«.. فلا جهاد ولا صدقة، فلِمَ تدخُلُ الجنة إذًا؟!»
الموت قدرٌ محتوم على كل مخلوق، والشهادة أسمى صور الموت يصطفي الله لها مَن يشاء، والمؤمن مأمور على كل حال بالاستعداد للموت، فمَن كانت أمنيته الشهادة كان أولى بالاستعداد، وأحرى بالتطلع لاصطفاء الله له.
ولقد صدقَت فراسة كثيرين في إخوان لهم، توقَّعوا لهم الشهادة لمظاهرَ من سمتِ الصلاح بدَت عليهم، فقيل فيهم بالتوقيع ما قيل في طلحة بالوحي الصادق: «شهيدٌ يمشي على وجه الأرض»، وفي رواية: «هذا ممن قضى نحبه» (١)، فكيف نستعدُّ للشهادة ونتهيَّأ لها لنكون من أهلها حقًّا؟ لعل الله يرزقنا الشهادة في صورة من صورها.
أول العُدَّة للشهادة: التوبة الصادقة، وقد ورد في الحديث: «يضحك الله إلى رجلينِ يقتل أحدهما الآخر يدخلان الجنة؛ يقاتل هذا في سبيل الله فيُقتَل، ثم يتوب الله على القاتل فيُستشهد» (٢)، فليس غريبًا أن ينال الشهادةَ مَن كان له ماضٍ جاهلي تاب منه، وقد رؤيت نماذج معاصرة من صدق جهادِ حديثِي الهداية، وقد ذهب بعض
стр. 38
الصحابة إلى غزوة أُحُدٍ بعد ليلة من شرب الخمر: (اصطبح ناس الخمر يوم أحد ثم قُتِلوا شهداء) (١) - وذلك قبل تحريم الخمر - وحتى الذين شرِبوها بعد تحريمها في قرون الخير، فإنها لم تكن تمنعهم من البحث عن الشهادة لعلها تُكفِّر عنهم ما بدر منهم.
ولابد في الاستعداد للموتِ في سبيل الله أن يستتبع التوبة إصلاح العمل، وقد كان ابن عمر يقول: (إذا أمسيتَ فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحتَ فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك) (٢)، يقول ابن حجر في شرح الحديث: (أي اعمَل ما تلقى نفعه بعد موتك، وبادِر أيام صحتك بالعمل الصالح، فإن المرض قد يطرأ فيمنع من العمل، فيُخشى على مَن فرط في ذلك أن يصل إلى المعاد بغير زاد) (٣).
كما جاء في تعليل النهي عن تمني الموت، قوله ﷺ : «لا يتمنى أحدكم الموت إما محسنًا فلعله يزداد، وإما مسيئًا فلعله يستعتب» (٤)، (وقوله: يستعتب أي يسترضي الله بالإقلاع والاستغفار، والاستعتاب طلب الإعتاب، والهمزة للإزالة؛ أي: يطلب إزالة العتاب) (٥)، وفي بيان
стр. 39
توفيق الله للعبد إلى حسن الخاتمة يقول رسول الله ﷺ : «إذا أراد الله بعبد خيرًا استعمله، قالوا: وكيف يستعملُه؟ قال: يُوفِّقه لعمل صالح قبل موته» (١)، وإن الإكثار من ذكر الموت والحساب ليُجدِّدُ الدافع لإصلاح العمل، ولعل الله يستعملنا في طاعته، ويُحسِن خاتمتنا.
لا يثبت لامرئٍ صدقُ سعيِه للشهادة بغير التضحية؛ لأن الجهاد يكون بالنفس والمال، وكلاهما يحتاج إلى جود وتضحية، فمَن لم يعُدَّ نفسه ليُقدِم ويعطي فكيف يحلم بالجنة؟! وَرَد عن بشير بن الخصاصية أنه جاء لمبايعة النبي ﷺ ، فأراد أن يستعفي من الالتزام بشرطين من شروط البيعة، فقال: (أما اثنتان، فوالله ما أُطِيقهما: الجهاد والصدقة، فإنهم زعموا أنه مَن ولى الدبر فقد باء بغضب من الله، فأخاف إن حضرت تلك جشعت نفسي، وكرهت الموت، والصدقة؛ فوالله ما لي إلا غنيمة وعشر ذود هن رسل أهلي وحمولتهم)، فعلَّل خوفه من الجهاد بالخوف من وقوعه في كبيرة الفرار، وعلَّل خوفه من الصدقة بقلة ما يملكه، فقبض رسول الله ﷺ يده، ثم حركها وقال: «فلا جهاد ولا صدقة، فلم تدخل الجنة إذًا؟!» يقول الصحابي: (فبايعتُ عليهن كلهن) (٢)، فالمسألة جد ولا تحتمل المساومة ولا التنازل.
стр. 40
ولا تضحية بغير جرأة، ولذلك عد من الشهداء مَن قتل دون دمه، أو عرضه، أو ماله كما في الحديث: «مَن قتل دون ماله فهو شهيد» (١) لتبقى روح رفض الظلم ومقاومته حية في النفوس، فإن لم يرزق صاحبها الشهادة لم يفته أجرها - بإذن الله -.
ثم كيف تحمل اسم المجاهد بغير بذل الجهد؟! إذ إن الجهاز بذل أكبر الطاقة وأقصى الجهد، وغاية الوسع في نصرة الإسلام، ويمثل هذا المعنى حديث ابن ماجه: «خير معايش الناس لهم: رجل ممسك بعنان فرسه في سبيل الله، ويطير على متنِه، كلما سمع هَيْعَة أو فزعة طار عليه إليها، يبتغي الموت أو القتل مظانه ..» (٢).
وصورة أخرى للمجاهد الجاد في طلب الشهادة من غزوة خيبر؛ حيث قتل عامر بن الأكوع - خطأ - بارتداد سيفه على ركبته، فقال بعض الصحابة: (حبِط عمله) - لظنِّهم أنه قتل نفسه - فذهب أخوه سلمة بن الأكوع يسأل رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : «إن له لأجرين - وجمع بين أصبعيه - إنه لجاهدٌ مجاهد، قلَّ عربي مشي بها مثله» (٣)، (قال ابن دريد: رجل جاهدٌ؛ أي: جادٌّ في أموره، وقال ابن التين: الجاهد مَن يرتكب المشقة) (٤)، وكانت شهادةً من رسول الله ﷺ على نيلِه أجرَ القتل
стр. 41
في سبيل الله، وأجر الجد والنشاط فيه رغم المشقة، وهذا شأن المتحفِّزين للشهادة.
وصورة من غزوة أحد لأنس بن النضر الذي لم يُكتَب له حضور غزوة بدر، فعاهد ربه أن يعوض ما فاته: (لئن أشهدني الله مع النبي ﷺ ليرين الله ما أجد)، وحضر غزوة أحد وتقدم بسيفه لما رأى الناس ينهزمون وقال لسعد بن معاذ: (أين يا سعد؟! إني لأجد ريح الجنة دون أحد، فمضى فقتل، فما عُرِف، حتى عرَفته أخته بشامةٍ أو ببنانه، وبه بضع وثمانون: من طعنة، وضربة، ورمية بسهم) (١)، وفي وصف شدة قتاله في أحد (قال سعد بن معاذ: فما استطعت يا رسول الله ما صنع ... ودل ذلك على شجاعة مفرطة في أنس بن النضير؛ بحيث إن سعد بن معاذ مع ثباته يوم أحد وكمال شجاعته ما جسر على ما صنع أنس بن النضر) (٢)، فلا تدَّخِر شيئًا من وقتك أو جهدك دون أن تنصر دينك على ثغرة من الثغرات، لتكون من الذين جاهدوا في الله حق جهاده، واستعدوا لمقام الشهادة.
ليس الموت هدفًا لذاته، ولا ابتغاء مظانِّ الموت انتحارًا، ولا تمني الشهادة يأسًا من الحياة، كما أنه ليس من الجبن أن تحتمي بخندق، ولا من التعلق بالحياة أن تستكمل الأسباب، ولا من الجرأة عدم التحرز من الأخطار.
стр. 42
بل إن مزيدَ يوم في عُمر المسلم يزداد فيه طاعةً، وينكأ فيه عدوًا، ويَغيظ به كافرًا، ولقد عجب الصحابة ﵃ من رجلين أسلما معًا، وكان أحدهما أشد اجتهادًا من الآخر، فاستشهد المجتهد، ومات الآخر بعده بسنة، فرأى طلحة بن عبيد الله أن الثاني دخل الجنة قبل صاحبه المجتهد، فقال رسول الله ﷺ : «من أي ذلك تعجبون؟ فقالوا: يا رسول الله! هذا كان أشد الرجلين اجتهادًا، ثم استشهد، ودخل هذا الآخر الجنة قبله، فقال رسول الله ﷺ : أليس قد مكث هذا بعده سنة؟ قالوا: بلى، قال: وأدرك رمضان فصام، وصلى كذا وكذا من سجدة في السنة؟ قالوا: بلى، قال رسول الله ﷺ : فما بينهما أبعد مما بين السماء والأرض» (١).
إن المستعدَّ للشهادة حقًّا يكون قد وطن نفسه لما قد يُصيبه من البلاء، وروض نفسه على الصبر عن الفرار، ولو أدى به هذا الصبر إلى الموت، يروي البخاري أن نافعًا سُئل على أي شيء بايع الصحابة رسول الله ﷺ ؟ على الموت؟ (قال: لا، بل بايعهم على الصبر) (٢)، ويليه في صحيح البخاري حديثٌ عن سلمة يثبت البيعة على الموت، فربط ابن حجر بين الروايتين ربطًا لطيفًا؛ فقال: (ولا تنافِيَ بين قولهم بايعوه على الموت، وعلى عدم الفرار؛ لأن المراد بالمبايعة: ألا يفروا ولو ماتوا، وليس المراد أن يقع الموت ولابد، وهو الذي أنكره نافع وعدل إلى قوله: بل بايعهم على الصبر؛ أي على
стр. 43
الثبات، وعدم الفرار، سواء أفضى بهم ذلك إلى الموت أم لا) (١)، ويؤكد هذا المعنى أنا أبا أمامة ﵁ رجا رسول الله ﷺ ثلاث مرات - في مواقف متفرِّقة، أن يدعو له بالشهادة، فكان رسول الله ﷺ لا يزيد على أن يقول: «اللهم سلمهم وغنمهم» (٢)، فالأصل أن حياة المسلم تزيد سوادَ المسلمين، وتُقوِّي شوكتهم وتَغيظ الكفار، ولكنه مع ذلك مهيأ للثبات، مستعدٌّ للصبر مهما عظم البلاء.
ومثل هذه التربية على الاستعداد للشهادة هي التي تجعل مَن ينشد الشهادة جريئًا في الحق، كما في قوله ﷺ : «أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر» (٣)، ويُعلِّق الغزالي على هذا المعنى فيقول: (ولَما علم المتصلِّبون في الدين أن أفضل الكلام كلمة حق عند سلطان جائر، وأن صاحب ذلك إذا قتل فهو شهيد - كما وردت به الأخبار - قدموا على ذلك موطنين أنفسهم على الهلاك، ومحتملين أنواع العذاب، وصابرين عليه في ذات الله، ومحتسبين لما يبذلونه من مهجهم عند الله) (٤).
وبغير هذه النفسية تكون الأمة غثاءً كغثاء السيل، وتكون نتيجة تلك الغثائية أن الله (ينتزع المهابة من قلوب عدوكم ويجعل في قلوبكم الوهن)، ولما
стр. 44
سئل رسول الله ﷺ عن الوَهَن قال: «حب الدنيا وكراهية الموت» (١)، وذلك الوهن هو الذي يجعل الأمة تستمرئ الذل وترضى بالدنية.
ثم كيف تكون قاصدًا منزلةَ الشهداء إن لم تكن صادق التوكل على الله؟!
يروي البخاري عن عائشة في أجر الصابر على الطاعون قوله ﷺ : «... فليس من عبدٍ يقع الطاعون فيمكث في بلده صابرًا يعلم أنه لن يصيبه إلا ما كتبه الله له إلا كان له مثل أجر الشهيد» (٢).
ثم يعلق ابن حجر
فيقول: (صابرًا؛ أي: غير منزعج ولا قلق، بل مُسلِّمًا لأمر الله، راضيًا بقضائه - وهذا قيد في حصول أجر الشهادة لمن يموت بالطاعون - .. وقوله: يعلم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له - قيد آخر -) (٣).
وملاك الأمر كله في الاستعداد للشهادة الإخلاص وتجريد النية من الشوائب.
وتأمَّل هذه الصورة من غزوة خيبر لرجل يقاتل المشركين: (رجل لا يدع لهم شاذَّة ولا فاذَّة إلا اتبعها يضربها بسيفه، فقيل: ما أجزأ منا اليوم أحد كما أجزأ فلان) (٤)، فأخبر رسول الله ﷺ أنه في النار؛ لما يعلم من نفاقه، وتبعه صحابي فوجده لم يصبر على جراحه فقتل نفسه، ولذلك جاء في الحديث: «إن أكثر
стр. 45
شهداء أمتي أصحاب الفرش، ورب قتيل بين الصفينِ اللهُ أعلم بنيته» (١).
فربما يموت رجل على فراشه ولا يُحرَم أجر الشهداء؛ لما يرى الله من صدقه، وربما يُحمل رجل مُضرَّج بدمائه من أرض المعركة، وهو عند الله من الخاسرين؛ لما شاب نيتَه من عُجب، أو فخر، أو عصبية، أو حب سمعة، وقد وردت في ذلك أحاديث كثيرة منها قوله ﷺ في صحيح مسلم: «من طلب الشهادة صادقًا أعطيها ولو لم تصبه» (٢)، وأخرجه الحاكم بلفظ: «مَن سأل القتل في سبيل الله صادقًا ثم مات أعطاه الله أجر شهيد»، وفي رواية أخرى للحاكم: «مَن سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه» (٣)، والإخلاص لا يعلمه إلا الله، ولا تنقيه إلا محاسبة النفس، فحاسب نفسك، وراقب قلبك، وضع نفسك في الميزان، لترى مدى استعدادك للشهادة، عسى أن تكون ﴿... مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩].
خلاصة هذا الفصل وعناصره:
- من عدة الشهادة:
- التوبة الصادقة.
- إصلاح العمل.
стр. 46
- البذل والتضحية.
- الجرأة في دفع العدوان.
- تقديم أقصى الجهد في خدمة الإسلام.
- البيعة على الموت ماذا تعني؟
- الموت ليس هدفًا لذاته، وزيادة العمر زيادة في الطاعة وإغاظة للعدو.
- الجرأة في الحق تقتضي الزهد في الدنيا وكراهية الموت.
- صدق التوكل على الله.
- الإخلاص وتجريد النية.
- طلب الشهادة بصدق طريق إلى نَيْلها أو نَيْل أجرها.
стр. 47
الفصل الثالث
النصرة
стр. 48
«انصُرْ أخاك ظالمًا أو مظلومًا ..»
كم في المسلمين من ذوي الحاجة وأصحاب الهموم وصرعى المظالم وجرحى القلوب الذين لم يجدوا مَن يطرق بابهم، أو يسأل عن حالهم، أو يسعى في كشف الغم عنهم بدافع من خُلُق (النصرة).
نعني بالنصرة تلك الغَيْرة الإيمانية التي تدفع المسلم لرفع الظلم عن أخيه المسلم المستضعف، أو لمد يد العون إليه، وبقدر ما تمارس هذا الخلق في حياتك اليومية تكون أقدر على الاستجابة لنداء داعي الجهاد لمنازلة البغاة أو الكافرين.
الأخوة الإيمانية ضريبتها النصرة، والقائم بحق النصرة أو المتخاذل عنها؛ كل منهما يلقي ثمرة ذلك - في الدنيا قبل الآخرة - جزاءً وفاقًا كما جاء في قوله ﷺ : «ما من امرئ يخذل امرءًا مسلمًا عند موطِن تُنتهك فيه حرمتُه، وينتقص فيه من عرضه، إلا خذله الله في موطن يحب فيه نصرته، وما من امرئ ينصر امرءًا مسلمًا في موطن ينتقص فيه من عرضه، ويُنتهك فيه من حرمته إلا نصره الله في موطن يحب فيه نصرته» (١).
وقد أمر رسول الله ﷺ بسبعٍ، كان منها (نصر المظلوم)، ونصه: «أمرنا النبي ﷺ بسبع، ونهانا عن سبع، فذكر عيادة المريض، واتباع الجنائز، وتشميت العاطس، ورد السلام، ونصر المظلوم،
стр. 49
وإجابة الداعي، وإبرار القسم» (١).
ويصف ابن الجوزي الظلم بأن المعصية فيه أشد من غيرها من المعاصي معلِّلًا ذلك بقوله: (لأنه لا يقع غالبًا إلا بالضعيف الذي لا يقدر على الانتصار) (٢).
وليس من شأن المسلم أن يرتضي لنفسه إيقاع الظلم بأخيه، أو أن يدع أخاه فريسةً بيد ظالم بذله، ورسول الله ﷺ يقول: «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يُسلِمه، ومَن كان فيه حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرَّج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة» (٣).
فهل بعد هذا ترى مصيبة واقعة بأخيك وتسلمه لها وتخذله فيها، أم تُحتَقن دماؤك في عروقك ولا يروق لك نوم حتى تبذل ما تستطيع من جهد لكشف ما نزل من ضرٍّ بأخيك؟
لقد كان أبناء الجاهلية يتناصرون في الخير والشر، وأراد الإسلام لهذا الخلقِ أن يستمر بوجهه الخير معطيًا له معنًى جديدًا، فقال رسول الله ﷺ : «انصُرْ أخاك ظالمًا أو مظلومًا.، فقال رجل: يا رسول الله، أنصره إذا كان مظلومًا، أفرأيت إذا كان ظالمًا كيف أنصره؟ قال: تحجزه - أو تمنعه - من الظلم فإن ذلك نصره» (٤).
فإن كنت تنصر قومك وعشيرتك وعُصْبتك، وتمنعُهم بكل الوسائل من إيقاع ظلم بمسلم - منهم أو من غيرهم - فتلك هي النصرة، وإلا فهي العصبية المقيتة المنتنة؛ التي أُمرنا
стр. 50
بأن ندعها، وقد قال في ذلك رسول الله ﷺ مشبهًا حال صاحب العصبية ببعيرٍ هلك: " من نصر قومه على غير الحق فهو كالبعير الذي ردي، فهو ينزع بذنبه" (١).
والقادر على النصرةِ لأخيه المسلم بكلمة أو شفاعة أو إشارة بخير، إن لم يقدمها مع قدرته على ذلك وهو يرى بعينه إذلال أخيه، ألبسه الله لباس ذل أمام الخلق يوم القيامة؛ لتقصيره في نصرة أخيه ورفع الذل عنه، وفي ذلك قال رسول الله ﷺ : «من أُذِل عنده مؤمنٌ فلم ينصره - وهو قادر على أن ينصره - أذله الله على رؤوس الخلائق يوم القيامة» (٢).
لابد لكل دعوة من رجال متشبعين بخلق النصرة، وإلا فلن تكتب لها الحياة، وأدناها النصرة بالمعونة ورفع المظالم، وأعلاها النصرة في الجهاد، وحين كان رسول الله ﷺ يعرض دعوته في المواسم بمنى كان يقول: «مَن يُؤويني؟ مَن ينصرني؟» (٣).
وحين بُويِع بيعة العقبة اشترط النصرة، فقال: «... وأسألكم لنفسي ولأصحابي أن تُؤونا، وتنصرونا، وتمنعونا مما منعتم منه أنفسكم» (٤).
وحتى ورقة بن نوفل كان يقول له في مطلع الرسالة: (وإن يُدرِكني يومك أنصُرْك نصرًا مؤزرًا) (٥).
والله قادر على أن ينصر رسوله، لكنه ترك للمؤمنين حظًّا في النصرة يؤدُّونه، ويُسألون عنه ويؤجرون عليه، قال تعالى:
стр. 51
﴿... هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٢] والمفلحون هم الذين ﴿آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ ...﴾ [الأعراف: ١٥٧].
وقد شرع للمؤمن أن يدعو بالنصرة، كما في الحديث: «ربِّ أعنِّي ولا تُعِن عليَّ، وانصرني ولا تنصر علي، وامكر لي ولا تمكر علي، واهدني ويسِّر الهدى إلي، وانصرني على من بغى علي» (١)، ولكن هذه النصرة لا تكون غالبًا بسبب غيبي، وإنما بتسخيرك يا صاحب خلق (النصرة) لتؤدي دورك بحميَّتك الإيمانية، وغيرتك للحق، أما الخذلان في ساعة الحاجة، فشأن المنافقين مع أوليائهم الذين قال الله فيهم: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِن قُوتِلُوا لَا يَنصُرُونَهُمْ ...﴾ [الحشر: ١٢].
وقد اشترط رسول الله ﷺ على الجالسين على قارعة الطريق أن يتحمَّلوا ضريبة جلوسهم هذا، وشهودهم لمواقف تقتضي منهم التدخُّل وأداء الواجب، فقال لهم: «إن أبيتم إلا أن تجلسوا فاهدوا السبيل، وردُّوا السلام، وأعينوا المظلوم» (٢).
والمبادرة إلى نصرة الأخ في الله في الدنيا - وخاصة في حال غيابه حيث تسقط المجاملات وتظهر حقيقة المشاعر، وتخلص النصرة لله - يكون من ثمرتها أن يسخر الله للناصر مَن يقف إلى جانبه وينصره في الدنيا ويتولاه الله في الآخرة، كما في الحديث: «من نصر أخاه بظهر الغيب، نصره الله في الدنيا والآخرة» (٣).
стр. 52
وأوجبُ صور النصرة ما يكون فيه دفع أذى من أمير أو ذي سلطان أو صاحب سطوة؛ لأن هؤلاء أذاهم شديد، وناصحوهم قليل، والمتملقون لهم كثير، فيضيع الحق في غمرة المجاملات والمداراة، ورسول الله ﷺ يتبرأ ممن يعينهم على ظلمهم، ولا ينصرهم على أنفسهم وأهوائهم بردعهم عن الظلم، وقد جاء هذا المعنى في قوله ﷺ : «إنه ستكون بعدي أمراء، من صدّقهم بكذبهم، وأعانهم على ظلمهم، فليس مني ولست منه، وليس بوارد علي الحوض، ومن لم يصدقهم بكذبهم، ولم يعنهم على ظلمهم فهو مني وأنا منه، وهو وارد علي الحوض» (١).
وإذا كان منع ظلم الملوك بنصرة المستضعفين خُلُقًا يتجمل به غير المسلمين، فالمسلمون به أولى وأحرى، وقد وصف عمرو بن العاص الروم بخصال استحسنها فيهم، فقال: (إنّ فيهم لخصالًا أربعًا: إنهم لأحلم الناس عند فتنة، وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة، وأوشكهم كرَّة بعد فرّة، وخيرهم لمسكين ويتيم وضعيف، وخامسة حسنة جميلة: وأمنعهم من ظلم الملوك) (٢).
ومن كانت نصرته بصورته الجاهلية نصرة على الباطل، ودورانًا مع العصبية، وإعانة على الظلم، فقد غضب الله عليه، كما في الحديث: «من أعان على خصومة بظلم - أو يعين على ظلم - لم يزل
стр. 53
في سخط الله حتى ينزع» (١).
فكن نصيرًا للحق حيث كان، وإلا فلا تطمع بوسام الجهاد ولا شرف الاستشهاد.
خلاصة هذا الفصل وعناصره:
النصرة استعداد لنصرة المستضعف، وهي ضريبة الأخوة.
- صاحب (النصرة) ينصره الله في موطن يحب فيه نصرته.
- الظلم لا يقع - غالبًا - إلا على الضعيف فهل تُسلمه أو تخذله؟
- الجاهليون يتناصرون فكيف تكون النصرة للمسلم؟
- الدعوات تقوى بالنصرة لمن يقوم بتبليغها.
- يشرع للمؤمن أن يدعو ربه بأن ينصره.
- تتوجب النصرة بشهود مواقف الظلم أو العلم بها.
- حقيقة النصرة الخالصة نصرتك لأخيك في غَيبته.
- أوجب صور النصرة بدفع ظلم ذوي السلطان.
- مما استحسن عمرو بن العاص في الروم منعهم ظلم الملوك.
- في النصرة للعصيبة، والإعانة على الباطل، سخط الله.
стр. 54
الفصل الرابع
الانتصار
стр. 55
﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾
إن صفة التوازن التي تميز بها ديننا تجعل المؤمن في بعض المواطن متواضعًا متسامحًا؛ يعفو ويصفح، وإذا ما غصب يغفر، وفي مواطن أخرى تجده أبيًّا حريصًا على مروءته، مطالبًا بحقه، مقتصًّا من ظالمه، منتصرًا من المسيء إليه، فمتى يكون الانتصار؟
يوضح ابن العربي جواب هذا التساؤل بقوله: (أن يكون الباغي معلنًا بالفجور، وقحًا في الجمهور، مؤذيًا للصغير والكبير، فيكون الانتقام منه أفضل).
ويصف الحالة المقتضية للعفو، فيقول: (أن تكون الفلتة، أو يقع ذلك ممن يعترف بالزلة، ويسأل المغفرة، فالعفو هاهنا أفضل).
وأكد هذا المعنى إلكيا الطبري في أحكامه، ووافق ابن العربي في أن أفضلية الانتصار تُفهَم من قول إبراهيم النخعي عن السلف: (كانوا يكرهون أن يذلوا أنفسهم فتجترئ عليهم الفساق)، وخصص العفو فيما إذا كان الجاني نادمًا مُقلعًا.
وقد استحسن القرطبي هذا التفصيل وأقره، وحمل الغفران على غير المصر، وقال: (فأما المصر على البغي والظلم، فالأفضل الانتصار منه) (١).
стр. 56
ومما ذكره القرطبي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ البَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٩]: (هو عام في بغي كل باغٍ من كافر وغيره، أي إذا نالهم ظلم من ظالم لم يستسلموا لظلمه) (١) وبعد أن عرض القرطبي جملة من الأقوال علق قائلًا: (وبالجملة العفو مندوب إليه، ثم قد ينعكس الأمر في بعض الأحوال، فيرجع ترك العفو مندوبًا إليه .. وذلك إذا احتيج إلى كف زيادة البغي وقطع مادة الأذى، وعن النبي ﷺ ما يدل عليه) (٢)، واستدل بحديث انتصار عائشة من زينب ﵄ وسيأتي تفصيله.
جاء في تفسير الآية ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ البَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ * وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ..﴾ [الشورى: ٣٩، ٤٠]؛ (أي: ينتقمون ممن بغى عليهم ولا يستسلمون لظلم المعتدي، قال أبو السعود: هو وصف لهم بالشجاعة بعد وصفهم بسائر الفضائل، وهذا لا ينافي وصفهم بالغفران، فإن كلاًّ في موضعه محمود. ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾؛ أي: وجزاء العدوان أن ينتصر ممن ظلمه من غير أن يعتدي بالزيادة.
قال الإمام الفخر: لما قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ البَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ﴾ أردفه بما يدل على أن ذلك الانتصار يجب أن يكون مقيدًا بالمثل دون زيادة، وإنما سمى ذلك سيئة لأنها تسوء من تنزل به) (٣).
ولما استقى الإمام مالك في قول سعيد بن المسيب: (لا أحلل أحدًا). وجَّه هذا القول في: عدم التجاوز عن الرجل الظالم، فقال:
стр. 57
(لا أرى أن يجعله من ظلمه في حل)، وعلل ابن العربي فتوى مالك بقوله: (إن كان ظالمًا فمن الحق ألا تتركه لئلا تغترَّ الظَّلَمة ويسترسلوا في أفعالهم القبيحة) (١).
ويؤكد الصاوي في حاشيته على الجلالين هذا المعنى فيقول: (من مكان الأخلاق التجاوز والحلم عند حصول الغرض، ولكن يشترط أن يكون الحلم غير مخل بالمروءة)، وأما إذا انتهكت حرمات الله (فالواجب حينئذٍ الغضب لا الحلم، وعليه قول الشافعي: مَن استُغضِب فلم يغضب فهو حمار، وقال الشاعر: وحلم الفتى في غير موضعه جهل) (٢).
وفي تفسير قوله تعالى: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ ...﴾ [النساء: ١٤٨].
نقل القرطبي في تفسير الآية على قراءة مَن قرأ ﴿إِلاَّ مَن ظُلِمَ﴾ قول أبي إسحاق الزجاج: (يجوز أن يكن المعنى: إلا مَن ظلم، فقال سوءًا فإنه ينبغي أن تأخذوا على يديه) وعلق القرطبي قائلًا:
" قلت: ويدل على هذا أحاديث منها قوله ﷺ : «خذوا على أيدي سفهائكم» (٣).
وقوله: «انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا»، قالوا: هذا ننصره مظلومًا فكيف ننصره ظالمًا؟ قال «تكفُّه عن الظلم» (٤) " (٥).
وفي حديث طويل تنتدب نساءُ النبي ﷺ السيدةَ زينب رضي
стр. 58
الله عنها لطلب مساواتهن بالسيدة عائشة ﵂؛ إذ كن يشعرن أن لها في قلبه منزلةً ليست لغيره، وكن يرين هدايا الناس تأتي أكثر ما تأتي حين يكون في بيت عائشة .. واستطالت زينب على عائشة بالكلام وعائشة تنظر إلى رسول الله ﷺ . تقول: (حتى عرَفت أن رسول الله ﷺ لا يكره أن أنتصر ..) (١)، وفي رواية: حتى قال النبي ﷺ : «دونك فانتصري»، فأقبلت عليها حتى رأيته وقد يبس ريقها في فيها، ما ترد علي شيئًا، فرأيت النبي ﷺ يتهلل وجهه) (٢).
ولا يجوز للمنتصِر أن يتعدى على أخيه المسلم بأكثر مما أساء إليه، ولا يحق له أن يغمطه حقه، ففي رواية مسلم لحديث عائشة السابق تقول عائشة وفاءً لضرتها التي كانت تساميها في المنزلة عند رسول الله ﷺ : (.. ولم أرَ امرأة قطُّ خيرًا في الدين من زينب؛ وأتقى لله وأصدق حديثًا، وأوصل للرحم، وأعظم صدقة، وأشد ابتذالًا لنفسها في العمل الذي تصدق به وتقرب به إلى الله تعالى، ما عدا سَوْرةً من حدَّة كانت فيها، تسرع منها الفيئة) (٣)، وذلك أدب النبوة فمع مبادأتها بالسباب لم تتجاوز حد العدل، ولم تغفل عن أن تعذرها.
ويجب أن نفرِّق بين انتصارنا من أخينا الذي غلب خيره والانتصار من الظالم المصر أو الكافر المستكبر، وإذا توقَّعت أن انتصارك من أخيك المسيء إليك قد يزيد الشر، ويوغل في التمادي وتفاقم
стр. 59
الخطب، فاسدد أبواب الشيطان، وقدر المصالح والمفاسد.
وفي سنن أبي داود حديث بهذا المعنى، فقد ورد أن رجلًا وقع بأبي بكر فآذاه - بحضرة النبي ﷺ ولما آذاه الثالثة انتصر منه أبو بكر، فقام رسول الله ﷺ حين انتصر أبو بكر، (فقال أبو بكر: أوجدتَ عليَّ يا رسول الله! فقال رسول الله ﷺ : «نزل ملك من السماء يكذبه بما قال لك، فلما انتصرت وقع الشيطان، فلم أكن لأجلس إذ وقع الشيطان» (١).
قال الخطابي في شرح الحديث: (إنما وقع الشيطان حين انتصر أبو بكر؛ لأن انتصاره يغري صاحبه - سيما وقد بدا الشر منه بتكرير الإساءة - بالتزيد والتمادي، فيكون ذلك سببًا في تفاقم الخطب) (٢).
والمغلوب على أمره يتأسى بنوح ﵇ حينما عجز عن قومه: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ﴾ [القمر: ١٠] أما القادر على الانتصار - بقيوده وشروطه الشرعية) (٣) - فلا عذر له في الخنوع والاستكانة للظالمين.
فأما قوله تعالى ﴿وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣]، فقد قال فيه القرطبي: (هو محمول على الغفران عن غير المصرِّ، فأما المصرُّ على البغي والظلم فالأفضل الانتصار منه) (٤)، وأما كظم الغيظ، فمستحسن ومندوب إليه بعد التمكن من الظالم
стр. 60
والقدرة عليه، وإذا عُلم صدق توبته وندمه، أو أنها زلَّة منه لم يصر عليها، فالعفو عنه عندئذٍ هو الأولى، أما عفو الضعيف فهو عفو المكرَه المستضعف، ولا فضيلة فيه.
إن إحياء خلق (الانتصار) هام وضروري؛ لئلا تعتاد الأمة قَبول الذل، لا من فاسق يقهرها، ولا من كافر ينحرها؛ لأن الأمة التي تعتاد السكينة أمام الظلم، والوداعة أمام الخسف والعسف، تفقد دافعية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتنعدم فيها روح الجهاد، فهل نحن منتصرون حين يلزم الانتصار ممن لا يرتدع إلا بالانتصار؟
خلاصة هذا الفصل وعناصره:
- الانتصار تكميل لخلق العفو والسماحة حيث لا ينبغي العفو.
- الانتصار من الباغي المعلِن المصرِّ أولى من العفو، والعفو عن النادم المقلع أولى.
- الشجاعة في الانتصار لا تتنافَى مع قابلية العفو عن صاحب الفلتة.
- فتوى مالك بالانتصار من الظالم لئلا يغتر ويسترسل في ظلمه.
- القصد في الانتصار أن يكون بالمثل وألا يزيد عن ظلم المعتدي.
- يشترط في الحلم ألا يخل بالمروءة، وإلا فالانتصار أولى.
- في تفسير ﴿الجَهْرَ بِالسُّوءِ ...﴾ الأخذ على يد السفيه وكفه عن الظلم.
- موقف انتصار بين عائشة وزينب ﵄.
- لا يجوز للمنتصر تجاوز حد العدل والإنصاف.
- المغلوب على أمره يدعو، والقادر ينتصر، ولا فضيلة في عفو الضعيف.
- حمل القرطبي آية ﴿وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ﴾ على غير المصر.
- خلق (الانتصار) يحيي في الأمة روح الجهاد.
стр. 61
الفصل الخامس
الشجاعة
стр. 62
«.. وإن الشجاع منا للذي يحاذي به»
حين يكون دين المرء أعز ما لديه في هذه الدنيا يكون في المنافحة عنه بالغ الشجاعة، عظيم الجرأة، قوي الإقدام.
تنبع الشجاعة من غرائز فطرية، وتقويها التربية الجهادية؛ بالمران والتدريب وخوض المواقف؛ حتى يكتسب الشاب هذا الخلق، وإلى ذلك أشار سيدنا عمر ﵁ بقوله: (.. والجرأة والجبن غرائز يضعها الله حيث شاء، فالجبان يفر عن أبيه وأمه، والجرئ يقاتل عما لا يؤوب به إلى رحلة، والقتل حتف من الحتوف) (١)، ويعلق فؤاد عبد الباقي على الفقرة الأخيرة بقوله: (والقتل حتف من الحتوف: أي نوع من أنواع الموت، كالموت بمرض أو نحوه، فيجب ألا يرتاع منه، ولا يهاب هيبة تورث الجبن) (٢).
وقد جعل الله أمر الدين لا يقوم إلا بالشجاعة، ولذلك إن جبن أهل الحق يستبدل بهم قومًا غيرهم، وهذا ما أراده ابن تيمية بقوله: (ولما كان صلاح بني آدم لا يتم في دينهم ودنياهم إلا بالشجاعة والكرم، بين سبحانه أن من تولى عن الجهاد بنفسه أبدل الله به من يقوم بذلك) (٣).
стр. 63
ولا يمكن أن يعتمد على النفعيين والمنافقين؛ لأنهم يفتقدون حرارة الحرص ودافعية الاهتمام، لذلك وصفهم أبو طلحة يوم أُحُد بقوله: (.. والطائفة الأخرى المنافقون، ليس لهم همٌّ إلا أنفسهم، أجبن قوم وأرعبه، وأخذ له للحق) (١).
إن أصحاب المروءة من أبناء الجاهلية يتعايَرون بالجبن، ويتفاخرون بالشجاعة، ويمثل هذا المعنى الحوار الذي دار بين أبي جهل وعتبة بن ربيعة يوم بدر، حيث قال عتبة: (يا قوم، إني أرى قومًا مستميتين لا تصلون إليهم وفيكم خير، يا قوم، اعصبوها اليوم برأسي، وقولا جبن عتبة بن ربيعة - وقد علمتُم أني لست بأجبنكم، فسمع ذلك أبو جهل فقال: أنت تقول هذا؟! والله لو غيرك يقول هذا لأعضضته، قد ملأت رئتك جوفك رعبًا، فقال عتبة: إياي تعير يا مُصفِّر استه؟! ستعلم اليوم أينا الجبان) (٢).
ولأن الجبن شر فقد استعاذ منه رسول الله ﷺ : «اللهم إني أعوذ بك من الجبن ..» (٣)، ولقد اعتبره رسول الله ﷺ شر صفات الرجال: «شر ما في رجل: شُح هالع، وجبن خالع ..» (٤)، ومثل هذا الجبن الذي يخلع القلوب إنما ينشأ من طبيعة التربية وآثار البيئة، وأمثال المجتمع
стр. 64
وقِيَمه، ولذلك كان لا بدَّ من غرس الشجاعة منذ الطفولة في نفوس الأبناء لإعدادهم للجهاد.
وإن شدة التعلق بالدنيا وزينتها تنقلب على صاحبها داعية إياه إلى التخوف على مصالحه، والجبن عن خوض الغمار، ولذلك قال ﷺ : «إن الولد مبخلة مجبنة» (١) والفرق بين نفسية الشجاع والجبان ملحوظ وظاهر وفي ذلك يقول ابن القيم: (.. فإن الشجاع منشرح الصدر .. والجبان أضيق الناس صدرًا، وأحصرهم قلبًا، لا فرحة له ولا سرور، ولا لذة له ولا نعيم؛ إلا من جنس ما للحيوان البهيمي) (٢).
ومن يتصدَّى لإمرة الناس وقيادتهم يجب أن يكون قدوة في شجاعته، فقد كان ﷺ «أحسن الناس، وأشجع الناس، وأجود الناس» (٣).
ويقول: «لو كان لي عدد هذه العِضَاهِ نَعَمًا لقسمتُه بينكم، ثم لا تجدوني بخيلًا ولا كذوبًا ولا جبانًا» (٤).
وفي فوائد الحديث يقول ابن حجر: (وفيه ذم الخصال المذكورة وهي البخل والكذب والجبن، وأن إمام المسلمين لا يصلح أن يكون فيه خصلة منها) (٥)، والجنود يفخرون بشجاعة قائدهم، ويزدادون إقدامًا، لذلك قال البراء في حديثه عن يوم حُنين: (كنا والله إذا احمرَّ البأس نتقي به، وإن الشجاع منا للذي يحاذي به) (٦) لما كانوا يرون من شجاعة رسول الله ﷺ .
стр. 65
ولا ينبغي للمؤمن أن يُرِي عدوه من نفسه جبنًا، حتى إن الصحابي الشهيد خُبيبًا لما صلى ركعتين قبل قتله قال للمشركين: (والله لولا أن تحسبوا أن ما بي جزع لزدت) (١) وهو مقبل على الموت يخشى أن يلصق بالمسلمين شبهة الجزع والجبن.
وشجاعة المؤمن تتبدى على أعدائه، وفي جرأته الأدبية في نصح إخوانه، وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتخرج الشجاعة عن حد القصد حين تكون على الإخوة والأصدقاء، وعلى المساكين والضعفاء.
أمة الشهادة على الناس بحاجة إلى أصحاب الشجاعة في حماية الحق والجرأة الأدبية في الدعوة إليه.
خلاصة هذا الفصل وعناصره:
- يكون المرء بالغ الشجاعة إذا كان دينه أعز ما لديه.
- أمر الدين لا يقوم إلا بالشجاعة.
- لا يمكن أن يعتمد على النفعيين والمنافقين.
- إن أصحاب المروءة من أبناء الجاهلية يتعايرون بالجبن.
- الجبن شر صفات الرجال.
- إن شدة التعلق بالدنيا تؤدي إلى الجبن.
- كان النبي ﷺ «أحسن الناس، وأشجع الناس، وأجود الناس».
стр. 66
الفصل السادس
الصبر والمصابرة
стр. 67
﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾
المجاهد الذي ارتضى لنفسه طريق التضحية لن يستمر في هذا الطريق ما لم يتحلَّ بالصبر، وأية فئة اختارت طريق الابتلاء فلن تدوم رابطتها، ولن تتماسك بنيتها ما لم تتواصَ بالحق وتتواصَ بالصبر، والمؤمنون جميعًا مخاطبون بقول ربهم : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠].
عُرِّف الصبر الاختياري بتعريفات كثيرة نختار منها الأقوال التالية:
- قال الطبري: (الصبر: منع النفس محابها، وكفها عن هواها) (١).
- وقال إبراهيم الخواص: (الصبر: هو الثبات على الكتاب والسنة) (٢).
- ووصفه ابن الجوزي بأنه: (حبس النفس عن فعل ما تحبه، وإلزامها بفعل ما تكره في العاجل، مما لو فعله أو تركه لتأذى به في الآجل) (٣).
وأما الصبر على البلاء المقدور والمصائب النازلة التي ليس فيها للإنسان إرادة ولا اختيار، فكما قال ابن عطاء: (الصبر: الوقوف مع
стр. 68
البلاء بحسن الأدب).
وقال أبو علي الدقاق: (حقيقة الصبر ألا يعترض على المقدور ..) (١).
والحياة صراع بين الحق والباطل، ويفوز في هذا الصراع الأطول نفسًا والأكثر احتمالًا: ﴿.... وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ ...﴾ [الفرقان: ٢٠].
ويتواصى أهل الباطل بالصبر على باطلهم: ﴿وَانطَلَقَ المَلأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ ...﴾ [ص: ٦] ﴿إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلا أَن صَبَرْنَا عَلَيْهَا ...﴾ [الفرقان: ٤٢]، أفلا يقول أهل الحق للمبطلين: ﴿... وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا ...﴾ [إبراهيم: ١٢] حتى تتحقق فيهم سنة الله بالنصر والتمكين: ﴿... وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا ...﴾ [الأعراف: ١٣٧] ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا ...﴾ [السجدة: ٢٤].
كثير من الناس يتعللون بأن طباعهم تغلبهم، وأنه ليس لديهم القدرة على التحمل والصبر، ولو جاهد أحدهم نفسه لكظم الغيظ، وعف عن الحرام، ووسع صدره، وقنع بما آتاه الله إياه، وتجلد على ما ابتلاه الله به؛ حتى يكتسب هذا الخلق، فقد قال ﷺ : «ومن يستعفِفْ يعفَّه الله، ومن يستغنِ يُغنِه الله، ومن يتصبر يصبِّره الله ..» (٢).
ويوضح هذا المعنى ابنُ حجر بقوله: (.. يصبره الله: أي فإنه يقويه ويمكنه من نفسه حتى تنقاد له، ويذعن لتحمل الشدة، فعند ذلك يكون الله معه فيظفره بمطلوبه) (٣).
стр. 69
والصبر المحمود ما كان بغير تسخط ولا جزع ولا يأس ولا شكوى، وفي هذا المعنى يقول ﷺ : «ليس من أحد يقع الطاعون؛ فيمكث في بلده صابرًا محتسبًا، يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له، إلا كان له مثل أجر شهيد» (١).
يقول ابن حجر: (صابرًا؛ أي: غير منزعج ولا قلق، بل مسلمًا لأمر الله راضيًا بقضائه) (٢)، وحين أمر رسول الله ﷺ بالصبر في بداية الدعوة أمر بالصبر الجميل ﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾ [المعارج: ٥].
يقول القرطبي: (والصبر الجميل: هو الذي لا جزع فيه ولا شكوى لغير الله) (٣).
والصبر المحمود ما كان فيه تمامُ التوكل على الله وكمال اليقين به، هذا اليقين الذي يجعل المجاهد مقبلًا غير مدبر، (قال رجل: يا رسول الله، أرأيت إن قتلتُ في سبيل الله يكفر عني خطاياي؟ قال رسول الله ﷺ : «نعم. إن قتلت في سبيل الله وأنت صابر محتسب مقبل غير مدبر ..» (٤) وهو الصبر المتجمل باليقين في ساعة المصيبة؛ بحيث لا يفقد صوابه ولا يهذي بلسانه.
وفي الحديث القدسي: «ابن آدم، إن صبرت واحتسبت عند الصدمة الأولى لم أرضَ لك ثوابًا دون الجنة» (٥).
قال الخطابي: (المعنى أن الصبر الذي يُحمَد عليه صاحبه ما كان عند مفاجأة المصيبة،
стр. 70
بخلاف ما بعد ذلك فإنه على الأيام يسلو) (١).
إن الذين عاشوا حياة الصبر ذاقوا لذتها وقطفوا ثمرتها وتركت تلك المواقف الصابرة أثرها في حياتهم، قال عمر ﵁: (وجدنا خير عيشنا بالصبر) (٢)، وقال ﷺ : «.. وما أعطي أحد عطاءً خيرًا وأوسع من الصبر» (٣).
وقد وصف رسول الله ﷺ الصبر بقوله: «والصبر ضياء» (٤).
يقول النووي: (والمراد أن الصبر محمود، ولا يزال صاحبه مستضيئًا مهتديًا مستمرًّا على الصواب) (٥).
وقد تعجب رسول الله ﷺ من الخيرية التي تعم حياة الصابرين "عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له» (٦). وقال تعالى: ﴿... وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ﴾ [النحل: ١٢٦] وأهم ما في حياة الصبر من الخير أنها تميز الصف، وتكشف معادن الرجال ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ المُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد: ٣١].
وقد يظن الناس أن الصبر ذلة لصاحبه مع أن رسول الله ﷺ يؤكد أنه «.. ولا ظلم عبد مظلمة صبر عليها إلا زاده الله
стр. 71
عزًّا» (١).
والثابت على الصبر الدائب في العمل يبشره رسول الله ﷺ بما بشر به ابن عباس: «واعلم أن في الصبر على ما تكره خيرًا كثيرًا، وأن النصر مع الصبر، والفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرًا» (٢).
والمجتمع المسلم هو الذي يعم فيه التناصح بالصبر والتواصي به، فحين مر رسول الله ﷺ بامرأة وهي تبكي عند قبر قال لها: «اتقي الله واصبري» (٣)، وحين أرسلت إليه إحدى بناته تخبره أن ابنها قُبِض أرسل إليها بقوله: «إن لله ما أخذ وله ما أعطى وكل عنده بأجل مسمى، فلتصبر ولتحتسب ...» (٤).
ولا يزول الخسران عن المجتمع البشري ما لم يكن من صفاتهم: ﴿... وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ٣] ﴿... وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ [البلد: ١٧].
ولأن طعم الصبر مرٌّ فلابد أن يتعهد الإنسان نفسه ويتزود بالصبر الجميل، ومما يعين المسلم على التصبر استحضار ما أعد الله للصابرين؛ من تكفير السيئات ورفع الدرجات وتكثير الحسنات؛ ففي قصة المرأة التي كانت تصرع أن رسول الله ﷺ خيَّرها: «إن شئتِ صبرتِ ولكِ الجنة، وإن شئتِ دعوت الله أن يعافيك .. فقالت: أصبر ..» (٥).
стр. 72
وجاء ثلاثة نفر إلى عبد الله بن عمرو بن العاص يشكون إليه حاجتهم للنفقة والدابة والمتاع فخيَّرهم: (إن شئتم رجعتم إلينا فأعطيناكم ما يسر الله لكم، وإن شئتم ذكرنا أمركم للسلطان، وإن شئتم صبرتم فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «فقراء المهاجرين يسبقون الأغنياء يوم القيامة إلى الجنة بأربعين خريفًا» قالوا: (فإنا نصبر لا نسأل شيئًا) (١).
ويعين المرء على الصبر والثبات تذكُّر سير الصالحين والتأسِّي بهم، فحين ذُكر لرسول الله ﷺ أن رجلًا قدح في قسمة رسول الله ﷺ قال: «يرحم الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر» (٢)، وقد وجَّهه القرآن إلى هذا المعنى ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥].
ويهون على النفس استقبال البلاء وتلقِّي المحن، حين تعلم أن البلاء والصبر على قدر صلابة الدين وقوته، سُئل رسول الله ﷺ : أي الناس أشد بلاءً؟ فقال: «الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يُبتلى العبد على حسب دينه؛ فإن كان في دينه صلبًا اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتُلي على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه من خطيئة» (٣).
وفي حديث آخر: «لقد كان أحدهم
стр. 73
يُبتلى بالفقر حتى ما يجد إلا العباءة يجوبها فيلبسها، ويبتلى بالقمل حتى يقتله. ولأحدهم كان أشد فرحًا بالبلاء من أحدكم بالعطاء» (١).
وحين يعلم الصابر ما يُزِيحه الصبر عن كاهله من الذنب؛ يكون أكثر طمعًا في رحمة الله، وأكثر رضًا بقدر الله، فبعض الناس ليس لهم أعمال صالحة يداومون عليها ترفع درجاتهم، يصلون إلى المراتب العليا بالصبر: «إن الرجل ليكون له المنزلة عند الله فما يبلغها بعمل، فلا يزال الله يبتليه بما يكره حتى يبلغه إياها» (٢) وهؤلاء يغبطهم أهل نعيم الدنيا على ما هم فيه «ليودُّن أهل العافية يوم القيامة أن جلودهم قُرِضت بالمقاريض مما يرون من ثواب أهل البلاء» (٣) هذا عدا معية الله للصابرين ﴿... وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٤٦].
وعدا وفاء الله بوعده لعباده الصابرين ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [الروم: ٦٠، غافر: ٥٥، ٧٧].
وكم يهون عليك الصبر حين تتفكر في جرأة العباد على ربهم، ثم في كرم الله معهم: «ما أحد أصبر على أذى يسمعه من الله تعالى: إنهم يجعلون له ندًّا، ويجعلون له ولدًا، وهو مع ذلك يرزقهم ويعافيهم ويعطيهم» (٤).
كما يهون علينا الصبر حين نتذكر أن أعداءنا يألَمون كما نألَم، يقول سيد قطب ﵀:
(وإذا كان الباطل يصر ويصبر ويمضي في الطريق، فما أجدر الحق أن يكون أشد إصرارًا
стр. 74
وأعظم صبرًا على المضي في الطريق) (١)، من أجل ذلك كله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بْالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٣].
ومن صور الصبر التي يمتحن الله بها عباده: الابتلاء في الصحة، كما جاء في الحديث القدسي: «إذا ابتليت عبدي بحبيبتَيْه فصبر، عوَّضته منهما الجنة» (٢)، كما قد يبتلي المرء بمحيط يحسده، ويعد عليه أنفاسه، ويستأثر عليه بكل خير، وهذا متوقع من الضعف البشري، خاصة إذا انفتحت الدنيا على الناس وتنافسوا فيها، لذلك قال رسول الله ﷺ : «إنكم سترون بعدي أثرة شديدة فاصبروا ..» قال أنس: (فلم نصبر) (٣).
ومن أعظم صور الصبر ما يكون في مواقف النزال والمواجهة والصراع، لذلك قال ﷺ : «لا تمنَّوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا ..» (٤)، وكان رسول الله ﷺ يأخذ عليهم العهد بألا يفروا، وذلك بأن يبايعهم على الصبر (٥).
стр. 75
وقد ضرب لنا القرآن مثلًا عمليًّا في الصبر على طلب العلم؛ حيث اشترط العبد الصالحُ على موسى ﵇ الصبرَ من البداية، وظن موسى أنه يستطيع أن يصبر: ﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ ...﴾ [الكهف: ٦٩]، وفي كل مرة يُذكِّره العبد الصالح ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٧٥]، حتى فارقه بعد ثلاث مرات من تذكيره إياه، وقد جاء في الحديث: «.. ولو صبر لرأى العجب» (١)، فالعلم لا يفتح كنوزه إلا للصابرين المثابرين.
والصبر ضروري في تربية الأولاد، وخاصة إن كن بنات، وبالصبر على التربية ينفتح للمربي باب من الأجر أو يكتب له ستر من النار كما في الحديث: «مَن كان له ثلاث بنات فصبر عليهن وأطعمهن وسقاهن وكساهن من جِدَتِه كن له حجابًا من النار يوم القيامة» (٢).
وقال تعالى: ﴿وَامُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه: ١٣٢].
ولأن المؤمن إلف مألوف فلا بد أن يتزود بالصبر على أخطاء الناس؛ ليتمكن من مخالطتهم، ومن إصلاح أحوالهم، وفي ذلك قال ﷺ : «المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أعظم أجرًا من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم» (٣)، ومن الثلاثة