← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17091

ثمر الثمام شرح «غاية الإحكام في آداب الفهم والإفهام»

الأمير محمد السنباوي المالكي

Полный текст (141 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

ثَمَرُ الثمامِ شَرحُ «غَايَة الإحكَامِ فِي آدَابِ الْفَهمِ وَالإِفهَامِ» تأليف الإِمَام الْعَلامَة الْمُحَقِّق مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن عبدِ الْقَادِر السَّنَبَاوي الْأَزْهَرِي الْمَالِكِي الشَّافِعِي الْمَعْرُوف بـ " الْأَمِير الْكَبِير " رَحمَه الله تَعَالَى (١١٥٤ هـ - ١٢٣٢ هـ) عُنِيَ بِهِ عبد الله سُلَيْمَان الْعَتِيق بمساهمة اللجنة العلمية بمركز دراسات الْمِنْهَاج للدراسات والنشر برئاسة أنس مُحَمَّد عدنان الشّرقاوي دَار الْمِنْهَاج

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بين يدي الكتاب الحمد لله الذي أبدع الإنسان وعلَّمه البيان، جوداً وفضلاً منه وإحساناً. والصلاة والسلام على سيد الوجود أفصح من نطق بالضاد وأصدقهم لهجة وبياناً، وعلى آله الأطهار، وصحابته الأبرار، وتابعيهم بإحسان. وبعد: فهاك كتاباً فريداً في بابه، نافعاً أيَّما نفعٍ لطلابه، نسجتْ سطورَهُ يراعتان مباركتان، لعالِمَينِ محققَين مدققَين، العلامة المعمَّر عمر الطَّحْلاوي، وأمير العلماء محمد الأمير السَّنَباوي المالكي. متعاصرين كانت لهما علوم العربية على طرف الثُّمام، فَحْلَينِ تتبعتْ آثارهما الأنام. خطَّ الأوَّلُ " غاية الإحكام في آداب الفهم والإفهام "، فشرحها الثاني شرحاً رائقاً مفيداً بـ " ثمر الثُّمام ". والسبب في تفرُّده هو موضوعه الذي يعالج مسألة من أهم المسائل الحيويَّة المتصلة بالنص، وهي قضيّة فهمه وتفهيمه، وطرائق الوصول

стр. 4

إلى مرادات كاتبه، ضمن بحث مقتضب قل نظيره بهذه الطريقة في المكتبة العربية. إذ يقدم أبرز المحطات التي يجب الوقوف عندها قبل إمرار العبارة، ويبين أهم الأخطاء التي يجب التحرز عنها كيلا نردَّ العبارة الصحيحة متوهمين خطأها. فالعجلةُ في رد النصوص والحكم عليها بالخطإ آفةٌ بشعة، ومظاهرها اليوم في ازدياد مستمر، وأهل العلم في شكاية من أولئك المتهورين الذين يسارعون في نبذ كل ما لا يفهمون ظانين بصاحبه ظن السوء، دون أدنى لفتةِ عتبٍ على أنفسهم التي تحتمل كغيرها الخطأ الناجم عن سوء الفهم كما احتملت العبارة الخطأ الناجم عن سوء الإفهام. إنها بليَّة عمَّت حتى أعمت، ولا بد لنا من كبح جماحها الهائج، وليس لكبحها دواء أنجع وأنجح من تبصير طالب العلم بحقيقة طلب العلم، ومحاربة ظاهرة التهجين العلمي التي أخذت بالانتشار، فكان من آثارها أن نصاب بأمثال تلك السرطانات المخيفة. فما إن نسمع بفلان أنه أخذ بطلب العلم .. حتى نسمع بعد غفوة خاطفة يقدم للعامة عالماً جهبذاً، ومفتياً لوذعياً، وداعية أخَّاذاً؟!!! أما والذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام، لن تفلح أمة رضيت بهذا الهزال العلمي والتقهقر الثقافي إذ تُملِّكُ أمرها أطفال العلم وتناديهم بنعوت الجلال.

стр. 5

(ب) و" ثمر الثُّمام " عُودٌ في عجلة العجلة يحاول أن يبطىء من سيرها، ويعلِّمُ فنَّ تأمُّلِ العبارات، وتقليب النظر فيها، وفحصها وتمحيص أمرها، وإعطائها الوقت اللازم قبل قبولها أو ردِّها. كان ذلك عبر مسلك علمي ينبِّهُ طالبَ الحق لضرورة الرجوع إلى الأمهات وفهم المدلولات، وقراءة الأصول قراءة تحقيق، مع إضافات غالية نفيسة، بسطتها بنان العلامة الأمير رحمه الله تعالى. (ج) ومن اللازم قراءة " ثمر الثُّمام " بوعي واستيعاب، والأخذ بنصائحه ووصاياه في العودة إلى مآخذ العلم وأصوله، فمن صدر عن الأصول تصدَّر، ومن رضي بهزيل فهمه وقطع نسبته هوى وخسر. (ر) ولقد نالت دار المنهاج سعادة غامرة عندما قام الأستاذ عبد الله العتيق بتقديم " ثمر الثمام " لها ليخرج إلى عالم النور، فزادت إلى عنايته عناية، حيث استقدمت المزيد من النسخ الخطية لكل من " غاية الإحكام " و " ثمر الثمام "، ودفعت به إلى لجنتها العلمية، التي أعادت مقابلته ودراسته، وركَّنتْ له المقدمات المناسبة من ترجمة لمؤلِّفَيْهِ، وكلمة عن موضوعه، وحلَّته بمزيدٍ مِنَ التعليقات العلمية المفيدة.

стр. 6

فكان لدار المنهاج يد بيضاء في خدمة الكتاب تضاف لما صنعه الأستاذ العتيق. وفَّى الله تعالى جميع العاملين فيه خيراً وأجراً سائلين المولى الكريم النفع العميم، والإخلاص في القول والعمل إنه سبحانه القريب المجيب. الناشر

стр. 7

ترجمة العلامة الفقيه المحدث عمر بن علي بن يحيى الطحلاوي رحمه الله تعالى صاحب المتن: " غاية الإحكام في آداب الفهم والإفهام " اسمه ونسبه الشيخ الإمام الثبت، العلامة الفقيه المحدث: عمر بن علي بن يحيى بن مصطفى الطحلاوي، المالكي، الأزهري. ونسبته الطحلاوي - كما ذكر العلامة الزبيدي في " التاج " - هي إلى قرية تدعى: (طحلاء)، مشرفة على النيل من أعمال الشرقية، وذكر الشارح في كتابنا هذا أنها نسبة إلى قرية تدعى: طحلة. ونعته المؤرخ الفاضل المرادي بالمعمر (١)، ولم تذكر سنة ولادته، غير أنه في عام (١١٤٧ هـ) كان له شأن عظيم وصل إلى دار السلطنة (٢). شيوخه للعلامة الطحلاوي " ثبت " نسبه له بصري المكناسي في " ثبته "، وحلاه الحافظ الزبيدي في " معجمه " بالإمام الثبت العلامة (٣).

стр. 8

تفقه على الشيخ سالم النفراوي، وحضر دروس الشيخ منصور المنوفي، والشهاب ابن الفقيه، والشيخ محمد الصغير الورزازي، والشيخ أحمد الملوي، والشبراوي، والبليدي. وسمع الحديث عن الشهابين أحمد البابلي والشيخ أحمد العماوي، وأبي الحسن علي ابن أحمد الحريشي الفاسي (١). وأخذ عن العلامة العدوي الصعيدي كما ذكره في كتابنا هذا وأشار إلى تلمذته عليه (٢). فضله وعلمه يقول المؤرخ الجبرتي ﵀: (وتمهر في الفنون، ودرَّس بالجامع الأزهر وبالمشهد الحسيني، واشتهر أمره، وطار صيته، وأشير إليه بالتقدم في العلوم. وتوجه إلى دار السلطنة في مهم اقتضى لأمراء مصر، فقوبل بالإجابة، وألقا هناك دروساً في الحديث في آيا صوفيا، وتلقى عنه أكابر العلماء هناك في ذلك الوقت، وصُرف معززاً مقضياً حوائجه، وذلك في سنة سبع وأربعين ومئة وألف. ولما تمَّمَ عثمان كتخدا القازدغلي بناء مسجده بالأزبكية في تلك السنة .. تعين المترجَم للتدريس فيه، وذلك قبل سفره إلى الديار

стр. 9

الرومية، وكان مشهوراً في حسن التقرير، وعذوبة البيان، وجودة الإلقاء، وأقرأ " الموطأ " بالمشهد الحسيني، وأفاد وأجاز الأشياخ) (١). ويقول المؤرخ الفاضل المرادي ﵀: (وصار له الفضل العظيم، والعلم الغض، والفضل التام، وتصدر للتدريس والفتوى، وأقبلت عليه الأفاضل، وانتفعوا به. فمن جملة من أخذ عنه: المحقق عبد الله بن حجازي الشرقاوي، ومحمد بن عبد المعطي الحريري، والشهاب أحمد بن يونس الخليفي، والسيد محمد أبو الأنوار الوفائي وغيرهم (٢). وفاته توفي العلامة الطحلاوي حادي عشر صفر، سنة (١١٨١ هـ)، وصُلِّي عليه بصباحه في الأزهر في مشهد حافل، ودفن بتربة المجاورين. رحمه الله تعالى، ونَفَعَ بعُلومه .. آمين (٣)

стр. 10

ترجمة العلّامة البحر المحقِّق محمّد بن محمّد بن أحمد السَّنَاوي الأمير الكبير رحمة الله تعالى ١١٥٤ - ١٢٣٢ هـ اسمه ونسبه العلامة البحر العمدة، صاحب التحقيقات الرائقة، والتآليف البارعة الفائقة: أبو محمد (١)، محمد بن محمد بن أحمد بن عبد القادر بن عبد العزيز السَّنباوي الأزهري المالكي الشاذلي، الشهير بالأمير الكبير. وقد أخبر المصنف عن نفسه أن أصله من المغرب، نزل بعض أجداده بمصر عند الشيخ عبد الوهاب أبي التخصيص (٢)، بناحية من قرى الصعيد غربي النيل تدعى: (سَنَبُو) (٣)، وإليها نسبته السنباوي. إمام مالكي المذهب، شاذلي المشرب. وسبب شهرته بالأمير هو لقب جده الأدنى أحمد، كان وأباه

стр. 11

عبد القادر لهما إمرة بالصعيد (١)، فكان العلامة الأمير يلقب بالأمير الكبير لهذه الشهرة، وولده الشيخ محمد من بعده لُقِّب بالأمير الصغير (٢). ولادته ونشأته ولد العلامة الأمير سنة (١١٥٤ هـ) بناحية سنبو المذكورة، ثم ارتحل مع والديه إلى مصر وهو ابن تسع سنين. نشأ في حجْرِ والدٍ مفضال مقرىء، كان الشيخ الأول في حياته في تلقي كلام رب العالمين. يقول الأمير عن نفسه وهو يتحدث عن القرآن المجيد: (نَشَأتْ في خدمته عزائمي، من قبل أن تناط عني تمائمي، ولله الحمد على ذلك، أماتنا الله عليه وأحياناَ عليه من كرمه، تلقيته عمَّن لا يحصى كثرة، منهم والدي رحمه الله تعالى، فقد كان من أجلاء حملته الذين يتلونه حق تلاوته (٣). كان استقرار والده ﵀ في القاهرة وأزهرها يومها عامرٌ بأماثل العلماء في كل فن .. سبباً رئيساً في إيقاف الصبي محمد الأمير نفسه على طلب العلم وشدِّ الهمة في السعي لتحصيله.

стр. 12

شيوخه ومقروءاته: وضع العلامة الأمير ثبتاً جليلاً جمع فيه أعيان العلماء الذين لازمهم وعبَّ عنهم، على اختلاف تخصصاتهم ودرجاتهم. ذكر العلامة الكتاني في " فهرس الفهارس والأثبات) (٢/ ١٠٩٢) أنه عثر على ظهر إحدى النسخ الموجودة بمصر مكتوباً عليها اسم لهذا الثبت، وهو: " سدُّ الأرب في علوم الإسناد والأدب ". وبالوقوف على هذا الثبت نجد الأمير رحمه الله تعالى يذكر عشرة من شيوخه ويقتصر عليهم ويقول: (ولنقتصر من ذكر الأشياخ على هؤلاء العشرة الكرام، وإن كان لنا غيرهم مشايخ عظام، عُمُدٌ فخام، لكن غالب أسانيدهم عن الأخذ عمَّن ذكرنا (١). وهؤلاء الأشياخ هم: - الإمام العلامة نور الدين، أبو الحسن، علي بن أحمد الصعيدي العدوي المالكي، المتوفى سنة (١١٨٩ هـ): قال فيه: (لازمته رحمه الله تعالى ما يفوق على عشرين سنة في كتب المعقول والمنقول إلى أن مات، ففي الحقيقة نسبتنا إليه، وجل انتفاعنا على يديه رضي الله تعالى عنه (٢). وهو المراد عندما يطلق الأمير في كتبه نحو: (قال شيخنا)، وهو شيخ العلامة الطحلاوي كذلك.

стр. 13

وقد أجازه الشيخ العدوي إجازة أثبتها الأمير في " ثبته " المذكور. - العلامة الأستاذ محمد بن أحمد البليدي المالكي، المتوفى سنة (١١٧٦ هـ): قال فيه: (وهو من مشايخ شيخنا المتقدم، بل ومن مشايخ مشايخه (١). تلقى عنه الأمير: " الأربعين النووية "، و " قصة المولد الشريف " جمع الشيخ النجم الغيطي، و " شرح السعد على عقائد النسفي "، وأجازه رحمه الله تعالى. - العلامة المسند التاودي بن سودة المالكي، المتوفى سنة (١١٩٢ هـ): قال فيه: (حضرت عليه في " الموطأ " بالجامع الأزهر عام حجه، وحضره فيه كثير من المدرسين، مالكية وغيرهم، وأجازني إجازة عامة (٢). - العلامة المسند نور الدين، أبو الحسن، علي بن محمد العربي بن علي العربي السقاط المالكي، المتوفى سنة (١١٨٣ هـ): سمع منه " الموطأ " بتمامه، و " البخاري " من باب الجنائز إلى آخره، وجملة كبيرة من أول " مسلم "، وأجازه بإجازة أثبتها في " سد الأرب " (٣).

стр. 14

- العلامة حسن بن إبراهيم الجبرتي، المتوفى سنة (١١٨٨ هـ): قال فيه: (حضرت عليه مجالس في فقه الحنفية، وعنده رحمه الله تعالى كان اشتغالنا بالعلوم الحكمية، كالهندسة والهيئة والميقات والأوفاق وغير ذلك) (١) ثم أثبت إجازته منه رحمه الله تعالى. - العلامة الأديب، جمال الدين، يوسف بن سالم الحفني، المتوفى سنة (١١٧٨ هـ): ويقال: الحفناوي، قال فيه: (حضرته في " شرح ملا حنفي على آداب البحث " للعضد، وفي " قصيدة: بانت سعاد "، وفي غير ذلك، وأجازنا رحمه الله تعالى " (٢). - العلامة المحقق العارف، أبو عبد الله، بدر الدين، محمد بن سالم الحفني، المتوفى سنة (١١٨١ هـ): وهو أخو الشيخ يوسف السابق، وقد أثنى عليه الأمير في " ثبته " ثناء حسناً، قال فيه: (حضرته في مجالس من " الجامع الصغير " و " النجم الغيطي في مولده ﷺ "، وفي متن " الشمائل " للترمذي، ومات رحمه الله تعالى أثناء قراءتها، وتلقنت عليه الذكر من طريق الخلوتية، وأجازني إجازة عامة) ثم أثبت صورتها في " ثبته " (٣).

стр. 15

- شيخ الإسلام، شهاب الدين، أحمد بن الحسن الجوهري الكبير، المتوفى سنة (١١٨١ هـ): قال فيه: (حضرته في " الشيخ عبدالسلام على الجوهرة "، وسمعت منه الحديث المسلسل بالأولية، وتلقيت عنه طريق الشاذلية من سلسلة مولاي عبد الله الشريف، وأجازني رحمه الله تعالى (١). - الإمام العلامة، أبو العباس، أحمد بن عبد الفتاح الملوي، المتوفى سنة (١١٨١ هـ): أدركه بعد انقطاعه عن التدريس، وراجعه في مسائل شتا في عدة مجالس، وكان إذ ذاك مُقعداً، وكُتِبَ للأمير إجازة بإذنه، أثبت صورتها في " ثبته " (٢). - العالم الفاضل عطية الأجهوري، المتوفى سنة (١١٩٤ هـ): قال فيه: (حضرته في " المختصر " لسعد الدين التفتازاني على " تلخيص المفتاح " وفي " تفسير الجلالين "، وفي " شيخ الإسلام على الجزرية "، وفي " شرح سيدي محمد الزرقاني على البيقونية ") (٣). وأما عن مقروءاته التي أسندها: فهي كثيرة ومتنوعة. ففي القراءات: قرأ بالسبع من طريق " الشاطبية " و " الدرة،

стр. 16

و " الطيبة " ثلاث ختمات على الشيخ المقرىء محمد بن حسن المنيِّر. وفي كتب السنة: فقد روى " الموطأ " كاملاً عن المحدث المسند شيخه السقاط، وله أسانيد فيه عديدة. وروى " البخاري " عن العلامة العدوي الصعيدي، وكان يُقرِئه بالأزهر قراءة دراية وتحقيق وإمعان وتدقيق. وروى " مسلم " بسماع جلِّه عن الشيخ السقاط. إلى غير ذلك من كتب المسانيد والمستخرجات والسنن، والأجزاء الحديثة، وكثير من المسلسلات، كما هو مثبت في " ثبته " رحمه الله تعالى. وتجدر الإشارة هنا إلى اهتمام المترجم ﵀ بالتحقيق وإتقان الفهم، وتقديم ذلك على السرد والإكثار من المرويات، فبعد أن ذكر علُوَّ إسناده ورفعة رواياته .. ينبهنا ويقول: (وقد حُررت المتون والأسانيد في كتب الأصول التي كثرت، وتلقيت بالقبول بحيث لا يخفى ذلك على من راجعه، والغرض المهم الآن: تحصيل آلات الدراية وإتقان الفهم، لا حفظ المتن والسند، خلافاً لمن مال إلى العكس، وقد بلغني عن بعض علماء تونس أنه قيل له: فلان يحفظ كتاب كذا بأسانيده!! فقال: وماذا حصل؟ غايته أنه زِيد في مدينة تونس نسخة من ذلك الكتاب) (١).

стр. 17

ثم سرد أسانيده إلى مؤلفي كتب التفسير، وعلم الكلام، والسير والمغازي، وإلى أصحاب التصانيف العلمية في علوم شتى، كأصول الفقه، والنحو، وعلوم البلاغة، والأدب، ثم ختم ذلك بكتب التصوف والأخلاق. مكانة العلامة الأمير العلمية قال عنه المؤرخ الجبرتي ﵀: (إليه انتهت الرئاسة في العلوم بالديار المصرية، وباهت مصر ما سواها بتحقيقاته البهية، استنبط الفروع من الأصول، واستخرج نفائس الدرر من بحور المعقول والمنقول، وأودع الطروس فوائد وقلدها فرائد) (١). لقد أخذ العلامة الأمير ﵀ عن الجلَّة من أهل العلم في عصره، وأجازوه إجازة عامة، وشهدوا له بالعلم والفضل (٢)، وقد ألَّف المترجَم فهرسةً حافلة أتى فيها على تفصيل روايته عن هؤلاء الأعلام، والكتب المؤلفة في شتى الفنون والعلوم، وطرق سندها إلى مؤلفيها وأسمائهم ووفياتهم. ونحن أمام نصَّين شريفين يدلاَّن على المتانة العلمية التي حظي بها هذا الإمام العظيم، ونال بها الرفعة عند أهل عصره. فمن يطالع أسماء أعلام شيوخه الذين أخذ عنهم وعبَّ من علومهم .. رأى أسماء جليلة، وصدور أئمة بالعلم مشحونة، لها من المؤلفات

стр. 18

العلمية التي تشهد بذلك كله، ومع هذا يقول الجبرتي ﵀ عن علامتنا الأمير: (ومهر وأنجب، وتصدَّر لإلقاء الدروس في حياة شيوخه!! ونما أمره، واشتهر فضله خصوصاً بعد موت أشياخه) (١). أنْ يتصدَّر الشيخ للتدريس في حياة أشياخه وهم من هم!! هذا أمر ليس بالهين، فمن قرأ ترجمة العلامة العدوي الصعيدي، والعلامة البليدي والتاودي والنفراوي وغيرهم .. علم عظم هذه الكلمة في حقِّ العلامة الأمير رحمه الله تعالى. ويقول المؤرخ الجبرتي ﵀ في حقِّه كذلك: (كان شيخه الصعيدي إذا توقف في موضع .. يقول: هاتوا " مختصر الأمير "!! وهي منقبة شريفة) (٢). والعلامة الصعيدي العدوي إمام المالكية في عصره وصاحب " شرح مختصر خليل " الذي تتهافت عليه الأيدي، ومع ذلك إذا توقف في موضع .. عاد لتحرير الأمير، تلميذه النجيب الذي لازمه أكثر من عشرين سنة!! فمن أي الأمرين العجب؟ أمن تقدُّمِ العلامة الأميرِ وحسن تحريراته، أو من إنصاف العلامة العدوي وكرم نفسه؟! ولم يكن هذا الأدب الجمُّ من العلامة العدوي ليُطمعَ علامتنا الأمير

стр. 19

في إهدال مقام الشيخ، بل هو العكس، فانظر إليه في مقدمة كتابه " مطلع النيرين " وهو يذكر مسألة رفعت للشيخ العدوي في الكلام على القدرتين، خط أصلَها ودفعها للأمير يتمم طرزها، فيقول الأمير: (دفع إليَّ مسوَّدَةَ الجواب التي نمقتْها يدُهُ الكريمة، وأفادني أموراً باللسان من عباراته النظيمة، وأمرني بضمِّ ذاك لذلك فامتثلتُ للخدمة ... ، وحيثُ سمعتَ أيها الألمعي الأديب، والسمدعي اللوذعي اللبيب لفظَ: " أقول " أو " قلت " .. فذلك كغيره للشيخ نفسه، وكلما استحسنَهُ طبعُك الكريم وذهنك المستقيم .. فهو منه وإليه، وغيره ناشىء عن قصوري في جمعي، أو سوءِ تحملي لديه) (١). مسلكه التربوي والأخلاقي كان علامتنا الأمير ﵀ كما تصفه كتب الترجمات - رقيق القلب، لطيف المزاج، ينزعج طبعه من غير انزعاج، يكاد الوهم يؤلمه، وسماع المنافر يوهنه ويسقمه (٢)، وكل هذا وصْفٌ يدل على نبْلٍ في الطبع وصفاء في الروح. وهو على إمامته في علوم العربية والأصلين، بل وعلوم الشريعة عموماً .. كان أميرَ قلم أدبي بَليل، ونفْس رقيقة شفافة، وصاحب لُطف وظَرْف ممزوج بالتواضع والأدب.

стр. 20

ولعل مسلكه التربوي الأخلاقي كان من أهم العوامل لتكوين هذه الشخصية العلمية الأدبية الفذَّة. فقبل أن يجري عليه القلم طابت أنفاسه بصحبة أهل العرفان، وزكت نفسه بزكي نفوسهم، فما زال يتقلب في روضاتهم، ويحظى بأريج ورودهم وأورادهم. يحدثنا ﵀ عن ذلك فيقول: (أول من أخذ علي العهد في ذلك - أي: تلقين الذكر - ولقنني: الأستاذ الحفني، بمقتضى أخذه في طريقة الخلوتية، عن السيد مصطفى ابن كمال الدين البكري الشامي صاحب " ورد السحر " وغيره، وذلك قبل بلوغي، ثم تلقنت من جماعة كثيرة، منهم شيخنا العدوي على طريق الشناوية أواخر عمره، ومنهم شيخنا الشهاب الجوهري في الطريقة الشاذلية، وأجازني أن أجيز بها، قال: ونرويها من طرق، منها طريق القطب مولاي عبد الله الشريف المسلسلة بالأقطاب (١). ثم سرد أسانيده للسادة الوفائية الشاذلية، والعيدروسية، والنقشبندية، بل - كما قال - وجميع طرق السادة الصوفية (٢). وقد قال عند ختم " ثبته " بكتب القوم: (وإنما أخرناها لأنها الزبدة والمنتهى، فإن الشريعة علم الشرع، والعلوم الآلية وسائلُ لفهمه،

стр. 21

والطريقة العمل به، والحقيقة أسرار وأنوار يثمرها العمل، (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ (١). ليختم حديثه عن القوم بقوله: (والمدعون اليوم أفسدوا الأوضاع، واقتصروا على الصور الظاهرية، واعلم بأن طريق القوم دارسة، وحال من يدعيها اليوم كيف ترى (٢). تلامذته تخرَّج بالعلامة الأمير جماعة لا يحصون، من مصريين وشاميين ومغاربة وحجازيين، وقد أورد العالم المسند الفاضل، الشيخ علم الدين محمد ياسين الفاداني المكي ﵀ أربعين ونيفاً من تلامذته الذين أجازهم الشيخ الأمير، مسنداً طريقه إليهم وهم: ولده محمد الأمير الصغير المتوفى سنة (١٢٥٣ هـ) (٣)، وأحمد منَّة الله الشباسي الأزهري المتوفى سنة (١٢٩٢ هـ). ومحمد بن أحمد التميمي الخليلي المصري الحنفي، ومحمد بن صالح السباعي العدوي المتوفى سنة (١٢٦٨ هـ). وأحمد بن صالح السباعي، ومصطفى البولاقي المتوفى سنة (١٢٦٣ هـ)، ومصطفى البدري، وعلي خفاجة.

стр. 22

ومحمد فتح الله بن عمر السميدس، ومصطفى بن حنفي الذهبي المتوفى سنة (١٢٨٠ هـ). وحسن العِدْوي الحمزاوي المتوفى سنة (١٣٠٣ هـ)، وأحمد بشارة الدمياطي، ومحمد الخضري الدمياطي الكبير المتوفى سنة (١٢٨٨ هـ). وأحمد المرصفي الكبير المتوفى سنة (١٣٠٦ هـ)، وأحمد الصاوي المتوفى سنة (١٢٤١ هـ)، ومحمد الصفتي وكان مقرىء الأمير في درسه، توفي بعد سنة (١١٩٣ هـ). وعلي بن عيسى النجاري المتوفى سنة (١٢٥٦ هـ)، وإبراهيم بن محمد الرشيدي، ومصطفى المبلط الأحمدي المتوفى سنة (١٢٨٤ هـ)، وإبراهيم بن محمد الباجوري المتوفى سنة (١٢٧٦ هـ)، ومحمد الفضالي المتوفى سنة (١٢٣٦ هـ). وعلي سالم اللقاني، ويوسف بن مصطفى الصاوي، وأحمد الدواخلي. وأحمد بن علي الدمهوجي المتوفى سنة (١٢٤٦ هـ)، وحسن بن درويش القويسني المتوفى سنة (١٢٥٤ هـ). ومحمد بن صالح البنا الإسكندري، وحسن بن محمد العطار. وأحمد بن محمد الطحطاوي المتوفى سنة (١٢٣١ هـ)، ومحمد بن أحمد العروسي المتوفى سنة (١٢٤٤ هـ).

стр. 23

وعلي بن عبد الحق القوصي، ومحمد بن علي التميمي التونسي المتوفيان سنة (١٢٩٤ هـ). وعثمان بن حسن الدمياطي المتوفى سنة (١٢٦٥ هـ)، وعبد الغني الدمياطي المكي. وأحمد المرزوقي المكي المتوفى سنة (١٢٦٢ هـ)، ومحمد المرزوقي المكي المتوفى سنة (١٢٦١ هـ). ومحمد بن حسين الكتبي المكي. ووالد العلامة محدث الديار الشامية بدر الدين الحسني الشيخ يوسف بن بدر الدين المغربي ثم الدمشقي المتوفى سنة (١٢٧٩ هـ). ومحمد أمين بن عمر الشهير بابن عابدين صاحب الحاشية المتوفى سنة (١٢٥٢ هـ)، وعبد الرحمن بن محمد الكزبري المتوفى سنة (١٢٦٢ هـ). وعصمة الله أحمد باي التركي المتوفى سنة (١٢٧٢ هـ، أو ١٢٧٥ هـ)، ومحمد بن محمد الصادق العلمي الريسوني المتوفى سنة (١٢٣٤ هـ). وعبد القادر المشرفي المعروف بـ (نعبد الله)، كان حياً سنة (١٢٤٧ هـ) وعبد القادر المعروف بابن الأمين الجزائري المتوفى سنة (١٢٣٦ هـ). وحمودة بن محمد المُقايسي، أجازه الأمير سنة (١٢٠٥ هـ).

стр. 24

ومحمد أبو رأس المعسكري المتوفى سنة (١٢٣٩ هـ)، وأبو علي حسن قنبور اللجائي (١). مؤلفات العلامة الأمير نعتت مؤلفات العلامة الأمير بالاشتهار وغاية التحرير، والمتأمل فيها يرى الطابع العام الذي ساد في عصره قد تجلى فيها، فغالب تآليفه حواشٍ وشروح وتحرير مسائل. فمما تم الوقوف عليه منها: في الفقه: كتاب " المجموع "، وهو من أبرز ما صنَّف، حاكى في اختصاره وحصر مسائله " مختصر خليل " في الفقه المالكي، وكان شيخه العدوي المالكي إذا توقف في موضع قال: هاتوا " مختصر الأمير "!! وقد شرحه الأمير، وحشَّى عليه كذلك، واسم الحاشية: " ضوء الشموع على شرح المجموع ". وله في الفقه المالكي كذلك: " الإكليل في شرح مختصر خليل "، وله: " حاشية على الشيخ عبد الباقي على المختصر "، و " حاشية على شرح الزرقاني على العزية "، وكتاب " الكوكب المنير "، و " حاشية على العشماوية "، وله مناسك نُعتت بـ " مناسك الأمير ".

стр. 25

وله في النحو: " حاشية على مغني اللبيب " اشتهرت بـ " حاشية الأمير "، و " حاشية على شرح شذور الذهب "، و " حاشية على الأزهرية ". وله في بعض المسائل النحوية: " شرح لأبيات لا سيما للسجاعي "، وكتاب: " إتحاف الإنس في الفرق بين اسم الجنس وعلم الجنس ". وله في الحديث الشريف: " شرح غرامي صحيح " في علم مصطلح الحديث، وكتاب: " النخبة البهية في الأحاديث المكذوبة على خير البرية ". وله في العقائد والتفسير والأخلاق والآداب: " كفاية المريد وغنية الطالب للتوحيد "، و " حاشية على إتحاف المريد شرح الشيخ عبد السلام "، و " مطلع النيرين فيما يتعلق بالقدرتين ". وله كتاب: " انشراح الصدر في بيان ليلة القدر " لعله هو ما يسمى كذلك بـ " تفسير سورة القدر "، وله " رسالة في اللحن في القراءة والإنكار على من يقول بكفر اللاحن ". وله في الفرائض: " حاشية على الشنشوري على الرحبية ". وفي البلاغة: " حاشية على شرح الملوي على السمرقندية ".

стр. 26

وفي التزكية: " الوظيفة الشاذلية وأوراد الطريقة ". وفي المسائل العامة: " بهجة الأنس والائتناس شرح زارني المحبوب في رياض الآس "، و " رفع التلبيس عما يسأل به ابن خميس "، و " حسن الذكرى في شأن الإسرا " وهو حاشية على " الابتهاج فيما يتعلق بالإسراء والمعراج ". وله كتابنا " ثمر الثّمام شرح غاية الإحكام في آداب الفهم والإفهام " في آداب فهم العبارة وطرق إفهامها. وله " ثبت " جمع فيه رواياته ومسنداته، وذكر فيه شيوخه ومربيه (١). قال العلامة عبد الحي الكتاني في وصف هذا " الثبت ": (وثبته مدار رواية المصريين، ومعظم الحجازيين والمغاربة، وفهرسه هذا في نحو أربع كراريس، مفيد جامع للمصنفات الحديثية والكتب، رتبها على الفنون والمسلسلات والطرق، قال عنه وعن " ثبت " رفيقه الشرقاوي النور حسن العطار شيخ الجامع الأزهر في إجازته للدمنتي: " ومن أجلِّ ثبت عليه الآن الاعتماد في طريق الإسناد ثبت شيخنا الأمير والشرقاوي، وغالب بقية الأشياخ المصريين عنهما آخذ وراوي، وثبتهما مشهور، وأمرهما في الفضل غير منكور، فهذان الثبتان من

стр. 27

غرر مروياتي، وأفضل ما اكتسبته في حياتي "). وأنشد في حقه الفقيه الفاضل أبو العلاء إدريس بن محمد صهر العلامة الكتاني: كلامُ الأميرِ أميرُ الكلامْ ... فلا حشوَ فيهِ ولاما يلامْ إذا رمتَ تحقيقَ مسألةٍ ... فلازمْ تآليفَهُ والسلامْ وفاته يقول المؤرخ الفاضل الجبرتي ﵀: (وبأخرة ضعفت قواه، وتراخت أعضاؤه، وزاد شكواه، ولم يزل يتعلل، ويزداد أنينه ويتململ، والأمراض به تسلسل، وداعي المنون عنه لا يتحول .. إلى أن توفي يوم الإثنين، عاشر ذي القعدة الحرام، وكان له مشهد حافل جداً. ودفن بالصحراء بجوار مدفن الشيخ عبد الوهاب العفيفي، بالقرب من عمارة السلطان قايتباي. وكثر عليه الأسف والحزن، وخلف ولده العلامة النحرير، الشيخ محمد الأمير، وهو الآن أحد الصدور كوالده، يقرأ الدروس ويفيد الطلبة، ويحضر الدواوين والمجالس العالية) (١)، وكان ذلك في سنة (١٢٣٢ هـ). رحمه الله تعالى، وروى ثراه بشآبيب رضوانه

стр. 28

نسبة الكتابِ لمؤلفِّه، وتاريخ تأليفه رفع العلامة الأمير ﵀ قلمَهُ عن هذا الشرح بعدما أتمَّه سنة (١١٨٥ هـ) أي: في حياة الشيخين الجليلين، الإمام الطحلاوي صاحب " غاية الإحكام "، وشيخهما العلامة المحقق العدوي الصعيدي رحمهم الله تعالى أجمعين. نصَّ على ذلك في نهاية شرحه هذا " ثمر الثُّمام ". والمطالع في سطور هذا الشرح يرى الإشارة لحياة الشيخين بنحو قوله: (حفظه الله، سلك الله بنا وبه فيما يرضاه ...). وقد ذكر المؤرخ الفاضل الجبرتي ﵀ " ثمر الثُّمام " ضمن الآثار التي خلَّفها العلامة الأمير الكبير (١)، والكتاب نفسه للناظر فيه خير من يؤكد نسبته لمؤلفه كما لا يخفى. فصاحب المتن " غاية الإحكام " هو مَنْ طلبَ من العلامة الأمير وضع شرح عليه، لِما رأى فيه من النباهة والبراعة العلمية، وهو وإن زامل الشيخ الأمير في الطلب على العلامة العدوي، إلا أنه - بلا شك - أطعن سناً من العلامة الأمير، فقد كان من المعمَّرين كما نرى في ترجمته، وقد توفاه الله إليه في حياة شيخه العدوي، وقبل وفاة العلامة الأمير بأربعين سنة ونيف.

стр. 29

موضوع الكتاب لقد عُني كل من الماتن والشارح رحمهما الله تعالى بما سماه العلامة الأمير في الورقة الأخيرة من إجازةٍ أثبتها في نهاية صورةٍ لـ " ثبته " وهو يشرط فيها بـ (مراعاة قانون التفهم والإفهام). فالفهم والتفهُّم، والإفهام والتفهيم هي الباعث والغاية في كلٍّ من المتن والشرح. والمراد بالفهم: ما يخصُّ المرء من علْم المسائل التي يبحث فيها، والتفهُّم: فهْمُ المعلوم شيئاً فشيئاً. والمراد بالإفهام: توصيل المعلوم للغير، والتفهيم: إيصالُ ذاك المعلوم شيئاً فشيئاً. والكتاب إنما هو بيان لما يجب على المتفهِّم والمفهِّم أن يعلمه في حل العبارات وطرق فهمها، عموماً دون تخصيص فن دون فن. وموضوع الفهم والإفهام ذو شأن وخطر، فكم زلت الأقدام، وتشعبت الأنام، وتقطعت الأرحام، لتعدد الأفهام!! ترى هذا جلياً فيمن يَمْتَسِكُ بأصل واحد وهم بعد ذلك طرائقُ قدداً، فإن تأمَّلت .. رأيت أن الأمر عائد أصالة لطبيعة فهم هذا الأصل وإفهامه.

стр. 30

وعليه: يمكننا القول: إن للغة ومدلولاتها أثراً عظيماً في تفرُّق الفرق النصيَّة وتحزُّب أحزابها، وليس العيب فيها. بل أي ظلْم نحمِّله اللغةَ إن قلنا بذلك؟! وإنما الداهية في سوء فهم مرادات القائل في هذه السياقات اللغوية. هذا بشأن النص المقدَّس الذي لا تعتوره الزلات، أما بشأن النص غير المقدس، وهو كل ما سوى الكتاب والسنة الثابتة .. فقد يكون الخطأ حقيقة من ساطر العبارة نفسِهِ، وهذا أمر يعالجه كتابنا " ثمر الثُّمام " حين ينصُّ المصنف على رد الكلام الذي لا يستقيم بعد كل محاولات الفهم. إننا نرى كتاب ربنا يدعونا للتأمُّل والتدبر والتفكُّر، ويأمر بمنح الفرصة للمعاند الجاحد أن يستمع بروية وتفهُّم في جوٍّ يسوده الأمْن والطمأنينة. فاتخاذ القرارات العاجلة ورد الأقوال على أصحابها خديعة تمليها النفس المتعجرفة المتكبرة التي لا ترى صالحاً سواها. قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾ إلى أن قال سبحانه: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾. فلا حجة بعد تفصيل القول وبيانه، فإن هذا مدعاة لفهمه والتصديق

стр. 31

به، ولكن لا بد من تحرير المشكلة، فهُمْ في البداية قومٌ يعلمون، وفي النهاية تفصيلُ القول لقوم يعلمون. ونجد النبي ﷺ يحرص كل الحرص على دقة العبارة وتحري ذلك عند نقلها، إذ يقول: «من يَقُلْ عليَّ ما لم أقلْ .. فليتبوَّأْ مقعده من النار» (١). لنرى بعد ذلك التنوُّع في تقسيم حديثه ﷺ مراعاةً لهذه الناحية، واقتراباً من العبارة اليقينية التي نطق بها سيد الوجود ﵊. وها هو ذا سيدنا الفاروق عمر رضي الله تعالى عنه يحضُّ على مسألة الفهم وبتأكيد كبير، إذ يقول لسيدنا أبي موسى الأشعري ﵁: (الفهمَ الفهمَ فيما يختلج في صدرك مما لم يبلغك في القرآن والسنة، فتعرَّف الأمثال والأشباه، ثم قس الأمور عند ذلك، واعمد إلى أحبها إلى الله وأشبهها فيما ترى) (٢). ولنصْغِ إلى الأديبِ البحرِ عمرو بن بحر الجاحظ وهو يحدِّث عن مسألة الفهم والإفهام إذ يقول: (وقال الله ﵎: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾، لأن مدار الأمر على البيان والتبيُّن، وعلى الإفهام والتفهُّم، وكلما كان اللسان أبين .. كان أحمد، كما أنه كلما كان القلب أشد استبانة .. كان أحمد.

стр. 32

والمفهم لك والمتفهِّم عنك شريكان في الفضل، إلا أن المفهِمَ أفضل من المتفهِّم، وكذلك المعلم والمتعلم) (١). من هنا نرى العلامة الطحلاوي ﵀ يستعين الله ويستخيره لوضع رسالة في الفهم والإفهام. ويأذن الله تعالى بأن يطلع العلامة الأمير ﵀ على هذا التأليف الوجيز، فيقترح تسميته بـ " غاية الإحكام في آداب الفهم والإفهام ". ثم يدفع الطحلاوي للأمير بهذه الرسالة، ليقوم بشرحها وبيان ما يشكل منها، فيُنْفِذُ الأمير هذه الرغبة الصادقة لمؤلفها، ويشرحها بـ " ثمر الثُمام ". والثُّمام: نبت ضعيف قصير لا يطول، ولذلك كان وثمرَهُ سهل المتناول، حتى قالوا في الشيء لا يستصعب الوصول إليه: هو على طرف الثُّمام. وكأن العلامة الأمير ﵀ أراد بهذا الاسم بيان قرْبِ الفوائد التي رصفها في كتابه هذا من طالبها، لا يعسر عليه فهمها، وكذلك يومىء الاسم لتواضعه رحمه الله تعالى. ...

стр. 33

أهمِّيَّةُ الكتابِ ومزاياه إن الحديث عن طرق الفهم والإفهام منتشر في كتب العربية دون إشراعٍ لهذا المقصد. إذ يبيِّنُ الصرفيُّ مدلول المشتق ومعناه، ويبيِّنُ النحْويُّ طرقَ التراكيب، والعواملَ والمعمولات، ويظهرُ البلاغيّ وأهل الأدب والبيان مدلولات السياقات وما تحويه من خفي الأغراض بنحو التقديم والتأخير، والبسط والإيجاز، والحذف والحصر، والفصل والوصل ... إلى غير ذلك. كما توجهت غاية الأصوليين لبيان تفاوت النص في القطعية الدلالية، واحتماله لتعدد المعاني، والحديث عن إشاراته واقتضاءاته وإيماءاته، وخروجه عن معناه الأصلي للعلاقات والقرائن، وهو يشترك بذلك في كثير من الأبحاث التي تعنا بها علوم العربية. لا نبالغ إن قلنا: كل هذه العلوم كان غرضها الأساس خدمة النص بفهم معناه ومراده. وبالطبع لم يكن غرض العلامة الطحلاوي الحديث عن هذه الجزئيات التي يجب على طالب العلم تحصيلها وإتقانها، إنما كانت العناية متوجهة لبيان الخطوط العامة لفهم أي عبارة قد يستشكلها قارئها للوهلة الأولى، هذا البيان كان ضمن إلماعات سريعة، حاول الشارح

стр. 34

إيضاح أكبر قدْر ممكن منها، بتفسير غامضها وضبط خفيِّها، وذكر بعض العلل والأدلة، مع المحافظة على وجازة النص وبهائه. ثم لا يخفى أن فهم العبارة ومراد قائلها منها شيء، وصحتَها أو خطأها شيء آخر، فليس المراد من فهم العبائر تصحيح معانيها، فقد تردُّ العبارة لأنها غير مستقيمة على قواعد الفهم والإفهام، وقد تقبل ويفهم معناها، ثم يُردُّ هذا المعنى لدلالات خارجة عنها. فالردُّ الوارد في هذه الرسالة إنما هو من النوع الأول، ذاك الذي تردُّه قواعد الفهم المذكورة فيها. كما تبرز أهمية هذه الرسالة كذلك: بتعرضها لهذا البحث الذي يمكننا أن ندعيَ قلَّة التصنيف فيه مفرداً على هذه الطريقة الفذَّة. وبوجازته التي تعين على تصور أصول مسائله، وقد قال مصنف " المتن ": (وليس غرضنا بيان جميع الأنواع، ولا جميع الآداب). وبذلك الشرح الماتع الذي ألقى بظلاله العلامة المحقق الأمير الكبير، المعروف بنكاته العلمية، ونفاسة فوائده التي لا يُخلي كعادته تصنيفاً من تصانيفه منها. فكان هذا الشرح لـ " غاية الإحكام " مادة علمية آلية لكل علم من العلوم. فهو أشبه أن يكون علماً رياضياًّ بنظرته الشاملة، ومن هنا تبرز علاقته

стр. 35

بشتى العلوم، وعلى رأسها العربية والمنطق، والشارح إمام في هذا كلِّه. ولعل هذه الرسالة بشرحها تكون محفِّزاً لأولئك الذين تسبق عقولَهم ألسنتُهم لكي يقبضوا لجام اللسان في الإسراع بالقول، ويتحرَّوا جاهدين بوارق الحقائق في ثنايا العبائر، ويدركوا أن لكلِّ نفْسٍ حدّاً ومبلغاً من العلم، وما أحاط باللغة ومدلولها إلا نبي، ورحم الله من جعل ما لم يفهمه من جملة مجهولاته وكم هي كثيرة، أو ما قال الصادق المصدوق ﷺ : «فربَّ مبلَّغٍ أوعى من سامع»؟! (١) وكم من عائب قولاً صحيحاً ... وآفته من الفهم السقيم إن الذين يحاكمون أقوال جبال العلم والأئمة الصالحين إلا قوالب أفكارهم، فما ناغاها .. طبعوها بالقبول، وما قصرت أفهامهم عنها .. ردُّوها شرَّ ردٍّ. فجعلوا اللغة سككاً ضيقة، وساوَوا بين الإمام والمأموم، حريٌّ بهم أن يتمهلوا طويلاً، وأن ينظروا في أمثال كتابنا هذا وغيره الكثير من كتبِ العربية وعلى رأسها كتبُ البلاغة، وكتب المنطق وآداب البحث، وأن يعلموا أنَّ النص وحدَه أصل لا غناء عنه، ما يحيدُ عنه إلا جاهل أحمق، ولكنه لعربي النسب عجمي الفهم واللسان قد يكون مزلة قدم وهو لا يشعر، ولا بدَّ له من المرور في قنطرة أهل العلم حتى ينال من درر النص وحِكَمِه.

стр. 36

هذه هي خلاصه الرسالة التي تؤديها هذه الرسالة: الوقوف بأدب أمام النص، وإمراره على قواعد الفهم والإفهام، ليجدَ المرء نفسه في غالب الأحايين هي بعجزها قد كانت قاصرة محتاجة لمن يبصِّرُها المراد، فيحفظ بذلك لأهل العلم حرمتهم وحقهم. أما إن استعجم المراد بعد أداء فرائض الفهم ونوافله .. فلا بدَّ من الرد، حفظاً لحرمة العلم أن تلوى عنقه بغير علم.

стр. 37

وصف النسخ الخطية اعتمدنا في إخراج هذا الكتاب على ثلاث نسخ خطية: فتم اعتماد نسخة نفيسة للمتن " غاية الإحكام في آداب الفهم والإفهام ". وهي ضمن مجموع من نسخ المكتبة الأزهرية، برقم (٤٩٥٧٨ عام - ١٣١٣ خاص) مكتبة إمبابي. كتبت في حياة المؤلف العلامة الطحلاوي، في (٢١) محرم سنة (١١٨٠ هـ)، كاتبها مصطفى سلامة الكاتب العطار. وهي مكتوبة بلونين متغايرين، تبييناً للعناوين ورؤوس الفِقَر، واضحة المعالم، خطها نسخي معتاد. تقع في (٥) ورقات، في كل صفحة منها (٢٣) سطراً، متوسط عدد الكلمات (٧) كلمات. حوت هذه النسخة زيادات يسيرة ليست في نسخة الشارح، أثبتت كاملة مستقلة في أول الكتاب كما سنشير في منهج العمل. كما تمَّ اعتماد نسختين خطئتين للشرح " ثمر الثمام "، كانت كل منهما متممة للأخرى. نسخة المكتبة الأزهرية، برقم (عام ٦٥٩١٩ - خاص ٢١٢٩).

стр. 38

كتبت في (٢٦) رجب سنة (١١٨٥ هـ) أي في حياة المصنف. كاتبها هو محمد بن الروبي رمضان. وهي مكتوبة بلونين متغايرين تمييزاً بين المتن والشرح، واضحة المعالم، خطها نسخي معتاد. أثبت في آخرها إجازة من المصنف الأمير بخطه للشيخ أبي محمد، محمد بن محمد بن مصطفى بن قاسم المقرىء بمدينة دبرة ببلاد الروم، كان ذلك سنة (١٢٢٢ هـ). تقع في اثنتي عشرة ورقة، في كل صفحة منها (٢٥) سطراًّ، متوسط عدد الكلمات (١١) كلمة. ورمزنا لها بـ (أ). * نسخة دار الكتب المصرية، رقم (٣٧ آداب بحث تيمور). كتبت في (١٢) جمادى الأولى سنة (١٢٧٢ هـ). كاتبها هو الشيخ رضوان بن السيد عثمان بن السيد عثمان. وهي كأختها مكتوبة بلونين متغايرين متنا وشرحاً، واضحة المعالم، خطها نسخي معتاد. نقل في آخرها أبيات للعلامة الأمير في مدح العلامة الطحلاوي. تقع في (١٧) ورقة، في كل صفحة منها (١٩) سطراً، متوسط عدد الكلمات (١١) كلمة. ورمزنا لها بـ (ب). ***

стр. 39

منهج العمل في الكتاب تم نسخ النسخة (أ)، ومقابلتها وتصحيحها على النسخة (ب). ثم مرَّ الكتاب بالمراحل العلمية التالية: - وضعنا كتاب " غاية الإحكام في آداب الفهم والإفهام " مقدماً على شرحه، معتمدين على مخطوطته المشار إليها في الحديث عن النسخ الخطية (١). - شكلنا المتن شكلاً كاملاً، وشكل الشرح بحسب الحاجة. - زيَّنا الكتاب بعلامات الترقيم حسب المنهج المتبع بالدار. - ترجمنا لكلٍّ من العلامة الطحلاوي صاحب المتن، والعلامة السنباوي الأمير صاحب الشرح. - عرفنا بالكتاب، وحدثنا عن موضوعه وأهميته. - ترجمنا للأعلام الواردة في الكتاب. - علقنا على أبرز المسائل العلمية التي ارتأينا الحاجة لبيانها. - أحلنا النقول إلى مظانها، وقمنا بتخريج الآثار.

стр. 40

- قسمنا المتن إلا مقاطع أدرجت في الشرح ضمن إطار مزخرف، يجمعْ كل مقطع منها مجمل ما يقابله من الشرح. جمعاً للفكر وتقريباً للفائدة. - ميَّزنا المتن ضمن الشرح بلون مغاير ضمن قوسين. - صنعنا فهرسة تناسب الكتاب وحجمه. وختاماً: نسأل الله سبحانه أن يمنَّ علينا بمعرفة العلم، وبنور الفهم، وأن يسهل أخلاقنا بالحلم، حتى نبوء للحق بالحق، ولا نهجره طلبا لرضا الخلق. إنهُ سُبحانه خَيْر معينٍ وخَيْر مَسؤولٍ اللجنة العلمية بمركز دراسات المنهج للدراسات والنشر
следующие страницы →