شَيْبًا﴾ (١). وليس ذلك بمعنى: أوقد، ولم يرد في الشعر (اشتعل) بل ورد (أوقد). وهذا تضييق واسع من أبي يعلى، فإن فعل أشعل وما تصرّف من مادته كلّه عربي فصيح، وقوله تعالى: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ استعارة بديعة في تشبيه انتشار البياض في سواد الشعر بالتهاب النار في الفحم. ولولا ذلك لما كان هذا اللفظ في الآية واقعاً موقعه البديع من البلاغة، كما بيّنه علماء البيان. جاء في اللسان عند ذكر قوله تعالى: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ أن أصله من اشتعال النار. وأما إنكاره ورودَ الاشتعال بمعنى الوقود في شعر العرب فقصور واضح. قال لبيد في معلقته:
فتنازعا سبطاً يطير ظلاله ... كدخان مشعلة يشبّ ضرامها
فالمشعلة هي النار وهي اسم مفعول من أشعل النار بمعنى أوقدها. وقد أشار إلى استعمال الاشتعال في الحقيقة والمجاز ابن دريد في مقصورته حين قال:
واشتعل المُبْيَضُّ في مسودّه ... مثل اشتعال النار في جزل الغضى
وأنكر أبو يعلى استعمال لفظ الصدفة بمعنى الاتفاق، واستعمال نوايا جمعاً لنية، والبؤساء جمعاً لبائس، وجملة (لحد الآن) وهي من الصحيح المتّجه.
وكذلك تخطئته بعض الكتاب في نفي ماضي زال بلا النافية. قال أبو يعلى: الصواب أن ينفى بما النافية. فإن فتئ وانفك وبرح وزال تقرن بما نفياً، وبلا دعاءً، وبالهمزة استفهاماً، واستدل بقول ابن مالك:
فَتِئَ وانفك وهذه الأربعة ... لشبه نفي أو لنفي متبعة
стр. 492
قال ابن عاشور: إن كلامه في هذا اللفظ مختلط وغير محرر. فأما حكمه بالخطأ في نفي ماضي زال بلا النافية فهو حكم صحيح، ولكنه لم يحرّر تعليله، إذ علّله بأن زال وأخواتها تقرن بلا نفياً، وإنما ذلك يصح تعليلاً لعمل زال وأخواتها عملَ كان، وليس بيت الألفية مسوقاً إلا لبيان شرط إعمال زال وأخواتها عملَ كان. وكان الحق أن يعلل ذلك بوجوب اتباع استعمال العرب. فإن العرب لا تستعمل الماضي كله منفياً بلا، إذا لم يتكرر النفي بلا. والمراد من النفي الدعاءُ بالنفي لا الإخبار. وهذا استعمال غير جارٍ على القياس. فإذا تكرر النفي لفظاً صح استعماله في غير الدعاء كقوله تعالى: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى﴾ (١). وكذلك إذا تكرر النفي في المعنى كقوله تعالى: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ (٢). فإن الاقتحام الذي دل عليه الماضي المنفي بلا يشتمل على عدّة أمور فسرها قوله تعالى: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾. فآل معنى قوله: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ إلى معنى فلا فك رقبة، ولا أطعم، ولا آمن. وفيما عدا ذلك لا يستعمل الماضي منفياً بلا إلا إذا كان المراد الدعاء دون الخبر. ولذلك كان تخصيص أبي يعلى حكمه بالأفعال الأربعة زال وأخواتها إجحافاً بحكم الاستعمال، وبخاصة إذا كان خطأ الكتاب في هذا الباب وارداً في جميع الأفعال الماضية.
وكذلك انتقاده قولهم: ألْفَتَ مراداً به لَفَت صحيح وجيه.
والمؤلف بوقوفه عند الاستعمالات السابقة مصوباً ومحرراً، محققاً ومستدركاً يدل على امتلاكه لغة الضاد واستحضاره واستظهاره ما تخضع له من قواعد، وتجري عليه من أساليب، مع قدرة فائقة
стр. 493
على اعتماده الشواهد المناسبة من القرآن الكريم، وإيراده ما يؤكد وجوه تصويبه بما يراه حقاً وصحيحاً من كلام العرب وأشعارها (١).
والمقالة الأخيرة هي من نوع التي سبقتها، لكنها من الخاص دون العام. لا ينصرف الاهتمام فيها إلى استعمالات الناس في مخاطباتهم وأحاديثهم ورسائلهم وأشعارهم. وإنما هي من أثر النظر في كتاب واحد، أو عمل تقدم به باحث أو محقق، فاحتاج إلى المراجعة والتتبع والتصحيح والتوثيق.
عرف الإمام من وقت شبابه بالتهام التراث وكتبه، والمطالعة لكل ما يحرص على الوقوف عليه من تصانيف، وما يقع تحت يده من تآليف علمية أو أدبية. يدل على هذا عدد كبير من المخطوطات والمطبوعات في مختلف الفنون بخزانته وبغيرها. تجد له عليها بهوامشها توقيفاته وتصويباته وملاحظاته ورواياته.
وقد كان هذا في أحيان كثيرة يرفعُ من قدر الكتاب مطبوعاً كان أو مخطوطاً، لما تجد عليه من إضافات علمية يعلو بها شأن الكتاب، وترتفع بها منزلة النسخة وقيمتها. وهذا أمر ورثه ودرج فيه على طريقة العلماء المتقدمين. فإذا كثرت تعاليقه ومراجعاته، وتكررت أو أصبح لها - لأهميتها - شأن، أفرد ذلك برسالة علمية خاصة، أو وضع من أجله قوائم إبرازاً لأهمية الكتاب، وصوناً لما فيه من فوائد ومعارف، وبلوغاً به إلى درجة الصحة الأصلية التي من الأمانة المحافظة عليها، تحقيقاً للنفع بالكتاب، وتمكيناً للناس من إدراك معانيه على الوجه الصحيح المضبوط، ومن الغوص فيه على الحقائق التي قد يلحقها ما يلحقها بسبب الخطأ والتحريف.
стр. 494
ويتمثل هذا الجهد المرموق الذي يحتاج إلى وقت وصبر ونباهة وعلم فيما عكف عليه الشيخ من ضبط وتحقيق في مراجعته لجمهرة ابن حزم، نشر المستشرق ليفي بروفنسال.
وهذه المقالة التي نشير إليها هنا، كتبها بعنوان:
* * *
٥ - تصحيح أخطاء وتحاريف في اللغة العربية في طبعة "جمهرة الأنساب" لابن حزم
يصدّر الإمام مقالته هذه بالتنويه بالكتاب قائلاً: هو كتاب جليل عزيز النظير، نادر الوجود، لا تتجاوز النسخ الموجودة منه عدد الأصابع، منها نسخة بجامع الزيتونة كانت من جملة الأصول التي اعتمدها المحقق، وفيها تصحيحات بخط أحد الفاسيين.
وقد نوّه (ليفي بروفنسال) المستشرق الضليع بكتاب جمهرة الأنساب لابن حزم، وقام بتحقيقه، ونشره نشرة علمية، فدعا ذلك الإمام الأكبر إلى تجديد العهد بهذا المصنّف، وأسرع إلى اقتنائه غير أنه وقف فيه على جملة من المآخذ، أهمها ثلاثة:
١ - كلمات مُنيت بالتحريف أو بخطأ في الضبط.
٢ - وجوه مرجوحة أو مشكلة في الأسماء.
٣ - أنقاص ناشئة عن إهمال أو غفلة.
وهذه العيوب الثلاثة، وهي من كبرى العيوب، وإن حصلت بسبب كثرة التحريف في نسخ الجمهرة. كان لزاماً على المحقق أن يتداركها بالرجوع إلى الأصول اللغوية والتاريخية وكتب الحديث والسيرة، والمعاجم في أسماء الرجال والقبائل والبلدان.
стр. 495
وأمام هذا الوضع لطبعة كتاب الجمهرة رأى الشيخ ابن عاشور واجباً عليه أن يصلح ما أمكن له إصلاحه ويحقّقه، أو يزيد شيئاً وقع إغفاله، مع التنبيه إلى مرجع التصحيح إن لم يكن وجه التصحيح واضحاً، مقتصراً في ذلك على الأسماء العربية دون البربرية والعبرية والفارسية، إذ كان للعرب في النطق بالأسماء الأعجمية سعة يدل عليها قولهم: أعجمي افعل به ما تشاء.
وشَرَعَ الإمام قائلاً في تصوير قصده من ذلك ومنهجه فيه: ثم رأيت أن أنشر ذلك ليلحق بتلك النسخة، مشيراً إلى الصفحة والسطر منها مع ذكر الخطأ أو المرجوح الواقع فيها، وما هو الصواب أو الراجح فيه، أو ما يتعيّن أن أزيد. وربما أشرت إلى ما خالفَتْ فيه [هذه الطبعة] النسخةَ التونسية من الجمهرة المعتمَدة من المحقق. وفي أدب وتواضع يضيف: ولا أدعي أنّي أحطت بما في هذه الطبعة من الأخطاء. فمن عثر على شيء فليُقَفِّهِ على ما قدّمته من الخطأ.
وتتناول هذه المقالة ثلاثة أقسام: الأول منها وقع التنبيه فيه على سبعة وثلاثين موضعاً من الكتاب، ثانيها على سبعة وخمسين موضعاً، والقسم الثالث والأخير على ستين موضعاً، جملتها أربعة وخمسون ومائة موضع. وليس من المناسب ذكر جميعها أو أكثرها. ولكننا نقتصر على إيراد أمثلة مما جاء في كل قسم من هذه المقالة.
الملاحظة الأولى على القسم الأول ما ورد به:
- ص ٤ س ٨: كتَب (الرجال) بالراء. والصواب (الدّجّال) بالدال وتشديد الجيم كما في حديث البخاري من فتح الباري: ٨/ ٦٦.
стр. 496
والثانية ما ورد في هذه الطبعة:
- ص ٦ س ١٤: ضَبط (تَعتق) بفتح التاء، والصواب ضمُّ الأولى وكسر الثانية: تُعتِق.
ومما وقع له عند التحقيق وإقامة النص في:
- ص ٧ س ٢١: وُرودُ لفظ (قصوراً) بقاف وصاد مهملة وألف في آخره. وهو في النسخة التونسية قطوراً بطاء. وكلاهما خطأ. والصواب أنه (حَضور) بحاء مهملة مفتوحة في أوله، وضاد ساقطة معجمة، وبدون ألف في آخره. كما في تاج العروس. قال: وشذ من رواه بالألف الممدودة. قلت: ووقع لابن خلدون بألف مقصورة في آخره: ٢/ ٣٠ ط. بولاق. ١٢٨٤.
- وفي ص ١٥٦ س ٤ قوله: "فأبو جُذامة. كذا كتب في النسخة التونسية. وهو مشكل من جهة ربط الكلام، ومن جهة الإعراب. فأما من جهة الربط فلا وجه للفاء في قوله: "فأبو" لأن أبا حذافة يتعين أن يكون عطف بيان من ولد في قوله: إلا ولد أبي سلمة، وأما من جهة الإعراب فحيث إنه استثناء من كلام مثبت يتعين نصب: ولد أبي سلمة ونصب وآخرَ من حدث عطفاً على ولد أبي سلمة، ونصب أبا حذافة، لأنه بيان من لفظ آخر.
ومن الأمثلة في القسم الثاني من المقالة:
- ص ١٦٦ س ١٣: "الخَلْج" ضبط بفتح وسكون. وهو خطأ، والصواب بضمتين كما في القاموس.
- ص ١٨٢ س ١٤، ١٦: "بنو الزنية" ثلاث مرات ضبطه بفتح الزاي وكسر النون وتشديد التحتية، وهو خطأ. والصواب كسر الزاي وسكون النون وتخفيف التحتية، كما في كتب السيرة.
стр. 497
- ص ٢٠٤ س ١١٢: "عواقة" ضُبط بضمة على العين. والمعروف أنه بفتحة على العين. وهو مقتضى سكوت القاموس عن حركة أوله لأن اصطلاحه: أنّ عدم التعرض لذكر الحركة يقتضي أن الحركة فتحة، ولم ينبه صاحب التاج على حركته. ولكن من العجب أنه وقع في نسخ أربعة مخطوطة من القاموس موضوعة ضمة على عينه، وكذلك في نسخة اللسان. ط. بولاق.
ومن الأمثلة في القسم الأخير:
- ص ٢٧٤ س ١: "فلأضيفن" صوابه "فلأخِيفن" بخاء عوض الضاد كما في النسخة التونسية.
- ص ٢٧٨ س ٢٢: لامه والمحدث هنا نقص. والصواب: "لامه" وفقئت عين عدي بن حاتم ﵁ يوم الجمل، فقأها عبد الله بن حكيم ابن حزاء والمحدث. كذا في النسخة التونسية.
- ص ٢٨٨ س ٢: كتبَ "عمرو" والصواب "عمير". وضبط "شييم" بكسر الشين وضبط مصحح اللسان "شييم" بضم الشين. وكذلك ضبط في نسخ صحيحة من القاموس. وهو المناسب للصيغة.
- ص ٤٣١ س ٧ - ١٢: ضبط (العتق) بكسر العين في ثلاثة مواضع. والصواب ضبطه بضم العين كما في القاموس. ويجوز في الماء السكون والفتح (١).
стр. 498
٦ - استعمال لفظ "كل" بمعنى الكثرة
وهذا الاستعمال استعمال حقيقي يساوي استعمال (كلّ) في الشمول.
بدأت المقالة بالتعريف بكلمة "كلّ". فهي اسم موضوع للدلالة على الإحاطة والشمول، وفيها إبهام اقتضى ملازمتها الإضافة إلى اسم ذي أجزاء أو أفراد، يبين ذلك الإبهام. ولكونه دالاً على الشمول كان ضداً له لفظ "بعض" بشهادة فصيح الكلام.
ودليل هذه المقابلة بين لفظي "كلّ" و"بعض" حديث ذي اليدين خِرْباق السلمي ﵁ حين رأى النبي ﷺ سلّم من ركعتين أو ثلاث من رباعية. فقال له: "أقصُرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟ فقال النبي ﷺ : كلُّ ذلك لم يكن. قال له خرباق: بل بعض ذلك قد كان".
وأما استعمالات لفظ: "كلّ" كما تنطق بها المعاجم ودواوين اللغة وكتب العربية كالصحاح واللسان ومغني اللبيب فلها صورتان وقاعدتان تضبطان ذينك الاستعمالين:
الأولى: إذا وقع لفظ "كلّ" بعد اسم مدلوله ذو أفراد أفاد توكيده بشمول أفراده. وهذا معدود في ألفاظ التوكيد المعنوي، وملازمٌ الإضافة إلى ضمير موافق للاسم المتقدم.
الثانية: إذا وقع لفظ "كلّ" غير تابع لاسم قبله فلا بد من إضافته إلى اسم ظاهر أو مضمر لغير قصد التوكيد، أو يكون منوناً بتنوين عوض عن لفظ المضاف إليه المقدر، كما في قوله تعالى: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ (١) وبذلك يكون ملازماً للإضافة إلى ما يبينه
стр. 499
تصريحاً أو تقديراً، ويكون دالاً على شمول أفراد ما أضيف هو إليه.
وأضاف الفيروزآبادي إلى دلالة لفظ "كل" الموضوعة للشمول لجميع الأجزاء قوله: وقد جاء بمعنى بعض، ضِدٌّ. يقول الإمام الأكبر: أدْخلت هذه الزيادة من الفيروزآبادي تحقيقاً وإشكالاً. ولبيان ذلك وتفصيل القول فيه نقل عن الزبيدي في شرحه أن أصل ما جاء في القاموس من ذلك هو كلام الفيومي في المصباح، وما أشار إليه ابن السّيد البطليوسي في كتاب الإنصاف. والتحقيق أن كلام الفيومي مخالف لكلام القاموس. قال الفيومي: وقد يستعمل بمعنى الكثير كقوله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ (١). فالآية تذكر أن التدمير تناولهم جميعاً وامتد إلى مساكنهم، دون أن يصل ذلك إلى غيرهم. وهذا التأويل غير محرر، لأنه لم يبين هذا الاستعمال أهو مجاز يحتاج إلى قرينة أم هو حقيقة بسبب اشتهار ذلك وكثرته.
وأما عن كلام ابن السِّيد البطليوسي الذي تعرّض فيه، في باب الخلاف العارض من جهة العموم والخصوص، إلى ذكر شاهدين. أولهما قوله تعالى: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (٢). وثانيهما قوله : ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ فهو من باب العام المخصوص. خصّصه قوله: ﴿فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾. ومن هذا ندرك أن المدمَّر غير المساكن. وفيما أوردناه اتفاق بين الفيومي وابن السيد في اعتبار هذا الشاهد مؤولاً عندهما بأنه من العام المخصوص.
وحكى الزبيدي عن شيخه أن "كلّ" استعملت بمعنى "بعض". وذكر لهذا شاهداً لم يثبت. وهو قول عثمان حيث قيل له: أبأمرك هذا؟ فقال: كل ذلك بأمري، وبعضه بغير أمري. وهذه المقالة
стр. 500
المروية عن الخليفة الثالث لا شاهد فيها، لأن قصاراه أنه عام مخصوص بلفظ متصل به. فلم تخرج كلمة "كلّ" الواقعة فيه عن معنى جميع الأفراد إلا بعد ذكر لفظ آخر. ومن المعلوم أن العام المخصوص مراد عمومه تناولاً. وهذا مثل الاستثناء من لفظ دال على العموم، فإنّه لا يحدث لذلك اللفظ معنى جديداً.
ومضى بعد ذلك صاحب التاج يستدل لمقالته من إفادة (كل) البعضية بآيتين كريمتين هما: ﴿ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ (١): ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾. وردَّ الشيخ على هذا الاستدلال ببيان مدلول الآيتين، ثم نبّه إلى أن قول القاموس وما يقتضيه بجعل كلمة "كلّ" مطلقة على البعض قليلاً كان أو كثيراً، ويؤكد هذا المعنى بكلمة "ضد" التي يراد منها ضد جميع الأجزاء. وهذه تقتضي تمام المقابلة لدلالة "كل" على الشمول. وتعقيباً على هذا يقول: ولا أحسب أن أحداً يدّعي أن لفظ "كل" يطلق على الواحد ولا على العدد القليل، وبناء عليه تكون عبارة القاموس مدخولة.
ويستنتج مما تقدّم أن الفيروزآبادي أثبت في كلامه دلالة لكلّ غير دلالتها على الشمول. وهذا يعني أنه يجوز إطلاق لفظ "كل" بمعنى الكثير، لدلالته على الكثير من جنس ما تضاف إليه، وعلى العظيم منه القائم مقام الكثير. وهذا ممّا ورد به الاستعمال عند العرب، وهو قريب من أصل معنى "كلّ"، فيكون إطلاقه على الكثرة من باب تنزيل الأكثر والأهم منزلةَ الجميع لعدم الاعتداد بما سواه. والاستعمال هنا مجازي، ثم شاع وتُوُسِّع فيه فاستغنى عن قرينة المجاز لمساواته للإطلاق الحقيقي على الكثرة
стр. 501
أو ما قاربها من غير أن يكون المقام ممّا يقصد فيه الادعاء أو المبالغة.
وقال السيوطي في المزهر: إن المجاز متى كثر استعماله صار حقيقة عرفاً، وأن الحقيقة متى قلّ إستعمالها صارت مجازاً عرفاً (١)، وعلى هذا جرى القرافي في قوله في التنقيح (٢): إن الوضع يطلق على جعل اللفظ دليلاً على المعنى وهو الوضع اللغوي، ويطلق على غلبة استعمال اللفظ في المعنى حتى يصير أشهر منه من غيره.
ويُتبع صاحب المقالة هذا التحقيق، الذي اعتمد فيه أقوال اللغويين وعلماء الأصول، بذكر الأسباب الموجبة لكثرة المجازات والاتساع في الإطلاقات اللغوية فيها. فمن ذلك ما سبق ذكره من شهرة المجاز. ونوّه في هذا المحل بصنيع الزمخشري الذي دعته الاستعمالات المجازية الكثيرة إلى وضع أساس البلاغة. ثم أورد شواهد عديدة في استعمال لفظ "كل" غير محتمل لغير معنى الكثرة. وهذا ما يدل عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ﴾ (٣).
فكلمة "كل آية" وإن وقعت في حيز المبالغة بِلَوْ الوصليّة، فإن المبالغة هنا لا تتصور إلا على معنى الكثرة الشديدة، وقوله : ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ (٤). وكذلك ما ورد في كلام العرب كما في قول النابغة:
بها كلّ ذيال وخنساء ترعوي ... إلى كلّ رجاف من الرمل فارد
стр. 502
وقول ذي الرمة:
بها كلّ خَوّار إلى كلّ صعلة ... ضهول ورفض المذرعات القراهب
ومنه في قول عنترة:
جادت عليها كلّ بكر حرّة ... فتركن كلّ قرارة كالدرهم
سجّاً وتسَاباً فكلّ عشيّة ... يجري عليها ماء لم يتصرّم
ومثل هذا ما دار في المخاطبات من مثل قول الشاعر:
كلّ يوم تبدي صروف الليالي ... خُلقاً من أبي سعيد غريبا
فمجيء استعمال "كلّ" للكثرة كثير. وهذا ما يوجب إثبات هذا المعنى في دواوين اللغة اقتداء بصاحب القاموس. والإصلاح الذي ينبغي أن يلحق عبارة الفيروزآبادي في تعريف "كل": بمعنى الكثير، أراد بالبعض: البعض المقارب للشمول في الكثرة (١).
ففي مجال علوم العربية: لم يترك الإمام الأكبر فيه شيئاً من المقالات أو الكتب فوق ما قدّمناه. وقد مثّل لذلك بموضوعات بَحَثَها في علمي النحو والاشتقاق في غضون تفسيره. ولم تذكر التراجم له سوى تحقيقه للمقدمة النحوية التي وضعها أبو محرز خلف بن حيّان الأحمر الراوية واللغوي المعروف، معلم أهل البصرة وشيخ الأصمعي. وقد عُدَّ هذا الكتاب فيما تركه من مخطوطات ولم نعثر عليه. وهو يحتاج إلى بحث خاص في خزانة آل عاشور لعلنا نتمكن من معرفته والإفادة منه.
وفي علوم البلاغة: نضيف إلى الإلماعات التي ذكرناها قبلُ
стр. 503
عدداً من المؤلفات والمقالات المهمّة. فللشيخ ﵀ كتابان مدرسيان في قواعد الإنشاء والخطابة وفي علوم البلاغة، وكتابان هامان في التحقيق أو التعليق على أكبر المصنفات البلاغية المعروفة بين كبار العلماء والطلاب بجامع الزيتونة. وبجانب هذه الجهود المباركة العلمية الناطقة بتفرّده في عصره بمثل هذه الاهتمامات نشير إلى مقالة له في هذا الفن، تتميّز بموضوع خاص يقع بين بحوث علوم البلاغة والدراسات الأدبية والنقدية.
أما الكتابان المدرسيان اللذان أعدّهما لتكوين النشء وشَحْذِ عقولهم بما يحتاجون إليه من قواعد، وتقويم ألسنتهم، وإيقاظ مواهبهم: فأصول الإنشاء والخطابة، وموجز البلاغة.
١ - أصول الإنشاء والخطابة
كان مترجمنا يمتلىء قلقاً وأسى من هبوط قدرات معاصريه من الشباب المتعلم عن مستوى الإبلاغ والإقناع، ودرجة الإبداع والتعجيب. فكان أكثرهم معنياً بالقواعد يجمعها، والمتون يستظهرها في مختلف فنون العلم، دون أن تكون قد تفتّقت بذلك مواهبهم في فنون القول، أو تهذّبت ملكاتهم في حُسن التعبير عما في نفوسهم. وإذا كانت جودة الكلام وحُسنُه من أهم ما يزدان به الطلاب ويتميّز به العلماء والشيوخ، فإنه يصبح من الضروري أن تتحرّك هذه القدرات الكامنة لديهم بضروب من النصيحة والتوجيه والتدريب والتمرين، لاستدراك ما فاتهم من كمالات. ولا يتم هذا إلا بالنظر والإمعان في كلام المبدعين من الكتاب والمترسّلين والشعراء والخطباء، وبالعمل على انتهاج مناهجهم والتأسّي بهم في هذه المجالات.
ولعل هذا الأمر هو الذي حدا بشيخنا إلى العناية بفن لم يكن
стр. 504
مقرراً للدراسة في عصره. وأمام تأكّد طلبه، واحتياج أهل العلم والأدب إليه، وضع رسالة فيه، كانت حاملة الطلاب على الانتباه لأصول الإنشاء والخطابة في فن الأدب، ودافعة بالواقفين عليها والمحيطين بضوابطها والمتأثّرين بنماذجها إلى محاولة الإسهام في مجالي الإنشاء والخطابة.
صدر عنه كتاب أصول الإنشاء والخطابة سنة ١٣٣٩/ ١٩٢٠ - ١٩٢١.
وكان هدفه من تأليفه أن يبلغ بالمتعلّم إلى الإفصاح عن مراده، كتابة أو قولًا، من أقرب طريق، وإلى سلوك سبيل الإفهام بأحسن ما يستطاع من التعبير (١). ولتحقيق هذه الغاية من رسالته تراه يسلك بالشادين، بعلم الأدب الآخذين بأسبابه، مسلكاً يفضل لهم فيه القول في الإنشاء والخطابة.
فالإنشاء، كما عرّفها في كتابه هذا: علم تعرف به كيفية أداء المعاني التي تحضر بالبال أو تلقى إليه، على وجه تتمكن به من نفوس المخاطبين، من حيث حُسن ربط أجزاء الكلام، واشتماله على ما يستجاد من الألفاظ، ويَحسن من الأساليب مع بلاغته (٢).
وفي هذا الحد إيماء إلى طرق التأليف الجيّدة، وإلى أثرها في السامعين والمخاطبين، وإلى المميّزات التي لا بدّ من اتصاف أجزاء الكلام بها، لتنال حظاً من الإبداع والإمتاع، وتكتسب القدرة على الاجتذاب والتأثير.
стр. 505
وقد ذكر بعد هذا أنواع الإنشاء، كما تعرّض إلى ما ينبغي أن يتحقّق في الألفاظ والمعاني من صفات شريفة وسمات بديعة آسرة.
وعند التفاته في هذه الرسالة إلى القسم الثاني منها وهو فن الخطابة الذي عدّه من جملة أنواع الإنشاء، كالمراسلة والمحادثة والمقالات ونحوها (١)، يقول: إن هذا الفن يختص بمجموعة من الضوابط والشروط، إذا التزم بها الخطيب ورعاها استطاع أن يُقنع بكلامه أصنافَ السامعين بصحّة الغرض الذي يقصده. ويدعو لفعله أو الانفعال به (٢).
وبعد تعريفه للخطابة القائمة على الإقناع، والشعر القائم على التخييل والمحاكاة، يذكر شروط الخطيب، وأوصاف الخطبة، وينوّه بالدور الكبير الذي يستطيع المهرة والحذاق من أصحاب هذا الفن الاضطلاع به. فهي - كما صوّر لنا ذلك - ركن عظيم من آداب الاجتماع البشري، بها يحصل تهذيب الجمهور من حملهم على ما فيه صلاحهم، وتسكين جأشهم عند الروع، وبث حماسهم عند اللقاء (٣).
ولم يهمل المؤلف الجانب التطبيقي إثر تفصيله للجانب النظري واعتنائه به. فهو يذكر الأمثلة الكثيرة المميّزة من قرآن وحديث، ونثر وشعر، كما يدعو إلى ممارسة تمارين تُشَدّ بها المعارف، وتنضج بها القدرات والملكات.
وكانت رسالته هذه التي طلع بها على طلاب الزيتونة فتحاً مبيناً، وبياناً لطريقته ومنهجه في الأخذ بطرائق النحاة والبلغاء وأئمة الأدب المترسّلين. فهو يعتمد في ذلك على مقالات ابن جني
стр. 506
والجرجاني والأصمعي وابن الأثير وأضرابهم، وعلى أثر ذلك يمضي في تحليل الشواهد ونقد ما يتعرّض له من نثر وشعر، كاشفاً عن آرائه النقدية وذوقه الفنّي في كل ما يتقدّم به من تعاليق وملاحظات.
٢ - موجز البلاغة
ظهر هذا الكتاب سنة ١٩٣٢ أي بعد صدور سابقه بعشر سنين. ولعله كان من مؤلَّفه تطبيقاً لمنهجه النقدي للعلوم عندما تناول فن البلاغة وما كتب فيه من مصنفات تُدرّس للطلاب بالجامع الأعظم. فالطلاب بالزيتونة كانوا قبل تأليفه ونشره يعكفون في السنة الثالثة للمرحلة الأولى من التعليم على السمرقندية. وهي رسالة الاستعارات لأبي الليث السمرقندي، وتُعتبر زبدة مستخلصة من تحقيقات المطول والمفتاح يتغذون بها، ثم يتناولون مختصر التفتازاني (السعد على المفتاح) وبعض الشروح الأخرى. وفي ابتدائهم شوط، وفي انتقالهم طفرة. وتلك هي الحال التي مررنا بها وعشناها بين عرصات معهدنا.
وربما تعلّقت الهمة لدى كبار الطلاب بالرجوع في هذا الفن إلى ما يحسبونه أجدى وأقرب، وأكثرَ اتصالاً بفنون اللغة والأدب الأخرى. فكنا نطلب بعض هذه المباحث في وجوه الإعجاز عند المفسرين، وفي كتب الشعر والنثر، وفي محاضرات الأدباء عند المتقدّمين. وقد ظفرنا بجملة من قواعد هذا العلم وما يتصل بها من مدارك وأذواق مفرقة ومنثورة بين العديد من الكتب، مثل مجاز القرآن لأبي عبيدة معمر بن المثنى، ومعاني القرآن للفراء، ونظم القرآن للجاحظ، والبيان والتبيين له. وربما بعدت بنا النجعة فانتقلنا إلى كتاب سيبويه نطلب ذلك عنده أو إلى مسائل البلاغة عند الزمخشري في الكشاف.
стр. 507
وفي التأريخ لهذا العلم يذكر الشيخ ابن عاشور أن علم البلاغة لم يخصّ بالتأليف إلا في أواخر القرن الثالث الهجري بوضع ابن المعتز لكتاب البديع، ثم جاء الجرجاني بمؤلفيه دلائل الإعجاز وأسرار البلاغة، وقفاهما السكاكي، فصنع كتاب مفتاح العلوم في علوم العربية وأودع القسم الثالث منه بحث الفنون الثلاثة: المعاني والبيان والبديع (١).
ونبّه الشيخ ابن عاشور إلى أهمية هذا العلم عند تعريفه له بقوله: "هو العلم بالقواعد التي بها يعرف أداء جميع المراد بكلام ذي أساليب خاصة واضحة مع ما يعين على قبوله. وذلك بتوفيته خواص التراكيب حقها، وإيراد أنواع التشبيه والمجاز والكناية على وجهها، وإيداع المحسنات بلا تكلّف، مع فصاحة الكلام والحذر من العيوب العارضة كالتنافر والغرابة ومخالفة أحكام الإعراب" (٢).
وقد حمله هذا كله على وضع كتابه موجز البلاغة، مريداً بذلك تقوية العلوم اللغوية والأدبية لدى الطلاب، وتقديم ما ينفعهم من المسائل، ممهِّداً بصنيعه هذا إلى دراسة الكتب الواسعة في هذه المادة. ولقد عَنَى هذا بقوله: فرأيت أن أضع لهم مختصراً وجيزاً يلمّ بمهمات علم البلاغة، ليكون لهم كالمقدمة لمزاولة دروس مختصر التفتازاني. وضعت هذا المختصر وضع من يقصد إلى تثقيف طلبة هذا العلم بالمسائل النافعة المجرّدة عن المباحث الطفيفة في شؤون البلاغة الثلاثة من المعاني والبيان والبديع (٣).
стр. 508
وله إلى جانب هذين الكتابين المَدرسِيَّيْن أمالي وتعاليق على ما اشتغل به من المصنفات وأمهات الكتب التي كان يدرّسها في مادة البلاغة لطلابه. وتلك سُنة معروفة ومألوفة لدى كبار العلماء والشيوخ، كانوا يلتزمونها، ويتولون عن طريقها تقديم ما يعنّ لهم من بيانات إضافية يقيّدونها مرة، ويملونها أخرى تعميقاً للمعرفة، ومناقشة لكلام الشراح والمحقّقين، وتقريراً لبعض الحقائق الواردة فيها، وتعقيباً أو استدراكاً على ما حفلت به المصنفات موضع البحث والدرس من مسائل وفرائد. وهكذا كان إعداد المدرّسين لما يتولّون إقراءه من الكتب العالية المقرّرة في البرنامج. وفي هذا بالخصوص كان يتمثل عطاؤهم الفكري وجهدهم العلمي. وقد رأينا ممّن احتفى في تدريسه بهذا المنهج، وجرى على هذه الطريقة في تأليفه ثلّةً من العلماء والأئمة ذاع صيتهم، وانتشرت آثارهم، وتخرّج على أيديهم الفحول، وعرفوا بين الخاص والعام بجلالة القدر وارتفاع الذكر.
* * *
٣ - الأمالي على دلائل الإعجاز للجرجاني
أعتقد أن الإمام الأكبر كان متعلّقاً بدلائل الإعجاز، خالطه وتدبّر معانيه ومسائله، وحضر عدداً من الدروس فيه على شيخه في مادة البلاغة شيخ الإسلام العلامة النحرير محمد بن يوسف (١). تولى إقراءه بعد ذلك. وكان هذا الكتاب بدون شك أحد المؤلَّفين الجليلين المؤسِّسين لعلم البلاغة. وإذا كان أسرار البلاغة للجرجاني قد عني صاحبه فيه إلى حدٍّ بعيد بعلم البيان، فإن كتاب
стр. 509
دلائل الإعجاز كان قائماً على دراسة مسائل علم المعاني، وباحثاً أساساً في وجوه النظم وطرق الإعجاز.
قال عبد القاهر الجرجاني: "وإذا كانت هذه الأمور وهذه الوجوه من التعلّق التي هي محصول النظم، موجودةً على حقائقها وعلى الصحّة، وكما ينبغي، في منثور الكلام ومنظومه، ورأيناهم قد استعملوها وتصرّفوا فيها وكمُلوا بمعرفتها، وكانت حقائق لا تتبدل ولا يختلف بها الحال ... فما هذا الذي تجدّد بالقرآن من عظيم المزيّة، وباهر الفضل، والعجيب من الرصف، حتى أعجز الخلق قاطبة، وحتى قهر من البلغاء والفصحاء القُوى والقُدَر، وقيّد الخواطر والفكر، حتى خرست الشقاشق وعدم نطق الناطق! " (١).
وهذه الحقيقة الإيمانية والعلمية التي تلمّسنا آثارها في طرق التحدّي بالقرآن، والتي احتاجت من العلماء إلى البحث العميق والدرس الدقيق لفن النظم وللتصرفات القولية عند أئمة البلاغة والنقد، ما كانت لتتمثل في أذهاننا تمثلاً كاملاً، أو تلفت مداركنا إلى عجائبها وروائعها لفتاً دائماً إلا بطويل المدارسة وعظيم المثافنة. قال الجرجاني: "فإن كان ذلك يلزمنا، فينبغي لكل ذي دين وعقل أن ينظر في الكتاب الذي وضعناه، ويستقصي التأمل لما أودعناه. فإن علم أنه الطريق إلى البيان، والكشف عن الحجة والبرهان، تبع الحق وأخذ به، وإن رأى له طريقاً غيره أومأَ لنا إليه ودلّنا عليه.
إنّي أقول مقالًا لست أخفيه ... ولستُ أرهب خصماً إن بدا فيه
ما من سبيل إلى إثبات معجزة ... في النظم إلا بما أصبحتُ أُبديه" (١)
وإن مثل هذا اليقين الذي ملأ ما بين جوانح صاحب الدلائل لهو
стр. 510
الذي دفعه إلى المفاخرة بكتابه والاعتزاز به، وحَمَله على الدعوة إليه والنظر فيه، والتأمل في مبانيه ومعانيه، والانتفاع بخير ما تضمّنه من أحكام وقوانين، ظلّت من القرن الخامس مستودع الأسرار وملفت الأنظار. فلا بدع إذا أقبل عليه الدارسون والحذاق من أئمة الفن يفسرون قضاياه، ويضبطون قواعده، ويجعلونه بإسهامهم في تفصيل أغراضه الأساسَ للإحاطة بأساليب البيان، والمسلك الفريد لإدراك صور التفنّن.
وقد جاء في بداية الكتاب ما يعنون به لمحاسنه ويدل على أهميته: "وقد وصلت بأخَرة إلى كلام مَن أصغَى إليه، وتدبّره تدبّر ذي دين وفتوة، دعاه إلى النظر في الكتاب الذي وضعناه، وبعثه على طلب ما دونّاه. والله تعالى الموفّق للصواب، والملهم لما يؤدّي إلى الرشاد".
فلا بدع بعد ذلك أن يبذل أهل اللغة والبيان كل طاقة لاكتشاف أسراره والاهتداء به، وأن لا يكتفوا في هذا الباب بما يجدونه من ذلك. فالإمام الأكبر اقتناعاً ببدائع سلكه، وعجائب نظمه، حمله حبُّ الإفادة لطلابه، والكشف لهم عن لمحاته وجميل صوره، على الانخراط فيمن عني به قديماً وحديثاً، وعلى إملاء تفاصيل من القول فيه في أسلوب علمي أدبي أخاذ، يجمع لهم بين الانتفاع والتمتّع بما تضمّنه وورد فيه مما لا يقدر عامة الناس على النفاذ إليه.
* * *
٤ - التعليق على المطول بحاشية السيالكوتي
سبقت الإشارة إلى تنويه الشيخ ابن عاشور بكتاب سراج الدين يوسف بن محمد بن علي الخوارزمي السكاكي مفتاح العلوم. وعلمنا أنه وضعه في علم العربية، وأوح القسم الثالث منه المقصود من مسائل البلاغة، دوّنها على طريقة علمية صالحة للتدريس والضبط.
стр. 511
فأصبح عمدةَ الطالبين لهذا العلم (١). ولا يخفى أن المعاهد العلمية، وخاصة منها الدينية، كانت تحرص كل الحرص على تلقين طلابها فنون العلم المختلفة لا سيما العربية والبلاغية. وهكذا كان من الطبيعي إقبالُ العلماء والطلاب في كل معهد متخصص على أمهات المصنفات في هذين المجالين، وصرف بالغ الاهتمام إلى متن تلخيص المفتاح للقُزويني، وشرحيه المطول والمختصر.
وقد كان ممّن احتفى بالمطوّل ومختصره قبيل عصر المؤلف وفي عصره تدريساً وتحقيقاً الأديب الشاعر الشيخ محمود قابادو. تولى بجامع الزيتونة تدريس هذين الكتابين لسعد الدين التفتازاني (٢)، كما قام العلامة الإمام الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور الجد بتدريس المطول، وكتابة تعاليق عليه لم تتم، أسماها الغيث الإفريقي: تقاييد على حاشية عبد الحكيم السيالكوتي على المطوّل (٣). وهذان التأليفان قد بلغ فيهما المؤلف ذروة الجودة. وكأنه جعل من المطوّل أصلاً ثم وضع مختصره. فهو أغزر مادة بما جَمَع من مسائل، وعرَض من شواهد، كما أنه أشملُ وأكثرُ صوراً وتفريعاً. وهذان الشرحان أوفى ما وضع على التلخيص، وأكثرها تداولاً لما تميّزا به، كما قال حاجي خليفة، من حُسن السبك ولطف التعبير. فإنهما تحرير نحرير أي نحرير.
وكان من عناية العلماء من لغويين وبلغاء بالمطوّل عكوفهم عليه تذييلاً وتعليقاً بما كتبوه من حواش اشتهرت وراجت في المشرق والمغرب بكل معاهد العلم، وبين الشيوخ وكبار الطلاب مثل:
стр. 512
حواشي السيد الشريف الجرجاني، والفناري، وملا خسرو، والسمرقندي، والشيرازي ونحوهم. ولكن أهم الحواشي وأكثرها تداولاً هي حاشية العلامة النظار المنقطع النظير عبد الحكيم السيالكوتي. فقد كانت مادةً أساسية، مع المطوّل شرح كتاب التلخيص، في المرتبة العليا بالمعاهد. ولا بدع إذن إذا وجدنا الإمام الأكبر يجاري الشيخ الجدّ. ولا يكتفي بما تركه من تعاليق، فسجل هو أيضاً ما عنّ له من ملاحظات، وانقدح في فكره من آراء أيام تدريسه لهذا الكتاب، وأثناء مراجعاته له. فترك لنا ﵀ تعاليقه على المطول وحاشية السيالكوتي عليه. فما كانت لتغني التعاليق الأولى لجده عن تعاليقه شيئاً. فإن الأنظار تتفاوت، والأحوال تتباين، والأفكار والآراء تختلف وتتباعد. ولكنها مدعاة للتنافس، ونتيجة للتأمل والدرس، وثراء للبحث والنظر.
* * *
ومن المقالات التي يمكن إدراجها في هذا الباب مقالةٌ تَبحث أساليب العرب في بعض مقاماتها، وما تجري عليه مخاطباتهم فيها، وأخرى كوّة ينظر منها إلى أوصاف الكلام أو النظم نظرة عميقة نقدية كطريقة توجيه الخطاب إلى المرأة في شعر العرب.
وفي الأسلوب مقالان:
١ - طريقة من شعر العرب في توجيه الخطاب إلى المرأة
هذه المقالة لا تجري على المنهج الذي اعتدناه عند الإمام الأكبر إلا قليلاً. فهو لا يوغل فيها إيغاله في تتبع المفردات والتراكيب اعتماداً على القوانين التي ضبطها علماء اللغة العربية،
стр. 513
وتوصلًا إلى تفصيل الكلام في التصرّفات القولية، وتمكناً من التحقق من مدلولاتها في اللسان العربي. ولكنّه يتّجه بنا اتجاهاً جديداً فيعود بنا من الطريقة التطبيقية إلى الطريقة الاستنتاجية، ويسلك بنا سبيل المبرد، ومن كان من الأقحاح في زمنه، متحولاً بذلك عن منهج ابن الأنباري وابن الشجري وأمثالهما.
فهو بوقوفه على كلام العرب نثره ونظمه، خطبه ورسائله، ودرسه لعيون الشعر ودواوين العرب وجمهرات نظمها، لاحظ في هذا التراث الواسع البديع ما شدّ انتباهه إلى بعض الاستعمالات التي لزمها القدامى وتعودوا عليها. وعجب من خلو كتب اللغة والأدب، لكثرة استعمالها، من الوقوف عندها لدراسة خصائصها، وبحث ما تتميّز به من أساليب في كتب البلاغة والنقد. وذهب يقرّر أن لشعراء العرب في كلامهم سُنناً لا يكادون يحيدون عنها، يتبع فيها المتأخِّر خطى المتقدِّم، بحيث يعدّ الإخلال بها حَيَدَة عن الطريقة المألوفة. وقبل أن يضبط بعض هذه السنن ويمثل لها بالشواهد الثابتة المعروفة، يذكر سمات عامة للشعر عند العرب. منها:
١ - افتتاحهم لكثير من أغراضهم في الشعر بالنسيب، وينبّه إلى موضع ذلك من معلّقات زهير والنابغة والأعشى ولبيد وعمرو بن كلثوم والحارث بن حلزة، ويتقدّم الغزل أو النسيب قصائد المَدْح، كما في قصيدة علقمة يمدح الحارث الغساني:
طحا بك قلب في الحسان طروب ... بُعَيد الشباب عصرَ حان مشيب
وقصيدة كعب بن زهير:
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول ... متيّم إثرها لم يُفدَ مكبول
стр. 514
وقصيدة القطامي:
إنّا محيّوك فاسلم أيها الطلل ... وإن بَليتَ، وإن طالت بك الطول
وليس هذا الأمر بدعاً من القول، فقد سجّل هذه الظاهرة وأقرّها المتنبّي في قوله:
إذا كان مدح فالنسيب المقدم ... أكلّ فصيح، قال شعراً، متيَّم
٢ - ومنها خطاب المثنى بنحو يا صاحبيّ، خليليّ، يا فَتَيَان. ومن أقدم ما ورد من ذلك قول امرىء القيس:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ... بسقط اللوى بين الدخول فحومل
وقول السليك بن السلكة السعدي:
يا صاحبيّ ألا لَا حيَّ بالوادي ... إلا عبيد وآم بين أذواد
وقول الآخر:
فإن تسألاني عن هواي فإنّني ... مقيم بأقصى القير يا فتيان
وهنا بعد تعليل البيت الأخير بأن من عادة المسافر أن يستصحب مرافقين، يتقدم بملاحظة عامة يبيّن فيها استخلاصه ممّا وقع عليه نظره في مطالعات الأدب العربي أنه وجد شعراءهم كثيراً ما يوجهون الكلام إلى المرأة بطريق الخطاب أو بالاسم أو الضمير أو يحكون عن المرأة، مع أن المقام أن تكون المرأة معيّنة مقصودة بذلك أو مقصوداً إبلاغ الكلام إليها. فربّما طلبوا من المرأة أن تسأل عن خبر وأن تتعرّف حادثاً. وأكثر ما لاح لي ذلك في السؤال المفروض، لأن الأصل فيه أن يبنى على فرض سؤال، فيكون مبنياً على التذكير كقوله تعالى: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ﴾ (١)، أو:
стр. 515
﴿السَّائِلِينَ﴾ (١). فلما لاح لي ذلك وتتبعته تبين لي أنَّ توجيه السؤال إلى المرأة بُني على ملاحظة الغرض الذي من شأن المرأة أن تسأل عنه، ثم انتقلتُ إلى البحث عن كل مقام فيه ملاحظة الأغراض التي من شأن المرأة أن يكون لها الحظ الأوفر فيها من الاعتبار أي من الشؤون التي يغلب على النساء الاهتمام بها أكثرَ من اهتمام الرجال. فكل ذلك مما يقيمون كلامهم فيه على منوال التأنيث.
وهكذا ضبط صاحب المقالة صور توجيه الخطاب إلى المرأة وطرقه في الشعر عند العرب. ولكنه لا يفتأ أن يقول إثر هذا: ثم وجدت توجيه الخطاب إلى المرأة في مواضع أخرى غير طلب السؤال عن خبر، فاتسع لي باب طرقته. فإذا وراءه كُوَى، تطل منها أفنانٌ لا يعتريها ذبول ولا ذوى.
ويحاول الإمام ضبط هذه الأغراض أو تقريبها، فيستجلي بذهنه ما مرّ به في بحوثه ودراساته، ونظره ومطالعاته. فإذا هي لا تعدو خمسة أغراض سبرها سبراً.
ونحن قبل أن نتعرّض لهذه الأغراض من طرق توجيه الخطاب إلى المرأة، لا بد لنا من الرجوع إلى أشعار العرب وأقوالها مؤتسين في ذلك بعمله الدقيق في هذه المقالة، إذ جعل الشواهد مرجعَ استنتاجه وطريق وصوله إلى تقريراته في هذا الشأن:
الغرض الأول: أنه كان من عادة النساء العربيات العناية بالأخبار والحوادث، يعمرن بالحديث عنها آناء اجتماعهن في الأسمار. فمن أجل ذلك يتناقلنها وتُشيعها المرأة والأخرى، وينبسطن بالحديث عنها إلى رجال بيوتهن في أسمارهم. ومن ذلك
стр. 516
حديث أم زرع الوارد بكتب السنة. فإذا قصد الشاعر إلى إبراز ذلك وجّه الخطاب إلى ضمير الأنثى، أو حدّث عنها بطريق الغيبة. وهذا ليس من التجريد أو انتزاع ذات من ذات أخرى، ولا هو من قبيل توجيه الخطاب إلى غير معيّن، وهو كثير في القرآن.
ولكن في الغرض الذي نحن بصدده ينبغي أن يلحق بالأساليب المتّبعة في الاستعمال. ولا يحقّ أن يعدّ في مبحث وجوه تخريج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر من مباحث علم المعاني. والنقاد لم يبحثوا عن نظيره وهو خطاب المثنّى في نحو (قفا نبك)، كما قصدوا عدم التعرض لنظيره مع شهرته بين أهل الأدب. واستثنى في هذا المقام صوراً لا تدخل في غرضنا المحدود هذا، ممثلًا لها بكلام الأعشى ولبيد، وعبيد بن الأبرص وذهلول بن كعب العنبري.
الغرض الثاني: أن المرأة شديدة الإعجاب ببطولة الرجل لقصور قدرتها عما يستطيعه الرجال، ولأنّها ترى في بطولة الزوج والقرابة ما يُطَمئن بالها ويعيذها من كل شر. قال النابغة:
حذاراً على أن لا تنال مقادتي ... ولا نسوتي حتّى يَمُتن حرائرا
فإذا كان الرجل جباناً نفرت منه لتعيير النساء إياها به، وهذا كالذي يومىء إليه عمرو بن كلثوم في بيته:
يقتن جيادنا ويقُلن لستم ... بعولتَنا إذا لم تمنعونا
ومما يلحق بهذا قول عنترة:
إن تغدفي دوني القناع فإنّني ... طب بأخذ الفارس المتلثّم
وقول أنيف بن زبان الطائي:
فلما التقينا بيّن السيفُ بيننا ... لسائلة عنّي، خفيَّ سؤالها
стр. 517
وقول لبيد:
أو لم تكن تدري نوار بأنّني ... وصّال عقد حبائل، جذّامُها
ترّاك أمكنة إذا لم أرضها ... أو يعتلق بعض النفوس حمامها
ومن هذا أيضاً مواجهة المرأة بأن تسأل عن كرمه، كما في قول مضرس العبدي:
فلا تسأليني واسألي عن خليقتي ... إذا ردَّ عافي القِدرِ من يستعيرها
الغرض الثالث: رغبتهم في إظهار ثباتهم يوم اللقاء أو محامدهم بين أهليهم وقبائلهم كقول الآخر:
وترانا يوم الكريهة أحرا ... راً، وفي السلم للغواني عبيدا
ويتغيّر هذا الغرض بتغيّر الأحوال. فمن ذلك أن تلوم المرأة زوجها على السخاء إبقاء على ماله. وقد جاء من هذا قول ضمرة بن ضمرة النهشلي:
بكَرتْ تلومك بعد وهن في الندى ... بَسْلٌ عليك ملامتي وعتابي
وقال تأبّط شراً:
بل من لعاذلة خذّالة أشب ... حرّق باللوم جلدي أي تحراق
تقول أهلكت مالًا، لو قنعت به ... من ثوب صدق، ومن بزٍّ وإعلاق
وقال النمر بن تولب في حالة أخرى:
لا تجزعي إن منفس أهلكته ... فإذا هلكت فعند ذلك فاجزعي
وقال كثير يمدح عبد الملك بن مروان:
إذا ما أراد الغزو لم تثن همه ... حَصان عليها نظم دُر يزينها
نهته، فلما لم تر النهيَ عاقهُ ... بكت، فبكى ممّا شجاها قطينها
стр. 518
وقال سُلمى بن ربيعة:
زعمت تماضر أنّني إن ما أمت ... يسدُد بُنَيُّوها الأصاغرُ خلّتي
تربت يداك، وهل رأيت لقومه ... مثلي على يسري، وحين تعلّتي
الغرض الرابع: بناء الشعر على خطاب المرأة في الشؤون التي يليها النساء. فيكون ذلك الخطاب إخراجاً للكلام على الغربا. وأنشد على هذا قول مرّة بن عكان السعدي:
يا ربة البيت قومي غير صاغرة ... ضمّي إليك رحالَ الحيِّ والغربا
وقول الآخر (وهو من شواهد المفتاح):
أتت تشتكي منّي مزاولة القرى ... وقد رأت الأضياف ينحون منزلي
فقلت لها لمّا سمعت كلامها ... هم الضيف جِدِّي في قراهم وعجّلي
والغرض الخامس: الذي ختم به ذكر الوجوه السابقة في أسلوب العرب في توجيه الخطاب إلى المرأة هو تذكر الخليلة عند الوقوع في مأزق من تذكر النعيم عند حلول البؤس، إذ الشيء يذكر بضدّه، أو في حالة المسرّة والانبساط. ومثّل الإمام الأكبر لهذا الغرض بشواهد أربعة:
الأول: وهو أقدم ما فيه، قول عنترة:
ولقد ذكرتك والرماح نواهل ... منّي وبيض الهند تقطر من دمي
فوددت تقبيل السيوف لأنّها ... لمعت كبارق ثغرك المتبسّم
الثاني: قول أبي عطاء السندي:
ذكرتك والخطّيّ يذكر بيننا ... وقد نهلت منَّا المثقَّفةُ السمرُ
стр. 519
والثالث: قول ابن رشيق في قتال البحر:
ولقد ذكرتك في السفينة، والردى ... متوقّع بتلاطم الأمواج
وعلى السواحل للأعادي غارة ... وأنا وذكرك في ألذّ تناج
والرابع: قول ابن زيدون في التذكّر عند ساعات السرور. وهو من أجود ما قيل في الذكر:
إني ذكرتك بالزهراء مشتاقا ... والأفق طلق ووجه الأرض قد راقا
وهكذا جاء تصرّفه في عرض الأساليب والأغراض في توجيه الخطاب جمعاً واستنتاجاً، اعتماداً على روايته الواسعة للشعر، ومعرفته بالطرق فيه، غير مقتصر في شواهده على الجاهلي وشعراء الحماسة والمفضليات، بل متناولاً من ذلك ما جادت به قرائح المُوَلَّدين من نقاد وشعراء في بلاد المغرب والأندلس (١).
* * *
٢ - الجزالة
أدرجت المجلة الزيتونية هذه المقالة في باب اللغويات في الأدب. وعذرها في ذلك أن الشيخ صاحب المقالة بدأ بتتبع هذه الكلمة والبحث عن مدلولها فيما رجع إليه من كلام أئمة النقد وصناعة الإنشاء والشعر. ثم ختم جولته في مراجعاته بقوله: فلم أر منهم من أفصح عن مقومات هذه الصفة وشرائط حصولها، وأنا أبذل مبلغ جهد الفكر في الكشف عن مفاد هذا الوصف، وأقدم ما هو منه وصف للفظ ثم أتبعه بما هو وصف للمعنى. وفي هذا الكلام إشارة إلى أن الآراء لم تتفق على وصفيتها للفظ أم للمعنى أم لهما معاً.
стр. 520
والحق أن الوصف بها ورد للفظ كما ورد للمعنى. فقد ذكر ابن منظور في اللسان أنها من محاسن اللفظ فقال: الكلام الجزل القوي الشديد، واللفظ الجزل خلاف الركيك.
وجعلها المرزوقي من صفات المعاني فقال في مقدمة شرحه لديوان الحماسة: فطلبوا المعاني العجيبة من خواص أماكنها وانتزعوها جزلة عذبة. وبمعنى الغلظ والقوة جاءت في الحديث: "اجمعوا لي حطباً جزلاً"، كما وصفوا بها الرأي فقالوا: أجزل الرأي أي جيِّدُه. ونعتوا بها الذات كما جاء في الحديث: "قامت امرأة منهن جزلة" أي تامة الخلْق.
واعتباراً لهذه الاستعمالات قال الإمام: إن الجزالة وصف للفظ مأخوذة من صفات الناس، إذ الجزالة في الإنسان هي جودة رأيه وكمال عقله وإتقان فهمه. فبها يكون الإنسان جزلاً أي كامل الإنسانية. وقريب من هذا ما شرطه الفقهاء في القاضي أن يكون ذا جزالة رأي.
ثم خلص من هذا إلى استعراض آراء النقاد والشعراء في ذلك، فاستشهد بكلام ابن رشيق وعبد القاهر وابن شرف وابن هاني الأندلسي وابن الأثير والعكبري. فابن رشيق أورد في العمدة ذكر الجزالة وعطفها على الفخامة. قال: منهم قوم يذهبون إلى فخامة الكلام وجزالته على مذهب العرب من غير تصنّع كقول بشار:
إذا ما غضبنا غضبة مضرية ... هتكنا حجاب الشمس أو قطرت دما (١)
وأوردها ثانية توءماً للرشاقة. فقال: وشبه قوم أبا نواس بالنابغة لِما اجتمع له من الجزالة مع الرشاقة (٢).
стр. 521
ووصف عبد القاهر الجرجاني الجزالة فقال: من البراعة والجزالة وشبههما ما ينبىء عن شرف النظم. وقال عن النظم: أن تقتفي في نظم الكلِمِ آثارَ المعاني وترتّبَها على حسب ترتّب المعاني في النفس (١).
وفي رسالة الانتقاد لابن شرف القيرواني عند وصفه شعر لبيد: أنه ينطق بلسان الجزالة عن جنان الأصالة، فلا تسمع إلا كلاماً فصيحاً، ومعنى مبيناً صريحاً (٢).
وقال ابن هاني الأندلسي واصفاً المباني أو الألفاظ بالجزالة: إلا أنه إذا ظهرت معانيه في جزالة مبانيه رمى عن منجنيق يؤثر في النيق (٣).
ووازن ابن الأثير في المقالة الأولى من المثل السائر عند حديثه عن الصناعة اللفظية قائلاً: جاءت لفظة واحدة في آية وفي بيت. أمّا التي في الآية فكلمة يؤذي في قوله تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾. وأما التي في بيت، ففي قول المتنبي:
تلذ له المروءة وهي تؤذي ... ومن يعشق يلذّ له الغرام
جاءت كلمة يؤذي في القرآن جزلة متينة، وفي شعر أبي الطبيب ركيكة ضعيفة حطّت من قدر البيت لضعف تركيبها بقدر ما كان موقعها حسناً في الآية (٤).
وفي كليات أبي البقاء العكبري نقرأ: الجزالة إذا أطلقت على اللفظ يراد به نقيض الرقّة.
وهكذا نجد في كلام ابن الأثير وكلام أبي البقاء اختلافاً بيّناً
стр. 522
حيث جعل الأول الجزالة في مقابل الركاكة، وجعلها الثاني مقابلة للرقّة، ويلخّص ابن عاشور هذه الاستعمالات بقوله:
قد رأيتهم يقابلون الجزالة مرّة بالرقّة، ومرّة بالركاكة، ومرّة بالضعف، ومرّة بالكراهة. فتحصّل لنا من معنى الجزالة أنها كون الألفاظ التي يأتي بها البليغ، الكاتب والشاعر، ألفاظاً متقاربة في استعمال الأدباء والبلغاء، سالمة من ركاكة المعنى، ومن أثر ضعف التفكير، ومن التكلّف، ومما هو مستكره في السمع عند النطق بالكلم أو الكلام. فهذه الجزالة صفة مدح. وأتبع هذا التعريف بنقد بعض النصوص والاستعمالات الموسومة بالركاكة، وجعل من هذا بيتاً للخوارزمي يخاطب بديع الزمان خطابَ مفاخرة. وذلك قوله:
وإذا قرضت الشعر في ميدانه ... لا شك أنك يا أخي تتشقق
وخالف الإمام بين الجزالة والرقّة ضارباً المثل لكل من اللونين، ومنبّهاً إلى أن لكل واحدة من هذين مقاماً يليق بها. فالجزالة تناسبها الشدة كالرثاء أو الحماسة، وتستعمل الرقة أو يلجأ إليها في النسيب والزهريات والملَح لما فيها من لين ولطافة.
ويختم كلامه عن الجزالة بالتنبيه إلى أنها من أوصاف المباني والمعاني جميعاً قائلاً: والجزالة من صفات الألفاظ باعتبار المعاني. ويظهر تصرّف البليغ في صناعتها بالخصوص في صوغه المعاني التي يصوغها في نفسه من مجاز واستعارة وتمثيل وتشبيه وكناية وأنواع البديع. وأما المعاني الوضعية فتأتي بطبع سياق الكلام، وتأتي في الألفاظ تبعاً للمعاني. وعلى هذا الاعتبار ينبني وصفهم المعنى بالجزالة (١).
* * *
стр. 523
الآثار الأدبية:
إنها لكثيرة وكثيرة جداً. تنبع من عناية الإمام الأكبر باللغة وعلوم العربية وعلوم البلاغة. ومن واسع حفظه للأشعار، ومن اهتمامه المستمر بتقييد الشوارد والفرائد مما يقف عليه في مطالعاته. حاولنا حصر هذه الآثار فبدأنا بتقسيمها إلى أربع مجموعات:
الأولى: ما عُني به من القصائد المفردة. وهما قصيدتان: شرحه لمعلقة امرىء القيس الذي ما يزال مخطوطاً، وتحقيقه لقصيدة الأعشى الأكبر في مدح المحلق (١).
الثانية:
١ - جمع وتكميل وشرح لديوان سحيم عبدِ بني الحسحاس. مخط.
٢ - قطع من ديوان الحماسة. مخط.
وإلى جانب هاتين المخطوطتين أخرجت له دور النشر كتابين هامَّين هما:
٣ - ديوان النابغة (٢).
٤ - ديوان بشار بن برد (٣).
الثالثة: قَصَرَهَا المؤلف على المتنبي. وهي خمسة كتب:
١ - شرح القرشي لديوان المتنبي. مخط. ليس للشيخ عمل فيه.
٢ - مراجعات في معجز أحمد لأبي العلاء المعريّ. مخط.
стр. 524
٣ - مراجعات في اللامع العزيزي. مثله. مخط.
٤ - تحقيق الواضح في مشكلات شعر المتنبي لأبي القاسم الأصبهاني (١).
٥ - تحقيق سرقات المتنبي ومشكل معانيه لابن السراج (٢).
الرابعة: مؤلفاته الأدبية والنقدية:
١ - شرح المقدّمة الأدبية التي وضعها المرزوقي بين يدي شرحه لديوان الحماسة (٣).
٢ - شرح وتعليق على قلائد العقيان للفتح ابن خاقان وعلى شرح ابن زكور له (٤).
واعتباراً لصعوبة الوقوف على المخطوطات من هذه الآثار، وهي بدون شك تحتاج إلى وقت وصبر وبحث، نكتفي في هذا المقام بالتعريف بما هو مطبوع منها.
* * *
ففي المجموعة الأولى:
جمع وتعليق على قصيدة الأعشى الأكبر:
وهو رسالة صغيرة تقع في نحو ٣١ صفحة مع ملحق تكميلي لها في ٧ صفحات.
стр. 525
قصيدة الأعشى الأكبر في مدح المحلّق
الأعشى أبو بصير ميمون بن قيس بن جندل مِن بكر بن وائل. كان من فحول الشعراء، ويدعى بصناجة العرب لجودة شعره. فخّم أبو عمرو بن العلاء من شعره، وعظّم محلّه. فقال: شاعر مُجيد، كثير الأعاريض والافتنان. ونصح عبد الملك بن مروان مؤدب أولاده، وقال له: أدِّبْهم برواية شعر الأعشى فإنه - قاتله الله - ما كان أعذب بحرَهُ وأصلَبَ صَخْرَه (١).
مدح الأعشى المحلّق عبد العزى بن حنتم الكلابي بقصيدة بديعة على روي القاف. نوّه الأدباء بشأنها في الفصاحة والبلاغة. حامت ميامن طيرها ببيت المحلّق ذاك الفقير المعدم المئناث فكانت سبباً في نباهة ذكره بعد خمول، وفي إيراق غصن مجادته بعد ذبول، وخطب أمجادُ العرب بناته الثمان بعد أن نسجت عليهم عناكب النسيان (٢).
وبهذه القصيدة أبيات أشتات من شواهد العربية، ومقطّعات النوادر الأدبية. قال الإمام الأكبر: كنت منذ زمان عُنيت بجمعها من
стр. 526
متفرّق كتب اللغة والعربية والأدب: فمن الصحاح والقاموس والتاج إلى الخزانة وقواعد المطارحة وشواهد المغني وثمار القلوب، ومن كتب العربية هذه إلى كتب التفسير كالبيضاوي بحاشية الشهاب، والكشاف وشواهده، إلى كتب الأدب كالأغاني والعمدة، والكامل، والبيان، وجمهرة أشعار العرب، وشرح البردة لابن عاشور الجدّ، وشرح عياض لحديث أم زرع، ومروج الذهب، وأمالي الشريف المرتضى.
وإنما أغفل من مصادر قصيدة الأعشى رواية ثعلب لديوان الأعشى الموجودة بالأسكوريال وديوان الأعشى لحاير، وشرح ديوان الأعشى لمحمد بن حبيب، وشرح ديوان الأعشَى الأكبر لمحمد محمد حسين لتعذر وقوفه عليها. وإن كان الديوان قد طبع (١) لكن بعد فراغ مؤلفنا من جمعه وتحقيقه لقصيدة الأعشى في المحلّق.
وشيخنا الجليل، في سعيه الحميد هذا، يصف عمله في قصيدة المحلّق ومراحل جمعه وترتيبه لأبياتها، منبّهاً على الغاية الشريفة التي كان يرمي إليها من وراء هذا الجهد: "وقد كنت منذ زمان عنيت بجمعها من متفرّق كتب العربية والأدب، حتّى أوشكت أن أظفر بكمالها أو ظفرت، لأني رأيت في خزانة الأدب للبغدادي أبياتاً تسعة منها. ثم قال: وبقي بعد هذا أكثر من ثلاثين بيتاً ... فلما بلغ ما جمعته منها واحداً وأربعين بيتاً، وغلب على ظنّي أني قد استقصيتها رأيت إثباتها ونشرها والتعليق عليها خدمة للأدب العربي الذي هو مفخر لساننا، وزهرة روضنا من البلاغة وثمر بستاننا. ورتبت ما
стр. 527
جمعته من الأبيات على حسب انتساب معانيه، مع التنبيه على مواضيع مُتفَرِّقِها لأكفي المؤونة لمعانيه".
واليوم، وقد نشر الديوان، رجعنا إلى طبعة دار الكتاب العربي مقارنين بين نصّ القصيدة بها وهو ٦٢ بيتاً مع النص الذي جمعه وحققه الشيخ ابن عاشور وهو مع ملحقه ٤٦ بيتاً. وطبيعي أن تكون الأبيات مختلفة الترتيب بينهما، فوضعنا جدولًا للتعريف بهذا والمقارنة. واكتفينا هنا بأبيات الخزانة مثالًا على ذلك. فأحببنا أن نقف بالخصوص على الأبيات التي كانت منطلق بحث الشيخ عن هذه القصيدة، ورجعنا إلى الخزانة للبغدادي لاعتداده بها، ومحاولته تكميل ما جاء فيها من أبيات.
ذكر البغدادي بيتاً شاهداً منها: ٣/ ٢٥٢، ٢٥٤:
٦/ ٤٨ وإنَّ امرأً أسرى إليكِ ودونه ... من الأرض مَوْمَاةٌ وبيدا سَمَلَّقُ
على ورود الجملة: ودونه من الأرض موماة، حالًا لا الظرف وحده. وطالع القصيدة:
١ - ١/ ١ أَرِقْتُ وما هذا السهاد المؤرِّق ... وما بيَ من سُقْمٍ وما بيَ مَعشَقُ
وبيتين آخرين هما:
٧/ ٤٩ لَمَحقوقةٌ أن تستجيبي لصوته ... وأن تعلمي أن المُعانَ موفّق
١٥/ ٢٣ تريك القذى من دونها، وهي دونَه ... إذا ذاقها مَن ذاقها يتمطّق (١)
وذكر فيها شاهداً: ٥/ ٢٩١، ٣٨٧. وهو بيتان: أولهما الشاهد ٢٠٤ في جواز التأكيد بالضمير المنفصل في الصفة الجارية على غير من هي له، إذا أمن اللبس عند الكوفيين.
стр. 528
والبيت الذي يليه: ٧/ ٤٩.
وقد أضاف لهذين البيتين ص ٢٩٣ عشرة أبيات منها الشاهدان. ونحن نذكرها مع اختلاف روايتها بين المصدرين: الجمع والتحقيق وبين الديوان دون إشارة إلى التعاليق عليهما لضيق المكان.
ب، ع ٢٤ وخَرْقٍ مُخُوفٍ قد قطعتُ بِجَسْرةٍ ... إذا خبّ آلٌ وسْطَه يترقرق
٢٥٢ وخَرق مخُوف قد قطعت بجسرة ... إذا خبّ آل فوقه يترقرق
ب، ع ٣، د ٢٦ هي الصاحب الأدنى، وبيني وبينها ... مَجوفٌ علافيٌّ وقطعٌ ونُمرُقُ
ب، د ٢٧ وتصبح من غبّ السُّرى وكأنّما ... ألمّ بها من طائف الجن أولقُ
ع ٥ وتصبح من غبّ السُّرى وكأنها ... ألمّ بها من طائف الجن أولقُ
ب، ع ٦ وإن امرأ أسرى إليكِ ودونه ... من الأرض موماة وبيداء سملق
د ٤٨ وإن امرأ أسرى إليكِ ودونه ... فيافٍ تنوفاتٌ وبيداء خيفق
ب، د ٤٩ لمحقوقة أن تستجيبي لصوته ... وأن تعلمي أن المعانَ موفّق
ع ٧ لمحقوقة أن تستجيبي لصوته ... وأن تعلمي أن المُعاني موفّق
ب، ع ٨ وكم دونه من حَزْنِ قُفٍ ورَمْلَةٍ ... وسَهب به مستوضحُ الآل يبرق
د ٣٦ وكم دون ليلى مِن عدو وبلدة ... وسَهب به مستوضحُ الآل يبرق
ب، ع ٩ وأصفر كالحِنَّاء ذاوٍ جِمامُه ... متى ما يذقه فارطُ القوم يبصُق
د ٤٧ وأصفر كالحناء طامٍ جِمامه ... متى ما يذقه فارط القوم يبصق
ب، ع ٣٣ به تُنفض الأحلاسُ في كل منزل ... وتعقد أطراف الحبال وتُطلق
د ٤٣ به تُنفض الأحلاس في كل منزل ... وتعقد أنساع المطي وتُطلق
ب، د ٤٢ ولا بدّ من جار يُجير سبيلها ... كما سلك السَّكِّيُّ في الباب فيتق
ب، ع ١٠، د ٥٠ ولا بدّ من جار يجيز سبيلها ... كما جَوَّزَ السَّكِّيُّ في الباب فيتقُ
* * *
стр. 529
ديوان النابغة الذبياني
أما المجموعة الثانية من آثار الإمام الأكبر الأدبية فهي ما جمعه وحقّقه وأكمله وشرحه وعلق عليه من الدواوين. وإن لهذه المجموعة لصلة وعلاقة بالمجموعة الأولى قبلها. ونكتفي في هذا المحل بالوقوف عند ديوانين:
أولهما ديوان فحل من فحول الطبقة الأولى من المقدّمين، منزلته بعد امرىء القيس، ويلتقيان في نفس الطبقة مع زهير والأعشى. وهو النابغة الذبياني.
وثانيهما من كان في الرتبة الأولى من المُحْدَثين من الشعراء المُجيدين. وهو بشار بن برد.
النابغة الذبياني:
أما النابغة فهو زياد بن معاوية بن سعد بني ذبيان. ويكنّى أبا أمامة وأبا عقرب بابنتين كانتا له، كما ذكر ذلك البغدادي. وإنما دعي بالنابغة لقول النقاد في تقديم شعره: نبغ بالشعر بعد ما احتنك، وهلك قبل أن يهتر. يريدون أن مادة الشعر لديه لا تنقطع كمادة الماء النابغ. وقيل: لقوله من قصيدة:
وحلّت في بني القَينِ بن جَسر ... فقد نبغت لنا منهم شؤون
وقال رجالُ هذا الفن في وصف روائعه الشعرية التي تميّز بها:
стр. 530
أحد فحول شعراء الجاهلية، أحسنُهم ديباجة شعر، وأكثرُهم رونق كلام، وأجزلُهم بيتاً، كأنّ شعره كلام ليس فيه تكلّف.
وذكر بشار بن برد، وهو المِفَنُّ بين رجال عصره قال: أجمع أهل الحجاز على تقديمه وتقديم زهير على غيرهما من الشعراء. ولعل من روائع شعره ما فضّله به الشعبي على الأخطل في مجلس عبد الملك بن مروان. وذلك قوله:
هذا غلام حسن وجهه ... مستقبل الخير سريع التمام
للحارث الأكبر والحارث الأصـ ... ـغَرِ والأعرج خير الأنام
ثم لهند ولهند فقد ... ينجع في الروضات ماء الغمام
خمسةُ آباءٍ همُ ما همُ ... هم خير من يشرب صفو المدام
وفضّله أيضاً عمر بن الخطاب على الشعراء، إذ سأل من كان ببابه من وفد غطفان قائلاً: أيّ شعرائكم الذي يقول:
حلفت فلم أترك لنفسك ريبة ... وليس وراء الله للمرء مطلب
قالوا: النابغة. قال: فأيّ شعرائكم الذي يقول:
فإنّك كالليل الذي هو مدركي ... وإن خلتُ أنّ المنتأى عنك واسع
قالوا: النابغة. قال: هذا أشعر شعرائكم.
وقد كان مع منعته في قومه مقرباً من النعمان بن المنذر. يأكل ويشرب في آنية الذهب والفضة، ويجد لديه من الحفاوة والتبجيل ما جعل الملك يبالغ في إدنائه. وأعطاه مرّة مائة بعير من النعَم السود معها رعاتها ومظالها وكلابها.
واشتهر هذا الشاعر بقصائده الطوال التي منها ما عدّوه أول جمهرات العرب. وهي التي يقول في مطلعها: