← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17094

مقاصد الشريعة الإسلامية

ابن عاشور

Полный текст (1 856 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

شَيخُ الْإِسْلَامِ الإِمَامِ الْأَكْبَرِ مُحَمَّد الطَّاهِر ابْن عَاشُور وَكتابه مَقَاصِد الشَّرِيعَة الإسلامية الْجُزْء الأوَّل شَيخُ الْإِسْلَامِ الإِمَامِ الْأَكْبَرِ مُحَمَّد الطَّاهِر ابْن عَاشُور تأليف الشَّيْخ مُحَمَّد الحبيب ابْن الخوجة طُبِعَ على نَفَقَةِ حَضْرَة صَاحبِ السُّمُوِّ الشَّيْخ حمد بن خَليفَة آل ثَانِي أَمِير دولة قطر - حَفِظَهُ الله - بإشرافِ وزارةِ الْأَوْقَاف والشؤونِ الإسلاميَّة

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 3

شَيخُ الْإِسْلَامِ الإِمَامِ الْأَكْبَرِ مُحَمَّد الطَّاهِر ابْن عَاشُور

стр. 4

طبعَة وزارةِ الْأَوْقَاف والشؤونِ الإسلاميَّة دوْلة قطَر عَلَى نَفَقَةِ حَضْرَة صَاحبِ السُّمُوِّ الشَّيْخ حمد بن خَليفَة آل ثَانِي أَمِير دولة قطر - حَفِظَهُ الله - حُقُوق الطَّبْع مَحْفُوظَة ١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٤ م

стр. 5

صورة الإمام الأكبر الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

стр. 6

رموز وإشارات دواوين السنة: [خَ] صحيح البخاري. [مَ] صحيح مسلم. [دَ] سنن أبي داود. [نَ] سنن النسائي. [تَ] سنن الترمذي. [جَه] سنن ابن ماجه. [حَم] مسند أحمد. [طَ] الموطأ. [دَي] سنن الدارمي. [هق] سنن البيهقي. [ك] مستدرك الحاكم. [()] وضع النص القرآني بين قوسين مع ذكر اسم السورة ورقم الآية بالحاشية. [" "] وضع نص الحديث بين هلالين، يلحقه التخريج بالحاشية. الهلالان يحصران العناوين كأسماء الفنون أو العلوم. [[]] بين العاقفتين الكلام المنقول أو المستدرك غير ما أثبت في النص مما وقع السهو عنه أو إغفاله. [،] التفريق بين أجزاء الجملة. [.] نهاية الجملة.

стр. 7

[؛] الإشارة إلى ترتيب أجزاء الجملة مع الحفاظ على استقلالية مدلولها الخاص بها. [:] ما بعدها يكون بيانًا لما قبلها أو تفصيلًا. [...] إشارة إلى اختصار في القول أو في النقل. [إلخ] وما بعده. [/] الفصل بين رقم الجزء ورقم الصفحة. الفصل بين التاريخين الهجري والميلادي. علامة على بداية الصفحة الجديدة من النص الأصلي المحقق. [*] نجمة تشير إلى أن التعليق من المؤلف نفسه: أثبتت في المتن وفي التعليق. [=] علامة مساواة توضع في الهوامش بين طبعات الكتاب المتعددة، مع وضع رقم الطبعة بين قوسين. [؟] علامة الاستفهام. [؟!] للاستفهام الإنكاري. [!] نقطة التعجب عقب ما يكون محل استغراب أو إبداع. [اهـ.] تشير إلى انتهاء النص من نقل أو غيره. [ب] البغدادي. [تع.] تعليق. [ح] حديث. [د] ديوان. [ط.] الطبعة ويوضع بجانبها رقمها، وكذا الثانية. [ع.] ابن عاشور؛ عدد. [ف] فقرة. [مخط.] المخطوط. * * *

стр. 8

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تقديم سعادة وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية في دولة قطر أحمد بن عبد الله المُرِّي الحمد لله الذي جعل التفقُّه في الدين سبيل خيريَّة الأمة المسلمة، وطريق وَعْيها، ونهوضها، وتحقُّقها بالحَذَر والوقاية الحضارية، وحمايتها من الضلال، وجعل النُّفْرة للاجتهاد، والكسب الفقهي، من الفروض الكفائية على الأمة عامة، ومن الفروض العَيْنية على القادر عليها، المتخصِّص بها. فقال تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (١). واعتبر النُّفْرة للاجتهاد، والتفقُّه في الدين، مقدَّمة على النُّفْرة للجهاد ومدافعة الظالمين، وحماية الأمة من تسلُّط الأعداء، حتى يأتيَ الجهاد على بصيرة، واضح المقصد، بيِّن الهدف، مُنْضبطًا بضوابط التشريع، بعيداً عن الانفجارات العشوائية، وهَدْر الطاقات، وشتات الأمر، قال تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ

стр. 9

أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ...﴾ (١)، وأولي الأمر هنا أهل الفقه في الدين. والصلاة والسلام، على الرحمة المهداة، الذي كان المقصد من رسالته وشريعته، إلحاق الرحمة بالعالمين، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (٢)، الذي بَيَّن أنَّ خيريَّة الأمة المسلمة، إنما هي بسبب التفقُّه في الدين، وأنَّ استرداد هذه الخيريَّة اليوم، مَنُوط في الفقه في الدين فقال ﷺ : "مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ" (أخرجه البخاري). ذلك أنَّ الفقه في الدين، ومعرفة مقاصد التشريع، مؤشِّر الخيريَّة، وأن الكثير من الإصابات والهزائم والعجز عن النهوض، كان بسبب غياب الفقه الصحيح بالدين، والقعود عن النُّفْرة للتفقُّه في الدين. ولقد أشار القرآن في مواضع كثيرة، إلى أن السقوط والهزيمة تتأتَّى من غياب الوعي، والفقه، بالمعنى العام. وكثيراً ما عَلَّلت الآياتُ، سبب الهزائم بوصف المهزومين بقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾ (٣). ونسارع إلى القول: بأن الفقه في الدين، لا يتحقق بحفظ الأحكام الشرعية فقط، فقد يكون هذا حَمْلًا للفقه، وليس فِقْهاً، والرسول ﷺ يقول: "رُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أفقَهُ مِنْهُ" (أخرجه الترمذي).

стр. 10

ومن هنا ندرك بعض أبعاد دعاء الرسول ﷺ لعبد الله بن عباس ﵄، بقوله: "اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ" (أخرجه الإمام أحمد)، فكان ببركة دعاء الرسول ﷺ حَبْرَ الأمة، بما وَعَى، وبما فَقُه، من إدراك العواقب، والمآلات، (وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ) في ضوء سنن الله وأقداره الفاعلة في الحياة. وبعد: فهذه الطبعة الأولى من كتاب "مقاصد الشريعة" للإمام الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور ﵀، بتحقيق فضيلة معالي الشيخ محمد الحبيب ابن الخوجة، الأمين العام لمجمع الفقه الإسلامي، التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي، تضطلع بطباعته والإشراف عليه وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، على نفقة حضرة صاحب السمو أمير دولة قطر الشيخ حَمَد بن خليفة آل ثاني حفظه الله ورعاه. وقد لا نكون بحاجة للتدليل، على أهمية عِلْم مقاصد الشريعة، بالنسبة للمجتهد، بشكل خاص، والمسلم بشكل عام، يقول فضيلة الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد، رئيس مجمع الفقه الإسلامي، حفظه الله: "فهذا العلم الشريف يثمر فيما وُضِعَ له، معرفة غايات جنس الأحكام، وحِكَمَها، ومقاصِدَها ووظيفتها، وما تَهدي إليه، وتدلُّ عليه من حفظ نظام العالم، وتحقيق مصالح العباد في الدّارَين ... وهذا العلم المتميِّز، هو أحد رُكْني علم أصول الفقه، الموضوع لدلالة الفقيه على معرفة استنباط الأحكام الشرعية الفرعية، من أدلَّتها التفصيلية، وكيفية الاستدلال بها" (١).

стр. 11

ويقول الشيخ عبد الله دراز ﵀ في بيان علم المقاصد: "وهذه الشريعة المعصومة، ليست تكاليفها موضوعة حيثما اتَّفق، لمجرد إدخال الناس تحت سلطة الدين، بل وُضعت لتحقيق مقاصد الشارع، في قيام مصالحهم في الدين والدنيا معاً، ورُوعي في كل حكم منها، حفظ الضروريات الخمس: (الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال) التي هي أسس العمران المرعية في كل ملَّة، ولولاها لم تَجْرِ مصالح الدنيا على استقامة" (١). ولعلَّ أول من أنضج منهجاً واضحاً، في علم مقاصد الشريعة، هو الإمام العالم الفذّ أبو إسحاق الشاطبي الأندلسي ﵀ المتوفَّى (٧٩٠ هـ) في كتابه الموافقات، يقول الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور ﵀: إن الإمام الشاطبي ﵀ هو: (الرجل الفذُّ الذي أفرد هذا الفن بالتدوين) (٢)، حتى لقد اعتبر الشيخ رشيد رضا ﵀ أنَّ الشاطبي يُعَدُّ بكتاب - (الموافقات مقاصد الشريعة) - نظيراً لابن خلدون في المقدمة (٣). ولا يخفَى على الباحثين: بأن الامتداد بعلم المقاصد، ولمح آفاق جديدة ومقاصد جديدة، وتطبيقات معاصرة، لم يتحقق بالشكل المأمول، إلا من خلال بعض البحوث والرسائل الجامعية، التي قد تكون ساهمت باستدعاء الموضوع وطرحه، على ساحة الاجتهاد الفكري والفقهي، وجعل حَبْل التفكير موصولاً بهذا العلم المهم، الذي يضبط حركة الاجتهاد بمقاصدها وأهدافها، ويخرج بها عن أن

стр. 12

تكون قواعد تجريدية نظرية، هي أقرب للجدل، وعلم الكلام، منها للتمكين من أدوات تحقيق المقاصد الشرعية، حيث عجز الكثير من المشتغلين بها عن تعدِّيه تلك القواعد إلى الإتيان بمثال آخر، غير ما استدلَّ به الأقدمون. فالمثال الواحد يتكرر بتكرار التأليف، وعدد الكتب المؤلفة، دون القدرة على الإتيان بمثالٍ جديد، أو معاصر، مما يدلُّ على أن الحركة الفقهية تجمدت، وظلَّت تراوح مكانها بشكل أو بآخر. ولعل كتاب: مقاصد الشريعة المحقَّق، الذي نضطلع بطباعته، يمكن أن يشكِّل نَقْلة نَوْعيَّة، ومَعْلَمة كبرى، ومنهجاً نضيجاً، في فقه المقاصد، خاصة وأن مؤلفه هو الإمام العالم المجدِّد الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور ﵀، وأن محقِّقه هو فضيلة الشيخ الحبيب ابن الخوجة حفظه الله. يقول الشيخ محمد الطاهر مبيناً عمله حيال مقاصد الشريعة: "فنحن إذا أردنا أن ندوِّن أصولاً قطعية، للتفقه في الدين، حقَّ علينا أن نعمد إلى مسائل أصول الفقه، المتعارفة، وأن نعيد ذوبَها في بوتقة التدوين، ونعيِّرها بمعيار النظر، والنقد، فننفي عنها الأجزاء الغريبة، التي عَلِقت بها، ثم نعيد صَوْغ ذلك العلم، وتسميته عِلْم مقاصد الشريعة، ونترك علم أصول الفقه على حاله، تُستمد منه طرق تركيب الأدلة الفقهية (١). أما الدافع إلى تأليف كتاب المقاصد، فيقول الشيخ: "الذي دعاني إلى صَرْف الهمَّة إليه، ما رأيت من عُسْر الاحتجاج، بين المختلفين، في مسائل الشريعة، إذ لا ينتهون في حجاجهم إلى أدلَّة

стр. 13

ضرورية، قريبة منها، يذعن إليها المكابر، ويهتدي بها المشتبه عليه" .. ففكرة الحدِّ من التشتت الفقهي كانت مسيطرة عليه، فإن منطلقه والغرض الذي رسمه لهذا العلم، هو أن يصل في مقاصد الشريعة، إلى تأسيس ما هو كلِّي عام، يكون كفيلاً عندما يتحاكم إليه الفقهاء، والأصوليون، بأن يقطع جدلَهم .. (١). ولعلَّ جهود ابن عاشور ﵀ الذي أفاد من كتاب الإمام الشاطبي في الموافقات اتجهت إلى الارتقاء بالمقاصد، ليصير علماً قائماً بحدِّ ذاته، تُنتخب مسائله من بين علم أصول الفقه، لتصبح أصولاً قطعية للتفقه .. والحقيقة العلمية التي لا مجال للتشكيك فيها، أن الكثير من أئمة الفقه والأصول، تكلَّموا عن المقاصد كجزء من علم الأصول، وأفردوا لها عناوين خاصَّة، وإن لم يُفْرد لها كتباً خاصة إلا القليل منهم، على أهمية ذلك وضرورته. وكان لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (المتوفَّى عام ٧٢٨) عنايةٌ بالغة، ولَهَجٌ شديد بالكشف والبيان، عن مقاصد الشريعة، وإدارة الأحكام عليها. ولعلَّ مما يلفت حقاً، أن شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - لم يُسَلِّم بحَصْر الكلِّيَّات في الخمس المذكورة، في بحوث المقاصد، وإنما رأى أن الاجتهاد في المقاصد مفتوح، لكشف المزيد من مقاصد الشريعة، بحسب أولويات الاجتهاد، والاستدلال، لتنزيل الأحكام على واقع الناس. وكم يتمنى الإنسان، أن يهيِّئ الله بعض الباحثين والدارسين

стр. 14

المجدِّين، لتتبع نظرية مقاصد الشريعة، عند شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ على الرغم من معاصرته للشاطبي، ليقدِّم للمكتبة الفقهية نظرات خاصة، ومتميِّزة، لم يُسبق إليها شيخ الإسلام ﵀ إضافة إلى تراث تلاميذه، وفي مقدمتهم العلامة ابن قيِّم الجوزية (المتوفى عام ٧٥١)، حيث جِماع المقاصد عنده: "أنَّ الشريعة مبناها وأساسها، على الحِكم، ومصالح العباد، في المعاش والمعاد، وهي عَدْلٌ كلُّها، ورَحْمةٌ كلُّها، وحِكْمَةٌ كلُّها، فكل مسألة خرجت عن العَدْل إلى الجَوْر، وعن الرحمة إلى ضدِّها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العَبَث، فليست من الشريعة، وإن أُدخلت فيها بالتأويل، فالشريعة عَدْلُ الله بين عباده، ورحمته بين خلقه .. فكل خير في الوجود، فإنما هو مستفاد منها، وحاصل بها، وكل نقص في الوجود فبسبب من إضاعتها، فالشريعة التي بعث الله بها رسوله، هي قُطْب الفلاح والسعادة، في الدنيا والآخرة" (١). وقد يكون من الأمور الجديرة بالذكر في هذه العُجالة، أن الإمام الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور كان فقيه ميدان، لم يكن يعيش بعيداً عن وَعْي الواقع، منصرفاً إلى أوراقه وبحوثه النظرية، والاكتفاء بالحديث عن خلود القِيَم الإسلامية، وعظمة الفقه الإسلامي، دون النظر في كيفية تنزيل الأحكام الشرعية على واقع الناس، وتقويم حياتهم بقِيَم الإسلام، في الكتاب والسنّة، والارتقاء بأدوات الاجتهاد، والتعامل مع النصوص التكليفية في الكتاب والسنّة، تفسيراً، وبياناً، واجتهاداً، وفق منهج علمي أصيل .. يظهر

стр. 15

ذلك بشكل واضح وجليّ في نشاطه وعمله العلمي، مدرِّساً، وقاضياً، ومفتياً، وشيخاً للجامعة الزيتونية، وتآليفه المتنوعة خاصة في التفسير، حيث يعد كتابه التحرير والتنوير مدرسة في التفسير قائمة بذاتها، بدأت من حيث انتهى المفسِّرون الذين سبقوه، إضافة إلى التأليف في الحديث ومصطلحه، ولعل من أبرز مؤلفاته فيه كشف المغطَّى من المعاني والألفاظ الواقعة في الموطأ، والنظر الفسيح عند مضايق الأنظار في الجامع الصحيح، إضافة إلى الفقه والأصول، حيث يأتي كتاب مقاصد الشريعة في مقدّمتها، هذا عدا تآليفه في النقد، والأدب، والبلاغة، والسِّيَر، والتاريخ. والمأمول أن يشكّل هذا الكتاب إضافة متميزة للمكتبة الفقهية، خاصة وأن مؤلِّفه عالم موسوعي فذٌّ، ومجتهد مجدِّد مُبْدع، وأن محقِّقه عالم محقِّق متمرِّس، يشكّل الاجتهاد والفقه مِحْور حياته وجلّ اهتمامه. وأن يساهم بالارتقاء بتنمية المَلَكة الفقهية، وتأصيل أدوات الاجتهاد، وإغنائها، لتواكب الشريعةُ إيقاعَ العصر المتسارع، ويتحقق خلودها بالقدرة على الإنتاج في كل زمان ومكان، ويتحول الفقه الإسلامي إلى مواقع الريادة والسبق، لحركة المجتمع، وبيان حكم الله في النوازل الواقعة والمتوقعة. سائلين الله أن يكتبَ له القبول، ويجعل عملنا خالصاً لوجهه، ويجعله من العلم الذي يُنتفع به، مصداقاً لحديث الرسول ﷺ : "إذَا مَاتَ الإنْسانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلا مِنْ ثَلاثٍ: إِلا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ" (أخرجه مسلم)، ويجزي مؤلفه ومحققه خير الجزاء، إنه نعم المسؤول.

стр. 16

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تصدير يتهيب الباحث والدارس لشخصية مرموقة نادرة، كشخصية شيخ الإسلام الإمام الأكبر محمد الطاهر ابن عاشور، أن يكون ما يكتبه عنه دون منزلة من يترجِم له. وهذا أمر وعر جِدُّ متعذّر على من لم يخالطه أو يسمع عنه، أو يقرأ له ولم يتخرج به، أو ينقل عن لداته ما كتبوه من مقالات عنه وشهادات له، وهو أجنبي عن مدرسته القائمة على علمي الوسائل والمقاصد، وقوة النظر وصحة المدارك، مما خص الله به بعض عباده، فرفع بذلك درجاتهم، وجعلهم أئمة علم وأعلام هدى. ميز الله تعالى هذا الإمام الجليل بما وفّقه إليه من التحرير والتنوير لكتابه العزيز الكريم، وبما رواه وحققه ونقده من أسانيد ومتون، أو دلَّ عليه من ضوابط وحقائق، وما حاط به سنة نبيه ﷺ من بيان شامل ذاد به عنها تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين. كان ﵀ مرجعاً في العلوم الشرعية وهي المقاصد بقدر ما كان حجةً في الوسائل والعلوم اللسانية، كما سنبيّن ذلك. وهذا بما رَزَقَهُ الله من فقه في الدين، وعلم بفروعه وأصوله، وبما جرى به قلمه أو نشره من فتاوى دقيقة مركزة ومعللة، مبنية على العلم

стр. 17

والفهم والفطنة والملكة الواسعة الأفق، وعلى استعماله وسائل البحث وآلات النظر، للخلوص في ذلك كله إلى ما يمكن الاعتداد به. فلم يكن يصدر إلا عن رأي صائب وحجة قاطعة وقول فصل. وإنك بتتبعك لآثاره ووقوفك على تعاليقه وتحقيقاته، مُلْفٍ بما ذكرناه وما لم نذكره، عالِماً لغوياً، ونحوياً بارعاً، وناقداً بصيراً، وبحراً من الأدب، ذا مكنة في أسرار العربية، وجودةٍ في إبراز مقاصد الشريعة. فلا تكاد تجد له نظيراً بين علماء عصره، أو منافساً له فيما خصّه الله به إلا أن يكون هذا النظير والمناسب ممّن تخرّج على طريقته ونبغ نبوغه، وقليل ما هم. وإن ما احتوت عليه هذه المقدمة من التعريف بصاحب مقاصد الشريعة الإسلامية لقليل جداً إزاء ما يتأكد العلم به. فهي لم تحقق إلا جزءاً من غرضنا، وهو تصوير شخصية العالِم والمفكر مترجمنا، وتقديمٌ موجزٌ عن كتبه وآثاره المطبوعة منها خاصة. وإن الواقف عليها لمكتفٍ بها على الجملة، لما تثيره في نفسه من أذواق وأشواق. وإن كانت لا تغني من لم يعلق شيئاً من ذلك قبل. ولذلك دعت الحاجة إلى إشارات وتنبيهات قدمنا بها شخصية المؤلف، مع ما لابسها من ظروف في حياته، أو مر بها من متغيرات سياسية، وتقلبات فكرية واجتماعية واقتصادية، كان لها جميعها أثر أي أثر في عصره. وأصبح من الضروري لإدراك كنه ذلك، وما ترتب عليه أن نقف قليلاً عند عينات مما حرّره وحبّره، أو درّسه وحقّقه. ومن ثم بات لزاماً التعريف بإنتاجه ليعلم طلاب العلم أيَّ رجل فقدوا، وأيَّ عالم ما زالوا يستفيدون من علمه، ويطمئنون إلى تقريراته وأحكامه في مؤلفاته. فبذلك نكشف عن جوانب الإمتاع والإبداع فيها، وعن استدراكه على ما انتهى إليه المتقدمون من حقائق العلم وجواهره.

стр. 18

ولذلك لا يمكن في هذه الحال أن نقتصر على ترجمة موجزة لا تصلح أن تكون طريقاً لإبراز منهجه، وسبيلاً للسير على دربه العلمي والفكري والخلقي. فجعلنا هذا الكتاب ثلاثة أجزاء: • الأول منها: في ترجمته، وبيان حركته الإصلاحية، والحديث عن مؤلّفاته. وقد اختصرنا الحديث عن الحياة السياسية سوى بعض نقاط تعرضنا إليها، خوفاً من البُعد عن الموضوع الأساسي والأصلي من ترجمته. كما أحلْنا في نقوله وتضميناته لكلام النقاد وعلماء البلاغة على شرحه للمقدمة الأدبية للمرزوقي، الذي تضمن إيراد ما أورده من ذلك من حفظه على عادة العلماء المتقدمين. • والثاني: سايرنا به مقاصد الشريعة مضيفين إليها جملة من البحوث الأصولية لما يوجد بينها من علاقة. وفصّلنا الحديث عن منهجه في جملة ما وقفنا عليه من تحاريره العلمية. • والثالث: هو كتاب المقاصد المتميز بمسائله وبحوثه، والذي رأينا أن نخصه بشيء من الاهتمام. وهكذا قمنا بتحقيقه ونشره بعد إقامة نصه، والتقديم له والتعليق عليه، طمعاً في أن يكون أمره ميسوراً على من يقف عليه من الطلاب والمراجعين والدارسين، كما بذلنا الجهد في ذكر ما عناه من إشارات أو مراجع بالإحالة عليها وتفصيل القول فيها أحياناً، جاعلين في نهايته فهارس تكشف عن مادته وأغراضه جملة وتفصيلاً. وإني في نهاية التعريف بأجزاء الكتاب الثلاثة لأتقدم بعظيم الشكر وأجزله لحضرة صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، أمير دولة قطر، حفظه الله ورعاه، وذلك على تفضله بالإذن بطبع هذا

стр. 19

الكتاب على نفقته. وإني لأشكره عن معرفة بقدره، واعتراف بحقه، وإعظام للنعمة فيه، واعتداد بالمنة منه. وإني لأذكر بغاية التقدير والشكر كل من أمدّني في هذا المهم بآرائه، وملاحظاته، من الأساتذة الشيوخ أمثال أصحاب السماحة الدكتور الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد رئيس مجمع الفقه الإسلامي الدولي، وسماحة الأستاذ الشيخ محمد المختار السلامي مفتي الجمهورية التونسية سابقاً، والعالمين الجليلين صاحبي الفضيلة الأستاذ الشيخ مصطفى الغزالي، والأستاذ الشيخ محمد الشريف الرحموني جزاهم الله عني خير الجزاء وبارك فيهم. ولعلنا بعد هذا الجهد نبلغ بعض غرضنا من خدمة مقاصد الشريعة الإسلامية للإمام الأكبر محمد الطاهر ابن عاشور، تغمده الله بغفرانه، وأغدق عليه شآبيب رحمته ورضوانه. * * *

стр. 20

المقدمة الحمد لله الذي بعث محمداً رسولاً، ليكون إلى معرفته سَبيلاً، وجعله إلى دينه هادياً ومُهيباً، وعلى خلقه شاهداً ورقيباً، وبالخير مُخبراً ومبشّراً، ومن الشرّ مخوّفاً ومحذّراً، ولأعلام الإسلام ناصباً، ولأحكامه ناصراً. فصلى الله عليه أفضل صلاة صلاها على أحد من خلقه، وصلِّ اللهم عليه صلاة تليق بك منك إليه كما هو أهله. وبعد، فإن الله عزّ شأنه وأحاطت ألطافه بخلقه، قد جعل من كتابه الكريم، ومن سُنة نبيه الأمين مصدرَي علم وهداية. قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ (١)، وقال: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ (٢)، وقال رسول الله الأكرم ﷺ يوصي المؤمنين من حوله: "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما مسكتم بهما كتاب الله وسُنة نبيه" (٣). وقد ورث العلم والحكمة عن الرسل دعاةٌ إلى الله أصبحوا بميراثهم الزكي مصادر معرفة وعناوين نجابة وهداية. انتظمت فرائدهم ولآليهم كواكبَ منيرة كالأنجم الزهر ثم انطفأت، ولمعت في سماء العزّة والكمال أنوارها ساطعة ثم خبت، وهي على الدهر ذؤابة تضيء للناس وهي تحترق.

стр. 21

وإنما حملنا على الاقتراب من هذا الكوكب اللامع، والاختلاف إليه، والاستنارة به، والاغتراف من فيوضه، طمعٌ يُدنينا من اقتباس بعض مزاياه، واكتسابِ جملة من عناصر نفاسته ومجادته. وقد لُذنا في ذلك بالعصابة الزكية من أبناء الرحم العلمية السادة الغرّ الميامين القائمين على شرف الفصحى وخدمة الدين. ولِما وثِقنا به من سعة المعرفة، وجميل الآداب من شيخنا وإمامنا، صاحب مقاصد الشريعة الإسلامية، تقدّمنا إليه مستأذنين، ومن علمه مسترفدين. والإمام، رغم تعدّد نشاطه في المجالات الدينية والعلمية والإصلاحية، كان لا يتوانى عن القيام بما يشعُرُ به من واجب، فيؤدّيه أحسن أداء، موفّياً إياه حقّه من البحث والنظر، سُنة عرفناها منه، وخُلقاً نبيلاً درج عليه. وهو في كل ذلك يتحمّل العلوم أجملَ تحمّل، ويبلّغها أكمل تبليغ. كيف وقد رأينا جمهور الدارسين ينجذب إليه، ويقبل على دروسه ومجالسه، حيث العلم المستفاد والعمل المستجاد. ولم يكن يصدر عنه في هذه المقامات وبخاصة في حياته العلمية والسلوكية غير فهم صائب، ورأي ثاقب، ونظر عميق، وقول بليغ فصل. ذلك هو ديدَنُه وما طَوَى عليه جوانحه من إقبال على الدرس، واهتمام بالثقافة الأصيلة، وتعلّق بالعلوم الإسلامية، ومنابع الحكمة التي تَرجع أصولها ومعاقدُها إلى حذق كتاب الله وسنة رسوله، اللذين ثافَنهما كبيرَ مثافنة، واكتسب منهما إيماناً صادقاً، وتصوّراً دقيقاً، وحُجة بالغة، ونفوذاً إلى أسرار ما همَّ بتحليله وعَرْضه، شاكراً لأنعم ربه، متمسّكاً بحبله، منغرساً في حقيقة التوحيد، مستجلياً من خصائص هذا الوجود صحَّةَ عقيدة، وصفاء نفس، ورقة مشاعر، وإخلاصاً لله في السر والعلن. وإني لأستميح الله من فضله وتوفيقه ورعايته، عونَه على القيام

стр. 22

بهذا العمل الجليل الذي ندبني إلى القيام به الواجب. وإنّي وإن تأخّرت عن الوفاء بذلك، قِبَل شيخنا ﵀ لأَجدُ لدَيَّ فيما أقدمه - إن شاء الله - انشراحَ نفس ورضاها، وعند إخوتي من أهل الطلب والعلم والفكر الإسلامي والأدب العالي إنعاشاً لنفوسهم، وإمتاعاً لأرواحهم، بوقوفهم جميعهم على هذه المشارف، حافظين شريعة ربهم، قائمين عليها، ساهرين على لغة قرآنهم التي كرمهم الله بها، وميّزهم بأن جعل الفصحى لسانهم، ومن أذواقها الرائعة تصرفاتِهم البديعة في أقوالهم. فهم لذلك منها يرتوون، وعنها يذودون. وإني لأرجو الله أن يكون لي ولإخوتي من العلماء كافَّة بهذا الصنع الجميل سببٌ تتجلّى به رحمةُ ربنا علينا، فيَضع عنا أوزارنا، ويرفع بمنته أقدارنا، ما حرَصنا على التعريف "بمقاصد الشريعة" النيّرة السمحة التي فتح الله بها علينا، وجعلنا نتتبع فرائدها من خلال مصنّف شيخنا، عاملين إن شاء الله على تحقيق المراد من كتاب الله الكريم، بامتثال أمره ونهيه سبحانه، وبما أودع قرآنه من أسرار التشريع، ومقاصدِ الأحكام، وطرقِ الوصول إليها عند الخاصة من العلماء، أو حسبما درج عليه السلف من قبلهم، وبما تفجّرت به ينابيع السُّنة المطهرة من تشريع وبيان وهداية وحكمة. وقد يُعيننا على إدراك ذلك، على الوجه الكامل، ما كان من حِرص الإمام الأكبر على طلب هذه المعاني، وتعظيمِه لها في التحرير والتنوير وفي سائر كتبه ورسائله الشرعية. وما كان يمكن لنا أن نُلمّ بجملة ما قصدناه من أغراض مقاصد الشريعة، إلا بجعل هذا الكتاب الذى نُقدّمه ثلاثة أجزاء متماسكة، تربط بينها وحدة الموضوع العلمي، والحديث عن الآثار الباهرة التي صدرت عن الإمام طوال حياته المباركة.

стр. 23

ولتذليل ما قد يعوقنا من صعوبات، تَحولُ بيننا وبين استخراج أكثر المعلومات والتصوّرات والفرائد والفوائد، التي تراءت لنا من خلال دراسة هذه الشخصية الفذّة، أحببنا أن نجعل الجزء الأول من بحثنا مشتملاً على خمسة أبواب، لكل باب منها عدّة فصول، جميعُها يُعَنْوِن لجوانب ثرّة قمينة بأن يُفرد كل فصل منها بذاته بالدرس والنظر، ويبدو هذا واضحاً من خلال ترجمة الإمام. التعريف بالإمام الأكبر: أعتقد أن عملاً كهذا لا بد أن تكون دراسته منصبَّة أولاً على: ١ - التعريف بعصر الإمام الأكبر شيخ الإسلام محمد الطاهر ابن عاشور. ٢ - تفصيل القول في نشأته وحياته، وجوانب من آرائه من خلال كتبه ومقالاته وآثاره العلمية والأدبية. ٣ - اضطلاعه بالجوانب المختلفة من الإصلاح الفردي والاجتماعي، وبإصلاح التعليم بالخصوص، وبكل ما يتعلّق بشؤون طلبة جامع الزيتونة الأعظم. ٤ - نقد الكتب والمؤلفات الدراسية وبيان وجه إصلاح حركة التأليف بعامة. ٥ - التعريف بمؤلفات الإمام الأكبر وإنتاجه المتنوِّع في علوم المقاصد والوسائل. أ- التعريف بعصر الإمام: درجنا في الباب الأول من هذا الجزء على ذكر ملامح عصر مترجَمنا. وبدت تونس فيه مسرحاً لتطورات سياسية واجتماعية وفكرية: علمية وثقافية. وتعرضنا بجانب ذلك للنكبة الفادحة التي

стр. 24

قصمت الظهر، باحتلال الجيشِ الفرنسي لبلادنا، وإبرامه معاهدتي باردو والمرسى بين السلطتين القائمتين بالبلدين فرنسة وتونس. وقد أثارت هذه الصدمة اضطرابات ومظاهرات، أدت إلى مواجهة الاحتلال الأجنبي. وبسبب الذهول الذي أصاب الناس يومئذ ألحّ الخوف والحزن على بحث أسباب هذه المحنة، في كامل سلطنة الدولة العثمانية وبخاصة ما حصل بها من آثار في البلاد التونسية بسقوط دولة الخلافة. وكان هذا الوضع المؤلم منتشراً ومستقراً في أكثر بلاد المشرق والمغرب من ديارنا. وكانت الدول الغربية تقوم بالتخطيط للقضاء على العروبة والإسلام، غير أن نهضةً شاملة في أطراف البلاد الإسلامية والعربية، قامت تهيِّئ أصحاب هذه الأوطان إلى تدارك الأوضاع البغيضة والمهينة، وإلى العمل بحزم على استرجاع السيادة والكرامة. واحتدم الشباب الوطني في نزاعه مع المنافقين والمتخاذلين الذين باتوا يخشَون على مصالحهم من التلاشي، وعلى نفوذهم من التقلّص. وتغيّرت أوضاع تونس السياسية والإدارية. وكانت طائفة من المواطنين قد اختارت السلاح لمواجهة العدو ومحاربته، وأخرى كانت تعزّز الأولى وتوجّهها، وتثبّت أقدامها في المعركة، تثير في نفسها ما هي في مسيس الحاجة إليه، من حميّة وحماس وعزم على مواصلة الكفاح: والعرب لا تبدأ بجمع جموعها ... إلا سمعت نشيدها وحداءها وهكذا ظهرت في المشرقين الأقصى والأدنى حركة إصلاحية مباركة، ونهضة فكرية شاملة: اجتماعية وسياسية، زلزلت الأرضَ من تحت أقدام المستعمرين أو كادت. وشكا الباغون المستعمرون، رغم

стр. 25

إمعانهم في استنزاف قوى الشعوب الضعيفة والمواجِهة لها، ارتفاع صوتِ محرري الأوطان يصدع بقول الشاعر: فقلت لمحرز لما التقينا ... تنكّب لا يقطرك الزحام وكان من أثر الأحداث الخطيرة قيامُ دعاة الإصلاح والتجديد بالمشرقين الإسلامي والعربي. وامتدت هذه الحركة إلى البلاد التونسية، فعرفت من رواد النهضة والإصلاح بها، السيدَ خير الدين التونسي ولاءً، والمُؤَرخ القدير ابنَ أبي الضياف، وناظرَ المدرسة الحربية محمود قابادو، والعلامة المصلح الشهير الشيخ سالم بوحاجب. وتُمثِّل التحرّك الفكري النهضوي في المرحلة الثانية في الجزائر جمعية العلماء المسلمين، كما ظهر في المغرب العربي أحد طلائع الفكر الإسلامي، وفي مرحلة ثالثة ظهرت ثلة من رجال الفكر والبيان بالشام والعراق. وتلا هؤلاء وأولئك عدد من شيوخ الزيتونة وعلمائها، من رجال السياسة وأعضاء الحكومة وخيرة من رجال الإصلاح. وإنه لمن الطبيعي أن نخلصَ من هذا العرض على أهميته، إلى موضوع كتابنا هذا، وهو الحديث عن رجل العلم والإصلاح الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور الحفيد. ب - الأسرة العاشورية: ينحدر الإمام الأكبر من أرقى الأسر منزلة، وأعلاها شأناً. درج فيها عنوانَ نجابة وسمو، تكتنفه مخائل النعمة والرعاية، ومظاهر الحب والعناية من والده الشيخ محمد ابن عاشور، ومن جده للأم الوزير العلامة محمد العزيز بوعتور. تلقّى مترجمنا معارفه الابتدائية

стр. 26

بالمنزل بنهج الباشا من مدينة تونس، وبكتّاب سيدي بوحديد الواقع بجوار منزله. وبه حفظ القرآن الكريم حفظاً دقيقاً، وأتقنه طوال عمره قراءة وتدبّراً. وتعلم اللغة الفرنسية ببيته، ووُكل أمرُه في هذا إلى حاذق من حذاق اللسان الفرنسي من المواطنين. أما انتاسبه للتعليم فقد كان أساساً إلى جامع الزيتونة الأعظم. به نال شرف التعلّم والتعليم للمواد اللغوية والشرعية. وتنقل بين حلقاته، جالساً إلى أشياخه أطواد العلم، مرتقياً عن طريقهم بين مراتب الدراسة، حاصلاً منهم على شهاداتِهم له بالقراءة عليهم، لكثير من العلوم التي كان يزاولها الطلاب في عهده، وعلى شهادة التطويع التي تخوّل صاحبها، في ذلك الوقت، حقّ التدريس في الدرجات الأولى من التعليم بالمعهد. ومما حَظِي به ﵀ الإجازات العلمية الجامعة، التي نخصّ منها بالذكر إجازته في الحديث النبوي الشريف، كتبها له بيده بدفتر شهادات دروسه شيخ الإسلام شيخه وشيخ شيوخه الشيخ سالم بوحاجب. فسمع منه، وأخذ عنه، وكان به حفياً. وقضى الإمام الأكبر حياتَه في جهاد وعطاء. وبذل ما شاء الله له أن يبذل من جهود في مجال التعليم والتدريس. فهو الأستاذ القادر، والمحقق اللامع، يزدحم الطلاب على حلقة درسه. وكان أرقى العلوم لديه هو ما كان يوليه عناية خاصة بممارسته الدائمة له، سواء في ذلك ما كان من علوم المقاصد أو من علوم الوسائل. وهذا ما نوّه به طلبته، وعرَفَهُ منه أقرانه. كان مولعاً بالدروس التي يلقيها بالجامع الأعظم، يرفع بها السجف عن أسرار البيان، ويمكّن طلابه بسهولة من فوائد وفرائد غاص عليها هو، في مصادر البحث ومراجعه. وربما كانت بإشارة شاردة، تَلْفِتُ الأنظار العلمية الدقيقة

стр. 27

إلى ما فيها من علم غزير ومعارف دقيقة. وممّا أكّد هذه الصفات لدى الإمام، حتى كادت أن تكون غريزيّة أو ذاتية فيه، حُبه للمطالعة وإقباله الشديدُ عليها، وحفظُه السريع لما تشتمل عليه الكتب والرسائل التي كان يلتهمها التهاماً. تولّى عضوية لجنة فهرست الكتب بالجامع الأعظم، وعُهدت إليه رئاستها. ووقف على أكثر المخطوطات به مطالعةً، وتوقيفاً، وتحشيةً وتعليقاً، بخط جميل يزري بخط الأصل منها، فيزداد بذلك الكتاب نفعاً للواقفين عليه. وهو بدون شك يفضل النسخ الأخرى العريّة مما حبّره الشيخ بقلمه من ضبط أو إصلاح. وكانت بالجامع الأعظم مكتبتان: الأولى الأحمدية، من إنشاء المشير أحمد باشا الأول، والثانية الصادقية أسسهما المشير محمد الصادق باشا باي. أما الوظائف الإدارية السامية التي تولّاها الإمام الأكبر فهي - بخارج ميدانه العلمي والقضائي - رئاستُه للجمعية الخلدونية، وتولّيه مشيخة الجامع الأعظم الذي عاش له دهراً طويلاً من حياته. ومن خلال ذلك ظهر دوره الإصلاحي للتعليم بالزيتونة. وتجتمع وظائفه العلمية والشرعية في التدريس الذي بلغ فيه الذروة، لا ينازعه في ذلك أحد، لرسوخ قدمه، ودقيق ملاحظاته، وقمة بيانه وعلمه. وسُمعتِه العلمية والأدبية. وذلك ما رشَّحه ليكون عضواً مراسلاً للمجمع اللغوي بالقاهرة، وللمجمع العلمي بدمشق. وولِيَ إلى جانب ذلك الرئاسات الشرعية والقضائية؛ من عضو بالمجلس المختلط، ومفتٍ، وقاضٍ، وشيخِ إسلام رئيسٍ للمجلس الشرعي المالكي. ولا غرو أن يبلغ هذا الشأو البعيدَ من المعرفة والدرس والعلم

стр. 28

وهو القائل الموقن بما يقول: إن مزية العلم، وشرفَ الانتساب إليه، أمرٌ بلغ من اليقين والضرورة مبلغاً يقصر عنه البيان، وينتقص قدرَه محاولةُ إقامة البرهان، بعد أن توّجه الله تعالى بكتابه الكريم، وهو الذي علّم من لم يكن يعلم، وزكّى رسوله بأنه على خلق عظيم، وصراط مستقيم فقال: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (١)، قولاً جعل طلب العلم، والحرصَ عليه، والاستزادة منه أعظم مطلوب لأشرف موجود. وهكذا كان العلم تاجَ نبوته، وشعارَ ملّته ... وإني لأحمد الله على أن جعلني لا أتعلق بشيء من المناصب والمراتب تعلّقي بطلب العلم، ولا آنس برفقة ولا حديثٍ، أُنْسِي بمسامرة الأساتيذ والإخوان في دقائق العلم ورقائق الأدب، ولا حُبِّبَ إليّ شيءٌ ما حُبِّبتْ إليّ الخلوة إلى الكتاب والقرطاس، متنكّباً كل ما يجري حولي من المشاغل. ج - حركة الإصلاح الشامل: بعد هذه الكلمة الموجزة عن حياته، تولّينا الحديث عن حركة الإصلاح التي كان مترجَمُنا مسؤولاً عنها، وعن تحقيق نتائج جهوده فيها بإسناد رئاسة الجامع الأعظم له، وقيامه بما يعزّزها في المجالات المختلفة. فكان ما بين غابط وحاسد فيما ظهر فيه باعُه، وحقّقه من إنجازات رائعة، ارتفع بها ذكر الزيتونة في الداخل والخارج، وأصبحت تُدعى بين الكثير من الناس بالقبلة العلمية الإفريقية التي يقصد إليها أهل العلم ويؤمُّها الطلاب من أطراف البلاد. وقد صوّرنا في هذا الباب ردود الفعل المتعاقبة، من ألوان

стр. 29

القمع والقهر والإذلال والمحق، التي قام بها في شدةٍ وعنفٍ المستعمرون، وجيشُ الاحتلال ضدَّ منزوعي السلاح المواطنين الذين لا يملكون من الأمر شيئاً. ومرّت إثر ذلك فترة كان يتربّص فيها التونسيون الدوائر بجنود الفرنجة انتقاماً لأنفسهم، ورداً على المظالم التي كانت تقوم بها سلطة الاحتلال الأجنبي من صنوف الإرهاب الحكومي المسلط على المواطنين المناهضين لقوى الغدر والبطش: يقطعون ألسنتهم، ويخلعون قلوبهم، ويبعثون في أجسامهم وأطرافهم الرعشة والرجفة. وإنَّا إذا عُدنا إلى الإمام الأكبر الشيخ ابن عاشور المنحدر من تلك الأسرة المؤمنة، المحافظة، المتمسّكة بدينها وعقيدتها، وإلى ما يجمّلها به دينها من هداية ربانية أساسها التربية الدينية، نلفي من كبير أنجالها الاعتماد الدائم على الكتاب والسُّنة مصدري التوجيه والتشريع، وشعار الحق والصدق والعدل لدى المؤمنين. وقد ألفينا أقطاباً ساعدوه على ذلك من الداخل والخارج منهم الأساتذة: شيخ الإسلام الشيخ سالم بوحاجب ذاك المصلح الفقيه والإمام المحدّث والعالِم اللغوي الضليع، ثم الأستاذ الإمام محمد عبده الذي التقى به عند زيارته الثانية لتونس، وهو مَن هو الداعية إلى النهضة التي شملت الأمةَ وأقطارَ البلاد وامتدت خدماتها للتعليم بالأزهر، وإلى ترتيب وتنظيم وزارة الأوقاف المصرية، والقضاء الشرعي، وترتيب درجاته بما يضمن حقوق القضاة ومصالح المتقاضين. وكانت معرفة شيخنا بالأستاذ الإمام محمد عبده مفتي الديار المصرية سابقة لقاءَه بما وقف عليه من مقالاته الدعوية والإصلاحية التي كانت تُنشر بمجلة العروة الوثقى. وهكذا أصبحت سيرته اللامعة

стр. 30

أنموذجاً يحتذى، ومخططاً متَّبعاً، ومنهجاً ملتزماً سار عليه الإمام الأكبر محمد الطاهر ابن عاشور. ولم يكن النظر إلى الإصلاح ودواعيه محصوراً في حدود بلد معين، بل هو منتشرٌ أين انتشرت أسباب الفساد التي قوضت حضارتنا ومباهجها، وسامتنا الخسف بما ظهر عندنا في البلاد العربية والإسلامية كافة من مظاهر التخلف. وللتعريف بالجانب الإصلاحي وبالجهود التي بذلها الأئمة والعلماء في مختلف البلاد؛ وضعنا باباً خاصاً وفصولاً كثيرة، تصف هذه الحركة الإصلاحية وتبسط القول في قضاياها، وفي المنهج الذي خضعت له، لتكون أمراً ميسوراً تتلقّاه شعوبنا في حماس وتجاوب، هما الأساس في تغيير أحوالنا وخلاصنا من الدرك الأسفل الذي نزلنا به وتردّينا فيه. د - جوانب الإصلاح: إن الجوانب التي نلفت النظر إليها في الإصلاح ثلاثة: هي الإصلاح الذي خرجت به الأفراد والمجتمعات من الظلمات إلى النور، ومن الغواية إلى الرشاد، ومن الغفلة إلى الصحوة، ومن الحيرة إلى ما يكون به صلاح العقيدة وصلاح العقل والفكر وصلاح السلوك والعمل. ولما أراد الله لهم الفيئة إلى الحق زيّن سبحانه أعمالَ الدعاة، ورفعهم منازل سامقة، وجهّزهم بكل ما يحتاجون إليه من توفيق خالص، وهداية واسعة وعلم نافع. يشهد لهم بذلك القرآن الكريم في قوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (١).

стр. 31

وبقدر ما يكون الإصلاح الاجتماعي متوفرة شروطُه، مُتمازجة خصائصُه، متلاقية أبعادُه ومراميه، يقتضي من المصلحين معرفة الأحوال، وأعراضَ المرض، وأسباب الخذلان، فيحاول بذلك الدعاة تحقيقَ الحاجة الإسلامية، وإقامة الأخوة بين المؤمنين. وقد اتضحت هذه الحقيقة لدى المسلمين كافة، وقرر أصولها علم الاجتماع بما ينبغي أن يتوفّر لدى دعاة الإصلاح من ربط أسباب النهوض والسقوط بما تكون عليه العقيدة والدين. فالإسلام هو دين الله الذي جاء به الرسول ﷺ يلقِّن العقيدة الصحيحة، ويملأ النفوس طُهراً، والقلوب تمسُّكاً بما جاء به من مبادئ وحقائق وأصول وقيم حملها الرسول ﷺ أمانة إلى الناس، حماية للأمة من الذوبان في غيرها، ومما يطرأ عليها من انحراف عن منهج الرشاد، يفقدها هويتها، ويُبعدها عن التمسك بدينها الذي رضيَه الله لها وأتم به نعمته عليها. وإن طريق الإصلاح في اتباع الدين وما أَوحَى به الله. والفطرة تساير ذلك ولا تضاده. قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (١). وقد يكون منشأُ الإصلاح وسبيلُه توفيقاتٍ إلهية منزّهةً عن كل غاية بِقَدْرِ ما يظهر فيها من أدب راسخ في النفس، وبقدر ما يتضح للناس من آثار جميلة معتبرة في إقامة نظام المعاملة بين باعث خير ووازع شر. وهذا المقصد لا يقوم إلا على الحقائق والاعتبارات الحكيمة.

стр. 32

فإذا ابتعد الإصلاح عن هذا الخط، وانبنى على ما تزيّنه الأهواء والاتجاهات المريبة تجافى عن الحق والصدق، وفقد مع ذلك المعنى الديني الذي هو أساسه، ولم نجد بعد الدعامة لتجديد أمر هذه الأمة الذي بشّر به الرسول ﷺ . ودعا شيخ الإسلام إلى الإصلاح الكامل حين ذكّر بمحاسن الدين، وبوجوب التمسك بعالميته. فكأنه يريد أن تنتشر - بين الناس كافة - المقاصدُ الطيّبةُ وما يسبقها من وسائل نافعة، ويتبعها من تحول وتغير يَظهر بهما الحقُّ على الباطل، والخيرُ على الشر، والأعمالُ الصالحةُ على المساوئ التي تزاحمها. ومما لفت الإمام النظر إليه، ودعا له، فضائل إسلامية وصفات تشريعية لا يتم صلاح الفرد ولا الجماعة إلا بالحصول عليها، والالتزام بها، مثل: السماحة والوسطية، والعدل والإحسان. وحركة الإصلاح هذه لا بد أن تكون مستندة إلى معرفة، وإلى تفقُّهِ في الدين، ووقوف على خفاياه وأسراره. يشهد لذلك قوله : ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (١). حقائق سرمدية تتجدّد مع كل جيل، يحملها الدعاة إلى الله، يُسعِدون بها القلوب المتعلقة بربها، فلا تبرح معانيها القيّمة تنتقل من الدعاة المصلحين إلى قلوب مَن أُبلغوا الدعوة واتبعوا السبيل. وقد ضبط الإمام الأكبر للأمة الإسلامية أحوال نظامها الاجتماعي في تصاريف الحياة كلها، تكملة للنظام الديني الذي هيأ أفراد الناس للاتحاد والمعاشرة. ثم دعا المؤمنين إلى تطبيق ما خطط

стр. 33

لهم من قوانين في العبادات والمعاملات. وأساس هذا التحديد والضبط الإيمان بالله، والاستسلام إليه، والامتثال لحكمه، والتوجه بالعبادة وإخلاص الدين له. فالعبادة في الإسلام، بجميع صورها ومختلف أشكالها، أفعال وأقوال تزكّي النفس وتَبلغ بها حدّ التميُّز والكمال. وهي الحكمة والمقصد الشرعي الذي تقتضيه الفطرة، وتَتَحقق به المصلحة. ويقارن الفطرة في الشريعة الإسلامية وصفان ثابتان هما العموم والدوام. فهي لا تتخلّف، ولكن تتعدد. وعند تعارض المعنيين تحمل على الركون إلى اختيار أعرقهما في المعنى الفطري، وأليقهما بالانتشار بين الناس، وأدومِهما بينهم. وهكذا تقتضي الفطرة وجود أوصاف تحرص على توافرها في تصرفات الناس ومعاملاتهم، يوحي بها قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (١). وجاء في الأثر: "خير الأمور أوسطها"، وقال زهير: همُ وَسَطٌ يَرضى الأنام بحكمهم ... إذا نزلت إحدى الليالي بمعظم وفي سلوكيات المسلمين في عباداتهم، ما يرفع من شأن الإنسان، ويزيده زكاءً وطهراً. ولئن ظهرت في تلك الممارسات ما يجعل من الصفات المشار إليها ما هو أعظم نفعاً وأبقى أثراً، فإنه غير خافٍ أنه لا تدرك أسرار ذلك غير طائفة تنساق إلى الفطرة وتتجاوب معها. فالمعاملات أوضح حقائق، وأقرب ملتمساً. وهي ثلاثة أنواع: الأول: ما يتعامل به الناس في خاصّة أنفسهم، ويدعوهم إلى التعامل به على الوجه المطلوب ما يقتضيه الاعتبار من تحقق النتائج

стр. 34

من جهة، وما يكون به من جهة ثانية من مُحافظة على أصول التعامل في الإسلام. وهذا غير ملزم بالطبع، وإنما هو اختياري كالمجاملات بين الناس، وآداب الصحبة والقرابة المرعية. ومن هذا القبيل مكرمات رغّب فيها الدين لما تدفع إليه الحاجة من زرع التعاون والتآلف والمواساة. النوع الثاني: هو عبارة عن معاملات حقوقية تستوجب في ذاتها الوفاء. وذلك لما يمكن أن تؤول إليه من أعمال قصدية. وينقص هذه صدقُ النظر وصحةُ المعاملة. ومثال هذا النوع ما هو داخل في المعاملات الاعتبارية: النية الطيبة، وحُسن الظنّ بالمؤمن؛ فإنهما من الأمور التحسينية على ما فيهما من تفاوت. وهذه التصرفات: إما واجبة لازمة وفاء بما أنيط به الحكم من مقصد أو حكمة، وإما جائزة غير واجبة يقتضيها ما جرت عليه من حُسن السلوك، أو من ظن مصحوب بإرادة التنازل عن الحق، أو الانتصاف من النفس. وجملة ما يمكن أن تدلّ عليه هذه المواقف المختلفة إزاءَ النصوص الثابتة، وما يثبتها من ممارسة المرء لهذا الحق الانقياد لروح الإسلام وحقيقتِه، ونشر فضائل هذا الدين وبيانها للناس قاطبة. وهل الدين القويم كما ذكر ذلك الأئمة والحكماء إلا سبب من أسباب الرقي وانتشار العمران. وإذا كانت طرق الإصلاح للأفراد والمجتمع بالوجه الذي أومأنا إليه، فإن المنطلق الأهم لإصلاح التعليم، يبقى في واقع الأمر هو الأصل الذي يحيا به الناس، وتدفعهم الرغبة الشديدة إلى تغييره أو استكماله بإضافة الكثير من متعلّقاته، وكمالاته. وهذه الوظيفة لا يقدر عليها غير المجتهدين والمصلحين من العلماء. والإصلاح، وإن بدا مشكلاً معقداً فإنه يستوجب دون تردد

стр. 35

الهجوم على أسباب الضعف والوهن، واقتلاع موجبات التأخّر والتخلّف. وهذا لا محالة يقتضي مواجهة كل التحدّيات والمصاعب بعزم وقوة، فلا ينهار عمل المصلحين، ولا ينقطع عن الكر والفر، ويستقيم أمر التعليم ويعطي بإذن الله أكله، وتُجنى ثماره، ويتهيأ به العالمون والمتعلمون لبلوغ مقاصدهم وتحقيق أغراضهم. والإصرار على سلوك هذا المنهج إما أن يقود إلى النجاح وذلك هو المنهج الأقوَم، وإما أن تعترضه عقبات لكن صاحبه يشعر بأنه يؤدي واجبه، لما في عمله من محاولة التأدب بآداب الإسلام، وتمنّي الخير للناس كافة. أسباب الإصلاح: وباستعراض ما ورد في هذا الفصل نرى حركة الإصلاح قد ثبت لها الظهور، وتجدّد من أجلها العمل والسعي أيام المشير الأول أحمد باي. وكانت عناصر كثيرة قد التقت على المطالبة بها والدعم لها. فأول الحريصين عليها الوزير خير الدين، والوزير الشيخ بوعتور، والأستاذ المناضل محمد البشير صفر. ولم يكن الإمام الأكبر في انزواء عن هذا النشاط، وعن الكفاح لخير الزيتونة ومناهج التعليم فيها، وعن المستقبل الباسم الذي يتطلع إليه طلاب معهدها. فلا عجب أن رأينا الإمام، وهو يستقبل أمير البلاد الناصر باي عند عودته من رحلته الباريسية، يدخل عليه وينشده قصيدته في الترحيب برجوعه، داعياً إياهُ إلى المبادرة بإصلاح التعليم بالزيتونة بقوله: رأيتَ تقدماً ورأيت مَجداً ... فَسُنَّ لنا على ذاكم نظاما فهذا العلم يصدع مستغيثاً ... على أركانه يَخشى انهداما فَمُدَّ له يداً كرفيق موسى ... بحكمته جداراً قد أقاما

стр. 36

وإن وراء جُدْر العلم كنزاً ... من العمران يجدر أن يُداما ومثلك لا يبصَّر عن ذهول ... فإن لكم به حظّاً تسامى (١) وضع التعليم في الزيتونة: والذي أكّده الباحثون في قضية الإصلاح لن يغنينا ما ورد فيه من سرد لأعمال اللجان التي ظلّت تجتمع على فترات، ولا التصرّفات الإدارية التي واكبت حركة الإصلاح، لكن المهم هو الإشارة إلى جملة من العناصر التي باجتماعها يمكن أن نتصوّر واقع جامع الزيتونة يومئذ. وهذه العناصر هي: أولاً: حال التعليم بالجامع الأعظم. ثانياً: مناداة الطلبة بإصلاح نظام التعليم بالمعهد ومراجعة برامجه. ثالثاً: التساؤل عن الغاية من هذا التعليم. أما حال التعليم، فقد بلغ بجامع الزيتونة حداً من الضعف والوهن، قعد به عما كان يحمله للناس في محيطه من علم وهداية ودعوة إلى الله. وقد أُهمل ضبطُ أنشطته واختلَّ نظامه؛ فلا هو مجدَّدُ المناهج، ولا كتب الدراسة فيه مقرّرة، ولا أوقات التعليم به محدّدة، ولا الشيوخ المدرسون مراقَبون في أعمالهم، تصاحب هذا كله الغفلة عن تنظيم درجات التعليم، وإهمالُ الدروس التطبيقية والتمارين، فتعطّلت الملكات اللسانية أو كادت، وقَلَّ التحصيل. وربما زاد من خطورة هذا الوضع قصور الهمم عن التأليف في أي علم. يصوّر لنا هذا بغاية الدقة، وبالغ الأمانة والقدرة على التعليل كتاب الإمام الأكبر أليس الصبح بقريب.

стр. 37

ذكر شيخنا في طالع أول فقرة من هذا الكتاب مناقشته لأوضاع الدراسة والتعليم بجامع الزيتونة. قائلاً: قد كان حدا بي حادي الآمال، وأملَى عليّ ضميري، من عام واحد وعشرين وثلاثمائة وألف، للتفكير في طرق إصلاح تعليمنا العربي الإسلامي الذي أشعرتني مُدة مزاولته متعلماً ومعلماً، بوافر حاجته إلى الإصلاح الواسع النطاق. فعقدت عزمي على تحرير كتاب في الدعوة إلى ذلك وبيان أسبابه، ولم أنشب أن أزجيت بقلمي في ابتداء التحرير ... وها أنا ذا متقدم إلى خوض بحر، أرى هول أمواجه قد حاد بعقول كثير من ذوي الألباب فولّوا عنه مدبرين، وتكلّموا في إصلاحات نافعة تضمن مصالح المسلمين، لكنها كلها كانت متوقّفة على هذا المقصد الجليل المغفول عنه، وهو مبدأ إصلاح التعليم. ويمثل العنصر الثاني: الطلبة الذين انقسموا على أنفسهم طائفتين: الأولى منهم كانت مع شيوخ المعارضة للإصلاح المنازعين فيه، والطائفة الثانية تنشد الإصلاح، معتقدة أنّ فيه المفزع والمخرج من الوضع المهين الذي آل إليه التعليم بالجامع، وتعطل نفع الخريجين ونفع المسلمين به عامة، باتجاهه في هذه الظروف العصيبة إلى ما عاد بالنقض والإبطال على أصوله وخصائصه، ففسدت طرق التدريس به. وهذا ما كان يعتمده الشيوخ والمدرسون من مناهج هزيلة تخلط على الطلاب أفهامهم، وتحولُ بينهم وبين الحياة. فلا هم مُدركون حقائقها، ولا هم قادرون على مصانعتها والإفادة منها، أو متبنون لها بالوجه الذي يرومون، طامعين في تدريسٍ أفضل يقتضي القدرة على مجابهة المشاكل والتحديات بإرادة ثابتة وعزم ماض. ولا يتأتّى هذا إلا بالاعتماد على تكوينٍ سديدٍ، ومعرفة جيّدة، ودُرْبَةٍ عالية من العلم يُساعد الطلبة على توَفُّرها بالمدرسةِ أو المعهد، أو أي

стр. 38

مكان بقيت به أثارة من العلم الإسلامي. فإنه لا سبيل إلى تغيير الوضع القائم إلا بالقضاء على الانحراف والتقصير في القيام بالواجب. وبهذه الجهود الإصلاحية يكون لزاماً على الأمة أن تعود إلى كتاب ربها وسُنة رسولها، ويعود المعهد إلى القيام بدوره الرائد بتكوين علماء عارفين من جهة بالأصول الإسلامية، والأحكام الشرعية، والآداب الدينية، واتخاذ الطريق المحقق للسموّ الأخلاقي والكمال المعرفي. ومن جهة ثانية بإتقانهم للغتهم العربية وآدابها، وما يمكن أن يحصلوا عليه من إحاطة بتاريخ الأمة وتصوّر دقيق لأوضاعها. وإن تاريخ الزيتونة ليشهد بأن هذا المعهد لم يخلُ في أي عصر من العصور من سعي حثيث إلى تكميل مدارك خريجيه تكميلاً يؤهلهم لمسايرة أحوال مجتمعاتهم وتوجيهها. ونحن اليوم في عصر يكاد يكون المجتمع الإنساني فيه واحداً في أي قطر من الأقطار؛ بسبب ثورة المواصلات والاتصالات المتنوعة المتطورة. ولهذا أثره في ارتباط حاجات الناس ومصالحهم بعضهم مع بعض. ولا يتم لهم هذا الغرض إلا إذا تأتّى لهم الصعود في جو الثقافة الإنسانية إلى مرتقى لا يقعد بهم عن مجاراة أرقى الأمم إحاطة بجوانب الحياة السعيدة .. وهذا بالقطع ما نادى به الشيخ ابن عاشور من جعل ما كان يطلب من العلوم تكملةً لموادها في عداد الواجب. ورغم المعارضات الكثيرة التي قامت في وجه الإصلاح من طرف بعض أعضاء الحكومة، ومن العناصر المحافظة، جرت مفاوضات كثيرة في لجان الإصلاح، وتمَّ ما عمل من أجله الإمام من تقسيم التعليم الثانوي بالزيتونة إلى شعبتين أصلية ومعاصرة.

стр. 39

ونتساءل عمن هو قادر على الاضطلاع بمهمة إصلاح التعليم، فلا يكون من سبيل إليه إلا بحصول أمرين أساسيين هما: شروط القيام بالإصلاح، وبيان الغاية من التعليم في جامع الزيتونة. أما شروط القيام بالإصلاح فهي كما صرح بذلك الإمام الأكبر في خطبه الكثيرة، وبخاصة في خطابه الموجّه إلى دعاة الإصلاح بقوله: أن يكون الراغب في الدعوة وفي القيام بإصلاح التعليم مؤهَّلاً للاضطلاع بالعمل الإصلاحي في ميدان التعليم. ومن أهم شروط هذا التأهّل: أن يكون ممن أنشأه هذا التعليم نفسُه، عارفاً بحاجات الزمان، وغايات العلوم، نظّاراً إلى الروح لا إلى الجثمان، بعيداً عن متابعة السفاسف، خبيراً بما أصاب مزاج التعليم من العلل وبأنواع معالجتها. وأما الشرط الثاني فهو أن يكون المصلح صادقاً مخلصاً، صبوراً مثابراً على أداء واجبه، قادراً على إقناع من حوله من الناس بضرورة الإصلاح؛ فلا يتغافلون ولا يتقاعسون ولا يعرضون أو يمتنعون عن معاضدته، بل يشدّون على يديه، ويبذلون الوسع في التعاون معه لتحقيق الغاية وبلوغ القصد. وقد رسم للدارسين والخريجين الهدف من وراء دراستهم للعلوم الشرعية واللغوية ونحوها قائلاً: إن غاية الغايات من التعليم الإسلامي، وأسنى المقاصد للتعليم الزيتوني هو إنتاج قادة للأمة في دينها ودنياها، وهداةٍ هم مصابيح إرشادها، ومحاصِدُ قتادها، ومُهدِّئو نفوسها إذا أقلقها اضطرابُ مهادها. ويحسُن بنا ونحن نواصل القول في إصلاح التعليم الزيتوني أن نلفت النظر إلى عمل الإمام الأكبر في هذا المجال. وهو ما أومأنا إليه قبل، فنتحدث عن الأساتذة، وهم درجات. ومن وصف الإمام

стр. 40

لهم يَتَبَيّن لنا أن مَن يُحسن التعليم منهم قليل، لما كانوا عليه من فوارق وتفاوت في الدرجة العلمية. وقد زاده اضطراباً انصراف الطلبة في الغالب عن الدرس وانقسامهم على أنفسهم، متأثِّرين بالقسم الأول أو بالقسم الثاني من الشيوخ. وتتأكد الإشارة هنا إلى أن هذا التعليم الإسلامي كان هو الوحيد يومئذ بالبلاد التونسية، وأن أحسن مَن تناوله بالنقد والتوجيه الإمام الأكبر. وهو كما يظهر لقراء أليس الصبح بقريب، يعالج قضايا العلم والتعليم، ويبدو لمن يطالعه أنه لم يترك قضية من القضايا الهامة إلا تعرض إليها. وذلك مثل: ١ - إيواء الطلبة في أوقات الدروس، وإقامتهم بمدارس سكناهم. ٢ - نظام الالتحاق بالجامع، أو التراتيب الإدارية المتعلقة بالانتساب إليه تعلُّماً وتعليماً، مع تفصيل القول في دفتر الشهادات، وأوقات التعليم، والإجازات التي يتمتع الطلبة فيها بالراحة والانقطاع عن الدراسة. ٣ - قضايا التعليم: الوضع قبل مرحلة الإصلاح الأولى؛ الطلبة، المدرسون، الكتب الدراسية، لجنة إصلاح التعليم، قائمة الكتب الدراسية، وما طرأ عليها من تطوير باختصارها حيناً، والتنقيص منها أخرى، والاستدراك عليها ثالثة. ونعود إلى كتاب الإمام للوقوف على نقد أوضاع التعليم بالزيتونة، والدعوة الصريحة للإصلاح. فنرى أن الواجب يفرض علينا الإمعان في دراسة جملة من الجوانب المختلفة الأساسية التي كانت عليها الزيتونة، مع البحث عن أسباب الضعف والتأخر في هذه الجامعة العتيقة التي مر على تأسيسها ثلاثة عشر قرناً، وكان أول
следующие страницы →