العيش، وما يترتَّب عليه من تبعاتٍ وتكاليف، فقلَّ من يتفطَّن له؛ ولهذا قال ﷺ : (فو الله ما الفقر أخشى عليكم، ولكنِّي أخشى أن تبسط عليكم الدُّنيا كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتهلككم كما أهلكتهم) (١).
قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة ﵀: «وكلتا النعمتين - الضراء والسراء - تحتاج مع الشكر إلى الصبر؛ أمَّا الضراء، فظاهرٌ، وأمَّا نعمة السراء، فتحتاج إلى الصبر على الطاعة فيها، كما قال بعض السلف: ابتلينا بالضراء فصبرنا، وابتلينا بالسراء فلم نصبر؛ فلهذا كان أكثر من يدخل الجنة المساكين، لكن لمَّا كان في السراء اللذَّة، وفي الضراء الألم؛ اشتهر ذكر الشكر في السراء، والصبر في الضراء؛ قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [هود: ١١] الآية» (٢) انتهى.
«فالرجل كلَّ الرجل من يصبر على العافية، ومعنى الصبر عليها: ألاَّ يركن إليها، ويعلم أنَّ كلَّ ذلك مستودعٌ عنده، وعسى أن يسترجع على القرب، وألَّا يرسل نفسه في الفرح بها، ولا ينهمك في التنعُّم واللذة، واللهو واللعب، وأن يرعى حقوق الله في ماله بالإنفاق، وفي بدنه ببذل المعونة للخلق، وفي لسانه ببذل الصِّدق، وكذلك في سائر ما أنعم الله به عليه» (٣).
يقول الله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥]، قال ابن رجب رحمة الله معلِّقًا على هذه الآية:
стр. 72
«فجعل كلَّ ما يصيب الإنسان من شرٍّ أو خيرٍ فتنةً؛ يعني: أنَّه محنةٌ يُمتحن بها؛ فإن أُصيب بخيرٍ، امتُحن به شكره، وإن أُصيب بشرٍّ امتُحن به صبره، وفتنة السراء أشدُّ من فتنة الضراء؛ قال بعض السلف: فتنة الضراء يصبر عليها البرُّ والفاجر، ولا يصبر على فتنة السراء إلا صدِّيقٌ، ولمَّا ابتلي الإمام أحمد بفتنة الضراء، صبر ولم يجزع، وقال: كانت زيادةً في إيماني، فلمَّا ابتلي بفتنة السراء - وهي شهرته وإقبال الناس عليه وتعظيمهم له - جزع وتمنَّى الموت صباحًا ومساءً، وخشي أن يكون نقصًا في دينه!» (١).
إنَّ من تأمَّل الواقع، أدرك عمق هذه الموعظة التي قالها عبد الرحمن بن عوفٍ ﵁: «ابتلينا بالضراء فصبرنا، وابتلينا بالسراء فلم نصبر»، فكم شاهد الناس أقوامًا كانوا أيام فقرهم وتوسُّط حالهم الماديَّة على قدرٍ جيدٍ من الديانة، ورعاية الحقوق، والصِّلة، فلمَّا فتحت عليهم الدُّنيا وبسطت لهم، تغيَّرت أحوالهم للأسوأ! ودخلوا في مضايق الأمور، ومقاطع الحقوق؛ فمنهم من سجن، ومنهم من هجرة الناس، ومنهم ... ومنهم!
فنسأل الله تعالى العفو والعافية في حال السراء والضراء، وأن يجعلنا ممَّن إذا ابتلي بالخير أو الشرِّ صبر.
• ومن مواعظ عبد الرحمن بن عوفٍ ﵁ قوله (٢):
«يا حبَّذا المال؛ أصون به عرضي، وأرضي به ربِّي!».
صدق ﵁، وهذا القول منه هو الفقه؛ فإنَّ الشرع لا يذمُّ جمع
стр. 73
المال لذات الجمع؛ وإنَّما يذمُّه إذا جمعه صاحبه ثم قصَّر في أداء حقوقه -كالزكاة والنفقة والصِّلة والصدقة - أو تسبَّب في تعلُّقه الزائد عن حدِّه بالدُّنيا.
وأمَّا ما سرى في أبجديَّات بعض الزهَّاد، من ذمِّ المال مطلقًا، فهو كلامٌ لا يجري على قواعد الشرع ولا أصوله.
والصحيح في مسألة جمع المال وعدمه أن يفصَّل فيها، فيقال:
إن كان جمعه لمجرَّد الجمع، مع التقصير في حقِّ الله وحقِّ عباده فيه، أو ألهى عن الواجبات الشرعيَّة، أو كان سببًا في رقَّة الديانة وضعفها، فهو مذمومٌ بلا شكٍّ، أمَّا إن جمعة الإنسان لغرضٍ صالحٍ، فأنفقه في سبيل الله، ودعم مشاريع الخير، وعرف الجامع حقَّ الله فيه، فأدَّى زكاته، وأدَّى حقوقه الأخرى، فهو ليس بمذمومٍ؛ وبهذا تجتمع الأحاديث والآثار الواردة في هذا الباب.
وعند التأمُّل في حياة الصحابة ﵃ وتعامل النبيِّ ﷺ معهم، يتَّضح ما ذكرناه بجلاءٍ، فمن الذي جهَّز جيش العسرة؟ ومن الذي حفر بئر رُومة؟ بل من الذي جهَّز النبيَّ ﷺ عندما أراد الهجرة؟ وكم نفع الله بأموال تجار الصحابة في قيام الدولة الإسلاميَّة! وكم نفع الله بأموال تجار المسلمين في هذا الزمان في قيام الدعوة، ودعم الجهاد وتجهيز المجاهدين في سبيل الله، وانتشار الخير في أنحاء العالم!
وممَّا يؤسف عليه أن بعض الناس يظنُّ أن من يسعى في جمع المال معدودٌ خارج دائرة الصالحين، بعيدٌ عن وصف الزهاد، مصنَّفٌ من أهل الدُّنيا بإطلاقٍ تصنيفًا بغيضًا!
وماذا أجدت هذه النظرة هؤلاء؟! إلا تأخُّرًا في مشاريع الخير،
стр. 74
وعنتًا ومشقَّةً عند السعي في إقامة أيِّ مشروعٍ خيريٍّ، وتسوُّلًا مهذَّبًا عند أبواب التجار، فاضطرَّ هذا النوع من الناس إلى العودة إلى هؤلاء الذين سلبنا عنهم وصف الزهد والرغبة في الآخرة! والحمد لله أنَّ هذا الأمر ليس عامًّا، ولا شائعًا؛ لكنَّه موجودٌ (١).
وقد أبدع الإمام ابن الجوزيِّ ﵀ في حديثه عن هذه المسألة في فصولٍ متفرِّقةٍ من كتابه الماتع «صيد الخاطر».
• ومن مواعظ عبد الرحمن بن عوفٍ ﵁ العمليَّة (٢):
أنَّه لمَّا أتي بطعامٍ، وكان صائمًا، فقال:
«قتل مصعب بن عميرٍ وهو خيرٌ منِّي، وكفِّن في بردةٍ إن غطِّي رأسه بدت رجلاه، وإن غطِّي رجلاه بدا رأسه، وأراه قال: وقتل حمزة وهو خير منِّي، ثمَّ بسط لنا من الدُّنيا ما بسط، أو قال: أُعطينا من الدُّنيا ما أُعطينا، وقد خشينا أن تكون حسناتنا عجِّلت لنا، ثمَّ جعل يبكي حتى ترك الطعام».
هكذا هي القلوب الحيَّة! لا تنسيها النعمة عبادة الشكر والذِّكر والتَّفُّكر في الحال والمآل.
إنَّ عبد الرحمن بن عوفٍ ﵁ يضرب بهذا الموقف درسًا عمليًا لأرباب المال، الذين أحيا الله قلوبهم، فلم تُنسهم بسطة الرزق شكر المنعم، ولا تذكُّر ما سلف وما هم مقبلون عليه.
стр. 75
تأمَّل قوله: «وقد خشينا أن تكون حسناتنا- وفي روايةٍ: طيِّباتنا- عجِّلت لنا»، يقول هذا وهو المبشَّر بالجنة! يقول هذا وهو الذي أنفق في سبيل الله ما أنفق! يقوله وهو لا يشكُّ في وعد الله ورسوله .. لكنَّ المؤمن ما دام نفسه يتردَّد، فهو يطير بجناحي الخوف والرجاء، حتى إذا اقتربت ساعة الرحيل، غلَّب جانب الرجاء بربِّه الذي وفَّقه للخير، وأمدَّه بالخير، وأنعم عليه وبسط في رزقه.
وفي هذه القصة: «فضل الزهد، وأنَّ الفاضل في الدِّين ينبغي له أن يمتنع من التوسُّع في الدُّنيا؛ لئلا تنقص حسناته، وإلى ذلك أشار عبد الرحمن بقوله: خشينا أن تكون حسناتنا قد عجِّلت لنا» (١).
وفي هذه القصة تواضع عبد الرحمن بن عوفٍ، حيث ذكر مصعب بن عميرٍ، وقال: إنَّه خيرٌ منِّي، مع أنَّ ابن عوفٍ ممَّن شهد له النبي ﷺ بالجنة!
إنَّهم الكبار حقًّا! إذا ازداد فضل الله على أحدهم، ازداد تواضعًا لربِّه، ألا ترى كيف دخل النبيُّ ﷺ يوم فتح مكة متواضعاً، منكِّسًا رأسه لله تعالى، معترفًا بفضله؟ وها هو تلميذه عبد الرحمن بن عوفٍ يكرِّر المعنى ذاته.
رضي الله عن عبد الرحمن بن عوفٍ، وجمعنا به في دار كرامته، ومع سادة أوليائه الذين أنعم عليهم من النبيِّين والصِّدِّيقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.
...
стр. 76
من مواعظ سعد بن أبي وقاص ﵁ -
سعدٌ ﵁، أبو إسحاق، أحد أكابر أصحاب محمدٍ ﷺ ، من العشرة المبشَّرين بالجنة، وأحد السابقين البدريِّين، فتح العراق، ومدائن كسرى، وأحد الستة الذين عيَّنهم الفاروق لشورى الخلافة، وأول من رمى بسهمٍ في سبيل الله، أسلم وهو ابن ١٧ سنةً، وشهد بدرًا والمشاهد، وقاد معركة القادسيَّة، كان مستجاب الدعوة، إنَّه سعد بن أبي وقَّاص - واسمه مالكٌ - بن وهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلابٍ الزُّهريُّ (١)، مات سنة خمسٍ وخمسين ﵁.
• ومن جملة المواعظ التي نقلت عنه (٢):
أنَّه ﵁ وقع بينه وبين خالد بن الوليد كلامٌ، يقع مثله بين الإخوة عادةً، فأراد رجلٌ أن يسبَّ خالد بن الوليد عند سعدٍ، فقال له سعدٌ -واعظًا بقوله وفعله-:
«مه! إنَّ ما بيننا، لم يبلغ ديننا»
الله أكبر! إنَّها نفوس الكبار، التي لا تسمح لأحدٍ أن يصطاد في
стр. 77
الماء العكر! ولا تسمح -أيضًا -بتضخيم الأخطاء، ولا ترضى بنقل الخصومة الشخصيَّة وجعلها خصومةً دينيَّةً.
إنَّها موعظةٌ في الصدق والتجرُّد، يطبِّقها أصحاب النفوس الكبيرة.
وهذا الموقف من سعدٍ ﵁ يذكِّرنا بموقفٍ مشابهٍ للإمام أحمد بن حنبلٍ ﵀، فقد كان أحد المحدِّثين يقع فيه (١)، فدخل عليه مرةً بعض طلبة الحديث، فقال: من أين أقبلتم؟ قلنا: من مجلس فلانٍ، فقال: اكتبوا عنه؛ فإنَّه شيخٌ صالحٌ، فقلنا: إنَّه يطعن عليك! فقال: «فأيُّ شيءٌ حيلتي؟! شيخٌ صالحٌ قد بُلِي بي» (٢)!
إنَّه نفس المبدأ؛ فالإمام أحمد -مثل سعدٍ ﵁ لا يرضى بنقل الخلاف الشخصيِّ وجعله خلافًا دينيًّا يوالي عليه ويعادي عليه، بل يجعل الاختلاف الذي مردُّه وجهة نظرٍ، أو ربَّما حسدٌ، أو غير ذلك من الأسباب، يجعله في خانةٍ، والاختلاف الذي سببه دينيٌّ وشرعيٌّ في خانةٍ أخرى.
وهذه المسألة -في الحقيقة -ممَّا تختلط فيها الأوراق عند بعض الفضلاء من المحسوبين على العلم والدعوة -فضلًا عمَّن سواهم -وهو فقدٌ لميزان الإنصاف والعدل، فما أعزَّ الإنصاف مع الخصوم ومع عموم من نختلف معهم والله المستعان!
• ومن مواعظه ﵁ ما أوصى به ابنه قائلًا (٣):
«يا بُنيَّ، إذا أردتَّ أن تصلِّي فأحسن الوضوء، وصلِّ صلاةً ترى أنَّك
стр. 78
لا تصلِّي بعدها أبدًا، وإيَّاك والطمع؛ فإنَّه فقرٌ حاضرٌ، وعليك بالإياس؛ فإنَّه الغنى، وإيَّاك وما يعتذر منه من القول والعمل، وافعل ما بدا لك».
لقد جمع سعدٌ في وصيَّته هذه أصولًا في العبادة والخلق.
أمَّا العبادة، فبوصيَّته بإحسان الوضوء، وإحسان الصلاة، وقد اختصر عليه سؤالًا يمكن أن يطرحه ابنه: كيف أحسن صلاتي؟ فيأتي الجواب: «وصلِّ صلاة ترى أنَّك لا تصلِّي بعدها أبدًا»!
سبحان الله! ماذا لو دخلنا صلواتنا بهذا الشعور التوديعيِّ؟! إذًا لتغيرت أحوالنا، ولصلحت أمورنا.
أمَّا الخُلُقُ، فقد أوصاه بوصيةٍ تتعلَّق بالجانب الخُلقيِّ، وهي الحذر من الطمع، وعلَّل ذلك بقوله: «فإنَّه فقرٌ حاضرٌ»! ثمَّ أتبعها بما يوضِّح معناها فقال: «وعليك بالإياس؛ فإنَّه الغنى».
وصدق ﵁، ومن تأمَّل ما وصف الله به المنافقين في سورة التوبة، أدرك هذا المعنى جيدًا، قال تعالى عن أولئك المنافقين: ﴿فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ [التوبة: ٥٨].
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «وهكذا كان حال من كان متعلِّقًا برئاسةٍ أو ثروةٍ ونحو ذلك من أهواء نفسه، إن حصل له رضي، وإن لم يحصل سخط، فهذا عبد ما يهواه من ذلك، وهو رقيقٌ له إذا لم يحصل.
والعبوديَّة في الحقيقة هي رقُّ القلب وعبوديَّته، فما استرقَّ القلب واستعبده، فهو عبده؛ ولهذا يقال: (الطمع فقرٌ، واليأس غنًى، وإنَّ أحدكم إذا يئس من شيءٍ، استغنى عنه)، وهذا أمرٌ يجده الإنسان من نفسه؛ فإنَّ الأمر الذي ييئس منه، لا يطلبه ولا يطمع به، ولا يبقى قلبه
стр. 79
فقيرًا إليه ولا إلى من يفعله، وأمَّا إذا طمع في أمرٍ من الأمور ورجاه، تعلَّق قلبه به، فصار فقيرًا إلى حصوله وإلى من يظنُّ أنَّه سببٌ في حصوله، وهذا في المال والجاه والصُّور وغير ذلك» (١).انتهى.
ثمَّ أوصى سعدٌ ابنه فقال: «وإيَّاك وما يعتذر منه من القول والعمل»، والمعنى: لا تتكلَّم بكلامٍ، أو تعمل عملًا يحوجك إلى الاعتذار، فالكلمة ما دامت لم تخرج من الفم، فأنت تملكها، فإن خرجت مَلَكَتْك، وكذلك الفعل.
ولا يعفي الإنسان أن يفعل فعلًا فيه إشكالٌ أو ريبةٌ، يحوجه إلى التوضيح والبيان؛ ولهذا قال ﷺ قولًا مُحكمًا، وقاعدةً من قواعد هذا الشرع: «فمن اتَّقى الشُّبهات، استبرأ لدينه وعرضه» (٢).
كم من إنسانٍ ألقى كلمةً أحوجته إلى ما كان يكره من الاعتذار والذلِّ للخلق!
ومن الأمثلة الواقعيَّة: أنَّ أحدهم ربَّما سمع كلامًا عن شخصٍ من الناس، فتحدَّث به في المجالس دون تثبُّتٍ! وأصبح يتكلَّم في المجالس: فلانٌ قال كذا، وفعل كذا! ثم تبيَّن له بعد مدَّةٍ أنَّ ما كان يقوله عن فلانٍ غير صحيحٍ! هنا سيضطرَّ إلى ما كان غنيًّا عنه، ولو كلَّف نفسه قليلًا عناء التثبُّت، لارتاح وأراح! لكنَّه وقع في أمرٍ لا يمكن تداركه، وما أحسن قول الأوَّل:
يموت الفتى من عثرةٍ بلسانه ... وليس يموت المرء من عثرة الرِّجل
فعثرته بالقول تودي برأسه ... وعثرته بالرِّجل تبرا على مهل (٣)
стр. 80
وكلَّما كان موقع الكلمة خطيرًا من جهة الزمان والمكان والحال، صار التَّوقِّي أكثر وأكبر؛ فلربَّما تكلَّم الإنسان بكلمةٍ كان فيها حتفه! ألا ما أجمل أن يسمع الابن من أبيه أمثال هذه المواعظ والوصايا!
إنَّ من المؤسف أنَّ بعض الأبناء لا يكاد يسمع من أبيه إلا اللوم والتقريع، دون أن يسمع أمثال هذه الكلمات الأبويَّة الحانية، التي تكون رصيدًا له في الحياة.
• ومن وصايا سعد بن أبي وقَّاصٍ ﵁ لابنه، وهي موعظةٌ بليغةٌ (١):
«إيَّاك والكبر، وليكن فيما تستعين به على تركه علمك بالذي منه كنت، والذي إليه تصير، وكيف الكبر مع النُّطفة التي منها خلقت، والرَّحم التي منها قذفت، والغذاء الذي به غذيت؟!».
إنَّ الكبر - كما هو معلومٌ - أول ذنبٍ عصي الله به، فإبليس لمَّا أمر بالسجود استكبر، ومن تأمَّل في السبب الجامع، وجده كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آَيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾ [غافر: ٥٦].
ولقد أحسن سعدٌ ﵁ حين بيَّن لابنه ما يدفع عنه آفه الكبر فقال: «وليكن فيما تستعين به على تركه علمك بالذي منه كنت، والذي إليه تصير، وكيف الكبر مع النُّطفة التي منها خلقت، والرَّحم التي منها قذفت، والغذاء الذي به غذيت؟!» أي: تذكَّر إن دعتك نفسك للكبر أوَّل خلقتك؛ فأنت وأفقر شخصٍ على وجه الأرض مادَّتكما واحدةٌ،
стр. 81
ومخرجكما واحدٌ، ومصيركما واحدٌ؛ إلى حفرةٍ في صدعٍ من الأرض! فعلام الكِبْرُ؟!
إن كان الكبر لحسن الصورة، فما أنت الذي صوَّرت نفسك! وإن كان لمالٍ، فلم ترزقك نفسك!
وإن كان لنسبٍ أو حسبٍ، فلم تخيَّر في اختيار نسبك وحسبك، بل هو محض اختيار الله! فعلام الكبر؟!
ولله درُّ القائل:
تواضع تكن كالنَّجم لاح لناظرٍ ... على صفحات الماء وهو رفيع
ولا تك كالدُّخان يعلو مكانه ... على طبقات الجوِّ وهو وضيع
وهذه مقتطفاتٌ من مواعظ الصحابيِّ الجليل سعد بن أبي وقَّاصٍ، فرضي الله عن سعدٍ، وجمعنا به في دار كرامته، ومع سادة أوليائه الذين أنعم عليهم من النبيِّين والصِّدِّيقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.
****
стр. 82
من مواعظ ابن مسعودٍ ﵁ -
(١/ ٤)
ذاك الإمام الكبير من أئمة الصحابة ﵃، أسلم قبل دخول رسول الله ﷺ دار الأرقم، وهاجر إلى الحبشة الهجرتين، وشهد بدرًا والمشاهد كلَّها، وكان صاحب سرِّ رسول الله ﷺ ووساده وسواكه ونعليه وطهوره في السفر، وكان يشبَّه بالنبيِّ ﷺ في هديه ودلِّه وسمته، وكان خفيف اللحم، قصيرًا، شديد الأُدمة، وكان من أجود الناس ثوبًا، ومن أطيب الناس ريحًا، وولي قضاء الكوفة، وبيت المال لعمر وصدرًا من خلافه عثمان ﵄، ثم صار إلى المدينة فمات بها سنة اثنتين وثلاثين، ودفن بالبقيع وهو ابن بضع وستِّين .. إنَّه عبد الله بن مسعودٍ، ويُكنَّى أبا عبد الرحمن، أمُّه أمُّ عبدٍ (١).
كان ابن مسعودٍ من أعلام الصحابة في العلم بكتاب الله وسنَّة رسوله ﷺ ، حتى إنَّه أقبل ذات يومٍ وعمر جالسٌ فقال: كنيفٌ مليء علمًا (٢)، أي: بيتٌ مليء علمًا.
ولقد كان ابن مسعود من المفوَّهين، وممَّن أوتي الحكمة والبلاغة في العبارة، حتى إنَّ القارئ لها ليشعر بأنوار النبوة، وجلالة العلم، وحلاوة الفقه فيها.
...
стр. 83
• ولعلَّ هذه المواعظ التي سنقتطف بعضها توضِّح هذه الحقيقة، ومن ذلك (١): «من كان يحبُّ أن يعلم أنَّه يحبُّ الله ، فليعرض نفسه على القرآن، فإن أحبَّ القرآن، فهو يحبُّ الله تعالى؛ فإنَّما القرآن كلام الله، فمن أحبَّ القرآن، فهو يحبُّ الله ».
إنَّه مقياسٌ ربَّانيُّ أصيلٌ، فأكثر الناس يدَّعي محبة الله، ولكنَّ الشأن في البرهان على هذه الدعوى، فهذا ابن مسعودٍ يعرض لنا ميزانًا لا تطيش كفَّته! فاعرض نفسك أيُّها المدَّعي لمحبة الله على كتابه العظيم، فبقدر موافقتك لما فيه، فنسبة حبِّك تعلو وترتفع، والعكس صحيحٌ. وفي التنزيل العزيز ميزانٌ آخر، يكشف حقيقة الدَّعوى، وهو قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: ٣١].
• ومن أقواله التي تدلُّ على عمق علمه ﵁ (٢): «من أراد العلم، فليثوِّر القرآن؛ فإنَّ فيه علم الأوَّلين والآخرين». وهذه الكلمة كلمة عالم خبيرٍ مجرِّبٍ، يوضِّحها قول التابعيِّ الجليل مسروق بن الأجدع: «ما نسأل أصحاب محمدٍ ﷺ من شيءٍ إلا علمه في القرآن، إلا أنَّ علمنا يقصر عنه» (٣). فأين طلبه العلم من هذه الكلمة العميقة من ابن مسعودٍ ﵁؟! يحزنك أن تجد تقصيرًا ظاهرًا من بعض طلاب العلم والدعاة في
стр. 84
تدبُّر القرآن، واستنباط معانيه وهداياته، فتجد الواحد منهم يذهب بعيدًا في قصصٍ وأخبارٍ ليقرِّر قضيةً معيَّنةً، ولو تدبَّر كتاب الله، لوجدها فيه.
وقد بلغني عن شيخنا العلامة محمد بن صالحٍ العثيمين ﵀ أنَّه قال: ما من حكمٍ في الشرع إلا ويجد الإنسان في القرآن حكمه إما صراحةً أو إشارةً، ولكنَّ هذا يحتاج إلى تأمُّلٍ وتدبُّرٍ، وهو يتَّفق مع ما قاله مسروقٌ ﵀.
• ومن مواعظه ﵁ قوله (١):
«ينبغي لقارئ القرآن أن يُعرف بلَيلِه إذا الناس نائمون، وبنهاره إذا الناس مفطرون، وببكائه إذا الناس يضحكون، وبورعه إذا الناس يخلطون، وبصمته إذا الناس يخوضون، وبخشوعه إذا الناس يختالون».
إنَّها وصيَّةٌ مختصرةٌ بليغةٌ، تحكي ما ينبغي أن يكون عليه صاحب القرآن من الهدي الحسن، والسَّمت الصالح، الذي هو ترجمةٌ عمليَّةٌ لأثر القرآن عليه، فإن خلا من ذلك، فما الفرق بينه وبين الذي لم يكرمه الله بحفظ القرآن في صدره؟!
إنَّ هذه الموعظة حلقةٌ في سلسلةٍ طويلةٍ من تربية السلف لأتباعهم على قضيةٍ كبرى كانت تشغلهم، ألا وهي قضية: العمل بالعلم، والخوف من اتِّصاف صاحب العلم بما عاب الله به اليهود الذين لا يعملون بعلمهم، كما قال سفيان بن عيينة ﵀: «من فسد من علمائنا، ففيه شبهٌ من اليهود، ومن فسد من عبَّادنا، ففيه شبهٌ من النَّصارى» (٢).
стр. 85
• ومن مواعظه ﵁ قوله (١):
«ما دمت في صلاةٍ فأنت تقرع باب الملك، ومن يقرع باب الملك يُفتح له».
ومن هو الملك الذي نقرع بابه في كلِّ صلاةٍ؟ إنَّه ربُّ العالمين، الذي بيده خزائن السموات والأرض!
إنَّه الله الذي بيده صلاح القلوب والأحوال!
لكنَّ الله تعالى - لحكمةٍ بالغةٍ - قد يؤخِّر إجابة دعوة الدَّاعي، فيحصل له من الخير في هذا التأخير ما لا يتأتَّى له لو قضيت حاجته بسرعةٍ! فيحصل له من الإخبات والإنابة، ولذَّة مناجاة خالقه، وغير ذلك من المصالح القلبيَّة ما لم يخطر له على بالٍ!
ومن أدمن القرع، يُوشك أن يُفتح له، لكن ما هي حقيقة هذا الفتح؟ أهي واجبة الدعاء فحسب؟ لا، ولكن قد يدفع الله عنه شرًّا أعظم، أو يدَّخر الله له ذخرها يوم القيامة، وأقلُّ المكاسب -وما هو بالقليل - أن يكتب الله لك أجرها، تجده أحوج ما تكون؛ إذا كانت الحسنة بالدُّنيا كلِّها، يوم يقرأ كلُّ عاملٍ ما قدَّم.
ومن أعظم الفتوح التي يعطاها الدَّاعي: أن يحبِّب الله له مناجاة ربِّه، والتلذُّذ بدعائه، والأنس بالقرب منه، فتلك التي لا يعادلها نعمةٌ، ولا فوقها مصيبةٌ حين يفقدها العبد بعد ما وجدها.
стр. 86
• ومن مواعظه في باب العلم قوله ﵁ (١):
«إذا أراد الله بعبدٍ خيرًا سدَّده، وجعل سؤاله عمَّا يعينه، وعلمه فيما ينفعه».
صدق ﵁؛ فإنَّ من علامة توفيق الله لعبده أن يسدِّده في أقواله وأفعاله، فليست العبرة بكثرة قوله وفعله، بل العبرة بالسَّداد، وهو الصواب، ولا يكون صوابًا إلا إذا كان خالصًا على السُّنَّة النبويَّة.
ومن علامات توفيق الله لطالب العلم: أن يوفَّق للسؤال عمَّا يعنيه وينفعه، ويُبعده عمَّا لا يعنيه؛ ولهذا كان بعض السلف يربِّي تلاميذه إذا سألوا أسئلةً لا عمل تحتها، فينهونهم، قال الإمام مالك ﵀: «ولا أحبُّ الكلام إلا فيما تحته عمل، فأمَّا الكلام في الدِّين وفي الله ، فالسكوت أحبُّ إليَّ؛ لأنِّي رأيت أهل بلدنا ينهون عن الكلام في الدِّين إلا ما تحته عملٌ» (٢).
وقال ابن وهبٍ - تلميذ مالكٍ - قال لي مالكٌ: «أدركت أهل هذه البلاد وإنَّهم ليكرهون هذا الإكثار الذي في الناس اليوم»، قال ابن وهبٍ: «يريد المسائل» (٣).
والمشاهد في واقع بعض طلاب العلم -خاصةً ممَّن هم في بواكير الطلب، وبداية التحصيل -من يُرهق نفسه بتتبُّع الغرائب، ويترك السؤال عن الأصول والقواعد والمهمَّات من العلم الذي يتعنَّاه، ويُكثر السؤال عمَّا لا يعينه، فيفوته خيرٌ كثيرٌ، بل ربَّما حُرِم الوصول، وتحرير الأصول، وهذا غلطٌ وخطأٌ في المنهج، وها هي وصيَّة ابن مسعودٍ ﵁
стр. 87
ماثلةً، وكلام السلف في هذا كثيرٌ جدًّا، ومن قرأ في كتاب الإمام الفقيه أبي عمر بن عبد البرِّ «جامع بيان العلم وفضله»، رأى عجبًا من أحوال السلف في هذا الباب، وأدرك سرًّا من أسرار بركة علمهم.
نسأل الله أن يرزقنا التأسِّي بهم قولًا وعملًا وسلوكًا.
***
стр. 88
من مواعظ ابن مسعودٍ ﵁ -
(٢/ ٤)
• ومن مواعظ هذا الصحابيِّ الجليل قوله ﵁ (١):
«عليكم بالعلم؛ فإنَّ أحدكم لا يدري متى يُفتقر إلى ما عنده، عليكم بالعلم قبل أن يُقبض، وقبضُه: ذهاب أهله».
حينا تستمع إلى هذه الوصيَّة من هذا الصحابيِّ الجليل الذي عمِّر بعد وفاة النبيِّ ﷺ وبعد وفاة وزيريه وخليفتيه: أبي بكرٍ وعمر، وهو الذي شعر بمرارة فقد معلِّم الناس الخير، وبلوعة فقد أعلم هذه الأمَّة بعد نبيِّها، وفي الوقت ذاته يستشعر معناها؛ لأنَّه عاش حتى احتاج الناس إلى علمه، بل قال يومًا عن نفسه -متحدِّثًا بفضل الله عليه -: «لقد قرأت على رسول الله ﷺ بضعًا وسبعين سورةً، ولقد علم أصحاب رسول الله ﷺ أنِّي أعلمهم بكتاب الله، ولو أعلم أَّن أحدًا أعلم منِّي، لرحلت إليه»، قال شقيقٌ: فجلست في حلق أصحاب محمدٍ ﷺ فما سمعت أحدًا يردُّ ذلك عليه، ولا يعيبه.
فإذا استشعرت هذا كلَّه، وقعت هذه الوصية من ابن مسعودٍ موقعها من نفسك.
стр. 89
هذه الوصية -بالعناية بالعلم حال الصِّغر- تلتقي تمامًا مع موقفٍ عمليٍّ وقع لابن عبَّاسٍ ﵄، يترجم فيه هذه الوصية؛ إذ يقول ﵄: لمَّا توفِّي رسول الله ﷺ قلت لرجلٍ من الأنصار: يا فلان، هلمَّ فلنسأل أصحاب النبيِّ ﷺ ؛ فإنَّهم اليوم كثيرٌ! فقال: واعجبًا لك يا بن عباسٍ! أترى الناس يحتاجون إليك، وفي الناس من أصحاب النبيِّ ﷺ من ترى؟ فتركت ذلك، وأقبلت على المسألة، فإن كان ليبلغني الحديث عن الرجل فآتيه وهو قائلٌ، فأتوسَّد ردائي على بابه، فتسفي الرِّيح على وجهي التراب، فيخرج فيراني، فيقول: يابن عمِّ رسول الله، ما جاء بك؟ ألا أرسلت إليَّ فآتيك؟ فأقول: لا، أنا أحقُّ أن آتيك، فأسأله عن الحديث، قال: فبقي الرجل حتى رآني وقد اجتمع الناس عليَّ، فقال «كان هذا الفتى أعقل منِّي» (١).
إنَّ هذا النموذج من الشباب المثبِّطين، أو الذين لا ينظرون لأبعاد الأمور - يفوِّتون على أنفسهم وعلى غيرهم فرص البناء والتحصيل العلميِّ، والسبب؟ وجود الأكابر في حياتهم! وأنَّ الناس لن يحتاجوا لهم في وجودهم! والسؤال الذي ينبغي أن يسأله هؤلاء أنفسهم: هؤلاء الأكابر، ألم يكونوا يومًا من الدهر صغارًا مثلكم؟! ثم صاروا كبارًا احتاج الناس إلى علمهم؟ فالله الله أيُّها الشباب، ضعوا القطن في آذانكم ولا تستمعوا لهذه المقولات التي لا تُنتج إلا جيلًا من الكُسالى، وفئامًا من الزَّمنى في علمهم وعملهم! وتأكَّدوا أنَّكم وإن كنت اليوم صغار قومٍ، فستكونون كبار قومٍ آخرين (٢)،
وسيحتاج الناس إلى علمكم
стр. 90
إن استمررتم في الطريق، ومن سار وصل، بعون الله وتوفيقه.
• ومن مواعظه ﵁ قوله (١):
«والله الذي لا إله غيره، ما يضر عبدًا يصبح على الإسلام ويمسي عليه ما أصابه من الدُّنيا».
الله أكبر! إنَّه الفرح بالهداية لهذا الدِّين الذي تهون عند فقده كلُّ مصيبةٍ! خاصةً إذا تذكَّر الإنسان أثر هذه الشهادة العظيمة (لا إله إلا الله) في الدُّنيا والآخرة، أمَّا في الدُّنيا، فأمرها ظاهرٌ، وأمَّا في الآخرة، فإنَّ من بديع العبارات السلفيَّة التي تبيِّن موقع هذه الكلمة قول ابن عيينة ﵀: «ما أنعم الله على العباد نعمةً أعظم من أن عرَّفهم (لا إله إلَّا الله)، وإنَّ (لا إله إلَّا الله) لهم في الآخرة كالماء في الدُّنيا» (٢).
ويوضِّح ذلك أكثر، قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [آل عمران: ٩١]، فهل تصوَّرت ماذا يعني أن يهديك الله لقول هذه الكلمة والعمل بمقتضاها؟ إنَّ هؤلاء الكفار لو
стр. 91
جاؤوا بسبيكةٍ ذهبيَّةٍ بحجم الكرة الأرضيَّة، لم تنفعهم ولم تنقذهم من العذاب! بينما لو جاؤوا بـ (لا إله إلا الله) لنفعتهم، فتبيَّن بهذا أنَّ هذه الكلمة التي ينطقها الطفل الصغير -من أطفالنا -خيرٌ من سبيكةٍ ذهبيةٍ بحجم الكرة الأرضية! بل أعظم!
ولهذا كان نبيُّنا ﷺ حريصًا أن يسمعها من عمِّه أبي طالبٍ، ولكن سبق القدر بموته على الكفر، ولله الحكمة البالغة، والمشيئة النافذة!
ألا ما أحوجنا -ونحن في عصرٍ كثرت فيه الشكوى من المنغِّصات -أن نستذكر هذه الموعظة من ابن مسعودٍ: «والله الذي لا إله غيره، ما يضرُّ عبدًا يصبح على الإسلام ويمسي عليه ما أصابه من الدُّنيا»، فالدُّنيا أمدها قصير، وعُمْر أحدنا فيها أقصر من أن نملأه بالمنغِّصات؛ ولهذا كان الإمام أحمد ﵀ يسلِّي نفسه بنحو هذا المعنى فيقول: «إذا ذكرت الموت، هان عليَّ كلُّ أمر الدُّنيا، إنما هو طعامٌ دون طعامٍ، ولباسٌ دون لباسٍ، وإنَّها أيامٌ قلائل!» (١).
• ومن مواعظ ابن مسعود ﵁ الزهديَّة (٢):
«الدُّنيا كلُّها غمومٌ، فما منها من سرورٍ، فهو ربحٌ».
ومنطلق ابن مسعودٍ في هذا عددٌ من الآيات القرآنيَّة؛ منها قوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد: ٤]، وقوله تعالى عن أهل الجنة -وهم يتحدَّثون بنعمة الله تعالى: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: ٣٤]، وغيرها من الآيات.
стр. 92
ولا ريب أنَّ استحضار هذا المعنى ممَّا يهوِّن على العبد ما يمرُّ به من مُنغِّصات ومكدِّراتٍ، وأن يعلم أنَّ هذه الدار كما قال الشاعر:
جبلت على كدرٍ وأنت تريدها ... صفوًا من الأقذاء والأكدار
ومكلِّف الأيَّام ضدَّ طباعها ... متطلِّبٌ في الماء جذوة نار
إنَّ فقه حقيقة الحياة لَمِن أعظم الأدوية وأنجعها في تخفيف وطأة الهموم التي عصفت بملايين القلوب، حين عاشوا الدُّنيا على غير حقيقتها، وطلبوا منها ما لم يجعله الله فيها.
والحقيقة أنَّ الدُّنيا منذ خلقها الله هي الدُّنيا! وإنما الفرق هو في كيفية التعامل معها؛ ولهذا تجد أخوين شقيقين، عاشا في بيئةٍ واحدةٍ، وظروفٍ متشابهةٍ جدًّا، لكنَّ أحدهما سعيدٌ والآخر شقيٌّ، ومن أهمِّ الأسباب طريقة التعامل، وكيفية النظر لهذه الحياة، فمن فقه حقيقتها استراح، ومن غابت عنه الحقيقة تعب وتعنَّى.
ولابن مسعودٍ كلمةٌ أخرى في هذا السياق تجلِّي فقهه لهذه الحياة، فيقول: «ما أحدٌ أصبح في الدُّنيا إلا وهو ضيفٌ، وماله عاريَّةٌ، والضيف مرتحلٌ، والعاريَّة مردودةٌ» (١).
ويقول -أيضًا -: «ليس للمؤمن راحةٌ دون لقاء الله، فمن كانت راحته في لقاء الله، فكأن قد» (٢).
ولِمَن لم يفقه حقيقة هذه الدُّنيا، أُهديه هذا الخبر الغريب، فقد ذكر ابن أبي الفيَّاض في (تاريخه) قال: أُخبرت أنَّه وُجد في تاريخ
стр. 93
عبد الرحمن الناصر - خليفة الأندلس الشهير - أنَّ أيام السرور التي صفت له عُدَّت، فكانت أربعة عشر يومًا! وقد ملك خمسين سنة ونصفًا (١)، فهل من معتبرٍ؟
...
стр. 94
من مواعظ ابن مسعودٍ - رضي الله عنه -
(٣/ ٤)
• ومن مواعظ هذا العلم الكبير من أعلام الصحابة قوله ﵁ (١):
«والذي لا إله إلا هو، ما على ظهر الأرض شيءٌ أحقُّ لطول سجنٍ من لسانٍ!».
هذا القسم من هذا الصحابيِّ الجليل، يدلُّ على فقهه لخطورة هذه الجارحة، ونصوص الشرع المطهَّر مشحونةٌ بالتحذير من ذلك.
وأنت إذا تأمَّلت كثيرًا من المشاكل الفرديَّة والجماعيَّة - بل أحيانًا بين بعض الدول - وجدتَّ مُنطلقها من كلمةٍ ألقاها صاحبها دون أن يقدِّر أثرها، الذي ربَّما صار أشدَّ من أثر النار في الهشيم!
وفي التاريخ عبرةٌ؛ تقوم حربٌ بين قبيلتين، أو تذهب نفسٌ بسبب كلمةٍ أو قصيدةٍ شعريَّةٍ!
وأشدُّ من ذلك كلِّه، ما قاله النبيُّ ﷺ : (إنَّ العبد ليتكلَّم بالكلمة، ما يتبيَّن ما فيها، يهوي بها في النَّار أبعد ما بين المشرق والمغرب) (٢).
بل كم من كلمةٍ جلبت لصاحبها الأذى الطويل، ولو سكت لكان خيرًا له! وما أجمل قول الأوَّل:
стр. 95
يموت الفتى من عثرةٍ بلسانه ... وليس يموت المرء من عثرة الرِّجل
فعثرته بالقول تودي برأسه ... وعثرته بالرِّجل تبرا على مهل
• وابن مسعودٍ ﵁ يكرِّر هذا المعنى في مواعظ أخرى له، فيقول لرجلٍ طلب وصيته (١):
«ليسعك ببتك، واكفف لسانك، وابك على ذكر خطيئتك».
وقال مرَّةً: «إيَّاكم وفضول القول، فبحسب المرء من الكلام ما بلغ من حاجته» (٢).
وهذه الجملة الأخيرة: «إيَّاكم وفضول القول» تأخذ معنًى أبعد في الوصية بحفظ اللِّسان عمَّا لا يعني؛ فإنَّ الترجمة تفيد أنَّ من اعتاد الكلام فيما لا يعني، قسا قلبه، ولم يأمن الزَّلَّة والخوض فيما يضرُّه.
وكلُّ هذا يدخل تحت تلك الجملة النبويَّة المحكمة: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت) (٣).
ولقد أحسن ابن السَّمَّاك الواعظ حين قال عن اللسان: «سبعك بين لحييك -يعني: اللسان -تأكل به كلَّ من مرَّ عليك، قد آذيت أهل الدُّور في الدُّور، حتى تعاطيت أهل القبور، فما ترثي لهم وقد جرى البلى عليهم! وأنت ها هنا تنبشهم، إنَّما نرى نبشهم أخذ الخرق عنهم، إذا ذكرت مساويهم فقد نبشتهم، إنَّه ينبغي لك أن يدلَّك على ترك القول في أخيك ثلاث خلالٍ: أمَّا واحدةٌ، فلعلَّك أن تذكره بأمرٍ هو فيك، فما
стр. 96
ظنُّك بربِّك إذا ذكرت أخاك بأمرٍ هو فيك؟ ولعلَّك تذكره بأمرٍ فيك أعظم منه، فذلك أشدُّ استحكامًا لمقته إيَّاك، ولعلَّك تذكره بأمر قد عافاك الله منه، فهذا جزاؤه إذ عافاك؟! أما سمعت: ارحم أخاك، وأحمد الذي عافاك؟! (١).
وبالجملة فشأن اللسان خطيرٌ، ومن أجل ذلك صنَّف العلماء كتبًا مستقلةً في الصمت وفي المنطق، وضمَّنوا كتبهم في الآداب الكلام الكثير عن هذا الموضوع، الذي يجب على كلِّ ناصحٍ لنفسه أن يراعيه ويرعاه.
* ومن مواعظه ﵁ (٢):
«كفى بخشية الله علمًا، وكفى بالاغترار جهلًا!».
وصدق ﵁، وهو بهذا ينطلق مباشرةً إلى ثمرة العلم، وهي الخشية، بدلًا من الدخول في تعريفها، وهكذا كان شأن السلف؛ قليلو التكلُّف، عميقو العبارات في إيصال المعاني.
ومصداق قوله ﵁ قول الحقِّ تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ [فاطر: ٢٨]، فإذا وُجدت الخشية، فقد وُجدت ثمرة العلم، وإن لم يكن الإنسان عالمًا، وإذا ذهبت أو قلَّت الخشية، فقد ذهبت بركة العلم وثمرته الكبرى، وإلا فما فائدة العلم إذا لم يورث خشيةً تمنع من الوقوع في المحذور، وتدلُّ على فعل ما ينبغي؟ ولهذا قال ابن مسعودٍ: «وكفى بالاغترار جهلًا»؛ ذلك أنَّ بعض الناس -ممَّن أُوتي حظًا من العلم -قد يقع في أنواعٍ من التأويلات والتَّكلُّفات، فيتوسَّعون في بعض
стр. 97
المسائل، أو يسوِّغون لأنفسهم الوقوع في المشتبهات؛ حتى يقودهم ذلك إلى مهيع المحرَّمات، فتذبل شجرة الخشية في قلوبهم، ويقع الاغترار بسعة العفو، وسبق الرحمة، ثم لا يدري إلا وقد عصى أو قارب، فيجد في قلبه قسوةً! ويعاد السؤال مرةً أخرى: ما قيمة العلم هنا إذا لم يحمل على الخشي والورع؟!
• ومن مواعظه ﵁ قوله (١):
«لو سخرت من كلبٍ، خشيت أن أحوَّل كلبًا!».
هذا أثرٌ من آثار العلم الذي امتلأ به صدر ابن مسعودٍ ﵁؛ ذلك أنَّ السخرية ليست من خصال أهل الإيمان الذين ناداهم الله تعالى بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا﴾ [الحجرات: ١١]، بل يمتدُّ هذا إلى كفِّ ألسنتهم عن السخرية بغير المكَّلفين؛ إذ الخالق للكلِّ هو الله تعالى، ولو شاء الله لكان الإنسان مثل من سخر به!
وهذا المعنى تواردت عليه كلمات السلف ﵏ فهذا إبراهيم النَّخعيُّ يقول: «إنِّي لأرى الشيء أكرهه، فما يمنعني أن أتكلَّم فيه إلا مخافة أن أُبتلى بمثله» (٢).
وقال أبو ميسرة: «لو رأيت رجلًا يرضع عنزًا فسخرت منه، خشيت أن أكون مثله» (٣).
стр. 98
وقال ابن سيرين: «عيَّرت رجلًا، وقلت: يا مفلس! فأفلست بعد أربعين سنةً!» (١).
وعن الحسن قال: «كانوا يقولون: من رمى أخاه بذنبٍ قد تاب منه، لم يمت حتى يبتليه الله به» (٢).
فإذا كانت هذه حالهم في الحذر من السخرية بالحيوانات، أفتراهم يطلقون ألسنتهم بالسخرية ببني آدم؟!
شرُّ الورى من بعيب النَّاس مشتغلًا ... مثل الذُّباب يُراعي موضع العلل
وإذا كان هذا المعنى محرَّمًا في عموم الناس، فهو في حقِّ العلماء أشدُّ وأقبح، وإذا كان من أجل علمهم ودينهم الذي عرفوا به، فالمسألة أخطر، ولله درُّ الإمام مالكٍ الذي قال: «أدركت بهذه البلدة -يعني: المدينة -أقوامًا لم تكن لهم عيوبٌ، فعابوا الناس فصارت لهم عيوبٌ، وأدركت بها أقوامًا كانت لهم عيوبٌ، فسكتوا عن عيوب الناس فنسيت عيوبهم» (٣).
لا تهتكن من مساوي النَّاس ما سترا ... فيهتك الله سترًا عن مساويكا
واذكر محاسن ما فيهم إذا ذكروا ... ولا تعب أحدًا منهم بما فيكا
• ومن مواعظه قوله ﵁:
«إنَّكم في ممرِّ الليل والنهار في آجالٍ منتقصة، وأعمالٍ محفوظة، والموت يأتي بغتةً، فمن يزرع خيرًا يوشك أن يحصد رغبةً، ومن زرع شرًّا
стр. 99
فيوشك أن يحصد ندامةً، ولكلِّ زارع مثل الذي زرع، لا يسبق بطاءٌ بحظِّه، ولا يدرك حريصٌ ما لم يقدَّر له، فمن أعطي خيرًا فالله أعطاه، ومن وقي شرًا فالله وقاه، المتقون سادة، والفقهاء قادة، ومجالسهم زيادة» (١).
ولعلَّ في وضوح هذه الموعظة - مع ما سبقت الإشارة إليه - ما يغني عن التعليق عليها.
هذه نبذٌ من مواعظ الصحابيِّ الجليل عبد الله بن مسعودٍ ﵁ ...
ومازال في مواعظه الكثير مَّما يستحُّق الوقوف معه، نتدارس بعضها في المواعظ التالية.
...
стр. 100
من مواعظ ابن مسعودٍ ﵁ -
(٤/ ٤)
* سنختم في هذا الجزء ما تيسَّر من مواعظ هذا الصحابيِّ الجليل، العالم الإمام والتي منها قوله ﵁ (١):
* «إنَّ المؤمن يرى ذنوبه كأنَّه قاعدٌ تحت جبلٍ يخاف أن يقع عليه، وإنَّ الفاجر يرى ذنوبه كذبابٍ مرَّ على أنفه، فقال به هكذا!»، قال أبو شهابٍ بيده فوق أنفه.
ما أروع هذا التَّشبيه الذي يحكي حال المؤمن مع الذنب، وخوفه وشفقته من أثره! ويحكي حال الفاجر والمنافق، الذي لا يبالي في أيِّ أودية المعاصي نزل، ولا أيَّ ذنبٍ اقترف، والعياذ بالله!
وهذا الشعور إذا ساور الإنسان، فهو - بلا ريبٍ - علامة إيمانٍ وخوفٍ؛ إذ ليس من شرط الإيمان ولا والولاية في الدِّين العصمة من الذنب صغيرًا أم كبيرًا، بل الشرط عدم الإصرار على الذنب، قال تعالى في صفة أهل الجنة التي عرضها السموات والأرض: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ*أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٥، ١٣٦].
стр. 101
فتأمَّل كيف لم ينف عنهم الوقوع في الفواحش، فضلًا عن غيرها من الذنوب؛ وإنَّما نفى عنهم الإصرار؛ لأَّن لسع الذنب مستمرُّ على القلب، فلا يرتاح إلا إذا أقلع وأناب.
وإنَّ من الأمثلة المدهشة في هذا المعنى: قصة المرأة الغامديَّة التي زنت، وأصرَّت على إقامة الحدِّ، مع أنَّ لها ولدًا من الزنى، إلا أنَّ حرارة الذنب استمرَّت معها قرابة ثلاث سنواتٍ، وهي تتردَّد على النبيِّ ﷺ من أجل الرغبة في التطهير، مع أنَّها لو استترت بستر الله، وتابت فيما بينها وبين الله لم يطالبها أحدٌ .. لكنَّه القلب الحيُّ، الذي استعظم ذنبه وخطيئته، فلم يرض إلا بتطهيرٍ يريح ضميره الذي ما زال يؤنِّبه، فأقيم عليها الحدُّ، فشهد لها النبيُّ ﷺ أنَّها (تابت توبةً لو تابها صاحب مكسٍ، لغفر له)، بل قال -كما في الرواية الأخرى لمَّا استغرب الفاروق ﵁ صلاة النبيِّ ﷺ عليها: (لقد تابت توبةً لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة، لوسعتهم؛ وهل وجدتَّ توبةً أفضل من أن جادت بنفسها لله تعالى؟) (١).
لقد كان السلف كثيري التذكير بهذا المعنى؛ لعلمهم بأنَّ الإنسان إذا تساهل بالصغيرة، فلا يبعد أن يتساهل بما هو أعظم، استنادًا إلى جملةٍ من الأحاديث الواردة في هذا الباب.
ويشبه قول ابن مسعودٍ هذا قول أنسٍ ﵁: «إنَّكم لتعملون أعمالًا هي أدقُّ في أعينكم من الشَّعر، إن كنَّا لنعدُّها على عهد النبيِّ ﷺ من الموبقات»، قال البخاريُّ: (يعني بذلك: المهلكات)» (٢).
وقد بوَّب البخاريُّ على هذا الأثر بقوله: «باب ما يتَّقى من محقَّرات الذُّنوب»؛ يشير بذلك إلى ما رُوي من الأحاديث المرفوعة في
стр. 102
هذا الباب؛ كحديث عائشة ﵂ قالت: قال لي رسول الله ﷺ (يا عائش، إيَّاك ومحقَّرات الذُّنوب؛ فإنَّ لها من الله طالبًا) (١)، وكحديث سهل بن سعدٍ عند الإمام أحمد -وحسنَّه ابن حجرٍ (٢) -: أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (إيَّاكم ومحقَّرات الذُّنوب؛ فإنَّما مثل محقَّرات الذُّنوب كقوم نزلوا في بطن وادٍ، فجاء ذا بعودٍ، وجاء ذا بعودٍ حتَّى أنضجوا خبزتهم، وإنَّ محقَّرات الذُّنوب متى يؤخذ بها صاحبها تهلكه) (٣).
قال بلال بن سعدٍ ﵀: «لا تنظر إلى صغر الخطيئة، ولكن انظر إلى عظمة من عصيت» (٤).
وكان الإمام أحمد ﵀ مرةً يمشي في الوحل ويتوقَّى، فغاصت رجله فخاض، وقال لأصحابه: هكذا العبد لا يزال يتوقَّى الذنوب، فإذا واقعها خاضها (٥).
والمقصود من هذا أن يحرص كلُّ واحدٍ منَّا ألَّا تخبو في قلبه جذوة المرارة من الذنب عند الوقوع فيه، فإن شعر أنَّه يذنب ولا يتألَّم، ولا يضيق صدره، فليتفقَّد قلبه قبل أن يموت موتًا لا يحيا بعده.
...
• ومن مواعظه ﵁ قوله (٦):
«إنَّ الناس قد أحسنوا القول، فمن وافق قوله فعله، فذاك الذي أصاب
стр. 103
حظَّه، ومن لا يوافق قوله فعله، فذاك الذي يوبِّخ نفسه».
قال بعض السلف: أسكتتني كلمة عبد الله بن مسعودٍ عشرين سنةً؛ حيث يقول: من كان كلامه لا يوافق فعله، فإنَّما يوبِّخ نفسه (١).
ما أبلغ هذه الموعظة! وما أشدَّ حاجتنا لتأمُّلها! فإنَّ النفس قد تتوق كثيرًا للمعرفة والتعلُّم، ولكنَّها قد تفرِّط أو تقصِّر في ترجمة هذا العلم، وهذا في حقيقته توبيخٌ للنفس كما قال ابن مسعودٍ.
وكلام السلف في ذا المعنى كثيرٌ وطويلٌ، ولأجله صنَّف بعض العلماء كتبًا مستقلةً، كما صنع الخطيب البغداديُّ ﵀ في كتابه الماتع: «اقتضاء العلم العمل».
قال الإمام مالكٌ ﵀: بلغني عن القاسم بن محمدٍ قال: «أدركت الناس وما يعجبهم القول؛ إنَّما يعجبهم العمل» (٢).
إذا العلم لم تعمل به كان حجَّةً ... عليك ولم تعذر بما أنت جاهله
فإن كنت قد أوتيت علمًا فإنَّما ... يصدِّق قول المرء ما هو فاعله
ومن أخوف الأحاديث على المؤمن الذي لا يعمل بعلمه، وإنَّما حظُّه من ذلك العلم فحسب، والرِّياء والتَّكثُّر به: حديث الثلاثة الذين هم أوَّل من تسعَّر بهم النار، وفي رواية الترمذيِّ وغيره لهذا الحديث قصةٌ مؤثِّرةٌ، وهي أنَّ شفيًّا الأصبحيَّ قال لأبي هريرة ﵁: أسألك بحقٍّ وبحقٍّ (٣) لما حدَّثتني حديثًا سمعته من رسول الله ﷺ عقلته وعلمته، فقال أبو هريرة: أفعل، لأحدِّثنَّك حديثًا حدَّثنيه رسول الله ﷺ عقلته وعلمته،
стр. 104
ثمَّ نشغ أبو هريرة نشغةً -أي: شهق شهقة -فمكثنا قليلًا ثم أفاق، فقال: لأحدِّثنَّك حديثًا حدَّثنيه رسول الله ﷺ في هذا البيت، ما معنا أحدٌ غيري وغيره، ثم نشغ أبو هريرة نشغةً شديدةً، ثم أفاق فمسح وجهه فقال: أفعل، لأحدِّثنَّك حديثًا حدَّثنيه رسول الله ﷺ وأنا وهو في هذا البيت ما معنا أحدٌ غيري وغيره، ثم نشغ ... أبو هريرة نشغةً شديدةً، ثم مال خارًّا على وجهه، فأسندتُّه عليَّ طويلًا، ثم أفاق فقال: حدَّثني رسول الله ﷺ : «أنَّ الله ﵎ -إذا كان يوم القيامة ينزل إلى العباد ليقضي بينهم، وكلُّ أمَّةٍ جاثيةٌ، فأوَّل من يدعو به رجلٌ جمع القرآن، ورجلٌ قُتِل في سبيل الله، ورجلٌ كثير المال، فيقول الله للقارئ ..» فذكر الحديث (١).
فنسأل الله تعالى أن يرزقنا العلم النافع، والعمل الصالح، وأن يعيذنا من فتنة القول والعمل.
ولنختم بجملةٍ من الأدعية المأثورة عن ابن مسعودٍ ﵁:
- «اللَّهمَّ إنِّي أعوذ بك من غنًى يُطغي، أو فقرٍ يُنسي، أو هوًى يُردي، أو عملٍ يُخزي» (٢).
- «اللَّهمَّ إنِّي أسألك بنعمتك السَّابغة الَّتي أنعمت عليَّ، وبلائك الَّذي أبليتني، وفضلك العظيم الَّذي أفضلت عليَّ: أن تدخلني الجنَّة، اللَّهمَّ أدخلني الجنَّة بمنِّك وفضلك ورحمتك!» (٣).
- «اللَّهمَّ زدنا إيمانًا ويقينًا وفقهًا» (٤). هذه نبذٌ من مواعظ الصحابيِّ الجليل عبد الله بن مسعودٍ ﵁،
стр. 105
- وبقي منها الكثير، لكن ليس الغرض الاستيعاب، بل التنبيه والإشارة، فرضي الله عن ابن مسعودٍ، ونفعنا بمواعظه، وجمعنا به في دار كرامته سبحانه بمنِّه وفضله وكرمه.
****
стр. 106
من مواعظ أبي موسى الأشعريِّ ﵁ -
أبو موسى الأشعريُّ ﵁، وإن شئت فقل: عبد الله بن قيس بن سليمٍ، من بني الأشعر، من قحطان: صحابيُّ من الشُّجعان، ولد في زبيد (باليمن).
إمامٌ من أئمَّة الصحابة ﵃، قدم مكَّة عند ظهور الإسلام فأسلم، هاجر الهجرتين -الحبشة والمدينة -كان خفيف الجسم، قصيرًا، وهو أحد عمَّال النبيِّ ﷺ ، كان أحد علماء الصحابة وفقهائهم، بعثه النبيُّ ﷺ مع معاذ بن جبلٍ إلى اليمن، كان قد أعطي مزمارًا من مزامير آل داود من حسن صوته، وكان أحد الولاة الفاتحين، وأحد الحكمين اللذين رضي بهما عليُّ ومعاوية بعد حرب صفِّين للتحكيم، سئل عليٌّ ﵁ عن موضع أبي موسى من العلم؟ فقال: صُبغ في العلم صبغةً.
توفِّي سنة (٥٢هـ)، ودفن بمكة، وقيل: (٤٤هـ)، ودفن قريبًا من الكوفة على ميلين (١).
كان أبو موسى علمًا من أعلام مدرسة محمدٍ ﷺ ، وتلميذًا نجيبًا فيها، أدرك علمًا غزيرًا، ظهر أثره في حياته العمليَّة، وثقة أكابر الصحابة
стр. 107
فيه، وكثرة ما روى عن النبيِّ ﷺ ، ولعلَّ مواعظة -التي سنشير إلى شيءٍ منها -توضح هذه الحقيقة، فمن ذلك:
• ما روى البيهقيُّ في الشُّعب (١) من طريق موسى بن إسحاق الطَّلحيِّ، قال:
اجتهد الأشعريُّ قبل موته اجتهادًا شديدًا، فقيل له: لو أمسكت ورفقت بنفسك بعض الرِّفق! قال: «إنَّ الخيل إذا أرسلت فقاربت رأس مجراها، أخرجت جميع ما عندها، والذي بقي من أجلي أقلُّ من ذلك».
قال: فلم يزل على ذلك حتى مات.
يا لها من موعظةٍ عمليَّةٍ من أبي موسى ﵁! قرنها بموعظةٍ قوليَّةٍ؛ فاجتمع فيها القول والعمل، وهذا غاية ما يكون من التأثير في المواعظ التي تُنقل عن العلماء.
لقد كان أبو موسى من علماء الصحابة - كما أسلفت - وكان على قدرٍ كبيرٍ من العمل، لكنَّه لمَّا تقدَّمت به السنُّ، وأحسَّ بدنوِّ الأجل، رأى أنَّ خير عُدَّةٍ للقاء الله هي الاجتهاد في العمل، فلمَّا عُوتب في هذا، وطلبوا منه أن يرفق بنفسه، أجابهم بهذه الكلمة الحكيمة: «إنَّ الخيل إذا أُرسلت فقاربت رأس مجراها، أخرجت جميع ما عندها، والذي بقي من أجلي أقلُّ من ذلك».
وإذا كان المطلوب من المؤمنين عمومًا الاجتهاد في العمل -لأنَّ الإنسان لا يدري متى يفجؤه الأجل -فإنَّه متعيِّنٌ ومتأكِّدٌ في حقِّ من تقدَّمت بهم السنُّ، واقتربوا من الآخرة، فماذا ينتظر من جاوز الستِّين؟ فضلًا عمَّن جاز السبعين والثمانين! بل قال بعض السلف -وهو عبد الله بن
стр. 108
داود الخُريبيُّ -يحكي حال من قبله: كان أحدهم إذا بلغ أربعين سنةً طوى فراشه، وكان بعضهم يحيي الليل، فإذا نظر إلى الفجر قال: «عند الصباح يحمد القوم السُّرى» (١).
يقول أنس بن مالكٍ ﵁: كنَّا مع أبي موسى في مسيرٍ له، فسمع الناس يتحدَّثون، فسمع فصاحةً فقال: «ما لي يا أنس؟ هلمَّ فلنذكر ربَّنا، فإنَّ هؤلاء يكاد أحدهم أن يفري الأديم (٢) بلسانه»! ثمَّ قال لي: «يا أنس، ما أبطأ بالناس عن الآخرة، وما ثبرهم (٣) عنها؟»، قال: قلت: الشهوات والشيطان، قال: «لا والله، ولكن عجِّلت لهم الدُّنيا، وأخِّرت الآخرة، ولو عاينوا، ما عدلوا وما ميَّلوا» (٤).
وهذا المعاني التي أشار لها أبو موسى وعبد الله بن داود الخُريبيُّ، منتزعةٌ من جملةٍ من النصوص، لعلَّ من أشهرها قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ ... [الأحقاف: ١٥]، فالموفَّق من التفت إلى آخرته ما دام في نفسه بقيَّةٌ، خاصةً إذا كان ممَّن جاز
стр. 109
الأربعين، فليس بعد بلوغ الأشدِّ إلا بداية الضَّعف، وما أقرب الوداع!
• ومن مواعظه ﵁:
ما رواه قسامة بن زهيرٍ، قال (١): خطبنا أبو موسى ﵁ بالبصرة فقال: «يا أيُّها الناس، أبكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا؛ فإنَّ أهل النار يبكون الدموع حتى تنقطع، ثم يبكون الدماء؛ حتى لو أرسلت فيها السُّفن لجرت».
البكاء من خشية الله دأب الصالحين، وهدي أولياء الله المفلحين، ومن تأمَّل ما ذكره الله تعالى في كتابه، وجد ما ينكِّس الرأس، ويطأطئ الهامة؛ خجلًا من بعده عن تلك المراتب التي جاءت عن أولئك الصفوة المباركة! كمثل قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آَدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾ [الإسراء: ١٠٧ - ١٠٩]. قال عبد الأعلى التَّيميُّ ﵀: إنَّ من أوتي من العلم ما لم يبكه لخليقٌ ألاَّ يكون أوتى علمًا ينفعه! لأنَّ الله نعت العلماء فقال: ﴿إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ﴾ الآيتين (٢). ولمَّا قرأ ابن مسعودٍ على النبيِّ ﷺ صدر سورة النساء، قال
стр. 110
ابن مسعودٍ: فقرأت عليه سورة النساء، حتى بلغت: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١]، قال: (أمسك)، فإذا عيناه تذرفان! (١).
ومن السبعة الذين يظلُّهم الله في ظلِّه، يوم لا ظلَّ إلا ظلُّه: «ورجلٌ ذكر الله خاليًا، ففاضت عيناه» (٢).
وهكذا تأتي موعظة أبي موسى ﵁ متَّفقةً مع هذا الهدي النبويِّ، بل مع هدي الأنبياء جميعًا، حيث قال: «ابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا»؛ أي: حاولوا أن تدرِّبوا نفوسكم على هذا، بأن «يحضر قلبه الحزن، فمن الحزن ينشأ البكاء .. ووجه إحضار الحزن: أن يتأمَّل ما في كتاب الله من التهديد والوعيد، والمواثيق والعهود، ثم يتأمَّل تقصيره في أوامره وزواجره؛ فيحزن لا محالة ويبكي، فإن لم يحضر حزنٌ وبكاءٌ كما يحضر أرباب القلوب الصافية، فليبك على فقد الحزن والبكاء؛ فإنَّ ذلك أعظم المصائب!» (٣).
والذي يُرجى ويؤمَّل من فضل الله ورحمته، أنَّ من بكى في هذه الدار خوفًا من الله وعذابه، أنَّ الله لا يجمع عليه البكاءين.
• ومن مواعظه ﵁ قوله (٤):
«إنَّما أهلك من كان قبلكم هذا الدِّينار والدِّرهم، وهما مهلكاكم». هذه الموعظة من أبي موسى قبسٌ من آثار النبوة ... فالتنافس على