، فهي علامة خذلانٍ والعياذ بالله، فليتجنَّبها الإنسان، وليسأل الله تعالى العافية منها، وعليه أن يبادر إلى خاصَّة إخوانه، فيستنصحهم، ويطلب منهم تبصيرهم إيَّاه بأخطائه؛ فإنَّ الإنسان- أحيانًا - لا يكتشف ما فيه من عيوبٍ؛ إمَّا لأنَّه لا يشعر بها أصلاً؛ لِقدَمِها ورسُوخِها فيه، أو يظنُّ أنَّها ليست بعيوبٍ أصلًا. * * * • ومن مواعظ أبي هريرة ﵁ (٢): أنَّ رجلًا جاءه فقال له: إنِّي أريد أن أتعلَّم العلم، وأنا أخاف أن أضيِّعه ولا أعمل به! فقال له أبو هريرة: «ما أنت بواجدٍ شيئًا أضيع له من تركه». لله درُّ أبي هريرة على هذا الجواب الذي خرج من مشكاة العلم الموروث عن معلِّم الناس الخير ﷺ ! ذلك أنَّ هذه الشُّبهة التي عرضت لهذا الرجل - وهي تعرض لكثيرين - وهي ترك العلم خشية تضييعه، وعدم العمل، وخشية الاستكثار من حجج الله تعالى عليه ليس دواؤها ولا علاجها في ترك العلم، بل في تعلُّم العلم الذي يحمل صاحبه على المحافظة عليه والعمل به، ويكون سلَّمًا ينال به العبد خشية الله تعالى. لكن مشكلة بعض الناس أنَّه يستعجل ثمرة العمل، ويظنُّ أنَّها تأتي مباشرة! وهذا الاستعجال ليس بجيِّدٍ.

стр. 229

قال ابن الجوزيِّ ﵀: «وبالعلم يتقوَّم قصد العلم، كما قال يزيد بن هارون: طلبنا العلم لغير الله، فأبى إلا أن يكون لله، ومعناه: أنَّه دلَّنا على الإخلاص، ومن طالب نفسه بقطع ما في طبعه، لم يمكنه» (١). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «من طلب العلم أو فعل غيره مما هو خيرٌ في نفسه؛ لما فيه من المحبة له، لا لله ولا لغيره من الشركاء، فليس مذمومًا، بل قد يثاب بأنواعٍ من الثواب، إمَّا بزيادةٍ فيها وفي أمثالها، فيتنعَّم بذلك في الدُّنيا، ولو كان كلُّ فعلٍ حسنٍ لم يفعل لله مذمومًا، لما أطعم الكافر بحسناته في الدُّنيا؛ لأنَّها تكون سيِّئاتٍ! وقد يكون من فوائد ذلك وثوابه في الدُّنيا: أن يهديه الله إلى أن يتقرَّب بها إليه، وهذا معنى قول بعضهم: طلبنا العلم لغير الله، فأبى أن يكون إلا لله، وقول الآخر: طلبهم له نيَّةٌ؛ يعني: نفس طلبه حسنةٌ تنفعهم، وهذا قيل في العلم لأنَّه الدليل المرشد. فإذا طلبه بالمحبة، وحصَّله وعرفه بالإخلاص، فالإخلاص لا يقع إلا بالعلم، فلو كان طلبه لا يكون إلا بالإخلاص، لزم الدَّور» (٢). والمقصود أنَّ من عرضت له مثل هذه الشُّبهة التي عرضت للرجل الذي سأل أبا هريرة- في شأن طلب العلم- فليداوها بالطلب، الذي لن يزيده - إن شاء الله - إلا حرصًا على الخير، وتصحيحًا للنيَّة، وتعلُّقًا به. * * *

стр. 230

من مواعظ عمرو بن العاص ﵁ - (١/ ٢) هو عمرو بن العاص بن وائلٍ السَّهميُّ، أبو عبد لله، ويقال: أبو محمدٍ، وُصِفَ بأنَّه داهية قريشٍ، ومن يُضرب به المثل في الفطنة، والدَّهاء، والحزم. هاجر إلى رسول الله ﷺ مسلمًا في أوائل سنة ثمانٍ، مرافقًا لخالد بن الوليد، وحاجب الكعبة عثمان بن طلحة، ففرح النبيُّ ﷺ بقدومهم وإسلامهم، وأمَّره ﷺ على بعض الجيش، وجهَّزه للغزو، ومن أشهر الغزوات التي تأمَّر عليها: غزوة ذات السَّلاسل. كان من فرسان قريشٍ، وأبطالهم في الجاهليَّة، مذكورًا بذلك فيهم. وكان شاعرًا حسن الشعر، حُفظ عنه منه الكثير في مشاهد شتَّى. وكان من رجال قريشٍ رأيًا، ودهاءً، وحزمًا، وكفاءةً، وبصرًا بالحروب، ومن أشراف ملوك العرب، ومن أعيان المهاجرين. توفي ﵁ سنة (٤٣هـ)، وله نحوٌ من ١٠٠ سنةٍ (١). ...

стр. 231

• لقد رويت عن عمرٍو ﵁ بعض المواعظ؛ ومنها (١): «لا أملُّ ثوبي ما وسعني، ولا أملُّ زوجتي ما أحسنت عشرتي، ولا أملُّ دابَّتي ما حَمَلَتْني؛ إنَّ الملال من سيِّاء الأخلاق». هذه الموعظة من عمرٍو ﵁ تُشكِّل قاعدةً من قواعد السعادة لمن تأمَّلها؛ فإنَّ المُلاحظ أنَّ بعض الناس يصنع في حياته ألوانًا من التعاسة؛ بسبب كثرة ملالته، وسيطرة هاجس التجديد المتكرِّر، وغلبة النظرة المثاليَّة في حياته، وفي علاقاته الاجتماعيَّة، وفي أثاثه ومُقتنياته! فأمَّا المقتنيات، فعبَّر عنها عمرٌو بالثوب، فهو لا يملُّ من لبسه والاكتساء به، ما دام يسعه ولا يشينه. وبعض الناس- لملالته- لا يكاد يبقى في يده مالٌ إلا بدَّده في ثوبٍ جديدٍ، أو أثاثٍ جديدٍ، أو ترميماتٍ لبيته، دون حاجةٍ تُذكر لذلك! وفي شأن الزواج يقول: «ولا أملُّ زوجتي ما أحسنت عشرتي»! إنَّها النظرة المعتدلة لحقيقة العلاقة الزوجيَّة، وليست النظرة المثاليَّة، التي تحمل بعض الناس على التبرُّم من الزوجة لأدنى تقصيرٍ، أو طلب التعدُّد وكثرة الطلاق دون معنًى مُعتبرٍ، وكأنَّه كاملٌ في أخلاقه وطباعه! فعمرٌو ﵁ يرى أنَّ العلاقة الزوجيَّة تستقيم بالقدر الأدنى، الذي عبَّرت عنه تلك القاعدة النبويَّة في الحياة الزوجيَّة، التي قرَّرها ﷺ بقوله: (لا يفرك مؤمنٌ مؤمنةً؛ إن كره منها خلقًا، رضي منها آخر) (٢)؛ لأنَّ عمرًا - وهو الرجل الذي مُلئ عقلًا - يُدرك أنَّ الحياة الزوجيَّة - وسائر

стр. 232

العلاقات الاجتماعيَّة- ما لم تقم على اغتفار الزلَّات، واحتمال الهفوات، فلن يصبر أحدٌ على أحدٍ، ولن تدوم علاقةٌ على وجه الأرض، لكن يبقى الوفاء، ويبقى احتمال الأخطاء، والسعي في تقويمها، والثناء على الأخلاق الحسنة؛ فبذلك تذهب الملالة، وتستمرُّ الحياة. وثالثة المعاني التي ذكرها عمرٌو ﵁ في موعظته: قوله: «ولا أملُّ دابَّتي ما حَمَلَتْني». قارن هذا بمن آتاه الله مالًا، فهو يغيِّر سيارته في أوقاتٍ قصيرةٍ ويتتبَّع «الموديلات» الجديدة! وقد يقول قائلٌ: وما الضَّير في ذلك؟ وقد آتاه الله مالًا؟ فالجواب: أنَّ تعليل عمرٍو في آخر موعظته يوضِّح هذا: «إنَّ الملال من سيِّاء الأخلاق»، فلئن كان اليوم مقتدرًا، فقد لا يكون غدًا كذلك، ولئن تتبَّع طبعه الملول، فسيذهب وقته وماله في تتبُّع الكماليات. كما أنَّ الملول من الناس لا يصلح أن يقود، ولا أن يتسنَّم الأعمال الكبار، بل إنَّ سرعة الملل تحرم الإنسان من أنواعٍ كثيرةٍ من الخير، ومن أدار بصره في الواقع، أدرك هذا جيِّدًا، وبلا عناءٍ. * * * * ومن مواعظ عمرو بن العاص ﵁ قوله (١): • «ثلاثٌ لا أناة فيهنَّ: المبادرة بالعمل الصالح، ودفن الميِّت، وتزويج الكُفْءِ». العرب كانت تذمُّ العجلة، وتمسيِّها أمَّ الندامات، لكن جاء الإسلام

стр. 233

ليصحِّح بعض المفاهيم الخاطئة في هذا المعنى ... فإنَّ الأناة في بعض الأمور مذمومةٌ ومُلامةٌ، ومنها الأمور التي أشار إليها عمرٌو ﵁، وهي: o العمل الصالح: فالمؤمن يعلم أنَّ ترك المبادرة للعمل الصالح هو في حقيقته تفويت لتجارةٍ رابحةٍ مع الله تعالى. o والثانية: دفن الميِّت، فحقُّه أن يكرم بدفنه؛ فإنَّ الله تعالى قال: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ [عبس: ٢١]. o وتزويج الكُفْءِ، فمتى ما تقدَّم الكفءُ للموليَّة - بنتًا كانت أم أختًا - فليبادر بتزوجيه، فإنَّ الفرصة الجيِّدة قد لا تتكرَّر، وقد أحسن القائل: إذا هبَّت رياحك فاغتنمها ... فعقبى كلِّ خافقةٍ سكون ولا تقعد عن الإحسان فيها ... فلا تدري السُّكون متى يكون • ومن المواعظ التي رويت عن عمرو بن العاص ﵁، ما تصوِّره هذه القصة التي وقعت بينه وبين الحبر عبد الله بن عبَّاسٍ ﵄ حين دخل عليه، فقال: كيف أصبحت يا أبا عبد الله؟ قال: «أصبحت وقد ضيَّعت من يديني كثيرًا، وأصلحت من دنياي قليلًا، فلو كان الذي أصلحت هو الذي أفسدتُّ، والذي أفسدتُّ هو الذي أصلحت، لقد فزت، ولو كان ينفعني أن أطلب طلبت، ولو كان ينجيني أن أهرب هربت، فصرت كالمجنون بين السماء والأرض، لا أرتقي بيدين، ولا أهبط برجلين، فعظني بعظةٍ أنتفع بها يا بن عباسٍ!». قال ابن عباسٍ: هيهات! صار ابن أخيك أخاك، ولا يشاء أن يبكي إلا بكيت (١).

стр. 234

لله أولئك الرجال ... إنَّهم أصحاب محمدٍ ﷺ ! تأمَّل في إزرائهم على أنفسهم! وتأمَّل في خوفهم من لقاء ربِّهم! وها هو عمرٌو- وقد قارب المئة- يطلب من ابن عباسٍ أن يعظه وقد رقَّ عظمه، ونحل جسده، وأدبر عن الدُّنيا، وأقبل على الآخرة! وها هو ابن عباس يعلن عن مشاركته هذا الخوف حين قال: هيهات! صار ابن أخيك أخاك ... ولا يشاء أن يبكي إلا بكيت. والمعنى: أنَّني لست صغيرًا، بل كبرت وصرت مثقلًا بالذنوب التي تبكي منها يا عمرو! فرضي الله عنهم وأرضاهم. ما أحوجنا- ونحن أهل الغفلة والتقصير- أن نتأمَّل في أمثال هذه المواعظ التطبيقيَّة من أصحاب محمدٍ ﷺ ! الذين لا كان ولا يكون مثلهم في بذلهم، وجهادهم، وتضحيتهم لهذا الدِّين، وهم مع هذا على خوفٍ عظيمٍ من ذنوبهم، وتقصيرهم في حقِّ مولاهم. إنَّ أمثال هذه المواعظ ينبغي أن يكون أثرها علينا واقعًا عمليًّا، في الاستعداد ليوم الرحيل، والتخفُّف من الذنوب والآثام قبل النَّقلة المفاجئة التي لا نجد فيها وقتًا للاستعتاب والندم! والسعيد - والله - من قدم على مولاه مُخفًّا من الذنوب والآثام، خفيف الظَّهر من حقوق العباد، أعاننا الله على ذلك بمنِّه وكرمه، وجعل خير أعمالنا خواتمها، وخير أيامنا أواخرها، وخير يومٍ لنا في حياتنا اليوم الذي نلقاه فيه. هذه بعضٌ من مواعظ الصحابيِّ الجليل عمرو بن العاص ﵁، وما زال للحديث صلةٌ، في المجلس القادم إن شاء الله.

стр. 235

من مواعظ عمرو بن العاص ﵁ - (٢/ ٢) • ومن مواعظه ﵁ قوله (١): «ليس العاقل الذي يعرف الخير من الشرِّ، ولكنَّه الذي يعرف خير الشرَّين، وليس الواصل الذي يصل من وصله، ولكنَّه الذي يصل من قطعه!». هذه الموعظة هي قاعدةٌ في باب المقارنات بين الأقوال والأفعال والمواقف (٢). وعمرٌو ﵁ لا ينفي العقل مطلقًا عمَّن يميِّز بين الخير والشرِّ؛ فهذا ممَّا يُحمد عليه الإنسان، وإنَّما مراده أنَّ أعلى درجات العقل: أن يوفَّق الإنسان لمعرفة خير الشرَّين، ويُضاف لذلك: خير الخيرين أيضًا، كما قال الشاعر: إنَّ اللَّبيب إذا بدا من جسمه ... مرضان مختلفان داوى الأخطرا وهذا موضعٌ من المواضع التي يتبيَّن فيها فقه الإنسان، ورجاحة عقله؛ فإنَّ تمييز الخير من الشرِّ يدركه كثيرٌ من الناس، لكنَّ التمييز بين خير الخيرين وشرِّ الشرَّين قليلٌ؛ لأنَّه يحتاج إلى مزيد علمٍ وتجربةٍ وبُعدِ نظرٍ.

стр. 236

قال ابن تيمية ﵀: «فإنَّ الشريعة مبناها على تحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، بحسب الإمكان، ومعرفة خير الخيرين، وشرِّ الشرَّين؛ حتى يُقدَّم عند التزاحم خير الخيرين، ويدفع شرُّ الشرَّين» (١). وفي الجملة الأخيرة من كلام ابن تيمية ﵀ بيان فائدة هذه المعرفة، وهي: الترجيح عند التعارض بين المصالح والمفاسد، فمن لم يعرف خير الخير فكيف يختار أعلاهما؟ ومن لم يميِّز شرَّ الشرَّين فكيف يرتكب أدناهما؟ ومن تأمَّل في واقع الناس، وجد أنَّ أحد أهمِّ أسباب الخلل الذي يطرق حياتهم الخاصَّة والعامَّة، هو من عدم تطبيق هذه القاعدة التي تضمَّنتها كلمة عمرٍو ﵁، فربَّما قُدِّم شرُّ الشرَّين، وتُرِك خير الخيرين؛ فيحصل من الفساد والخلل ما لا يعلمه إلا الله تعالى! ثم قال عمرو بن العاص ﵁: «وليس الواصل الذي يصل من وصله، ولكنَّه الذي يصل من قطعه!»، وهي قاعدةٌ مقتبسةٌ من مشكاة النبوَّة، ففي صحيح البخاريِّ من حديث ابنه عبد الله بن عمرو بن رحمه وصلها» (٢)، فإنَّ الذي يصل على شرط الوصل، فهو يشبه التقاضي، وما أقربه من حظِّ النفس! لكنَّ الواصل حقًّا هو الذي يعيش العبودية لله تعالى بالقيام بهذه الشعيرة العظيمة: صلة الرحم. ومن تأمَّل في سبب انقطاع الصلة بين بعض الأرحام، وجد أنَّه مشارطتهم بلسان الحال أو بلسان المقال، والمؤمن الموفَّق هو من لم

стр. 237

يلتفت إلى هذا، بل يَصِلُ ولو وجد صُدودًا وقطيعة ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، ففي صحيح مسلمٍ أنَّ رجلًا قال: يا رسول الله، إنَّ لي قرابةً أَصِلُهم ويقطعوني، وأحسن إليهم ويُسيئُون إليَّ، وأحلُمُ عنهم ويجهلون عليَّ، فقال: (لَئِن كنت كما قلت، فكأنَّما تسفُّهم الملَّ، ولا يزال معك من الله ظهيرٌ عليهم ما دمت على ذلك) (١). * * * • ومن مواعظ عمرو بن العاص ﵁ قوله لابنه (٢): «يا بُنيَّ، احفظ عنِّي ما أُوصيك به: إمامٌ عادل، خيرٌ من مطرٍ وابل، وإمامٌ ظلومٌ غشوم، خيرٌ من فتنةٍ تَدُوم». إنَّ من حكمة الله ورحمته أن شرع للناس اختيار إمامٍ وحاكمٍ يقود الناس ويسوسهم بكتاب الله وسنَّة رسوله ﷺ ؛ إذ: لا يصلح النَّاس فوضى لاسراة لهم ... ولا سراة إذا جهَّالهم سادوا ويقول ابن المبارك ﵀: إنَّ الجماعة حبل الله فاعتصموا ... منه بعروته الوثقى لمن دانا كم يدفع الله بالسُّلطان معضلةً ... في ديننا رحمةً منه ودنيانا لولا الخلافة لم تأمن لنا سبلٌ ... وكان أضعفنا نهبًا لأقوانا قال ابن تيمية ﵀: «والملك الظالم لا بدَّ أن يدفع الله به من الشرِّ أكثر من ظُلمه، وقد قيل: ستُّون سنةً بإمامٍ ظالمٍ، خيرٌ من ليلةٍ واحدةٍ بلا إمامٍ» (٣).

стр. 238

ولهذا؛ اتَّفق الفقهاء على وجوب تنصيب الإمام، وأجمعوا على تحريم الخروج عليه ولو ظلم وجار، ما لم ير الناس كفرًا بواحًا عندهم فيه من الله برهانٌ، ولديهم القدرة على إزاحته، والنصوص في هذا الباب كثيرةٌ جدًّا. قال الإمام أبو جعفرٍ الطَّحاويُّ: «ولا نرى الخروج على أئمَّتنا وولاة أمورنا وإن جاروا، ولا ندعو عليهم، ولا ننزع يدًا من طاعتهم، ونرى طاعتهم من طاعة الله ، ما لم يأمروا بمعصيةٍ، وندعو لهم بالصلاح والعافية» (١). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «ولهذا كان المشهور من مذهب أهل السُّنَّة أنَّهم لا يرون الخروج على الأئمة وقتالهم بالسيف، وإن كان فيهم ظلمٌ؛ كما دلت على ذلك الأحاديث الصحيحة المستفيضة عن النبيِّ ﷺ ؛ لأنَّ الفساد في القتال والفتنة أعظم من الفساد الحاصل بظلمهم بدون قتالٍ ولا فتنةٍ، فلا يدفع (٢) أعظم الفسادين بالتزام أدناهما، ولعلَّه لا يكاد يعرف طائفةٌ خرجت على ذي سلطانٍ، إلا وكان في خروجها من الفساد ما هو أعظم من الفساد الذي أزالته» (٣). ونصوص الأئمَّة في هذا الباب كثيرةٌ معلومةٌ. والمراد هنا: أنَّ كلمة عمرو بن العاص هنا غايةٌ في الحكمة، وهي قوله: «يا بُنيَّ، احفظ عنِّي ما أوصيك به: إمامٌ عادل، خيرٌ من مطرٍ وابل،

стр. 239

وإمامٌ ظلومٌ غشوم، خيرٌ من فتنةٍ تدوم»؛ فالمطر - مع أهمِّيَّته - قد يعيش الإنسان بدونه بعض الوقت، ويرحل لبلدٍ آخر مخصبٍ، لكن كيف سيكون العيش مع فقد الأمن، والعياذ بالله؟! وممَّا يُؤكَّد عليه- خاصة في أزمنة الفتن والاضطراب الذي تُؤجِّجه بعض وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعيِّ:- الحرص على جمع الكلمة، وعدم نشر ما يفرِّق جماعة المسلمين، أو يوغر الصدور على ولاة الأمور من الحكَّام والعلماء؛ فإنَّ عاقبة ذلك فسادٌ عريضٌ، لا يعلمه إلا الله. ومن كمال هذه الشريعة: أنَّها لم تُقفل باب النصح للأئمَّة - من العلماء والحكام- بل جعلته من الدِّين، كما في حديث تميم الدَّاريِّ ﵁: (إنَّ الدِّين النَّصيحة، إنَّ الدِّين النَّصيحة، إنَّ الدِّين النَّصيحة)، قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: (لله، وكتابه، ورسوله، وأئمَّة المؤمنين، وعامَّتهم- أو أئمَّة المسلمين، وعامَّتهم) (١). قال ابن تيمية ﵀: «والنصيحة لأئمَّة المسلمين وعامَّتهم هي مناصحة ولاة الأمر ولزوم جماعتهم؛ فإنَّ لزوم جماعتهم هي نصيحتهم العامة، وأمَّا النصيحة الخاصة لكلِّ واحدٍ منهم بعينه، فهذه يمكن بعضها ويتعذَّر استيعابها على سبيل التعيين» (٢). والمقصود أنَّ نصيحتهم حقٌّ لهم على رعيَّتهم، وليست مجرَّد إذنٍ من الشرع، يُسلك فيها المسلك الشرعيُّ، الذي يحقِّق المصالح ويدفع أو يقلِّل المفاسد.

стр. 240

ومن تأمَّل في أحوال الأمم الغابرة، والدول الحاضرة، التي وقع فيها خروجٌ على الحكَّام، تيقَّن هذه الحقيقة التي أشار إليها الأئمة في كلامهم، ومنهم عمرو بن العاص. نعوذ بالله من مضلات الفتن، ومن أسباب ضياع الأمن، كما نسأله أن يصلح أحوال المسلمين، وأن يولِّي عليهم خيارهم، وأن يهدي ولاتهم لتحكيم شرعه وسنَّة رسوله ﷺ . * * *

стр. 241

من مواعظ عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ - هو عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل السَّهميُّ القرشيُّ، عابدٌ من العُبَّاد، وعالمٌ من علماء الصحابة، أبوه صحابيٌّ، ويقال: إنَّه أسلم قبل أبيه. له مناقب وفضائل، ومقامٌ راسخٌ في العلم والعمل، حمل عن النبيِّ ﷺ علمًا جمًّا، وكتب الكثير بإذنٍ من النبيِّ ﷺ وترخيصه له في الكتابة - بعد كراهيته للصحابة أن يكتبوا عنه سوى القرآن - ثم استقرَّ الإجماع بعد قرن الصحابة على جواز الكتابة، بل صرَّح بعضهم بوجوب الكتابة لغرض حفظ السُّنة. كان مشهورًا بالتعبُّد، حاوره النبيُّ ﷺ في ذلك؛ ناصحًا له بالرِّفق بنفسه وعدم التشديد عليها وقت الشباب؛ لأنَّه سيحتاج لبعض النشاط في الكبر، وخشية إصابته بالملل، وقد وقع ما توقَّعه النبيُّ ﷺ ، فقال ذلك الصاحب الكريم: «يا ليتني قبلت رُخصة رسول الله ﷺ » (١). كانت وفاته سنة (٦٥ هـ) في أرض الكنانة (مصر)، ﵁ وأرضاه (٢). * * *

стр. 242

• لقد رويت عن عبد الله بن عمروٍ ﵁ جملةٌ من المواعظ؛ منها قوله (١): «دع ما لست منه في شيءٍ، ولا تنطق فيما لا يعنيك، واخزن لسانك كما تخزن نفقتك». هذه الجملة الوعظيَّة تضمَّنت وصيَّتين عظيمتين: الأولى: «دع ما لست منه في شيء»، وهي تشبه تلك الجملة المأثورة: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» (٢)، وهي إن كانت من حيث السند فيها نظرٌ في نسبتها للنبيِّ ﷺ ؛ إلا أنَّها - كما يقول ابن رجب:- «أصلٌ عظيمٌ من أصول الأدب» (٣). ومراد عبد الله في قوله: «دع ما لست منه»؛ أي: لا يعنيك شرعًا، أو عرفًا، بحيث لا يخالف الشرع، ولابدَّ من حمل هذه الكلمة على هذا المعنى؛ حتى لا يَظُنَّ أحدٌ أنَّه يريد بها ما ليس منها؛ كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وما أكثر ما يدخل الناس فيما ليسوا منه، ولا يعنيهم في قبيلٍ ولا دبير، ولا قليلٍ ولا كثير! ومن ذلك: السؤال عن بعض التفاصيل التي سكتت عنها الشريعة - لا نسيانًا؛ ولكن - رحمةً بالخلق، أو لأنَّ تفصيلها لا فائدة منه، ويذكر في ترجمة أحد تلاميذ الإمام مالكٍ ﵏ حين جاءه كتابٌ من بعض الملوك يسأله عن كِفَّتي الميزان: أمن ذهبٍ هي أم من ورقٍ؟ فكتب في الجواب: حدَّثنا مالكٌ

стр. 243

عن الزُّهريِّ، أنَّ رسول الله ﷺ قال: (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه) (١). وهذا يقع كثيرًا لبعض الطلبة- خاصةً منهم المبتدئين - حين يسألون عن تفاصيل لا أثر لها، بل لا داعي لها في العلم أو البحث، فيما كان يسمِّيه العلماء: الأغلوطات، وهذا المسلك ممَّا يحرم طالب العلم بركة ما يعلم، ويقطعه عن تحصيل النافع المفيد. ومن ذلك: ما يقع لبعض الناس من تتبُّع الصغيرة والكبيرة من خصوصيات الناس، فهذا لو لم تأت به الشريعة، لنبذته الفطرة السَّليمة، ولنفرت منه النفوس المستقيمة، وهو ممَّا يوجب العداوة والبغضاء، ويحمل على العدوان بين الناس، وهو في الحقيقة إحدى صور التجسُّس، وتتبع العورات، والفضول من القول والعمل. وأمَّا الجملة الثانية، فهي قوله: «ولا تنطق فيما لا يعنيك، واخزن لسانك كما تخزن نفقتك». وهذه الجملة وثيقة الصلة بالجملة الأولى، ولكنَّها تستحقُّ الإفراد؛ لكثرة ما يدخل على الناس من خللٍ بسبب اللسان. إنَّ هذه الموعظة تلتقي مع قوله ﷺ : (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيرًا أو ليصمت) (٢). قال الإمام الشافعيُّ ﵀ مبيِّنًا معنى هذه الجملة: «إذا أراد أن يتكلَّم فليفكِّر؛ فإن ظهر له أنَّه لا ضرر عليه، تكلَّم، وإن ظهر له فيه ضررٌ أو شكَّ فيه، أمسك».

стр. 244

ومن هنا أطبق السلف- ﵃ ورحمهم- على هذا المعنى، وكلامهم في هذا الباب كثيرٌ جدًّا، بل صنَّف بعض الأئمة كتبًا في أدب المنطق والصمت. يقول يعلى بن عبيدٍ ﵀: (دخلنا على محمَّد بن سُوقة فقال: «أحدِّثكم بحديثٍ لعلَّه ينفعكم فإنَّه قد نفعني! قال لنا عطاء بن أبي رباحٍ: يا بني أخي، إنَّ من كان قبلكم كانوا يكرهون فضول الكلام، وكانوا يعدُّون فضول الكلام ما عدا كتاب الله أن تقرأه، أو تأمر بمعروفٍ، أو تنهى عن منكرٍ، أو تنطق بحاجتك في معيشتك التي لا بدَّ لك منها، أتُنكرون: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ﴾ [الانفطار: ١٠، ١١]، و ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٧، ١٨]؟ أما يستحي أحكم أن لو نشرت عليه صحيفته التي أملى صدر نهاره، كان أكثر ما فيها ليس من أمر دينه ولا دنياه؟! (١). ولو طبَّقنا وصية عبد الله بن عمرٍو بقوله: «واخزن لسانك كما تخزن نفقتك»، لم نتكلَّم إلا قليلًا، وفيما يعنينًا، والله المستعان. * * * • ومن مواعظ عبد الله بن عمرو ﵁ قوله (٢): «من سُئل عمَّا لا يدري، فقال: لا أدري، فقد أحرز نصف العلم». ما أحسن أن تأتي مثل هذه الموعظة من عالمٍ كعبد الله بن عمرٍو ﵄! وهذا المعنى الذي أشار إليه عبد الله متواترٌ عن السلف

стр. 245

الصالح ﵃، فهم الذين وعوا عن الله ورسوله خطورة القول عليهما بغير علمٍ، فكان من تمام علمهم قول: لا أدري. يقول أمير المؤمنين عليُّ بن أبي طالبٍ ﵁: من علم الرجل أن يقول لما لا يعلم: الله أعلم؛ لأنَّ الله قال لرسوله ﷺ : ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦] (١). وصحَّ (٢)، عن ابن عمر ﵄ قال: «العلم ثلاثةٌ: كتابٌ ناطقٌ، وسنَّةٌ ماضيةٌ، و «لا أدري». قال ابن عجلان ﵀: «إذا أغفل العالم «لا أدري»، أصيبت مقاتله» (٣). وقال أحمد: ليس كلُّ شيءٍ ينبغي أن يُتكلَّم فيه، وذكر أحاديث النبيِّ ﷺ أنَّه «كان يسأل فيقول: (لا أدري حتى أسأل جبريل)». وقال الإمام أحمد مرةً: وددتُّ أنَّه لا يسألني أحدٌ عن مسألةٍ، أو ما شيءٌ أشدَّ عليَّ من أن أُسأل عن هذه المسائل! البلاء يخرجه الرجل عن عنقه ويقلِّدك. وكلام السلف في هذا الباب لا يحصى كثرةً، والموفَّق من سار على هذا الهدي السليم: يتكلَّم بعلمٍ، ويسكت بعلمٍ، ويفرح إذا كفاه غيره شأن الفُتيا. رزقنا الله السير على هدي سلفنا الصالح، ومنَّ علينا بالعلم النافع والعمل الصالح.

стр. 246

من مواعظ أنس بن مالكٍ ﵁ - (١/ ٢) هو أنس بن مالك بن النَّضر بن ضمضم الأنصاريُّ، النَّجَّاريُّ ﵁، أحد أعلام الصحابة المشاهير؛ لاتِّصاله الوثيق برسول الله ﷺ ، حيث طالت صحبته له، فبلغت عشر سنواتٍ. وصفه الذَّهبيُّ بقوله: الإمام، المفتي، المقرئ، المحدِّث، راوية الإسلام، أبو حمزة الأنصاريُّ، الخزرجيُّ، النَّجَّاريُّ، المدنيُّ، خادم رسول الله ﷺ وقرابته من النساء، وتلميذه، وآخر أصحابه موتًا. روى عن النبيِّ ﷺ علمًا جمًّا، وعن: أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعدَّةٍ من الصحابة ﵃، وروى عنه خلقٌ عظيمٌ من التابعين، سرد الحافظ المزِّيُّ في «التهذيب» نحو مائتي نفسٍ من الرواة عنه. وكان يقول: قدم رسول الله ﷺ المدينة وأنا ابن عشرٍ، ومات وأنا ابن عشرين. فصحب نبيَّه ﷺ أتمَّ الصُّحبة، ولازمه أكمل الملازمة منذ هاجر، وإلى أن مات، وغزا معه غير مرَّةٍ، وبايع تحت الشجرة. جاءت به أمُّه إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، هذا ابني أنسٌ، أتيتك به يخدمك، فادع الله له، فقال: (اللَّهمَّ أكثر ماله وولده).

стр. 247

قال ﵁: فوالله إنَّ مالي لكثيرٌ، حتى إنَّ كرماً لي - أي: عنبًا - لتحمل في السنة مرَّتين، وولد لِصُلبي مائةٌ وستةٌ، وقد مات منهم ثمانون - وقيل: سبعون - في طاعون الجارف الذي وقع سنة تسعٍ وستِّين (١). استعمله أبو بكرٍ الصِّدِّيق ساعيًا على الصدقة، بعد أن استشار فيه الفاروق، فقال له الفاروق ﵁: ابعثه، فإنَّه لَبيبٌ كاتبٌ. مات- على الأصحِّ - سنة ثلاثٍ وتسعين، وقد جاوز المئة (٢). * * * • رويت عنه بعض المواعظ؛ منها قوله (٣): «إذا لقيت امرأةً فغمِّض عينيك حتى تمضي». قد تبدو هذه الوصيَّة في غضِّ البصر مكرَّرة ومعتادةً، لكنَّنا - والله- بحاجةٍ للتذكير بها، خاصةً في عصرنا الذي تفتَّحت الأعين على صورٍ لا قبل للناس بها، فالصالح من الناس- ممَّن يتحاشى رؤية امرأةٍ أجنبيَّةٍ - يُبتلى بسبب انتشار وسائل نشر الصور بشيءٍ من هذا البلاء! فكان حقًّا على اللبيب العاقل أن ينتبه لهذا المنفذ الخطير الذي أودى بقلوبٍ كانت معلَّقةً بالعرش، فهوى بها إطلاق النظر إلى الفرش! بل ذكر القرطبيُّ ﵀ قصةً في كتابه «التَّذكرة» (٤) يقشعرُّ لها البدن،

стр. 248

حاصلها أنَّ رجلًا صالحًا مؤذِّنًا وقعت عينه على امرأةٍ نصرانيَّةٍ، فعلقها قلبه، فخطبها، واشترط أهلها أن يتنصَّر، فوافق! فتنصَّر، لكنَّه مات قبل أن يدخل بها! نعوذ بالله من الخذلان وسوء الخاتمة! ولخطورة هذا النظر؛ جاء الأمر بغضِّ البصر للرجال والنساء، على خلاف المعتاد في غالب أوامر القرآن، التي تكتفي بتوجيه الخطاب للعموم، فقال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: ٣٠، ٣١]. بل نصَّ النبيُّ ﷺ على أنَّ من أهمِّ مقاصد النكاح غضَّ البصر، فقال: (يا معشر الشَّباب، من استطاع منكم الباءة، فليتزوَّج؛ فإنَّه أغضَّ للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع، فعليه بالصَّوم؛ فإنَّه له وجاءٌ) (١). ولمَّا نهى النبيُّ ﷺ عن الجلوس في الطُّرقات، قال الصحابة ﵃: يا رسول الله، ما لنا بُدٌّ من مجالسنا نتحدَّث فيها! قال رسول الله ﷺ : (فإذا أبيتم إلَّا المجلس، فأعطوا الطَّريق حقَّه)، قالوا: وما حقُّه؟ قال: (غضُّ البصر، وكفُّ الأذى، وردُّ السَّلام، والأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر) (٢) فبدأ بغضِّ البصر. وإذا كان هذا التوجيه الربانيُّ والنبويُّ يتكرَّر في تلك الحِقبَة من الزمن، التي كانت عامَّة النساء فيها على قدرٍ كبيرٍ من الحشمة والسِّتر؛

стр. 249

فكيف سيكون الحال في عصرنا، الذي تنوَّعت فيه الصور وأساليب الإغراء بها، واستهدف الشباب والفتيات بها؟! لقد كثرت الشكوى من قسوة القلوب، وضعف الخشوع في الصلاة، ومن تأمَّل في أعظم الأسباب تأثيرًا في ذلك، أدرك أنَّ إطلاق البصر في الحرام يأتي في مقدِّمتها. والحديث في هذه المسألة يطول، والمقصود الإشارة إلى خطورة التساهل في ذلك، وعدم الركون إلى ما في القلب من صلاحٍ أو تُقًى، فلربَّ نظرةٍ أوقعت في قلب صاحبها البلابل! كما يروى عن الإمام أحمد ﵀. ومن أعظم طرق علاج هذه البليَّة: ما قاله الجنيد - لمَّا سُئل: بما يُستعان على غضِّ البصر؟ - قال: بعلمك أنَّ نظر الله إليك أسبق إلى ما تنظره. وهذا - والله - هو أنجع الأدوية؛ استشعار مراقبة الله . ومن وفِّق لغضِّ بصره، أكرمه الله بكراماتٍ كثيرةٍ؛ منها: - راحة القلب من قسوته، وصفاؤه من مُكدِّرات الخشوع، فسيجد لصلاته لذَّةً، ولتلاوته لكلام مولاه لذَّةً، ولمناجاته لذَّةً. - بركة اتِّباع الشرع المطهَّر، وما الظنُّ بعبدٍ أطاع خالقه، وخالف هواه؟ أيخذل الله قلبه؟ لا والله! قال ابن الجوزيِّ ﵀: «اعلم - وفَّقك الله - أنَّك إذا امتثلت المأمور به من غضِّ البصر- عند أول نظرةٍ - سلِمتَ من آفاتٍ لا تُحصى، فإذا كَّررت النظر لم تأمن أن يُزرع في قلبك زرعًا يصعب قلعه، فإن كان قد حصل ذلك، فعلاجه: الحِميَة بالغضِّ فيما بعد، وقطع مراد الفكر

стр. 250

بسدِّ باب النظر، فحينئذٍ يسهل علاج الحاصل في القلب؛ لأنَّه إذا اجتمع سيلٌ فسُدَّ مجراه، سَهُلَ نَزْف الحاصل، ولا علاج للحاصل في القلب أقوى من قطع أسبابه، ثم زجر الاهتمام به؛ خوفًا من عقوبة الله ، فمتى شرعت في استعمال هذا الدواء، رُجي لك قُرب السلامة» (١). اهـ. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «إنَّ غضَّ البصر عن الصورة التي نُهي عن النظر إليها - كالمرأة والأمرد الحسن- يورث ذلك ثلاث فوائد جليلة القدر: إحداها: حلاوة الإيمان ولذَّته، التي هي أحلى وأطيب ممَّا تركه لله؛ فإنَّ من ترك شيئًا لله، عوَّضه الله خيرًا منه. وأمَّا الفائدة الثانية في غض البصر، فهي: أنَّه يورث نور القلب والفراسة؛ قال تعالى عن قوم لوطٍ: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: ٧٢]، فالتعلُّق بالصور يوجب فساد العقل، وعمى البصيرة، وسُكر القلب؛ بل جنونه. وذكر سبحانه آية النور عقيب آيات غضِّ البصر، فقال: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥]، والله تعالى يجزي العبد على عمله بما هو من جنس عمله، فغضُّ بصره عمَّا حَرُمَ، يُعوِّضه الله من جنسه بما هو خيرٌ منه؛ فيُطلق نور بصيرته، ويَفتَحُ عليه. والفائدة الثالثة: قوة القلب وثباته وشجاعته، فيجعل الله له سلطان النُّصرة مع سلطان الحُجَّة، وفي الأثر: «الذي يخالف هواه، يفرق الشيطان من ظلِّه»؛ ولهذا يوجد في المتَّبع لهواه من الذُّلِّ- ذلِّ النفس
следующие страницы →