← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17083

هذه أخلاقنا حين نكون مؤمنين حقا

محمود محمد الخزندار

Полный текст (451 стр.). Показаны 421–451 · переход к 426.

стр. 421

- ﷺ : أي الصدقة أعظم أجرًا؟ «قال: أن تَصَّدَّق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل الغنى» (١). قال ابن حجر: (ولَمَّا كانت مجاهدة النفس على إخراج المال مع قيام مانع الشح دالًّا على صحة القصد وقوة الرغبة في القربة كان ذلك أفضل من غيره، وليس المراد أن نفس الشح هو السبب في هذه الأفضلية) (٢). من الصفات المميزة لمن تأصلت فيه خصلة الكرم أنه لا يرد أحدًا يسأله وقد كان هذا الحال رسول الله ﷺ (ما سئل عن شيء قط فقال: لا) (٣)، حتى حين أُهدِيت إليه بُرْدَة وكان محتاجًا إليها رآها عليه رجل من الصحابة، فقال: يا رسول الله ما أحسن هذه فاكسُنِيها. قال: نعم، فلام الصحابة ذلك الرجل قائلين له: (أخذها محتاجًا إليها ثم سألته إياها وقد عرفت أنه لا يُسأل شيئًا فيمنعه، فقال: رجوتُ بركتَها حين لبِسها النبي ﷺ لعلِّي أكفَّن فيها) (٤). والكرم من صفات الرب ، يقول رسول الله ﷺ : «إن ربكم حَيِيٌّ كريم، يستَحْيِي من عبده أن يرفع إليه يديه؛ فيردهما صِفْرًا، (أو قال خائبتين)» (٥). وعباد الله الصالحون يمنعهم حياؤهم وكرمهم من رد حاجة العبد من عباد الله. ومن أوجب الكرم معاملة الكرام بما يستحقون كما في الحديث:

стр. 422

«إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه» (١)، وقد حث رسول الله ﷺ على الضيافة - كمظهر من مظاهر الكرم - بتحريك المشاعر الإيمانية: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ..» (٢)، ومَن كانت المادة قد التَهَمَتْه واستولت على قلبه وجعلته يعد ويُحصِي ويُحجِم عن المكارم استبقاء لما في الجيب وحذرًا مما يأتي به الغيب فلا خير فيه يقول ﷺ : «لا خير فيمن لا يضيف» (٣). وقد كانت السمعة والصيت عند أبناء الجاهلية عرضًا يخشون عليه أن يمسّ، فيتحدث الناس عنهم بما لا يحبون، فكانوا يهينون أموالهم حفاظًا على سمعتهم، وعزَّز الإسلام خيار الأخلاق فقال ﷺ : «ذُبُّوا عن أعراضكم بأموالكم» (٤)، وأي دناءة يصل إليها المرء حين يؤثر المال الوفير المحفوظ بالشح والبخل والتقتير؟! الناس بفطرتهم لا يُحِبُّون الشحيح البخيل، وإذا لم تتحقَّق المحبة لم تنفتح القلوب للاستجابة والاستقبال، وقد ورد بهذا المعنى: (السَّخي قريب من الله، قريب من الناس، قريب من الجنة، بعيد من النار، والبخيل بعيد من الله، بعيد من الناس، بعيد من الجنة، قريب من النار، ولَجَهِل سخي أحب إلى الله تعالى من عابد بخيل) (٥). ومما يُعِين المرء على اكتساب صفة الكرم وتأصيلها في نفسه أن

стр. 423

يستحضر صفة ربه : «إن الله تعالى جوادٌ يحب الجود، ويحب معالي الأخلاق ويكره سَفاسفها» (١)، «إن الله كريم يحب الكرماء جواد يحب الجَوَدة» (٢)، «إن الله كريم يحب الكرم» (٣)، ومَن لا يحب أن يكون كما يحب الله؟! وإن في تأمُّل الحياة العملية للرسول القدوة صلوات الله وسلامته عليه ما يُفجِّر معاني الجود والكرم في قلب المتبع المحب. جاء في الحديث (كان النبي ﷺ أحسن الناس، وأجود الناس، وأشجع الناس) (٤)، كما ورد بمثل هذا المعنى: (كان رسول الله ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان، فلرسول الله ﷺ أجود بالخير من الريح المرسلة) (٥)، وجوده هذا كان سبب إيمان الكثيرين، ومحبة الكثيرين، واحترام العدو والصديق، وما على حملة الدعوة إلا أن تكون الدنيا أحقرَ ما يكون في أعينهم لتفيض بها أيديهم، وليعم الخير من حولهم. وللشيطان نصيب كبير في قلب البخيل الشحيح، ولذلك شرع لنا الاستعاذة بالله من هذه الصفات الشيطانية، فقد كان رسول الله ﷺ يتعوذ دبر كل صلاة من: «اللَّهم إني أعوذ بك من البخل، وأعوذ بك من الجبن ..» (٦)، ولعل السر في تلاحق وصف البخل والجبن أن من عزَّ

стр. 424

عليه ماله أن يصرفه في وجوه الخير فبخل، طبيعي من مثله أن تعزَّ عليه روحه أن يُزهِقها في سبيل الله فيجبن، والجود بالنفس أسمى غاية الجود. وإذا افتقدت الأمة الجود بالمال والجود بالنفس، فقد سارت في طريق الهلاك لما جاء في الحديث: «إياكم والشح، فإنما هلك مَن كان قبلكم بالشح: أمرهم بالبخل فبخِلوا، وأمرهم بالقطيعة فقطعوا، وأمرهم بالفجور ففجروا» (١). وقد حذر رسول الله ﷺ من صفات شرار الخلق في آخر الزمان وكان من صفاتهم الشح: «يتقارب الزمان، وينقص العمل، ويلقَى الشح، ويكثر الهرج» (٢)؛ ولأن الكرم صفة قلبية تنعكسُ على السلوك، فإن المريض بالشح مريض بالقلب يقعد به بخله عن البناء، ويحجزه الشح عن المبادرة، ويغدو يأخذ ولا يعطي، وماذا بعد ذلك من شر؟ لذلك يقول رسول الله ﷺ : «شرُّ ما في رجل شحٌّ هالع، وجبن خالع» (٣). وقد عدَّ رسول الله ﷺ الموبقات فذكر منها «الشرك بالله والشح» (٤)، وعدَّ المهلكات، فذكر فيها: «هوى متبع، وشح مطاع وإعجاب المرء بنفسه» (٥)،

стр. 425

الجيل الأول تميز بزهده ويقينه فصعد؛ فما هي سنن السقوط والهلاك؟ يقول ﷺ : «صلاح أول هذه الأمة بالزهد واليقين، ويهلِك آخرها بالبخل والأمل» (١)، قبض اليد والإحجام عن المبادرة والامتناع عن تقديم أي جهد، ثم بعد كل ذلك بناء الأحلام الكبيرة والآمال العريضة، ذلكم تشخيص هلاك الدنيا فهل صرنا إليه؟ أما في الآخرة، فإن الكانز لمال دون أن يؤدي حق الله فيه يخيل له المال يوم القيامة بصورة: «شجاع أقرع يفرُّ منه صاحبه وهو يتبعه يقول له: هذا كنزك الذي كنت تبخل به» (٢). إذا لم يكن خلق (الكرم) يميز عامة أبناء الإسلام العاملين لنصرته فلن تجتمع حولهم القلوب ولن يحظوا بالثقة، وحين تكرم النفوس وتتخلص من رق الدنيا، ويصغر في عينها كل متاع تنجذب إليها القلوب، وتعظم في الأنظار، ويتسابق الناس في الجود والكرم لا في الحرص والشح، وعندئذٍ نكون أهلًا للتمكين، بإذن الله. خلاصة هذا الفصل وعناصره: - الرابط بين الكرم والتضحية. - ارتباط الكرم بالإيمان. - من أعظم الكرم جود الفقير وجهد المقل. - الجهاد لا يكون بلا كرم. - الكرم الحقيقي مع وجود دواعي الحرص. - الكريم لا يرد سائلًا.

стр. 426

- البخيل لا خير فيه. - من صفات ربنا أنه كريم. - من أوجب الكرم إكرام الكرماء. - الكرم إهانة للمال وحماية للعِرْض. - الكريم قريب من الله والناس. - الله يحب الكرماء. - القدوة يجب أن يكون كريماً. - الرابط بين الجبن والبخل. - الشح مرض قلبي. - الشح من الموبقات والمهلكات في الدنيا والآخرة. - الكرم مدعاة للقبول عند الناس والتمكين في الأرض. ****

стр. 427

الفصل السابع الأمانة

стр. 428

﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ حين تستقيم الفطرة وتسلَم من اتِّباع الهوى تتمثَّل في صاحبها بخلق الأمانة، وفي تفسير قوله تعالى: ﴿إنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإنْسَانُ إنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: ٧٢]، يقول القرطبي (والأمانة تعم جميع وظائف الدين على الصحيح من الأقوال) (١)، كما يقول في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ [المؤمنون: ٨]، (والأمانة والعهد: يجمع كل ما يحمله الإنسان من أمر دينه ودنياه قولًا وفعلًا، وهذا يعمُّ معاشرة الناس، والمواعيد، وغير ذلك، وغاية ذلك حفظه والقيام به) (٢). وحين يعم التعامل بالأمانة يؤدي الذي اؤتُمِن أمانته، سواء اؤتمن على قنطار أو دينار؛ لأن الله أمر بأداء الأمانات إلى أهلها، ونهى عن خيانة الله والرسول وخيانة الأمانات، وجعل من صفات المُفلِحين أنهم يرعون عهودهم وأماناتهم، والنفوس البشرية بفطرتها تميل إلى الناصح الأمين، وتثق بالقوي الأمين، حتى غير المسلمين يؤثرون الأمين، فقد روي في قصة أهل نجران لما وافقوا على دفع الجزية أنهم قالوا: «إنا نعطيك ما سألتنا، وابعث معنا رجلًا أمينًا، ولا تبعث معنا إلا أمينًا. فقال: لأبعثن معكم رجلًا أمينًا، حقَّ

стр. 429

أمين» (١)، وأرسل معهم أبا عبيدة. إن من أغلى ما يرزقُه الله للعبد، ولا يحزن بعده على أي عَرَض من الدنيا، ما جاء في الحديث: «أربعٌ إذا كُنَّ فيك فلا عليك ما فاتك من الدنيا: صدق الحديث، وحفظ الأمانة، وحسن الخلق، وعفة مطعم» (٢)، فالأمانة ركن من هذه الأركان الأخلاقية الأربعة، التي لا يعدلُها شيء في الدنيا، بل قد تكون سببًا في إقبال الدنيا على العبد، لما يجده الناس فيه. والأمانة صفة مميزة لأصحاب الرسالات، فقد كان كل منهم يقول لقومه: ﴿إنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ [الشعراء: ١٠٧، ١٢٥، ١٤٣، ١٦٢، ١٧٨]. وكانت تلك شهادة أعدائهم فيهم، كما جاء في حوار أبي سفيان وهرقل، حيث قال هرقل: (سألتُك ماذا يأمركم؟ فزعمت أنه يأمر بالصلاة، والصدق، والعفاف، والوفاء بالعهد، وأداء الأمانة - قال: - وهذه صفة نبي) (٣)، وفي موضع آخر في صحيح البخاري: (وسألتُك هل يغدر؟ فزعمت أن لا، وكذلك الرسل لا يغدرون) (٤). ولئن كانت هذه صفة أصحاب الدعوات فإن أتباعهم كذلك متميزون، ولذلك اقتران تعريف المؤمن بسلوكه المميز، حيث قال ﷺ :

стр. 430

«والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم» (١). وإذا تمكَّنت صفة الأمانة من صاحبها تعامل بها مع القريب والبعيد، والمسلم، والكافر يقول ابن حجر: (الغدر حرام باتفاق، سواء كان في حق المسلم أو الذمي) (٢)، وكذلك حال المؤمن حتى مع مَن عُرف بالخيانة، واشتهر بالغدر كما في الحديث: «أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك» (٣)؛ وذلك لأن خطورة السقوط في الخيانة، وفساد الفطرة بنقض العهد، أشد من مجرد مقابلة الخائن بمثل فعله؛ ولأن السقوط مرة قد تستمرِئُه النِّفس، وتواصل في منحدر الخيانة. وغدر الكبراء والوجهان وخيانة ذوي الهيئات أفحش وأقبح من انزلاقه العامة، لِمَا يترتَّب على زلة الأوَّلين من مفاسد كبرى. ويُوضِّح القرطبي هذه المسألة في حديثه عن غدار الأمراء؛ حيث يقول: (قال علماؤنا رحمة الله عليهم: إنما كان الغدر في حق الإمام أعظم وأفحش منه في غيره؛ لما في ذلك من المفسدة، فإنهم إذا غدروا وعُلم ذلك منهم، ولم ينبذوا بالعهد على سواء، لم يأمنهم العدو على عهد ولا صلح، فتشتد شوكته، ويعظم ضرره، ويكون ذلك مُنفِّرًا عن الدخول في الدين، وموجبًا لذم أئمة المسلمين، وقد اختلف العلماء

стр. 431

هل يُجاهد مع الإمام الغادر؟) (١). وإذا كانت الخيانة من الوضيع مذمومة، فإنها من الوجيه أكثر قبحًا، وتصل الدناءة بالمرء حين تفسد فطرته إلى حال أهل النار؛ الذين عدَّ منهم رسول الله ﷺ : «والخائن الذي لا يخفى عليه طمع وإن دقَّ إلا خانه، ورجل لا يصبح ولا يمسي إلا وهو يخادعك عن أهلك ومالك» (٢)، وكم تنفطِرُ قلوبنا حين نرى هذه الأوصاف في بعض المسلمين، فيُهرَعون لكل طمع يلوح، ويخونون في سبيله كل وعد مقدس، وكل عِرْض مَصُون. لا يكفي عديم الأمانة ما يلقاه في الدنيا من مهانة وصغار، وإنما يجدها متمثلة له يوم القيامة عند الصراط؛ لتهوي به من فوق الصراط؛ إلى قعر جهنم؛ لقاء ما ضيّع منها، وفرّط فيها كما في الحديث: «وتُرسل الأمانة والرحم، فتقومان جنبَتَي الصراط يمينًا وشمالًا» (٣)، وهنيئًا لن قام بحق الأمانة فجرى على الصراط غير هيَّاب ولا وَجِل، والحسرة والندامة - حيث لا تنفع حسرة ولا ندامة - على مَن تساهل فخان، وسقط فغدر؛ لشهوة عارضة، أو لحقد أعمى. ومن الصور العملية للأمانة: أن تنصح مَن استشارك، وأن تصدق من وثق برأيك، فقد جاء في الحديث: «المستشار مؤتمن» (٤)، «ومَن أشار على أخيه بأمر يعلم أن الرشد في غيره فقد خانه» (٥)، وماذا يكون

стр. 432

قد بقي فيه من الخير مَن أشار على أخيه بما لا ينفعه، بل ربما بما يضره؟! والمجاهد في أرض المعركة مأمورٌ بالأمانة، ومنهيٌّ عن الغدر والخيانة والغلول: «لا تغدروا ولا تغلُّوا ولا تمثلوا» (١)، والقاعد الذي يخلف المجاهد في أهله بخيرٍ قائمٌ بالأمانة، وإن قصر أو خان وقف له المجاهد يوم القيامة، يأخذ من حسناته ما شاء: «وما من رجلٍ من القاعدين يخلف رجلًا من المجاهدين في أهله فيخونه فيهم إلا وقف له يوم القيامة، فيأخذ من عمله ما شاء، فما ظنكم؟» (٢)؛ أي: هل تظنُّون أنه يُبقي له من حسناته شيئًا؟ ومن أخطر الأمانات شأنًا حفظ أسرار الناس، وستر عَوْراتهم، وكتمان أحاديث مجالسهم، فقد ورد في الحديث «المجالس بالأمانة» (٣)، وإن لم يوصِ المتحدِّث بكتمان حديثه الخاص إليك لم يكن لك أن تُشيِّعه إلا بإذنه وعلمه؛ لقوله ﷺ : «إذا حدَّث رجل رجلًا بحديث ثم التفت فهو أمانة» (٤)، وأقل ما في هذه الأمانة أن ينقله الناقل - حين ينقله - بنصِّه، ولا يُحمِّله ما ليس فيه بتدليس أو تحريف. ومن الأمانة في العمل إتقانه، وكتمان أسراره، ولذلك ترجم البخاري في كتاب الأحكام (باب: يستحب للكاتب أن يكون أمينًا

стр. 433

عاقلًا)، مشيرًا بذلك إلى قول أبي بكر لزيد بن ثابت ﵄ حين أراد أن يستعمله: (إنك رجل شابٌّ عاقل لا نتَّهِمك) (١). ومن مخاطر الأزمان المتأخرة اضطراب الموازين، وفساد القيم، إلى الدرجة التي وصفها رسول الله ﷺ بقوله: «سيأتي على الناس سنوات خدَّاعات؛ يُصدَّق فيها الكاذب، ويُكذَّب فيها الصادق، ويُؤتَمن فيها الخائن، ويُخوَّن فيها الأمين، وينطِقُ فيها الرُّوَيْبضة في أمر العامة، قيل وما الرُّوَيْبضة؟ قال: الرجل التافِهُ» (٢). ومن خشي رسول الله ﷺ من انتشار الخيانة بعد قرون الخير فقال: «إن بعدكم قومًا يخونون ولا يُؤتَمَنون» (٣). ومن ذلك الحين استمرَّ مسلسل السقوط، إلى أن أصبحنا نرى الأمر يوسَّد إلى غير أهله، ويُؤتَمن الخائن، ويُخوَّن الأمين، ويغدو الأمناء - حقًّا - ندرةً يُشار إليهم كما جاء في الحديث: ... «... فيصبح الناس يتبايعون، فلا يكاد أحدهم يُؤدِّي الأمانة، فيقال: إن في بني فلان رجلًا أمينًا» (٤)، ومع نُدْرة هؤلاء الأمناء يُستَبعدن ويُولَّى غيرهم، ويكون ذلك سببًا في تضييع الأمانات - وهو من علامات الساعة - قال رسول الله ﷺ : «إذا ضُيِّعت الأمانة فانتظر الساعة»، «قال أبو هريرة: كيف إضاعتها يا رسول الله؟» «قال: إذا أُسنِد الأمر إلى غير أهله، فانتظر

стр. 434

الساعة» (١)، وفي الفتح: (قال ابن بطَّال: معنى (أُسند الأمر إلى غير أهله): أن الأئمة قد ائتمَنهم الله على عباده، وفرض عليهم النصيحة لهم، فينبغي لهم تولية أهل الدين، فإذا قلَّدوا غير أهل الدين فقد ضيَّعوا الأمانة التي قلَّدهم الله تعالى إياها) (٢). ومن اللَّمحات الفقهية لتبويب البخاري أنه استشهد بحديث «فإذا ضُيِّعت الأمانة فانتظر الساعة» (٣)، في كتاب العلم، ويُعلِّل ابن حجر إيراده في كتاب العلم، فيقول: (ومناسبة هذا المتن لكتاب العلم أن إسناد الأمر إلى غير أهله إنما يكون عند غلبة الجهل، ورفع العلم، وذلك من جملة الأشراط) (٤). الوفاء بحقوق الأمانة من صفات المؤمنين، والإخلال بشيء خصلة من النفاق، ولذلك جاء في صفات المنافق أنه «إذا ائتمن خان» (٥)، وقال ﷺ : «لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دِين لمن لا عهد له» (٦). صاحب خلق (الأمانة) حريصٌ على أداء واجبه، بعيد عن الغدر والمكر والخيانة، حافظ للعهود، وافٍ بالوعود. ورسالة عظيمة مثل رسالتنا لا يصلُحُ لحملها والمُضِي بها إلا

стр. 435

الأمناء، فهل نرشح أنفسنا لذلك؟ خلاصة هذا الفصل وعناصره: - تفسير القرطبي للأمانة بأنها تعم وظائف الدين. - حتى الكافر يميل إلى الأمين. - الأمانة صفة المؤمن. - الأمانة لا يعدلها شيء في الدنيا. - الأمانة صفة المرسلين. - أعداء رسول الله ﷺ شهدوا له بالأمانة. - أفحش الخيانة ما كان من الأمراء والكبراء. - الأمانة تقتص من الخائن عند الصراط. - من صور الأمانة: - الأمانة في الشورى. - الأمانة في الجهاد بعدم الغدر أو الغلول. - أمانة القاعد في حفظ عرض المجاهد. - الأمانة بحفظ أسرار المجالس. - الأمانة بإتقان العمل. - من علامات الساعة: - تخوين الأمين وائتمان الخائن. - وتوسيد الأمر إلى غير أهله. - وندرة الأمناء. - وتضييع الأمانة باستبعاد أهل الدين وبغلبة الجهل. - لا يصلح لحمل الدعوة إلا الأمناء. ****

стр. 436

الفصل الثامن البر

стр. 437

«إن الله تعالى يُوصِيكم بالأقرب فالأقرب». البر اسم جامع للخير، ويأتي بمعنى الإحسان إلى الوالدين والأقربين، كما يأتي بمعنى الصلة، وهو في استعمال الشرع: (كلمة جامعة لكل أصناف الخير، ويُراد منه ما هو زائد عن حدود التقوى، فهو مرتبةٌ فوق التقوى، ودون مرتبة الإحسان) (١). والرجل البارُّ رجل وفِيٌّ عطوفٌ مُخلِص في محبَّته، ويظهر أثر برِّه في تعامله مع والديه، وأقاربه، وجيرانه، وضيوفه، ومعارفه، ومعارف والديه، وأيتام المسلمين. ويتميز سلوك البارّ بالمداومة على الصلة؛ بالزيارة وبشاشة الوجه، والاستمرار في بذل المعروف، والإنفاق على الأرحام والمعارف، والإيثار على النفس. وقد جعل رسول الله ﷺ البرَّ في مقابل الإثم في نصوص عديدة، مفسَّرة مرة باطمئنان النفس إلى الحلال الطيب، الذي لا شبهة فيه فقال: «البرُّ ما اطمأنَّت إليه النفس» (٢)، وفي رواية: «البر ما سكنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب، والإثم ما لم تسكن إليه النفس، ولم يطمئن إليه القلب» (٣)، ووصف ابن حجر النفس البارَّة بأنها: (المطمئنة الموهوبة نورًا، يُفرِّق بين الحق والباطل، والصدق

стр. 438

والكذب) (١)، كما فُسِّر البرُّ في السنة بحسن الخلق كقوله ﷺ : «البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في صدرك»، وقيل في شرحه: (أي التخلُّق بالأخلاق الحسنة مع الخلق والخالق، والمراد هنا المعروف، وهو طلاقة الوجه، وكف الأذى، وبذل الندى، وأنه يحب للناس ما يحب لنفسه) (٢). ولأن درجة البرِّ من أعلى الدرجات، فلا يصل إليها المسلم إلا بعد مجاهدة للنفس، وإيثار للآخرة على علائق الدنيا وزينتها، ولذلك قال تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]، حتى لا يكون للقلوب تعلُّق إلا بما عند الله، ولتخلص النفوس لبارئها، وعندئذٍ يعلو مقامها عند الله، ولذلك «فالناس رجلان: رجل برّ يرتقيّ كريم على الله، وفاجر شقي هّين على الله» (٣)؛ كما جاء في الحديث الصحيح، فالبر تقي كريم على الله، ومن كان كريمًا على الله كان كريمًا على عباده الصالحين والعقلاء، ولذلك يقول بعض الحكماء: لا تصادق عاقًّا فإنه لن يبَرَّك، وقد عقَّ من هو أوجب حقًّا منك عليه. ومن أوجب البر الإحسان إلى الأقرب فالأقرب، وليس أقرب من الوالدين، وقد أمرنا بالإحسان إليهما، وبمصاحبتهما بالمعروف، وبشكرهما، وبالصبر عليهما، وعدم التضجر منهما، وبالتواضع لهما، وحسن الحديث معهما، والدعاء لهما، وقد جاء في الحديث: «إن

стр. 439

الله يوصيكم بأمهاتكم - ثلاثًا - إن الله تعالى يوصيكم بآبائكم - مرتين - إن الله تعالى يوصيكم بالأقرب فالأقرب» (١) والهالك من أدرك والديه فلم يبرّهما، وقد دعا رسول الله ﷺ بالذل والهوان على من فاتته فرصة البر بوالديه فقال: «رغم أنفه. ثم رغم أنفه. ثم رغم أنفه ... مَن أدرك والديه عند الكبر: أحدهما أو كلاهما ثم لم يدخل الجنة» (٢)؛ لأن الحياة فرص، وتفويت الفرصة المتاحة ليس من شأن المؤمن الفَطِن. وعدَّ رسول الله ﷺ من الثلاثة لا يدخلون الجنة «العاق ... لوالديه» (٣)، كما وصفه في حديث آخر بأنه ممن «لا يقبل منهم صرفًا ولا عدلًا» (٤)، ولا يسلم العاقُّ من عذاب الله حتى في الدنيا، لقوله ﷺ : «بابانِ مُعجَّلان عقوبتهما في الدنيا: الغي والعقوق» (٥)، بالإضافة إلى أن العقوق من الكبائر، وكما أنه كبيرةٌ شرعًا، فإنه من أكبر صورِ الجحود وعدم الوفاء في نظر العقلاء. وقد جعل الله البر بالوالدين بابًا للفوز برضاه سبحانه، كما في قوله ﷺ : «رضا الرب في رضا الوالدين، وسخطه في سخطهما» (٦).

стр. 440

وهو مَن أحب الأعمال إلى الله «أحب الأعمال إلى الله: الصلاة لوقتها، ثَم بر الوالدين، ثم الجهاد في سبيل الله» (١). وقد عبَّر رسول الله ﷺ عن المبالغة في التماس رضا الأم بقوله: «الزَم رجلها فَثمَّ الجنة» (٢)، وآثر الصحابي أن يُقدِّم خدمة والديه على الجهاد الكفائي، فقال له: «فيهما فجاهد» (٣)؛ يعني الوالدين. وفي قصة الثلاثة الذين حبسهم المطر في غار، واسند عليهم الغار بصخرة كبيرة، مثل بليغ لتنزل رحمة الله وتفريج الكروب، إذا ما صلحت العلاقات المالية، وحفظت الأعراض، واستقرَّت العَلاقات الأُسْرِية؛ حيث توسَّل كل منهم بصالح عمله، ومنهم الحريص على رضا والديه والمقدم لهما على أهله وولده، فكانت تنفرج الصخرة كلما دعَوا حتى خرجوا من الغار سالمين (٤). ومن أبلغ البر بالوالدين وأصدقه وأخلصه ما يداوم عليه البارُّ في حضور الوالدين، وغِيبتهما، وفي حياتهما، وبعد موتهما، ومن صور هذا البر إكرام أصدقائهما وأحبابهما، فقد قال رسول الله ﷺ : «إن أبر البر أن يصل الرجل أهل وُدِّ أبيه بعد أن يولي الأب» (٥)، وفي

стр. 441

رواية أخرى: «من البر أن تصلَّ صديق أبيك» (١)، و «مَن أحب أن يصل أباه في قبره، فليَصِلْ إخوان أبيه من بعده» (٢)، يقول النووي: (وفي هذا أفضل صلة أصدقاء الأب وإكرامه؛ لكونه بسببه، وتُلحَق به أصدقاء الأم، والأجداد، والمشايخ والزوج والزوجة) (٣). ومن إكرام الأب إكرام العمّ لقوله ﷺ : «إن عمَّ الرجل صِنْوُ أبيه» (٤)، ومن البِر بالأم الإحسان إلى الخالة، فقد ورد أن رجلًا أذنب ذنبًا كبيرًا وتساءل إن كان له توبة؟ فدلَّه رسول الله ﷺ على بابٍ من البر يُكفِّر عنه ما أذنب، فقال له: «ألك ولدان؟» قال: لا، قال: «فلك خالة؟»، قال: نعم، قال رسول الله ﷺ : «فبِرَّها ... إذًا» (٥). وأثر بر الولد يصل إلى والديه، حتى بعد موتِهما؛ بدعائه لهما، كما في الحديث: «أربعٌ مِن عمل الأحياء تجري للأموات: رجل ترك عقبًا صالحًا يدعو له ينفعه دعاؤهم» (٦)، وكم يستبشرُ قلبك حين تعلم أن استغفارك لأبيك المؤمن يرفع درجته في الجنة، ويعجب هو هناك، وفي ذلك يقول رسول الله ﷺ : «إن الرجل لتُرفع درجته في الجنة، فيقول: أنَّى لي هذا؟! فيُقال: باستغفار ولدك لك» (٧).

стр. 442

ومن صور البِر إليهما بعد موتهما التصدُّق عنهما، جاء في الحديث الصحيح «أن رجلًا قال للنبي ﷺ : إن أبي مات ولم يوصِ، أفينفعه أن أتصدق عنه؟ قال: «نعم» (١)، ولقد كان من بر رسول الله ﷺ بأمِّه رغم أنها ليست من أمته أنه استأذن ربه في الاستغفار لها؛ حيث قال: «استأذنت ربي أن أستغفر لأمي، فلم يأذَن لي، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي» (٢)، وورد عن أسماء بنت أبي بكر أنها قالت: قدمت عليَّ أمي وهي راغبةٌ مُشرِكة، فقلت: يا رسول الله، إن أمي قدمت عليَّ وهي راغبة مشركة، أفأصلها؟ قال رسول الله ﷺ : «صِلِيها» (٣). هذا شأن البارِّ حين يكون ابنًا، وهو إن نشأ على البر انعكس أثر بره في التعامل مع بنيه، وربما كانت التوجيهات النبوية إلى البر بالآباء أكثف وأغزر؛ لأن الإنسان بفطرته ميال إلى ولده، حريص عليه، متلهِّف للأخذ بيده إلى معالي الأمور، بينما قد ينسى البشر جيلًا سابقًا في طريقه إلى أن يولي، وهم في غمرة انشغالهم بجيل لاحق، يوشك أن يتمكن في الأرض، فاحتاج البشر إلى لفتة تذكرهم بفضل الجيل السابق،، لئلا يغفلوا عنه، وليقدموا إليه بعض صور الوفاء بحقه، وهو أنفسهم في طريقهم إلى أن يكونوا في يوم من الأيام ذلك الجيل السابق، وسيندبون ضعف الوفاء في بنيهم إن لم يبَرُّوهم. ومن صور البر بالأبناء التي وجه إليها رسول الله ﷺ العدل

стр. 443

بينهم، بحيث لا تثورُ الضغائن، ولا تتحرك الأحقاد، ولذلك قال ﷺ : «اعدِلوا بين أولادكم في النِّحَل - العطايا - كما تُحبُّون أن يعدلوا بينكم في البّر واللّطف» (١)، ولما جرت به بعض الجاهليات من إيثار الأولاد على البنات، فقد خص رسول الله ﷺ البر بالبنات بلفتات خاصة، منها قوله: «ليس أحد من أمتي يعول ثلاث بنات أو ثلاث أخوات، فيحسن إليهن، إلا كن له سترًا من النار» (٢). وصاحب البر يتعدى بره الوالدين والأبناء إلى الأرحام والأقارب، ولأن الوفاء والإحسان أصيل فيه، فإنه يتميز به مع جميع الناس الذين يتعامل معهم، وفي مقدمتهم الأقرب فالأقرب، ولذلك حث رسول الله ﷺ على توثيق هذه الصّلاة فقال: «اتقوا الله وصلوا أرحامكم» (٣)، وهذه الصلة من أحب الأعمال إلى الله: «أحبُّ الأعمال إلى الله: إيمان بالله ثم صلة الرحم» (٤)، وهي من أبواب الجنة لقوله ﷺ : «أَطِبِ الكلام، وأفش السلام، وصِلِ الأرحام، وصَلِّ بالليل والناس نِيام، ثم ادخل الجنة بسلام» (٥). ولِمَا لبرِّ الأرحام وصلتهم من المنزلة عند الله، فقد أخذ على نفسه - سبحانه - أن يصل البارَّ الواصل، كما جاء في الحديث من قول الله للرحم: «أما ترضين أن أصِلَ مَن وصلك، وأقطع مَن قطعك؟ قالت: بلى يا رب، قال: فهو لك» (٦)، وجعل الوصل من أسباب البركة في

стр. 444

العمر، كما جاء على لسان رسول الله ﷺ : «من سرّه أن يُبسط له في رزقه، وأن يُنسأ له في أَثَره، فليَصِلْ رحمه» (١). هذا بالإضافة إلى أثرها الاجتماعي في التأليف والمحبة، وقد قال ﷺ : «صلة القرابة مثراة في المال، محبة في الأهل، مَنْسَأة في الأجل» (٢)، وكما يُعجِّل الله عقوبة العاق والقاطع، فإنه ليعجل المثوبة في الدنيا للبار الواصل، كما في الحديث: «وإن أعجل الطاعة ثوابًا لصلة الرحم، حتى إن أهل البيت ليكونوا فَجَرة، فتَنْمُو أموالهم، ويكثُرُ عددهم، إذا تواصلوا» (٣)، وهذا رغم فجورهم. وقد يقابل الواصل بالجفاء، مما قد يغريه بالقطيعة، ولكن الله نصيره إذا ما داوم الصلة، جاء رجل إلى رسول الله ﷺ يقول: «يا رسول الله، إن لي قرابة، أصلهم ويقطعوني، وأحسن إليهم ويسيئون إليَّ، وأحلم عنهم ويجهلون عليَّ، «فقال: لئن كنت كما قلت، فكأنما تُسِفُّهم المَلَّ، ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت ذلك» (٤). وخير الوصل، والخالص لوجه الله، ما كان بالبر والإحسان إلى من يقابلك بالعداوة، ولذلك قال ﷺ : «إن أفضل الصدقة، الصدقة على ذي الرحم الكاشح» (٥)؛ أي: المعادي، يقول ابن الجوزي في بيان علَّة

стр. 445

الأفضلية: (وإنما فُضِّلت الصدقة عليه لمكان مخالفة هوى النفس، فأما من أعطى مَن يحب إنما يُنفِق على قلبه وهواه)، وقد كان حال البارِّين الواصلين لأرحامهم على هذه الصورة من الإحسان، حتى مع اختلاف الدين، ويشهد لذلك ما ورد من أن رسول الله ﷺ أُهدِيت إليه حُلَل كان قد قال عن مثلِها: «إنما يلبسُ هذه مَن لا خلاقَ له»، فأهدى منها إلى عمر، فقال عمر: كيف ألبسها، وقد قلتَ فيها ما قلت؟ قال: «إني لم أعطِها لتلبسها، ولكن نبيعها أو تكسوها»، فأرسل بها عمر إلى أخ له من أهل مكة قبل أن يُسلم) (١)، ويجب على البارِّ أن يستمر في صلة أرحامه ولو بأدنى صور الوصل، كما قال ﷺ : «بُلُّوا أرحامكم ولو بالسلام» (٢)؛ أي صلوا أرحامكم. وتتَّسِع دائرة البر لتشمل الجيران، وقد أوصى بهم جبريل كثيرًا: «لقد أوصاني جبريل بالجار، حتى ظننت أنه يورثه» (٣)، وقال ﷺ : «مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليحسن إلى جاره» (٤)، ونفى الإيمان الكامل عمَّن «لا يأمن جارُه بوائقَه» (٥)، و «مَن بات شبعانُ وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم به» (٦). وفي وصيته ﷺ لأبي ذر: «يا أبا ذر، إذا طبَخت فأكثر المرقة، وتعاهد جيرانك أو اقسم بين جيرانك» (٧)، وقد ذُكرت لرسول الله ﷺ امرأة تقوم الليل، وتصوم

стр. 446

النهار، وتفعل وتصَّدَّق، وتؤذي جيرانها بلسانها، قال ﷺ : «لا خير فيها، هي من أهل النار» (١). وكثيرٌ من صور البر تقتضي جودًا وإنفاقًا، وما حث به رسول الله ﷺ قوله: «نفقة الرجل على أهله صدقة» (٢)، و «أفضل الدنانير: دينارٌ يُنفِقه الرجل على عياله، ودينار يُنفِقه الرجل على دابَّتِه، ودينار يُنفِقه الرجل على أصحابه في سبيل الله، وأي رجل أعظم أجرًا من رجل ينفق على عيال صغار، يعفُّهم الله ويغنيهم به؟!» (٣). كل هذه الصور إنما أمثلة من حياة البارِّ، وإن كانت مظاهر برِّه تَسَع جميع المتعاملين معه من القريبين منه والمحتكين به. والبر يولِّد البر، والصلة تستدعي مزيدًا من الصلة، وتلتحم أواصر الأسر، وتتوثق العلاقات الاجتماعية، فإلى مزيد من البر والصلة. خلاصة هذا الفصل وعناصره: - معنى البر جامع للخير. - صورة الرجل البارِّ. - ضد البر الإثم. - البر حسن الخلق. - البر يقتضي المجاهدة لأهواء النفس.

стр. 447

- البر بالوالدين. - من عواقب العقوق: - الذل لمن لم يبر والديه. - العاقُّ لا يدخل الجنة. - عقوبة العاق معجلة في الدنيا. - العقوق من الكبائر. - من فضيلة البر بالوالدين: - رضا الله برضا الوالدين. - البر بالوالدين من أحب الأعمال إلى الله. - خدمة الوالدين مقدمة على الجهاد الكفائي. - تفريج الكروب ببر الوالدين. - من البر بالأبناء: - العدل بينهم. - الإحسان إلى البنات. - البر بالأرحام من أحب الأعمال إلى الله. - البر حتى مع المخالف في الدين. - استمرار الصلة ولو بأدنى صور البر. - البر بالجيران بالإحسان إليهم. - إيذاء الجار من ضعف الإيمان. - البر يوثق العلاقات الاجتماعية. تم بحمد الله وتوفيقه ****

стр. 448

قائمة المراجع - القرآن الكريم. - آداب القضاء، شهاب الدين الحموي الشافعي، تحقيق الدكتور محمد مصطفى الزحيلي. - إحياء علوم الدين، أبو حامد الغزالي، طبعة عالم الكتب. - رسالة (أفراح الروح)، سيد قطب. - أسد الغابة، ابن حجر. ط. كتاب الشعب. - أخلاقنا الاجتماعية، مصطفى السباعي. - البحر المحيط، أبو حيان الأندلسي. - البر والصلة، ابن الجوزي. - تفسير أبي السعود، أبو السعود. طبعة دار الفكر (قديمة). - تهذيب التهذيب، ابن حجر العسقلاني - ط دار الفكر. - تهذيب مدارج السالكين، ابن قيم الجوزية. تهذيب عبد المنعم صالح العلي - طبعة وزارة العدل في الإمارات. - تخريج أحاديث الإحياء، دار العاصمة للنشر بالرياض ط ١/ ١٤٠٨ هـ. - تحفة الأحوذي، المباركفوري. المكتبة السلفية - مؤسسة قرطبة - الهرم. - تخريج أحاديث الظلال، علوي السقاف. دار الهجرة للنشر - ط ١/ ١٤١٢ - ١٩٩١ م.

стр. 449

- جامع الأصول، ابن الأثير الجرزي. تحقيق الأرناؤوط ط ٢ دار الفكر - لبنان ١٩٨٣. - جمع الفوائد، محمد بن محمد بن سليمان. تخريج عبد الله هاشم اليماني - طبعة المدينة المنورة ١٩٦١. - الجامع لأحكام القرآن، محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي. طبعة دار إحياء التراث العربي ١٩٨٥ م. - حياة الصحابة، محمد يوسف الكاندهلوي. تحقيق وتعليق: نايف عباس ومحمد على دولة ط دار القلم ١٩٨٧ م. - الخلق الكامل، محمد أحمد جاد المولى. - روح المعاني، محمود الألوسي. ط /١٩٨٧ - دار الفكر. - رسالة المسترشدين، الحارث المحاسبي تحقيق وتعليق: أبو غدة - نشر مكتب المطبوعات حلب/الإسلامية - زاد المسير، ابن الجوزي. طبعة المكتب الإسلامي ط ٤/ ١٩٨٧. - زاد المعاد، ابن قيم الجوزية. - سلسلة الأحاديث الصحيحة، محمد ناصر الدين الألباني. ط. ١٩٨٨ - مكتبة المعارف/الرياض. - السلوك الاجتماعي في الإسلام، حسن أيوب. - السيرة النبوية، ابن هشام. تحقيق وشرح: السقا - الأبياري - الشلبي - ط دار المعرفة. - السنن الكبرى، البيهقي. ط. دار الفكر. - صحيح الجامع الصغير، محمد ناصر الدين الألباني. ط ٢/ ١٩٨٦ -

стр. 450

المكتب الاسلامي. - صحيح سنن ابن ماجة، محمد ناصر الدين الألباني. ط ٢/ ١٩٨٧ - مكتب التربية العربي لدول الخليج. - صحيح سنن الترمذي، محمد ناصر الدين الألباني. ط ١/ ١٩٨٨ - مكتب التربية العربي لدول الخليج. - صحيح سنن أبي داود، محمد ناصر الدين الألباني. ط ١/ ١٩٨٩ - مكتب التربية العربي لدول الخليج. - صحيح مسلم بشرح النووي، النووي. ط ١/ ١٩٨٧ - دار القلم - بيروت. - صفوة التفاسير، الصابوني. ط ١/ ١٩٨٧ - دار القرآن الكريم - بيروت. - ضعيف الجامع الصغير، محمد ناصر الدين الألباني. ط ٢/ ١٩٧٩ - المكتب الإسلامي. - ضعيف سنن ابن ماجه، محمد ناصر الدين الألباني. ط ١/ ١٩٨٨ - المكتب الإسلامي. - طبقات ابن سعد، - طبقات الشافعية، - عون المعبود، محمد بن شمس الحق العظيم آبادي. تحقيق عبدالرحمن محمد عثمان ط ٢/ ١٩٦٩ المكتبة السلفية - المدينة المنورة. - عارضة الأحوذي. - في ظلال القرآن، سيد قطب. دار الشروق ١٩٨٧. - فتح الباري، ابن حجر العسقلاني. ط. دار الفكر (ابن باز - عبد الباقي -

стр. 451

الخطيب). - فتح القدير، الشوكاني. طبعة عالم الكتب. - الفتح الرباني (وبلوغ الأماني). - لسان العرب، ابن منظور. طبعة إيران ١٤٠٥ هـ. - اللؤلؤ والمرجان، ط.١٩٨٦ - دار الجيل بيروت. - المعجم المفهرس لألفاظ القرآن، محمد فؤاد عبد الباقي. - المعجم المفهرس للحديث الشريف، لمجموعة من المستشرقين. ط. المكتبة الإسلامية - تركيا. - موطأ مالك، مالك بن أنس - ط ١٩٨٥ - دار إحياء التراث العربي. - مشكاة المصابيح، الخطيب التبريزي. تحقيق الألباني - ط ٣/ ١٩٨٥ المكتب الإسلامي. - ممرات الحق، الدكتور عبد الهادي. - مصباح الزجاجة، شهاب الدين الكناني البوصيري. دراسة: كمال يوسف الحوت - ط ١/ ١٩٨٦. - مسند الإمام أحمد، أحمد بن حنبل. دار الفكر - بيروت. - مختصر منهاج القاصدين، ابن قدامة المقدسي. ط ٧/ ١٩٨٦ - المكتب الإسلامي تحقيق زهير الشاويش. - مجموع فتاوي ابن تيمية. - المفني، ابن قدامة. ط. القاهرة - ١٩٩٠. - محاسن التأويل، القاسمي.