وبلفظ الملائك، هكذا بلا هاء، جاء قول حسان:
بأيدي رجال هاجروا نحو ربهم ... فأنصاره حقاً وأيدي الملائك
وقد تميز هذا القسم الأول من التعريف بلفظ الملائكة في التحرير والتنوير بذكر أن التاء فيه لتأكيد الجمعية، وارتباط صيغة التأنيث للملائكة بمعتقد نصارى العرب. وبحث لفظ "ملائكة" وذكر مفرده، وقارن بين آراء أبي عبيدة والكسائي وابن كيسان والنضر بن شميل في اشتقاقه ومعناه.
الثاني: تناول بيان حقيقة الملائكة من الناحيتين الخلقية والسلوكية (١).
٢ - المال
قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٢).
قال في التعريف بهذه المادة عن طريق ذكر ما ورد في النصّ القرآني: الأموال جمع مال. ولم ينظر إلى صيغة اللفظ ولا إلى اشتقاقه للعلم بهما، ولكنه جرى في هذا المحل على طريقة المناطقة والعلماء من أصوليين وفقهاء ونحاة وغيرهم، فوضع حدّاً جامعاً مانعاً مطرداً منعكساً معرفاً المال بقوله: "ما بقدره يكون قدر إقامة نظام معاش أفراد الناس في تناول الضروريات والحاجيات والتحسينيات بحسب مبلغ حضارتهم حاصلاً بكدح".
стр. 457
وفي هذا التعريف منع لدخول المواهي غير المقصودة من لفظ المال في الحد، واتساع شمول الأنواع المختلفة المدلول عليها به. ولذلك عقب الحد بقوله: فلا يعد الهواء مالاً، ولا ماء المطر والأودية والبحار مالاً، ولا التراب مالاً، ولا كهوف الجبال وظلال الأشجار مالاً. ثم قابل هذه الأشياء بأجناسها مما في اكتسابه كدح وعمل، فأدخلها في مسمى المال قائلاً: ويعد الماء المحتفر بالآبار مالاً، وتراب المقاطع مالاً، والحشيش والحطب مالاً، وما ينحته المرء لنفسه في جبل مالاً.
ولم يبادر إلى ذكر الأموال بذواتها، ولكنه رتب هذا على ذكر أنواع المال الثلاثة ليميز كل واحد منها بما يندرج تحته من صنوف، فيواطىء بهذا المعنى اللغوي المعنى الشرعي.
فالنوع الأول يتمثل فيما تحصل منه تلك الإقامة بذاته دون توقف على شيءٍ أجنبي. وهو الأطعمة كالحبوب والثمار والحيوان لأكله وللانتفاع بصوفه وشعره ولبنه وجلوده ولركوبه. قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ (٢). وقد مضى بعد ذلك إلى الاستشهاد على مراده بالآثار والشعر. فذكر عن عمر قوله: "لولا المال الذي أحمل عليه في سبيل الله ما حميت عليهم من بلادهم شبراً". وقال: وسَمَّت العرب الإبلَ مالاً كما في قول زهير:
صحيحياتِ مال طالعات بمخرم
стр. 458
ثم أردف ذلك ببيان أفضلية هذا النوع على غيره من الأموال، مورداً من الحديث في ذلك قوله ﷺ : "يقول ابن آدم: مالي مالي، وإنما مالك ما أكلت فأمريت، أو أعطيت فأغنيت". ونبّه عقب هذا الحديث على أن الحصر فيه للكمال في الاعتبار من حيث النفع المادي والنفع العرضي.
والنوع الثاني هو ما تحصل تلك الإقامة به وبما يكمله، ممّا يتوقّف نفعه عليه كالأرض للزرع وللبناء عليها، والنار للطبخ وللإذابة، والماء لسقي الأشجار، وآلات الصناعات لصنع الأشياء من الحطب والصوف ونحو ذلك. وهذا النوع دون النوع الأول.
والنوع الثالث ما تحصل الإقامة بعوضه مما اصطلح البشر على جعله عوضاً لما يراد تحصيله من الأشياء. وهذا هو المعبّر عنه بالنقد أو بالعملة. وأكثر اصطلاح البشر في هذا النوع على معدني الذهب والفضة أو على غيرهما مما يقوم مقامهما كالنحاس والودع والخرزات والحديد الأبيض والأوراق المالية.
والمراد بالفصل الوارد في التعريف، وهو قوله: حاصلاً بكدح؛ حصوله أو اكتسابه بسعي فيه كلفة ومشقة.
ولإكمال تصوير هذا الحديث للمال بيَّنَ المؤلف طرقَ اكتسابه وهي ثلاثة:
الطريق الأول: طريق التناول من الأرض بلا مزاحمة أو بمزاحمة، فيكون تحصيله بالسبق كسكنى الجبال والتقاط الكمأة.
الطريق الثاني: الاستنتاج بالولادة والزرع والغرس والحلب، وبالصنعة كصنع الحديد والأواني واللباس والسلاح.
والطريق الثاني: هو التناول من يد الغير، فيما لا حاجة له به،
стр. 459
إما بتعامل بأن يعطي المرء ما زاد على حاجته مما يحتاج إليه غيرُه، ويأخذ من الغير ما زاد على حاجته مما يحتاج إليه هو، أو بإعطاء ما جعله الناس علامة على أن مالكه جدير بأن يأخذ به ما قدّر بمقداره كدينار ودرهم في شيء مقومٍ بهما، وإما بقوّةٍ وغلبةٍ كالقتال على الأراضي وعلى المياه (١).
٣ - السِّلْم
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ (٢).
ورد لفظ السِّلْم بأوجه ثلاثة: بفتح وكسر السين مع سكون اللام، والسَّلَم بفتح السين وَاللام.
الوجه الأول: بفتح السين وسكون اللام؛ قرأ به نافع وابن كثير والكسائي وأبو جعفر.
الوجه الثاني: بكسر السين وسكون اللام؛ قرأ به باقي العشرة.
الوجه الثالث: بفتح السين واللام جميعاً، وورَدَ به قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ (٣)، وقوله : ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ (٤).
وبعد ذكر هذه الأوجه ذهب صاحب التحرير والتنوير إلى بيان معنى السلم. فقال: هو الصلح وترك الحرب. وأنشد عليه قول عباس بن مرداس:
стр. 460
السَّلمُ تأخذُ منها ما رضيتَ به ... والحربُ تكفيك من أنفاسها جُزَعُ
بفتح السين، وأنشد عليه قول زهير:
وقد قلتما إن ندرك السَّلْم واسعاً
وبكسر السين اشتقاق السلم من السلامة، وهي النجاة من ألم أو ضر أو عناد. وأسلم نفسه: أعطاه إياها بدون مقاومة. واستسلم: طلب السِّلم، أي ترك المقاومة.
تقول العرب: أسِلْم أم حربٌ؟ بمعنى أأنت مسالم أم محارب. هذه المعاني كلها كما ذكر الإمام بعضها من بعض. وهو ما جزم به أئمة اللغة.
ومن معاني السلم بلغاته الثلاث دين الإسلام. قال هذا ابنُ عباس ومجاهد وقتادة، وجعلوا شاهداً عليه قول امرىء القيس بن عابس الكندي:
دعوتُ عشيرتي للسَّلم لمّا ... رأيتهمو تولَّوا مدبرينا
فلست مبدّلاً بالله ربّاً ... ولا مستبدلاً بالسَّلم دينا
وهذا من مقالات المفسّرين، ومن أخذ عنهم أو تأثّر بهم من اللغويين. ذكره بهذا المعنى صاحب الكشاف. وهذا الإطلاق غير موثوق به، ويحتمل بيت الكندي المسالمة، أي المسالمة للمسلمين، وقوله: ديناً، بمعنى العادة اللازمة.
وفرق أبو عمرو بن العلاء فجعل السِّلم، بكسر السين: الإسلام. والسَّلم، بفتحها: المسالمة. وأنكر المبرد هذه التفرقة قَائلاً: اللغة لا تؤخذ هكذا، وإنما تؤخذ بالسماع لا بالقياس. وبعد ذكره للروايات الواردة في استعمال لفظ السلم، واختلاف دلالتيه المفصّل القول فيهما، جعل هذا التصرّف من قبيل استعمال المشترك في معنييه، مطبقاً هذه القاعدة على الآية في استخلاص المراد منها
стр. 461
على الاحتمالات الواردة الصحيحة (١).
وبمثل هذا التتبع للمواد اللغوية تحريراً وضبطاً لصيغها، وكشفاً عن دلالاتها ومعانيها ننطلق في بياننا لمنهج صاحب التحرير إلى أمثلة أخرى تتعلق إما بأحكام العربية وقواعدها من نحو وصرف، وإما بأسرار التعبير والتصرفات القولية من فنون البلاغة.
* * *
ونقدم لبيان منهج الإمام في تحليله وتعمقه في دراسة القضايا النحوية أمثلة ثلاثة. هي الإشارة بـ "ذلك"، وورود اللفظ بدلاً أو عطف بيان، والمقاربة مع تفصيل القول فيها.
مسائل نحوية:
١ - اسم الإشارة: (ذلك)
قال تعالى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ (٢).
فرّق الإمام في تفسير هذه الجملة بين ﴿الم (١)﴾ وبين ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾. وقال في القسم الثاني منها: كلام لا اتصال له في الإعراب بحروف (ال م) كما علمت ممّا تقدم. وهنا يبدأ النظر في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ ببيان إعراب هذه الجملة تمهيداً للخلوص إلى معناها، وتحريراً للمراد منها باستعمال الطريقة نفسها التي جرى عليها الزمخشري في كشافه واستخدام قوانين اللغة وقواعدها للوقوف على أدقَّ المعاني وأخفاها.
وأوجه الإعراب لـ "ذلك الكتاب" متعددة في تقديره وهي:
إما أن تجعل من حروف (الم) جملة مسوقة مساق التهجّي
стр. 462
لإظهار عجز المشركين عن الإتيان بمثل بعض القرآن. فيكون اسم الإشارة مشاراً به إليها باعتبار كون حروفها مقصودة للتعجيز، لأن حروفها من جنس حروف الكتاب. وعلى هذا الوجه تكون (الم) غير معربة ولا مبنية، واسم الإشارة ذلك مبتدأ، والكتاب خبراً.
وإما أن تكون الإشارة إلى القرآن المعروف لديهم يومئذٍ، وهو ما نزل منه فعلاً منضماً إليه ما يلحق به. فيكون قوله: ذلك، مبتدأ، وخبره: الكتاب.
وإما أن تكون الإشارة هنا إلى جميع القرآن، ما نزل منه وما لم ينزل، لأن نزوله مترقّب. فهو حاضر في الأذهان فأشبه الحاضر في العيان. ويكون التعريف للكتاب تعريفاً للعهد التقديري، وقوله: (الكتاب) حينئذٍ بدلاً أو بياناً من ذلك، والخبر هو (لا ريب فيه).
ومن هذا الإعراب التصويري للجملة ينتقل إلى اسم الإشارة "ذلك". فيذكر مقالة ابن عباس: (ذلك الكتاب) أي هذا الكتاب. وهو ما قاله مجاهد وعكرمة وغيرهما، وما رواه البخاري عن أبي عبيدة. ويكون ما ورد هنا من استعمال اسم الإشارة جرياً على طريقة العرب في إتيانها بالإشارة إلى البعيد مكان الإشارة إلى القريب الحاضر.
ولتفصيل القول في ذلك ينقل الإمام الأكبر عن الرضي قوله: وُضِع اسم الإشارة للحضور والقرب لأنه للمشار إليه حساً، ويصحّ أن يشار به إلى الغائب فيصير الإتيان بلفظ البعد وارداً لأن المحكي عنه غائب، ويقلّ أن يذكر بلفظ الحاضر القريب. وكذا يجوز لك في الكلام المسموع عن قريب أن تشير إليه بلفظ الغيبة والبعد كما تقول: والله، وذلك قَسَم عظيم، لأن اللفظ زال سماعه فصار كالغائب،
стр. 463
ولكن الأغلب في هذا الإشارة بلفظ الحضور فتقول: وهذا قسم عظيم (١).
ولا يكتفي في هذا المقام بالاقتصار على مقالة الرضي، بل يرجع إلى ابن مالك في التسهيل ليحكي عنه تسويته بين الإتيان بالقريب والبعيد في الإشارة إلى كلام متقدم فيقول: وقد يتعاقبان - اسم القريب والبعيد - مشاراً بهما إلى ما ولياه من الكلام. ومثّله شارحه بقوله تعالى بعد قصة عيسى: ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾ (٢)، ثم قال: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ (٣)، فأشار مرة بالبعيد ومرة بالقريب، والمشار إليه واحد.
وفي المقارنة بين هذا الكلام وما تقدم من قول الرضي يقول الإمام: وكلام ابن مالك أَوفَى بالاستعمال، إذ لا يكاد يُحصر ما ورد من الاستعمالين. فدعوى الرضي قلة أن يذكر بلفظ الحاضر دعوى عريضة.
ثم يمضي بعد هذا إلى تثبيت حكمه والاستدلال عليه بقوله: وإذا كان كذلك كان حكم الإشارة إلى غائب غير حكم الإشارة إلى الكلام، في جواز الوجهين لكثرة كليهما أيضاً. ففي القرآن: ﴿فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ (٤)، فإذا كان الوجهان سواءً كان ذلك الاستعمال مجالاً لتسابق البلغاء ومراعاة مقتضيات الأحوال. ونحن قد رأيناهم يتخيّرون في مواقع الإتيان باسم الإشارة ما هو أشد مناسبة لذلك المقام. فدلّنا على أنَّهم يعرّفون مخاطبيهم
стр. 464
بأغراض لا قِبَل لتعرفها إلا إذا كان الاستعمال سواء في أصل اللغة، ليكون الترجيح لأحد الاستعمالين لا على معنى مثل زيادة التنبيه في اسم الإشارة البعيد كما هنا، وكما قال خُفاف ابن نَدبة:
أقول له، والرمح يأطر متنَه، ... تأمّل خُفافاً، إنّني أنا ذلك
ويجعلون من أسباب الإتيان بالقريب إظهار قلة الاكتراث، كما في قول قيس بن الخطيم من شعراء الحماسة:
متى يأتِ هذا الموتُ لا يلفِ حاجة ... لنفسيَ إلا قد قضيت قضاءها
وفي هذه الفقرة وما بعدها يجاوز المؤلف قولَه في إعراب الآية ونقولَه لمقالات النحاة، من أجل بيان المعنى المطلوب، إلى ذكر شتّى التصرّفات باسم الإشارة، تعليلاً لمقاصدها وبياناً لمحاملها. فيدعوه ذلك إلى الرجوع إلى قول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ ليبيّن ما انتهى إليه البحث من أن الإشارة في الآية كانت باستعمال اسم الإشارة للبعيد، لإظهار رفعة شأن هذا القرآن، بجعله بعيد المنزلة. وقارن هنا مرّة أخرى بين الاستعمال القرآني وما شاع في الكلام البليغ عند العرب من تمثيل الأمر الشريف بالشيء المرفوع في عزّة المنال. فالكتاب هنا، لمّا ذكر في مقام التحدّي، ولما تضمّنه من صدق معانيه ونفع إرشاده، بعيدٌ عمن يتناوله بهُجر القول كَقولهم: "افتراء" وقولهم: "أساطير الأولين". ولا يعارض هذا التأويل ورود الإشارة إلى الكتاب باسم الإشارة للحاضر القريب كما في قوله سبحانه: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا﴾ (٢)، لأن الإشارة
стр. 465
في الآيتين إلى كتاب بين يدي أهله، يرغِّبهم في العكوف عليه والاتعاظ به.
ويَعُود إثر هذا إلى الزمخشري مذكراً بأخذه بصنيع الرضي في التسوية بين الاستعمالين من عدم إرادة التنبيه على التعظيم أو الاعتبار في ذلك الكتاب. وقد جعل الإمام الأكبرُ السكاكي حَكَماً بين الزمخشري والرضي ومن خالفهما بقوله في مقتضيات تعريف المسند إليه بالإشارة: أو أن يقصد ببعده تعظيمه كما تقول، في مقام التعظيم: ذلك الفاضل وأولئك الفحول. وهذا مثل قوله : ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ ذهاباً إلى بعدِه درجةً (١).
وإذا تقرّر هذا عاد الشيخ إلى بيان وجه إعراب "الكتاب" تكميلاً للفائدة فيذكرُ في ذلك قولين:
الأول: يجوز أن يكون "الكتاب" بدلاً من اسم الإشارة لقصد بيان المشار إليه لعدم مشاهدته. فالتعريف فيه إذن للعهد ويكون الخبر هو "لا ريب فيه".
والثاني: يجوز أن يكون "الكتاب" خبراً عن اسم الإشارة، ويكون التعريف تعريفاً للجنس، فتفيد الجملة قصرَ حقيقة الكتاب على القرآن بسبب تعريف الجزأين. فهو إذن قصر ادعائي. ومعناه: ذلك هو الكتاب الجامع لصفات الكمال في جنس الكتب. وقد يعبر النحاة عن هذا التعريف باللام، في تعداد معانيها، بالدلالة على الكمال. وينحسر معنى القصر في الآية إلى معنى الإفادة الظاهرية للتعريف باللام والإشارة بذلك (٢).
стр. 466
٢ - البدل وعطف البيان
قال تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ (١).
من يقف على تفسير الإمام لهذه الجملة من آيات الفاتحة يطالعه منهج جديد في عرض قضايا العربية والمسائل النحوية. فإن اهتمام الشيخ بالجانب الأول ليؤكد كما في غير هذا الموضع من التحرير عنايته أيضاً بعلم المعاني وفنون التصرّف القولي. وإنّها لصلة وثيقة نبّه إليها العلماء من نحاة ورجال بلاغة لتقرير قواعدهم وتعليل أوجه التصرف في كلام العرب، بحسب ما حفظوه من قواعد وخلصوا إليه من معانٍ لدى وقوفهم عند أي لفظ أو تركيب من كلام الأوائل أو فحول الشعراء والكتّاب من الأدباء، ولا بدع إذا وجدنا هذا المزج بين الفنيْن عند تقرير أحكام اللغة العربية واستجلاء ما تدل عليه الاستعمالات والتصرفات من أفهام.
فلترتيب أحد الصراطين على الآخر، وللوفاء بمعنى الجملة، تناول الإمام عدة مسائل لها اتصال أساسي وأكيد بالموضوع، واستدل على ما ذهب إليه بما ذكره الأئمة من علماء العربية والبلاغة، مناقشاً بعض تصوّرات النحاة. ثم ختم حديثه بعد ذلك بالمقارنة بين الوجوه البلاغية في هذه الآية وغيرها من أشباهها ونظائرها. وذكر آراء النحاة للتوصل إلى إفادة المعاني المطلوبة مع تعليل أقوال العرب وتحريرها من أجل تصحيح المناهج والأساليب، وبيان ما يتولد عن ذلك من مزايا التصرّفات ودلالاتها.
стр. 467
بدأ الإمام أولاً بإعراب ﴿صِرَاطَ﴾ الثانية من الآية بكونها بدلاً أو عطف بيان من ﴿الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾. وتساءل إزاء هذا التصرف القولي في الآية: لِمَ كان مثل قولك: (اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم المستقيم) دون ما نطق به القرآن الكريم. ومعلوم أن الدعاء الذي علّمنا الله إياه يتأكّد ما صدقه بالأول، والثاني أو المستقيم ليس إلا وصفاً متمّماً له. وللإجابة عن هذا يذكر فائدتين للتصرّف القرآني يميِّزانه عن التأويل الذي ذكره بعضهم. وهو ما يقتضيه الترتيب المنطقي في نظرهم فيقول:
الفائدة الأولى من ورود الآية على هذا الوجه الذي انتظمته سورة الفاتحة، هي اعتبار أن المقصود من الطلب ابتداءً كون المهدى إليه وسيلة للنجاة واضحة وسهلة.
الفائدة الثانية هي تمكن معنى الصراط في نفوس المؤمنين فضلَ تمكن. وهذا ما يقتضيه في تصرفات الكلام الإجمالُ المعقَّبُ بالتفصيل.
وممّا يقوي هذا الوجه في التقدير حصولُ فائدة من التركيب مثل ما للتوكيد المعنوي، وإفادة هذا الأسلوب تقرير حقيقة هذا الصراط وتحقيقَ مفهومه في النفوس بما يحصل من ذكره مَرَّتين، فيشبه هذا التصرّف ما يحصل عن طريق التوكيد اللفظي.
وبعد هذه الفقرة المهمة النحوية البلاغية يعود بنا الشيخ ﵀ إلى بيان اختلاف المواقف بين النحاة. فإن بعضهم يفرق بين عطف البيان والبدل ويجعلهما متفاضلين، والفريق الثاني يجعلهما متساويين، وهو الأصح عنده، لكون عطف البيان في التحقيق ليس إلا اسماً لنوع من البدل، وهو البدل المطابق. ولتأكيد
стр. 468
ما ذهب إليه ينقل عن صاحب الكشاف قوله: "فإن قلت: ما فائدة البدل؟ قلت: فائدته التوكيد لما فيه من التثنية والتكرير". ويدل هذا على أن فائدة الإبدال أمران يرجعان إلى التوكيد، هما ما فيه من التثنية بتكرار اللفظ، وما يقتضيه التكرير عند النحاة من تكرار العامل.
ويخلص من هذا الموضوع إلى قضية بلاغية هي أن إعادة الاسم في البدل أو البيان تكون من أجل أن يبنى عليها ما يراد تعلقه بالاسم الأول. ويظهر هذا في مثل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ (١)، وقوله : ﴿رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا﴾ (٢). فإعادة فعل ﴿مَرُّوا﴾ وفعل ﴿أَغْوَيْنَاهُمْ﴾ وتعليق المتعلق بالفعل المعاد دون الفعل الأول تجد له من الروعة والبهجة ما لا تجده لتعليقه بالفعل الأول. فالإعادة في مثله ليست لمجرد التأكيد، لأنه زيد عليه ما تعلق به.
ولتأكيد وجهة النظر هذه نقل عن ابن جني في شرح مشكل الحماسة قوله عند رواية كلام الأحوص:
فإذا تزول تزول عن متخمِّط ... تخشى بوادرُه على الأقران
محال أن تقول: إذا قمتَ قمتَ، وإذا أقعد أقعد؛ لما اتصل بالفعل الثاني من حرف الجر المفادة منه الفائدة. وحكى مخالفة أبي علي الفارسي لهذا الرأي معلّلاً موقفه بقوله: فلعلّه امتنع في هذه الآية من اعتبار ﴿أَغْوَيْنَاهُمْ﴾ بدلاً من ﴿أَغْوَيْنَا﴾. وجعله استئنافاً وإن كان المآل واحداً (٣).
стр. 469
٣ - كاد: فعل مقاربة
قال تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ (١).
إمعاناً في تقرير القواعد النحوية والإعرابية والبيانية، وتوصلاً عن طريقها إلى كشف المراد من الآية، بدأ صاحب التحرير والتنوير بالكلام على جملة "فذبحوها" وإن سكت عن ذلك أكثر المفسرين. فنبّه إلى أنّها مبدوءة بحرف الفاء العاطفة، وأن المعطوف عليه هنا مقدّر لدلالة المقام عليه، وهو: فوجدوها أو فظفروا بها. وقد أثار التنبيهُ إلى ذلك قضيتين: الأولى معنى الفاء، والثانية ذكر نوع الإيجاز الذي اتسمت به الجملة.
أما الفاء فهي فاء الفصيحة عند الشيخ، كما يقول النحاة، لإقامة المعطوف بها في الموقع محلَّ المعطوف عليه، ولأن فاء الفصيحة هي التي أفصحت عن مقدر مطلقاً.
وأما الاختصار في الجملة الحاصل بإهمال ذكر المعطوف عليه فلغناء المعطوف عنه. فهو من قبيل إيجاز الحذف الاقتصاري.
ومن هذه الجملة ينتقل إلى الثانية التي تليها، وهي ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾. فيقف عندها طويلًا للإشارة إلى جملة قضايا تتعلّق بها. ويتحدث عن استعمالات وتصاريف تعددت، واختلفت بحسب تعدّدها. فأفادت الآية جملة من الأغراض، مثل تعريضِها باليهود في سوء تلقّيهم الشريعة، تارةً بالإعراض والتفريط، وأخرى بكثرة التوقّف والإفراط، وتضمُّنِها تعليم المسلمين أصول التفقّه في الشريعة بالأخذ بالأوصاف المؤثرة في مقام التشريع دون الأوصاف الطردية، ونهي
стр. 470
رسول الله ﷺ عن كثرة السؤال كما دلت على ذلك الشواهد من كلام ابن عباس ورواية أبي هريرة وغيره مما أسرف فيه المخاطَبون بذبح البقرة وجادلوا به نبيهم.
والذي يعنينا في المقام الأول هو التأمل في قوله جل وعلا: ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ وإعرابُه، وتفصيلُ القول فيه من جوانب كثيرة.
ولقد استقر رأي الإمام أولاً على إعراب هذه الجملة حالاً أو كلاماً مستأنفاً. والاحتمال الأول - كما قال - أظهر. فهو أشد ربطاً للجملة. ويكون المعنى: ذبحوها في حال تَقْرُب من حال مَن لا يفعل، أي ذبحوها مكرَهين أو كالمكرهين لما أظهروه من المماطلة والتردّد. فيكون وقتُ الذبح ووقتُ الاتصاف بمقاربة انتفائه وقتاً متحداً اتحاداً عرفياً، يعني أن مماطلتهم وتمنُّعهم قارن أولَ أزمنة الذبح.
وأما حمل الجملة على الاستئناف فباعتبار اختلاف الزمنين. أي فذبحوها عند ذلك، أي عند إتمام الصفات، وكان شأنهم قبل ذلك شأن من لم يقارب أن يفعل.
أما معنى المقاربة التي يدل عليها لفظ كاد ونفيها بالأداة (ما)، فقد توقّفوا في توجيهه وتقريره. وقالوا: هو يقتضي بحسب الوضع اللغوي نفي مدلولِ (كاد) وهو المقاربة، ونفيُ مقاربة الفعل يقتضي عدم وقوعه بالأولى.
وقد أشكل هذا التأويل، وقيل: أنّى يجتمع ذلك مع وقوع ذبحها بقوله: ﴿فَذَبَحُوهَا﴾؟
وللجواب عن هذا طريقان:
إما على وجه اعتبار الجملة استئنافاً، فيكون المعنى أن نفي
стр. 471
مقاربة الفعل كان قبل الذبح حين كرّروا السؤال وأظهروا المطال، ثم وقع الذبح بعد ذلك. وبهذا الوجه أخذت جماعة اعتبرت كأن الفعل وهو الذبح وقع فجأة بعد أن كانوا بمعزل عنه. وهو بعيد إذا جعل الواو للاستئناف.
وإما على تقدير اختلاف أئمة العربية في مفاد (كاد) المنفية في نحو: ما كاد يفعل. والآراء في هذا متعددة تحتاج إلى بيان ومقارنة.
١ - ذهب الزجاجي إلى أن نفيها يدل على نفي مقاربة الفعل. وفي هذا القول وقوف مع قياس الوضع، وهو دليل على انتفاء وقوع الفعل بالأولى. فيكون إثبات ﴿كَادَ﴾ نفياً لوقوع الخبر كما في قولك: كاد يقوم، ويكون نفيها نفياً للفعل بطريق فحوى الخطاب. وما ورد مما يوهم خلاف ذلك مؤول بأنه باعتبار وقتين فيكون بمنزلة كلامين. ومعتمد هذه الآية: فذبحوها الآن وما كادوا يفعلون قبل ذلك. وهذا جار في كلام العرب، فربما جعلوا الجمع بين خبرين متنافيين في الصورة قرينة على قصد زمنين. وبهذا قال ابن مالك في الكافية:
وبثُبوت كاد يُنفى الخَبَرُ ... وحين تُنفى (كاد) ذاك أجدرُ
قدْ (كدتَ) تصبو منتفٍ فيه الصَّبَا ... و (لم يكد يصبو) كمثل (إن صَبَا)
وغيرُ ذَا على كلامين يرد ... كـ (ولدت هند وكادت لم تلد) (١)
٢ - وقال نحاة آخرون: إن إثبات (كاد) يستلزم نفي الخبر، وإن نفيها يصير إثباتاً على خلاف القياس. وهذا اتجاه معلوم ومشهور بين أهل الإعراب. وقد ألغز فيه المعرّي بقوله:
стр. 472
أنحويَّ هذا العصر ما هي لفظة ... أتت في لسانَيْ جُرْهم وثمود؟
إذا استعملت في صورة الجَحد أثبتت ... وإن أَثبتت قامت مقام جحود
وقد حملوا على هذا قول الله تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ واعتُبِر هذا من غرائب الاستعمال الجاري على خلاف الوضع اللغوي.
وتذييلاً لهذا الوجه من التأويل أورد الإمام ما حكاه الأدباء والنقاد من خلاف بين ابن شُبرمة وذي الرّمة. أورد ذلك الجرجاني في إعجازه (١) والبغدادي في خزانته (٢). قالا: أنشد ذو الرمة، وهو من هو جزالة وإبداعاً في شعره، من قصيدة له قوله:
إذا غيّر النأيُ المحبِّين لم يكد ... رسيسُ الهوى من حبّ ميّةَ يبرحُ
وكان في المجلس ابن شُبرمة فناداه معترضاً: يا غيلان أراه قد بَرِح. فشنق ذو الرمة ناقته وجعل يتأخّر بها ويفكّر. ثم قال: "لم أجد" عوض "لم أكد". وحكى عنبسة العنسي ما سمعه ورآه في هذا المجلس لأبيه. فقال والده: أخطأ ابن شبرمة حين أنكر على ذي الرمّة، وأخطأ ذو الرمّة حين غيّر لقوله شعره. وإنما هذا كقول الله تعالى: ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ (٣)، وإنما هو لم يرها ولم يكد.
٣ - وقال ابن جني: إن أصل (كاد) أن يكون نفيها لنفي الفعل بالأولى كما قال الجمهور، ولكنه يمكن أن يستعمل نفيها للدلالة على وقوع الفعل بعد بطء وجهد، أو بعد أن كان بعيداً في الظن. وبمثل
стр. 473
هذا قال عبد القاهر. وأشار إلى أن ذلك استعمال جرى به العرف. يريد أنه من قبيل المجاز التمثيلي بأن تشبه حالةُ مَن فَعل الأمر بعد عناء بحالة من بعُد عن الفعل. وقال ابن مالك في التسهيل: وتنفي (كاد) إعلاماً بوقوع الفعل عسيراً أو بعدمه وعدم مقاربته.
٤ - وقال آخرون: إنّ (كادَ) إن نفيت بصيغة المضارع فهي لنفي المقاربة، وإن نفيت بصيغة الماضي فهي للإثبات، وشُبهتهم أنها جاءت كذلك في قوله سبحانه: ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ ونفي الفعل الماضي لا يستلزم الاستمرار إلى زمن الحال بخلاف المضارع.
٥ - وزعم آخرون أن أصل (ما كاد يفعل) (كاد ما يفعل)، وأن هذا من القلب الشائع.
ويمضي صاحب التحرير بعد ذكر هذه الأوجه الخمسة من أقوال اللغويين والنحاة، وتفصيل القول فيها وتأكيدها بما أقامه من شواهد وساقه من أمثلة، إلى المقارنة بينها والقول بأن أحقها عنده هو المذهب الثاني الذي رمز له المعرّي. وهو أنَّ نفيَها في معنى الإثبات. فإنّهم لما وجدوها في حالة الإثبات مفيدة للنفي جعلوا نفيها بالعكس كما فعلوا في (لو) و (لولا). ودليله على هذا مواضع استعمال نفيها، فإنك تجد جميعها بمعنى مقاربة النفي لا نفي المقاربة. ولعل ذلك من قبيل القلب المطّرد، فيكون قولهم: ما كاد يفعل، ولم يكد يفعل، بمعنى: كاد ما يفعل.
وقد ردّ، بعد هذا الضبط اللغوي للاستعمال، والتحقيق النحوي في المسألة، مقالةَ ابن مالك في التسهيل، ودعوى المجاز التي أشار إليها الجرجاني قائلاً: وإن ممّا يضعف ذلك اطراد هذا الاستعمال
стр. 474
حتى في آية: ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ (١) فإن الواقف في الظلام إذا مد يده يراها بعناء، وآية: ﴿وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ (٢)، وقول تأبط شراً:
فأُبت إلى فهم وما كنت آيباً ... وكم مثلَها فارقت وهي تصفر (٣)
وعلى هذا النحو من التطبيق للقواعد، والاستنتاج للمعاني، والإبداع والدقة في تحرير القول في كل قضايا اللغة والعربية والبلاغة، يمضي الشيخ في تفصيله القولَ بلفت الأنظار إلى دقائق الاستعمال، كما عرض لذلك عند حديثه عن أصل "الاسم" واشتقاقه، و"العالَم"، و"الصراط"، أو في بيانه لتقديم الأهمية العارضة على الأهمية الأصلية واستعارة (المستقيم)، وقوله في تفسير: المغضوب عليهم.
* * *
أمثلة في الاشتقاق والبلاغة والاستعمال والأسلوب:
١ - الاسم
ذكر الإمام هذا اللفظ "الاسم" في "البسملة" قبل تفسير "الفاتحة". ولتفصيل القول في ذلك سلك مسلكاً بيّن فيه آراء النحاة واللغويين المتقدِّمين. افتتح كلامه بتعريف الاسم قائلاً: هو لفظ جُعل دالاً على ذات حسّية أو معنوية بشخصها أو نوعها. ثم قسّم حديثه إلى جملة أغراض منها بيانُه اشتقاقَ هذه الكلمة، والتنبيهُ على أصلها عند البصريين والكوفيين، مشيراً إلى تصريفها واشتقاقها، ومعقّباً على هذا بمناقشة قول ابن يعيش في صيغة سمًى، مُورداً على إثره زعم ابن حزم في كتاب المِلل والنِحل أن لفظ "اسم" جامد غير مشتق.
стр. 475
ففي ضبط رأي البصريين يقول: إن لفظ "اسم" مشتق من السُّمُو. وصف به مدلوله لاقترانه بالدلالة على العلمية. فالاسم في كلام العرب هو العلم، ولا توضع الأعلام إلا لشيء مهتم به. وفي هذا اعتداد بالأصل والغالب. وربما وضعوا الأعلام لغير ما يهتم به كفجار، عَلَمٌ للفجرة.
وأصل صيغة "اسم" عندهم من الناقص الواوي. وهو إما سِمْو كحِمل، وإما سُمْو كقُفل. ولم تعامل هذه الكلمة معاملة قاضٍ في الإعراب، وإن كانت هذه من الناقص اليائي، وجرى إعرابها مقدراً على الحرف المحذوف، أو لكثرة الاستعمال. وإنما كان إعرابها على الحرف الباقي في الكلمة ساكناً بعد حذف اللام للتخفيف، فنقلوا سكونه للمتحرك قبله وهو أول الكلمة، وجعلوا همزة الوصل للنطق بالساكن. وباجتلاب الهمزة هذه قضوا غرضاً ثانياً هو عودة الكلمة إلى صيغة الثلاثي، احترازاً من بعض الثقل الحاصل في الكلمة الباقية على حرفين كـ (يد) و (دم).
ومن الدلائل الثابتة عندهم على كون الاسم في الأصل ناقصاً ورود تصاريفه الكثيرة كاشفة عن ذلك الأصل مثل جمعه على أسماء أفعَال، وجمعه على أسامي أفاعيل وهي جمع الجمع، وتصغيره على سمي، وأن الفعل منه سَمَّيت. وقد ورد في كلام العرب سُمًى كهدى على فُعَل كرطب، وانقلبت الواو المتحركة فيه ألفاً إثر الفتحة. وعلى هذا قول الراجز:
والله أسماك سُمًى مباركا ... آثرك الله به إيثاركا
ونازع ابن يعيش في هذا الوجه الأخير. وقال: لا حجة له في بيت الراجز لاحتمال كونه لغة مَن قال: سُم، والنصب فيه نصب
стр. 476
إعراب لا نصب حذف. وبمقابلة الرأيين في هذه الصيغة يخلص الشيخ من المقارنة بينهما إلى القول بأن الكتابة لا تتعلق بها الرواية. فلعل الذين كتبوه بالميم هم الذين ظنوه مقصوراً، على أن قياسها الكتابة بالألف مطلقاً لأنه واوي إلا إذا أريد عدم التباس الألف بألف النصب.
وبعد تقرير مذهب البصريين وبيان رأيهم في اشتقاق كلمة (اسم)، ذكر أن الكوفيين يجعلون أصل الكلمة (وسَم) لأنه من السِّمة وهي العلامة. حذفت الواو، وعوض عنها بهمزة الوصل ليبقى اللفظ على ثلاثة أحرف. وهذا بخلاف ما جرى عليه الجمهور من أن همزة الوصل لم يعهد دخولها على ما حذف صدره. وكان القول الفصل بين المذهبين قول الإمام الأكبر: رأي البصريين أرجح من ناحية تصاريف هذا اللفظ. ورأي الكوفيين أرجح من جانب الاشتقاق دون التصريف. وبعد التذكير بجملة من القواعد كالتي يعرف بها الزائد من الحروف من الأصلي، يذكر رأي ابن حزم المخالف لما عليه البصريون والكوفيون جميعاً، إذ يدَّعي أن كلا القولين استعمله النحاة، ولم يصح عن العرب، وأن لفظ اسم غير مشتق بل هو جامد (١).
* * *
٢ - العالَم
بدأ الإمام ببيان قول الله تعالى: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قائلاً: إن (العالمين) جمع عالَم. وحكى أنه لم يجمع فاعل هذا الجمع إلا في لفظين (عالَم) (وياسَم) اسم للزهر المعروف بالياسمين. ورد جمعه على ياسمون وياسمين. قال الأعشى:
وقابَلَنا الجُلُّ والياسَمُـ ... ـونُ والمُسْمِعاتُ وقصَّابُها
стр. 477
وعرف بأنه الجنس من أجناس الموجودات. وقال في تحديد وزنه: إنه على وزن فاعَل مشتقاً من العلم أو العلامة، لأن كل جنس له تميّز عن غيره فهو له علامة، أو هو سبب العلم به فلا يختلط بغيره. وهذا البناء مختص بالدلالة على الآلة غالباً كخاتَم وقالَب وطابع. وقالوا: مِنَ العوالم لكونها كالآلة للعلم بالصانع أو العلم بالحقائق. فبنوا اسم جنس الحوادث على وزن فاعَل، وأبدَعوا إذ جمعوه جمع العقلاء مع أن فيه ما ليس بعاقل تغليباً للعاقل.
وبإثر ما ساقه من التعريف استشهد بقول التفتازاني في شرح الكشاف ليزداد الناس إدراكاً وتصوّراً لمدلول هذه الصيغة لغوياً فقال: العالم اسم لذوي العلم ولكل جنس يعلم به الخالق. يقال: عالم الملك، وعالم الإنسان، وعالم النبات. وليس هو اسماً لمجموع ما سواه تعالى. وهذا هو تحقيق اللغة. فإنه لا يوجد في كلام العرب إطلاق عالَم على مجموع ما سوى الله تعالى، وإنما أطلقه على هذا علماء الكلام اصطلاحاً لهم، فقالوا: العالم حادث.
ومن يتأمّل كلمة عالَم مقترنة بأل يدرك أن التعريف فيها للاستغراق. فإنه إذا لم يكن عهدٌ خارجي، ولم يكن معنى للحمل على الحقيقة، ولا على المعهود الذهني، تمحّض التعريف للاستغراق لجميع الأفراد دفعاً للتحكّم. فاستغراقه استغراق الأجناس الصادق هو عليها لا محالة. لذلك قال الزمخشري: "ليشمل كل جنس مما سُمّي به".
وقرر ابن عاشور، تكملة للمراد من العالمين، بأن استغراق الأجناس يستلزم استغراق أفرادها استلزاماً واضحاً، إذ الأجناس لا تقصد لذاتها، لا سيما في مقام الحكم بالمربوبية عليها، فإنه لا معنى لمربوبية الحقائق.
ثم ينتقل، بعد التعريف لكلمة (العالم)، والحديث عن أل
стр. 478
الاستغراقية، إلى أن المراد في الأصل من التعريف العهد أو الجنس. فجاء الجمع تنصيصاً على الاستغراق. وتلك سنة الجموع مع أل هذه على التحقيق. وهكذا تصير الجمعية قرينة على الاستغراق وبطل منها معنى الجماعات، ويصبح استغراق الجموع مساوياً لاستغراق المفردات أو أشمل منه، خلافاً لما ذهب إليه السكاكي (١).
وصرّح الإمام في مقام آخر بتحقّق ذلك فقال: والذي ينبغي اعتماده أن استغراق المفرد والجمع في المعرّف باللام وفي المنفي بلاء التبرئة سواء. وإنما يختلف تعبير أهل اللسان مرّة بصيغة الإفراد، ومرّة بصيغة الجمع، تبعاً لحكاية الصورة المستحضرة في ذهن المتكلم والمناسبة لمقام الكلام.
* * *
٣ - الصراط
بالوقوف على تفسير قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ نجد الإمام في تحرير كلمة الصراط يتحدث أولاً عن تعريفها وعن مادتها ووجوه قراءتها قائلاً:
الصراط: الطريق. وهو مستعار هنا لمعنى الحق الذي يبلغ به مدركه إلى الفوز برضاء الله. وهو بالصاد وبالسين. قرىء بهما في المشهورة. ونطق به جمهور العرب بالسين، إلا أهل الحجاز فإنهم نطقوا به صاداً مبدلة من السين قصد التخفيف في الانتقال من السين، إلى الراء ثم إلى الطاء. وهذا سبق إليه أهل اللسان ودارسو اللهجات والأصوات عند العرب.
وفي تعليل هذا الإبدال في لغة الحجازيين يقول الجعبري كما
стр. 479
في لطائف الإشارات: "إنهم يفعلون ذلك في كل سين بعدها غين أو خاء أو قاف أو طاء. وإنما قلبوه هنا صاداً لتطابق الطاء في الإطباق والاستعلاء والتفخّم مع الراء، استثقالاً للانتقال من سفل إلى علو".
وأشار بعد هذا إلى الاختلاف في كلمة صراط، أهي عربية أم معربة؟ وصرّح بأن أهل اللغة لم يقل أحد منهم إنها معربة. والذي ورد في الإتقان عن النقاش وابن الجوزي أن معناها بلغة الروم: الطريق. ولكن أبا حاتم ذكرها في كتاب الزينة له وقال: هي معربة. واعتمد ذلك السيوطي فزادها في منظومته في المعرّب (١).
ولئن كانت الأمثلة والنماذج التي قدمناها حتى الآن تصوّر مدى اهتمام الإمام الأكبر بأحكام اللغة وقوانين العربية، وأنه مع التمكن منها والعناية بها، قد استخدمها أبدع استخدام في الكشف عن المعاني والأغراض، معتمداً في هذا كله الضبط والدقة، فإن ما نشير إليه من عيّنات يجعلنا نلمس الوجه الآخر البديع المتمثل في مؤدّى التعابير والصيغ والتصرّفات القوليّة لنلمس الملامح الجمالية والإبداعية التي تشهد لها علوم البلاغة وأسرار العربية. ولا نمضي في طلب ذلك بعيداً. فالقرآن الكريم مادة لا تنضب، ولا تغيض محاسنه ولا روائع فن القول فيه.
وبالوقوف مرّة أخرى على ما جاء في بداية التحرير والتنوير عند الجملة الأولى من الفاتحة: الحمد لله، ووصفه سبحانه للصراط بالمستقيم، وحديثه عن الغضب في المغضوب عليهم، نطمع أن نستجلي أعمق المعاني معتمدين على الجوانب الفنية الإبداعية، والتصرفات البلاغية القولية.
стр. 480
ثلاث ملاحظات:
١ - تقديم الأهميّة العارضة على الأهميّة الأصلية في ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾
أثار هذا البناء للآية تساؤلاً لدى علماء البلاغة وأهل اللسان، عن موجب صرف الاهتمام بالحمد وإلى الحمد أولاً، مع أن ذكر اسم الجلالة أهم وأولى بالاهتمام وبالتقديم بلا منازع.
استشعر الإمام بحسّه المرهف وحُسن ذوقه هذا التساؤل فأجاب عنه بكلام مفصّل تناول ثلاثة جوانب:
الأول منها: أن الفاتحة أم الكتاب، الجامعة لمعانيه، والمقدّمة لما أنزله الله من الوحي في القرآن العظيم. تقع منها وفي بدايتها هذه الجملة ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ في مقام اقتران الحمد بما أنعم به الله على عباده من آلاء، أجلّها وأولاها بالشكر هذا الكتاب، المصدّق لما بين يديه والمهيمن عليه، والذي جعله الله هدى وبينات للناس. فالحال حال حمد. وهذا مقامه. ومراعاة الحال والمقام مقتضية بل مُفضية بدون شك إلى ذكر الحمد أولاً. وتلك حقيقة البلاغة، وما ينبغي أن يَلتزِم بمراعاته المتكلمُ البليغ.
والثاني: بيان هذه النعمة الجليلة، نعمة تنزيل القرآن الذي فيه نجاح الدارين. وذلك ما يجعلها منّة من أكبر ما يحمد الله عليه من جلائل صفات الكمال، خصوصاً وقد أنزل هذا الكتاب متميّزاً بما تضمّنه واحتواه من كمال اللفظ والمعنى والغاية، وجعله متبادراً إلى الذهن عند ابتداء سماعه أو ابتداء تلاوته، مذكراً بما لمنزله تعالى من الصفات العليّة المستوجبة للشكر والمنبّهة إلى وجوب الحمد.
فذلك ما دعا أولاً إلى تقديم الحمد غير ملابس لما يوذن
стр. 481
بتأخيره لمنافاة ذلك للاهتمام به، وثانياً لأن الاهتمام به تأتَّى باعتَبار الاهتمام بتقديمه على ذكر اسم الله، اعتداداً بأهمية الحمد العارضة في المقام، وإن كان ذكر الله في نفسه أهم.
والثالث: جريان العرب في أسلوبها، وعلماء البلاغة في تقريراتهم وتعليلاتهم، على تقديم الأهمية العارضة على الأهمية الأصلية، لأنها أمر يقتضيه المقام والحال، والآخر يقتضيه الواقع، ولأن ما كان الاهتمام به لعارض هو المحتاج للتنبيه على عارضه، إذ قد يخفى، بخلاف الأمر المعروف المقرر، فلا فائدة في التنبيه عليه بل ولا يُفيته التنبيه على غيره.
وقد عقّب هذا التقرير بأن واقع الجملة لا يساعده عليه. وإلا فكيف يصحّ أن يكون تقديم الحمد، وهو مبتدأ، مؤذناً بالاهتمام مع أنه الأصل، وشأن التقديم المفيد للاهتمام هو تقديم ما حَقّه التأخير. والجواب عن هذا أن معنى تقديمه هو قصد المتكلم للإتيان به مقدَّماً مع إمكان الإتيان به مؤخرًا، إذ قد ورد الوجهان ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ كما في الفاتحة، و ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ﴾ كما في الجاثية (١).
* * *
٢ - المستقيم
قال تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (٢).
جاء في التحرير والتنوير تفسير المستقيم بالحق البيّن الذي لا تخلطه شبهة الباطل. فهو كالطريق الذي لا تتخلله ثنيات. ولبيان
стр. 482
الأصل في ذلك يقول: المستقيم اسم فاعل من استقام مطاوع قوّمته فاستقام. والمستقيم الذي لا عوج فيه ولا تعاريج. وأحسن الطرق الذي يكون مستقيماً وهو الجادة، لأنه باستقامته يكون أقرب إلى المكان المقصود من غيره، فلا يضل سالكه ولا يتردّد ولا يتحيّر. وفي هذا مقارنة للفظ مستعملٍ في حقيقته ومجازه. فالمستقيم في الآية مستعار للحق الذي بينا. قال ابن عباس: إن الصراط المستقيم دين الحق، ونقل عنه: أنه ملّة الإسلام. فكلامه يفسّر بعضه بعضاً. ونفى الشيخ أن يكون المراد أنهم لقّنوا الدعاء بطلب الهداية إلى دين مضى، وإن كانت الأديان الإلهية كلها صُرطاً مستقيمة.
ويحصر المؤلف هنا معنى الصراط المستقيم، فينبّه إلى أن التعريف فيه للعهد الذهني. فقد سألوا الهداية لهذا الجنس في ضمن فرد، وهو الفرد المنحصر في الاستقامة، لأن الاستقامة لا تتعدد. قال تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ (١).
وقد يوجه هذا التفسير بحصول الهداية إلى الإسلام، وإنما علَّمهم الله هذا الدعاء لإظهار منّته. وهداهم سبحانه بما سبق من القرآن قبل نزول الفاتحة، ويهديهم بما لحق من القرآن والإرشاد النبوي بعد ذلك. وورد إطلاق الصراط المستقيم في القرآن على هذا الدين في قوله : ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٢)، والهداية إلى الإسلام لا تقصر على ابتداء اتّباعه وتقلّده، بل هي مستمرة باستمرار تشريعاته وأحكامه بالنص وبالاستنباط. فيكون المراد عند الإمام من الصراط المستقيم: المعارف الصالحات كلها من اعتقاد وعمل، بأن يوفّقهم تعالى إلى الحق، وإلى التمييز بينه
стр. 483
وبين الضلال، على مقادير استعداد النفوس، وسعة مجال العقول النيرة والأفعال الصالحة، بحيث لا يعتريهم زيغ ولا شبهات في دينهم.
وختم قوله هذا بالتأكيد والاستدلال. قال: وهذا أولى ليكون الدعاء طلب تحصيل ما ليس بحاصل وقت الطلب، وأن المرء بحاجة إلى هذه الهداية في جميع شؤونه كلَّها، حتى في الدوام على ما هو متلبس به من الخير للوقاية من التقصير فيه أو الزيغ عنه (١).
* * *
٣ - الغضب في قوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ (٢)
أورد الشارح هنا كلاماً طويلاً في تفسير الغضب تعرض فيه إلى مراتبه وأنواعه وحُكمه. والذي يعنينا هنا أن الغضب، كما جاء في صدر الكلام عن ذلك في قوله: ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ متعلّقه وهو غضب الله. ولا سبيل للتوصل إلى فهم ذلك إلا بالرجوع إلى مختلف الدلالات التي يمكن حمله عليها. فحقيقة الغضب المعروف بين الناس هو كيفيةٌ تَعْرِضُ للنفس تَتْبَعها حركة الروح إلى الخارج وثورانها فتطلب الانتقام. فالكيفية سبب لطلب الانتقام، وطلب الانتقام سبب لحصوله. وليس هو من لوازم ماهية الغضب بحيث لا ينفك عنه. ولكنه قد يكون من آثاره.
ويمضي الشيخ بعد ذلك في بيان أسباب الغضب وما يترتّب عليه من آثار عند الناس بقوله: والغضب كيفية للنفس تعرض من
стр. 484
حصول ما لا يلائمها، فتترتّب عليه كراهية الفعل المغضوب منه وكراهية فاعله. ويلازمه الإعراض عن المغضوب عليه، ومعاملته بالعنف وبقطع الإحسان وبالأذى. وربما أفضى ذلك كما قدمنا إلى طلب الانتقام منه. فيختلف الحد الذي يثور عنه الغضب في النفس، باختلاف مراتب احتمال النفوس للمنافرات، واختلاف العادات في اعتبار أسبابه. ولما كانت هذه الحقيقة لا تليق بمقام الألوهية، ويستحيل اتصاف الله بها وإسنادها إليه، للأدلة القطعية الناطقة بتنزيهه سبحانه عن المتغيّرات الذاتية والعرَضية، ويكون على المسلم الوقوف عند حدود النص الوارد في ذلك من الكتاب أو السنة. وسبيل ذلك عند أهل العلم والنظر صرفُ اللفظ إلى المجاز بعلاقة اللزوم، أو إلى الكناية باللفظ عن لازم معناه. فالذي يكون صفةً لله من معنى الغضب هو لازمه، وهو العقاب والإهانة يوم الجزاء، واللعنة أي الإبعاد عن أهل الدين والصلاح في الدنيا، إذ هو من قبيل التمثيلية.
وتعليقاً على إيراد هذا التفسير لغضب الله يقف الإمام بين طريقتين، طريقة السلف في ذلك، وطريقة مَن جاء بعدهم من أهل العلم قائلاً:
كان السلف في القرن الأول ومنتصف القرن الثاني يمسكون عن تأويل هذه المتشابهات لما رأوا في ذلك الإمساك من مصلحة الاشتغال بإقامة الأعمال التي هي مراد الشرع من الناس.
ولما نشأ النظر في العلم وطلب معرفة حقائق الأشياء، وحدثَ قول الناس بمعاني الدين بما لا يلائم الحق، لم يجد أهل العلم بداً من توسيع أسباب التأويل الصحيح لإفهام المسلم وكبت الملحد. فقام الدين بصنيعهم على قواعده، وتميّز المخلص له عن ماكره
стр. 485
وجاحده. وكل، فيما صنعوا، على هدى، وبعد البيان لا يرجع إلى الإجمال أبداً، وما تأوّلوه إلا بما هو معروف في لسان العرب، مفهوم لأهله.
وهكذا يوازن بين الاتجاهين المتقدمين: اتجاه أهل السلف واتجاه أهل النظر، مراعياً تطوّر الظروف والأحوال بين العصور، ومظهراً تقديره للمنهجين لما قاما عليه من أسباب، وهَدَفا إليه من غايات. ولتفصيل العقاب الذي يقتضيه غضب الله على المنحرفين والضالين يقول:
فغضب الله تعالى على العموم يرجع إلى معاملته للحائدين عن هديه، العاصين لأوامره، ويترتّب عليه الانتقام. وهو مراتب أقصاها عقاب المشركين والمنافقين بالخلود في الدرك الأسفل من النار (١).
تلك موضوعات ومباحث في اللغة وعلوم العربية وأسرارها تناولها قلم الإمام الأكبر، تَسنده معرفة كاملة باللغة وتصاريفها وأساليب الإبداع والإمتاع فيها، وعلمٌ غزير بأعمق وأدق وأكمل ما كتب في هذه الأغراض، من مؤلفات ودراسَات في القديم والحديث، وإحاطةٌ بمختلف العلوم، وتمرّس بفنون القول يضمّان الشواهد إلى القواعد، وتستجلى عن طريقيهما من تراثنا العلمي والأدبي كل ما فيه برهان على تقدمنا، وسبب للمفاخرة بأجود ما عندنا، وعناية بما جمعه وأبرزه الأشياخ من نصوص وفصوص وروائع وفرائد.
وقد كان قلم الإمام شاهداً بما صدر له وعنه، مع دلالة على ذوق صاحبه وحسه الفني اللذين هذبتهما الممارسة الطويلة،
стр. 486
وشحذتهما الأعمال الجليلة، العلمية والأدبية، مثل كتبه ورسائله وخطبه وتحريراته ونثره ونظمه.
وقد كانت نظرتنا لهذا كله من خلال تفسيره الذي جلبنا منه بعض ما يمكن الاستشهاد به لأغراضنا في تصوير اشتغاله واهتمامه بالعربية لغة وعلماً وأدباً، مثلما هو متوافر في تآليفه الأخرى كشروحه للقصائد والدواوين الشعرية، أو نقده للكتب والمقالات من تراثية ومعاصرة. وقد كان وقوفنا عند ما ذكرناه من نصوص تفسيره عن غير قصد وبدون تخيّر، لمزيد من الاهتمام بالتحرير، والكشف عن غزارة مادته وعميق علمه.
لذلك يكون علينا أن نُتبع ما وصفناه من تآليفه حتى الآن بالحديث عن كتبه ومقالاته: مما هو منشور يمكن الوقوف عليه، وما هو مخطوط يحمِل على العناية به وتحقيقه وإخراجه للناس.
* * *
من تآليف الإمام في اللغة:
ففي مجال اللغة نذكر له كتاباً واحداً وست مقالات، وفي علم العربية كتاباً من تحقيقه، وفي علوم البلاغة أربعة كتب ومقالتين. وتفصيل ذلك كالآتي. ففي اللغة كتاب:
١ - شرح الاقتضاب
الكتاب الوحيد الذي عُني فيه بمادة اللغة هو كتابُ الاقتضاب لابن السِّيد البطليوسي. وضعه صاحبه شرحاً على أدب الكاتب لابن قتيبة. ولأهمية هذا الكتاب وشرحه قام مؤلفنا بتصحيحه وتحقيقه والتعليق عليه. ولا بدع في ذلك فقد كان الإمام مولعاً بالأمهات، مقبلاً عليها، ناظراً فيها، ناقداً لها. فكتاب ابن قتيبة أدب الكاتب
стр. 487
يعد أصلاً من الأصول الأربعة في كُتب الأدب. ذكره ابن خلدون مع الكامل للمبرد، والبيان والتبيين للجاحظ، والأمالي لأبي علي القالي.
ونحن وإن حُرمْنا الوقوف عليه، رغم ذكره في مخطوطات الشيخ وما نسب إليه من التآليف، نقدّر أن الإمام وضعه مجارياً للمؤلف والشارح، وكلاهما من أئمة اللغة، مريداً بذلك التحليق في أجوائهما، والضبط لما أتيا به من تحقيقات لغوية ونكت بلاغية وأخبار وأشعار، كانت بدون شك في حاجة لهذه العناية، ومحل درس ونظر من طرفه. ولا بدع أن يقوم الشيخ ابن عاشور بهذا العمل الدقيق الجيد.
وكلنا يعلم أن أدب الكاتب لابن قتيبة لم يكن سوى خطبة بلا كتاب، لطول خطبته، مع أنه قد حوى كل شيء، كما ذكر صاحب كشف الظنون.
وأن شرح البطليوسي له كان شرحاً مفيداً جيداً، قام فيه صاحبه في الجزء الأول منه بتفسير الخطبة وذكر أصناف الكُتَّاب ومراتبهم، وجُلَّ ما يحتاجون إليه في صناعتهم.
وتحدث في الجزء الثاني منه على ما كان يحفل به من نكت.
وتعرض في القسم الثالث للتنبيه على ما حصل في كلام ابن قتيبة من غلط، متولياً في الوقت نفسه شرح أبياته وشواهده. وعلى هذا المنهج الذي التزم به الإمام في كتبه وتحقيقاته كان عمله في تحقيق الاقتضاب بياناً وتعقيباً واستدراكاً.
* * *
ومن وراء ذلك ظفرنا بخمس مقالات؛ واحدة منها:
стр. 488
٢ - غرائب الاستعمال
وهذه دون شك في اللغة، أو في اشتقاقاتها وأساليبها. لم نقف عليها. ذكرها حفيده د. محمد العزيز ابن عاشور في ترجمته (١).
* * *
٣ - اللفظ المشترك
اللفظ المشترك مقالة نشرتها له مجلة الهداية الإسلامية بالقاهرة في مجلدها السادس. وهذه المقالة تنظر في موضوعها إلى ما جاء في المقدمة التاسعة من التحرير والتنوير من استعمال اللفظ المشترك في معنييه أو معانيه دفعة، واستعمال اللفظ في معناه الحقيقي ومعناه المجازي معاً، وإرادة المعاني المكنَّى به عنها مع المعاني المصرّح بها، وإرادة المعاني المستتبعات من التراكيب المستتبعة. وقد بحث هذا الموضوع اللغوي الهام عدد من علماء العربية ومن علماء أصول الفقه. وهو مفصّل في كتبه. وقد انتهى الإمام إلى القول، بعد ذكر الآراء المختلفة في الموضوع، بأنّ المعاني المتعددة التي يحتملها اللفظ بدون خروج عن مهيع الكلام العربي البليغ تكون مرادة من الآية. وهي معانٍ واردة في تفسيرها (٢).
* * *
٤ - أخطاء الكتاب في العربية
مقالة أخطاء الكتاب في العربية، هي ردٌّ على مقال نشرته
стр. 489
البصائر في عددها ٨٤ ص ٦ بعنوان إصلاح اللسان، لأبي يعلى الزواوي أحد علماء الجزائر.
تحدث الشيخ عن العلماء المتقدّمين وسبقهم إلى العناية بهذا الموضوع المهم، كما يظهر ذلك من التصانيف والدراسات المؤلفة في التنبيه على لحن الخواص. وهي كثيرة من بينها أدب الكاتب لابن قتيبة، والموشح للمرزباني، ودرة الغواص للحريري، وما جاء من ذلك في كتاب مغني اللبيب لابن هشام. وقد كانت مجالس العلم والرواية والأدب حافلة بذلك مثل مجالس الصاحب ابن عباد، ومجلس الأستاذ ابن العميد. وربما سرى هذا الأمر لتعلّق الناس به وحبّهم له وتطلّعهم إليه من تلك المجالس إلى المجامع العامة.
ولم يقتصر هذا الاهتمام باللغة العربية تصحيحاً لها وذبّاً عنها، على أمثال أولئك الأعلام السابقين، بل استمر الأمر قائماً ومتجدّداً على مرّ العصور. ففي عصرنا الحاضر صنف الأديب الشيخ إبراهيم اليازجي كتابه لغة الجرائد، ونبّه العلامة الشيخ محمد محمود الشنقيطي على انحطاط لغة كتاب عصره. لكن هذا العمل وإن كان رائعاً ومميزاً يتسم به حفظة اللغة الدارسون لها والقائمون عليها، قد لابسته، لسوء الحظ، سمات التعجّل في الأحكام، كالذي روي عن ابن شبرمة وذي الرمة من إنكار الأول على الثاني قوله:
إذا غَيَّر النَّأْيُ المحبين لم يَعُدْ.
أو تخطئة الحريري في بعض ما أنكره على الخاصة، واليازجي فيما وقع له في كتابه من المجازفة من المتقدمين والمتأخرين.
أورد الإمام هذا فذلكة لما اشتهر من التأليف في هذا الفن، ممهداً به للتعليق على ما كتبه أبو يعلى الزواوي من ذلك في إنكار
стр. 490
بعض الاستعمالات اللغوية والتصرّفات القولية. فحصرها في مقاله المومَى إليه أعلاه في ثمانية ألفاظ، كان محقاً في ما قاله في أربعة منها، ومجانباً للحق في البقية، إمّا لتوهّمه وإمّا لتسرّعه فيما أورده فيها من ملاحظات وأحكام.
وهذه الألفاظ الأربعة المتبقّية التي هي محلُّ النزاع والاستدراك فهي:
ومما أخذ على الزواوي إنكاره:
إطلاق اسم السجادة على الزَّرْبِيَّة. قال الشيخ ابن عاشور: "وكلامه في الحكم على استعمالهم لفظ السجادة كله خطأ. فإن لفظة السجادة عربية فصيحة. وردت في كتب اللغة المعتبرة مثل اللسان لابن منظور، والأساس للزمخشري. وهي بمعنى الخمرة المسجود عليها. وقد وردت الكلمة عن بعض العرب بحرف السين منها مضمومة. وبعد الإشارة إلى ما روته المعاجم في ذلك يقول: إن ورود الزربية في القرآن لا يقتضي إلا أن يكون لفظ الزربية أفصح. وهذا لا ينافي فصاحة لفظ السجادة، كما أن ورود لفظ السكين في القرآن في قوله تعالى: ﴿وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا﴾ (١) لا يمنع أن يكون لفظ المدية عربياً فصيحاً. وأعجب ما في كلام أبي يعلى حكمه على لفظ سجادة بأنه أعجمي، ذاهلاً عن اشتقاقها من السجود، وأن مجيئها بوزن اسم الفاعل مجاز عقلي، أي المسجود عليه كقولهم: عيشة راضية".
وأنكر استعمال الكُتَّاب لفظ (أشعل) مكان (أوقد)، قائلاً: وقد ورد في القرآن مشتق (أشعل) في قوله تعالى: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ
стр. 491
شَيْبًا﴾ (١). وليس ذلك بمعنى: أوقد، ولم يرد في الشعر (اشتعل) بل ورد (أوقد). وهذا تضييق واسع من أبي يعلى، فإن فعل أشعل وما تصرّف من مادته كلّه عربي فصيح، وقوله تعالى: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ استعارة بديعة في تشبيه انتشار البياض في سواد الشعر بالتهاب النار في الفحم. ولولا ذلك لما كان هذا اللفظ في الآية واقعاً موقعه البديع من البلاغة، كما بيّنه علماء البيان. جاء في اللسان عند ذكر قوله تعالى: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ أن أصله من اشتعال النار. وأما إنكاره ورودَ الاشتعال بمعنى الوقود في شعر العرب فقصور واضح. قال لبيد في معلقته:
فتنازعا سبطاً يطير ظلاله ... كدخان مشعلة يشبّ ضرامها
فالمشعلة هي النار وهي اسم مفعول من أشعل النار بمعنى أوقدها. وقد أشار إلى استعمال الاشتعال في الحقيقة والمجاز ابن دريد في مقصورته حين قال:
واشتعل المُبْيَضُّ في مسودّه ... مثل اشتعال النار في جزل الغضى
وأنكر أبو يعلى استعمال لفظ الصدفة بمعنى الاتفاق، واستعمال نوايا جمعاً لنية، والبؤساء جمعاً لبائس، وجملة (لحد الآن) وهي من الصحيح المتّجه.
وكذلك تخطئته بعض الكتاب في نفي ماضي زال بلا النافية. قال أبو يعلى: الصواب أن ينفى بما النافية. فإن فتئ وانفك وبرح وزال تقرن بما نفياً، وبلا دعاءً، وبالهمزة استفهاماً، واستدل بقول ابن مالك:
فَتِئَ وانفك وهذه الأربعة ... لشبه نفي أو لنفي متبعة
стр. 492
قال ابن عاشور: إن كلامه في هذا اللفظ مختلط وغير محرر. فأما حكمه بالخطأ في نفي ماضي زال بلا النافية فهو حكم صحيح، ولكنه لم يحرّر تعليله، إذ علّله بأن زال وأخواتها تقرن بلا نفياً، وإنما ذلك يصح تعليلاً لعمل زال وأخواتها عملَ كان، وليس بيت الألفية مسوقاً إلا لبيان شرط إعمال زال وأخواتها عملَ كان. وكان الحق أن يعلل ذلك بوجوب اتباع استعمال العرب. فإن العرب لا تستعمل الماضي كله منفياً بلا، إذا لم يتكرر النفي بلا. والمراد من النفي الدعاءُ بالنفي لا الإخبار. وهذا استعمال غير جارٍ على القياس. فإذا تكرر النفي لفظاً صح استعماله في غير الدعاء كقوله تعالى: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى﴾ (١). وكذلك إذا تكرر النفي في المعنى كقوله تعالى: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ (٢). فإن الاقتحام الذي دل عليه الماضي المنفي بلا يشتمل على عدّة أمور فسرها قوله تعالى: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾. فآل معنى قوله: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ إلى معنى فلا فك رقبة، ولا أطعم، ولا آمن. وفيما عدا ذلك لا يستعمل الماضي منفياً بلا إلا إذا كان المراد الدعاء دون الخبر. ولذلك كان تخصيص أبي يعلى حكمه بالأفعال الأربعة زال وأخواتها إجحافاً بحكم الاستعمال، وبخاصة إذا كان خطأ الكتاب في هذا الباب وارداً في جميع الأفعال الماضية.
وكذلك انتقاده قولهم: ألْفَتَ مراداً به لَفَت صحيح وجيه.
والمؤلف بوقوفه عند الاستعمالات السابقة مصوباً ومحرراً، محققاً ومستدركاً يدل على امتلاكه لغة الضاد واستحضاره واستظهاره ما تخضع له من قواعد، وتجري عليه من أساليب، مع قدرة فائقة
стр. 493
على اعتماده الشواهد المناسبة من القرآن الكريم، وإيراده ما يؤكد وجوه تصويبه بما يراه حقاً وصحيحاً من كلام العرب وأشعارها (١).
والمقالة الأخيرة هي من نوع التي سبقتها، لكنها من الخاص دون العام. لا ينصرف الاهتمام فيها إلى استعمالات الناس في مخاطباتهم وأحاديثهم ورسائلهم وأشعارهم. وإنما هي من أثر النظر في كتاب واحد، أو عمل تقدم به باحث أو محقق، فاحتاج إلى المراجعة والتتبع والتصحيح والتوثيق.
عرف الإمام من وقت شبابه بالتهام التراث وكتبه، والمطالعة لكل ما يحرص على الوقوف عليه من تصانيف، وما يقع تحت يده من تآليف علمية أو أدبية. يدل على هذا عدد كبير من المخطوطات والمطبوعات في مختلف الفنون بخزانته وبغيرها. تجد له عليها بهوامشها توقيفاته وتصويباته وملاحظاته ورواياته.
وقد كان هذا في أحيان كثيرة يرفعُ من قدر الكتاب مطبوعاً كان أو مخطوطاً، لما تجد عليه من إضافات علمية يعلو بها شأن الكتاب، وترتفع بها منزلة النسخة وقيمتها. وهذا أمر ورثه ودرج فيه على طريقة العلماء المتقدمين. فإذا كثرت تعاليقه ومراجعاته، وتكررت أو أصبح لها - لأهميتها - شأن، أفرد ذلك برسالة علمية خاصة، أو وضع من أجله قوائم إبرازاً لأهمية الكتاب، وصوناً لما فيه من فوائد ومعارف، وبلوغاً به إلى درجة الصحة الأصلية التي من الأمانة المحافظة عليها، تحقيقاً للنفع بالكتاب، وتمكيناً للناس من إدراك معانيه على الوجه الصحيح المضبوط، ومن الغوص فيه على الحقائق التي قد يلحقها ما يلحقها بسبب الخطأ والتحريف.
стр. 494
ويتمثل هذا الجهد المرموق الذي يحتاج إلى وقت وصبر ونباهة وعلم فيما عكف عليه الشيخ من ضبط وتحقيق في مراجعته لجمهرة ابن حزم، نشر المستشرق ليفي بروفنسال.
وهذه المقالة التي نشير إليها هنا، كتبها بعنوان:
* * *
٥ - تصحيح أخطاء وتحاريف في اللغة العربية في طبعة "جمهرة الأنساب" لابن حزم
يصدّر الإمام مقالته هذه بالتنويه بالكتاب قائلاً: هو كتاب جليل عزيز النظير، نادر الوجود، لا تتجاوز النسخ الموجودة منه عدد الأصابع، منها نسخة بجامع الزيتونة كانت من جملة الأصول التي اعتمدها المحقق، وفيها تصحيحات بخط أحد الفاسيين.
وقد نوّه (ليفي بروفنسال) المستشرق الضليع بكتاب جمهرة الأنساب لابن حزم، وقام بتحقيقه، ونشره نشرة علمية، فدعا ذلك الإمام الأكبر إلى تجديد العهد بهذا المصنّف، وأسرع إلى اقتنائه غير أنه وقف فيه على جملة من المآخذ، أهمها ثلاثة:
١ - كلمات مُنيت بالتحريف أو بخطأ في الضبط.
٢ - وجوه مرجوحة أو مشكلة في الأسماء.
٣ - أنقاص ناشئة عن إهمال أو غفلة.
وهذه العيوب الثلاثة، وهي من كبرى العيوب، وإن حصلت بسبب كثرة التحريف في نسخ الجمهرة. كان لزاماً على المحقق أن يتداركها بالرجوع إلى الأصول اللغوية والتاريخية وكتب الحديث والسيرة، والمعاجم في أسماء الرجال والقبائل والبلدان.
стр. 495
وأمام هذا الوضع لطبعة كتاب الجمهرة رأى الشيخ ابن عاشور واجباً عليه أن يصلح ما أمكن له إصلاحه ويحقّقه، أو يزيد شيئاً وقع إغفاله، مع التنبيه إلى مرجع التصحيح إن لم يكن وجه التصحيح واضحاً، مقتصراً في ذلك على الأسماء العربية دون البربرية والعبرية والفارسية، إذ كان للعرب في النطق بالأسماء الأعجمية سعة يدل عليها قولهم: أعجمي افعل به ما تشاء.
وشَرَعَ الإمام قائلاً في تصوير قصده من ذلك ومنهجه فيه: ثم رأيت أن أنشر ذلك ليلحق بتلك النسخة، مشيراً إلى الصفحة والسطر منها مع ذكر الخطأ أو المرجوح الواقع فيها، وما هو الصواب أو الراجح فيه، أو ما يتعيّن أن أزيد. وربما أشرت إلى ما خالفَتْ فيه [هذه الطبعة] النسخةَ التونسية من الجمهرة المعتمَدة من المحقق. وفي أدب وتواضع يضيف: ولا أدعي أنّي أحطت بما في هذه الطبعة من الأخطاء. فمن عثر على شيء فليُقَفِّهِ على ما قدّمته من الخطأ.
وتتناول هذه المقالة ثلاثة أقسام: الأول منها وقع التنبيه فيه على سبعة وثلاثين موضعاً من الكتاب، ثانيها على سبعة وخمسين موضعاً، والقسم الثالث والأخير على ستين موضعاً، جملتها أربعة وخمسون ومائة موضع. وليس من المناسب ذكر جميعها أو أكثرها. ولكننا نقتصر على إيراد أمثلة مما جاء في كل قسم من هذه المقالة.
الملاحظة الأولى على القسم الأول ما ورد به:
- ص ٤ س ٨: كتَب (الرجال) بالراء. والصواب (الدّجّال) بالدال وتشديد الجيم كما في حديث البخاري من فتح الباري: ٨/ ٦٦.