عزًّا» (١).
والثابت على الصبر الدائب في العمل يبشره رسول الله ﷺ بما بشر به ابن عباس: «واعلم أن في الصبر على ما تكره خيرًا كثيرًا، وأن النصر مع الصبر، والفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرًا» (٢).
والمجتمع المسلم هو الذي يعم فيه التناصح بالصبر والتواصي به، فحين مر رسول الله ﷺ بامرأة وهي تبكي عند قبر قال لها: «اتقي الله واصبري» (٣)، وحين أرسلت إليه إحدى بناته تخبره أن ابنها قُبِض أرسل إليها بقوله: «إن لله ما أخذ وله ما أعطى وكل عنده بأجل مسمى، فلتصبر ولتحتسب ...» (٤).
ولا يزول الخسران عن المجتمع البشري ما لم يكن من صفاتهم: ﴿... وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ٣] ﴿... وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ [البلد: ١٧].
ولأن طعم الصبر مرٌّ فلابد أن يتعهد الإنسان نفسه ويتزود بالصبر الجميل، ومما يعين المسلم على التصبر استحضار ما أعد الله للصابرين؛ من تكفير السيئات ورفع الدرجات وتكثير الحسنات؛ ففي قصة المرأة التي كانت تصرع أن رسول الله ﷺ خيَّرها: «إن شئتِ صبرتِ ولكِ الجنة، وإن شئتِ دعوت الله أن يعافيك .. فقالت: أصبر ..» (٥).
стр. 72
وجاء ثلاثة نفر إلى عبد الله بن عمرو بن العاص يشكون إليه حاجتهم للنفقة والدابة والمتاع فخيَّرهم: (إن شئتم رجعتم إلينا فأعطيناكم ما يسر الله لكم، وإن شئتم ذكرنا أمركم للسلطان، وإن شئتم صبرتم فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «فقراء المهاجرين يسبقون الأغنياء يوم القيامة إلى الجنة بأربعين خريفًا» قالوا: (فإنا نصبر لا نسأل شيئًا) (١).
ويعين المرء على الصبر والثبات تذكُّر سير الصالحين والتأسِّي بهم، فحين ذُكر لرسول الله ﷺ أن رجلًا قدح في قسمة رسول الله ﷺ قال: «يرحم الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر» (٢)، وقد وجَّهه القرآن إلى هذا المعنى ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥].
ويهون على النفس استقبال البلاء وتلقِّي المحن، حين تعلم أن البلاء والصبر على قدر صلابة الدين وقوته، سُئل رسول الله ﷺ : أي الناس أشد بلاءً؟ فقال: «الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يُبتلى العبد على حسب دينه؛ فإن كان في دينه صلبًا اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتُلي على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه من خطيئة» (٣).
وفي حديث آخر: «لقد كان أحدهم
стр. 73
يُبتلى بالفقر حتى ما يجد إلا العباءة يجوبها فيلبسها، ويبتلى بالقمل حتى يقتله. ولأحدهم كان أشد فرحًا بالبلاء من أحدكم بالعطاء» (١).
وحين يعلم الصابر ما يُزِيحه الصبر عن كاهله من الذنب؛ يكون أكثر طمعًا في رحمة الله، وأكثر رضًا بقدر الله، فبعض الناس ليس لهم أعمال صالحة يداومون عليها ترفع درجاتهم، يصلون إلى المراتب العليا بالصبر: «إن الرجل ليكون له المنزلة عند الله فما يبلغها بعمل، فلا يزال الله يبتليه بما يكره حتى يبلغه إياها» (٢) وهؤلاء يغبطهم أهل نعيم الدنيا على ما هم فيه «ليودُّن أهل العافية يوم القيامة أن جلودهم قُرِضت بالمقاريض مما يرون من ثواب أهل البلاء» (٣) هذا عدا معية الله للصابرين ﴿... وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٤٦].
وعدا وفاء الله بوعده لعباده الصابرين ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [الروم: ٦٠، غافر: ٥٥، ٧٧].
وكم يهون عليك الصبر حين تتفكر في جرأة العباد على ربهم، ثم في كرم الله معهم: «ما أحد أصبر على أذى يسمعه من الله تعالى: إنهم يجعلون له ندًّا، ويجعلون له ولدًا، وهو مع ذلك يرزقهم ويعافيهم ويعطيهم» (٤).
كما يهون علينا الصبر حين نتذكر أن أعداءنا يألَمون كما نألَم، يقول سيد قطب ﵀:
(وإذا كان الباطل يصر ويصبر ويمضي في الطريق، فما أجدر الحق أن يكون أشد إصرارًا
стр. 74
وأعظم صبرًا على المضي في الطريق) (١)، من أجل ذلك كله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بْالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٣].
ومن صور الصبر التي يمتحن الله بها عباده: الابتلاء في الصحة، كما جاء في الحديث القدسي: «إذا ابتليت عبدي بحبيبتَيْه فصبر، عوَّضته منهما الجنة» (٢)، كما قد يبتلي المرء بمحيط يحسده، ويعد عليه أنفاسه، ويستأثر عليه بكل خير، وهذا متوقع من الضعف البشري، خاصة إذا انفتحت الدنيا على الناس وتنافسوا فيها، لذلك قال رسول الله ﷺ : «إنكم سترون بعدي أثرة شديدة فاصبروا ..» قال أنس: (فلم نصبر) (٣).
ومن أعظم صور الصبر ما يكون في مواقف النزال والمواجهة والصراع، لذلك قال ﷺ : «لا تمنَّوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا ..» (٤)، وكان رسول الله ﷺ يأخذ عليهم العهد بألا يفروا، وذلك بأن يبايعهم على الصبر (٥).
стр. 75
وقد ضرب لنا القرآن مثلًا عمليًّا في الصبر على طلب العلم؛ حيث اشترط العبد الصالحُ على موسى ﵇ الصبرَ من البداية، وظن موسى أنه يستطيع أن يصبر: ﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ ...﴾ [الكهف: ٦٩]، وفي كل مرة يُذكِّره العبد الصالح ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٧٥]، حتى فارقه بعد ثلاث مرات من تذكيره إياه، وقد جاء في الحديث: «.. ولو صبر لرأى العجب» (١)، فالعلم لا يفتح كنوزه إلا للصابرين المثابرين.
والصبر ضروري في تربية الأولاد، وخاصة إن كن بنات، وبالصبر على التربية ينفتح للمربي باب من الأجر أو يكتب له ستر من النار كما في الحديث: «مَن كان له ثلاث بنات فصبر عليهن وأطعمهن وسقاهن وكساهن من جِدَتِه كن له حجابًا من النار يوم القيامة» (٢).
وقال تعالى: ﴿وَامُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه: ١٣٢].
ولأن المؤمن إلف مألوف فلا بد أن يتزود بالصبر على أخطاء الناس؛ ليتمكن من مخالطتهم، ومن إصلاح أحوالهم، وفي ذلك قال ﷺ : «المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أعظم أجرًا من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم» (٣)، ومن الثلاثة
стр. 76
الذين يحبهم الله «الرجل يكون له الجار يؤذيه جواره فيصبر على أذاه؛ حتى يفرق بينهما موت أو ظعن ...» (١).
والمجاهد الذي يسعى لاستئناف الحياة الإسلامية وإقامة المجتمع الإسلامي لا بدَّ له من الصبر على طول الطريق، وضعف الإخوة، وعناء المجاهدة، وعنت البلاء، بالإضافة إلى صبره على مدافعة الظلم والظالمين، وعندئذٍ يتذوق معاني الإيمان «أفضل الإيمان الصبر والسماحة» (٢).
(والصبر هو زاد الطريق في هذه الدعوة؛ الصبر على شهوات النفس ورغائبها، وأطماعها ومطامحها، وضعفها ونقصها، وعجلتها وملالها من قريب، والصبر على شهوات الناس ونقصهم وضعفهم وجهلهم وسوء تصوُّرهم، وانحراف طباعهم، وأثرتهم، وغرورهم، والتوائهم، واستعجالهم للثمار! والصبر على تنفج الباطل، ووقاحة الطغيان، وانتفاش الشر، وغلبة الشهوة، وتصعير الغرور والخيلاء! والصبر على قلة الناصر، وضعف المعين، وطول الطريق، ووسوس الشيطان في ساعات الكرب والضيق! والصبر على مرارة الجهاد لهذا كله، وما تثيره في النفس من انفعالات متنوعة من الألم والغيظ، والحنق والضيق، وضعف الثقة أحيانًا في الخير، وقلة الرجاء أحيانًا في الفطرة البشرية؛ والملل والسأم واليأس أحيانًا والقنوط! والصبر بعد ذلك كله على ضبط النفس في ساعة القدرة والانتصار والغلبة، واستقبال الرخاء في تواضع وشكر، وبدون خيلاء وبدون اندفاع إلى
стр. 77
الانتقام، وتجاوز القصاص الحق إلا الاعتداء!) (١).
خلاصة هذا الفصل وعناصره:
- لا يستمر جهاد بلا صبر.
- أهل الباطل يصبرون على باطلهم، وأهل الحق أولى.
- الصبر يُكتسب بالتصبر.
- عاقبة الصبر خير.
- الصبر المحمود ليس فيه سخط ولا جزع ولا شكوى.
- الصبر المحمود بتمام التوكل وكمال اليقين.
- الصبر هو العز، وفي الثبات عليه يكون الفرج.
- يعين على الصبر الجميل.
- استحضار ما أعد الله للصابرين من الأجر.
- التأسي بسير الصابرين.
- تذكر أن البلاء على قدر صلابة الدين.
- استحضار ما يمحوه الصبر من الذنوب.
- تذكر صبر الله على عباده.
- من صور الصبر:
- الصبر على المرض وبلاء البدن.
- الصبر في مواقف النزال.
- الصبر في طلب العلم.
- الصبر في تربية الأبناء.
- الصبر على أخطاء الناس.
- الصبر على طول الطريق وعناء المجاهدة.
стр. 78
الباب الثاني من أخلاقنا في الدعوة
الفصل الأول: التحبب إلى الناس.
الفصل الثاني: الدفع بالأحسن.
الفصل الثالث: التبشير.
الفصل الرابع: الحكمة.
الفصل الخامس: الهمة.
الفصل السادس: التيسير.
الفصل السابع: تقديم النفع.
стр. 79
الفصل الأول
التحبب إلى الناس
стр. 80
«ادع الله أن يحببني .. إلى عباده المؤمنين».
لا شك أن مقصود المسلم رضا الله قبل رضا سواه، كما أنه لا شك بأننا حين نتَّسِم بالفظاظة وغلظة القلب نُنفِّر الناس منا وينفضُّون عنا، والجمع بين ما يحبه الله والتحبب إلى الناس ليس بالأمر العسير؛ إن التزَمْنا الحكمة واشتغلنا بمقاصد الشرع.
ما نقصده بالتحبب إلى الناس: التخلق بمجموعة من الصفات الرفيقة والودودة، التي إن توفرت في شخصية المسلم تجعل الناس ينجذبون إليه، ويتعلقون به، ويقبَلون منه، وقد كان هذا شأنَ رسول الله ﷺ فقد ورد في الأثر أنه: (من رآه بديهةً هابه ومَن خالطه معرفةً أحبه) (١)، فالحرص على التحبب إلى الناس إنما يقصد منه المسلم ضمان فتح القلوب لقَبول الدعوة، وبالوسائل والأساليب المؤثرة في طباع البشر عادة، ولقد كان أبو هريرة ﵁ يطلب من رسول الله ﷺ أن يدعو له بالحب والتحبب: (ادعُ الله أن يحببني أنا وأمي إلى عباده المؤمنين ويحببهم إلينا)، فاستجاب رسول الله ﷺ ، ودعا: «اللهم حبِّب عُبَيدك هذا - يعني أبا هريرة وأمه - إلى عبادك المؤمنين، وحبب إليهم المؤمنين ..» (٢).
ولم يكن من العيب أن يأتي رجل ليقول لرسول الله ﷺ : دُلَّني
стр. 81
على عمل إذا أنا عملته أحبني الله وأحبني الناس، بل كان رسول الله ﷺ يدله على أسباب تحصيل هذه المحبة، كما في الحديث: «ازهَد في الدنيا يحبَّك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يُحبُّوك» (١).
وواضح في هذا حرص الصحابة على أن تكون شخصياتهم مقبولة ومرضية لدى الناس؛ بالإضافة إلى حرصهم على أن يبلغوا رضا الله بغير تعارض بين الحرصين؛ لأن في كل منهما رضا الله، فآل الأمر في كليهما إلى شيء واحد.
وقد كان رسول الله ﷺ يتحبب إلى بعض ضعاف الإيمان بشيء من العطايا تأليفًا لقلوبهم واستنقاذًا لهم من النار، كما في قوله: «إني لأعطي الرجل وغيره أحب إليَّ منه خشية أن يكُبَّه الله في النار» (٢).
وهل ترى حافزًا على التحبب إلى الناس أكثر من تحريض الأئمة والأمراء على التقرب إلى الرعية، ودفع الرعية إلى التحبب لأمرائهم الأتقياء؟!
وفي ذلك يقول رسول الله ﷺ : «ألا أخبركم بخيار أمرائكم وشرارهم؟ خيارهم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتدعون لهم ويدعون لكم، وشرار أمرائكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم» (٣).
ولا ريب أن خلق التحبب هذا إن لم يكن خالصًا لله فسينقلب
стр. 82
إلى نوع من النفاق والمداهنة والتزلف، فالحب في الله هو الذي يجعلك تحرص على اكتساب حب الناس لك؛ لما تطمح من إيصال خير إليهم على يديك، فالواجب على المؤمن: «أن يحب المرء لا يحبه إلا الله» (١)، وإذا تمت المحبة بهذه الصورة دلت على كمال الإيمان: «من أحب لله وأبغض لله، وأبغض لله، وأعطى لله ومنع لله، فقد استكمل الإيمان» (٢).
وقد وردت نصوص كثيرة تربط بين الإيمان وخلق التحابب، ومنها قوله ﷺ : «لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أو لا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم، أفشوا السلام بينكم» (٣)، ولعظم شأن نشر المحبة واكتسابها اقتضى الأمر أن يدل الرسول ﷺ أمته إلى وسائلها وأسبابها، كما اقتضى قبل ذلك أن يجعل كمال الإيمان مرتبطًا بها.
ومن الصور الداعية إلى كسب الأصدقاء واستقطاب القلوب: الهدوء والسكينة، والوقار في المجالس، يروي أبو مسلم الخولاني أنه دخل مسجد حمص، فوجد شابًّا بين ثلاثين كهلًا من الصحابة (فإذا امترى القوم في شيء أقبلوا عليه فسألوه، فقلت لجليس لي: من هذا؟ قال: معاذ بن جبل فوقع له في نفسي حب ... ثم قلت: والله إني لأحبك، قال: فيم تحبني؟ قلت: في الله ﵎، قال: أبشر إن كنت صادقًا، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «المتحابون في جلالي لهم منابر من نور يغبطهم النبيون والشهداء ..» (٤).
стр. 83
وكذلك فإن من المفاتيح السهلة للقلوب: اللقيا بالترحيب، والاستقبال بالبشاشة، واستدامة التبسم، فقد جاء في وصف رسول الله ﷺ قول الصحابي: (ما رأيت أحدًا أكثر تبسمًا من رسول الله ﷺ ) (١)، وربما كان من حكمة الأمر بإعلان من تحبه بحبك له لتتفجر معاني الحب وتقوي أواصره لدى الطرفين (٢).
(وفي شمائل الرسول ﷺ وجوانب سيرته صور دقيقة تدل على مزيد حرص رسول الله ﷺ على التحبب إلى الناس، ومنها أنه: (كان يمر بالصبيان فيسلم عليهم) (٣)، ويلاطفهم ويمازحهم، وحاله ﷺ مع أصحابه كذلك أنه: (كان إذا لقيه أحد من أصحابه فقام معه، قام معه فلم ينصرف حتى يكون الرجل هو الذي ينصرف عنه، وإذا لقيه أحد من أصحابه، فتناول يده ناوله إياها، فلم ينزع يده منها حتى يكون الرجل هو الذي ينزع يده منه، وإذا لقي أحدًا من أصحابه فتناول أذنه، ناوله إياها، ثم لم ينزعها حتى يكون الرجل هو الذي ينزعها عنه) (٤).
وعُلم من تحبُّبه ﷺ حتى إلى ضعاف الناس أنه كانت تستوقفه الجارية في الطريق وتحدثه، فما ينصرف عنها حتى تكون هي التي تنصرف، و (كان يأتي ضعفاء المسلمين، ويزورهم، ويعود مرضاهم، ويشهد جنائزهم) (٥).
و (كان لا يُدفع عنه الناس، ولا يُضربوا
стр. 84
عنه) (١)، كما (كان لا يكاد يقول لشيء: لا، فإذا سُئل فأراد أن يفعل قال: نعم، وإذا لم يرد أن يفعل سكت) (٢)، كما كان (يخدم نفسه) (٣).
ومجموع هذه الصفات تجعل صاحبها مقبولًا عند الناس ومحببًا إليهم، ولذلك كان الرجل يأتي النبي ﷺ وهو لا يُطيقه، ثم يخرج من عنده ولا يؤثر عليه أحدًا، ومن ذلك ما حدث به عمرو بن العاص عن نفسه: (.. لقد رأيتني وما أحد أشد بغضًا لرسول الله ﷺ مني، ولا أحب إلي أن أكون قد استمكنت منه فقتلته ..)، وبعد أن تعرض لتأثير تحببه ﷺ انقلب الحال، (وما كان أحد أحب إلي من رسول الله ﷺ ولا أجل في عيني منه، وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه إجلالًا له، ولو سُئلت أن أصفه ما أطقتُ؛ لأني لم أكن أملأ عيني منه) (٤).
وقد يكون التحبب أحيانًا بصور شخصية بسيطة، كالتي أشار إليها رسول الله ﷺ بقوله: «الرؤيا الصالحة من الله فإذا رأى أحدكم ما يحب فلا يحدث بها إلا من يحب ..» (٥)، وذلك كنوع من المشاركة الوجدانية حتى للهموم القلبية، وخواطر العقل الباطن، وعالم ما وراء الشعور، وتلك أقصى مستويات التحبب والتفاعل الأخوي، ولذلك كان يحاول رسول الله ﷺ أن يعايش هموم أصحابه في اليقظة والمنام، حين كان ينصرف من صلاة الفجر ويعبر للناس رؤاهم، يقول ابن عباس: (كان مما يقول لأصحابه: من رأى منكم رؤيا فليقصها؛ أعبرها
стр. 85
له ..) (١)، واختيار المداخل إلى القلوب يحتاج إلى فطنة، وترصد للمواقف المناسبة، وأصل الأمر ومِلاكه أن تكون محبوبًا من الله، فهو بعدئذٍ يضع لك القبول في الأرض، فاحرِص على حب الله لك يفتح لك قلوب الناس، وتخلّق بما يدعو إلى التحبب، فالداعية اللبيب من يكون قادرًا على فتح قلوب العباد؛ لتُفتح له البلاد.
خلاصة هذا الفصل وعناصره:
- الجمع بين ما يحبه الله والتحبب إلى الناس أمر شرعي.
- لا تعارض بين هيبة الناس لك وحبهم إياك.
- كما حرَص الصحابة على رضا الله، فقد كانوا يحرصون على التحبب إلى الناس.
- بعض التحبب ضروري لتأليف قلوب ضعاف الإيمان.
- حتى الأئمة والأمراء مدعوون للتحبب إلى الرعية.
- التحبب إن لم يكن خالصًا لله، كان نفاقًا ومداهنة.
- هنالك ارتباط بين الإيمان، وبين التحبب للمؤمنين.
- من دواعي التحبب:
- التزام السكينة والوقار.
- بسط الوجه وطيب المعشر.
- التقرب إلى الضعاف والمساكين.
- التواضع والذلة للمؤمنين.
- الاهتمام بالمشاركة الوجدانية والتفاعل الأخرى.
- المحبوب عند الله يكتب له القبول في الأرض فيحبه الناس.
стр. 86
الفصل الثاني
الدفع بالأحسن
стр. 87
﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ .. (١)﴾
كم سيكون مجتمعًا بغيضًا ذلك المجتمع الذي يتبارى الناس فيه بما يدبرونه من الكبد ردًا على إساءة؟!
وكم ستكون نفسًا خبيثة تلك النفس التي لا تطمئن حتى تكيل الصاع صاعين لمن أخطأ في حقها؟!
إن المبادرة بالإحسان إلى أي إنسان أسهل بكثير من دوام الإحسان إلى مَن أساء إليك، واستمرار الصلة مع من قطعك، والتزام العفو عمن ظلمك، وذلك هو الدفع بالأحسن.
إن المتشبِّع بروح التضحية، والمتسنم لذروة سام الإسلام، والمتطلع إلى مقامات الشهادة، لن يصعب عليه أن يقوى على فورة لانفعال البشري؛ ليعفو ويصفح، بل يُنتظر منه أن يكسر شوكة الهوى، ونزعة الضعف لديه ولدى المسيء إليه؛ بمقابلة الإساءة بالإحسان.
وتبدأ تربية النفس على الإحسان بالخروج من طوق (الإمَّعة) إلى التميز بالشخصية: (لا تكونوا إمَّعة؛ تقولون إن أحسن الناس أحسنا، وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وطِّنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساؤوا فلا تظلموا) (٢)، كما جاء هذا المعنى في قول عثمان - رضي
стр. 88
الله عنه -: (فإذا أحسن الناس فأحسن معهم، وإذا أساؤوا فاجتنب إساءتهم) (١).
وبتوطين النفس على التميز تتحرر شخصية المجاهد من ردود الفعل الطائشة، ومن إسار التقليد الأعمى.
وحين تزل القدم، وينفلت الزمام، وتجد نفسك قد انحدرت إلى هاوية الإساءة، فبادر إلى إصلاح خطئك بخيرٍ تعمله؛ حتى تمسح آثار الذلة، وتعود إلى فطرة الخير الأصيلة في نفس المسلم، فإن ذلك يعين أخاك على الدفع بالتي هي أحسن، ويصبح مجال التنافس كله في ميدان الإحسان والدفع بالأحسن، وإن سحر الخلق الفاضل ليفوق في كثير من الأحيان قوة العضلات وسطوة الانتقام، فإذا بالخصم ينقلب خلقًا آخر، وفي ذلك يقول : ﴿وَلَا تَسْتَوِي الحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤] يقول ابن عباس في تفسير الآية: (ادفع بحلمك جهل من يجهل عليك) (٢)، ويُروى عنه أيضًا قوله: (أمر المسلمين بالصبر عند الغضب، والحلم عند الجهل، والعفو عند الإساءة، فإذا فعلوا ذلك عصمهم الله من الشيطان، وخضع لهم عدوهم، كأنه ولي حميم) (٣).
وحال الدافعين بالحسنى المحافظة على وقارهم واتزانهم، وعدم الانجراف مع استفزازات المحرشين اللاغين، وقد وصفهم الله عز
стр. 89
وجل بقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: ٣]. ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ ...﴾ [القصص: ٥٥]، ﴿... وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان: ٦٣]، ﴿... وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: ٧٢]، ومما وجه الله إليه نبيه ﷺ في مجال الدفع بالأحسن قوله سبحانه: ﴿... وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ...﴾ [النحل: ١٢٥] ﴿وخُذِ العَفْوَ وَامُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩].
إن أدنى صور الدفع بالتي هي أحسن: أن تمتص غضبتك، وتكظم غيظك، لتنفذ من هذا الباب إلى الحُور العِين التي تتطلع إليها، فقد جاء في الحديث: «من كظم غيظًا وهو قادر على أن ينفذه، دعاه الله على رؤوس الخلائق يوم القيامة؛ حتى يخيّره في أي الحور شاء» (١).
ومن أخطر المنزلقات إلى هاوية الانتقام للنفس، والأخذ بالثأر، أن يكون المرء ذا إمرة وسلطان، ولقد جاء رجل إلى رسول الله ﷺ يشكو خادمه: إن لي خادمًا يسيء ويظلم أفأضربه؟ قال: «تعفو عنه كل يوم سبعين مرة» (٢).
ومن آخر ما أوصى به رسول الله ﷺ صحابته وهو يوصي بالأنصار خيرًا: «فمن ولي شيئًا من أمة محمد ﷺ ، فاستطاع أن يضر فيه أحدًا، أو ينفع فيه أحدًا، فليُقبِل من محسنهم، ويتجاوز عن
стр. 90
مسيئهم» (١).
وهذا ما وصفت به السيدة عائشة ﵂ خلق رسول الله ﷺ : (.. ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح) (٢)، وجاء وصفه في التوراة هكذا، كما في رواية البخاري (٣).
ومن صور الدفع بالأحسن أن تقابل المسيء بالدعاء له، وبهذا فسر أنس قوله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾؛ حيث قال: (يقول الرجل لأخيه ما ليس فيه، فيقول له: إن كنت كاذبًا، فإني أسأل الله أن يغفر لك، وإن كنت صادقًا فإني أسأل الله أن يغفر لي) (٤)، حتى إن رسول الله ﷺ استنكر على مَن قال لفاعل كبيرة: (أخزاك الله)، رغم شناعة فعله، وقال: «لا تقولوا هكذا، لا تعينوا عليه الشيطان، ولكن قولوا رحمك الله» (٥).
ولو كان كل إنسان سيقابل أخاه بمثل شرِّه لتخلي الناس عن خصال الخير، وغدوا في غابة لا ضابط لها ولا رابط، خاصة وأن صور الإساءة قد تغري بالدفع بمثلها - على أقل الأحوال - وقد جاء صحابي يشكو: (يا رسول الله، إن لي ذوي أرحام، أصل ويقطعون، وأعفو ويظلمون، وأُحسِن ويسيئون، أفاكافئهم؟ قال: «لا، إذًا تتركون
стр. 91
جميعًا، ولكن خذ بالفصل وصلهم، فإنه لن يزال معك من الله ظهير ما كنت على ذلك» (١).
وسأل رجل رسول الله ﷺ : الرجل أمر به فلا يقريني ولا يضيفني، فيمر بي، أفأجزيه؟ قال: «لا، أقرِهْ» (٢)، وهذا من أعلى مقامات العفو، بأن تقابل الإساءة بالإحسان، وهنيئًا لمن قدر على ذلك ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٥]، وبذلك تحيا معاني الخير في النفوس، ويتبارى الناس في الإحسان، وتُغلق أبواب الشر على الشيطان، ولا يُتاح للإساءة أن تتفاقم، ويغمرها الإحسان، ويقضي على دوافعها.
خلاصة هذا الفصل وعناصره:
- المبادرة بالإحسان أسهل على النفس من دفع المسيء بالحسنى.
- الدفع بالأحسن يقتضي قدرة كبيرة على المجاهدة.
- يعين على الدفع بالأحسن.
- توطين النفس ألا تكون إمَّعة.
- التنافس في ميدان الإحسان.
- البعد عن اللغو والاستفزازات.
- كظم الغيظ.
- من صور الدفع بالأحسن:
- احتمال إساءة الأتباع.
стр. 92
- الدعاء للمسيء.
- لو لم يدفع الناس بالأحسن لغدوا في غابة لا ضابط لها.
- دفع المسيء بالحسنى من أعلى المقامات.
стр. 93
الفصل الثالث
التبشير
стр. 94
«يَسِّروا ولا تُعسِّروا وبَشِّروا ولا تُنفِّروا».
(التبشير) شعار أعلنه المنصِّرون، وتسموا به، وسلكوا طرقه وأساليبه، وكثيرًا ما كنا نرى أساليبهم يستبشر لها المتعاملون معهم، بينما كانت طريقة تعامل بعض الدعاة ينفر منها المدعوُّون، أوليس الداعية أحقَّ باسم التبشير خُلقًا ووسيلة وغاية؟!
وأقصد بخلق (التبشير): التخلق بالصفات التي تستدعي الاستئناس والارتياح والتحبب وبث الأمل في القلوب، والبعد عن أساليب (التنفير) ودواعي الانقباض، حتى في التخويف من الله والترهيب من النار.
لقد بُعث رسول الله ﷺ بشيرًا لأتباعه، نذيرًا لأعدائه، بل كانت مهمة الرسل لا تعدو هذينِ الوصفين: ﴿وَمَا نُرْسِلُ المُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ ...﴾ [الأنعام: ٤٨]، [الكهف: ٥٦]، وقد أمر الله في كتابه بتبشير المؤمنين والصابرين والمحسنين والمخبتين، في آيات كثيرة.
وكان من أساليب تبشير رسول الله ﷺ أنه يختار الوقت المناسب والقدر المناسب لأداء الموعظة والعلم كيلا ينفر الصحابة، وفي ذلك يقول ﷺ : «يَسِّروا ولا تُعسِّروا، وبَشِّروا ولا تُنفِّروا» (١).
وعلق عليه ابن
стр. 95
حجر بقوله: (المراد تأليف من قرب إسلامه، وتركُ التشديد عليه في الابتداء، وكذلك الزجر عن المعاصي ينبغي أن يكون بتلطف ليقبل، وكذا تعليم العلم ينبغي أن يكون بالتدريج؛ لأن الشيء إذا كان في ابتدائه سهلًا حبب إلى مَن يدخل فيه، وتلقَّاه بانبساط، وكانت عاقبته غالبًا الازدياد ..) (١).
ومن حكمته ﷺ أنه استعمل أساليب التبشير في إيقاظ الهمم والتنشيط للطاعة، ومن ذلك قوله: «بشِّر المشائين في الظُّلَم إلى المساجد بالنور التامِّ يوم القيامة» (٢)، وصلى العشاء مرة بأصحابه، وقبل أن ينصرفوا قال لهم: «على رسلكم، أبشروا، إن من نعمة الله عليكم أنه ليس أحد من الناس يصلي هذه الساعة غيركم»، قال أبو موسى الأشعري: فرجعنا ففرحنا بما سمعنا من رسول الله ﷺ (٣).
ويحتاج الإنسان في حالات الاضطراب إلى التبشير بما يزيل عنه دواعي الاضطراب، فبعد نزول الوحي على رسول الله ﷺ ذكر لخديجة ﵂ ما جرى له، وأخبرها بخوفه على نفسه من هذه الظاهرة الجديدة، فبشَّرته بأن له من سابقة الخير ما يستبعد معها مكافأة الله له بمكروه، فقالت: (كلا، أبشر، فوالله لا يخزيك الله
стр. 96
أبدًا، فوالله إنك لتَصِل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكلَّ، وتَكسِب المعدوم، وتعين على نوائب الحق ..) (١)، وكان هذا شأن رسول الله ﷺ مع أمته ليزيل عنها دواعي القلق على مستقبل هذا الدين: «بشر هذه الأمة بالسناء والرفعة والدين والنصر والتمكين في الأرض ..» (٢).
وحتى في حالات الضعف البشري لم يكن رسول الله ﷺ ليعنِّف أصحابه بفظاظة وغلظة، وهم الذين سمعوا بقدوم أبي عبيدة بجزية البحرين، فاجتمعوا على صلاة الفجر، وتبعوا رسول الله ﷺ بعد الصلام، ففهم ماذا يريدون، قال: «فأبشروا وأملوا ما يسركم، فوالله لا الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تبسط عليكم الدنيا ..» (٣).
والمؤمن محتاجٌ في حال البلاء إلى من يكشف همه، ويبشره بما يسره، إما بفرج عاجل، أو بأجر آجل، ولقد وجد رسول الله ﷺ أم العلاء مريضة فقال لها: «أبشري يا أم العلاء، فإن مرض المسلم يُذهب خطاياه، كما تُذهب النار خبث الحديد» (٤).
стр. 97
والمؤمن بشير في مواقف الأسى يسري عن الناس أحزانهم؛ بما يدخل البهجة إلى قلوبهم، ويُبعد الكآبة عنهم، كتب زيد بن أرقم إلى أنس بن مالك زمن الحرة يعزِّيه فيمن قُتل من ولده وقومه، فقال: أبشرك ببشرى من الله ، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اللهم اغفر للأنصار، ولأبناء الأنصار، ولأبناء أبناء الأنصار ...» (١).
ولقد بشر الله المبايعين على الجهاد بما ادخر الله لهم من الأجر إن وفُّوا بالبيعة:
﴿... فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ ....﴾ [التوبة: ١١١]، وبشر رسول الله ﷺ الموحِّدين بالجنة جزاءَ التزامهم بكلمة التوحيد قولًا واعتقادًا وعملًا - رحمة منه سبحانه -: «أبشروا. وبشروا من وراءكم؛ أنه من شهد أن لا إله إلا الله صادقًا من قلبه، دخل الجنة» (٢) وقال جبريل ﵇ لرسول الله ﷺ مبشرًا المؤمنين الحذرين من صور الشرك كبيرها وصغيرها: «بشر أمتك أنه من مات لا يشرك بالله شيئًا، دخل الجنة ..» (٣).
وفي توبة كعب بن مالك صورة عملية من صور التعاطف الاجتماعي والتهنئة بقبول التوبة، حيث ذهب إليه عدد من المبشرين، فناداه أحدهم قبل أن يصل إليه: (يا كعبُ بنَ مالكٍ، أبشر، يقول كعب: فخررت ساجدًا، وعرفت أن قد جاء فرج)، وتلقاه الناس فوجًا
стр. 98
فوجًا يهنئونه بالتوبة ويقولون له: (لتهنك توبة الله عليك)، ولما سلم على رسول الله قال ﷺ ، وهو يبرق وجهه من السرور: «أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك ..» (١).
ومن لطيف ما ورد في هذه القصة رواية نقلها صاحب الفتح، تبين مدى حرص المجتمع الإسلامي على تبادل البشريات، يقول كعب: (فأنزل الله توبتنا على نبيه حين بقي الثلث الأخير من الليل، ورسول الله ﷺ عند أم سلمة، وكانت أم سلمة محسنة في شأني معتنية بأمري، فقال: «يا أم سلمة! تِيب على كعب»، قالت: أفلا أُرسِل إليه فأبشره؟ قال: «إذًا يحطمكم الناس فيمنعوكم النوم سائر الليلة» (٢).
فقد كانت أم سلمة حريصة على ألا تنتظر الصباح وألا تدخر البُشرى لرجل مسلم.
وقد وعد الله الذين آمنوا وكانوا يتقون بأن ﴿لَهُمُ البُشْرَى فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ ...﴾ [يونس: ٦٤]، ومن البشرى العاجلة في الحياة الدنيا: أن يلقى المسلم قبولًا حسنًا من إخوانه، وأن تشكره على إحسانه، فذلك من التبشير، وقد روي مسلم في باب: (إذا أُثنِي على الصالح فهي بشرى ولا تضره) حديثًا جاء فيه: (قيل لرسول الله ﷺ أرأيت الرجل يعمل العمل من الخير ويحمده الناس عليه؟)، قال: «تلك عاجل بُشرى المؤمن» (٣).
وحالُه ﷺ مع أصحابه التبشير، كما
стр. 99
في قوله: «إن الدين يسر، ولن يشادَّ الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا.» (١).
قال في الفتح: (وأبشروا: أي بالثواب على العمل الدائم - وإن قل - والمراد تبشير من عجز عن العمل بالأكمل، بأن العجز إذا لم يكن من صنيعه لا يستلزم نقص أجره، وأبهم المبشَّر به تعظيمًا له وتفخيمًا) (٢).
ومبنى هذا الخلق وأساسه أن يكون المسلم مصدرًا للفأل الحسن، والأمل الواسع، والعاقبة الخيرة، وألا يرى أخوه منه ما يكره.
أفبعد كل هذه الإشارات يقبل أحدنا لنفسه أن يكون مصدر شؤم، ومظنة تخذيل، أو إحباط، أو تنفير، أو قتل للقدرات؟ أم نشيع البشرى، وننشر التفاؤل، ونحيي النفوس، ونحرض على الخير، ونُعِين على المعروف، ونستنهض الهمم؟ إلى أن يكون كل منا بشيرًا لإخوانه يحيي فيهم الأمل ويدفعهم إلى مزيد من العمل.
خلاصة هذا الفصل وعناصره:
- خلق التبشير يُعطي الأنس ويبعد عن التنفير.
- رسول الله ﷺ بُعث مبشرًا.
- من أساليب التبشير:
- أداء الموعظة المناسبة قدرًا وتوقيتًا.
- من المواقف التي تقتضي التبشير:
• تنشيط الهمم للطاعة.
• إزالة دواعي الاضطراب.
стр. 100
• تهدئة الضعف البشري.
• إزالة هم المكروب.
• تحريض المقبلين على الشهادة.
- قصة توبة كعب بن مالك وما فيها من التبشير.
- يبشر الله عباده في الحياة الدنيا.
- ما يلقاه المؤمن من شكر على إحسانه من عاجل بشراه.
- حال رسول الله ﷺ مع صحابته التبشير.
- صاحب خلق التبشير ذو فأل حسن.
стр. 101
الفصل الرابع
الحكمة
стр. 102
﴿وَمَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾
إن صاحب النية الخالصة والعبادة الصادقة يبقى صلاحه قاصرًا عليه ولا يتعداه إلى غيره، إن لم يرزق الحكمة في التعامل، والإصابة في الاختيار، كما أن صاحب الحكمة تغدو حكمته نوعًا من النفاق الاجتماعي، والسياسة المقيتة، إن لم تشفع لها روحانية عالية، واستقامة على نهج الكتاب والسنة.
كثير من التفاسير تفسر الحكمة أحيانًا بأنها القرآن، وأحيانًا تفسرها بأنها السنة أو النبوة، ولذلك وردت أحاديث في دعوة رسول الله ﷺ لحبر الأمة - ابن عباس - بأن يعلمه الله التأويل والكتاب والفقه في الدين، وأجملها في رواية للبخاري بقوله: «اللهم علِّمه الحكمة» (١).
والمراد بذلك فهم القرآن والسنة، والعمل بهما، كما صرح بذلك كثير من التابعين، وأكده ابن تيمية بقوله: (.. وأما الحكمة في القرآن فهي معرفة الحق، وقوله، والعمل به ..) (٢).
وإذا عدنا إلى اللغة وجدنا الحكمة: (الإصابة في القول والعمل، وأصلها وضع الشيء في موضعه .. قال في اللسان: أحكم الأمر أتقنه.
стр. 103
ويقال للرجل إذا كان حكيمًا: قد أحكمته التجارب. والحكيم المتقن) (١).
وبتعريف الداعية المجرب، المستوحي من الحركة لهذا الدين، يُعرِّف صاحب الظلال الحكمة بقوله: (توخي القصد والاعتدال، وإدراك العلل والغابات، ووضع الأمور في نصابها، في تبصر وروية وإدراك) (٢).
وللحكمة جذور فطرية، وأخرى مكتسبة، ومن أسباب اكتساب الحكمة التفقه في الدين، وهو من الخير الكثير الذي أشارت إليه الآية: ﴿... وَمَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ٢٦٩] وأكدته السنة وبينت سبيل اكتساب الحكمة: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين» (٣).
وأشار صاحب الظلال إلى أنها ثمرة التربية القرآنية: (والحكمة ثمرة التعليم بهذا الكتاب، وهي مَلَكة يتأتَّى معها وضع الأمور في مواضعها الصحيحة، ووزن الأمور بموازينها الصحيحة، وإدراك غايات الأمور والتوجيهات ..) (٤).
بينما اعتبرها لقمان الحكيم مما يُكتسب بمجالسة الصالجين الذين يُقتدى بهم، كما في وصيته لابنه: (يا بني، جالس العلماء، وزاحمهم بركبتيك، فإن الله يحيي القلوب بنور الحكمة؛ كما يحيي
стр. 104
الله الأرض الميتة بوابل السماء) (١).
وترجم البخاري في كتاب العلم لباب في: (الاغتباط في العلم والحكمة)، باعتبار أن العلم وسيلة، وأن الحكمة نتيجة طبيعية، ولذلك نقل في الترجمة قول عمر: (تفقَّهوا قبل أن تسودوا)، لما تحتاجه الإمرة من حكمة العلم وتجربة العلماء، ولما قد تشتغل الإمرة المبكرة في سن الصبا، ولم يُرِد البخاري أن يُفهم من قول عمر أن السيادة والإمرة تمنع من التواضع للعلم والعلماء، فعقَّب البخاري: (وبعد أن تسودوا، وقد تعلم أصحاب النبي ﷺ في كبر سنهم) (٢).
ثم إن من مشارب الحكمة الاستفادة من العمر والتجارب، بالاعتبار وأخذ الحيطة لأمر الدين والدنيا، ففي الحديث: «لا يُلدَغ المؤمن من جُحر واحد مرتين» (٣).
وكثرة التجارب هي التي تكسب صاحبها الحلم والحكمة، وهذا ما يُفهم من حديث رسول الله ﷺ : «لا حليم إلا ذو عثرة، ولا حكيم إلا ذو تجربة» (٤)، وعلَّق عليه ابن الأثير: (معناه: لا يحصل الحلم حتى
стр. 105
يرتكب الأمور، ويعثر فيها، فيعتبر، ويستبين مواضع الخطأ، ويجتنبها ..) (١).
وربما لا يصل الحكيم إلى ما وصل إليه إلا بعد التعلم من الأخطاء والزلات والسقطات؛ التي وقع فيها بنفسه، أو بأن يتشرب نتائج خبرة من يفوقه عمرًا أو علمًا أو تجربة، والمغفل من لا تنفعه التجارب، ولا تعلمه الأيام، ولذلك فصل الخطابي فقال: (ليكن المؤمن حازمًا حذرًا، لا يؤتى من ناحية الغفلة فيُخدع مرة بعد أخرى، وقد يكون ذلك في أمر الدين، كما يكون في أمر الدنيا، وهو أولاهما بالحذر) (٢).
فالواجب على الحكيم أن يتروَّى ويتعقَّل، ولا يعرض نفسه للزلات، فقد ورد أن صحابيًّا أتى رسول الله ﷺ فقال: (.. يا رسول الله، علِّمني وأوجز)، فأجابه: «إذا قمت في صلاتك فصلِّ صلاة مودِّع، ولا تكلَّمْ بكلام تعتذر منه، وأجمعِ اليأسَ عما في أيدي الناس» (٣)، فجعل الاحتياط في إطلاق الكلمات، وإبعاد النفس عن الوقوع في الحرج، من ثمرات الحكمة التي توجز تجارب الرجال.
ومن شُكر صاحب الحكمة لله على ما آتاه: أن يعلم الناس ثمرة حكمته، وخلاصة فقهه وتجاربه، وعندئذٍ يكون حريًّا بأن يغبِطه الناس، ويتمنَّوا الوصول إلى مثل مقامه، كما جاء في الحديث: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالًا فسُلِّط على هلكته في الحق،
стр. 106
ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها» (١).
ويفسر ابن حجر الحكمة تفسيرًا جامعًا، فيقول: (المراد بالحكمة: كل ما منع من الجهل، وزجر عن القبيح) (٢).
والغرض من الوصول إلى أعلى درجة من الحكمة الحرص على الإصابة في القول والعمل، واستعمال هذه الحكمة في الدعوة إلى الله: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ ....﴾ [النحل: ١٢٥] ويقول ابن القيم (أطلق الحكمة ولم يقيدها بوصف الحسنة، إذ كلها حسنة، ووصف الحسن لها ذاتي) (٣).
ولذلك فإن المعايشين للدعاة ذوي الفطانة والحكمة يتذوقون لذة التأدب على أيديهم، ويستقبلون توجيهاتهم بارتياح ورضا وحسن قبول، كما جاء في روح المعاني عن صاحب البحر: (أنها الكلام الصواب الواقع م النفس أجمل موقع (٤)، وكلما كان الداعية أكثر فقهًا، وأرجح عقلًا، وأصوب بصيرة، كان أكثر حكمة، وقد جاء في فتح القدير أن الحكمة التي أوتيها لقمان هي: (الفقه والعقل والإصابة)، ووافقه القرطبي (٥).
ومن صور الدعوة بالحكمة: (النظر في أحوال المخاطَبين وظروفهم، والقدر الذي يُبيِّنه لهم في كل مرة؛ حتى لا يثقل عليهم، ولا يشق بالتكاليف قبل استعداد النفوس لها، والطريقة التي يخاطبهم
стр. 107
بها، والتنويع في هذه الطريقة حسب مقتضياتها؛ فلا تستبدُّ به الحماسة والاندفاع والغيرة؛ فيتجاوز الحكمة في هذا كله وفي سواه) (١).
خلاصة هذا الفصل وعناصره:
- الحكمة بغير الاستقامة نفاق اجتماعي.
- من معاني الحكمة:
- فهم القرآن، ومعرفة الحق والعمل به.
- وضع الشيء في موضعه.
- توخِّي القصد ومحاولة إدراك العلل، ووضع الأمور في نصابها.
- من أسباب اكتساب الحكمة:
- التفقه في الدين.
- الاستفادة من تجارب العمر.
- التعلم من الأخطاء.
- الاحتياط من الوقوع في الخطأ.
- من شكر الله على نعمة الحكمة، تعليمها للناس.
- الخرص على الوصول إلى الصواب من أسمى الحكمة.
- من الحكمة في الدعوة مراعاة أحوال المخاطبين وظروفهم.
стр. 108
الفصل الخامس
الهمة
стр. 109
«اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل».
لقد كان جيل الصحابة ﵃ على درجةٍ عالية من الهمة والنشاط، اقتضت من رسول الله ﷺ أن يدعوَهم في كثير من المواقف إلى الحد من هذا النشاط الزائد، وإلى العودة إلى مستوى القصد والاعتدال والتوازن قائلًا لهم: «اكلَفُوا من الأعمال ما تطيقون» (١)، ويقول الواحد منهم: (يا رسول الله! إني أُطيق أكثر من ذلك) (٢).
وحين خارت القوى، وضعفت العزائم، وفترت الهمم، صار الواحد من الناس حين يُطالب بأداء بعض الواجبات يكون جوابه: لا أطيق ذلك. وأصبحنا بحاجة كبيرة للاستعاذة بالله من هذا الحال: «اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل» (٣).
إن دينًا يخاطب أتباعه بقول الله : ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣]
﴿سَابِقُوا﴾ [الحديد: ٢١]
стр. 110
﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ﴾ [الشرح: ٧] ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الكِتَابَ بِقُوَّةٍ ...﴾ [مريم: ١٢].
إن دينًا هذا شأنه لا يقبل من أتباعه الكسل والخمول، والعجز والسكون، والفتور والتواني، والاسترخاء وضعف الهمة.
ومن الإشارات الطيبة ما جاء في قوله ﷺ : «أحب الأسماء إلى الله تعالى: عبد الله وعبد الرحمن، وأصدقها: حارث وهمام ..» (١).
حيث يصدق على المرء من واقع حاله في هذه الحياة أن يصيبه الهم لأمر، فتئور فيه الهمة إليه، فيسعى ويحرث ويكتسب، وكلا الاسمين يدلان على الكدح وتجديد الإرادة ومواصلة العمل.
إن الرسول ﷺ خُوطب من بدايات الدعوة بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا المُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ﴾ [المدثر: ١، ٢] ﴿يَا أَيُّهَا المُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلًا﴾ [المزمل: ١ - ٢]، وحين كان يُدعى بعدها إلى النوم يقول لسان حاله: مضى عهد النوم، ويقول صاحب الظلال في ذلك: (علم رسول الله ﷺ أنه لم يعد هناك نوم، وأن هناك تكليفًا ثقيلًا، وجهادًا طويلًا، وأنه الصحو والكد والجهد .. قيل لرسول الله ﷺ : قم فقام وظل قائمًا بعدها أكثر من عشرين عامًا .. إن الذي يعيش لنفسه قد يعيش مستريحًا، ولكنه يعيش صغيرًا، ويموت صغيرًا، فأما الكبير الذي يحمل هذا العبء فما له والنوم؟ وما له والراحة؟ وما له والفراش الدافئ، والعيش الهادئ، والمتاع المريح؟) (٢).