بانوا كخود كأن رؤيتها ... بدر بدا والظلام مرتهج (١)
قال الشيخ ﵀: ولو اقتصر على ذلك في البيت الأول لاغتفر، لأن القصيدة إذا وقع فيها التصريع يكون المصراع الأول على وزان الثاني عروضاً وضرباً.
وتكرر هذا في قصيدته من بحر المجتث التي مطلعها:
يا مالك الناس في مسيرهم ... وفي المقام الخير من رهبه
لا تخش عذري ولا مخالفتي ... كل امرىء راجع إلى حسبه
وأصل وزنه:
مستفعلن فاعلاتن فاعلاتن ... مستفعلن فاعلاتن فاعلاتن
كما شذّ استعماله عند المولدين تاماً. وهو غير مسموع عند العرب، سداسي يزعم فيه التمام، على نحو ما رسمه الخليل في الدائرة الرابعة، وإنما هو مجزوء وزنه:
مستفعلن فاعلاتن ... مستفعلن فاعلاتن
وبهذا الوزن يكون اجتثاثه من الخفيف، كقول الشاعر:
ما قاله وهو إفك ... ذو فرية وهو باغ
والتزم بشار في قصيدته هذه زحافين تخفيفاً لثقل الوزن، وهما زحاف الكف في فاعلاتن الأولى، وزحاف القبض في فاعلاتن الثانية، فصارتا في الصدر والعجز على فاعلتن (٢).
ومن هذا القسم الأخير من المقدمة المتعلق بالكشف عن بعض
стр. 562
مخالفات بشار وأخطائه، يبدو لنا تباين مواقف أهل اللغة والبلاغة إزاء أدبه وشعره. ومما يرجح القول بإجادته، وأنه القرم والفحل في فنه، واعتداده بعلمه، وسلامة لغته، وإحاطته الواسعة بالصحيح من مادتها، أنه كالعرب القدامى لا يجد حرجاً في الخروج عن قواعدها والتصرف في مبانيها من حين إلى آخر، لسليقته، وعدم إمكانية اتهامه بالجهل، ولكونه بحكم نشأته ومعارفه حجة في نفسه في العربية ومرجعاً للمتكلمين بها.
وديوان بشار الذي نشره الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور، بعد جمعه وتحقيقه وشرحه، أكملُ نصاً، وأصحُّ مادة من سائر ما نشر من شعر بشار حتى اليوم، وهو يقع في ثلاثة أقسام:
الأول: مقدمته النفيسة التي سبق لنا التنويه بها.
الثاني: ديوان بشار كما ورد في النسخة الأصلية من اقتناءات الإمام الأكبر.
الثالث: مستدركات لناشر الديوان على ما توفّر له من شعر بشار. وذلك بما ضمّه إليه من نصوص جديدة عثر عليها أثناء مطالعاته الواسعة في كتب الأدب المختلفة.
وإنا لنلاحظ به وجود فقرات في نهاية المقدمة، تشتمل على أخبار ومعلومات وفرائد، لها علاقة متينة بشعر بشار، وبمنهج المحقق في إعداده العلمي والفني للديوان.
أما المصادر التي احتفظت بقسم من أشعار بشار، رغم ما قدّر على أدبه من الاحتجاب، ورغم خلو المجالس والمنتديات من ذكره أو الحديث عنه، حتى دُعي شعر بشار بحلقة الأدب المفقودة، فهي الأجزاء الثالث والخامس والسادس والسابع والثالث عشر من كتاب
стр. 563
الأغاني للأصفهاني، وقسم تضمنه كتاب أمالي الشريف المرتضى الموسوي، وما وراء ذلك فأوزاع في كتب الأدب. وبعد حين من الزمن بُعِثَ شعر بشار على أيدي أبي بكر محمد وأبي عثمان الخالديين الموصليين في مصنف دَعَوَاه المختار من شعر بشار.
وسبقت عصرنا الحاضر طائفة من المؤلفين والمحققين في القرن الماضي أسهموا في إحياء هذا التراث البديع، فكان منهم السيد أحمد حسنين القرني الوراق المصري صاحب المكتبة العربية بالقاهرة. أصدر كتاباً أسماه بشار بن برد، شعره وأخباره. تمَّ طبعه بمطبعة الشباب بمصر ١٣٤٣.
والأستاذ الأديب حسين منصور المصري بوضعه لكتاب بشار بن برد بين الجد والمجون. وهو كتاب جامع لمعظم ما هو متناثر من شعر بشار في كُتب الأدب. طبع بمصر بالمطبعة الرحمانية ١٣٤٨.
وقام العلامة محمد بدر الدين العلوي من جامعة عليكره بنشر وتحقيق المختار من مختار شعر بشار لأبي الطاهر إسماعيل التجيبي القيرواني من رجال القرن الخامس. وهو ما انتقاه من كتاب الخالديين وشرحه. أعان العلوي على هذا المهم المستشرق كرنكو والعلامة الشيخ عبد العزيز الميمني. وكانت طباعة هذا الكتاب بمطبعة الاعتماد بالقاهرة أواسط ١٣٥٣. وقد ضمّ إليه صاحبه التجيبي شيئاً كثيراً من شعر ابن برد وقف عليه أثناء مطالعاته.
وبعد هذا العرض لقصة ديوان بشار الذي تعاقبت عليه الأنظار والجهود عصراً بعد عصر ينتهي ابن عاشور إلى المخطوطة التي اقتناها وحظي بها واحتفظت بها خزانة كتبه. وهي وحدها تمثل قرابة نصف ديوان بشار. تبدأ من أوله وتنتهي أثناء حرف الراء. والقصائد
стр. 564
والمقطعات بها نحو من مائتين وخمس وخمسين. وتشتمل هذه في مجموعها على ستة آلاف وستمائة وثمانية وعشرين بيتاً.
وبعد وصفِ المخطوط، وخطِّه العتيق، والسِّفرِ المهذَّب الجامع له، نبّه إلى عنوان الكتاب ديوان بشار، قال: وهو مكتوب، أي الديوان، على ورق عتيق فاختي اللون، والمظنون أنه من نسخ عبد القوي. أما التملك الذي عليه في شكل أهليجي في حجم ظفر الإبهام الكبيرة فنصّه: من ممتلكات الفقير الحاج مصطفى صدقي غُفر له سنة ١١٢٩.
وتاريخ جمع الديوان ونسخه كان قريباً من زمن المهدي العباسي. يدلّ على ذلك نص جامعه في أوائل القصائد، التي مدح بها بشار الخليفة المهدي، على عبارات وصيغ من الثناء والدعاء لأمير المؤمنين، من نحو ما كان يتحلّى به الخلفاء في حياتهم. وهذا المجموع من شعر بشار من رواية يحيى بن الجون. فقد ورد في بعض صفحاته ما يشير إلى ذلك كقوله من قول الناسخ: وقال أيضاً، ويقال لأبي همام الباهلي: زعم [ذلك] يحيى بن الجون.
وبعد هذا الوصف الدقيق للمخطوط يذكر الإمام الأكبر: أن هذه النسخة نقلت عن أصل صحيح إلا أن خطّه غير واضح تمام الوضوح. وكأنّ الناسخ لم يكن من أهل الضبط والإتقان. وبسبب ذلك وقع فيها تحريف كثير ولحن كبير في غريب الألفاظ. ولولا ممارسة شيخنا الإمام صاحب المخطوط، لأدب العرب، وشعوره الفائق بمآخذ بشار ومراميه لعَسُر عليه إصلاح كثير من ذلك، عند إعداد النسخة التي استخرجها من الديوان، توليه إقامة نصّها وتحقيقها.
стр. 565
وقبل أن ينهي الشيخ الإمام حديثه عن المخطوط يقف عند ثلاث نقط: الأولى بيان منهجه في تحقيقه وطريقته في الإصلاح والتصويب التي جرى عليها في كامل الديوان، والثانية التزامه بالنصّ بعدم تفويته في شيء مما أثبته كاتب النسخة، والثالثة التحذير من عقبى الاختيار المطلق، والانتخاب في عمل النشر والتحقيق، والتنبيه إلى أن فيه من طمس معالم الأثر المحقق وإفساد صورته الكاملة ما فيه. ويختم ملاحظاته هذه بقوله: من أجل ذلك كله أثْبَتُّ ديوانه على ما هو عليه، وألحقت ملحقاته كلَّها كما نسبت إليه.
ويتحدث قبل أن يلج مجال الشرح لديوان بشار عن أهمية ما هو مقبل عليه من عمل، وما هو باذل من جهد في سبيله، قصد خدمة اللسان العربي، وتحقيق النفع لمن يقف على هذا الأثر.
ويدرك الواقف على هذا الديوان أن شارحه عني عناية خاصة بعلم العروض، لزهادة المتأدبين فيه في هذا العصر. وحمله هذا على التنبيه في كل قصيدة على بحرها وعروضها وضربها غير ملتفت إلى ما يكون بها من زحاف أو علة إلا في مواضع محصورة تحتاج إلى بيان، وهذا ثقة بأن التنبيه على بحر القصيدة وعروضها وضربها يفتح للمطالع طريق البحث عن معرفة ما يعتور بعض الأعاريض من اضطرابات أو أخلال. فجاء هذا الشرح وما سبقه من تقديم للديوان، وألحقه به من تذييل، منية الطالب ورغبة الراغب.
* * *
стр. 566
مع أبي الطيب في مكتبته
يدلُّ ولوعُ الإمام الأكبر بدواوين الشعر قديمِه وحديثِه على عنايته الفائقة بوجوه النظم، كما يفسِّر تطلُّعه إلى الوقوف على أجمل التصرّفات القولية لدى رواد القريض. فهو يتتبّعها، جامعاً للأشعار وباحثاً فيها، شارحاً لنصوصها وناقداً لها، محيطاً عن طريق ذلك بأسرار الصناعة لدى الأعشى والنابغة، ومعجباً بما تعرضه أفانين القول من إبداعات في شعر بشار، وأمثالٍ وابتكاراتٍ في نظم أبي الطيب.
وإذا كان انطلاقه في هذا كله من كتب اللغة والأدب، وعلوم العربية والبلاغة بما نبّه إليه العلماء من آراء وملاحظات فيما يعرضونه من شواهد يعتمدونها في تصحيح اللغة والاحتجاج بها، أو يلفتون النظر عند ذكرها إلى صور الإبداع المختلفة عند القدامى والمولدين في النظم ومجالاته، من مبان ومعان وأساليب، فإن الإمام الأكبر قد اختلف به الوضع مع المتنبي عمّا ألفه مع الثلاثة الذين سبقوه. فهو وإن كان قد سار مع أعلام النهضة والبيان المتقدّمين سيرةَ الباحث المستكشف للمادة، فهو، مع المتنبي، الدارسُ المنقِّب عن أحوال شخصيته، الناظِرُ في أقواله، مستعيناً في ذلك بما قدّمه العلماء من لغويين ونحاة ورجال أدب وبلاغة من شروح متعدّدة، وتعاليق ضافية، ودرس وتحليل لنظمه، اتضح بجميعها منهج أبي الطيب، واختلفت بسببها مواقف المؤرخين والنقاد منه.
стр. 567
أقبل الإمام الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور من حين نشأته على حفظ مختارات من شعر المتنبي واستظهارها، وعلى ما ألفاه في المعهد، وفي البيت، وفي المجالس العلمية التي كان يشهدها، والمجالس الأدبية التي كان يغشاها، ثم على ما وجده بين يديه من كتب ودراسات ومراجع تشهد كلها بعناية أهل الأدب بشعر أبي الطيب وأدبه، وبجوانب حياته كلها، وتصوِّرُ مجتمعةً معالمَ أدب أبي الطيب، كاشفة عن أسرار نبوغه. وفي هذا ما يحملنا على أن نلج في صحبة شيخنا مكتبة المتنبي، لنرى ما كان متوافراً لديه منها من كتب قيمة ودراسات عميقة، هي الأساس في بناء شخصية الإمام الأدبية، كما كان للمَراجع والدراسات الشرعية أثرُها الكبير في جعله في هذا القرن نسيج وحده، وفريد عصره.
وإن ما سنذكره من تصانيف ومؤلّفات، مخطوطة كانت أو مصوّرة أو مطبوعة، ليشهد بما اكتملت به عناصر قدراته الذهنية وطاقاته الفكرية، إذ ألمّ أو كاد في مكتبة أبي الطيب بما نذكره وبما نكون قد أغفلنا ذكره من كتب ورسائل معروفة، وقف عليها أكثر الناس من شداة الأدب وطلاب علومه وفنونه.
فمن المراجع العامة التي كان بدون شك يتردَّدُ عليها للاستفادة منها: يتيمة الدهر للثعالبي، ووفيات الأعيان لابن خلكان، وتاريخ بغداد للخطيب، ونزهة الألباء لابن الأنباري، والأنساب للسمعاني، والإرشاد لياقوت، والنجوم الزاهرة لابن تغري بردي، وشذرات الذهب لابن العماد، والخزانة لعبد القادر البغدادي ونحوها.
وكان فيما يعود إلى حياة أبي الطيب وعقيدته وأخلاقه وشعره وعلاقاته وكثرة تنقله في البلاد يعود من حين إلى آخر إلى كتاب
стр. 568
الصبح المنبي عن حيثية المتنبي ليوسف البديعي، ولا ينسى الرجوع إلى الأدب المربي في حياة المتنبي لحسين حسني.
فإذا أردنا أن نتبين مدى اهتمامه بشعر أبي الطيب ولغته وتصرّفاته في نظمه وجدناه يتنقل بين مصادر ذلك: بين ابن جني في سِفريه الكبير والصغير، وأبي القاسم إبراهيم الإفليلي في شرحه لديوانه، وما كتبه أبو العلاء المعري على ديوانه: معجز أحمد، واللامع العزيزي. نضيف إليها شروح الواحدي، والتبريزي، ومرهف بن أسامة بن منقذ، وأبي عبد الله الحسن بن إبراهيم الأربلي الكوراني، وأبي البقاء العكبري، وغيرها من الشروح كشرح أبي تمام لمبارك بن أحمد الأربلي، وشرح البرقوقي.
وبقدر ما تكون هذه الشروح قد فتحت آفاق النظر والدرس لشعر المتنبي، فإنها لا تبلغ ما بلغته كتب النقد لشعره، وما بلغ إليه هو عن طريقها من شهرة. وإن ما تكمل به فرائد المصنّفات وجواهر التآليف في مكتبة المتنبي لهو تلك المجموعة التي شغلت الناس بفوائدها وأمتعتهم بروائعها، تحليلاً ومناقشة ومقارنة ونقداً. وهي خمسة أقسام:
القسم الأول منها يشمل:
١ - الوساطة بين المتنبي وخصومه لأبي الحسن علي الجرجاني.
٢ - أبو الطيب المتنبي ما له وما عليه للثعالبي.
٣ - تنبيه الأديب على ما في شعر أبي الطيب من الحَسَن والمعيب لأبي كثير وجيه الدين الشافعي.
٤ - المنصف للسارق والمسروق منه لابن وكيع.
والقسم الثاني يعد مَرجعين:
стр. 569
١ - الانتصار المنبي عن فضائل المتنبي لمحمد بن أحمد المغربي.
٢ - الاستدراك في الأخذ على المآخذ الكندية من المعاني الطائية لضياء الدين ابن الأثير.
والقسم الثالث فيه تحامل معلوم ومشهور على المتنبي. وهو:
١ - الكشف عن مساوي المتنبي للصاحب بن عباد الطالقاني.
والقسم الرابع يكاد يتخصّص في الكشف عن سرقات المتنبي. وهو:
١ - الإبانة عن سرقات المتنبي لفظاً ومعنى لأبي سعيد محمد بن أحمد العامدي.
٢ - سرقات المتنبي من أبي تمام لأبي محمد سعيد بن مبارك الدهان.
٣ - الرسالة الحاتمية في ذكر سرقات المتنبي وساقط شعره لمحمد بن الحاتمي البغدادي.
٤ - سرقات المتنبي ومشاكل معانيه لابن السراج الشنتريني. وهو قسم من كتابه جواهر الآداب وذخائر الشعراء والكتاب.
والقسم الخامس أو الأخير هو ما تناول بالشرح والنقد والمقارنة شعر المتنبي مع غيره من الشعراء السابقين، وما وضع فيه من تصانيف ودراسات، نذكر في مقدمتها:
١ - الواضح في مشكلات شعر المتنبي لأبي القاسم عبد الله بن عبد الرحمن الأصفهانى.
٢ - كتابي الفتح على أبي الفتح، والتجنّي على ابن جني، كلاهما في الرد على أول كتاب وضع في شرح المتنبي - وهو لابن جني - لمحمد بن حمد بن محمد بن فورجه البروجردي.
стр. 570
٣ - ومن أجل الكتب في هذا القسم؛ شرح المشكل من ديوان المتنبي لابن سيده.
وقد نشر عن أبي الطيب نحو أربعين كتاباً شارك بها عدد من الفحول في هذا العصر وقبله في التنويه به وتمجيده. نذكر من بينهم طه حسين والعقاد وعلماءَ كثيرين من العرب والأعاجم. وما أذيع لنا بتونس في السبعينات بعنوان: شعراء الخلود. ولقد قالوا عنه: "هو شاعرنا"، "وأشعر المحدثين المولدين"، "وأنه أقل غلواً في التشبيهات والمعاني من معاصريه". وربما بالغ هواة أدب المتنبي في إعظامه وتفخيمه. فبالغوا في تلك الأوصاف، وتجاوزوا حَدَّ الإسراف حتى فضّلوه على من تقدم عصرُهُ عصرَهُ، وأنشدوا فيه قول بعض السابقين ردّاً على خصومه:
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه ... فالناس أعداء له وخصوم (١)
وقال أبو محمد الحسن بن علي بن وكيع: "إن القوم لم يصفوا من أبي الطيب إلا فاضلاً، ولم يشهروا بالتفريط منه خاملًا، بل فضلوا شاعراً مُجيداً، وبليغاً سديداً. ليس شعره بالصعب المتكلّف، ولا اللين المستضعف، بل هو بين الدقة والجزالة، وفوق التقصير ودون الإطالة، كثير الفصول، قليل الفضول ... ولقد قُلِّد الحَظوةَ الرافعة والشُّهرةَ الذائعة، والنفوس مولعة بالاستبدال والنقل، لَهِجة بالاستطراف والملل، ولكل جديد لذة" (٢).
وممن أشاد بمفاخره في أكثر فصول كتابه في معالمه ومآمهه، تحريراته وتنويراته، حازم القرطاجني في كتابه منهاج البلغاء وسراج الأدباء عند تفصيله القول في المباني والمعاني والأساليب (٣). كما
стр. 571
أبدع ابن رشيق حين قال: لا يُعرف شاعرٌ في العربية احتَفَل بنبوغه القدماءُ والمحدثون من العلماء والنقاد حفاوتهم بأبي الطيب. ولا أدلَّ على ذلك ممّا قيل بشأنه في ذكراه الألفية ١٩٣٥، ومن إحياء منهجه أدبياً وعملياً بالشام على يد ناصف اليازجي، وبمصر من طريق البارودي وشوقي.
ويزيد في ذلك اعتدادُ أبي الطيب بنفسه، وعلوُّ همته، وانتشارُ شعره الذي أذاع مفاخره بمثل قوله:
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي ... وأسمعت كلماتي من به صمم
وقوله:
وما الدهر إلا من رواة قصائدي، ... إذا قلت شعراً أصبح الدهر منشدا
فسار به من لا يسير مشمِّراً ... وغنّى به من لا يغنّي مغرِّدا
ولعل اعتداده ذلك بذاته وبأدبه هو الذي حمله على أن يشترط في مجلس سيف الدولة أن لا ينشد إلا قاعداً، فاستجهلوه وأجابوه إليه. فلما سمع سيف الدولة شعرَه حكم له بالفضل وعدّ ما طلبه استحقاقاً (١).
ولا نحتاج، بعد هذه العجالة، في التعريف بما كتب عن المتنبي، إلا أن نقف وقفتين قصيرتين تبرزان فرط عناية الإمام الأكبر بشعر المتنبي: أولاهما في الحديث عن بعض شروحه، والأخرى في
стр. 572
مشكل شعره والحديث عن سرقاته. وقد جاء في ترجمة شيخنا ذكر بعض تآليفه المخطوطة المتعلقة بشعر المتنبي وأدبه. فمن المخطوطات: تحقيقه لشرح القرشي على ديوان المتنبي، ومراجعات له تتعلق بكتابي معجز أحمد واللامع العزيزي، ومما طبع له: تحقيقه للواضح في شرح مشكلات المتنبي، ولسرقات المتنبي (١).
* * *
стр. 573
معجز أحمد واللامع العزيزي
كتابان للمعري شرح بهما ديوان أبي الطيب المتنبي. وهما موجودان بالخزانة العاشورية. وقد خالَهما بروكلمان اسمين لكتاب واحد. فعطف الثاني على الأول بـ (أو) المفيدة للتشكيك أو التخيير (١). واقتصرت مصادر كثيرة أخرى عند ترجمتها للمعري على ذكر معجز أحمد دون حديث أو إشارة إلى اللامع العزيزي. وتبيّن لنا بالوقوف عليهما أنهما شرحان مختلفان. سمي الأول بـ معجز أحمد تنويهاً بشعر صاحبه أبي الطيب، وتقديماً له على كثير من الشعراء، وأطلق على الثاني اسم اللامع العزيزي باسم عزيز الدولة ثابت بن ثمار بن صالح بن مرداس. وقد نبّه شيخنا، ﵀، على الفرق بين الشرحين في منهجهما. فقال: إن الأول منهما وهو اللامع العزيزي مرتّبةٌ قوافيه على حروف المعجم. وأكثر النسخ التي بأيدي الناس مرتّبةٌ على حروف المعجم، على نحو ما نجده عند العكبري في ترتيب شرحه للديوان. وقد جرى على هذا الترتيب أيضاً ابن جني والأصفهاني والخطيب. وقد مكّنني شيخي العلامة الراحل محمد الفاضل ابن عاشور من نسخة معجز أحمد فاستنسختها وحَصَلَت لي منها فوائد جمة.
وبدا لنا أن معجز أحمد، مرتب ترتيباً تسلسلياً على الأغراض.
стр. 574
وكذا صنع الواحدي في شرحه، وابن سيده في تفسير مشكله.
والمظنون أن الشيخ الإمام لم يَقُم بشرح الديوانين، ولكنه كتب عليهما مراجعات وتقييدات.
ويجدر بنا في آخر الحديث عما نسب للمعري من شروح لديوان المتنبي أن ننبّه إلى أن بعض المترجمين ذكر له شرحاً ثالثاً أسماه الأيك والغصون، كما نشر له الأستاذ محمد الطاهر الحمصي رسالة بعنوان: الأوزان والقوافي في شعر المتنبي (١). ولعله من الضروري هنا أن نشير إلى أن شيخنا قد تعوَّد على العمل الجاد منذ شبابه. فهو لا يشعر براحة أو أريحية إلا متى سعى إلى الإفادة العامة بتحقيق ما بين يديه من كتب نفيسة، ومخطوطات فريدة، لم يسبق للناس أن اطّلعوا عليها. وهو لذلك يحرص على إبرازها في صورة علمية رصينة، وحلَّة بديعة أنيقة، تروق الناظر وتنير الخاطر، وتتكفل بتقديم ما يحلم العلماء والأدباء به من الوقوف عليه من محاسن تراثهم، وجميل إنتاج شيوخهم وأسلافهم. ومما شملته هذه العناية كتابان عن أبي الطيب يوجدان بزاوية من زوايا مكتبته في بيت آل عاشور، لم يسبق نشرهما ولا قام أحد بدراستهما. وهما الواضح في مشكلات شعر المتنبي لأبي القاسم عبد الله بن عبد الرحمن الأصفهاني، وثانيهما سرقات المتنبي ومشكل معانيه لأبي بكر محمد بن عبد الملك الشنتريني المعروف بابن السرّاج.
* * *
стр. 575
الواضح في مشكلات شعر المتنبي لأبي القاسم وأبي محمد عبد الله الأصفهاني
قصة وضع كتاب الواضح: أن الأصفهاني قد حُدِّث بما وضعه ابن جنّي من شرح على ديوان المتنبي، وأن بعض أهل الشأن من وجوه رجال ذلك الزمان المتصرّف في جلائل الأمور وسياسة الجمهور، أيام بهاء الدولة بن عضد الدولة ٣٧٩ - ٤٠٣ قرأ على الأصفهاني هذا الشرح. قال أبو محمد عبد الله: فوقعتُ منه على صواب وخطأ، فأمللت فيه كتاباً ترجمته بالواضح في مشكلات شعر المتنبي، واتخذته قربة وازدلافاً إلى الباب العمور (١).
وقد رفع إلى سدّته الكريمة كتابه هذا، بلغة جميلة ومعانٍ شريفة جليلة، قائلاً بعد الديباجة: المتوسّل إلى السدّة الكريمة والحضرة العظيمة، حضرة ملك الملوك بهاء الدولة، بحرمة الأدب وذمامه، ونشر الكلام ونظامه، يَرِدُ البحر بأعذب مشارعه، ويتناول البدر في أقرب مطالعه ...
يا سيد الأمراء وابـ ... ـن السادة الشمّ الأشاوس
إنّي ببابك جالس ... وعليك للتأميل حابس
ومعي عرائس، نَثرها ... ونِظامها، بكرُ الهواجس
стр. 576
محشوّة بجواهر، ... وبواهر الكلم النفائس
فاستهدها يا خير من ... هديت لمجلسه العرائس (١)
وكتاب الواضح هذا هو من جملة الكتب التي وضعت رداً على ابن جنّي في شرحيه لديوان صاحبه أبي الطيب المتنبي: الفسر الصغير والفسر الكبير. ذكره يوسف البديعي في عدادها في كتابه: الصبح المنبي حين قال: وأول من تكلم على أبيات منه مشكلة أو صنف فيها مآخذ؛ ابن فورجه والربعي وسعيد الأزدي الملقب بالوحيد ... وكتاب أبي القاسم عبد الله بن عبد الرحمن الأصفهاني. وكأنّه لم يقف على كتاب هذا الأخير، وإنما وصل إليه ذكره. فهو مما سمع به ولم يقف عليه.
وأبو القاسم عبد الله بن عبد الرحمن الأصفهاني وكتابه هذا كانا مغفولاً عنهما طوال أزمنة، بين أهل الأدب والنقد، وفي كتب التراجم والتصانيف. وممّا يدلّ على هذا إمساك ابن سيده في كتابه مشكل المتنبي، عن الإشارة إلى من سبقه من النقاد إلى التعرض إلى أقوال ابن جنّي أو مؤاخذته عليها. فهو لم يذكر الأصفهاني ولا الواضح في هذا المجال فكأنه لا يعرفه (٢).
ومن أجل هذه الصعوبة في التوصّل إلى ما يترجم به لأبي القاسم الأصفهاني، ذكر الإمام الأكبر أن مما يؤخذ من ديباجة الكتاب وأواخره: أنه كان موجوداً في سنة ٣٣٦ لأنه حدّث عن الحلبي عبد الواحد اللغوي المتوفى ٣٥١، ولا يمكن أن يتم له ذلك وسنه أقل من خمسة عشر عاماً. ووصفه البغدادي بكونه معاصراً
стр. 577
لابن جنّي، كما ذكر هو عن نفسه: أنه روى عن أبي الفتح بن جنّي وعن محمد بن جعفر التميمي المعروف بابن النجار المتوفى ٤٠٢.
افتتح الأصفهاني كتابه الواضح بترجمة هامة لأبي الطيب وأدبه. وذلك من: ٦ - ٢٨. فتحدث عن نشأته ومغامراته، وتنقله ورحلاته، ومدائحه وأهاجيه، وما كان يتميّز به شعره، مقارناً بينه وبين متقدميه من المولّدين. وجملة قوله في ذلك: أن أبا الطيب كان من حفاظ اللغة ورواة الشعر. وكل ما كان في كلامه من الغريب استقاه من الغريب المصنف سوى حرف واحد من كتاب الجمهرة. وهو قوله:
وأطوِي كما يَطوي المجلّدةُ العُقدُ (١)
وأما الحكم عليه وعلى شعره: فالمتنبي سريع الهجوم على المعاني، ونَعتُ الخيل والحرب من خصائصه. وما كان يراد طبعه في شيء مما يسمح به، يَقبل الساقط الردّ، كما يقبل النادر البِدع. وفي متن شعره وهيٌ، وفي ألفاظه تعقيد وتعويض (٢).
ومن خلال هذا الحكم يتبيّن لنا أن الأصفهاني تتبّع في كتابه الواضح مجموعتين من شعر المتنبي: اشتملت الأولى على ما عرض له ابن جنّي في فسره الصغير، والثانية على جملة أبيات للمتنبي أوردها ابن جنىّ في فسره الكبير.
وعدد أبيات المجموعة الأولى موضع النظر والتحقيق عند ابن جنّي في فسره الصغير وعند الأصفهاني في كتاب الواضح: ٨١ بيتاً.
стр. 578
وفي نهاية هذه المجموعة قال الأصفهاني: ثم اتفق بعدها في بلدان العجم وُقُوفي عليها بعد تتمة الأربعمائة والعشر. فاختلفت إلى طائفة من كتاب الإنشاء، كلهم نظروا في الفسر الكبير. فكانوا يحاورونني في عوارض أبيات المعاني التي فسّرها فقرنتها بالمشكلات (١). وبإثر ذلك ذكر المجموعة الثانية، وأبياتها عشرون.
وقد أبدع الأصفهاني في تصرّفاته وشرحه وتعليله ومقارناته طوال كتابه الواضح الذي رغم صغر حجمه كان وفير الفائدة، مصادف الصواب في معظمه، لما مزج به فيه من نقد وتشريف لكلام ابن جنّي الذي لذع شعر أبي الطيب في مواضع كثيرة (٢).
ولم يقف الشيخ ابن عاشور عند هذا الحد من الوصف لعمل أبي القاسم بل تجاوزه إلى التنبيه على أن الرجل مكين في الأدب والبلاغة. تنبىء بذلك منازعه في معاني الشعر وتنظيراته بين أبيات الشعراء ومعانيهم. وشاهدنا على ذلك كلماته في فضيلة النظم وتشريفه. فإن له في ذلك آراء صائبة، وملاحظات دقيقة سبق بها ما توصّل إليه عبد القاهر الجرجاني من كلام في النظم، تضمّنه الفصل الأول من "فصول شتّى في النظم" من كتاب دلائل الإعجاز (٣). قال العلماء: اللفظ أغلى ثمناً، وأعظم قيمة وأعزّ مطلباً: فإن المعاني موجودة في طباع الناس يستوي فيها الجاهل والعالم.
ويأتي مزيد من التفصيل في بيان هذه الحقيقة في تعليق الإمام
стр. 579
الأكبر على كلام أبي القاسم آخر، شرحه لبيت المتنبي:
كأن شعاع عين الشمس فيه (١)
وبآخر كتاب الواضح للمتنبي تعليق من الإمام الأكبر جاء فيه: هذه نهاية كتاب الواضح على مشكل المتنبي. وقد كتب كاتب في أخرتها: "قرأته على أبي القاسم مؤلِّفه، في شهر شوال عام ستة عشر وثلاثمائة ببغداد". وكنت كتبت تحت هذه الكلمة "تدليس" كيلا يغترّ به المطالع لأنّ ذلك لا يلاقي العصر الذي عاش فيه المؤلف. قاله محمد الطاهر ابن عاشور.
ولاستجلاء المنهج الذي جرى عليه الأصفهاني في تعقيبه على ابن جنّي نعرض أمثلة يتّضح لنا بها ذلك، اخترناها من بين أبيات المعاني من كتاب الواضح. وهي الأبيات: ٥، ٧، ١٤.
فأبو القاسم في جميع ما أورده من مشكل شعر المتنبي يلتزم خطة واحدة: يبدأ بذكر قول أبى الطيب، مثنّياً عليه برأي ابن جنّي فيه، ومعقّباً بما يفيد تصحيحاً أو تعليقاً أو مقارنة بين الأقوال الشعرية. ومما ينبغي أن يلاحظ في هذا المقام تفاوت التعليقات بل المادة التفسيرية لأبيات المتنبي طولاً وقصراً، ورواية ونظراً.
ونكتفي هنا بإيراد الأبيات الثلاثة من مشكل شعر المتنبي:
البيت الخامس من الواضح
البيت موضع النظر والدرس من قصيدة المتنبي في رثاء أخت سيف الدولة، طالعها:
стр. 580
يا أخت خير أخ، يا بنتَ خير أب، ... كناية بهما عن أشرف النسب
قال المتنبي:
حتَّى إذا لم يدع لي صدقُه أملًا ... شَرِقْتُ بالدمع حتَّى كادَ يَشْرَقُ بي
قال أبو الفتح: أي كثُر دمعي حتى صغرتُ أنا بجنبه. وبالإضافة إليه. قال أبو القاسم: معنى هذا البيت أنّه لمّا أتاني نَعِيُّ المتوفاة نزفت دمعي بالبكاء حتى لم يكد يجري، وبقي حائراً في الجفن، فكدت أقضي نحبي، فيجف الدمعُ بي. وليس للكثرة والقلة معنى كما ذكره أبو الفتح. وللشعراء في ذكر الدمع والعين أساليب حِسانٌ، فمن أحسن ما ذكروه قولُ أبي حيَّة النميري. وهو أول من افترعه:
نَظَرْتُ كأنِّي من ورَاء زُجاجةٍ ... إلى الدار من فرط الصبابَةِ أنظُرُ
وقال بعض العرب:
ومما شجاني أنّها يوم أعرضت ... تولَّت وماء العين في الجفن حائرُ
وتبعه بشَّار فقال:
أقول وقد غصَّت جُفُوني بمَائِها
وقال ابن حُبيبات:
أُلِمُّ بالباب كي أشكو فيمنعُني ... فيضُ الدموع على خدِّي من النظر
أقَبلت أطلُبُها، والقلبُ منزِلُها ... أعجِب بمقُتربٍ منِّي على سَفَر
وقال البحتري:
وقفنا والعُيونُ مُشَغَّلاتٌ ... يُغالبُ دمعَها نظرٌ كليل
نَهَتهُ رُقْبَةُ الواشين حتَّى ... تَعَلَّق لا يَغيضُ ولا يَسيلُ
стр. 581
وقال المتنبي:
عشِيَّةَ يعدونا عن النظرِ البُكا ... وعن لذَّة التوديع خوفُ التفرُّق (١)
وأتى الشيخ بعد ذلك باختيارات للمرزباني، توسعاً في متفرّعات هذا الغرض. فذكر من مروياته عنه اختياره لمقالة قيس العامري في تدارك سيلان الدمع، وبيت المخبّل في نعت الوجوه، وقول عدي في صفة العيون، وكلام قيس في نعت الدمع، واستعمال البحتري له على وجه التورية إلى المدح، وأبيات بشّار وأبي العتاهية في الاعتذار عن الدمع، وسبق أول القولين من هذين على الثاني.
البيت السابع من الواضح
قال المتنبي في مدح كافور:
مَنِ الجآذرُ في زيّ الأعاريبِ ... حُمْرُ الحُلَى والمطايا والجلابيب
قال أبو الفتح: جعل كونَهُنّ جآذرَ حقيقة، وجعل كونهنّ أعاريب مجازاً، وذلك للمبالغة في الصنعة.
قال أبو القاسم: ليس للمجاز والحقيقة محلّ في هذا البيت ولا مدخلٌ، وإنما جعَلَهنّ جآذرَ لنَجَل العيون وحَوَرِها، وهُنّ في الخلقة نساء. وأيّد الإمام الأكبر الرأي الأوّل قائلاً: لعلّ فهم أبي الفتح أرشق، لأن الشاعر لما استفهم عن كونها في زي الأعاريب أوغَلَ في تخيُّلهن جآذر فالاستفهام ترشيح للاستعارة.
قال أبو الفتح: حُمْرُ الحلى أي هنّ شِرَاف، وكذلك الجلابيب.
قال أبو القاسم: ليس هذا بشيء، إنَّما المعنى أنَّهن حسان
стр. 582
يَلبسنَ حسان الملابس، استضافة جمال إلى جمال. وروى الأصمعي في كتاب الأجناس أن العرب تقول: إن الخمار الأسود يَشُبّ لون المرأة أي يُنَوّرُهُ ويَجْلُوه، وكلَّما ازدادت الظلمةُ سواداً ازدادت الأنوارُ ضياءً، والعرب تقول: الحُسْنُ أحْمَرُ، ومنه قول بشّار:
وخُذي ملابسَ زينَةٍ ... ومُصبَّغَماتٍ هُنّ أنوَرْ
فإذا دخلن فادخُلي ... في الحُمرِ، إنّ الحُسنَ أحمَرْ
وذكر ابن الرومي معنى هذا البيت في قوله:
قل للمليحة في الخمَار المُذْهَبِ ... أفسدتِ نُسكَ أخي التُّقَى المُترهِّبِ
وجمعت بين المذهَبَين فلم يكُن ... للحُسن في ذهبَيهما مِنْ مَذْهَبِ
والعلماء يقولون: في قولهم: الحسن أحمر، وجهاً آخر. وهو أنه يُخاض فيه الشدائدُ حتى إن الدم يراق فيه، كما يقولون: الموت أحمر. وهو الذي يراق فيه الدم (١).
وقد فات أبا الفتح وأبا القاسم ملاحظةُ التناسب فيما بين هذا البيت:
مَنِ الجآذرُ في زيّ الأعاريبِ ... حُمْرُ الحُلَى والمطايا والجلابيب
وبين الذي يليه:
إذا كنت تسأل شكاً في معارفها ... فمن بلاك بتسهيد وتعذيب
إذ جاء البيت الثاني تحسيناً للبيت الأول من القصيدة ليناصر بذلك حسن المبدأ (٢).
стр. 583
البيت الرابع عشر منه
قال المتنبي يمدح علي بن إبراهيم التنوخي:
أُحادٌ أمْ سداس في أحاد ... لُيَيْلَتُنا المنوطةُ بالتنَادي
قال أبو الفتح: استطال ليلته فقال: واحدة هي أم ستّةٌ؟! واختيارُ الستة دون غيرها من العدد لأنها الغاية التي فرغ الله تعالى من جميع أحوال الدنيا، وصَغَّرَ الليلة تصغير التعليم كقول أوس:
فُويقَ جُبيل شامخِ الرأس لم تكد ... لتبلُغَهُ حتى تكلَّ وتعملا
والتنادي، يريد التنادي بالرحيل وقَودَ الخيل إلى الأعداء، ألا تراه يقول فيما بعد:
أفكّر في معاقرة المنايا ... وقَودِ الخيل مُشرِفَةِ الهوادي
قال أبو القاسم: أما استشهاد أبي الفتح بقول الله تعالى فليس من هذا الحديث في شيء؛ لأن المتنبي ذكر الليل، والشعراء يستطيلون ليالي السهر والفكر، ويُحيلُون بتضاعُف الغُمُوم والهواجس فيها عليها. وكذلك عند الأطباء أن الأمراض تشتدّ ليلًا لأن طبعه الضمَّ والقبض والخُثُورة والجُمُود، وبالنهار تَنفَشُّ البخارات عن البدن وتنحل أجزاء العلل. وليس بين الشعراء وبين الأيام تعلق في أمر ما يُسهر، بل يقولون: إن المحزونَ والمغتمَّ ينشرح صدره ويخفُّ ما به، لمُحادثة الناس ومُلاقاة الأشخاص كما قال ابن الدُّمينة:
أقضِّي نهاري بالأحاديث والمُنَى ... ويجمعُني والهمّ بالليل جامعُ
وقال الطرماح:
عَلى أنّ للعينين في الصُّبْحِ راحةً ... لرميهما طرفيهما كُلَّ مَطْرَح
وقال النابغة:
стр. 584
كليني لهَمٍّ يا أميمةُ ناصبِ ... وليل أقاسيه بَطِيء الكواكب
تَطَاول حَتى قُلتُ ليس بمِنُقضٍ ... وليس الذي يتلو النجُوم بآيب
وأما إذا ذكروا اليوم فإنهم يذهبون به قصد الممدوح وطول نهاره على الأعداء، كقول الكميت:
وإذا اليومُ كان كالأيَّامِ
وقال أبو تمام:
ورُبَّ يومٍ كأيام تركتَ به ... مَتْنَ القناة ومَتْنِ القِرن مُنقصِفا
وإنما معنى بيت المتنبي، إن ذهبت به مذهب العدد فأضفت الواحد إلى الستة والمرادُ إلى الأسبوع فتكون استطالة الليلة الواحدة كاستطالة ليالي الأسبوع. ووقف عند هذا الحدّ كقول بعض الرُّجاز:
إنِّي إذا ما الليلُ كان ليلين ... ولجلج الحادي لسانين اثنين
فهذا جعل واحدةً ثِنتين، وأوس بن حجر للثلاثة ثلاث ليال فقال:
ولقد أتيت بليلة كليال
وكأنّ تحت الجنب شوكَ سَيَال
والمتنبي جعل الليلة الواحدة لياليَ الأسبوع طولًا، ووقف عندها.
وإن ذهبت بالبيت الواحد والستة مذهب الضرب ففيه معنى لطيف، لأنك إذا ضربت الواحد في الستة رجع إلى الوراء، وإذا ضربت الاثنين في الستة زاد إلى قُدَّام، فيكون المعنى أنَّ هذا الليل يرجع إلى الوراء فلا يتصرَّمُ آخرُه، كما قال الشاعر:
стр. 585
لقد تركتني أم عمرو ومقلتي ... همول، وقلبي ما تقرُّ بلابلُه
تطاول هذا الليلُ حتى كأنّما ... إذا ما انقضى تُثنى عليه أوائله
وأما قول أوس بن حجر واستشهاد أبي الفتح به، وهو فُويق جُبيل، فهو مختلَف في تصغيره. فبعضهم ذهب إلى أن كل جبل شامخ له نادر يَندُرُ منه ويشخصُ فهو الجُبيل، ومنهم من وافق أبا الفتح. والقاطع في تصغير التعظيم قول لبيد، أنشده أبو عُبيد القاسم بن سَلَّام في الغريب المصنّف:
وكلّ أناس سوف تدخُلُ بينهم ... دُويهيةٌ تصفرُّ منها الأناملُ
وصُفرةُ الأنامل من الموت، وليس في الدواهي أعظم منه. قال ذو الرمة:
التارك القِرْنِ مُصفّراً أناملُهُ ... يَميدُ في الرُّمح مَيدَ المائح الأسِنِ (١)
لاحظ أبو القاسم في هذا البيت اشتماله على استطالة الليلة، وعلى تصغيرها، ونبّه إلى المراد من ذلك كلَّه مبطلًا ما ذهب إليه ابن جنّي، زاعماً أن استطالة الليل مختلف فيه بين الشعراء والأطباء، وأنه ليس بين الشعراء وبين الأيام تعلّق في أمرِ ما يُسهر. ولتوجيه فهمه واختياره ذكر شواهد من كلام ثلة من الشعراء: مثل ابن الدُّمينة، والطرمّاح، والنابغة، والكميت، وأبي تمام. ثم اتجه إلى بيان معنى البيت إن ذهبت له مذهب العدد، فجعل الليلة مثل ليالي الأسبوع طولاً، وإن ذهبت بالواحد والستة مذهب الضرب أفاد ذلك معنى لطيفاً هو الزيادة إلى قدام أو الرجوع إلى الوراء. وفي هذا أيضاً ذَكَرَ أبياتاً لبعض الرُّجّاز ولأوس بن حجر وغيرهما. وأما إفادة التصغير
стр. 586
فمردود عنده والشاهد من أوس: (فويق جُبيل) إنما المراد منه النادر الذي يندر منه ويشخص. ثم أتى بأبيات أخرى تقابل الأول للبيد وذي الرمة.
عمل ابن عاشور في تحقيق الواضح
احتاج المحقق ﵀ لإقامة نص كتاب الواضح وإخراجه على الوجه العلمي الدقيق المطلوب إلى عملين هامين:
يتمثل الأول في عدة اهتمامات وتصرفّات منها:
١ - التنبيه على ترتيب مادة الواضح في الأصل، كما أوردها أبو الفتح بن جنّي شارح ديوان المتنبي، وجرى عليه متعقّبه أبو القاسم الأصفهاني فيما كتبه عليه.
٢ - الرجوع إلى الأصول المعتمدة في التأليف والتعقيب.
٣ - تحقيق ما ورد بالواضح من نصوص.
٤ - تحرير الكلام فيما أغلق لفظه، وأبهم معناه.
٥ - إكمال ما ورد بالكتاب من شواهد شعرية، ليس من الضروري أن يكون القارىء أو الدارس ملمّاً بها أو عارفاً بنسبتها.
٦ - تعيين من أغفل ذكره من أسماء الأشخاص في النصّ اختصاراً أو اقتصاراً.
٧ - ضبط ما تحتاج كَلِمُه فيه إلى مزيد من التحرّي أو الإسناد إلى قائليه.
٨ - التنبيه على الألفاظ والصيغ الموهمة التي أضيفت إلى النسخة الأصلية لكتاب الواضح، بعد الوقوف عليها وتمام قراءتها.
والعمل الثاني لا يقل عن الأول أهميةً ونفعاً، لأن جدواه وإن
стр. 587
لم تتعلق بجوهر مادته ككتاب، غير أنها ذات علاقة متينة بها، فلا يجوز إغفالها ولا السكوت عنها، بل يتأكّد التنبيه عليها. وهذا ما تشهد به حواشي الواضح لاشتمالها على العديد من الملاحظات والتعاليق اللازمة أو المتأكدة. فهي ضرورية أحياناً لفهم الكتاب فهماً صحيحاً, وإدراك الجوانب المهمة التي لم ينتبه إليها المؤلف حين جرى بها قلمه، أو أرسل الكلام فيها على عواهنه، في حين يكون القارئ محتاجاً إلى معرفتها على الوجه الصحيح، وليس له من سبيل إلى ذلك غير بيان مغلقاتها. ومثل هذا كثير نقتصر فيه على بعض ما أورده الشيخ في تلك الحواشي من:
١ - تنبيه على أقسام أو أنواع من الشعر عند أبي الطيب وعند غيره.
٢ - اللغويات والتصحيحات.
٣ - ذكر أمثلة لما يحتاج فيه إلى تقصّي المعاني.
٤ - المقارنة بين الآراء والاتجاهات في الشروح الواردة بصلب الكتاب.
٥ - التنبيه على ما ورد في متن الكتاب من أخطاء لغوية وعربية.
٦ - التعريف ببعض المذاهب العقدية.
٧ - تضمين الواضح بيتاً لبشار، وضعه المؤلّف في ملحقات الديوان.
٨ - الترجمة لبعض الأعلام التي يضيع وقت كبير لغير المتخصّص في التعرّف عليها، وتحديد زمن وجودها.
وليس من غرضنا ولا من المقبول تفصيل القول في كل هذه الملاحظات أو التعليقات التي جاء بها المحقّق. فهي لا تقلّ عن ٢٧٥ تعليقاً. وإنّما نورد عيّنات منها، تكون نماذج لما وراءها، إبرازاً
стр. 588
لبعض الاهتمامات التي أملت على الشيخ ﵀ منهجه، واقتضت منه الوقوف عند عدد من الاستعمالات الواردة في تضاعيف الواضح لإبانتها وفصل القول فيها.
١ - جرى أبو الفتح في فسره، في ترتيب أبيات شرحه على حروف الهجاء. وعلى طريقته سار أبو القاسم. ولكن المحقّق رأى انخرام ذلك في موضعين من الكتاب. الأول في صفحة ٧٤، في البيت الستين الذي رويُّه على الزاي، والثاني في الصفحة الموالية ٧٥ في البيت الواحد والستين الذي رويُّه على الدال. فكان ذلك خطأ في وضع هذين البيتين وهما:
سلَّه الركضُ بعدَ وَهْن بنَجْدِ ... فتصدَّى للغيث أهلُ الحجاز
نهبتَ من الأعمار ما لو حَوَيته ... لهُنّئت الدنيا بأنّك خالد
بين سائر الأبيات الميمية التي سبقتها أو لحقت بها (١).
٢ - ومما ورد في حاشية الواضح التنبيه على اختلاف نسخ ديوان المتنبي في ضبط البيت الواحد، وفي ذكره تاماً أو ناقصاً، مع بيان مختلف الروايات فيه. والمقصود في هذا المحل قول أبي الطيب:
سيف الصدود على أعلى مقلَّده (٢)
أتبعه المحقِّق بقوله: قبل أن يوجد المصراع الأول في نسخ الديوان التي بتونس. ولا يوجد في شرح المعري ولا الواحدي. وأثبته العكبري في شرحه مفرداً. ويوجد في نسخة من الديوان نسخها من سمّى نفسه علياً مخلصي المدني في ربيع الأول ١٠٩٠، مرتبة
стр. 589
على حروف المعجم في خزانة جامع الزيتونة عدد ٤٥٥٢ ما نصّه: وقال في صباه بعضَ هذه القصيدة، وساق المصراع وبعده:
يفري طلى وامقيه في تجرّده
وبعد البيت سبعة أبيات مماثلة للأبيات التي نسبت لرواية ابن القطاع في النسخة التي شرح عليها العكبري (طبعة الحلبي بمصر ١٣٣٥). ويوجد في تلك الطبعة، في متن الديوان ما نصّه: لم يحفظ المصرع الثاني. فقال قوم هو:
يفري طلى وامقيه في تجرّده
وقال قوم هو:
بكف أهيف ذي مطل بموعده
ثم قال: وقال ابن القطاع أول هذه القصيدة:
وشادن رُوحُ من يهواه في يده ... سيف الصدود على أعلى مقلَّدِهِ
وأتبعها بأبيات سبعة بمثل الأبيات التي في نسخة علي مخلصي المدني. والمثبتة بشرح العكبري. ونسب في شرح بعضها كلاماً لابن جنّي (انظر: ٢/ ٨٠). وأحسب أن جميع ما كمل به المصراع تخرّصٌ. وكيف يخفى على ابن جنّي؟ وهو آخذ عن المتنبي. والأشبه ما قاله أبو القاسم (١).
٣ - وفي تحقيق النص نورد للشيخ تعليقين مختلفين:
الأول: يتعلق بقراءة بيت المتنبي:
لو مرّ يركض في سطور كتابةٍ ... أَحْصَى بحافِرِ مُهْرِهِ ميماتِها
стр. 590
قال ابن عاشور: كتب لفظ كتابه بهاء بعد الباء. وقال أبو العلاء في معجز أحمد: روي كتابه وكتابة، على الاسم والمصدر يعني الضمير أو مصدر كتب (١).
والثاني: تعليق على كلام أبي القاسم لأبي الفتح: ثلاث علل اتخذها قواعد في شعر المتنبي. وذلك ببيان المراد من شعر المتنبي، إذ قال: الفسر الكبير اسم لشرح فسر فيه ابن جني ديوان المتنبي. ثم اختصره مقتصراً على تفسير مشكله. وسمى اختصاره الفسر الصغير. وهو الذي أملى عليه أبو القاسم هذا الكتاب الذي سمّاه الواضح. وقد ذكره أبو القاسم في أواخر هذا الكتاب. والفسر مصدر فسَر المخفف. وهو بمعنى فسّر المشدّد (٢).
٤ - ومن تحرير الكلام مع نسبة الشاهد تعليق شيخنا على بيت المتنبي:
أيا لائمي إن كنت وقت اللوَائم ... علمتَ بما بي بين تلك المعَالم
وعلى كلام أبي الفتح بعده: وهو من المبالغَة في اليمين (٣). قال: كذا في الأصل. ولعله أراد من قوله: "اليمين" أنّ مثل هذا يساق مساق الحلف لأنه دعاء على نفسه: إن كان كذا. والمعنى القسم بأنه لم يكن. وقول أبي القاسم: "ومثله إن كان ما بُلّغتَ عني" البيت أليق بكلام ابن جنّي. والبيت لمعدان بن جواس الكندي من أبيات الحماسة وبعده:
وكفنت وحدي منذراً بردائه ... وصادف حوطاً من أعادي قاتل
стр. 591
منذر أخوه، وحوط ابنه (١).
٥ - ومن إكماله لعجز بيت أورده أبو القاسم في نهاية ديباجة الواضح مع نسبته لصاحبه قوله: البيت لعروة بن الورد. وهو:
لنبلغ عذراً أو نصيب رغيبة ... ومُبلِغُ نفسِ عُذرها مثلُ مُنجِح (٢)
٦ - تعيين الأمير الذي أشار إليه أبو القاسم أثناء قوله: فنُمي خبره إلى أمير بعض أطرافها (٣). قال الشيخ ابن عاشور: نزل المتنبي عند خروجه من اللاذقية في أرض بني عدي من عمل حمص. والأمير هو ابن علي الهاشمي (٤).
٧ - ضبط لبعض الأسماء الأعجمية: (١) دلِّير بن لَشْكَرَوز.
قال المحقّق: كذا كتب في الأصل. ولم يُضبط الاسمان. فأما دِلِّير فقد جاء في البيت ٢٦ من القصيدة اللامية:
كدعواك كل يدّعي صحة العقل
ما يقتضي أنه بتشديد اللام، وكذلك في البيتين ٣٧، ٣٨ من تلك القصيدة. وضبط في نسخة مخطوطة من الديوان، وفي مطبوعة العكبري المطبوعة مع شرح العكبري (ط. الحلبي ١٣٥٥) بكسرة تحت الدال، وجعلت علامة الشدّ على اللام في مخطوطة من الديوان، وفي شرح الواحدي وشرح العكبري، وجعله علامة سكون على الياء التحتية في نسخة الواضح، ومطبوعة شرح العكبري. ووقع في مطبوعة خزانة الأدب (١) ١/ ٣٨٥ (دبير) بموحدة عوض اللام. ولعله تحريف وهو اسم عجمي.
стр. 592
وأما لشكروز فهو بِرَاءٍ بعد الكاف، وبزاي بآخره في جميع نسخ الديوان، ونسخ الشروح التي بين أيدينا. وضبط في نسخة مخطوطة من الديوان بفتحة على اللام. ووضع في نسخة الواضح فتحة على الواو، وكذلك في نسخة مخطوطة من الديوان. وضبط حرف الزاي في مخطوطة الديوان بفتحة وعلامة تشديد. ووقع في خزانة الأدب بياء تحتية في أوله عوض اللام. ولعله تحريف. ووُصف لَشكروز في نسخة الديوان بالديلي، ولعل صوابه الديلمي. وكان مدح أبي الطيب دلير سنة ٣٥٣. كذا قال المعري في معجز أحمد (١).
(٢) ضبط كلمة دمستق مع ذكر ما ورد بشأنها بعديد المراجع من إطلاقات، والمقارنة بينها مع ذكر الأوفق منها بالنص ٦.
قال الإمام: الدُّمستق بضم الدال المهملة بعدها ميم مضمومة فسين مهملة ساكنة فتاء فوقية مضمومة. كذا ضبط في موضعين من طبعة شرح العكبري في حرف الجيم، وحرف العين. وهو الذي تقتضيه حروف الاسم في الرومية. وآخره قاف. قال العكبري: هو صاحب جيش الروم. وقال المعرّي في معجز أحمد: وهو قائد الجيش، والاسفهسلّار عند الفرس. اهـ.
قلت: والاسفهسلّار هو قائد الفرسان، وهو بِهَاءٍ بعد الفاء. وقال في دائرة المعارف: إنه اسم أرمينوس. كان قائماً بأمور الأمبراطور قسطنطين بن لاون. وهو الذي كان يحارب سيف الدولة سنة ٣١٥. وهذا أصح لأن صاحب القاموس لم يذكره، والخفاجي لم يذكره في شفاء الغليل. فما قاله المعري توهّم، وما قاله العكبري محتمل الصواب. وأصل التوهّم جاء من إدخال حرف التعريف على
стр. 593
هذا الاسم في كلامهم، كما هو في شعر أبي الطيب وأبي فراس. وشأنه أن لا يعرّف لأنه معرفة بالعلمية كما لا يقال الهرقل. وأما قولنا: الإسكندر والأذفونش فلأن اللام من حروف اسميهما (١).
ويقوم العمل الثاني من التحقيق على ذكر مستتبعات مادة كتاب الواضح، بطريقة بديعة تجمع بين الإيجاز والإفادة، ولا تكاد تهمل جانباً من الجوانب العلمية والأدبية التي يحتاجها دارس شعر أبي الطيب والناظرُ فيه إلا تناولتها. فهو عند ذكره:
- أبيات المعاني، في كتاب الواضح، نبَّه المحقق أولاً إلى مواطن ورودها في النص (٢)، وبيَّن ثانياً المعنى الاصطلاحي المراد من هذا اللفظ قائلاً: أبيات المعاني هي التي تخفى معانيها، وتُوهم ألفاظُها خلاف مرادِ قائلها. فإذا أجيد التأمل فيها ظهر لها معنى صحيح (٣). ثم قال: ونظير ذلك ما يغالط به في الكلام كقول العرب عند إيراد الإبل في الشتاء: "برديه تجديه سخيناً" والمراد رِدِيه أي الماء تجديه غير بارد، فيكون قولهم: ردِي: فعل أمر من ورد. وأنشَدَ قول الشاعر:
أقول لعبد الله لما سقاؤنا ... ونحن بوادي عبد شمس وها شم
المراد بـ (ها شم) كلمتان وهي (وَهَى) فعل ماضي أي تخرَّق، وكلمة (شِم) فعل أمر من شام إذا نظر البرق هل معه سحاب ممطر (٤).
стр. 594
وينتقل ثالثاً بعد هذا إلى ذكر جملة من المؤلفات في أبيات المعاني. جعل منها كتب الأصمعي والأشنانداني والسيرافي والباهلي والجاحظ (١).
وخصص الشيخ ابن عاشور بضربين من شعر المتنبي، ترجم للأول منها بالعضديات لكونه أنشدها في مدح عضد الدولة ابن بويه. وقد كان آخرَ شعره (٢). وترجم للثانية بالصَبَويات عند قوله تعليقاً على بيت المتنبي:
في مِثْلِ ظَهْرِ المِجَنِّ متّصلٍ ... بمثلِ بطنِ المِجَنِّ قَرْدَدُها
هذا البيت من الصبويات (٣).
- وأمام كثرة الألفاظ الواردة في نص الواضح، والمتنوعة بين لغوية وحضارية، واصطلاحية، وبلاغية ونحوها، نستعرض في أمثلة محدودة ما يكشف عن طبيعة كل قسم منها. فالألفاظ اللغوية التي أحببنا الإشارة إليها هي: أنشاء، الممقط، الطلة، النبيذ، الدواويج، العبريات والضال والأياة.
- قال الأصفهاني في ديباجة الواضح: وكان بعض أَنشاءِ خدمته وأغذياءِ نعمته (٤). قال الشيخ ابن عاشور شارحاً معنى الكلمة، وضابطاً صيغتها إذ لم تضبط كلمة أنشاء في الأصل. قال: ويظهر أنها بفتح الهمزة وسكون النون جمع نشء بفتح وسكون. وهو الصغير من الإبل وغيرها أراد به الناشئين في العلم (٥).
стр. 595
- وجاءت كلمة ممقّط في قول الأصفهاني: وكان ركن الدولة جاءه ممقّط وخلا به في الميدان. قال الشيخ ابن عاشور: في اللسان: المقاط: الحامل من قرية إلى قرية. والمقاط أجير الكري. اهـ. فلعل الممقط بمعنى المقاط مشتقاً من مقط، أي كان الجاسوس في صورة مقاط (١).
- وتعليقاً على قول أبي القاسم: لأن النبيذ ليس من كلام العرب. قال: لا يستقيم لأن كلمة نبيذ عربية خالصة غير معربة، ولعل مراد المؤلف أن المشتقات من اسم النبيذ قليلة الدوران في كلام العرب (٢).
- وأمّا طلَّتي في ما يرويه الأصمعي:
أفي نَابين نالهما سُواف ... تألّت طَلَّتي ليست تنام
فمعناه امرأة الرجل. اللسان. والبيت لعمرو بن حسان (٣).
- قال الراجز:
وغَنّى في حنين الزير والمثنى بتهزيج
جعلنا القمص في اللبات أمثال الدواويج
قال المحقّق: الدواويج بدال مهملة وواوين: جمع دُوّاج بوزن رمان: لحاف يلبس، أي فهو شقة غير مخيط. وهذا وجه التشبيه في كلام الراجز (٤).
وفي قول آخر:
عُبْريّاتها نثرت علينا ... دنانيراً طبعن من الإياة
стр. 596
ثلاث كلمات شرحها الشيخ ابن عاشور بقوله: العُبريّات بضم العين جمع عُبرية. وهي شجرة السدر التي تنبت على عبر النهر. يقال لذلك: سدر عُبريّ، وأما السدر البري الذي لا يشرب فهو الضال. والإياة شعاع الشمس (١).
- والألفاظ الحضارية التى أطلقت على أعياد فارسية أو وقعات أو وظائف:
- فلم يحر جواباً إلى أن حضره النيروز: النيروز اسم عيد فارسي معرب نوروز أي الزمن الجديد. فكلمة (نو) بمعنى الجديد، وكلمة (روز) بمعنى الوقت. وهذا اليوم هو أول السنة الفارسية. وهو أول يوم من شهر (أفرودين ماه)، ويوافق اليوم ٢٦ من تشرين الثاني (نوفمبر). ومدّة هذا العيد ستة أيام. وذكروا له أسباباً تاريخية غير فلكية (٢).
- قال الأصفهاني: إلى أن حدث يوم نثر الورد. قال الشيخ ابن عاشور: ظاهر كلام المؤلف أن يوم نثر الورد يوم معروف حينئذ من أيام السنة. ولم أر من ذكره بهذا العنوان غير هذا الكتاب. ولم يذكر شارحو الديوان سوى أن عضد الدولة جلس للشراب في مجلس متخذ له، وأمر بنثر الورد فدارت غلمان تنثر الورد على جوانب المجلس حتى تورّد المجلس. قال المعرّي: وذلك سنة ٣٥٤ (٣).
- خطاب أبي علي الفراء إلى أبي الفرج المنشي صاحب ركن الدولة الذي ورد في أبياته:
قد جاءك المهرجان يلتمس الزيـ ... ـنة من نور وجهك البهج
стр. 597
قال الشيخ ابن عاشور: المهرجان عيد للفرس. وهو اليوم السادس عشر من مهرماه الفارسي يوافق ٢٦ من تشرين الأول (أكتوبر). وهو وسط الخريف (١).
- يوم حليمة. قال في النص: أشهر من يوم حليمة في أشعار المحدثين. قال الإمام الشيخ: يوم حليمة يوم مشهور من أيام وقائع الحرب عند العرب. وهو يوم قتال بين ملوك الشام الغسانية وملوك الحيرة المناذرة. انتصر فيه جيش الحارث بن أبي شمر الغساني على جيش المنذر بن ماء السماء، وأضيف إلى حليمة بنت الحارث الغساني لأنها حضرت المعركة وحرّضت عسكر أبيها، فكان لهم النصر. ومن أمثال العرب: ما يوم حليمة بسر (٢).
- وورد كتاب أبي الفتح ذي الكفاءتين. قال الشيخ ابن عاشور: كذا رسم بهمزة بعد الألف. ولعله سهو صوابه: الكفايتين بياء بعد الألف لأن الكفاية بالياء خطة. وهو أن يكفي صاحبُها الملك أموراً يكلها إليه. ومنه لقب الشريف الرضي ذا الكفاية لكفايته الدولة والخليفة أمور النسب العلوي. وأما ذو الكفايتين هذا فهو أبو الفتح بن أبي الفضل بن العميد لأنه كفى ركن الدولة أبا علي بن بويه أمور الدواوين وأمور الجيش (٣).
- ومن الكلمات التي احتاجت إلى التعليق من أجل البيان وتحرير الخطاب قول المتنبي:
سلَّه الركضُ بعد وهن بنجد ... فتصدّى للغيث أهلُ الحجاز
стр. 598
قال شيخنا: أراد أبو القاسم أن تَخصيص أهل الحجاز بالذكر في مقابلة نجد ليس لخصوصية في الغرض، ولا لاختصاص المقابلة. فإن مقابلة نجد تكون بالغور وبتهامة، بل إنما جلبه لأجل القافية. وليس مراد أبي القاسم أن مقابلة نجد بالحجاز غير صحيحة (١).
- ومن تعليقاته في هذا الباب من أجل إقامة الوزن وتصحيح المعنى وذكر الصور البيانية قوله في بيت الحسن بن هانىء:
طافيات راسبات ... خوْمها عنَقاً عنقَا
كذلك كتب في الأصل، وكذلك ضبط ونقط ما ضبط ونقط منه. ومنه تحريف ونقص أفضى إلى اختلال الوزن. وصواب البيت:
طافيات راسبات ... حببتها عنقاً فعنقا
راسبات بموحدة بعد السين. كذا في ديوانه. ولعل كلمة خومها تحريف خوفها بخاء معجمة وبفاء أخت القاف بعد الواو. وهي رواية في البيت عوض حببتها، وانتصب عنقاً عنقاً على البدلية من ضمير الغائب في حببتها، بدَلٌ مفصَّل من مجمل كما تقول: قرأت الكتاب باباً فباباً، والعنق والعنق رأس الجبل من الرمال. والبيت من مجزوء الرمل. شبه الصعود بالطفو، والهبوط بالرسوب. وفي البيت محسن الطباق (٢). ويمكن أن يلحق بهذا استعمال اللفظ بمعناه اللغوي مع نفي إرادة المعنى الاصطلاحي. كما في قول ابن جنّي: وذلك أن المعدوم عندنا سمِّي شيئاً. قال الشيخ ابن عاشور: يعني عند أهل اللغة دون اصطلاح المتكلمين. فإن أصحاب الأشعري اصطلحوا على أن المعدوم لا يسمى شيئاً (٣).
стр. 599
ومما تناولته تعاليق الإمام الأكبر بيان اختلاف آراء الشراح لديوان شعر المتنبي. والاقتصار على وجه واحد من تلكم الأفهام يقصر بالناظر عن إدراك المقصود بصورة قطعية. ولذلك فإنا نجده فيما كتبه ابن جنّي على بيت المتنبي:
تبلُّ خدِّيَ كلما ابتسمت ... من مطر برقه ثناياها
يتعقبه بقوله: جعل أبو الفتح إسناد تبلّ إليها إسناداً حقيقياً، وأبو القاسم جعله مجازاً عقلياً، أي تتسبب في بلّ خدّي بالدموع، ووافق الواحدي في شرحه التفسيرَ الذي قاله أبو القاسم، وحكى الواحدي عن ابن فورجه موافقته لأبي الفتح. وحكى المعري في معجز أحمد سبعة أقوال في تفسير هذا البيت غير معزوة، أحدها مثل ما لابن جنّي، وآخر مثل ما لأبي القاسم (١).
ويتبع هذه المقارنة بين الأفهام المختلفة مع الترجيح أو الانتصار لبعض أصحابها. وهو فاش في كتاب الواضح. مثاله قول المتنبي:
لَياليَّ عند البِيضِ فَوْدَايَ فتنةٌ ... وفخرٌ وذاك الفخرُ عِنديَ عَابُ
اختلف في معنى هذا البيت ابن جنّي والأصفهاني. وقال الشيخ ابن عاشور: معنى أبي الفتح ومعنى أبي القاسم متقاربان، وإن كان معنى أبي القاسم أصرح (٢).
- ومن ذلك الاختلاف في معنى قول أبي الطيب:
وترى الفضيلة لا ترد فضيلة ... الشمس تشرق والسحاب كنهورا
عقب عليه الشيخ ابن عاشور بقوله: ذكر أبو البقاء اختلاف
стр. 600
شارحي الديوان في معنى هذا البيت ونظمه (١). انظر وجوه ذلك عند العكبري (٢).
- ومنه ما ورد في تفسير قول أبي الطيب:
عيون رواحلي إن حرتُ عيني ... وكلُّ بُغام رازحةٍ بُغامي
حكى الأصفهاني عن أبي الفتح قوله: حرت أو تحيّرت، والبغام صوت الناقة المعيية. ومعناه: إن حارت عيني فعيون رواحلي عيني وبغامهن بغامي. قال المحقق: هذا التفسير من أبي جعفر هو الظاهر، وما ذهب إليه أبو القاسم معنى ضئيل. وحسبك أن الشاعر فسّر به مراده، وهو الذي يقتضيه سياق الأبيات قبله وبعده. وذكر البُغام لا يناسب إلا المعنى الذي رواه أبو الفتح عن الشاعر نفسه. وابن فورجه والخطيب سلكا مسلك أبي القاسم في معنى البيت في شرح العكبري، بخلاف العكبري (٣).
- ومن ذلك الاختلاف في تفسير قول المتنبي:
وخيلٍ حَشَوْناها الأسِنَّةَ بعدما ... تكدَّسْنَ مِنْ هَنَّا علينا ومِنْ هَنَّا
ضُرِبْنَ إلينا بالسياط جهالةً ... فلما تعارفنا ضُرِبْنا بها عَنَّا
يروي أبو القاسم الأصفهاني وجهين في تفسير قول أبي الطيب: فينسب الأول لأبي الفتح وينسب الثاني له.
قال الشيخ ابن عاشور: وافق أبا القاسم على هذا التفسير