Полный текст (1 816 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
هل الرسول أوصى بالخلافة لعلي ؟
س ما الحكم في قوم يزعمون أن الرسول ﷺ أوصى بالخلافة لعلي ﵁، ويقولون أن الصحابة ﵃ تآمروا عليه؟
ج هذا القول لا يعرف عن أحد من طوائف المسلمين سوى طائفة الشيعة، وهو قول باطل ولا أصل له في الأحاديث الثابتة عن رسول الله ﷺ ، وإنما دلت الأدلة الكثيرة على أن الخليفة بعده هو أبو بكر الصديق ﵁ عنه، وعن سائر أصحاب النبي ﷺ ، ولكنه ﷺ لم ينص على ذلك نصا صريحا ولم يوص به وصية قاطعة ولكنه أمر بما يدل على ذلك حيث أمره بأن يؤم الناس في مرضه، ولما ذكر له أمر الخلافة بعده قال ﵊ " يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر ". ولهذا بايعه الصحابة ﵃ بعد وفاة النبي ﷺ ومن جملتهم علي ﵁، وأجمعوا على أن أبا بكر أفضلهم، وثبت في حديث ابن عمر ﵄ أن الصحابة ﵃ كانوا يقولون في حياة النبي ﷺ (خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر ثم عثمان) ويُقرهم النبي ﷺ على ذلك. وتواترت الآثار عن علي ﵁ أنه كان يقول (خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر) . وكان يقول ﵁ (لا أوتى بأحد يفضلني عليهما إلا جلدته حد المفتري) . ولم يدِّع يوما لنفسه أنه أفضل الأمة ولا أن الرسول ﷺ أوصى له بالخلافة، ولم يقل أن الصحابة ﵃ ظلموه وأخذوا حقه. ولما توفيت فاطمة ﵂ بايع الصديق بيعة ثانية تأكيدا للبيعة الأولى، وإظهارًا للناس أنه مع الجماعة وليس في نفسه شيء من بيعة أبي بكر ﵃ جميعا ولما طُعن عمر وجعل الأمر شورى بين ستة من العشرة المشهود لهم بالجنة، ومن جملتهم علي ﵁ لم ينكر على عمر ذلك لا في حياته ولا بعد وفاته، ولم يقل أنه أولى منهم جميعا فكيف يجوز لأحد من الناس أن يكذب على رسول الله ﷺ ويقول إنه أوصى لعلي بالخلافة، وعلي نفسه لم يدِّع ذلك ولا ادعاه أحد من الصحابة له، بل قد أجمعوا على صحة خلافة أبي بكر وعمر وعثمان واعترف بذلك علي ﵁ وتعاون معهم جميعا في الجهاد والشورى وغير ذلك، ثم أجمع المسلمون بعد الصحابة على ما أجمع عليه الصحابة فلا يجوز بعد هذا لأي أحد من الناس ولا لأي طائفة لا الشيعة ولا غيرهم أن يدعوا أن عليا هو الوصي وأن الخلافة التي قبله باطلة، كما لا يجوز لأي أحد من الناس أن يقول إن الصحابة ظلموا عليا وأخذوا حقه، بل هذا من أبطل الباطل ومن سوء الظن بأصحاب رسول الله ﷺ ومن جملتهم علي ﵁ وعنهم أجمعين.
стр. 37
وقد نزه الله هذه الأمة المحمدية وحفظها من أن تجتمع على ضلالة، وصح عنه ﷺ في الأحاديث الكثيرة أنه قال " لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة ". فيستحيل أن تجتمع الأمة في أشرف قرونها على باطل وهو خلافة أبي بكر وعمر وعثمان، ولا يقول هذا من يؤمن بالله واليوم الآخر كما لا يقوله من له أدنى بصيرة بحكم الإسلام.
* * *
لا صلاة في حجرة القبور
س جادلتُ بعض الذين يُفتون بإباحة الصلاة في المقبرة، وفي المسجد الذي فيه قبر أوقبور، فدحضت شبههم بالأحاديث الصحيحة الصريحة، غير أنهم قالوا أين كانت عائشة ﵂ تصلي بعد أن دفن في بيتها رسول الله ﷺ ، وهل كان قبره في داخل بيتها أم خارجه؟ وقالوا أيضا كيف وقد صلى الرسول ﷺ وأصحابه في المسجد الحرام، وقد دفنت فيه هاجر زوج إبراهيم ﵇ وبعض الأنبياء؟ وعلى هذا فإني ألتمس منك يا فضيلة الشيخ أن تخبرني هل صحيح ما ذكروا من وجود هاجر في البيت الحرام وبعض الأنبياء, وهل صحيح أن عائشة كانت تصلي في بيتها وقد قُبر فيه الرسول الله ﷺ ، ووجود قبر هاجر وبعض الأنبياء في المسجد الحرام؟
ج ثبت في الصحيحين عن عائشة ﵂ أنها قالت قال رسول الله ﷺ في مرض موته الذي لم يَقم منه "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد "، قالت عائشة ﵂ (يُحذّر ما صنعوا, ولولا ذلك لأبرز قبره ولكن خشي أن يُتخذ مسجدا) . وفي رواية ولكن خشي أن يتّخذ مسجدا، وفي رواية للبخاري غير أني أخشى أن يتّخذ. وبهذا يعلم أن المساجد المبنية على القبور لا تجوز الصلاة فيها وبناؤها محرم.
وأما ما جاء في السؤال من قول السائل أين كانت عائشة ﵂ تصلي بعد أن دفن في بيتها رسول الله ﷺ وغيره , في داخل بيتها أم خارجه؟
فالجواب أن عائشة ﵂ ممن روى الأحاديث الثابتة عن الرسول ﷺ في النهي عن اتخاذ القبور مساجد , وهذا من حكمة الله جل وعلا. وبهذا يعلم أنها ما كانت تصلي في الحجرة التي فيها القبور, لأنها لو كانت تصلي فيها لكانت مخالفة للأحاديث التي روتها عن رسول الله ﷺ ، وهذا لا يليق بها وأما كون هاجر مدفونة بالمسجد الحرام أو غيرها من الأنبياء فلا نعلم دليلا يدل على ذلك.
اللجنة الدائمة
* * *
стр. 38
الرسول ﷺ اجتمع بالجن
س هل ثبت أن رسول الله ﷺ , اجتمع الجن؟
ج نعم ثبت ذلك بالسنة الصحيحة , فقدأخبر ﵊ الصحابة بذلك وأراهم آثارهم. وارجع لتفسيرابن كثير , ﵀ , لقوله تعالى في سورة الأحقاف ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآَنَ﴾ . الآيات، ولسورة الرحمن، وسورة الجن، وستجد الجواب عن ذلك مفصلا.
اللجنة الدائمة
* * *
إبليس يعيش بيننا إلى اليوم
س هل إبليس - لعنه الله - حي حتى الآن أم أنه قد مات؟ وهل يدفن الجن موتاهم كالبشر؟
ج ذكر الله تعالى أن إبليس طلب الإنظار فأُعْطِيه , كما في قوله تعالى ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ. قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ. إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ فهو حي عائش إلى اليوم المعلوم الذى أذن الله فيه بهلاكه وهو آخر الدنيا، فأما الجن فهم أرواح مستغنية عن أجسام تقوم بها , وهم أيضا يموتون ودفنهم على حسب ما هم فيه. لانعلم كيفية صورهم ولا موتهم ولا دفنهم فإنهم ليسوا من جنس البشر. والله أعلم.
* * *
حقيقة السحر
س هل السحر حق؟
ج نعم له حقيقة , وحقيقته أن السحرة يعبدون الشياطين ويطيعونهم , وهم يساعدونهم على ما يريدون , والله تعالى قد أعطى الشياطين من القدرة ما يزاولون به أعمالاً غريبة.
الشيح ابن جبرين
* * *
стр. 39
حكم التوسل إلى الله بالأولياء والصالحين
س هل يجوز للمسلم أن يتوسل إلى الله بالأنبياء والصالحين، فقد وقفت على قول بعض العلماء أن التوسل بالأولياء لا بأس به ; لأن الدعاء فيه موجه إلى الله، ورأيت لبعضهم خلاف ما قال هذا، فما حكم الشريعة في هذه المسألة؟
ج الولي كل من آمن بالله واتقاه بفعل ما أمره وترك ما نهاه عنه، قال تعالى ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ. الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ والتوسل إلى الله بأوليائه أنواع
الأول أن يطلب إنسان من الولي الحي أن يدعو الله له بسعة رزق، أو شفاء من مرض، أو هداية وتوفيق ونحو ذلك، فهذا جائز، ومنه طلب بعض الصحابة من النبي ﷺ حينما تأخر عنهم المطر أن يستسقي لهم، فسأل ﷺ ربه أن ينزل المطر، فاستجاب دعاءه وأنزل عليهم المطر، ومنه استسقاء الصحابة بالعباس في خلافة عمر ﵃، وطلبهم منه أن يدعوَ الله بنزول المطر فدعا العباس ربه وأمَّن الصحابة على دعائه، إلى غير هذا مما حصل زمن النبي ﷺ وبعده من طلب مسلم من أخيه المسلم أن يدعو له ربه لجلب نفع أو كشف ضر.
الثاني أن ينادي الله متوسلا إليه بحب نبيه واتباعه إياه وبحبه لأولياء الله، بأن يقول اللهم إني أسألك بحبي لنبيك واتباعي له وبحبي لأوليائك أن تعطيني كذا، فهذا جائز ; لأنه توسل من العبد إلى ربه بعمله الصالح، ومن هذا ما ثبت من توسل أصحاب الغار الثلاثة بأعمالهم الصالحة.
الثالث أن يسأل الله بجاه أنبيائه أو ولي من أوليائه بأن يقول (اللهم إني أسألك بجاه نبيك أو بجاه الحسين) مثلا، فهذا لا يجوز؛ لأن جاه أولياء الله وإن كان عظيما عند الله وخاصة حبيبنا محمد ﷺ ، غير أنه ليس سببا شرعيا ولا عاديا لاستجابة الدعاء؛ ولهذا عدل الصحابة حينما أجدبوا عن التوسل بجاهه ﷺ في دعاء الاستسقاء إلى التوسل بدعاء عمه العباس، مع أن جاهه ﵊ فوق كل جاه، ولم يُعرف عن الصحابة ﵃ أنهم توسلوا به ﷺ بعد وفاته وهم خير القرون وأعرف الناس بحقه وأحبهم له.
الرابع أن يسأل العبد ربه حاجته مقسما بوليه أو نبيه أو بحق نبيه أو أوليائه بأن يقول (اللهم إني أسألك كذا بوليك فلان أو بحق نبيك فلان) ، فهذا لا يجوز، فإن القسم بالمخلوق على المخلوق ممنوع، وهو على الله الخالق أشد منعا، ثم لا حق لمخلوق على الخالق بمجرد
стр. 40
طاعته له سبحانه حتى يقسم به على الله أو يتوسل به هذا هو الذي تشهد له الأدلة، وهو الذي تُصان به العقيدة الإسلامية وتسد به ذرائع الشرك.
* * *
حكم قولهم كلما زادت الرعاية الصحية قلّ عدد الوفيات
س أطلعت اللجنة الدائمة للبحوث والإفتاء على السؤال المقدم إليها , ونصه (بمطالعتي لمجلة الدعوة العدد ٧٧٨ وتاريخ ٢٢ ٢ ١٤٠١ هـ الصفحة ٣٢ وجدت أن الكاتب لما ورد في تلك الصفحة ذكر جملة إنه مما لاشك - كما سبق أن أوضحنا - أنه كلما زادت الرعاية الصحية قل عدد الوفيات وزاد عدد السكان.
وأقول أمام هذا أن الرعاية الصحية لها دورها الفعال في صحة الأبدان ومكافحة بعض الأمراض , إلا أن تلك الرعاية لا دخل لها في الآجال , حيث ذلك في علم الله وتحت تصرفه. ومحدودة الآجال كما قال تعالى ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ لذلك رأيت أنا وهناك الكثير من أمثالي يرغب في إيضاح ذلك بشكل أوسع , هل للرعاية الصحية دور في تأخير الآجال كما قال الكاتب؟ وإذا كان لا, وأن الآية أعلاه تعطي الدليل القاطع من ذلك ولم تنسخ , فأرجو إيضاح ذلك.
وأجابت بما يلي مضت سنة الله تعالى في خلقه أن يربط المسببات بأسبابها , فربط إيجاده النسل بالجماع وإنباته الزرع ببذر الحبوب بالأرض وسقيها , والإحراق بالنار , والإغراق أو البلل بالماء , إلى غير ذلك من الأسباب ومسبباتها قال تعالى ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ وقال ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا. لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا. وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا﴾ وقال ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ. وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ. رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ . وقال ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾ . فهذه الآيات وأمثالها تضمنت أسبابًا مادية ومسببات معنوية ومادية , ربط الله بينهما، وجعل الأولى سببا في الثانية، وكلاهما من خلق الله تعالى وبقضائه وقدره، وهناك أسباب معنوية أنشأها بها وهو قادر على أن يخلق المسببات بدون أسبابها، لكنه سبحانه جرت سنته أن يخلق هذه بتلك،
стр. 41
ويوجدها بها لحكمة يعلمها، قال تعالى ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ. أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ. وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ وقال عن نبيه هود ﵊ في دعوته لقومه ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾ وقال عن نبيه نوح ﵊ في دعوته قومه ﴿قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ. أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ. يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ وقال تعالى عن رسله عليهم الصلاة والسلام في دعوتهم لأممهم ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ .
وقد ذكر سبحانه أنّ جماعة من المنافقين قالوا عن إخوانهم الذين قتلوا في غزوة أحد ﴿لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ فأمر سبحانه رسوله محمدا ﷺ , أن يقول لهم ﴿لَوْكُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ فبين أن قتل النفس مرهون بسببه , وأن القتيل ميت بأجله لا قبله ولا بدون سبب، وقد ثبت أن النبي ﷺ قال " من أحب أن يبسط له في رزقه وأن ينسأ له في أثره فليصل رحمه ". (رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي)
وعلى هذا (فللرعاية الصحية دورها الفعال في صحة الأبدان , ومكافحة الأمراض) كما قال السائل , لكن بإذن الله وتقديره على ماسبق في علمه تعالى , وبجعله تلك الرعاية سبباً لنتائجها وترتيبه مسبباتها عليها بقضائها وقدره حسبما سبق في علمه تعالى, فتبين بهذا أن للأسباب دخلا في مسبباتها من جهة جعل الله لها سببا, ومن جهة أمره سبحانه بالأخذ بها رجاء أن يرتب الله مسبباتها عليها. لامن ذاتها ولا بتأثيرها استقلالاً في نتائجها، بل بجعْل الله لها مؤ ثرة، ولو شاء الله أن يسلبها خواصَّها التي أودعها فيها لفعل، كما وقع في سلبه النار خاصَّتَها فلم تحرق خليليه إبراهيم ﵊، بل كانت برداً وسلاماً عليه، وفي سلبه خاصة السيولة والإغراق من ماء البحر حتى مرَّ موسى ﵊ وقومه بأمن وسلام، ورد تلك الخاصة إليه عند مررور فرعون ومن معه فأغرقهم، والمسببات مرهونه بأسبابها قضاءً وقدراً، حتى الآجال طولاً وقصراً مع الرعاية والإهمال على مقتضى ما سبق في علمه تعالى، فقول
стр. 42
السائل إن الرعاية لا دخل لها في الآجال، ليس بصحيح على وجه الإطلاق، فإن لها دخلاً في ذلك على ما تقدم بيانه. وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم
* * *
حكم الصدقة وقراءة القرآن للأحياء والأموات
س هل يجوز للشخص أن يتصدق عن والديه وهم أحياء، وهل له أن يقرأ عنهم القرآن، وإذا كان كذالك فهل تكفي النية وحدها عن الصدقة أو القراءة؟!
الجواب تجوز الصدقة عن الوالدين وغيرهما من الأحياء والأموات، وتكفي فيها النية بالقلب؛ فإن تَلَفَّظ بقوله اللهم تَقَبَّل هذه الصدقة عن والدي فلاباس. ويُسَن الدعاء للوالدين والأقربين والمسلمين والاستغفار لهم ونحو ذلك. فأما قراءة القرآن وتثويبه لهم فأجازه الأكثرون، لكنه غير مأثور؛ فلا ينبغي اعتباره، والأكثر منعه لعدم النصوص في ذلك، فإن فعله أحياناً فلا يُنكر عليه.
* * *
حكم بيع الرقى والعزائم
س الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه وبعد
فقد اطلعت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، على السؤال المقدم من سعادة وكيل الداخلية، إلى سماحة الرئيس العام ونصه
(تقدم المدعوع. م. ز لإمارة المنطقة الرياض للسماح له ببيع الرقى والعزائم في السوق، وإن هيئة الأمربالمعروف والنهي عن المنكر طلبت منه الحصول على تصريح من الإمارة، وقد رفعت إلينا الإمارة باقتراح إعطاء التصاريح من سماحتكم بعد الاقتناع من الشخص طالب الترخيص وعمل الضوابط والقواعد التي تحمي الموطنين من الاستغلال. آمل بموافاتنا بمرئياتكم في هذا الشأن، وإمكانية منح التصاريح لمن تتوافر فيهم الشروط التي يتم وضعها في هذا الشأن. ولسماحتكم تحياتنا) .
стр. 43
وأجابت بما يلي
سبق أن صدرت فتوى في منع كتابة قرآن أو أذكار نبوية أو نحوها في ورق أو طبق مثلاً، ثم مَحْوها بماء ونحوه ليشربه المريض أملاً في الشفاء من مرضه، وأنه لم يثبت عن النبي ﷺ ، ولا عن الخلفاء الراشدين ولا الصحابة، ﵃ فيما نعلم، أنهم فعلوا ذلك، والخير كل الخير في اتّباع هديه، ﷺ ، وهدي خلفائه وما كان عليه سائر أصحابه، ﵃، وفيما يلي نص الفتوى (أذن النبي ﷺ في الرقية بالقرآن والأذكار والأدعية مالم تكن شركًا أو كلامًا لا يُفهم معناه؛ لما روى مسلم في صحيحه عن عوف بن مالك، قال كنا نرقى في الجاهلية فقلنا يا رسول الله كيف ترى في ذلك؟ فقال " اعرضوا عليّ رقاكم لابأس بالرقى مالم تكن شركًا ". وقد أجمع العلماء على جواز الرقى إذا كانت على الوجه المذكور آنفًا مع اعتقاد أنها سبب لا تأثير له إلا بتقدير الله تعالى، أمَّا تعليق شيء بالعنق أوربطه بأي عضو من أعضاء الشخص فإ ن كان من غير القرآن فهو محرم بل شرك، لما رواه الإمام أحمد في مسنده عن عمران بن الحصين، ﵁، أن النبي ﷺ ، رأى رجلاً في يده حلقه من صفر. فقال ما هذا؟ قال من الواهنة. فقال " انزعها فإنَّها لا تزيدك إلا وهنًا، فإنك لو متَّ وهي عليك ما أفلحت أبدًا ". وما رواه عن عقبة بن عامر عنه ﷺ ، قال " من تعلَّق تميمة فلا أتم الله له، ومن تعلق وَدَعة فلا وَدع الله له ". وفي رواية لأحمد أيضًا " من تعلق تميمة فقد أشرك ". وما رواه أحمد وأبوداود عن ابن مسعود ﵁ قال سمعت رسول الله، ﷺ ، يقول " إن الرقى والتائم والتِّولة شرك ". وإن كان ما علقه من آيات القرآن فالصحيح أنه ممنوع أيضًا، لثلاثة أمور الأول عموم أحاديث النبي، ﷺ ، بالنهي عن تعليق التمائم ولا مُخصص لها. الثاني سد الذَّريعة فإنه يُفضي إلى تعليق ما ليس كذلك. الثالث أن ما علق من ذلك يكون عرضة للامتهان بحمله معه في حال قضاء الحاجة والاستنجاء والجماع ونحو ذلك. وأما كتابة سورة أو آيات من القرآن في لوح أو طبق أو قرطاس، وغسله بماء أو زعفران وغيرهما وشرب تلك الغسالة، رجاء البركة أو استفادة علم أو كسب مال أو صحة أو عافية ونحو ذلك، فلم يثبت عن النبي ﷺ ، أنه فعله لنفسه أو غيره ولا أنه أذِن فيه لأحد من أصحابه أو رخّص فيه لأمته؛ مع وجود الدواعي التي تدعو إلى ذلك، ولم يثبت في أثر صحيح - فيما علمنا - عن أحد من الصحابة، ﵃، أنه فعل ذلك أو رخَّص فيه. وعلى هذا فالأولى تركه وأن يُستغنى عنه بما ثبت في الشريعة من الرقية بالقرآن وأسماء الله الحسنى، وما صحَّ من الأذكار والأدعية النبوية ونحوها مما يعرف معناه ولا شائبة للشرك فيه، وليتقرب إلى الله تعالى بما شرع
стр. 44
رجاء المثوبة وأن يفرج الله كربته ويكشف غمته ويرزقه العلم النافع، ففي ذلك الكفاية ومن استغنى بما شَرَع الله أغناه الله عما سواه. والله الموفق. وعلى هذا ينبغي ألاّ يُعطَي هذا الرجل تصريحا ببيع ما ذكر من الرقى والعزائم، بل يمنع من بيعها وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة
* * *
إبليس هل هو من الملائكة ؟
س إبليس - لعنه الله - هل هو من الملائكة أم من جنس آخر، وإذا كان من جنس آخر فما وجه الاستثناء في قوله تعالى ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ. إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ ؟
ج لا يخفى أن الملائكة جنس من مخلوقات الله، خلقهم الله من نور، لايعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، وأما إبليس فقد ذكر الله تعالى أنه من الجن، قال تعالى ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ . وذكر تعالى عنه قوله في تبرير امتناعه عن السجود لآدم ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ . أما وجه الاستثناء في قوله تعالى ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ. إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ فهو استثناء منقطع كقول القائل جاء القوم إلاحماراً، وهناك من أهل العلم من يقول بأن إبليس - لعنه الله - من جنس الملائكة إلاّ أنه عصى الله تعالى، وأصرَّ على التمرد والعصيان، فحقت عليه لعنة الله إلى يوم القيامة. . وبالله التوفيق. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة
* * *
سؤال العراف والكاهن لا يجوز
س كان والدي مريضًا مرضًا نفسيًّا، وطالت معه مدة المرض، وتخلل ذلك مراجعة للمستشفى، لكن أشار علينا بعض الأقرباء بأن نذهب إلى امرأة قالوا أنها تعرف علاجًا لمثل هذه الأمراض، وقالوا أيضًا أعطوها الاسم فقط وهي تخبركم بما فيه وتصف له الدواء. فهل يجوز لنا أن نذهب لهذه المرأة؟ أفيدونا جزاكم الله.
ج هذه المرأة وأشباهها لا يجوز سؤالها ولا تصديقها، لأنها من جملة العرّافين والكهنة الذين يدَّعون علم الغيب ويستعينون بالجن في علاجهم وأخبارهم.
стр. 45
وقد صح عن رسول الله، ﷺ ، أنه قال " من أتى عرافًا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة ". أخرجه مسلم في صحيحه. وصحّ عنه ﷺ ، أنه قال " من أتى عرافا أو كاهناً فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أُنزل على محمد ﷺ " والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، فالواجب الإنكار على هؤلاء ومن يأتيهم، وعدم سؤالهم وتصديقهم والرفع عنهم إلى ولاة الأمور حتى يعاقَبوا بما يستحقون لأن تركهم وعدم الرفع عنهم يضر المجتمع، ويساعد على اغترار الجهال بهم وسؤالهم وتصديقهم ٠ وقد قال النبي صلي الله عليهم وسلم " من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الايمان " رواه مسلم في صحيحه ولا شك أن الرفع عنهم إلى ولاة الامر، كأمير البلد وهيئة الأمر بالمعروف والمحكمة، ومن جملة الإنكار عليهم باللسان ومن التعاون على البر والتقوى وفق الله المسليمن جميعا لما فيه صلاحتهم وسلامتهم من كل سوء.
* * *
حكم الحلف بالنبي
س اعتاد بعض الناس الحلف بالنبي ﷺ ، وأصبح الأمر عاديا عندهم، ولا يعتقدون ذلك اعتقادا، فما حكم ذلك؟
ج الحلف بالنبي ﷺ ، أو غيره من المخلوقات منكر عظيم، ومن المحرمات الشركية، ولا يجوز لأحد الحلف الا بالله وحده وقد حكى الأمام ابن عبد البر ﵀ -الإجماع على أنه لا يجوز الحلف بغير الله. وقد صحت الأحاديث عن النبي ﷺ بالنبي عن ذلك وأنه من الشرك، كما في الصحيحين عن النبي ﷺ ، أنه قال " إن الله ينهاكم ان تحلفوا بأبائكم فمن كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت ". وفي لفظ آخر فلا يحلف إلا بالله أو ليسكت. وخرج أبو داود والترمذي، بإسناد صحيح عن النبى ﷺ ، أنه قال " من حلف بغير الله فقد كفر او اشرك " وصح عنه ﷺ أنه قال " من حلف بالأمانة فليس منا " والأحاديث في هذا الباب كثيرة معلومة والواجب على جميع المسلمين ألا يحلفوا إلا بالله وحده، ولا يجوز لأحد أن يحلف بغير الله كائناً من كان، للأحاديث المذكورة وغيرها ويجب على من اعتاد ذلك أن يحذره وأن ينهى أهله وجلساءه وغيرهم عن ذلك، لقول النبي ﷺ " من رأى منكم
стр. 46
منكراً فليغيره بيده، فان لم يستطع فبلسانه، فان لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الايمان ". والحلف بغير الله من الشرك الأصغر، للحديث السابق، وقد يكون شركاً أكبر إذا قام بقلب الحالف أن هذا المحلوف به، يستحق التعظيم كما يستحقه الله، أو أنه يجوز أن يعبد مع الله ونحو ذلك من المقاصد الكفرية.. نسأل الله أن يمن على المسلمين جميعاً بالعافية من ذلك، وأن يمنحهم الفقه في دينه والسلامة من أسباب غضبه إنه سميع قريب.
الشيخ ابن باز
* * *
حكم تقاضي أجر عن تلاوة القرآن
س نشاهد في كثير من بلاد المسلمين استئجار قارىء يقرأ القرآن، فهل يجوز للقارىء أن يأخذ أجراً على قراءته، وهل يأثم من يدفع له الأجر على ذلك؟
أجابت اللجنة قراءة القرآن عبادة مَحْضة، وقربة يتقرب بها البعبد إلى ربه والأصل فيها وفي أمثالها من العبادات المحضة أن يفعلها المسلم ابتغاء مرضاة الله وطلبا للمثوبة عنده، لا يبتغى بها المخلوق جزاءً ولا شكوراً، ولهذا لم يُعرف عن السلف الصالح استئجار قوم يقرءون القرآن للأموات أو في الولائم والحفلات، ولم يؤثر عن أحد من أئمة الدين أنه أمر بذلك أو رخص فيه ٠ ولم يعرف أيضاً عن أحد منهم أنه أخذ أجرأ على تلاوه القرآن، بل كانوا يتلونه رغبأ فيما عند الله وقد أمر النبي ﷺ من قرأ القرآن أن يسأل الله به. وحذّر من سؤال الناس به. روى الترمذي في سنته عن عمران بن حصين أنه مر على قاص يقرأ ثم سأل فاسترجع ثم قال سمعت رسول الله، ﷺ ، يقول " من قرأ القرآن فليسأل الله به فإنه سيجىء أقوام يقرءون القرآن يسألون به الناس " وأما أخذ الأجرة على تعليمه أو الرقية به ونحو ذلك مما نفعه متعد لغير القارئ فقد دلت الأحاديث الصحيحة على جوازه لحديث أبى سعيد في أخذه قطعياً من الغنم جُعْلا على شفاء من رقاه بسوره الفاتحة وحديث سهل في تزويج النبي ﷺ ، امرأة لرجل بتعليمه إياها بما معه من القرآن الكريم، فمن أخذ أجرا على نفس التلاوه أو استأجر جماعة لتلاوة القرآن فهو مخالف للسنة ولما أجمع عليه السلف الصالح رضوان الله عليهم أجمعين.
اللجنة الدائمة
* * *
стр. 47
ظهور المهدي
س ما رأي سماحتكم في الشخص الموعود بظهوره وهو المهدي، هل هناك أحاديث تثبت ذلك؟ أرجو التوضيح حول ذلك
ج الأحاديث التي دلت على خروج المهدي كثيرة، وردت من طرق متعددة ورواها عدد من أئمة الحديث، وذكر جماعة من أهل العلم أنها متواترة تواتراً معنويا، منهم أبو الحسن الآجري من علماء المائة الرابعة والعلامة السفاريني في كتابه " لوامع الأنوار البهية " والعلامة الشوكاني في رسالة سماها " التوضيح في تواتر أحاديث المهدي والدجال والمسيح " وله علامات مشهورة مذكورة في الأحاديث، وأهمها أنه يملأ الأرض عدلاً وقسطاً بعدما ملئت جورا وظلما، ولا يجوز لأحد أن يجزم بأن فلا بن فلان هو المهدي حتى تتوافر العلامات التي بينها النبي ﷺ في الأحاديث الصحيحة وأهمها ما ذكرنا وهو كونه يملأ الأرض عدلاً وقسطاً.. الحديث. وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
* * *
الاستغاثة بالنبي ﷺ ودعاؤه والصلاة عليه
س س١ في حياة النبي ﷺ أكان النبي ﷺ حيا في قبره الشريف بإعادة الروح في الجسد والبدن (العنصرية) بحياة دنيوية حسية؟ . أو حيا في أعلى عليين بحياة أخروية برزخية بلا تكليف، كما قال النبي ﷺ حين حضره الموت اللهم بالرفيق الأعلى، وجسده المنور الآن كما وضع في قبر بلا روح والروح في أعلى عليين. واتصال الروح بالبدن والجسد المعطر عند يوم القيامة، كما قال تعالى ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ .
ج١ إن نبينا محمداً ﷺ حي في قبره حياة برزخية يحصل له بها التنعم في قبره بما أعده الله له من النعيم جزاء له على أعماله العظيمة الطيبة التي قام بها في دنياه، عليه من ربه أفضل الصلاة والسلام، ولم تعد إليه روحه ليصير حيا كما كان في دنياه ولم تتصل به وهو في قبره اتصالا يجعله حيا كحياته يوم القيامة، بل هي حياة برزخية وسط بين حياته في الدنيا وحياته في الآخرة، وبذلك يعلم أنه قد مات، كما مات غيره ممن سبقه من الأنبياء وغيرهم، قال الله تعالى ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ وقال ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ. وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ وقال ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ إلى أمثال ذلك من الآيات الدالة على أن الله قد توفاه؛ ولأن الصحابة رضي الله
стр. 48
عنهم قد غسلوه وكفنوه وصلوا عليه ودفنوه، ولو كان حيا حياته الدنيوية ما فعلوا به ما يفعل بغيره من الأموات، ولأن فاطمة ﵂ قد طلبت إرثها من أبيها ﷺ لاعتقادها بموته، ولم يخالفها في ذلك الاعتقاد أحد من الصحابة، وقد أجابها أبو بكر ﵁ بأن الأنبياء لا يورثون ولأن الصحابة ﵃ قد اجتمعوا لاختيار خليفة للمسلمين يخلفه، وتم ذلك بعقد الخلافة لأبي بكر ﵁، ولو كان حيا كحياته في دنياه لما فعلوا ذلك، فهو إجماع منهم على موته، ولأن الفتن والمشاكل لما كثرت في عهد عثمان وعلي ﵄، وقبل ذلك وبعده لم يذهبوا إلى قبره لاستشارته أو سؤاله في المخرج من تلك الفتن والمشكلات وطريقة حلها، ولو كان حيا كحياته في دنياه لما أهملوا ذلك وهم في ضرورة إلى من ينقذهم مما أحاط بهم من البلاء.
س٢ هل يسمع النبي ﷺ كل دعاء ونداء عند قبره الشريف أو صلوات خاصة حين يصلى عليه، كما في الحديث من صلى علي عند قبري سمعته إلى آخر الحديث. أهذا الحديث صحيح أو ضعيف أو موضوع على رسول الله ﷺ ؟
ج ٢ الأصل أن الأموات عموما لا يسمعون نداء الأحياء من بني آدم ولا دعاءهم، كما قال تعالى ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ ولم يثبت في الكتاب ولا في السنة الصحيحة ما يدل على أن النبي ﷺ يسمع كل دعاء أو نداء من البشر حتى يكون ذلك خصوصية له، وإنما ثبت عنه ﷺ أنه يبلغه صلاة وسلام من يصلي ويسلم عليه فقط، سواء كان من يصلي عليه عند قبره أو بعيدا عنه كلاهما سواء في ذلك؛ لما ثبت عن علي بن الحسين بن علي ﵃ (أنه رأى رجلا يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي ﷺ فيدخل فيها فيدعو فنهاه، وقال ألا أحدثكم حديثا سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله ﷺ أنه قال " لا تتخذوا قبري عيدا ولا بيوتكم قبورا، وصلوا علي فإن تسليمكم يبلغني أين كنتم ". أما حديث من صلى علي عند قبري سمعته، ومن صلى علي بعيدا بلغته فهو حديث ضعيف عند أهل العلم وأما ما رواه أبو داود بإسناد حسن عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال " ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد ﵇ " فليس بصريح أنه يسمع سلام المسلم، بل يحتمل أنه يرد عليه إذا بلغته الملائكة ذلك، ولو فرضنا سماعه سلام المسلم لم يلزم منه أن يلحق به غيره من الدعاء والنداء.
стр. 49
س ٣ نداء ودعاء النبي ﷺ في كل حاجة والاستعانة به في المصائب والنوائب من قريب - أعني عند قبره الشريف - أو من بعيد أشرك قبيح أم لا؟
ج٣ دعاء النبي ﷺ ونداؤه والاستعانة به بعد موته في قضاء الحاجات وكشف الكربات شرك أكبر يخرج من ملة الإسلام، سواء كان ذلك عند قبره أم بعيدا عنه، كأن يقول يا رسول الله، اشفني، أو رد غائبي، أو نحو ذلك.
س٤ أي صلوات أفضل عند قبره الشريف، أعني الصلاة والسلام عليك يا رسول الله، أو اللهم صل على محمد وعلى آل محمد بصيغة الطلب، وهل ينظر النبي ﷺ إلى الرجل الذي يصلي عليه عند قبره الشريف، وهل أخرج النبي ﷺ يده من قبره الشريف لأحد من الصحابة العظام أو للأولياء الكرام لجواب السلام؟
ج٤ (أ) لم يثبت عن النبي ﷺ فيما نعلم - صيغة معينة في الصلاة والسلام عليه عند قبره، فيجوز أن يقال عند زيارته الصلاة والسلام عليك يا رسول الله، فإن معناها الطلب والإنشاء وإن كان اللفظ خبرا، ويجوز أن يصلي عليه بالصلاة الإبراهيمية، فيقول اللهم صل على محمد.. إلخ..
(ب) لم يثبت في كتاب ولا في سنة صحيحة أن النبي ﷺ يرى من زار قبره، والأصل عدم الرؤية حتى يثبت ذلك بدليل من الكتاب أو السنة.
(جـ) الأصل في الميت نبيا أو غيره أنه لا يتحرك في قبره بمد يد أو غيرها، فما قيل من أن النبي ﷺ أخرج يده لبعض من سلم عليه وقال له (امدد يمينك كي تحظى بها) غير صحيح، بل هو وهم وخيال لا أساس له من الصحة. وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد, وآله وصحبه وسلم.
* * *
حكم الحلف بغير الله
س ماحكم الحلف بغير الله، هل هو شرك أم لا؟
ج الحلف بغير الله من ملك أو نبي أو ولي أو مخلوق ما من المخلوقات محرم؛ لما ثبت
стр. 50
عن ابن عمر ﵄ عن رسول الله ﷺ أنه أدرك عمر بن الخطاب في ركب وعمر يحلف بأبيه، فناداهم رسول الله ﷺ " ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت "، وفي رواية أخرى عنه أن رسول الله ﷺ قال " من كان حالفا فلا يحلف إلا بالله " وكانت قريش تحلف بآبائها فقال " لا تحلفوا بآبائكم " رواهما مسلم وغيره فنهى النبي ﷺ عن الحلف بغير الله، والأصل في النهي التحريم، بل ثبت عنه ﷺ أنه سما هـ شركا، روى عمر بن الخطاب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال " من حلف بشيء دون الله فقد أشرك " رواه أحمد بسند صحيح، ورواه الترمذي وحسنه، وصححه الحاكم عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال " من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك "، وقد حمل العلماء ذلك على الشرك الأصغر، وقالوا إنه كفر دون الكفر الأكبر المخرج عن الملة والعياذ بالله، فهو من أكبر الكبائر، ولهذا قال ابن مسعود ﵁ لأن أحلف بالله كاذبا أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقا. ويؤيد ذلك ما رواه أبو هريرة، عن رسول الله ﷺ أنه قال " من حلف منكم فقال في حلفه باللات فليقل لا إله إلا الله، ومن قال لأخيه تعال أقامرك فليتصدق " رواه مسلم وغيره فأمر ﷺ من حلف من المسلمين باللات أن يقول بعد ذلك لا إله إلا الله، لمنافاة الحلف بغير الله كمال التوحيد الواجب؛ وذلك لما فيه من إعظام غير الله بما هو مختص بالله وهو الحلف به، وما ورد في بعض الأحاديث من الحلف بالآباء فهو قبل النهي عن ذلك جريا على ما كان معتادا في العرب في الجاهلية.
اللجنة الدائمة
محدثات الأمور
س ما هي محدثات الأمور وما معناها؟
ج المراد بذلك في قوله ﷺ " إياكم ومحدثات الأمور " كل ما أحدثه الناس في دين الإسلام من البدع في العقائد والعبادات ونحوها مما لم يأت به كتاب ولا سنة ثابتة عن رسول الله ﷺ ، واتخذوه دينا يعتقدونه ويتعبدون الله زعما منهم أنه مشروع وليس كذلك بل هو مبتدع ممنوع، كدعاء من مات من الصالحين أو الغائبين منهم واتخاذ القبور مساجد والطواف حول القبور والاستنجاد بأهلها زعماً منهم أنهم شفعاء لهم عند الله ووسطاء في قضاء الحاجات وتفريج الكربات واتخاذ أيام موالد الانبياء والصالحين أعيادا يحتفلون فيها ويعملون
стр. 51
ما يزعمونه قربا تخص ليلة المولد أو يومه أو شهره، إلى أمثال ذلك مما لا يكاد يحصى من البدع والخرافات التي ما أنزل الله بها من سلطان ولا ثبت في سنة رسول الله ﷺ شيء منها، ويتضح مما ذكرنا أن بعض المحدثات يكون شركا كالاستغاثة بالأموات والنذر لهم، وأن بعضها يكون بدعةً فقط ولم تبلغ أن تكون شركاً كالبناء على القبور واتخاذ المساجد عليها ما لم يغل في ذلك بما يجعله شركا ً.
اللجنة الدائمة
٦٠ حكم الترحم على الفاسق
س مات أحد أقاربي وكان أثناء حياته فاسقاً إلا أنه يؤدي الصلاة، فهل يجوز الترحم عليه والدعاء له بعد مماته؟
ج يجوز الدعاء له والترحم عليه ما دام أنه يدين بالإسلام ويشهد الشهادتين ويصلي ويفعل شعائر الدين الظاهرة، فهو أحق بالدعاء لذنوبه وما اقترف من السيئات رجاء أن تقبل فيه دعوة مسلم تمحو عنه ما اقترفه.
الشيخ ابن جبرين
حكم الصلاة خلف من يستغيث بغير الله
س هل يصح أن أصلي خلف من يستغيث بغير الله ويتلفظ بمثل هذه الكلمات " أغثنا يا غوث مدد يا جيلاني " وإذا لم أجد غيره فهل لي أن أصلي في بيتي.
ج لا تجوز الصلاة خلف جميع المشركين ومنهم من يستغيث بغير الله ويطلب منه المدد. لأن الاستغاثة بغير الله من الأموات والأصنام والجن وغير ذلك من الشرك بالله سبحانه، أما الاستغاثة بالمخلوق الحي الحاضر الذي يقدر على إغاثتك فلا بأس بها، لقول الله في قصة موسى ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ وإذا لم تجد إماما مسلما تصلي خلفه جاز لك أن تصلي في بيتك، وإن وجدت جماعة مسلمين يستطيعون الصلاة في المسجد قبل الإمام المشرك أو بعده فصل معهم، وإن استطاع المسلمون عزل الإمام المشرك وتعيين إمام مسلم يصلي بالناس وجب عليهم ذلك لأن ذلك من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
стр. 52
وإقامة شرع الله في أرضه، إذا أمكن ذلك بدون فتنة.
لقول الله تعالى ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ..﴾ الآية، وقول النبي ﷺ ﷺ " من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان " رواه مسلم في صحيحه.
الشيخ ابن باز
* * *
...٦١ ... حكم من حكم بغير ما أنزل الله
س هل يعتبر الحكام الذين يحكمون بغير ما أنزل الله كفارا وإذا قلنا إنهم مسلمون فماذا نقول عن قوله تعالى ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ ؟
الجواب الحُكام بغير ما أنزل الله أقسام، تختلف أحكامهم بحسب اعتقادهم وأعمالهم، فمن حكم بغير ما أنزل الله يرى أن ذلك أحسن من شرع الله فهو كافر عند جميع المسلمين، وهكذا من يحكّم القوانين الوضعية بدلا من شرع الله ويرى أن ذلك جائز، ولو قال إن تحكيم الشريعة أفضل فهو كافر لكونه استحل ما حرم الله. أما من حكم بغير ما أنزل الله اتباعا للهوى أو لرشوة أو لعداوة بينه وبين المحكوم عليه أو لأسباب أخرى وهو يعلم أنه عاصٍ لله بذلك وأن الواجب عليه تحكيم شرع الله فهذا يعتبر من أهل المعاصي والكبائر ويعتبر قد أتى كفرا أصغر وظلما أصغر وفسقا أصغر كما جاء هذا المعنى عن ابن عباس ﵄ وعن طاووس وجماعة من السلف الصالح وهو المعروف عند أهل العلم. والله ولي التوفيق.
الشيخ ابن باز
* * *
لا يجوز تخصيص علي ب ﵇
س أثناء اطلاعي على موضوعات كتاب (عقد الدرر في أخبار المنتظر) ، في بعض الروايات المنقولة عن علي بن أبي طالب أجدها على النحو التالي عن علي بن أبي طالب ﵇ قال قال رسول الله ﷺ " يخرج رجل من أهل بيتي في تسع رايات " ما حكم النطق بهذا اللفظ أعني ﵇ ، أو ما يشابهه لغير الرسول ﷺ ؟
стр. 53
ج لا ينبغي تخصيص علي ﵁ بهذا اللفظ، بل المشروع أن يقال في حقه وحق غيره من الصحابة ﵃ أو ﵀ لعدم الدليل على تخصيصه بذلك، وهكذا قول بعضهم كرم الله وجهه فإن ذلك لا دليل عليه ولا وجه لتخصيصه بذلك، والأفضل أن يعامل كغيره من الخلفاء الراشدين ولا يخص بشيء دونهم من الألفاظ التي لا دليل عليها.
الشيخ ابن باز
٦٢ حكم من يذبح للجن
س ما حكم من نشأ في بلده ولم يدرك شيئا إلا الصلاة، بل أركان الإسلام الخمسة ويعمل بكل، ولكنه يذبح للجن ويدعوهم عند حاجته، ولكنه لا يعرف أن الشريعة تمنع ذلك هل هو معذور لجهله أم لا؟ وهل يقال له أنت مشرك، قبل البيان؟
ج يجب على من عرف منه ذلك من أهل العلم بالتوحيد أن يبين له أن الذبح لغير الله من الجن أو غيرهم؛ كالأنبياء والملائكة والأصنام شرك أكبر يخرج من الإسلام، وكذا دعاؤهم لقضاء الحاجات شرك أكبر يخرج من الإسلام أيضا؛ لأن كلًّا منهما عبادة يجب الإخلاص فيها لله وحده، فصرفها لغير الله شرك أكبر. قال الله تعالى ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ. قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ الآية. وقال ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ. وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ الآية، وقال ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ وقال النبي ﷺ لعن الله من ذبح لغير الله الحديث. وإن أصر على الذبح للجن ودعائهم لقضاء الحاجة فهو مشرك شركا أكبر ولا عذر له؛ لقيام الحجة عليه بالكتاب والسنة ويقال له كافر مشرك شركا أكبر.
هل تعود الحياة إلى الميت في القبر
...الحمد الله والصلاة والسلام على رسوله وآله، وبعد
فقد اطعت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء على السؤال المقدم الى سماحة
стр. 54
الرئيس العام، ونصه (إني سمعت من علماء الاسلام أن الميت يصير حيا في القبر ويجيب عن سؤال الملائكة، ويعذب إذا بانَ منه الكفر وعدم الاستقامة في الإسلام في الحياة الدنيا، وإني كملم بمبادىء الاسلام، لم أجد في القرآن الكريم أي برهان صريح يدل على سؤال القبر وعقابه. يقول تعالى ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ. ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً. فَادْخُلِي فِي عِبَادِي. وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ (سورة الفجر، الآيات ٢٧ - ٣٠) حسب فهمي الضعيف أن النفس ترجع إلى ربها بعد خروجها من الجسد. ولم أفهم أن النفس تكون مع جسدها في القبر مُنعمة. وأيضا يقول الله تعالى ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ (سورة غافر، الآية ١١) وأفهم من هذه الآية أيضا أن الإماتة مرتان وقت النطفة وووقت خروج النفس من الجسد، كما أفهم أن الإحياء مرتان الحياة في بطن الأم ووقت البعث، ولم أفهم من الآية إشارة تدل على سؤال القبر وعذابه. يقول تعالى ﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ (سورة يس، الآية ٥٢) الخ. وهذا يدل على أن الكفار نائمون. والنوم في القبر ينافي العقاب فيه. وبالنهاية أرجو ياصاحب الفضيلة أن أجد منكم جوابا شافياً، كما كانت إجاباتكم دائماً.
وقد أجابت بما يلي -
أولا أدلة الأحكام الشرعية كما تكون من الفرآن الكريم، تكون من السنة الصحيحة الثابتة عن رسول الله ﷺ قولاً أو فعلاً أو تقريراً لعموم أمره تعالى بأخذ ما جاءنا به من نصوص الكتاب والسنة لقوله تعالى ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (سورة الحشر الآية ٧) ، لأنه ﷺ لاينطق عن الهوى إنما يشرع لنا بوحي من الله تعالى كما قال سبحانه ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ . سورة النجم الآيتان (٣، ٤) ولأن اتباعه ﷺ فيما جاء به عموما دليل على الإيمان بالله ومحبته سبحانه ويترتب عليه محبة الله ومغفرته لمن اتبعه، كما قال تعالى ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . (سورة آل عمران الآية ٣١) ولأمره تعالى بطاعته ﷺ وحكمه بأن طاعته طاعةٌ لله، قال تعالى ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ (سورة آل عمران الآيه ٣٢) وقال ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ . (سورة النساء الآية ٥٩) وقال ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ . (سورة النساء الاية ٨٠) . إلى غير ذلك من آيات القران التي أمرت بطاعة الرسول ﷺ ، واتباعه
стр. 55
وأخذ ما ثبت عنه والعمل به، فالسنة الثابة عنه ﷺ حجة تثبت بها الأحكام عقيدة وعملا، كما أن آيات القران حجة تثبت بها الأحكام صراحة واستنباطا على مقتضى قواعد اللغة العربية، وطريقه العرب في فهمهم للغتهم.
ثانيا عذاب الكافرين في قبورهم ممكن عقلا، وقد دلَّ القرآن الكريم على وقوعه، من ذلك قوله تعالى ﴿وَحَاقَ بِآَلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ. النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آَلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ (سورة غافر، الآيتان ٤٥، ٤٦) فهذا بيّن واضح في إثبات العذاب في القبر بالنار لأنه لا غدو ولا عشى يوم القيامة، ولقوله في ختام الآية ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آَلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ فإنه يدل على عذاب أدنى قبل قيام الساعة وهو عرضهم على النار وما هو إلا عذاب القبر. وفرعون وآله ومن سواهم من الكافرين سواء في حكم الله وعدله في الجزاء، ومن ذلك أيضا قوله تعالى ﴿فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ. يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ. وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (سورة الطور الآيات ٤٥، ٤٧) فإنه يدل على تعذيب الكافرين عذابًا أدنى قبل قيام الساعة، وهو عام لما يصيبهم الله تعالى به في الدنيا وما يعذبهم به في قبورهم قبل أن يعثوا منها إى العذاب الأكبر. وثبت في الأحاديث الصحيحة أن النبي ﷺ كان يستعيذ في صلاته من عذاب القبر، ويأمر أصحابه بذلك، وثبت أنه بعد أن صلى صلاه كسوف الشمس وخطب الناس، أمرهم أن يستعيذوا بالله من عذاب القبر، واستعاذ بالله من عذاب القبر ثلاث مرات في بقيع الغرقد، حينما كان يُلْحَد لميت من أصحابه ولو لم يكن عذاب القبر ثابتًا لم يستعذ بالله مه ولا أمر أصحابه به.
وقد بين النبي ﷺ أنَّ قوله تعالى ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ . (سورة إبراهيم، الآية ٤٧) . يدخل فيه تثبيت المؤمن وخذلان الكافر عند سؤال كل منهما في قبره، وأن المؤمن يوفق في الإجابة وينعم في قبره، وأن الكافر يخذل ويتردد في الإجابة ويعذب في قبره. وسيجيء ذلك في حديث البراء بن عازب رضى الله عنه قريبا؛ ومن أدلة عذاب القبر أيضا ما ثبت في الصحيحين عن ابن عباس رضى الله عنهما، أن النبي ﷺ مر بقبرين فقال " إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستتر من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة، فدعا بجريدة رطبة فشقها نصفين وغرز على كل قبر واحدة، وقال لعله يخفف عنهما ما لم يبسا "
стр. 56
وقد تواترت الأخبار عن رسول الله ﷺ في ثبوت سؤال الميت في قبره، وثبوت نعيمه فيه أو عذابه حسب عقيدته وعمله، بما لايدع مجالا للشك في ذلك. ولم يعرف عن الصحابة رضى الله عنهم في ثبوت ذلك خلاف، ولذا قال بثبوته أهل السنة والجماعة. ومما ورد في ذلك ما رواه الإمام أحمد في مسنده وأبو داود في سنته والحاكم وأبو عوانة الأسفرائيني في صحيحهما عن البراء بن عازب، رضى الله عنه قال كنا في جنازه في بقيع الغَرقد فأتانا رسول الله ﷺ ، فقعد وقعدنا حوله كأنَّ على رؤوسنا الطير وهو يلحد له فقال " أعوذ بالله من عذاب القبر) " ثلاث مرات، ثم قال " إن العبد المؤمن إذا كان في إقبال من الآخر وانقطاع من الدنيا، نزلت إليه الملائكة كأنَّ على وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة وحنوط من حنوط الجنة، فجلسوا منه مدَّ البصر ثم يجىء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه " فيقول (يا أيتها النفس الطيبة اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان) قال (فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من فيّ السقاء فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين. حتى يأخذوها فيجعلوها فبي ذلك الكفن وذلك الحنوط، ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وُجدت على وجه الأرض. قال فيصعدون بها، فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا ما هذه الروح الطيبة؟ فيقولون فلا بن فلان بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها الدينا، حتى ينتهوا بها إلى السماء فيستفتحون له فيُفتح له، فيُشيِّعه من كل سماء مُقرَّبوها إلى السماء التي تليها، حتى ينتهي بها إلى السماء التي فيها الله فيقول الله اكتبوا كتاب عبدي في عِليين، وأعيدوه إلى الأرض، فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى، قال فتعاد روحه في جسده فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له من ربك؟ فيقول ربي الله. فيقولان له ما دينك؟ فيقول ديني الاسلام. فيقولان له ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول هو رسول الله فيقولان له ما علمك؟ فيقول قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت فينادي منادٍ من السماء أن صدق عبدي، فافرشوه من الجنة. وافتحوا له باباً إلى الجنة. قال فيأتيه من روحها وطيبها ويفسح له في قبره مد بصره. قال ويأتيه رجل حسن الوجه حسن الثياب طيب الريح فيقول أبشر بالذي يسرُّك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول له من أنت؟ فوجهك الوجه الذي يجيء بالخير. فيقول أنا عملك الصالح. فيقول يارب أقم الساعة حتى أرجع إلى أهلي ومالي. قال وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه معهم المسُوح فيجلسون منه مد البصر، ثم يجىء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول أيتها النفس الخبيثة، اخرجي إلى سخط من الله وغضب، قال فتتفرق في جسده فينتزعها كما ينتزع
стр. 57
السَّفود من الصوف المبلول، فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طَرفه عين حتى يجعلوها في تلك المسوح ويخرج كنها كأنتن ريح خبيثة وُجدت على وجه الأرض فيصعدون بها، فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا ما هذا الروح الخبيث؟ فيقول فلان بن فلان بأقبح أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا، حتى ينتهي بها إلى السماء الدنيا فيُستفتح له فلا يُفتح له. ثم قرأ رسول الله صلبى الله عليه وسلم ﴿تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ . (سورة الأعراف، الآية ٤٠) فيقول الله اكتبوا كتابه في سجين في الأرض السفلى، فتطرح روحه طرحاً ثم قرأ ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ . (سورة الحج، الآية ٣١) . فتُعاد روحه في جسده ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له من ربك؟ فيقول هاه هاه لا أدري. فيقولان له ما هذا الرجل الذي بُعث فيكم؟
فيقول هاه هاه لا أدري. فينادي منادِ من السماء أن كذب، فافرشوه من النار وافتحوا له باباً إلى النار. فيأتيه من حرها وسمومها ويضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه. ويأتيه رجل قبيح الوجه قبيح الثيباب منتن الريح فيقول أبشر بالذي يسوءُك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول من أنت، فوجهك الوجه الذي يجيء بالشر؟ فيقول أنا عملك الخبيث، فيقول رب لا تقم الساعة) .
ثالثاً ليس بمحالٍ في العقول أن تسأل الملائكة الأموات في قبورهم وأن يجيبهم الأموات ويأخذوا جزاء وِفاقاً بما قدموا. وليس ببعيد في عظيم قدرة الله تعالى وعجائب سننه الكونية أن ينعَّم المؤمنين في قبورهم ويعذب الكافرين فيها، فإن من أنعم النظر في الكون وضح له عموم مشيئة الله ونفاذها. وشمول قدرته تعالى وكمالها وإحكام خلقه ودقة تدبيره وإبداعه لما صوره، وسهل عليه اعتقاد ما وردت به النصوص الصحيحة في سؤال المقبورين ونعيمهم أو عذابهم. وقد ثبت فيها أن الله تعالى يعيد الروح إلى من مات بعد دفنه إعادة تجعله حيًا حياة برزخية، وسطًا بين حياته في دنياه وحياته بعد أن يبعثه الله يوم القيامة، وهذه الحياة الوسط بين الحياتين تؤهله لسماع السؤال والإجابة عنه إذا وفق وتجعله يحس بالنعيم أو العذاب. وقد تقدمت الأحاديث في ذلك ولله في تدبيره وخلقه شؤوون لا تحيط بها العقول لقصورها، ولا تحيلها بل تحكم بإمكانها. وإن كنت تَحار في تعليلها وتعجز عن الوقوف على كنهها وحقيقتها وعن معرفة مداها وغاياتها، فعلى الإنسان إذا عجز عن شيء وخفي عليه أمره أن يتهم نفسه بالقصور، ولا يتهم ربه في علمه وحكمته وقدرته.
اللجنة الدائمة
* * *
стр. 58
موقف الإسلام من النصارى
الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله وآله، وبعد
فقد اطلعت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء على السؤال المقدم إلى سماحة الرئيس العام، ونصه قال الله تعالى ﴿يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ . الآية ٨٤ من سورة آل عمران، وقال تعالى ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ . إلى آخر الآيات ١٨ و ١٩ من سورة آل عمران. وقال تعالى ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آَيَاتِ اللَّهِ آَنَاءَ اللَّيْلِ﴾ إلى آخر الآيات ١١٢، ١١٣، ١١٤، ١١٥، آل عمران. وقال جلَّ وعلا ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ﴾ الآيات ٨١ إلى ٨٥ سورة المائدة. بحكم عملي واحتكاكي بمسيحيين بزمالتي لبعض منهم، فإنه يحدث أحياناً بعض المناقشات هل دين الإسلام اعترف بالمسيحيين أم لا؟ وما موقف الإسلام من النصارى؟ ويستدلون ببعض الآيات من القرآن الكريم التي أوردت آنفًا بعضًا منها وغيرها في مواضع كثيرة، وإنما أوردت هذه الآيات الكريمات على سبيل المثال لا الحصر.
بناء على ذلك فإنني أرجو من علمائنا الأفاضل أن يعطوني الجواب الكافي، ورجائي أن يكون الجواب مبسطًا ومقنعًا ومزودًا بالأدلة والبراهين وبأسلوب هادئ هادف. وهل هناك شيء من هذه الآيات منسوخ؟ لأن النصارى يحتجون علينا بأن البعض منها يناقض الآخر، وإنما دعاني إلى كتابتي هذه هو حرصي الشديد على الإسلام وأهله؟
والجواب أصول الشرائع التي جاء بها الأنبياء والمرسلون واحدة، أوحى الله بها إليهم وأنزل عليهم بها كتبه يوصي فيها سالفهم بالإيمان باللاحق منهم ونصره وتأييده، ويوصي متأخرهم بتصديق من تقدمه منهم، وكل ماجاءوا به من عند الله يسمى دين الإسلام. قال الله تعالى ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آَتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ. فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ. أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ. قُلْ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ. وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ . (سورة آل عمران، الآيات ٨١ - ٨٥) وقال تعالى ﴿آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا
стр. 59
أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ (سورة البقرة، الآية ٢٨٥) وقال ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آَثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآَتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ . إلى أن قال ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ . (سورة المائدة، الآيات ٤٦ - ٤٨) وقال ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ. يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ . (سورة المائدة، الآياتان ١٥ - ١٦) وقال ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (سورة المائدة، الآية ١٩) وقال تعالى ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ (سورة الصف، الآية ٦) . وقال تعالى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ . (سورة الأنبياء، الآية ٢٥) . إلى غير ذلك من الآيات الدالة بالعموم والخصوص، على وحدة أصول التشريع الذي جاءت به الأنبياء من توحيد الله بالعبادة، والإيمان به وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقضاء والقدر وأصل الصلاة والزكاة والصيام، كقوله تعالى في ذِكر دعاء خليله إبراهيم ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ . إلى أن قال في حكاية ضراعة خليله ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ . (سورة الأنبياء، الآيات ٣٧ - ٤٠) . وقوله تعالى ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا. وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ . (سورة مريم، الآيات ٥١ - ٥٥) وقوله تعالى ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآَ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ . (سورة يونس، الآية ٨٧) وقوله في زكريا ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى﴾ . (سورة آل عمران، الآية ٣٩) . وقوله في عيسى ﴿
قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آَتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا. وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ . (سورة مريم، الآيتان ٣٠ - ٣١) . وقوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ
стр. 60
لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ . (سورة البقرة، الآية ١٨٣) . لكنها اختلفت في كيفياتها وتفاصيل فروعها كما قال تعالى ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ . (سورة المائدة، الآية ٤٨) .
وقال النبي ﷺ (الأنبياء أولاد علات دينهم واحد وأمهاتهم شتى) . رواه البخاري. وعلى هذا فمن آمن بأصول الشرائع على ماجاء به الأنبياء والمرسلون فقد ﵃، وكتب لهم السعادة والفلاح، وهم الذين امتدحهم الله في كتابه وأثنى عليهم نبينا محمد ﷺ في سنته، ومن آمن ببعض الأصول التي جاؤوا بها من عند الله وكفر ببعض، فأؤلئك هم الكافرون حقًّا بالجميع، لضرورة وحدتها وتصديق بعضها بعضًا، وأعد الله لهم جنات وساءت مصيرًا، وهؤلاء هم الذين ذمهم الله في كتابه، وذمهم رسوله ﷺ ، في سنته، قال الله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا. أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا. وَالَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ . (سورة النساء، الآيات ١٥٠ - ١٥٢) .
ومن أجل هذا أخبر الله سبحانه بأن أهل الكتاب من اليهود والنصارى ليسوا سواء في حكمه، بل أثنى على طائفة من هؤلاء ومن هؤلاء، وذم طائفة أخرى من الفريقين، أثنى على الذين امتثلوا أمره من اليهود والنصارى بقوله تعالى ﴿قُولُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ . (سورة البقرة، الآية ١٢٦) ومن هؤلاء الذين قال الله فيهم ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ . (سورة آل عمران، الآية ١٩٩) . ومنهم بعض النصارى وهم الذين قال الله فيهم ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ. وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ. وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ. فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ (سورة المائدة، الآيات ٨٢ - ٨٥) . ومنهم جماعة من أهل الكتاب من اليهود والنصارى أثنى الله عليهم بقوله ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آَيَاتِ اللَّهِ آَنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ. يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ
стр. 61
وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ. وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ . (سورة آل عمران، الآيات ١١٣ - ١١٥) . وذم من الفريقين اليهود والنصارى مَن نافق أو آمن ببعض الرسل وكفر ببعض، وكتموا الحق بعد ما تبين، وحرفوا الكلم عن مواضعه، وافتروا على الله الكذب في أصول الشرائع أو فروعها، ونقضوا ما أخذ عليهم من العهود والميثاق. قال تعالى ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ. وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ. أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ. وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ. فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ . (سورة البقرة، الآيات ٧٥ - ٧٩) . وقال تعالى ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ . (سورة آل عمران، الآية ١٨٧) . وقال تعالى ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ. فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ. وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى
أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ . (سورة المائدة، الآيات ١٢ - ١٤) . وذمَّ منهم أيضًا الذين قالوا اتخذ الله ولدًا، واتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله. ورد عليهم فِرْيتهم قال تعالى ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ. اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ . (سورة التوبة، الآيتان ٣٠، ٣١) وذم منهم أيضًا من زعم - مع كفره - أن الجنة وَقفٌ عليهم لا يدخلها غيرهم، وكذّبهم في زعمهم وبيّن مَن هم أهل الجنة
стр. 62
حقًّا، قال تعالى ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ. بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ . (سورة البقرة، الآيتان ١١١، ١١٢) .
وذم منهم أيضا من قتل الأنبياء والصالحين بغير حق، وقالوا قلوبنا غُلف، وافتروا على مريم بهاتنا عظيمًا، وقالوا إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم، وأكلوا الرباء وأموال الناس بالباطل، ومن قال أن الله ثالث ثلاثة، وكفّرهم جميعًا ورد عليهم مزاعمهم الباطلة، وتوعدهم بالعذاب الأليم. إلى غير ذلك من الآيات الدالة على ثنائه تعالى على جماعة من اليهود ومن النصارى ووصفهم بصفات جعلتهم أهلا للثناء عليها، والفوز بالسعادة والنعيم المقيم. وذمه جماعة أخرى من كل من الفريقين ووصفهم بصفات استوجبوا بها سخط الله ولعنته وأليم عقابه.
لهذا يتبين أن الإسلام وقف من اليهود والنصارى موقف إنصاف وعدل. وأنه لاتناقض بين النصوص الكتاب والسنة في الإخبار عنهم ثناء وذمًّا، فإن من أثنى عليهم يختلفون اختلافا بيّنًا عمّن ذمهم؛ فالذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبَا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث، ويضع عنهم إسرهم والأغلال التي كانت عليهم، امتثالاً لقوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ . (سورة النساء، الآية ١٣٦) . وأولئك الذين وسعتهم رحمة الله وحق فيهم ثناؤه وأولئك هم المفلحون. أما الذين كفروا بالجميع أو آمنوا ببعض وكفروا ببعض، وحرفوا ما أنزل في التوراة أو الإنجيل، إلى آخر ما تقدم بيانه وما في معناه فأولئك الذين ذمهم الله، وحقت عليهم كلمة العذاب، وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون. وعلى هذا فلا تناقض بين نصوص الأخبار عنهم ثناء على من هم أهل لذلك واعترافا بقدرهم، وإنزالاً لهم منازلهم، مع ذم آخرين منهم لسوء سيرتهم، وفساد عقيدتهم وتغييرهم وتبديلهم لما أنزل إليهم من ربهم، أو تقليدهم من فعل ذلك من أحبارهم ورهبانهم على غير هدى وبصيرة. ولا نسْخ فيها لعدم تنافيها بل بعضها يصدق بعضًا.
ومن أراد المزيد فليرجع إلى كتاب الله وسنة رسوله، فإنَّ من تأمل آيات القرآن والأحاديث الصحيحة عن الرسول ﵊ واطلع على ما صحَّ من التاريخ، وتبرأ من العصبية ولم يتّبع الهوى، تبيّن له الحق واهتدى إلى سواء السبيل. وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة
* * *
стр. 63
حكم الصلاة في المساجد التي فيها قبور
س هل تصح الصلاة في المساجد التي يوجد فيها قبور؟
ج المساجد التي فيها قبور لا يُصلى فيها، ويجب أن تُنبش القبور وينقل رفاتها إلى المقابر العامة، يجعل رفات كل قبر في حفرة خاصة كسائر القبور، ولا يجوز أن يبقى فيها قبور، لا قبر ولي ولا غيره؛ لأن الرسول ﷺ نهى وحذر وذمَّ اليهود والنصارى على عملهم ذلك، فقد ثبت عنه ﷺ أنه قال " لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " قالت عائشة ﵂ (يحذر ما صنعوا) . متفق عليه.
وقال ﵊ لما أخبرته أم سلمة وأم حبيبة بكنيسة فيها صور وأنها كذا وكذا، فقال "إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور، أولئكِ شرار الخلق عند الله يوم القيامة " وقال ﵊ " ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك " فنهى عن اتخاذ القبور مساجد ﵊.
ومعلوم أن من صلى عند قبر فقد اتخذه مسجدا، ومن بنى عليه ليصلي فيه فقد اتخذه مسجدا، فالواجب أن تبعد القبور عن المساجد، وألا يجعل فيها قبور؛ امتثالا لأمر الرسول ﷺ ، وحذرا من اللعنة التي صدرت من ربنا لمن بنى المساجد على القبور؛ لأنه إذا صلى في مسجد فيه قبور قد يزين له الشيطان دعوة الميت، أو الاستغاثة به، أو الصلاة له، أو السجود له، فيقع في الشرك الأكبر، ولأن هذا من عمل اليهود والنصارى، فوجب أن نخالفهم، وأن نبتعد عن طريقهم، وعن عملهم السيء والله وليُّ التوفيق.
الشيخ ابن باز
* * *
كيف الجمع بين قوله [إن الله لا يغفر] وقوله [وإني لغفار]
س كيف نجمع بين هاتين الآيتين ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ وقوله تعالى ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ وهل بينهما تعارض؟
стр. 64
ج ليس بينهما تعارض، فالآية الأولى في حق من مات على الشرك ولم يتب، فإنه لا يغفر له ومأواه النار، كما قال الله سبحانه ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ وقال ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ والآيات في هذا المعنى كثيرة. أما الآية الثانية وهي قوله سبحانه ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ . فهي في حق التائبين، وهكذا قوله سبحانه ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ أجمع العلماء على أن هذه الآية في التائبين.. والله وليُّ التوفيق.
الشيخ ابن باز
* * *
المحكم والمتشابه في القرآن الكريم
س ما هو " المحكم والمتشابه " في القرآن الكريم، ولمَ لم يكن القرآن كله مُحْكمًا حتى لا يتأوّل الناس منه إلا الحق؟
ج اعلم أن القرآن وصفه الله بثلاثة أوصاف؛ فوصفه بأنه محكم كله كما في قوله تعالى ﴿تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ . وفي قوله ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ﴾ . ووصفه بأنه متشابه في قوله تعالى ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ . وهذا عام لكل القرآن معناه أن القرآن محكم متقن في أخباره وأحكامه وألفاظه وغير ذلك مما يتعلق به، ومعنى كونه متشابهًا أن بعضه يشبه بعضًا في الكمال والجودة والتصديق والموافقة، فلا نجد في القرآن أحكامًا متناقضة أو أخبارًا متناقضة بل كله يشهد بعضه لبعض ويصدق بعضه بعضاً، لكن يحتاج إلى تدبر وتأمل في الآيات التي قد يكون فيما يبدو للإنسان فيها تعارض ولهذا قال الله ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ . أما الوصف الثالث للقرآن، أن بعضه محكم وبعضه متشابه كما في قوله تعالى ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ . والمحكم هنا ما كان معناه بيّنًا ظاهرًا لأن الله تعالى قابله بقوله ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ . وتفسير الكلمة يعلم بذكر ما يقابلها، وهذه قاعدة من قواعد التفسير ينبغي للمفسر أن ينتبه لها، وهي أن الكلمة قد يظهر
стр. 65
معناها بما قوبلت به؛ وانظر إلى قوله تعالى ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ . فإن كلمة ثُبات قد تبدو مشكلة للإنسان، ولكن عندما يضمها إلى ما ذكر مقابلاً لها يتبين له معناها، فإن معنى قوله ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ﴾ . أي متفرقين فُرادى. ﴿أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ . أي مجتمعين. هكذا قوله تعالى ﴿مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ . نقول إن المحكم في هذه الآية هو الذي كان معناه واضحًا غير مشتبه بحيث يعلمه عامة الناس وخاصتهم، مثل قوله تعالى ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ﴾ . وما أشبه ذلك من الأمور الظاهرة المعنى. ومنه آيات متشابهات، متشابهات يخفى معناها على كثير من الناس لا يعلمها إلا الله والراسخون في العلم، كما قال تعالى ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ . على قراءة من قرأها بالوصل وللسلف فيها قولان معروفان أحدهما الوقف على قوله ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ , والثاني الوصل. ولكل قراءة وجه. وأما قول السائل ما الحكمة في أن الله لم يجعل القرآن كله محكمًا بل جعل منه شيئًا متشابهاً؟ فالجواب عليه من وجهتين أولا أن القرآن كله محكم بالمعنى العام، كما ذكرنا في أول الجواب، وحتى فيما يتعلق بهذه الآية الكريمة، فإننا إذا رددنا المتشابه إلى المحكم صار معناه واضحًا بينًا، وصار الجميع كله محكمًا. أما الوجه الثاني فإننا نقول إن الله أوجد المتشابه الذي يحتاج إلى تدبر وتأمل وإرجاع إلى المحكم، أوجده لحكمة وهي الابتلاء والامتحان والاختبار، حيث إن بعض الناس يأخذ من هذه الآيات المتشابهات طريقًا إلى الفتنة، وإلى الطعن في القرآن والتشكيك فيه وليكون بهذا ابتلاء وامتحانًا من الله له، وهذا كما يكون في أحكام الله الشرعية أو آياته الشرعية كالقرآن، يكون كذلك في الآيات الكونية القدرية، فإن الله تعالى قد يقدر بعض الأشياء امتحانًا للإنسان يبلوه في تطبيق شريعته , وانظر إلى ما ابتلي به الله أهل السبت حين حرّم عليهم الحيتان في يوم السبت، ابتلاهم الله بأن تأتي الحيتان شرَّعًا على ظهر الماء في يوم السبت وفي غير يوم السبت لا تأتيهم، لكنهم لم يصبروا على هذه المحنة فتحيلوا بالحيلة المعروفة حيث وضعوا شركًا في يوم الجمعة، لتقع فيه الحيتان، فيأخذونها يوم الأحد، فعاقبهم الله على هذه الحيلة. وانظر كذلك إلى ما ابتلي الله به الصحابة ﵃ في قوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ
стр. 66
مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾ . فابتلاهم الله بسهولة تناول الصيد وهم مُحْرمون وصبروا ﵃ فلم يفعلوا شيئًا مما حرم الله عليهم، هكذا أيضًا الآيات الشرعية يكون فيها الأشياء المتشابهة التي قد يكون ظاهرها التعارض وتكذيب بعضها أيضًا. لكن الراسخون في العلم يعرفون كيف
يجمعون بينها وكيف يؤلفون بين الآيات، وأما أهل الفتنة والشر، فإنهم يجعلون من هذا طريقًا إلى إظهار القرآن وكأنه متعارض ومتناقض ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ .
الشيخ ابن عثيمين
* * *
٧٥ المؤمنون يرون ربهم حقا في الجنة كما يشاء الله
س في حديث عن الرسول ﷺ ، أنه قال (إنكم سترون ربكم يوم القيامة كالقمر ليلة البدر.. لا تضامون في رؤيته) .
١- هل رؤية الله حق يوم القيامة؟ وهل الحديث المذكور أعلاه صحيح؟ ! وهل الرؤية للناس جميعًا أم للمؤمنين؟
٢- قال بعض رواة الحديث إن الله ينزل إلى السماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل فهل هذا صحيح؟ ! .
ج ١ هذا الحديث صحيح ثابت، وهو دليل على أن المؤمنين يرون ربهم حقًّا كما يشاء الله وأما الكفار فلا يرونه، لقوله تعالى ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ . وقد وردت الأحاديث الكثيرة في إثبات رؤية المؤمنين لربهم في الجنة، وكذلك دل عليها القرآن كقوله تعالى ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ. إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ . وقوله ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ . فأما كيفية الرؤية فلا نعلمها مع أحقيتها، فإن الدار الآخرة لا تُقاس بالدنيا، ولا يقاس الغيب على الشهادة، وإنما علينا أن نقول بما نعلم.
٢- وردت الأحاديث الصحيحة في النزول كقوله ﷺ " ينزل ربنا إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول (هل من داعٍ فأستجيب له، هل من مستغفر فأغفر له، هل من تائب فأتوب عليه؟) .
لكن هذا النزول من الأمور الغيبية، فنحن نقبله ولا نخوض في كيفيته، وإنما نستفيد من فضل آخر الليل، واستحباب الصلاة هناك والدعاء والاستغفار وإنه مظنة الإجابة.
الشيخ ابن جبرين
* * *
стр. 67
إمامة المخالف لأهل السنة
س هل تجوز الصلاة خلف صاحب عقيدة مخالفة لأهل السنة والجماعة كالأشعري مثلًا؟
ج الأقرب والله أعلم أن كل من نحكم بإسلامه يصح أن نصلي خلفه ومَن لا فلا، وهذا قول جماعة من أهل العلم وهو الأصوب. وأما من قال أنها لا تصح خلف العاصي فقوله هذا مرجوح، بدليل أن النبي ﷺ رخص في الصلاة خلف الأمراء، - والأمراء منهم الكثير من العصاة-، وابن عمر وأنس وجماعة صلوا خلف الحجاج وهو من أظلم الناس. والحاصل أن الصلاة تصح خلف مبتدع بدعة لا تخرجه عن الإسلام، أو فاسق فسفا ظاهرا لا يخرجه من الإسلام. لكن ينبغي أن يولّى صاحب السنة، وهكذا الجماعة إذا كانوا مجتمعين في محل يقدمون أفضلهم.
الشيخ ابن باز
* * *
حكم سؤال السحرة والمشعوذين من الصوفية وغيرهم
س يوجد في بعض جهات اليمن أناس يسمون (السادة) ، وهؤلاء يأتون بأشياء منافية للدين مثل الشعوذة وغيرها، ويدَّعون أنهم يقدرون على شفاء الناس من الأمراض المستعصية، ويبرهنون على ذلك بطعن أنفسهم بالخناجر أو قطع ألسنتهم ثم إعادتها دون ضرر يلحق بهم، وهؤلاء منهم من يصلي ومنهم من لا يصلي. وكذلك يُحلون لأنفسهم الزواج من غير فصيلتهم ولا يحلون لأحد الزواج من فصيلتهم، وعند دعائهم للمرضى يقولون (يا الله يا فلان) أحد أجدادهم. وفي القديم كان الناس يُكْبرونهم ويعتبرونهم أناسا غير عاديين وأنهم مقربون إلى الله، بل يسمونهم رجال الله، والآن انقسم الناس فيهم فمنهم من يعارضهم وهم فئة الشباب وبعض المتعلمين، ومنهم من لا يزال متمسكا بهم وهم كبار السن وغير المتعلمين. نرجو من فضيلتكم بيان الحقيقة في هذا الموضوع؟
جـ هؤلاء وأشباههم من جملة المتصوفة الذين لهم أعمال منكرة وتصرفات باطلة، وهم أيضا من جملة العرافين الذين قال فيهم النبي ﷺ " من أتى عرافا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين يوما ". وذلك بدعواهم علم الغيب وخدمتهم فلا يجوز إتيانهم ولا سؤالهم، لهذا الحديث الشريف ولقوله ﷺ " من أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل
стр. 68
على محمد ﷺ " وفي لفظ آخر " من أتى عرافا أو كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ ". وأما دعاؤهم غير الله واستغاثتهم بغير الله أو زعمهم أن آباءهم وأسلافهم يتصرفون في الكون أو يشفون المرضى أو يجيبون الدعاء مع موتهم أو غيبتهم فهذا كله من الكفر بالله وكله من أعمال المشركين، فالواجب الإنكار عليهم وعدم إتيانهم وعدم سؤالهم وعدم تصديقهم؛ لأنهم قد جمعوا في هذه الأعمال بين عمل الكهنة والعرافين وبين عمل المشركين عباد غير الله والمستغيثين بغير الله والمستعينين بغير الله من الجن والأموات وغيرهم ممن ينتسبون إليهم ويزعمون أنهم آباؤهم وأسلافهم، أو من أناس آخرون يزعمون أن لهم ولاية أو لهم كرامة، بل كل هذا من أعمال الشعوذة ومن أعمال الكهانة والعرافة المنكرة في الشرع المطهر. وأما ما يقع منهم من التصرفات المنكرة من طعنهم أنفسهم بالخناجر أو قطعهم ألسنتهم فكل هذا تمويه على الناس، وكله من أنواع السحر المحرم الذي جاءت النصوص من الكتاب والسنة بتحريمه والتحذير منه. فلا ينبغي للعاقل أن يغتر بذلك وهذا من جنس ما قاله الله عن سحرة فرعون ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ فهؤلاء قد جمعوا بين السحر وبين الشعوذة والكهانة والعرافة وبين الشرك الأكبر. والاستعانة بغير الله والاستغاثة بغير الله وبين دعوى علم الغيب والتصرف في علم الكون، وهذه أنواع كثيرة من الشرك الأكبر والكفر البواح ومن أعمال الشعوذة التي حرمها الله ومن دعوى علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله كما قال سبحانه ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ﴾ . فالواجب على جميع المسلمين العارفين بحالهم الإنكار عليهم وبيان سوء تصرفاتهم وأنه منكر وأنَّ أعمالهم شركية وكفرية وفيها من الشعوذة والكهانة والعرافة وفيها من دعوى علم الغيب ما فيها، وهذه أنواع كلها أنواع ضلال وأنواع كفر وباطل يجب الحذر منه والحذر من أهله. وأما كونهم لا يزوجون بناتهم لغيرهم ويستحلون الزواج من غيرهم فهذا أيضًا جهل وضلال لا وجه له ولا أصل له في الشرع، وقد قال الله ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ . ولو كانوا من السادة أو من بني هاشم فليس لهم أن يحرّموا بناتهم على غيرهم بل هذا منكر ويخالف ما صحَّ عن رسول الله ﷺ ، فقد زوّج ﵊ زينب ابنة عمه زيد بن حارثة وهي أسدية، وزوَّج فاطمة بنت قيس أسامة بن زيد وهي قرشية، وزوّج عليٌّ ﵁ أمَّ كلثوم لعمر بن الخطاب ﵁ وهو ليس من بني هاشم بل هو من بني عدي.. والوقائع في هذه كثيرة تدل على بطلان ما عليه هؤلاء وأنهم مخالفون لما عليه سَلفهم، فالواجب نصيحتهم
стр. 69
وتحذيرهم من مخالفة أمر الله، وأمرهم بالتوبة إلى الله سبحانه من جميع ما خالفوا فيه الشرع المطهر. نسأل الله لنا ولهم الهداية.
الشيخ ابن باز
* * *
حكم الاستعانة بغير الله
س رجل يعيش في جماعة تستغيث بغير الله هل يجوز له الصلاة خلفهم , وهل تجب الهجرة عنهم , وهل شركهم شرك غليظ , وهل موالاتهم كموالاة الكفار الحقيقيين؟
ج إذا كانت حال من تعيش بينهم - كما ذكرت من استغاثتهم بغير الله, كالاستغاثة بالأموات والغائبين عنهم من الأحياء أو بالأشجار أو الأحجار أو الكواكب ونحو ذلك - فهم مشركون شركا أكبر يخرج من ملة الإسلام , لا تجوز موالاتهم , كما لا تجوز موالاة الكفار , ولا تصح الصلاة خلفهم , ولا تجوز عشرتهم ولا الإقامة بين أظهرهم إلا لمن يدعوهم إلى الحق على بينة, ويرجو أن يستجيبوا له وأن تصلح حالهم دينيا على يديه , وإلا وجب عليه هجرهم والانضمام إلى جماعة أخرى يتعاون معها على القيام بأصول الإسلام وفروعه، وإحياء سنة رسول الله ﷺ , فإن لم يجد اعتزل الفرق كلها ولو أصابته شدة ; لما ثبت عن حذيفة ﵁ أنه قال كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير, وكنت أسأله عن الشر مخافة أن أقع فيه, فقلت يا رسول الله, إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير, فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال " نعم "، فقلت فهل بعد هذا الشر من خير؟ قال " نعم وفيه دخن "، قلت وما دخنه؟ قال " قوم يستنون بغير سنتي ويهدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر "، فقلت فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال " نعم , دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها "، فقلت يا رسول الله , صفهم لنا , قال " نعم , هم من جلدتنا, ويتكلمون بألسنتنا "،
стр. 70
قلت يا رسول الله , فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال " تلزم جماعة المسلمين وإمامهم "، فقلت فإن لم تكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال " فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تَعُضَّ على أصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك " متفق على صحته.
وصلى الله على نبينا محمد, وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة
* * *
السفر لزيارة مسجد رسول الله ﷺ وليس لقبره
س ما حكم السفر لزيارة قبر النبي ﷺ ، وغيره من قبور الأولياء والصالحين وغيرهم؟
ج لا يجوز السفر بقصد زيارة قبر النبي ﷺ أو قبر غيره من الناس في أصح قولي العلماء؛ لقول النبي ﷺ " لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى " متفق عليه. والمشروع لمن أراد زيارة قبر النبي ﷺ وهو بعيد عن المدينة أن يقصد بالسفر زيارة المسجد النبوي فتدخل زيارة القبر الشريف وقبرَيْ أبي بكر وعمر والشهداء وأهل البقيع تبعا لذلك.
وإن نواهما جاز. لأنه يجوز تبعا ما لا يجوز استقلالا، أما نية القبر بالزيارة فقط فلا تجوز مع شد الرحال، أما إذا كان قريبا لا يحتاج إلى شد رحال ولا يسمى ذهابه إلى القبر سفرا، فلا حرج في ذلك. لأن زيارة قبره ﷺ وقبر صاحبيه من دون شد رحال سنة وقربة، وهكذا زيارة قبور الشهداء وأهل البقيع، وهكذا زيارة قبور المسلمين في كل مكان سنة وقربة، لكن بدون شد الرحال؛ لقول النبي ﷺ " زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة " أخرجه مسلم في صحيحه.
الشيخ ابن باز
* * *
стр. 71
المرأة لا تزور القبور
س ما حكم زيارة المرأة للقبور؟
ج لا يجوز للنساء زيارة القبور؛ لأن الرسول ﷺ لعن زائرات القبور، ولأنهن فتنة، وصبرهن قليل، فمن رحمة الله وإحسانه أن حرم عليهن زيارة القبور؛ حتى لا يَفْتنَّ ولا يُفْتِنَّ. أصلح الله حال الجميع.
الشيخ ابن باز
* * *
حكم الصلاة في المساجد التي تتوسطها الأضرحة
س هل تجوز الصلاة في المساحد التي تتوسطها قبور لأولياء الله؟
ج المساجد المبنية على القبور لا يُصلّى فيها، سواء كان المقبور فيها من الصالحين أم من غيرهم، لأن الرسول ﷺ ، نهى وحذّر منه ولعن اليهود والنصارى على ذلك، كما في الصحيحين عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال " لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ". وفي الصحيحين عن عائشة ﵂ أن أم سلمة وأم حبيبة ﵄ ذكرتا للنبي ﷺ كنيسة بأرض الحبشة وما فيها من الصور، فقال رسول الله ﷺ " أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور أولئكِ شِرار الخلق عند الله ". وخرّج مسلم في صحيحه عن جندب بن عبد الله البجلي عن النبي ﷺ أنه قال " ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك ". فهذه الأحاديث الصحيحة وما جاء في معناها كلها تدل على تحريم الصلاةبالمساجد التي بها قبور، ولَعْن من فعل ذلك، وقد ثبت عنه ﷺ من حديث جابر أنه " نهى عن تجصيص القبر والبناء عليها والقعود عليها ".
فالواجب على ولاة أمر المسلمين في جميع الدول الإسلامية أن منعوا البناء على القبور واتخاذ مساجد عليها، كما يجب عليهم أن يمنعوا تجصيصها والقعود عليها والكتابة عليها عملاً بهذه الأحاديث الصحيحة، وسدًّا لذرائع الغلو في أهلها والشرك بهم. نسأل الله أن يوفق ولاة أمر المسلمين لما فيه صلاح العباد والبلاد وأن ينصر بهم دينه ويحمي بهم شريعته مما بخالفها، إنه سميع مجيب.
الشيخ ابن باز
* * *
стр. 72
التفضيل بين الرسل
س كيف نجمع بين قوله تعالى ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ . وقوله ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ ؟
ج قوله تعالى ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ كقوله تعالى ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ . فالأنبياء والرسل لا شك أن بعضهم أفضل من بعض، فالرسل أفضل من الأنبياء، وأولو العزم من الرسل أفضل ممن سواهم، وأولو العزم من الرسل هم الخمسة الذين ذكرهم الله تعالى في آيتين من القرآن إحداهما في سورة الأحزاب ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ . محمد ﵊، ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم. والآية الثانية في سورة الشورى ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى﴾ . فهؤلاء خمسة وهم أفضل ممن سواهم. وأما قوله تعالى عن المؤمنين ﴿كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ . فالمعنى لا نفرق بينهم في الإيمان بل نؤمن أنهم كلهم رسل من عند الله حقّاًَ، وأنهم ما كذبوا فهم صادقون مصدقون وهذا معنى قوله ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ . أي في الإيمان، فنؤمن أن كلهم عليهم الصلاة والسلام، رسل من عند الله حقّاً.
لكن في الإيمان المتضمن للاتباع هذا يكون لمن بعد الرسول ﷺ خاصّاً بالرسول ﷺ لأنه ﷺ ، لأنه هو المتبع، لأن شريعته نسخت ماسواها من الشرائع، وبهذا نعلم أن الإيمان يكون للجميع كلهم، نؤمن بهم وأنهم رسل الله حقاً، وأما بعد أن بُعث الرسول ﷺ فإن جميع الأديان السابقة نُسختْ بشريعته ﷺ ، وصار الواجب على جميع الناس أن ينصروا محمداً ﷺ وحده. ولقد نسخ الله تعالى بحكمته جميع الأديان سوى دين الرسول ﷺ ، ولهذا قال الله تعالى ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ . فكانت الأديان سوى دين الرسول ﷺ كلها منسوخة لكن الإيمان بالرسل وأنهم حق هذا أمر لا بد منه.
الشيخ ابن عثيمين
* * *
стр. 73
العلة في تحريم زيارة النساء للقبور
س ما السبب أو العلة في تحريم زيارة النساء للقبور؟
ج أولاً ورد النهي الشديد عن ذلك بقوله ﷺ " لعن الله زائرات القبور". وقوله لفاطمة لما زارت أناساً للتعزية " لو بلغت معهم الكداء (يعني أدنى المقابر) ما رأيتِ الجنة.. إلخ ". وثانياً ورد تعليل ذلك بقوله ﷺ للنساء اللاتي تبعن الجنازة " ارجعن مأزورات غير مأجورات فإنكن تفتن الحي وتؤذين الميت " فعلّل نهيهن بعلتين كونهن فتنة للأحياء فإن المرأة عورة وخروجها وبروزها للرجال الأجانب يوقع في الفتنة ويجر إلى الجرائم، وهكذا كونهن يؤذين الميت فإن المرأة قليلة الصبر ضعيفة القلب لا تتحمل المصائب فلا يؤمَن أن يقع منها عند القبور شيء من النياحة والندب والنعي ورفع الصوت بتعداد محاسن الميت وذلك محرم شرعاً الشيخ ابن جبرين
حساب الكافر في الآخرة
س الإنسان المؤمن محل الحساب يوم القيامة، إن خيرا فخير وإن شرًا فشر. فكيف يكون الكافر محلا للحساب كذلك وهو غير مطالب بالتكليفات المطالب بها المؤمن؟
ج هذا السؤال مبني على فهم ليس بصحيح، فإن الكافر مطالب بما يطالب به المؤمن لكنه غير ملزم به في الدنيا، ويدل على أنه مطالب لقوله تعالى ﴿إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ. فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ. عَنِ الْمُجْرِمِينَ. مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ. قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ. وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ. وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ. وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ . فلولا أنهم تأثروا بترك الصلاة وترك الطعام وإطعام المساكين لو أنهم تأثروا بذلك ما ذكروه وهذا دليل على أنهم يعاقبون على فروع الإسلام وكما أن هذا هو مقتضى الأثر فهو أيضا مقتضى النظر، فإذا كان الله تعالى يعاقب عبده المؤمن على ما أخل به من واجب في دينه فكيف لا يعاقب عبده الكافر؟ بل إني أزيدك أن الكافر يعاقب على كل ما أنعم الله به عليه من طعام وشراب وغيره قال تعالى ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآَمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ فمنطوق الآية رفع الجناح عن المؤمنين فيما طعموه، ومفهومها وقوع الجناح على الكافرين فيما طعموه، وكذلك قول الله ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ
стр. 74
مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ . فإن قوله ﴿قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ . دليل على أن غير المؤمن ليس له حق في أن يستمتع بها، أقول ليس له حق شرعي أما الحق بالنظر إلى الأمر الكوني وهو أن الله خلقها وانتفع بها هذا الكافر فهذا أمر لا يمكن إنكاره. فهذا دليل على أن الكافر يحاسب حتى على ما أكل من المباحات وما لبس، وكما أن هذا مقتضى الأثر فإنه مقتضى النظر، إذ كيف يتمتع هذا الكافر العاصي لله الذي لا يؤمن به كيف يحق له عقلا أن يستمتع بما خلقه الله وما أنعم الله به على عباده؟ إذا تبين لك هذا فإن الكافر يحاسب يوم القيامة على عمله. ولكن حساب الكافر على عمله يوم القيامة ليس كحساب المؤمن لأن المؤمن يحاسب حساًبا يسرًا؛ يخلو به الرب ويقرره بذنوبه حتى يعترف ثم يقول له (قد سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم) . أما الكافر - والعياذ بالله - فإن حسابه أن يقرر بذنوبه ويُخزى بها على رؤوس الأشهاد ... ﴿وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾
الشيخ ابن عثيمين
* * *
فوائد ابتلاء المؤمن
س لماذا يثقل الله على المؤمنين الذين يكثرون العبادة بالأمراض والبلايا في حين أن العصاة يتمتعون بكل مطايب الدنيا؟
هذا السؤال يَرِد على وجهين أحدهما اعتراض والثاني استرشاد، فأما وقوعه على سبيل الاعتراض فإنه دليل على جهل السائل، فإنّ حكمة الله أعظم من أن تبلغها عقولنا والله يقول ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ فهذه الروح التي هي بين جنبينا والتي هي مادة حياتنا نحن لا نعرفها وقد عجز النظار والفلاسفة والمتكلمون عن تحديدها وكيفيتها، فإذا كانت هذه الروح التي هي أقرب مخلوق إلينا لا نعلم منها إلا ما وُصف في الكتاب والسنة فما بالك بما وراء هذا؟ فالله أحكم وأعظم وأجل وأقدر، فعلينا أن نسلم بقضائه تسليماً تاماً قضائه الكوني وقضائه القدري، لأننا عاجزون عن إدراك غايات حكمته ، وعليه فالجواب عن هذا الوجه من السؤال أن نقول الله أعلم وأحكم وأقدر وأعظم. وأما الوجه الثاني وهو سؤال استرشاد فإننا نقول لهذا
стр. 75
السائل المؤمن يبتلى وابتلاء الله له بما يؤذيه له فائدتان عظيمتان الفائدة الأولى اختبار هذا الرجل في إيمانه. هل إيمانه صادق أو متزعزع، فالمؤمن الصادق في إيمانه يصبر لقضاء الله وقدره، ويحتسب الأجر منه وحينئذ يهون عليه الأمر، ويذكر عن بعض العابدات أنه أصيب أصبعها بقطع أو جرح ولكنها لم تتألم ولم تظهر التضجر فقيل لها في ذلك فقالت إن حلاوة أجرها أنستني مرارة صبرها، والمؤمن يحتسب الأجر من الله تعالى ويسلم تسليماً. هذه فائدة. أما الفائدة الثانية فإن الله سبحانه أثنى على الصابرين ثناءً كبيراً وأخبر أنه معهم وأنه يوفيهم أجرهم بغير حساب، والصبر درجة عالية لا ينالها إلا من ابتُلي بالأمور التي يُصبر عليها فإذا صبر نال هذه الدرجة العالية التي فيها هذا الأجر الكثير، فيكون ابتلاء الله للمؤمنين بما يؤذيهم من أجل أن ينالوا درجة الصابرين، ولهذا كان الرسول ﵊ وهو أعظم الناس إيماناً وأتقاهم لله وأخشاهم لله كان يوعك كما يوعك الرجلان وشُدد عليه ﷺ عند النزع كل ذلك لأجل أن تتم له منزلة الصبر فإنه ﵊ أصبر الصابرين، ومن هذا يتبين لك الحكمة من كون الله يبتلي المؤمن بمثل هذه المصائب، أما كونه يعطي العصاة والفساق والفجار والكفار العافية والرزق يدره عليهم فهذا استدراج منه لهم، وقد ثبت عن النبي ﷺ قوله إن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر. فهم يُعطون هذه الطيبات لتُعجل لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا، ويوم القيامة ينالون ما يستحقونه من جزاء، قال الله تعالى ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾ . فالحاصل أن هذه الدنيا هي للكفار يُستدرجون بها وهم إذا انتقلوا إلى الآخرة من هذه الحياة الدنيا التي نعموا بها وجدوا العذاب والعياذ بالله، فإنه يكون العذاب أشد عليهم لأنهم يجدون في العذاب النكال والعقوبة، ولأنه مع فوات محبوبهم من الدنيا ونعيمهم وترفهم، وهذه فائدة ثالثة يمكن أن نضيفها إلى الفائدتين السابقتين فيما سينال المؤمن من الأذى والأمراض، فالمؤمن ينتقل من دار خير من هذه الدنيا فيكون قد انتقل من أمر يؤذيه ويؤلمه إلى أمر يسره ويفرحه، فيكون فرحه بما قدم عليه من النعيم مضاعفاً لأنه حصل به النعيم وفات عنه ما يجري من الآلام والمصائب.
الشيخ ابن عثيمين
* * *
следующие страницы →