باللين. وقد تعجبت السيدة عائشة من موقف رسول ﷺ حين استأذن رجل بالدخول عليه، فنعته بقوله: «بئس أخو العشيرة، فلما دخل ألان له الكلام ..» (١)، وليس عجيبًا أن يكون هذا شأن نبينا ﷺ وهو القائل: «الكلمة اللينة صدقة» (٢)، ولما سأل رجل رسول ﷺ عن أفضل الأعمال أوجزها له في صفات ذكر منها: «لين الكلام وبذلك الطعام» (٣).
وإذا كان قصدنا الفوز برضا الله، والنجاة من النار، فإن المسلم لينال باللين ما لا يناله بالغلظة والشدة، كما في الحديث: «حُرِّم على النار: كل هيِّن ليِّن سهل، قريب من الناس» (٤).
ويمكن أن يكون تكلف السلوكيات اللينة مدخلًا إلى اكتساب اللين القلبي، فقد شكا رجل إلى النبي ﷺ قسوة قلبه فقال له: «إن أردت أن يَلِين قلبك؛ فأطعم المسكين، وامسح رأس اليتيم» (٥).
وكثيرًا ما يُحرِّش الشيطان في الصدور، حتى في لحظة القيام للصلاة، وتسوية الإمام للصفوف، بتأخير هذا وتقديم ذاك، إلى أن يستقيم الصف، وقد كان من وصيته ﷺ قبل الدخول في الصلاة: «ولِينوا في أيدي إخوانكم» (٦)؛ لأن إقامة الصفوف وسد الخلل
стр. 387
تقتضي الاستجابة وعدم المعاندة.
وليس المقصود باللين عدم إنكار المنكر، وإنما اللين في الأسلوب حيث يغني اللين ويحقق الغرض، وذلك باستنفاد جميع الوسائل الممكنة التي تضمن الاستجابة، ولا تستعدي الآخرين، وراجع - إن شئت - حديث البخاري في قصة الرجل الذي جامَع أهله في نهار رمضان، كيف عرض عليه رسول الله ﷺ عددًا من الخيارات للتكفير عن ذنبه، فقال له: «هل تجد رقبة تعتقها؟ قال: لا، قال فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا قال: فهل تجد إطعام ستين مسكينًا؟ قال: لا»، فجاء النبي ﷺ تمرٌ، فأعطاه للرجل، وقال له: «خذ هذا فتصدق به». فقال الرجل: على أفقر مني يا رسول الله، والله ما بين لَابتَيْها أهل بيت أفقر من أهل بيتي، فضحك النبي ﷺ حتى بدت أنيابه، ثم قال: «أطعمه أهلك» (١).
فاللين صورة من صور الرحمة يضعها الله في قلب العبد، قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ...﴾ [آل عمران: ١٥٩].
والرفيق الرحيم أحقُّ الناس برحمة الله كما في الحديث: «الراحمون يرحمهم الرحمن ﵎، ارحموا مَن في الأرض يرحمكم مَن في السماء» (٢)، ولذلك فإن رسول الله ﷺ (كان أرحم الناس بالصبيان والعيال) (٣)، ونفى كمال الإيمان عمَّن لا يرحم، «ليس
стр. 388
منا مَن لم يرحم صغيرنا، ويعرف شرف كبيرنا» (١)، وحتى الرحمة بالمخلوقات من أسباب استحقاق رحمة الله في الآخرة، كما في قوله ﷺ : «مَن رحم ولو ذبيحة عصفور، ﵀ يوم القيامة» (٢).
والعَلاقات الأُسْرِيَّة مع الأهل وذوي الرحم، ينبغي أن يسودها الرفق واللين؛ للمحافظة على تماسك بنيان الأسرة المسلمة وصفاء أجوائها، كما في الحديث: «إذا أراد الله بأهل بيت خيرًا أدخل عليهم الرفق» (٣).
والهين اللين ينسحب رفقه على كل صور حياته، التي تقتضي السماحة واللين في التعامل مع المؤمنين، حتى يحظَى بمحبة الله «إن الله تعالى يحب الرفق في الأمر كله» (٤)، كما نحظى بعون الله «إن الله رفيق يحب الرفق، ويرضاه، ويعين عليه ما لا يعين على العنف ..» (٥).
وصورة الشديد الغليظ، الغاضب العنيف، صورة مَشينة مَعِيبة تنفر منها الطباع البشرية؛ بينما صورة السهل الرفيق، اللين اللطيف، صورة تزين صاحبها، وترتاح إليها النفوس، وتأنس إليها القلوب، وقد قال رسول الله ﷺ : «ما كان الرفق في شيء إلا زانه، ولا نزع من شيء إلا شانه» (٦).
стр. 389
ولا ينفي كل ما مضى أن المؤمنين أشداء على الكفار رحماء بينهم. ولا أنهم يغضبون لله، كما أنهم يلينون لوجه الله.
خلاصة هذا الفصل وعناصره:
- اللين هو الأصل.
- من عوامل قسوة القلب:
- طول الأمد.
- كثرة المعاصي.
- كثرة التنعم.
- كثرة اللغو.
- اللين بالكلام.
- تَنال باللين ما لا تناله بالشدة.
- يمكن اكتساب اللين بممارسته.
- اللين في تسوية الصفوف.
- اللين لا ينفي الأمر بالمعروف.
- الرجل الرفيق حقيق بالرحمة.
- الرفق بالبهائم من الرحمة.
- صورة الرجل اللين محبوبة.
- لا تعارض بين اللين والشدة.
****
стр. 390
الفصل الثاني
السماحة
стр. 391
«الإيمان: الصبر والسماحة».
حين تجد امرءًا سهلًا ميسرًا، يتنازل عن حظِّ نفسه أو جزء من حقه، ليحل مشكلة هو طرف فيها، أو ليطوي صفحة طال الحديث فيها، أو ليتألف قلبًا يدعوه، أو ليستطيب نفس أخيه، وهو قبل ذلك لا يتعدى على حق أخيه، ولا يُلحِف في المطالبة بحقوقه، فذلكم هو الرجل السمح وتلك هي السماحة.
وقد دعا رسول الله ﷺ بالرحمة للرجل السمح: «رحم الله رجلًا سمحًا إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى» (١)، وفي رواية (وإذا قضى)، وما هي إلا صور من المعاملات اليومية، التي تقتضي قدرًا كبيرًا من السماحة. ويعلق ابن حجر على رواية البخاري بقوله: (السهولة والسماحة متقاربان في المعنى، والمراد بالسماحة ترك المضاجرة ونحوها، وإذا اقتضى؛ أي: طلب قضاء حقه بسهولة وعدم إلحاف، وإذا قضى: أي أعطى الذي عليه بسهولة بغير مطل، وفيه الحض على السماحة في المعاملة، واستعمال معالي الأخلاق، وترك المشاحنة، والحض على ترك التضييق على الناس في المطالبة، وأخذ العفو منهم) (٢)، وأكثر ما تكون الخصومات في المعاملات المالية، والمناظرات الخلافية، والملاسنات الكلامية. وقل أن يسلم فيها من لم يتحلَّ بكرم الخلق، وجود النفس، وسماحة الطبع.
стр. 392
إن صاحب السماحة لا تطيب نفسه بأن يحصل حقًّا لم تطب به نفس الطرف الآخر، فيؤثر التنازل أو السماحة وإن كان الحق له، وهذا ما كان من عثمان ﵁ حين اشترى من رجل أرضًا، فتأخَّر صاحب الأرض في القدوم عليه لقبض الثمن، وتبيَّن له أن سبب تأخره أنه بعد أن تم العقد شعر البائع أنه مغبون، وكان الناس يلومونه كيف تبيعها بهذا الثمن؟ قال عثمان: (فاختر بين أرضك ومالك)، ثم ذكر له الحديث: «أدخل الله الجنة رجلًا، كان سهلًا مشتريًا وبائعًا، وقاضيًا ومقتضيًا» (١).
إن إنظار المعسر، أو التجاوز عن القرض أو عن جزء منه، صورة عظيمة من صور الكرم وسماحة النفس. قال رسول الله ﷺ : «كان تاجر يُداين الناس، فإذا رأى معسرًا قال لفتيانه: تجاوزوا عنه؛ لعل الله أن يتجاوز عنا، فتجاوز الله عنه» (٢)، بل إن توفيق الدنيا والآخرة مرهون بتيسيرك على أخيك المعسر: «مَن يسَّر على مُعسِر يسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة» (٣).
وقد كان رسول الله ﷺ يأمر برد القرض بخير منه وبالزيادة فيه، ويقول: «أعطِه، فإن خيار الناس أحسنهم قضاء» (٤)، وما ترك صاحب القرض يمضي إلا وهو راضٍ، كما شهد لرسول الله ﷺ شريكه
стр. 393
في التجارة قبل البعثة: (السائب بن عبد الله) بقوله له: (كنت شريكي في الجاهلية، فكنت خير شريك، كنت لا تداريني ولا تماريني) (١)؛ أي: كنت لا تدافعني في أمر ولا تجادلني، بل كنت شريكًا موافقًا، ولم ينسَها له، وكانت سببًا من أسباب محبته له، وتكون سببًا من أسباب النجاة من النار لمن تخلَّق بها «حُرِّم على النار: كلُّ هيِّن ليِّن سهل، قريب من الناس» (٢).
صاحب السماحة لا يحرِصُ على إيقاع الناس في الحرج، ولا يشغَلُه التفكير بما له عن التفكير بما عليه من سماحة مع إخوانه وتقدير لظروفهم، وفي الحديث الصحيح: أن الصحابي أبا اليسر ﵁ كان له على رجل قرضٌ، فلما ذهب لاستيفاءِ حقه اختبأ الغريم في داره؛ لئلا يلقى أبا اليسر، وهو لا يملك السداد، فلما علم أبو اليسر أن صاحبه يتخفى منه حياءً لعدم تمكنه من أداء ما عليه، أتى بصحيفة القرض فمحاها، وقال: «إن وجدت قضاءً فاقضِ، وإلا فأنت في ... حلٍّ» (٣)، وبسماحته تلك أخرج أخاه من الحرج الشديد.
وأبرز مواقف السماحة ما يكون مع مَن أساء إليك، كالذي جرى مع أبي بكر ﵁ حين أقسَم ألا يُنفِق على مِسْطَح بن أُثاثة؛ لتورُّطه في حديث الإفك، فأمره الله أن يعفو ويصفح، فكفَّر عن يمينه، وعاد ينفق عليه (٤)، وفي ذلك يقول ﷺ : «ارحموا تُرحموا، واغفروا
стр. 394
يُغفَرْ الله لكم» (١)، وقد وصف الله عباده المؤمنين بأنهم: ﴿وَإذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٧].
وقد يوسوس الشيطان للمسلم: إنك لو تسامحت وصفك الناس بالعجز، وظنوا فيك الضعف؛ ولأن تُؤثرَ أن يقال فيك ما يقال خير لك من الوقوع في الفجور، بحيث يخشى الناس شرَّك، وقد ورد في الحديث: «يأتي عليكم زمان يُخيَّر فيه الرجل بين العجز والفجور، فمن أدرك هذا الزمان فليختَرِ العجز على الفجور» (٢)، ولابد من الإشارة إلى أن السماحة هنا مع أصحاب الفلتات من المسلمين، أما الذين يظلمون الناس، ويصرُّون على ذلك، فيُعامَلون بخلق (الانتصار).
وإن مما يتنافى مع السماحة الانزلاق إلى اللدد والخصومة؛ إذ كما يحب الله السماحة فإن «أبغض الرجال إلى الله الألدٌّ الخَصِم» (٣)، قال في الفتح: (الألدُّ: الكذَّاب، وكأنه أراد أن من يكثر المخاصمة، يقع في الكذب كثيرًا) (٤)، وحين يفتقد المرء السماحة تجده ينحدر في أخلاقه، إلى أن ينجرف إلى التصايح والجدل لأمر يعلم بطلانه، أو وقوفًا مع طرف لا يدري مدى أحقيته، «ومَن خاصم في باطل - وهو يعلمه - لم يزل في سخط الله حتى ينزع عنه» (٥)، وقد قيل في المثل: (ما استرسل كريم قط).
стр. 395
إن خُلُق السماحة يقتضي من صاحبه المبادرة إلى التنازل عند الوقوع في أي موقف جدلي، ولنتذكر دائمًا أن العلم بميقات ليلة القدر خير كبير حُرِمت منه الأمة؛ بسبب انعدام روح السماحة بين رجلين من الأمة: «خرجتُ لأُخبِركم بليلة القدر، فتلاحى فلان وفلان فرُفِعت» (١)، وكم تُحرم الأمة من البركات والنِّعم والنصر حين تدبُّ الخصومات، بل إن صفة أساسية من أخلاقيات المنافق أنه: «وإذا خاصم فجر» (٢)، ولا يليق بالرجل السمح أن يتعنَّت ويجادل ويشد ويَصِيح، ناهيك عن أن يفجر في الخصومة (والفجور: الميل عن الحق والاحتيال في رده) (٣).
وإنه مما يتنافى مع روح السماحة أن يقع الإخوة في جدالات تافهة لأمور سياسية، أو قضايا فكرية، أو توقعات غيبية، ثم تجدهم يَنْفضُّون متباغضين، وما كانت البداية إلا روح الجدل، و «ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل» (٤)، ولحثِّ المسلمين على السماحة في الحوار، والتنازل عند الاختلاف، وعدم الوقوع في مغبة الجدل، تعهد رسول الله ﷺ ببيت في الجنة لمن تنازل: «أنا زعيم ببيت في رَبَضِ الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقًّا» (٥)، ولا يمكن أن يكون سماحة وتنازلًا إلا حين يكون المرء محقًا، وإنه لعسير، وإن أجره لكبير.
стр. 396
ومن نتائج انعدام روح السماحة أن تغدو أمتنا تتبارى بألسنتها، فتنقلب إلى أمة كلام بدل أن تكون أمة عمل، وتضيع الأوقات في الشد والجذب والأخذ والرد، وكل يناصر رأيه، إن مما حرم رسول الله ﷺ على أمته (منعًا وهات) ومما كره لهم (قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال) (١).
ولا يكمل أجر المجاهد إلا بالسهولة والسماحة «الغزو غزوان: فأما مَن ابتغى وجه الله، وأطاع الإمام، وأنفق الكريمة، وياسر الشريك، واجتنب الفساد، فإن نومه ونبهه أجر كله» (٢)، قال الباجي في (ياسر الشريك): (يريد موافقته في رأيه مما يكون طاعة، ومتابعته عليه، وقلة مشاحّته فيما يشاركه فيه؛ من نفقة أو عمل) (٣)، فلنوفر أوقاتنا، ولنحفظ أخوتنا؛ بتعميم روح السماحة فيما بيننا، وبالنزول عند رغبة إخواننا إيثارًا لما هو أغلى.
تظهر آثار (السماحة) في جميع مظاهر حياة صاحبها، فانظر إلى رسول الله ﷺ مع زوجته (عائشة)، حين قصدت الحج والعمرة، فأصابها الحيض، فحزنت لعدم تمكنها من أداء العمرة، وبكت لذلك وقالت: (يرجع الناس بحجة وعمرة، وأرجع بحجة؟!)، يقول جابر بن عبد الله: (وكان رسول الله ﷺ رجلًا سهلًا، حتى إذا هَوِيَتْ الشيء تابعها عليه، فأرسلها مع عبد الرحمن بن أبي بكر فأهلَّت بعمرة من التنعيم) (٤)، قال النووي: (سهلًا: أي سهل الخلق، كريم الشمائل،
стр. 397
لطيفًا ميسرًا في الخلق) (١)، فما أعظم سماحته ﷺ مع أهله في مثل هذا الموطن المزدحم، وفي حال السفر.
وتأمَّل سماحة رسول الله ﷺ في دعوته: فحين وجد ريح ثُوم في مسجده، نهى الصحابة عن أن يردَّ أحد مسجده قبل ذهاب ريح الثُّوم منه، وكان المقصود بالنهي (المغيرة بن شعبة) يقول ﵁: «أتيته فقلت: يا رسول الله إن لي عذرًا، ناوِلْني يدك - قال فوجدته والله سهلًا - فناولني يده، فأدخلتها في كمي إلى صدري، فوجده معصوبًا»، «فقال: إن لك عذرًا» (٢)، فعذره حين وجد أنه أكل الثُّوم لمرض، وكم نحتاج إلى أن نتأسَّى بهذه السماحة مع المدعوين لنكون مبشِّرين غير منفِّرين، ميسِّرين غير معسِّرين.
وإن مما عرَّف به رسول الله ﷺ الإيمان قوله: «الإيمان: الصبر والسماحة» (٣)؛ حيث عرَّف الإيمان بحسن المعاملة مع الخالق، والمعاملة مع المخلوق، وكأنما يريد بالصبر عَلاقة العبد مع ربه؛ بالصبر على طاعته، والصبر عن معصيته والصبر على أقداره، وكأنما أراد بالسماحة عَلاقة العبد بأخيه؛ بحيث تغلب عليها السهولة والمياسرة والسماحة، وقابلية التوسيع والتنازل لرضى الله، وفيما يرضي الله، وربما كان من حكمة الربط بينهما أن السماحة تقتضي قدرًا كبيرًا من الصبر والتحمل: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣] فكن سمحًا إذا عاملت أو دعوت، سمحًا إذا حاورت
стр. 398
أو رافقت، سمحًا إذا ظُلمت أو جُهل عليك، فرسالتنا حنيفيَّة سمحة.
خلاصة هذا الفصل وعناصره:
- صورة السمح.
- السماحة في التعامل اليومي.
- من صور السماحة:
- التنازل عن حق.
- إنظار المعسر أو التجاوز عنه.
- رد القرض بأحسن منه.
- السماحة مع الشريك.
- رفع الحرج عن الناس.
- السماحة مع من يسيء إليك.
- السماحة بين تهمة العجز أو الفجور.
- صور تتنافى مع السماحة:
- كثرة الخصومات.
- كثرة الجدل.
- كثرة اللغو.
- مواقف تقتضي السماحة:
- في الجهاد يكمل أجر السمح.
- السماحة مع الزوجة يسر.
- السماحة مع المدعوين بالإعذار.
- العلاقة بين الصبر والسماحة.
****
стр. 399
الفصل الثالث
الاحترام
стр. 400
«ليس منا من لم يُجلَّ كبيرنا ويرحم صغيرنا».
أولى الناس بالاحترام والتوقير مَن كان حظه من الشرع أوفر، ونصيبه من العمل الصالح أكبر، فقد قال رسول الله ﷺ : «إن الله تعالى يرفع بهذا الكتاب أقوامًا، ويضع به آخرين» (١)، وذلكم هو ميزان التقديم والتكريم.
وصاحب (خلق الاحترام) يُجِلُّ العلم وأهله، ومن احترامك للعالم أن تستشعر مهابته، روى البخاري أن حذيفة حدَّث حديثًا عن الفتن، فأراد التابعون أن يسألوه، قالوا: (فهبنا حذيفة أن نسأله) (٢).
وقد كان هذا شأن الصحابة مع رسول الله ﷺ ، ففي مرَّة أرادوا أن يسألوه عمَّن قضى نحبه، من المقصود به في قوله تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ [الأحزاب: ٢٣]، (قالوا لأعرابي جاهل: سَلْه عمَّن قضى نحبه من هو؟ يقول الراوي: وكانوا لا يجترِئون على مسألته، يُوقِّرونه ويهابونه) (٣)، وفي حديث سجود السهو أن رسول الله ﷺ صلَّى ركعتين بدل أربع، فظن بعض الصحابة أن الصلاة قصرت، يقول
стр. 401
أبو هريرة: (وفي القوم أبو بكر وعمر، فهاباه أن يكلماه) (١)، وكان رسول الله ﷺ استحثَّهم على السؤال، فقال: (سلوني، فهاهبوه أن يسألوه) (٢)، فأرسل جبريل على صورة آدمي ليسأله، ولكي يتعلموا دينهم.
ومن احترام العلماء عدم الخوض معهم في نوادر المسائل، فقد نهى رسول الله ﷺ عن الغلوطات، قال الأوزاعي: (الغلوطات شداد المسائل وصعابها) (٣)، وقد ورد في الحديث الصحيح: «لا تَعَلَّموا العلم لتُهَابوا به العلماء، أو تماروا به السفهاء، ولا لتجزئوا به المجالس، فمن فعل ذلك فالنار النار» (٤)، فليحذر الذين يسألون ليجادلوا، أو ليختبروا، لا ليتعلموا. فإن شأن أمة محمد ﷺ التوقير والإجلال للعلم وأهله، و «ليس منا مَن لم يُجِلَّ كبيرنا، ويرحمْ صغيرنا، ويعرف لعالمنا حقه» (٥).
وكما وجب الاحترام للعالِم، فإن للمتعلم حقَّه من التوقير والإكرام، يروي أحمد في حديث وفد عبد القيس أن رسول الله ﷺ أنزلهم ضيوفا على الأنصار: «فلما أن أصبحوا»، «قال: كيف رأيتم كرامة إخوانكم لكم، وضيافتهم إياكم؟» «قالوا: خير إخوان: ألانوا فُرُشَنا، وأطابوا مَطْعَمنا، وباتوا وأصبحوا يُعلِّمونا كتاب ربنا ﵎، وسنة نبينا ﷺ » (٦)، وأوضح من ذلك ما جاء في الحديث
стр. 402
الحسن: «سيأتيكم أقوام يطلبون العلم، فإذا رأيتموهم فقولوا لهم: مرحبًا بوصية رسول الله، وأفتوهم» (١)، فليستوصِ العلماء بطلابِهم خيرًا، فإن ذلك يزيد المتعلِّمين توقيرًا وتقديرًا لمربِّيهم ومعلِّميهم.
وإن من أحوج ما ينبغي التذكيرُ به احترام ذوي سابقة الخير، فقد كان من وصية عمر ﵁ قبل وفاته -: (أُوصِي الخليفة من بعدي بالمهاجرين الأولين خيرًا؛ أن يعرف لهم حقَّهم، وأن يحفظ لهم حرمتهم، وأوصيه بالأنصار خيرًا - الذين تبَّوؤا الدار والإيمان - أن يقبلَ من محسنهم، ويعفو عن مسيئهم) (٢)، فتجاوز عن زلَّة مَن سبقوك في ميدان الدعوة والجهاد، واحفظ لهم قدرهم ولا تنسَ لهم فضلهم.
يروي أنس أن جرير بن عبد الله كان يخدمه مع أنه أكبر منه سنًّا؛ لأن جريرًا هذا لم ينسَ إكرام الأنصار لرسول الله ﷺ ، فقال: (لا أجد أحدًا من الأنصار إلا أكرمته) (٣)، ويروي أحمد أن رسول الله ﷺ قال في خطبة: «وإن الأنصار عيبتي التي أويت إليها، فأكرموا كريمهم، وتجاوزوا عن مسيئهم» (٤)، وحين يتربَّى أبناء الأمة على إكرام ذوي السبق في الخيرات، والأقدمية في خدمة الإسلام، عندئذٍ يعم الوفاء بين الأجيال.
ومن صور الاحترام المحمودة إكرام الصغير لمن هو أكبر منه سنًّا، أو أكثر منه فضلًا، فإن ابن عمر لما عرف جواب سؤال رسول الله ﷺ عن
стр. 403
الشجرة التي تشبه المسلم لم يُجب، يقول: (فأردت أن أقول هي النخلة، فنظرت فإذا أنا أصغر القوم، فسكتُّ) (١)، وفي حديث صحيح: «البركة مع أكابركم» (٢)، والكبير في قومه لا يليق أن يقابل بغير الإكرام جاء في الحديث الحسن: «إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه» (٣).
ومن كرمِ المؤمن احترامُه لمن سبق أن أحسن إليه، فإن رسول الله ﷺ لم ينسَ لبعض المشركين ما كان لهم من دور في الذبِّ عنه وعن دعوته، حتى العرب في جاهليتهم كان من الأخلاق المحمودة لديهم: الوفاء والاحترام لمن أحسن إليهم، فقد روي أن رجلًا من المشركين مثل عروة بن مسعود لما أغلظ له أبو بكر القول في مفاوضات صلح الحُدَيْبية، لم يجبه بشيء؛ لما لأبي بكر عليه من جميل سابق لم يكافئه عليه بعد، فلذلك قال: (أما والذي نفسي بيده. لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها، لأجبتك) (٤)، وفي حديث صحيح: «من صنع إليكم معروفًا فكافئوه» (٥) وأدنى ما تُكافِئ به المحسن إليك أن توقره وتحترمه.
وكل مؤمن حريٌّ بالاحترام فلا يُقَام من مجلسه ليجلس غيره، وتجب ضيافته، وتشرع مشاورته، ويُشكر على المعروف، وتُؤَدَّى إليه حقوقه غير مُتَعْتع، ونقابله بطلاقة الوجه، وندخل السرور إلى قلبه،
стр. 404
والإنسان بطبعه يحب أن يقابل بالاحترام والإكرام، ويطلب من ربه أن يكرمه. جاء في دعاء النبي ﷺ : «اللَّهم زِدْنا ولا تنقصنا، وأكرمنا ولا تُهِنَّا، وأعطِنا ولا تحرمنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا» (١)، ألا خابت أمة لا تتبادل خلق الاحترام والتوقير، و «حسب امرئُ من الشر أن يحقر أخاه المسلم» (٢).
إن من كان في نفسه حقيرًا قد لا يقابل الآخرين بالاحترام، والإكرام، والذي يحترم نفسه يُتوقع من مثله أن يحترم الآخرين المستحقِّين للاحترام، وفي موقف أبي سفيان في جاهليته درسٌ لأصحاب الجاهليات، ولكثير من المسلمين في احترام النفس. إذا أبت عليه نفسه أن يشهد أمام هرقل وأمام الوفد المرافق له من قومه شهادة كاذبة في حق رسول الله ﷺ ، وفي رواية ابن إسحاق يعلل ذلك، فيقول: (فوالله لو قد كذبت ما ردوا عليّ. ولكني كنت امرءًا سيدًا أتكرم عن الكذب، وعلمت أن أيسر ما في ذلك إن أنا كذبتُه - أن يحفظوا ذلك عني ثم يتحدثوا به، فلم أكذبه) (٣).
وأحيانًا يكون الاحترام الشكلي حتى مع من لا يستحق الاحترام لمصلحة شرعية كما كان من مخاطبة رسول الله ﷺ لهرقل بـ (عظيم الروم).
يقول ابن حجر: (لم يُخْلِه من إكرام لمصلحة التألُّف) (٤)، وكثيرًا ما يحتاج المسلمون للتعامل بالاحترام والتوقير لمصلحة وحدة الصف وتوفير الجهود، وتأليف القلوب، وإزالة الدَّخَن، وإغاظة العدو، وبقدر
стр. 405
ما يحترم بعضنا بعضًا نكون في نظر الناس محترمين.
خلاصة هذا الفصل وعناصره:
- ميزان احترام المرء بقدر حظه من الصلاح.
- من صور الاحترام للعالم:
- إجلاله والهَيْبة منه.
- إقلال الأسئلة معه.
- عدم تعنيتِه بالغلوطات.
- احترام العالم لطالب العلم بإكرامه.
- احترام صاحب السبق بالخيرات علامة وفاء.
- احترام الصغير للكبير.
- احترام من أحسن إليك.
- كل مؤمن حري بالاحترام.
- من يحترم نفسه يحترم الآخرين.
- احترام من لا ينبغي لمصلحة شرعية.
- التعامل بالاحترام لمصلحة وحدة الصف.
****
стр. 406
الفصل الرابع
الإحسان
стр. 407
«وأحسِنْ كما أحسَن الله إليك».
إن دِينًا يفرض على أتباعه (الإحسان) في كل شيء، لا يرتضي من أتباعه أن يألفوا الإساءة أو أن يمارسوها، فما يدعو إليه دينُنا أسمى وأرفع من ممارساتنا اليومية الخاطئة التي نشوه بها الصورة العملية لأخلاق هذا الدين.
منذ الخطوة الأولى على بوَّابة الإسلام، نحن مطالَبون أن نُحسِن إسلامنا لتضاعف أجورنا، فقد روى البخاري «إذا أحسن أحدُكم إسلامه فكل حسنة يعملها تكتب له بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، وكل سيئة يعملها تكتب له بمثلها» (١)، بل إن رُكام الجاهلية الذي يثقل كاهل حديث الهداية لا خلاص منه إلا بصدق التوبة وإحسان العمل؛ ولذلك يقول ﷺ : «مَن أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية، ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر» (٢).
الإحسان إتقان للعمل، وتحسين للأداء، وحسن في العطاء يعمُّ مظاهر الحياة الرجل المحسن حقًّا؛ فإن نظرت إلى أخلاقه وجدت خلقه حسنًا، وإن أحبكم وأقربكم إلى رسول الله ﷺ «أحاسنكم أخلاقًا» (٣)، ولذلك قال الفُضَيل بن عِياض: (لأن يصحبني فاجرٌ حسن الخلق أحب إليَّ من أن يصحبني عابد سيِّئ الخلق) (٤)؟
стр. 408
وإن نظرت إلى الجميع أعمال المحسن وجدت الإحسان فيها غالبًا، ولذلك أخبر رسول الله ﷺ أن من خير الناس «مَن طال عمره وحسن عمله» (١)؛ لأن كل زيادة في العمر تغدو لديه زيادة في الأجر والخير.
إن الحياة كلها مجال للترقي في مدارج الإحسان؛ ولذلك كان النهي عن تمني الموت معللًا بما جاء في رواية البخاري: «لا يتمنَّى أحدكم الموت؛ إما محسنًا فلعله يزداد، وإما مسيئًا فلعله يستعتب» (٢)، فيسوقه الإحسان إلى التوبة ومحاسبة النفس قبل قدوم الأجل، وحتى صورة القتلة والذبحة - تلك الصورة القاسية بطبيعتها يمكن إشباعها بنفحة إحسان: «وليحدَّ أحدُكم شفرتَه وليُرِحْ ذبيحته» (٣).
ويجمَعُ الغزالي أصول الأخلاق الحسنة في أربعة أخلاق أساسية (الحكمة والشجاعة والعفة والعدل)، فيقول: (في الباطن أربعة أركان لا بدَّ من الحسن في جميعها حتى يتم حسن الخلق ... وكل من جمع كمال هذه الأخلاق استحق أن يكون بين الخلق ملكًا مطاعًا يرجع الخلق كلهم إليه ويقتدون به في جميع الأفعال) (٤)، فمَن سعى إلى أستاذية العالم لقيادة البشرية فلابد أن يكون مؤهَّلًا بالإحسان في أهم الأخلاق.
ويربط الغزالي في عَلاقة التأثير والتأثر بين حسن الباطن بالطبع، وحسن الظاهر بالتطبع ليصوغ من ذلك منهجًا تربويًّا في إصلاح النفس وترويضها نحو الأحسن، فيقول: (الأخلاق الجميلة يمكن اكتسابها بالرياضة وهي تكلُّف الأفعال الصادرة عنها ابتداءً
стр. 409
لتصير طبعًا انتهاءً، فإن كل صفة تظهر في القلب يفيض أثرها على الجوارح ... وكل فعل يجري على الجوارح فإنه قد يرتفع منه أثر إلى القلب) (١).
والصلاة نفسها وسيلة من وسائل غرس الإحسان في النفوس؛ لأنها تنهَى عن الفحشاء والمنكر ويدعو المؤمن فيها بالدعاء المأثور: «اللهم اهدِني لأحسن الأخلاق لا يَهْدي لأحسنِها إلا أنت، واصرِف عني سيِّئها لا يصرف عني سيِّئها إلا أنت» (٢).
وساحة الجهاد فرصة من فرص الارتقاء بالخلق وتهذيب الطباع والاستزادة في الإحسان، فقد جاء في سنن ابن ماجه: «يا أكثم، اغزُ مع غير قومك يحسن خلقك وتكرَّم على رفقائك» (٣)، وربما كان الخروج من التقوقع على النفس، والانخراط مع قوم آخرين في سبيل الله، فرصة للتأثر بخير ما عندهم، وتحسين الخلق بالتأسي بأفضل ما يظهر منهم، فالرفقة القصيرة غالبًا تُبدِي أحسن ما لدى الآخرين وتستر ما وراء ذلك من عيوب يظهرها طول العشرة.
ومن أسمى صور الإحسان - وهنيئًا لمن يصل إليها - أن تقابل الإساءة بالإحسان، وأن تكون مقتديًا بكل امرئ بخير ما فيه من خصال، روى البخاري عن عثمان بن عفان ﵁ قوله: (فإن أحسن الناس فأحسن معهم. وإذا أساؤوا فاجتنب إساءتهم) (٤).
стр. 410
وتربية القرآن تُنشِئ في نفس المؤمن صورًا من الإحسان؛ لأنه مخاطب بالتأمل فيما أحسن الله إليه من النعم الغامرة، ومطالب بالإحسان إلى الخلق بمثل ذلك: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ﴾ [القصص: ٧٧]، وكم في القرآن من المرغبات للمرء في أن يحسن: لينال محبة الله وليضمن معية التأييد، وعدم ضياع الأجر، وقرب الرحمة منه، وإيتاء الحكم والعلم جزاءً على إحسانه، وله في الآخرة الحسنى وزيادة، والسلام، وما يشاء (١):
وكم من مجالات الإحسان أمام الداعية! فإن أراد الدعوة فبالحكمة والموعظة الحسنة، وإن أراد القول فمَن أحسن منه قولًا؟! وهو الذي يقول للناس حسنًا، وإن أمر فبالعدل والإحسان، وهو الذي يأمر الناس أن يقولوا التي هي أحسن، وإن دفع مخالفيه أو جادلهم فبالتي هي أحسن، وهو يتقلب في صور الإحسان عاملًا بها وداعيًا إليها.
وقد يجد المرء نفسه في حالات الضعف مائلًا عن الإحسان إلى صور لا تليق بالمحسنين؛ كأن يصبح استماعه للمواعظ تتبعًا للهفوات، وتسقطًا للزلات، بينما كان من الذين ﴿يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٨]، وأخطر أمراض الحائدين عن الإحسان أنهم يسيئون ومع ذلك ﴿يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٤]؛ ذلك أن الواحد منهم ﴿زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآَهُ حَسَنًا﴾ [فاطر: ٨] بسبب انقلاب الموازين لديه وعدم تقبله للنصح وبسبب غلبة الهوى على الرابطة الإيمانية.
стр. 411
فاحذَر أن تكون من أولئك الظالمين لأنفسهم البعدين عن رحمة الله: ﴿إلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النمل: ١١] فاجعل الله غايتك، واستزِدْ من الإحسان يُسدِّد الله خطاك، ويكن عونك على من عاداك ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩]، ووعد الله باق، وسنته مع المحسنين ماضية.
خلاص هذا الفصل وعناصره:
- يدعونا ديننا إلى الإحسان.
- من صور الإحسان (إحسان الإسلام بصدق التوبة).
- إحسان العمل بإتقانه.
- إحسان الخلق.
- إحسان اغتنام الحياة.
- الإحسان إلى الذبيحة.
- إحسان الباطن والظاهر.
- الدعاء عون على الإحسان.
- الجهاد يعين على الإحسان.
- أسمى صور الإحسان بمقابلة الإساءة بالحسنى.
- مجالات الدعوة كلها إحسان.
- من أمراض الذين لا يحرصون على الإحسان.
- عمى بصيرة المسيء يريه الإساءة إحسانًا.
- استحقاق الرحمة بالإحسان بعد الإساءة.
- المحسن مؤيد بالعون من الله.
****
стр. 412
الفصل الخامس
مكافأة المحسن
стр. 413
«مَن أتى إليكم معروفًا فكافئوه».
إنه لمن القبيح أن ينتظر المُحسِن من الناس جزاءً أو شكرًا، وأقبح منه اللئيم الكنود الذي، لا يستشعر فضل المحسن إليه ولا يقابله بالحسنى، وأشد قبحًا من قابل الإحسان بالإساءة والإكرام بالجحود.
وإن مكافأة المحسن خُلق فطري ينشأ من خلق الوفاء، إذ أن القلوب مجبولة على حب من أحسن إليها، والمؤمن المستقيم لا يكون شاكرًا لله حتى يكون معترفًا بالفضل لأهل الفضل، وفي ذلك يقول ﷺ : «لا يشكر الله من لا يشكر الناس» (١)، وفي رواية أخرى: «إن أشكر الناس لله أشكرهم للناس» (٢)، وبهذا نرى أن أخلاق المؤمن لا تكتمل بحسن علاقته بربه فحسب وإنما لا بدَّ أن يكون على نفس المستوى من الأخلاق في التعامل مع الناس.
وليس المؤمن بالجشع الذي لا يهزُّه إلا فيض الإكرام ومزيد الإنعام، بل إن نفحة من الإحسان كافية لأن تُثيرَ فيه دواعي الشكر والمكافأة، وقد وضَّح رسول الله ﷺ هذا المعنى بقوله: «مَن لم يشكر القليل لم يشكر الكثير» (٣).
والشكر اللساني أقل ما يُقدِّمه المرء مكافأة لمن أحسن إليه ووفاءً لمن وقف بجانبه، لكيلا يتعلَّم أبناء الأمة الكفران والجحود، ولئلا
стр. 414
يتخلَّقوا بنكران الجميل ونسيان المعروف، وحتى لا تموتَ المروءة في الناس، ولذلك يقول ﷺ : «ومَن أتى إليكم معروفًا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه» (١).
ولكي تبقى دافعيةُ الإحسان قائمةً بين الناس، فإن البشر يُؤثِّر فيهم المكافأة على إحسانهم، ومن صور المكافأة المقابلة بالمثل، أو الدعاء لصاحب المعروف، أو الثناء على فعله: «ومَن لم يجد فليثنِ؛ فإن مَن أثنى فقد شكر ومَن كتم فقد كفر» (٢)، ومقابلة إحسان الناس ببرود ولا مبالاة يقتل فيهم المبادرة للإحسان، ويضعف عندهم التفكير في الآخرين، ويقتل المروءة والنجدة والنخوة، ويفشي السلبية والأثرة؛ لأن من طبيعة الإنسان أن تقوى اندفاعته بالشكر، وإن كان الأصل فيه ألا يبتغي شكرًا ولا جزاءً.
وحين ظنَّ المهاجرون أن الأنصار ذهبوا بالأجر كلَّه لما جادت به نفوسهم من الإنفاق على المهاجرين بين لهم رسول الله ﷺ بابًا من الخير يقربهم من أجر الأنصار، عن أنس أن المهاجرين قالوا: «يا رسول الله، ذهبت الأنصار بالأجر كله، قال: لا، ما دعوتم الله لهم، وأثنيتم عليهم» (٣)، فعلمهم أن يكافئوا إحسان المحسن بالدعاء له، أو بالثناء عليه، وليس أمام فقير من وسيلة لمكافأة المحسن غير هاتين.
стр. 415
وقد كان من خُلُق رسول الله ﷺ أنه «كان يقبَل الهدية ويُثِيب عليها» (١)، وذلك ضمن الاستطاعة؛ فإذا غدا التهادي نوعًا من التكلف والتقاليد الاجتماعية المرهقة، أو أصبح المهدي يمنُّ أو يتعب على مَن لا يقدر على مكافأته فقد خرجت هذه الأخلاق عن حدِّ الحسن، ودخلت في حيِّز المادية وعدم الإعذار وعدم خلوص العمل بانتظار الجزاء عليه، وهذا من مفاسد التعاملات الاجتماعية حين تفقد الروح الشرعية وإخلاص القصد.
وحين اقترض رسول الله ﷺ من عبد الله بن أبي رَبيعة المخزومي قبل حُنَين ردَّ إليه القرض بعد الغزوة، وقال له: «بارَك الله لك في أهلك ومالك، إنما جزاء السلف الوفاء والحمد» (٢)، وكلمة شكر وعبارة حمد لا يخسر قائلها شيئًا، ولا تُكلِّفه جهدًا، ولكنها تعود عليه بكسب ود المحسن، وائتلاف قلبه، وتحريضه على مزيد من الخير.
وإن سيدنا موسى ﵇ حين سقى للمرأتين، ثم تولى إلى الظل لم يلبث كثيرًا حتى لقي جزاء إحسانه من والد المرأتين، الذي أوتي الحكمة، ويدرك ضرورة مكافأة المحسن، فجاءت إحداهما تقول: ﴿... إنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا ...﴾ [القصص: ٢٥]، وإن عُروة بن مسعود - رغم شركه - حين أغلظ له أبو بكر بكلمة قاسية في مفاوضات صلح الحديبية لم يزد في تعليقه على كلمة أبي بكر أكثر من قوله: «أما والله، لولا يد كانت لك عندي لكافأتك بها،
стр. 416
ولكن هذه بها» (١)، واعتبر إساءة أبي بكر إليه مغفورة بسابق إحسانه عليه. ولعل هذه الاعتبارات تشيع وتحيا في معاملات المسلمين اليوم.
ولقد كانت المكافأة بالسوء مستنكرة حتى مع البهائم؛ إذ حينما فرَّت امرأة من المسلمين من العدو على ناقة مسلوبة كانت لرسول الله ﷺ نذرت إن وصلت إلى المدينة ناجية أن تنحرها، فلما ذُكر ذلك لرسول الله ﷺ قال: «بئسما جزيتِها» (٢)، ومُنعت من نحرها لهذا المعنى ولعدم جواز نذرها بما لا تملك.
وللمحسنين الذين يلقون الإساءة بدل الإحسان عزاء في أن الله ناصر لهم كما جاء في قصة الصحابي الذي جاء يشكو إلى رسول الله ﷺ قائلًا: «إن لي ذوي أرحام، أصل ويقطعون، وأعفو ويظلمون، وأحسن ويسيئون، أفأكافئهم - أي بمثل إساءتهم -» «قال: لا، إذًا تتركون جميعًا، ولكن خذ بالفضل وصلهم، فإنه لن يزال معك من الله ظهير ما كنت عليه» (٣)، والكريم لا ينسى الفضل لأهله، ولا يجازي الإحسان بالإساءة، وقد كان من الأجدر بنا ونحن نتحدث عن أخلاق المؤمنين أن نتكلم عن العفو، ومقابلة الإساءة بالإحسان، فذلك هو المقام اللائق بالمؤمنين حقًّا، وحينما استفسر صحابي رسول الله ﷺ فقال: «يا رسول الله الرجل أمرّ به فلا يقريني ولا يضيفني ثم يمرُّ بي أفأجزيه؟ - أي بمثل بخله علي -» «قال: لا، بل أقرِهِ» (٤)، وهكذا يكون
стр. 417
أصحاب النفوس العالية. يحيون المعروف بين الناس فلا يدعون محسنًا إلا ويكافئونه، ولا يدعون مسيئًا إلا ويقابلونه بالإحسان، ولا يمكن أن يكون المؤمن جحودًا للمعروف ولا كفورًا للعشير.
خلاصة هذا الفصل وعناصره:
- قبح الجحود واللؤم.
- مكافأة المحسن نوع من الوفاء، وصورة من الشكر لله.
- من صور مكافأة المحسن:
- الشكر اللساني على قليل الإحسان وكثيره.
- مقابلة الإحسان بالإحسان.
- الدعاء للمحسن.
- الثناء على المحسن.
- التهادي.
- الوفاء بالحقوق.
- جزاء المحسن في الدنيا.
- من حق المحسن التغاضي عن إساءته.
- المكافأة بالشر مستقبحة حتى مع البهائم.
- الثابت على الإحسان إلى المسيء ينصره الله.
- أسمى صور المكافأة الإحسان إلى المسيء.
****
стр. 418
الفصل السادس
الكرم
стр. 419
«إن الله كريم يحب الكرماء».
بين الكرم والتضحية ارتباطٌ وثيق وصلة قوية؛ فالمجاهد يَجُود بنفسه - وهذا غاية الجود - والمتحرِّر من شهوة المال، الباسط يده في أبواب البر والإحسان، قد يكون أقدر على الجهاد، لَما يُؤصِّله الكر في النفس من معاني التضحية والإيثار.
ولأن الكرم له مجالاته المشروعة، فإن بذل المال في غيرها قد لا يكون كرمًا، ولذلك يقول ابن حجر: (والجود في الشرع إعطاءُ ما ينبغي لمن ينبغي وهو أعم من الصدقة) (١)، وضده الشح الذي يعني البخل مع مزيد من الحرص.
وصاحب الكرم لا بدَّ أن يكون شديد التوكل، عظيم الزهد، قوي اليقين. ولذلك فإن الكرم مرتبط بالإيمان ظاهره كرم اليد ودافعه كرم النفس، وقد وصف رسول الله ﷺ المؤمن بقوله: «المؤمن غرٌّ كريم، والفاجر خب لئيم» (٢)، وفي حديث آخر: «ولا يجتمع الشح والإيمان في قلب عبد أبدًا» (٣).
وأعظم صور الكرمِ ما يكون مع الفقر والحاجة وقلة ذات اليد، وهذه كانت من أخلاق العرب في الجاهلية، وأهل الإيمان بها أولى.
стр. 420
وقد ورد أن أسماء بنت أبي بكر ﵂ قالت لرسول الله ﷺ : «إنه ليس لي من شيء إلا ما أدخل على الزبير أفأعطي؟»، قال: «نعم، لا تُوكِي فيُوكَى عليك» (١)، وعلى قلة ما يدخل عليها أشار عليها بالعطاء وبعدم الإحصاء ليُبارِك في الرزق ولمزيد من التوكُّل.
وجيء إلى رسول الله ﷺ ذات يوم بلحمٍ، أتدرون ممن كان، كان من بَريرة الفقيرة ومن صدقة قدَّمت إليها: «قال: ما هذا؟» «قالوا: شيء تُصُدِّق به على بَريرة»، «فقال: هو لها صدقة ولنا هدية» (٢)، فقد كان الواحد منهم لا يملك إلا قوت يومه ويكون كريمًا، وحين سئل رسول الله ﷺ : أي الصدقة أفضل؟ «قال: جهد المُقلِّ» (٣).
إن دينَنا بماله من أهداف عظيمة ليحتاج إلى النفوس الكريمة التي يفيض خيرها على الأقربين، وينصب في الإعداد والجهاد «أفضل الدينار: دينار ينفقه الرجل على عياله، ودينار ينفقه الرجل على دابته في سبيل الله. ودينار ينفقه الرجل على أصحابه في سبيل الله» (٤).
قد تنطلق نفحات الكرم من فاقد الأمل بالدنيا حين يشرف على الموت، ولكن الكرم الحقيقي لصاحب قوة البدن، وطول الأمل، ودواعي الحرص محيطة به من كل جانب، لذلك حين سئل رسول الله
стр. 421
- ﷺ : أي الصدقة أعظم أجرًا؟ «قال: أن تَصَّدَّق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل الغنى» (١).
قال ابن حجر: (ولَمَّا كانت مجاهدة النفس على إخراج المال مع قيام مانع الشح دالًّا على صحة القصد وقوة الرغبة في القربة كان ذلك أفضل من غيره، وليس المراد أن نفس الشح هو السبب في هذه الأفضلية) (٢).
من الصفات المميزة لمن تأصلت فيه خصلة الكرم أنه لا يرد أحدًا يسأله وقد كان هذا الحال رسول الله ﷺ (ما سئل عن شيء قط فقال: لا) (٣)، حتى حين أُهدِيت إليه بُرْدَة وكان محتاجًا إليها رآها عليه رجل من الصحابة، فقال: يا رسول الله ما أحسن هذه فاكسُنِيها.
قال: نعم، فلام الصحابة ذلك الرجل قائلين له: (أخذها محتاجًا إليها ثم سألته إياها وقد عرفت أنه لا يُسأل شيئًا فيمنعه، فقال: رجوتُ بركتَها حين لبِسها النبي ﷺ لعلِّي أكفَّن فيها) (٤).
والكرم من صفات الرب ، يقول رسول الله ﷺ : «إن ربكم حَيِيٌّ كريم، يستَحْيِي من عبده أن يرفع إليه يديه؛ فيردهما صِفْرًا، (أو قال خائبتين)» (٥).
وعباد الله الصالحون يمنعهم حياؤهم وكرمهم من رد حاجة العبد من عباد الله.
ومن أوجب الكرم معاملة الكرام بما يستحقون كما في الحديث:
стр. 422
«إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه» (١)، وقد حث رسول الله ﷺ على الضيافة - كمظهر من مظاهر الكرم - بتحريك المشاعر الإيمانية: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ..» (٢)، ومَن كانت المادة قد التَهَمَتْه واستولت على قلبه وجعلته يعد ويُحصِي ويُحجِم عن المكارم استبقاء لما في الجيب وحذرًا مما يأتي به الغيب فلا خير فيه يقول ﷺ : «لا خير فيمن لا يضيف» (٣).
وقد كانت السمعة والصيت عند أبناء الجاهلية عرضًا يخشون عليه أن يمسّ، فيتحدث الناس عنهم بما لا يحبون، فكانوا يهينون أموالهم حفاظًا على سمعتهم، وعزَّز الإسلام خيار الأخلاق فقال ﷺ : «ذُبُّوا عن أعراضكم بأموالكم» (٤)، وأي دناءة يصل إليها المرء حين يؤثر المال الوفير المحفوظ بالشح والبخل والتقتير؟!
الناس بفطرتهم لا يُحِبُّون الشحيح البخيل، وإذا لم تتحقَّق المحبة لم تنفتح القلوب للاستجابة والاستقبال، وقد ورد بهذا المعنى: (السَّخي قريب من الله، قريب من الناس، قريب من الجنة، بعيد من النار، والبخيل بعيد من الله، بعيد من الناس، بعيد من الجنة، قريب من النار، ولَجَهِل سخي أحب إلى الله تعالى من عابد بخيل) (٥).
ومما يُعِين المرء على اكتساب صفة الكرم وتأصيلها في نفسه أن
стр. 423
يستحضر صفة ربه : «إن الله تعالى جوادٌ يحب الجود، ويحب معالي الأخلاق ويكره سَفاسفها» (١)، «إن الله كريم يحب الكرماء جواد يحب الجَوَدة» (٢)، «إن الله كريم يحب الكرم» (٣)، ومَن لا يحب أن يكون كما يحب الله؟!
وإن في تأمُّل الحياة العملية للرسول القدوة صلوات الله وسلامته عليه ما يُفجِّر معاني الجود والكرم في قلب المتبع المحب. جاء في الحديث (كان النبي ﷺ أحسن الناس، وأجود الناس، وأشجع الناس) (٤)، كما ورد بمثل هذا المعنى: (كان رسول الله ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان، فلرسول الله ﷺ أجود بالخير من الريح المرسلة) (٥)، وجوده هذا كان سبب إيمان الكثيرين، ومحبة الكثيرين، واحترام العدو والصديق، وما على حملة الدعوة إلا أن تكون الدنيا أحقرَ ما يكون في أعينهم لتفيض بها أيديهم، وليعم الخير من حولهم.
وللشيطان نصيب كبير في قلب البخيل الشحيح، ولذلك شرع لنا الاستعاذة بالله من هذه الصفات الشيطانية، فقد كان رسول الله ﷺ يتعوذ دبر كل صلاة من: «اللَّهم إني أعوذ بك من البخل، وأعوذ بك من الجبن ..» (٦)، ولعل السر في تلاحق وصف البخل والجبن أن من عزَّ
стр. 424
عليه ماله أن يصرفه في وجوه الخير فبخل، طبيعي من مثله أن تعزَّ عليه روحه أن يُزهِقها في سبيل الله فيجبن، والجود بالنفس أسمى غاية الجود.
وإذا افتقدت الأمة الجود بالمال والجود بالنفس، فقد سارت في طريق الهلاك لما جاء في الحديث: «إياكم والشح، فإنما هلك مَن كان قبلكم بالشح: أمرهم بالبخل فبخِلوا، وأمرهم بالقطيعة فقطعوا، وأمرهم بالفجور ففجروا» (١).
وقد حذر رسول الله ﷺ من صفات شرار الخلق في آخر الزمان وكان من صفاتهم الشح: «يتقارب الزمان، وينقص العمل، ويلقَى الشح، ويكثر الهرج» (٢)؛ ولأن الكرم صفة قلبية تنعكسُ على السلوك، فإن المريض بالشح مريض بالقلب يقعد به بخله عن البناء، ويحجزه الشح عن المبادرة، ويغدو يأخذ ولا يعطي، وماذا بعد ذلك من شر؟ لذلك يقول رسول الله ﷺ : «شرُّ ما في رجل شحٌّ هالع، وجبن خالع» (٣).
وقد عدَّ رسول الله ﷺ الموبقات فذكر منها «الشرك بالله والشح» (٤)، وعدَّ المهلكات، فذكر فيها: «هوى متبع، وشح مطاع وإعجاب المرء بنفسه» (٥)،
стр. 425
الجيل الأول تميز بزهده ويقينه فصعد؛ فما هي سنن السقوط والهلاك؟ يقول ﷺ : «صلاح أول هذه الأمة بالزهد واليقين، ويهلِك آخرها بالبخل والأمل» (١)، قبض اليد والإحجام عن المبادرة والامتناع عن تقديم أي جهد، ثم بعد كل ذلك بناء الأحلام الكبيرة والآمال العريضة، ذلكم تشخيص هلاك الدنيا فهل صرنا إليه؟
أما في الآخرة، فإن الكانز لمال دون أن يؤدي حق الله فيه يخيل له المال يوم القيامة بصورة: «شجاع أقرع يفرُّ منه صاحبه وهو يتبعه يقول له: هذا كنزك الذي كنت تبخل به» (٢).
إذا لم يكن خلق (الكرم) يميز عامة أبناء الإسلام العاملين لنصرته فلن تجتمع حولهم القلوب ولن يحظوا بالثقة، وحين تكرم النفوس وتتخلص من رق الدنيا، ويصغر في عينها كل متاع تنجذب إليها القلوب، وتعظم في الأنظار، ويتسابق الناس في الجود والكرم لا في الحرص والشح، وعندئذٍ نكون أهلًا للتمكين، بإذن الله.
خلاصة هذا الفصل وعناصره:
- الرابط بين الكرم والتضحية.
- ارتباط الكرم بالإيمان.
- من أعظم الكرم جود الفقير وجهد المقل.
- الجهاد لا يكون بلا كرم.
- الكرم الحقيقي مع وجود دواعي الحرص.
- الكريم لا يرد سائلًا.