← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17094

مقاصد الشريعة الإسلامية

ابن عاشور

Полный текст (1 856 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وإن وراء جُدْر العلم كنزاً ... من العمران يجدر أن يُداما ومثلك لا يبصَّر عن ذهول ... فإن لكم به حظّاً تسامى (١) وضع التعليم في الزيتونة: والذي أكّده الباحثون في قضية الإصلاح لن يغنينا ما ورد فيه من سرد لأعمال اللجان التي ظلّت تجتمع على فترات، ولا التصرّفات الإدارية التي واكبت حركة الإصلاح، لكن المهم هو الإشارة إلى جملة من العناصر التي باجتماعها يمكن أن نتصوّر واقع جامع الزيتونة يومئذ. وهذه العناصر هي: أولاً: حال التعليم بالجامع الأعظم. ثانياً: مناداة الطلبة بإصلاح نظام التعليم بالمعهد ومراجعة برامجه. ثالثاً: التساؤل عن الغاية من هذا التعليم. أما حال التعليم، فقد بلغ بجامع الزيتونة حداً من الضعف والوهن، قعد به عما كان يحمله للناس في محيطه من علم وهداية ودعوة إلى الله. وقد أُهمل ضبطُ أنشطته واختلَّ نظامه؛ فلا هو مجدَّدُ المناهج، ولا كتب الدراسة فيه مقرّرة، ولا أوقات التعليم به محدّدة، ولا الشيوخ المدرسون مراقَبون في أعمالهم، تصاحب هذا كله الغفلة عن تنظيم درجات التعليم، وإهمالُ الدروس التطبيقية والتمارين، فتعطّلت الملكات اللسانية أو كادت، وقَلَّ التحصيل. وربما زاد من خطورة هذا الوضع قصور الهمم عن التأليف في أي علم. يصوّر لنا هذا بغاية الدقة، وبالغ الأمانة والقدرة على التعليل كتاب الإمام الأكبر أليس الصبح بقريب.

стр. 37

ذكر شيخنا في طالع أول فقرة من هذا الكتاب مناقشته لأوضاع الدراسة والتعليم بجامع الزيتونة. قائلاً: قد كان حدا بي حادي الآمال، وأملَى عليّ ضميري، من عام واحد وعشرين وثلاثمائة وألف، للتفكير في طرق إصلاح تعليمنا العربي الإسلامي الذي أشعرتني مُدة مزاولته متعلماً ومعلماً، بوافر حاجته إلى الإصلاح الواسع النطاق. فعقدت عزمي على تحرير كتاب في الدعوة إلى ذلك وبيان أسبابه، ولم أنشب أن أزجيت بقلمي في ابتداء التحرير ... وها أنا ذا متقدم إلى خوض بحر، أرى هول أمواجه قد حاد بعقول كثير من ذوي الألباب فولّوا عنه مدبرين، وتكلّموا في إصلاحات نافعة تضمن مصالح المسلمين، لكنها كلها كانت متوقّفة على هذا المقصد الجليل المغفول عنه، وهو مبدأ إصلاح التعليم. ويمثل العنصر الثاني: الطلبة الذين انقسموا على أنفسهم طائفتين: الأولى منهم كانت مع شيوخ المعارضة للإصلاح المنازعين فيه، والطائفة الثانية تنشد الإصلاح، معتقدة أنّ فيه المفزع والمخرج من الوضع المهين الذي آل إليه التعليم بالجامع، وتعطل نفع الخريجين ونفع المسلمين به عامة، باتجاهه في هذه الظروف العصيبة إلى ما عاد بالنقض والإبطال على أصوله وخصائصه، ففسدت طرق التدريس به. وهذا ما كان يعتمده الشيوخ والمدرسون من مناهج هزيلة تخلط على الطلاب أفهامهم، وتحولُ بينهم وبين الحياة. فلا هم مُدركون حقائقها، ولا هم قادرون على مصانعتها والإفادة منها، أو متبنون لها بالوجه الذي يرومون، طامعين في تدريسٍ أفضل يقتضي القدرة على مجابهة المشاكل والتحديات بإرادة ثابتة وعزم ماض. ولا يتأتّى هذا إلا بالاعتماد على تكوينٍ سديدٍ، ومعرفة جيّدة، ودُرْبَةٍ عالية من العلم يُساعد الطلبة على توَفُّرها بالمدرسةِ أو المعهد، أو أي

стр. 38

مكان بقيت به أثارة من العلم الإسلامي. فإنه لا سبيل إلى تغيير الوضع القائم إلا بالقضاء على الانحراف والتقصير في القيام بالواجب. وبهذه الجهود الإصلاحية يكون لزاماً على الأمة أن تعود إلى كتاب ربها وسُنة رسولها، ويعود المعهد إلى القيام بدوره الرائد بتكوين علماء عارفين من جهة بالأصول الإسلامية، والأحكام الشرعية، والآداب الدينية، واتخاذ الطريق المحقق للسموّ الأخلاقي والكمال المعرفي. ومن جهة ثانية بإتقانهم للغتهم العربية وآدابها، وما يمكن أن يحصلوا عليه من إحاطة بتاريخ الأمة وتصوّر دقيق لأوضاعها. وإن تاريخ الزيتونة ليشهد بأن هذا المعهد لم يخلُ في أي عصر من العصور من سعي حثيث إلى تكميل مدارك خريجيه تكميلاً يؤهلهم لمسايرة أحوال مجتمعاتهم وتوجيهها. ونحن اليوم في عصر يكاد يكون المجتمع الإنساني فيه واحداً في أي قطر من الأقطار؛ بسبب ثورة المواصلات والاتصالات المتنوعة المتطورة. ولهذا أثره في ارتباط حاجات الناس ومصالحهم بعضهم مع بعض. ولا يتم لهم هذا الغرض إلا إذا تأتّى لهم الصعود في جو الثقافة الإنسانية إلى مرتقى لا يقعد بهم عن مجاراة أرقى الأمم إحاطة بجوانب الحياة السعيدة .. وهذا بالقطع ما نادى به الشيخ ابن عاشور من جعل ما كان يطلب من العلوم تكملةً لموادها في عداد الواجب. ورغم المعارضات الكثيرة التي قامت في وجه الإصلاح من طرف بعض أعضاء الحكومة، ومن العناصر المحافظة، جرت مفاوضات كثيرة في لجان الإصلاح، وتمَّ ما عمل من أجله الإمام من تقسيم التعليم الثانوي بالزيتونة إلى شعبتين أصلية ومعاصرة.

стр. 39

ونتساءل عمن هو قادر على الاضطلاع بمهمة إصلاح التعليم، فلا يكون من سبيل إليه إلا بحصول أمرين أساسيين هما: شروط القيام بالإصلاح، وبيان الغاية من التعليم في جامع الزيتونة. أما شروط القيام بالإصلاح فهي كما صرح بذلك الإمام الأكبر في خطبه الكثيرة، وبخاصة في خطابه الموجّه إلى دعاة الإصلاح بقوله: أن يكون الراغب في الدعوة وفي القيام بإصلاح التعليم مؤهَّلاً للاضطلاع بالعمل الإصلاحي في ميدان التعليم. ومن أهم شروط هذا التأهّل: أن يكون ممن أنشأه هذا التعليم نفسُه، عارفاً بحاجات الزمان، وغايات العلوم، نظّاراً إلى الروح لا إلى الجثمان، بعيداً عن متابعة السفاسف، خبيراً بما أصاب مزاج التعليم من العلل وبأنواع معالجتها. وأما الشرط الثاني فهو أن يكون المصلح صادقاً مخلصاً، صبوراً مثابراً على أداء واجبه، قادراً على إقناع من حوله من الناس بضرورة الإصلاح؛ فلا يتغافلون ولا يتقاعسون ولا يعرضون أو يمتنعون عن معاضدته، بل يشدّون على يديه، ويبذلون الوسع في التعاون معه لتحقيق الغاية وبلوغ القصد. وقد رسم للدارسين والخريجين الهدف من وراء دراستهم للعلوم الشرعية واللغوية ونحوها قائلاً: إن غاية الغايات من التعليم الإسلامي، وأسنى المقاصد للتعليم الزيتوني هو إنتاج قادة للأمة في دينها ودنياها، وهداةٍ هم مصابيح إرشادها، ومحاصِدُ قتادها، ومُهدِّئو نفوسها إذا أقلقها اضطرابُ مهادها. ويحسُن بنا ونحن نواصل القول في إصلاح التعليم الزيتوني أن نلفت النظر إلى عمل الإمام الأكبر في هذا المجال. وهو ما أومأنا إليه قبل، فنتحدث عن الأساتذة، وهم درجات. ومن وصف الإمام

стр. 40

لهم يَتَبَيّن لنا أن مَن يُحسن التعليم منهم قليل، لما كانوا عليه من فوارق وتفاوت في الدرجة العلمية. وقد زاده اضطراباً انصراف الطلبة في الغالب عن الدرس وانقسامهم على أنفسهم، متأثِّرين بالقسم الأول أو بالقسم الثاني من الشيوخ. وتتأكد الإشارة هنا إلى أن هذا التعليم الإسلامي كان هو الوحيد يومئذ بالبلاد التونسية، وأن أحسن مَن تناوله بالنقد والتوجيه الإمام الأكبر. وهو كما يظهر لقراء أليس الصبح بقريب، يعالج قضايا العلم والتعليم، ويبدو لمن يطالعه أنه لم يترك قضية من القضايا الهامة إلا تعرض إليها. وذلك مثل: ١ - إيواء الطلبة في أوقات الدروس، وإقامتهم بمدارس سكناهم. ٢ - نظام الالتحاق بالجامع، أو التراتيب الإدارية المتعلقة بالانتساب إليه تعلُّماً وتعليماً، مع تفصيل القول في دفتر الشهادات، وأوقات التعليم، والإجازات التي يتمتع الطلبة فيها بالراحة والانقطاع عن الدراسة. ٣ - قضايا التعليم: الوضع قبل مرحلة الإصلاح الأولى؛ الطلبة، المدرسون، الكتب الدراسية، لجنة إصلاح التعليم، قائمة الكتب الدراسية، وما طرأ عليها من تطوير باختصارها حيناً، والتنقيص منها أخرى، والاستدراك عليها ثالثة. ونعود إلى كتاب الإمام للوقوف على نقد أوضاع التعليم بالزيتونة، والدعوة الصريحة للإصلاح. فنرى أن الواجب يفرض علينا الإمعان في دراسة جملة من الجوانب المختلفة الأساسية التي كانت عليها الزيتونة، مع البحث عن أسباب الضعف والتأخر في هذه الجامعة العتيقة التي مر على تأسيسها ثلاثة عشر قرناً، وكان أول

стр. 41

درس ألقي بها بجامع الزيتونة درس الشيخ العالم الصالح علي بن زياد صاحب الإمام مالك لكتاب الموطأ رواية عن مؤلفه. عوارض التأليف والتعليم: عني رائد الإصلاح بالكشف عن أسباب ضعف التعليم وتأخّر العلوم كما سيرد مفصلاً في المطلب الثالث من القسم الرابع من هذا الجزء. وتولّى بجرأة فائقة نقد العلوم وإبداء بعض ملاحظاته فيها، متعرِّضاً إلى الكتب والمصنفات، مبيناً ما فيها من غلط وخطأ واضطراب، يحمل الباحثين على تغييرها، ويبعث همم الأساتيذ والأخصائيين في كل فن إلى وضع كتب دراسية أخرى أسلمَ وأيسرَ منالًا بَدَلَها. وهذه الظاهرة تكاد تكون عامة في كتب الوسائل والمقاصد (١). ومما تجدر الإشارة إليه من تتمة العوارض أمثلة مما كان يجري في عصره وقبل عصره كالذي وقف عليه الإمام في تفسير عبد العزيز الدباغ، وعند الشيرازي في ديباجة شرحه للمفتاح، وفي شرح التلخيص، من أوهام، تتصل بالأحكام التي يتخيَّلونها في أحلامهم وقد كُشف عن مغلقاتها. فيثقون بأنفسهم وهم رقود بما كانوا يشكّون فيه وهم أيقاظ. وحين ضاق بأقاويل الإمام النقدية بعض المتعالِمين وأفحمتهم الحجة حاولوا الاعتذار عن كل ذلك بقولهم: إن كتب التعليم عندنا لم يضعها أصحابها لغرض التعليم، وإنما لكل واحد من المؤلفين

стр. 42

طريقة توخّى بها ما اعتقده الأصح للناظرين. ولم يلتفت أكثرهم إلى وجوب النقل من التليد. وكل هذا كان مدعاة لتوارث العقول ذلك الاختلال واعتياد التشتيت. وأعظم إضراراً من ذلك نال كتب المرتبة الابتدائية؛ فانظر إن شئت كثيراً منها في حِلَق التدريس تَرَ مَدّ الأعناق وألسنةً تلوكها الأشداق وصياحاً يملأ السبع الطباق، ثم لا تَنال بعد الزمن الطويل إلا سواد أوراق (١). وفي عرضه للعلوم المختلفة كاد يخص العلوم الإسلامية وحدها بالتعريف. وجعل منها علوم المقاصد؛ وهي خمسة: التفسير، والحديث، والفقه، وأصول الفقه، وعلم الكلام. وعلوم الوسائل؛ وهي ستة: اللغة، والنحو، والصرف، والمعاني، والبيان، والبديع. وعلوم مساعدة تكميلية هي: الفلسفة، والعلوم الرياضية. وفي لمحة تاريخية عن هذه العلوم الإسلامية، يذكر أن المسلمين بعامة، والعرب بخاصة كانوا يبدؤون تعلمهم بحفظ القرآن، وجمع الأحاديث النبوية، وتلقي ما ألقاه صاحب الشريعة من توقيف على آحاد المسائل، ثم ارتقوا في حدود سنة عشرين إلى اكتساب المسائل، فتخصصوا، وقيّدوا النصوص، واستنبطوا الأحكام باعتماد ما يشبه قياس الشبه أو التنظير أو تنقيح المناط. وبعد ذلك بحثوا وقاموا بالتصحيح والتعليل ولكن لما استنبطوا واستحسنوا لا لأصل الدين، إذ لا تقبل الشريعة الطور الرابع (٢). ويعقب الإمام على هذا

стр. 43

المنهج الذي سار عليه الأسلاف قائلاً: إن العلوم ما دونت إلا لترقية الأفكار وصقل مرائي العقول. وإن القصد من النظر في كل علم هو إيجاد الملكة لإصلاحه. وبعد النظرة العامة التي شملت كل العلوم الإسلامية يُحدِّد الإمام موضوعاته قائلاً: أما الآن فالغرض الإلمام بأسباب تأخُّر كل علم في ذاته حتى يكون من بحثنا لها نبراس نضيء به مسالك ما ينتحيه الأساتذة، وما يهجرونه في أوقات المطالعة والتحرير، وليكون ذلك أيضاً تمهيداً لتأليف كتب قيّمة (١). * * * وآثار الإمام الأكبر وإنتاجه غزير ومتنوع. نجد صورة ذلك فيما دونه في مختلف العلوم، شرعيها كالتفسير والسيرة والسُّنة وأصول الفقه ومقاصد الشريعة والفقه والفتوى في مسائل العبادات والمعاملات، وفيما استجد من مسائل مختلفة، وفي العقيدة وعلم الكلام. وفي علوم اللغة العربية والبلاغة والأدب وما صدر له من شروح وتحقيقات في ذلك. وسنخصّ بالبحث هذا الجانب العلمي بشيء مما أتيح لنا من تفصيل القول فيه بإذن الله في القسم الخامس من هذا الجزء. * * *

стр. 44

القسم الأول حركة التجديد في بلادي المشرق والمغرب

стр. 45

تونس ما بين إيالة ومملكة وجمهورية جمادى الأولى ١٢٩٦ - رجب ١٣٩٣ = سبتمبر ١٨٧٩ - أوت ١٩٧٣

стр. 46

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ في خلال هذه الفترة القصيرة من عمر التاريخ التي يلتقي طرفاها على نحو قرن من الزمن، انحسرت الأيام عن أحوال واضطرابات وأوضاع وانتكاسات، زلزلت العالَميْن الإسلامي والعربي بسبب ما حاق بالدولة العثمانية، رغم ما قامت به في آخر الأمر من إصلاحات ودعت إليه من تنظيمات (١)، من تداعٍ وتفكك وضعف ووهن. فانفرطت ولاياتها واحتجب سلطانها، ودخلت الواحدة منها تلو الأخرى تحت هيمنة الغرب والحكم الأوروبي. وأطاحت القوات الانفصالية؛ جمعيةُ الاتحاد والترقي، وحزب تركية الفتاة بباقي هياكل الخلافة، وزحفت الدول الاستعمارية على البلاد العربية، وتحوّلت الخارطة السياسية للولايات العثمانية، وأصبحت مناطق نفوذ أجنبي فرض نفسه عليها، حين فقدت المَنَعَة الذاتية والحامي والنصير. إن ما أصاب العالم الإسلامي والعربي في أوائل تلك الفترة، بسبب الوضع الجديد الذي سحق عاصمة الخلافة، لهو أشد خطراً

стр. 47

وأبعد أثراً في حصول ذلك التحوّل. فقد أكّد المؤرِّخون أن الدولة العثمانية التي كانت أحوالها تسوء يوماً بعد يوم لم تسْعَ بجدٍّ إلى تطوير البلاد التابعة لها نحو الأفضل، وأنّى لها ذلك؟! ولكنها تركتها في الواقع ضحيّة لمشاكلها المزمنة، وأنظِمتِها الاجتماعية والإقطاعية الظالمة، حتى إذا جابهتها وجابهت الولايات المرتبطة بها المعركة العاتية - معركة التقدّم على كل الجبهات الثقافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية - وجدت السلطنة نفسها في أعقاب الحرب المدمّرة، وإثر المخططات الماكرة، تمثل عالماً واسعاً ممتداً بين القارات الآسيوية والأوروبية والإفريقية يتكوَّن من دول ممزَّقة وشعوب مفتَّتة تشكو جميعُها الفقر والجهل والمرض والتخلف وقلة الحيلة (١). واختار الكماليون الانحسار في حدودهم الترابية التركية الضيّقة، وقطعوا صِلاتهم بشعوب ودول الخلافة. وقامت الجمهورية عقب الإمبراطورية، وتنكّروا لكل المقوّمات غير الطورانية، واندفعوا يقلّدون الغرب، ويأتمّون به سياسياً وفكرياً واجتماعياً واقتصادياً. وكأنهم لم تكن تربطهم صلة بمقوّمات الحضارة الشرقية الإسلامية التي دانوا لها وأقاموا عليها قروناً طوالاً. وإذا التفتنا إلى الولايات أو الإيالات، التي كانت مرتبطة بها ثم انفصلت عنها، لمسنا آثار التطوّرات والأحداث المتسارعة بها صدًى لما كان يجري فيها. وفي تونس التي كان يحكمها من قِبَلِ الدولة العليَّة محمد الصادق باشا باي الثاني عشر للدولة الحسينية، عزَل هذا الحاكم وزيرَه الأكبر المصلح خير الدين باشا صاحب كتاب أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك، كما فصَله عن رئاسة اللجنة

стр. 48

المالية (الكومسيون المالي) (١). وانتقل هذا الأخير إلى الآستانة، وولي بها رئاسة اللجنة الاقتصادية والمالية، ثم عيّن صدراً أعظم لدولة الخلافة (٢). وبفصله عن مراكز النفوذ في بلاده واضطراره للاعتزال عنها والالتحاق بالآستانة خلا لمنافسيه الجوُّ في معالجة ما تردّت فيه الإيالة من أزمات مالية واقتصادية واجتماعية وصحيّة، وفق ما وضعوه من مخططات وارتأوه من مبادرات مشبوهة. وهكذا استفحل الأمر بعد ذلك باختلال ميزان الدولة أكثر مما كان عليه، وبمزيد حرص الباي وحاشيته على الاقتراض من الدول الأوروبية. وفُرضت الجبايات وأنواع الأداءات المجحفة على الشعب، وظهرت الفتن والثورات في أطراف البلاد. وصحب هذا الوضع ازدياد الغزو التجاري الأوروبي في مختلف الجهات، وتعطّل العمل بالتنظيمات التي وضعها خير الدين لتشمل القضاء والفلاحة والتجارة والاقتصاد والأداءات والأوقاف والتعليم (٣). وعمت البلاد الفوضى، واكتنفت الناس الحيرة والمخاوف آخر الأمر بانتصاب الحماية الفرنسية واستلاب السيادة القومية، وقيام حكم جديد في البلاد أساسه الطمع والحقد والبغضاء، وآثاره الاستبداد والمهانة والتبعية. ومرت لتحقيق ذلك أحداث وأحداث أتت على الأخضر واليابس؛ استمرت من ١٢٩٨/ ١٨٨١ إلى إعلان الاستقلال وخروج البلاد من محنتها ١٣٧٥/ ١٩٥٦ (٤).

стр. 49

وإن السلطة الجديدة الفرنسية، رغم عنادها وشدّتها وما ابتدعته من ألوان التصرف الاستعماري البغيض، لم تقوَ على اقتلاع الشعب من جذوره، ولا تمكّنت من القضاء على هويته، ولا أفلحت في إغرائه وتلهيته عن مقوِّمات عزّته، أو صرفه عن أمجاده وبطولاته، أو تهوين إسهاماته الحضارية المتميّزة في نفسه. أجل قامت السياسة الفرنسوية على الاستحواذ على كل شيء، وعلى الاستبداد بكل شيء. فالسلطة السياسية والإدارية والاقتصادية والأمنية كلها بيدها لا يمثل التونسي من ذلك شيئاً .. فليست الهياكل السلطوية سوى أجساد خاوية جامدة يحرّكها المستعمر، ويقتصر دورها على تنفيذ إرادة المحتلَّ فيما يعود إليها من شؤون. فلا إرادة ولا قدرة لها، وإنما هي مجرد آلات وهمية طيِّعة، لا تتجاوز وظيفتها ما أنيط بها من ردِّ الأمور - إذا دقَّت - إلى "الحاكم الأجنبي" السلطة العليا، ليزنها بميزان نظره ورغباته وتقديره للمصالح. فلا الباي ولا وزراؤه ولا العمال (الولاة) ولا مساعدوهم يسبِقون بالقول المقيمَ العام والكاتب العام والمراقبين وأعوانهم في شيء. والمحاكم الفرنسية والمختلطة تتقدم القضاء التونسي في جميع صوره ودرجاته. وشؤون الدولة الخارجية والأمنية والعسكرية ونفوذها كلها من خصائص دولة الحماية. وتزيد من ويلات هذا الوضع البغيض عمليات السلب وانتزاع الأراضي الزراعية والأوقاف العامة والأملاك من أهليها بشتى الطرق والوسائل. والإمعان في تفقير المواطنين، ونشر الذلَّة والمهانة بينهم، وإقامة الأنصاب والتماثيل في الشوارع ومفترقات الطرق، إشادة بالسلطات الاستعمارية الغاصبة القاهرة، وتذكيراً وتأكيداً لسياسات القمع الظاهرة المتميَّزة في كل مجالات الحياة في أرض الحماية، من

стр. 50

تصرّفات عنصرية حاقدة جائرة كالثلث الاستعماري (١)، وما كان يقابلها من حركات التجنيس ووقائع الزلَّاج (٢)، أو يتبعها من ألوان السخرة للعمال والمستضعفين، إلى إمعان في التجهيل، وصدٍّ للمواطنين عن سُبُل الكرامة، وصرفهم عن التمتع بأدنى الحقوق التي شرعها الله لهم في بلادهم حتى لكأنهم غرباء بين أهليهم، أجانب في أوطانهم. وقد دُبّر ذلك الأمر بليل؛ فإن إنجلترة، وقد بدأت تفكّر في التوسع الاستعماري، وتتنازع مع غيرها من الدول الأوروبية، كما ألمعنا إلى ذلك، تلقّت من بسمارك اقتراحاً في شهر أبريل ١٨٧٨ م باستعمال تونس عملة تبادل بينها وبين فرنسة للحصول على قبرص (٣). وأكّد ذلك سلسبري بقوله في مؤتمر برلين للوفد الفرنسي: "خذوا تونس إذا شئتم، إن إنجلترة سوف لن تعارض في ذلك بل ستحترم قراركم" (٤). وشيئاً فشيئاً تحصّلت فرنسة على الحرية الكاملة للعمل في تونس على حساب السيادة التركية. وكُلِّف روسطان بترتيب الحماية. وتعلّل الفرنسيون بأسباب ملفّقة، وفرضوا على الباي بعد اكتساح التراب التونسي معاهدة الحماية (٥)، ولم تُجدِ استغاثة والي

стр. 51

تونس بالدولة العليَّة ولا نداءاته المتكررة إلى الدول التي أمضت معاهدة برلين إجابة منها. وتواصل تقدم الجيش الفرنسي حتى دخل قائده قصر الباي مصحوباً بكتيبة من جنود الخيّالة. واعترف باشا تونس بأنه وقّع المعاهدة تحت وطأة التهديد مشيراً إلى أن ذلك يطعن في شرعيتها. وكانت إجابة الجنرال: "أسجل رضاءكم بدون أن أهتم بردود فعلكم" (١). ولئن عجزت السلطة الرسمية عن مقاومة هذا الاحتلال لعدم وجود أية مساندة خارجية تذكر، وللعجز المادي عن مواجهة قوى الاستعمار الكثيفة، فإن سكان البلاد الذين لم يسكتوا عن الضيم من قبلُ مع باي الأمحال وجباة الأموال من أعوانه ومساعديه (٢)، أوقدوها ثورة متأجِّجة. وكانت الانتفاضة الشعبية لتعزيز القوات المسلحة بالإيالة. واندلعت الاضطرابات في كل جهة، وظهرت بالجنوب حركة تلقائية امتدت من صفاقس إلى القيروان كما أعلنت قابس وجربة وجرجيس الانتفاضة مثل صفاقس (٣). ولكن سرعان ما طغت القوة المادية على روح البذل والتضحية، وقامت الموازنة بين القبيلين المهاجم والمدافع. وبسبب هذه النتائج انكبّ رجال الإصلاح على دراسة علل هذه النكبة، وظهرت ثُلَّة من المفكرين والقادة اشتهروا بدأبهم على انتهاج طريق التحول وسبيل الإصلاح لتجديد المقاومة للعدو وافتكاك السلطة وتطهير البلاد وحماية العباد من الغاصبين المستبدِّين. وكان

стр. 52

أول دافع لهم للتحرك وتنظيم الصف والإعداد للمواجهة آيتان كريمتان ظلَّتا تسيطران على أولي النهى من المؤمنين الصادقين والدعاة الصالحين: الأولى قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (١)، والثانية قوله : ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ (٢). وبدأ المفكِّرون والعلماء بالدعوة والتوعية وتأكيد الارتباط؛ ارتباط المواطنين بمقوِّمات هويَّتهم وأسباب عزّتهم. وتجدّدت روح الإيمان في النفوس - والإيمان أساس المواقف الصادقة والبذل والعطاء - وتَمسّكَ المناضلون بعقيدتهم، والتَزموا أوامر دينهم، ونَشرَ المصلحون أصول النهضة، وبنوا أسس وحدة الأمة، وغرسوا أسباب التقدم والرقي. وظهر بالآستانة وتونس مناصرو التنظيمات من الشيوخ والعلماء أمثال شيخ الإسلام أحمد عارف بإسطنبول، والعالم الصالح الفقيه الزاهد الشيخ إبراهيم الرياحي بتونس (٣). وساندت هؤلاء جمهرة من رجال الفكر والعلم والسياسة كالشيخ محمود قابادو مدير المدرسة الحربية بباردو، وشيخ الإسلام سالم بوحاجب، والأستاذ المحقِّق الشيخ محمد النَّخْلي، والمؤرخ أحمد ابن أبي الضَّياف صاحب الإتحاف، والوزير المصلح خير الدين باشا التونسي. وكان اعتماد هذه الثلّة المناضلة، في توجيه المواطنين، وبناء

стр. 53

الثقة في نفوسهم وشحذ أرواحهم وملكاتهم، على نشر العقيدة الصحيحة وأحكام الشريعة المطهَّرة بين الخاصة والعامة، والعمل الجاد من أجل إصلاح الحكم في البلاد، والدعوة إلى الاقتباس من الدول المتقدّمة الراقية، والشعوب المتحضّرة المتمدّنة، أسبابَ القوة والظهور، ووسائلَ الرقي والتقدّم في كل المجالات العمرانية والصناعية والاقتصادية وغيرها (١). ذلك أن العقيدة أساس وحدة الأمة، والشريعة ميزان العدل، بهما ضمان مصالحها ومنطلق القوة والمنعة فيها. فهي تحتوي على تعاليم دقيقة واضحة. وازدهار الأمة وانحطاطها يرتبطان أشد الارتباط باتباع قواعد الإسلام أو التنكب عنها (٢). وهي الفيصل بين الحق والهوى، والصلاح والفساد ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ (٣). والسياسة الشرعية هي الأحكام التي تنظَّم بها مرافق الدولة، وتُدار بها شؤون الأمة، مع مراعاة أن تكون تلك الأحكام مشتقة من روح الشريعة، نازلة على أصولها الكلية، محقّقة أغراضها الاجتماعية، ولو لم يدل عليها شيء من النصوص التفصيلية الجزئية الواردة في الكتاب والسنّة. وبالالتزام بالمنهج الديني الإسلامي تذاد صور الجور والفتن، غير أن ذلك لا يتم إلا بتوافر العدل والحرية اللذين هما أصلان من أصول الشريعة (٤). وللتأكيد على هذا دعا خير الدين، في أقوم المسالك، وفي كثير من مقالاته وتصريحاته من أجل إصلاح الحكم، وتثبيت قواعده، والتوجّه به إلى صلاح الأمة

стр. 54

وخير المجتمع. وإنه لمن الواجب الجزم بأن مشاركة أهل الحلّ والعقد للملوك، في كلّيات السياسة، مع جعل المسؤولية في إدارة شؤون البلاد على الوزراء المباشرين لها، بمقتضى قوانين مضبوطة، يراعى فيها حال المملكة، أجْلَبُ لخيرها وأحفظُ لها (١). وأما الدعوة إلى الاقتباس من الغرب، وهي ظاهرة الحداثة التي تكمل الجانبين الأولين الممثلين للأصالة في المجتمع الإسلامي، فإن الإلحاح عليها كانت تنطق به مقدمةُ أقوم المسالك، الداعية إلى الأخذ بسببين اثنين: أولهما: إغراء ذوي الغيرة والحزم من رجال السياسة والعلم بالتماس ما يمكنهم من الوسائل الموصّلة إلى تحسّن حال الأمة، وتنمية أسباب تمدّنها، وتمهيد طرق الثروة، وترويج سائر الصناعات، والقضاء على البطالة. ثانيهما: تحذير ذوي الغَفَلات، من عوام المسلمين، من تماديهم في الإعراض عمّا يحمد من سيرة الغير الموافقة لشرعنا. وقد قال الشيخ المواق من قبل: "إن ما نهينا عنه من أعمال غيرنا هو ما كان على خلاف مقتضى شرعنا"، وقال ابن عابدين: "إن صورة المشابهة فيما تعلّق به صلاح العباد لا تضرّ" (٢). تلك هي الاتجاهات الأولى التي سارت عليها حركات الإصلاح في البلاد التونسية قبيل صدمة الاحتلال وبإثرها. وكان الإمام محمد عبده يلاحظ ما ينشأ عن ذلك من تقارب مع سلطة الاحتلال تمثّله "فئة من الناس وَطَّنت النفس على الاقتناع بتفوّق

стр. 55

هؤلاء الدخلاء، وأخضعت حياتَها لسلطان حياتهم. فتطلّعت إلى الأخذ بما هم عليه من ثروة أو بهجة أو لذة على قدر ما تسمح لهم به وسائلهم". فنادى بجهير صوته: "فنيت مذاهب الطامعين أزماناً ثم ظهرت، بدأت على طرق ربما كانت تنكرها الأنفس ثم الْتَوَتْ. أوغلَ الأقوياء في سيرهم بالضعفاء من الأمم حتى تجاوزوا بيداء الفكر، وسحروا ألبابهم حتى أذهلوهم عن أنفسهم وخرجوا بهم عن محيط النظام، وبلغوا بهم من الضيم حدّاً لا تحتمله النفوس البشرية. وإنّ الأمم الكبيرة إذا عراها ضعف، ثم صالت عليها قوة أجنبية أزعجتها، ونبَّهَتْها بعض التنبيه. فإذا توالت عليها وخزات الحوادث وأقلقتها آلامها، فزعت إلى استبقاء الموجود ورد المفقود، ولم تجِد بدّاً من طلب النجاة من أي سبيل". ومن هنا كان حتماً أن يذكر الساسة والدعاة ما صار إليه المسلمون من الانحطاط بعد العلو، ومن الضَّعف بعد القوة، ومن المرض بعد الصحة، ومن الذلّة بعد العزّة، فإن سببه صدوفُهم عن عقيدتهم الصحيحة، ودينهم السمح، مقوِّم جماعتهم وأساس وحدتهم. وإن السعادة الحقيقية لهي طلبة الإنسان الأصيلة في حياته على الأرض لا يجوز أن تلتمس - كما قال جمال الدين الأفغاني - إلا في الدين الخالص الذي هو الإسلام. فالدين هو الذي يتيح للإنسان الارتقاء فوق مراتب البهيمية الدنيا لإدراك صورة مهذبة كاملة سعيدة لا يستطيع أن يحقِّقها أيُّ طريق آخر في الحياة. والدين هو الذي يسمح ببناء نظام اجتماعي متماسك متَّحد يسعى لخير المجموع وسعادته داخل إطار المجتمع البشري الخاص والعام على حد سواء (١).

стр. 56

وليس حقاً ما علّل به الغرب هجمته الشرسة على الإسلام من حيث كونه ديانة مضادة للتمدُّن (١). فقد رد الأفغاني ومحمد عبده على هذه الدعوى التي انطلقت على لسان رينان وهانوتو وفرح أنطون وأمثالهم، وكَشَفَ الغلاييني عن روح المدنية في الإسلام، وأكد محمد فريد وجدي أن المدنية الحديثة تتقرب باستمرار، إن لم يمسها التواء أو انحراف، من روح الإسلام الحقيقي. وسارت الأجيال جيلاً بعد جيل على مدى هيمنة الحكم الأجنبي بتونس، تتبع طلائعُها المسالك التي انتهجها رواد الإصلاح الأولون. وبقدر ما أظهر الغاصب من خطط سياسية ماكرة، وتظاهر به من دعاوى التغيير والإصلاح كان المناضلون، كلّ من موقعه، ومكان عمله، ومركز نشاطه، يحيط تلك التدابير والتصرّفات بما تتطلبه من صمود، وتمليه من تحركات. وامتلأت النفوس، نفوس الخاصة والعامة، بما مسَّها من قهر وعدوان وهضيمة، وبشعور قوي بالحاجة الملحّة إلى دفع كل صور الظلم، ومواجهة التحدّي، من أجل تعديل الوضع، ورفع الأسر، واسترداد الحق، واستعادة الكرامة والحرية. وبما ترسّخ في روعهم من وجوب اكتساب أو استرجاع شروط كمال السعادة للأمم التي لا تحصل إلا بتقويم المنهج العقدي الإسلامي، وتطهيره مما يشين العقول من لوثة الأوهام وكدر الخرافات، واعتماد سبيل المؤمنين في منهجهم الذي دعا إليه الله على ما به من توجه النفوس إلى بلوغ أعلى مراتب الكمال الإنساني تطبيقاً لخلق القرآن، والتزاماً بالسنّة المطهرة والقدوة الحسنة،

стр. 57

والاحتكام إلى العقل، الهبة الإلهية النورانية التي تعصم النفوس من التقليد وتحمل على النظر والاستدلال في طلب الحق والتوصل إليه، والأخذ بأصول التربية الإسلامية التي تخلّص النفوس من سلطان الشهوة وتهذّبها بالمعارف الكاملة والفضائل السامية (١). شقّ الدعاة سبيل الإصلاح، وحرصوا على تحقيق النهضة الشاملة التي تسدّ على العدو الطريق، وتقرّبهم من الغاية التي رسموها لأنفسهم من أجل تقدُّم مجتمعاتهم وتحرير أوطانهم. ففي مجال التعليم كان الانصراف كلياً إلى أعظم معالم المجد القومي في البلاد التونسية، وأجمعها للمعاني التي تمثِّل عظمة الماضي وضمان الحاضر ونجاح المستقبل، وذلك المعلَم هو جامع الزيتونة. فإنه باعتبار كونه أعظم مساجد العاصمة يُمثل قدسية الدين، وباعتبار كونه أقدم مبانيها يمثل عراقة المجد، وباعتبار كونه معهداً تعليمياً يجمع علوم الملة ويخرّج حفظتها، يُمثل عظمة الحضارة الإسلامية وسلطان الثقافة العربية. فليس بدعاً أن الأمة التي تحرّك شعورها بالقضية القومية، واتصلت بحركة الارتقاء الثقافي، أن تجمع على تقديرها وإجلالها للمَعْلم الشامخ الذي تتمثل فيه عظمة ماضيها ممتزجة بثقافة عصرها. فهي إذا أرادت التسلّي عن أكدار حاضرها المؤلمة باستعادة ماضيها السعيد اتجهت بها تلك الإرادة اتجاهاً شعورياً وغير شعوري إلى جامع الزيتونة (٢). وبرزت العناية بجامع الزيتونة في المحل الأول، وتنادى الشيوخ والطلاب بإصلاح التعليم ومراعاة أحوال الطلبة، ومراجعة

стр. 58

مناهج التدريس، ودعم العلوم الإسلامية، مع التأكيد على تطويرها والتقدم بها غرضاً ومنهجاً، وإضافة كل ما تمس إليه الحاجة من العلوم الإنسانية والرياضية والطبيعية والتطبيقية (١). وقامت إلى جانب ذلك المطالبة بتعميم التعليم ومجانيته. وبعد تأسيس المدرسة الصادقية ١٢٩١/ ١٨٧٤ التي التحق خريجوها الأولون بالمدارس الثانوية ودور المعلمين الابتدائية بفرنسة ١٨٩٧ - ١٨٩٨ (٢). وبعد إنشاء المدارس الفرنسوية العربية التي قامت بالتخريج الشكلي للناشئة التونسية بعيداً عن متطلّباتها وأهدافها - وكأن دورها لم يكن يتمثل في واقع الأمر إلا في مسخ عقول الأطفال وتعويضهم لغة بلغة وعادات بعادات - انطلق المصلحون من قادة الفكر والعلماء بتونس، إلى دراسة الأوضاع، وكُشفت الحقائق ووُضعت الخطط لحمل العالم والمتعلم على انتهاج السبل التربوية المطلوبة والتعليمية الصحيحة؛ انطلاقاً بهذا الكيان ومدّه بما يستحق من جهد وأولوية. وتأسست الجمعية الخلدونية فكانت سنداً ومعواناً للتعليم الزيتوني في شُعب المعرفة الطبيعية والرياضية، كما كانت بمكتبتها ومحاضراتها خير مركز لتوجيه العائدين من الخارج، بشدِّهم إلى أصول حضارتهم. وتنمية قدراتهم ومواهبهم. وقد كانوا من قبل أيام إقامتهم بفرنسة دعاة للإسلام، رفعوا أصواتهم بتمجيده والتنويه

стр. 59

بمبادئه، وإبلاغ أوروبة بنتائج الحركة الإصلاحية نقضاً لما شاع بين أهلها من سوء ظن بالإسلام، ولزعمها عدم تمشِّيه مع مقتضيات الحياة العصرية (١). واستمر الكفاح من أجل التعليم حتى شيدت الجامعات التونسية، وتحققت على أيدي المواطنين الثورة الكبرى في هذا الميدان بإقامة المؤسسات العلمية في عرض البلاد وطولها، وإيجاد مختلف التخصّصات، ومراكز البحث العلمي بها، تحقيقاً للتنمية، وسعياً من القادة في هذا الميدان إلى مواكبة العصر، وتبادل الخبرات مع المراكز والمؤسسات الدولية والعالمية. وقد انطلقت إلى جانب ذلك قيادات شبابية كثيرة بالبلاد، ظهرت مرّة متزامنة وأخرى متعاقبة، تلقّى بعضها عن بعض، في أكثر من نصف قرن، أزِمّةَ الأمر ومقاليد القيادة الشعبية الوطنية، وسارت بالناس قُدماً في ثبات وجرأة، في مجالات النضال من أجل تحرير البلاد وتحقيق ما وراء ذلك من أهداف. فكان النادي التونسي، وحركة الشباب التونسي، ثم الحزب الحر الدستوري التونسي، فحزب الإصلاح المنفصل عنه، وكان الحزب الحر الدستوري الجديد: الديوان السياسي، والاتحاد العام التونسي للشغل، وجامعة الموظفين، وغيرها من الحركات والمنظّمات التي كان آيةَ إخلاصها الاتحادُ والتكتلُ وتنظيم العمل الجماعي في كل ناحية من نواحي الحياة لإقامة المنشآت الحرّة متسقة مع الكفاح السياسي ومبنية على روح التضحية (٢).

стр. 60

وطبيعي أن يكون مجال الحركة لهذه الخلايا اليقظة الحيّة في المجتمع التونسي قائماً على اللقاءات والاجتماعات والمؤتمرات من جهة، وعلى الخطب والمحاضرات والمقالات والصحافة والنشر من جهة أخرى. وهكذا امتدَّت الفروع، وتعددت الخلايا لتلك الحركات، وصدر العديد من الصحف والجرائد والمجلات والكتب نعدّ منها: جريدة التونسي، والاتحاد الإسلامي، والزهرة، والفجر، والبدر، والبرهان، والنهضة، والعرب، والإرادة، ثم العمل التونسي، وتونس الفتاة، والحرية، والشعب، وتاريخ الحركة الوطنية التونسية، ونحوها. وقد مثل كتاب تونس الشهيدة عند صدوره مادةً ثرية استغلّها رجال الصحافة يومئذ. فكان مرجعَهم لشرح النقط التفصيلية للإصلاح الحكومي المزعوم، وطريقاً لمهاجمة الإدارة وانتقاد تصرّفاتها في جميع نواحي الحياة العامة، بقياس ابتعادها عن الأصول الهامة التي نادى بها، كما نادى الصحافيون بالمبادئ الأربعة عشر التي أعلن عنها وِلْسُون وطالبوا بتطبيقها، وخاصة منها مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها. وعن طريق هذا التحرّك الجاد المبارك، فيما بين الحربين العالميتين وما بعدهما، سرى في البلاد عزم إجماعي، قوامه عقيدة وطنية مبنيّة على أن غاية العمل الشريف تتمثل أساساً في خدمة المصلحة العامة، وأن ذلك لا يثمر ثمرته المرجوة إلا متى كان الإخلاص سبيله لتحرير البلاد من قيود الوضع الاستعماري الذي يعوقها عن التقدم، ويمنعها من إنشاء المؤسسات الصالحة. وجهود كهذه مهدّدة بدون شك بالإيقاف والتعطيل، تعقبها عادة

стр. 61

أنواع من العقوبات الصارمة والتنكيل .. وذلك بصدور الأوامر والأحكام الاستثنائية لإثارة عزائم المواطنين، واستفزاز سلط الطغيان والبغي. وتبعت ذلك انتفاضات شعبية، ومظاهرات جماعية، وفتن داخلية وخارجية، أذكتها العلاقات السياسية التي قامت بين الحركات التونسية والحزب الاشتراكي ورابطة الدفاع عن حقوق الإنسان بفرنسة مرّة، وتوسع نشاط القادة في الخارج بتعاونهم مثلاً مع الحركة الفلسطينية، ودعوتهم معها إلى أول مؤتمر إسلامي بالقدس ٧ - ١٧/ ١٢/ ١٩٣١. وقد كان رجال الكفاح يترصّدون كل بادرة حكومية تسوء الشعب، أو تلحق به ضرراً، فيدفعون المواطنين إلى التحرُّك وإبداء الاعتراض على تلك التصرّفات ومقاومتها. وحين سيم العمال الخسف في البلاد التونسية، واضطهدوا ومُنعوا حقوقَهم، ظهرت الهزّات الاجتماعية من ثورات وإضرابات ومقاومة مسلحة .. فكانت إضرابات الطلبة ١٥/ ٣/ ١٩١٠، وواقعة الزلاج ٧/ ١١/ ١٩١١، ومقاطعة الترمواي ١٩١٢. وكانت حركة التجنيس، بما قامت عليه من تخطيط ماكر للأوضاع، واعتداء صارخ على الحريات، وإغراء مقيت بذلِّ التبعية. ونجمت فتن لم يكن يراد منها سوى استهداف الشعب في مقدساته، والدعم الدمغرافي للمحتل الأجنبي الجاثم على تراب الوطن، سواء كان ذلك منه عن طريق استلحاق الأجانب من إيطاليين ويهود ونحوهم من المقيمين بالبلاد، أو بتجنيس التونسيين أنفسهم، تمكيناً لقدم المستعمر، وإعلاءً لصوته، وفرضاً لسلطانه ونفوذه. وقد أعلنت الحركات العُمالية والنقابات عن مقاومتها للمثلث الاستعماري، وقوبلت هذه الخطة السياسية الاستعمارية المدبّرة بما يناسبها من

стр. 62

تنديد ومقاومة. وأزهقت الأنفس في سبيل ذلك، وأتلفت الأرواحُ وزجّ بمن لم يستشهد - وهي جموع كبيرة - في السجون، أو أبعدوا ونفوا من الأرض. وكذلك كان ديدن هذا الاستعمار عندما تحدَّى المغاربة وواجههم مواجهة عنيفة بمحاولة فرض الظهير البربري عليهم. واستمرت سياسة القمع والعدوان على أشدّها، كما استمرت الحركة الوطنية في ائتلاف عناصرها وتوحيد صفوفها وانتشار خلاياها. وكانت واقعة (٩) أبريل التي كان أكثر ضحاياها من الشباب الطالبي. ولحق فيها ما لحق من أذى وسجن ونفي بمدرسي المعاهد والأساتذة، ثم توالت الحركات الجهادية التحريرية باعتلاء رجال المقاومة وأجناد الكفاح قمم الجبال، واستقرارهم بالمناطق الوعرة التي كانت لهم جُنَّة ومنطلقاً للهجوم. وبدأت المفاوضات السياسية تجري بين الحزب والحكومة الفرنسية، ثم ما لبثت دولة الحماية أن أعلنت عن استقلال البلاد في ٢٠/ ٣/ ١٩٥٦. وتبع ذلك إعلان الدستور. وفي ٢٥/ ٧/ ١٩٥٧ عطل نظام الحكم الملكي واستبدل به النظام الجمهوري. وأعلن ذلك رئيس الحكومة بنفسه من على منبر قصر مجلس الأمة. وحرص المواطنون قادة وشعباً على مواصلة جهادهم بدخول معركة الجلاء ١٥/ ١٠/ ١٩٦٣ استكمالاً لتحرير البلاد. ثم اندفعت الجهود من ذلك الوقت في معركة أوسع وأكبر؛ هي معركة التنمية، وابتداء مسيرة البناء، طلباً لصيانة مكتسبات الجهاد، ودعماً لمقوّمات السيادة والعزّة الوطنية. ومن يعد إلى بدايات القرن الذي حدّدناه، وقدمنا صورة ملخَّصة موجزة عنه، وإلى ما اتصل بها من ظروف وملابسات كانت إرهاصات لها أو تمهيد ومقدمة لما نشأ فيها من دعوات وحركات، لم يتردّد في اعتبار أن العالم الإسلامي في تلك الأثناء كان يمر من

стр. 63

أقصاه إلى أقصاه بمرحلة قاسية وخطيرة، ساد فيها الجهل والفقر والمرض واختلال الأمن، كما ذاع فيها القلق والحيرة والتشاؤم واليأس، حتى رأيت أكثر الناس يتمثل فيها بقول الشاعر: أتى الزمانَ بنوه في شبيبته ... فسرّهم، وأتيناه على هرم أو يردّد قولَ العتاهية: أرى الأمس قد فاتني ردُّه ... ولست على ثقة من غدِ ويتفاقم هذا الوضع بالهزَّات والانتفاضات الاجتماعية والسياسية، فتدلهمّ الآفاق، ويزداد القنوط، وتنسد مسالك الرجاء في وجوه المسلمين. ولكن نسمة مباركة من الله تعالى، وروحاً من الإيمان المستقر في قلوب الصادقين المخلصين من عباده، دفعا بجمهرة كبيرة من أئمة الفكر وزعماء الإصلاح ودعاة التغيير، في مختلف الأقاليم، إلى تحدّي صروف الزمن، فرفعوا أصواتهم منادين بالحق وإلى سبيل المؤمنين، داعين مَن وراءهم من إخوانهم إلى الخير في المشرق والمغرب، يعملون على بعث الحياة، وتجديد أسباب العزة والمَنَعة والقوة في نفوس المسلمين. وما إن سرت هذه الروح فألهبت المشاعر، وشحذت العقول، وصقلت المواهب، وحفزت الهمم حتى شعر الناس بالانفراج، وببداية عصر التطور والتقدم الملهم. ونحن من أجل تسجيل هذه الظاهرة، وبسبب ما تقتضيه هذه العجالة من ضرورة الاقتصار على إشارات دالة خاطفة تشير إلى وجود تيارين مشرقيين تزامنا، وتصدَّرا ما كان يظهر بالبلاد التونسية من تيارات إصلاحية، وحركات تجديدية. * * *

стр. 64

المجتمع الإسلامي الجديد وبناؤه إن نوعية المفكرين والدعاة ورجال الإصلاح الذين ظهروا في هذه الفترة في مختلف البلاد هي التي حدّدت، بحسب قوّة الحركة واندفاع النشاط، وضيق الرقعة أو اتساعها، خطَّ السير للمجتمعات الجديدة، وجوانب الاهتمام التي كان من الضروري التركيز عليها لتحقيق التغيير والتطوير. فقد ظهر بالمشرق العربي فيما بين ١٢١٦ - ١٢٩٠/ ١٨٠١ - ١٨٧٣ وبين ١٢٨٦ - ١٣٦٦/ ١٨٦٩ - ١٩٤٦ اتجاهان قويان تزعّم أوَّلهما رجل فرد هو رفاعة بدوي رافع الطهطاوي، من (طهطا) بمصر. وتزعم الثاني كوكبة من أهل النظر والفكر والسياسة والدين والعلم، أخذ بعضهم عن بعض، تتابعوا كأنابيب القنا، متكاملين في نشر مذهبهم الإصلاحي. فكانوا على التوالي: جمال الدين الأفغاني مِنْ أسعد آباد بأفغانستان، ومحمد عبده من محلة نصر وطنطا بمصر، ومحمد رشيد رضا من القَلْمُون بطرابلس الشام، وشكيب أرسلان من الشويفات بلبنان. * * *

стр. 65

دعاة التجديد في البلاد العربية رفاعة الطهطاوي أما التيار الأول فعنوانه فتى أزهري من تلامذة الشيخ الطُّلعة حسن العطار. كان يزعم أن بلاده لن تتغيّر أحوالها أو يوجد بها من المعارف ما ليس فيها. ولاعتقاده الجازم بذلك رشح فتاه لمحمد علي باشا للمشاركة في أول بعثة طلابية، سافرت إلى باريس سنة ١٨١٦، وجعله إماماً لها. وهكذا تسنّى لرفاعة الطهطاوي ١٢١٦ - ١٢٩٠/ ١٨٠١ - ١٨٧٣ أن يغادر البلاد المصرية، وعمره خمسةٌ وعشرون عاماً، وأقام بفرنسة خمس سنوات، أفاد منها أية إفادة: أتقن فيها اللغة الفرنسية، واكتشف أسرار النهضة والتفوق والتقدم والمدنية، وشعّ بمعارفه المكتسبة الجديدة ما يُغيّر به الحياة فيما حوله، ويدعو إلى بناء مجتمعات متطوّرة في بلاده وغير بلاده من أطراف العالم الإسلامي. ولقد نظر مشدوهاً إلى المجتمع الجديد الذي احتضنه ضيفاً زائراً، وأدرك عن كثب ما بلغه ذلك المجتمع من مراتب البراعة في العلوم الرياضية والطبيعية. ثم قارن هذا الوضع بما كانت عليه البلاد الإسلامية من تعلّق بالعلوم الشرعية والعمل بها، وبالعلوم العقلية، مع إهمالها كُلِّياً للعلوم الحكمية وانصرافها عنها بجملتها (١). وهكذا تجلّت له الفوارق واتّضحت له النتائج. فالفرنجة إنّما قوِيت شوكتهم

стр. 66

ببراعتهم وتدبيرهم ومعرفتهم في الحرابات واختراعهم فيها. وهذا ما ينعدم انعداماً كاملاً في مجتمعاتنا. فسائر تلك العلوم المعروفة معرفة تامة لدى الفرنجة مجهولةٌ بالكلية عندنا. ومن جهل شيئاً فهو دون من أتقنه، وكلما تكبّر الإنسان عن تعلّمه شيئاً مات بحسرته (١). وقد جعل القصد من دعوته هذه إلى الإصلاح حثُّ أهل ديارنا على استجلاب ما يكسبهم القوة والبأس من جهة، وما يؤهّلهم لإملائهم الأحكام من جهة أخرى (٢). وللتأكيد على ذلك كان يحاول مع مقارنته بين الوضعين القائمين أن يشير إلى الغايات الشريفة التي تتطلع إليها شعوب الأمة الإسلامية قاطبة. وهو لذلك - بعد سبر أغوار مجتمعات الفرنجة - يصدع بأن العلوم هي التي قادتهم إلى تحقيق التمدن. ويحثّ جميعَ الناس على الاشتغال بالعلوم، والفنون والصنائع النافعة. وبعد مناشدتهم التضحية وبذل الجهد، والمغامرة مع الكدّ والكدح - وهي شروط النهوض والتقدم لبلوغ أسنى المقاصد - يزيّن لهم ما وراء ذلك من غايات تتكفّل بها شريعتهم، ويوفّرها لهم نزوعهم إلى العلم العصري. فالغاية الأولى التي ترفع من مكانة الأمة، وتجعلها أسوة لغيرها، هي كمال الأخلاق والفضائل الإنسانية المتوصل إليها بالآداب الدينيّة والتربية العالية السلوكية. وهي التي تصون الناس عن الأدناس وتَصرفُهم عن الأرجاس. والغاية الثانية هي المنافع العمومية التي تعود على المجتمعات بالثروة والغنى وتحسين الحال وتنعيم البال، وتُبعدها عن الحالة الأولى الطبيعية (٣).

стр. 67

وقد انتشرت آراء الطهطاوي ودعوتُه في مختلف الأوساط، وخاصة بعد تولِّيه رئاسة مدرسة الألسن. وكان مما يمكّن له بين صحبه وأنصاره وتابعيه سعةُ معرفته بما صدر من مؤلفات في شتى أصناف العلوم خارج وطنه، واستيعابُه للفكر الفرنسي في القرن الثامن عشر، وإنتاجهُ الغزير المتمثل فيما أقبل عليه من تعريب لجملة من المؤلفات الجغرافية والتاريخية وفي العلوم العسكرية، وعنايتهُ بترجمة كتاب مونتسكيو: تأملات في أسباب عظمة الرومان وانحطاطهم. ولئن كان تأثّر معاصريه به تأثراً مباشراً بوقوفهم على هذا الإنتاج الغزير أو جلوسهم إليه وارتباطهم به، فإن آراءه الإصلاحية قد عَبَرت حدود مصر، وانتشرت في الآفاق بانتشار كتابيه الجليلين المتميزين: تخليص الإبريز في تلخيص باريز، ومناهج الألباب المصرية في مباهج الآداب العصرية. ولعل ممّا يفصح عن غرضه من تأليف الكتابين، ويحمل دعاة النهضة إلى الاقتباس منهما، قول جومار - أحدُ أساتذته - في تقريظه لكتابه الأول: "إن هذا التأليف يستحقُّ كثيراً من المدح. وإنه لمصنوع على وجه يكون به نفعٌ عظيم لأهالي بلد المؤلف. فإنه أهدى إليهم نبذاً صحيحة من فنون فرنسة وعوائدها وأخلاق أهلها وسياسة دولتها. ولمّا رأى أن وطنه أدنى من بلاد أوروبة في العلوم البشرية والفنون النافعة أظهر التأسفَ على ذلك، وأراد أن يوقظ بكتابيه أهل الإسلام، ويُدخل عندهم الرغبةَ في المعارف المفيدة، ويولِّد عندهم محبة تعلم التمدن الإفرنجي والترقّي في صنايع المعاش. وما تكلّم عليه من المباني السلطانية والتعليمات وغيرها أراد أن يذكّر أهالي بلده بأنه ينبغي لهم تقليد ذلك" (١).

стр. 68

ولقد نطق أستاذه حقاً وقال صدقاً، لا لما كان يعرفه من تفكيره، ويتصوّره من تصرّفاته وتطلّعاته، ولا لما تركته آراؤه وأفكاره ودعوته وتوجيهاته من أثر في الشباب من حوله، ولا في المحيط الفكري الجديد الذي تمكّن من إيجاد ما به من تفاعل ونفخ للروح الإصلاحية فيه، وإنما كان ذلك لما وجده في أقواله وكتابته من التزام بهذا المنهج، وعزم وإصرار على إقراره ودعمه. فلم تثنه مواقف المعارضة من الشيوخ القائمين على حماية التراث والملتزمين بما نشأوا عليه من علوم ومناهج ولكنه واجهها مواجهة شجاعة في تبصّر وحكمة، مبيّناً أحوال هذا العصر ومقتضياته وتطوّراته ومتطلّباته، معلناً أن المعارف الآن سائرة سيرة مستجدّة في نظريات العلوم والفنون الصناعية التي هي جديرة بأن تسمّى بالحكمة العملية والطرق المعاشية. ومع هذا فلم يزل التشبّث بالعلوم الشرعية والأدبية ومعرفة اللغات الأجنبية، والوقوف على معارف كل مملكة ومدينة بما يكسب الديار المصرية المنافع الضرورية، ومحاسن الزينة؛ فهذا طراز جديد في التعلّم والتعليم، وبحث مفيد يضمّ حديث المعارف الحالية إلى القديم، وهذا من بدائع النظْم. وإذا أخذ الطهطاوي حقه من حُسن التدبير والاقتصاد فيه فإنه قد استحق مرتبة التعظيم .. ولا ينبغي لأبناء الزمان أن يعتقدوا أن زمن الخَلَف تجرد عن فضائل السلف، وأنه لا ينصلح الزمان إذ صار عرضة للتلف. فهذا من قبيل البهتان. فالفساد لاعتقاد ذلك لا لفساد الزمان، قال الشاعر: نَعيب زماننا والعيب فينا ... وما بزماننا عيب سوانا ونهجو ذا الزمانَ بغير عيب ... ولو نطق الزمان بنا هجانا * * *

стр. 69

من دعاة الإصلاح والتجديد بالمشرق والبلاد العربية أما الكوكبة المشرقية المتكوّنة من الزمرة المتناسقة من أهل النظر والفكر والاجتهاد، والمُمَثِّلةِ للتيار الثاني من رجال الإصلاح. فرأسها الأفغاني ومحمد عبده صاحبا العروة الوثقى، وثالثهم محمد رشيد رضا الذي التحق في القاهرة بشيخه الأستاذ الإمام، وشاركه الكتابة في العروة الوثقى قبل تأسيسه للمنار، ورابعهم شكيب أرسلان الذي تلقى على الأستاذ الإمام، في مجالس خاصة، دروساً في مجلة الأحكام العدلية. * * *

стр. 70

١ - السيد جمال الدين الأفغاني هو السيد جمال الدين ١٢٥٤/ ١٨٣٨ - ١٣١٥/ ١٨٩٧ الأفغاني الأرومة، الشريف النسب، المنحدر من العترة النبوية الطاهرة، فقد كان كما قال أمير البيان: سيّدَ النابغين الحكماء، وأميرَ الخطباء والبلغاء، وداهيةً من أعظم الدهاة، دامغَ الحجة، قاطعَ البرهان، ثَبْت الجَنان، متوقّد العزم، شديد المهابة. وكانت سيرته كبيرة. وبلغ من علو المنزلة في المسلمين ما قلّ أن يبلغ مثلَه سواه (١). وهو رجلُ سياسةٍ تولّى رئاسة الوزارة في بلده في ظل الأمير محمد أعظم، وذهب إلى الآستانة بدعوة من السلطان عبد العزيز الذي عيّنه عضواً في مجلس المعارف. واستقبله الخديوي إسماعيل بمصر، وتوجّه إلى إيران بدعوة من الشاه ناصر الدين. وكان آخر مطافه الآستانة لمّا استدعاه السلطان عبد الحميد الثاني للإقامة بها. وهو فيما بين هذه الخطط والوظائف التي تقلّب فيها، وباشرها من قريب، قد خَبَر أحوال المجتمعات الإسلامية، واستَكْنَهَ أسرارَ دُولِها وشعوبها، وتنقَّل هنا وهناك بين أقطار العالم الإسلامي وغربي البلاد الأوروبية، ناقداً ثائراً، داعياً وموجهاً، مكتسحاً بآرائه وأقواله كل الطبقات والأوساط، مستفزّاً للطغاة. فكان - كما نعته خلطاؤه - رجلَ الأمل واليأس، والثورة والهدأة، ورجل الواقع والحُلم، يحمل

стр. 71

في أفكاره ونشاطاته بذور اليقظة والنهضة بما كشف عنه من مواقف، ودلّ عليه من نزعات. وقد عرّض به ذلك إلى غضب خُصومِه، من أصحاب الانقلاب بأفغانستان، وغضبِ الخديوي توفيق بمصر، والشاه بإيران، والإنجليز بالهند. وكان بعدَ ذلك مستهدَفاً لكل الأنظمة الجائرة في بلاد الإسلام قاطبة، لكونه زعيم المسلمين وداعية من أكبر دعاة الحرية. وكانت مجلة العروة الوثقى، التي تولّى إصدارها بمشاركة محمد عبده له بباريس، الصحيفة الذائعة، الناشرة لآرائه، والداعية إلى نهضة العالم الإسلامي واتحاده، وإلى الثورة على الاستعمار أين كان. وقد سارت على نهج العروة الوثقى مجلة ضياء الخافقين التي كانت تصدر عنه باللغة العربية والإنجليزية أيام إقامته ببريطانيا. أيقن السيد جمال الدين الأفغاني بتسلّط القوى الاستعمارية، وحِقدها وتهديدها لدولة الخلافة، ولسائر البلاد الإسلامية والعربية. وكان أولَ من آمن بسيطرة الغرب على الشرق الإسلامي، وكانت نظرتُه متفحّصة، دقيقة وواقعية، فتمثل عواقب ذلك فيما إذا طال عهدها وامتد سلطانها، وأدرك شؤم المستقبل وما سينزل بساحة الإسلام والمسلمين من النوائب الكبرى إذا هم رضوا بالمهانة وسكتوا عن الظلم. ودَفَعَه إيمانه بالقضية الإسلامية إلى تحريك العقول وإلهاب العواطف، والتأكيد على مراجعة النفوس وعلاجها وتنقيتها من أسباب الضعف والوهن، وتوجيهِها إلى أسباب القوة، معلناً بين أنصاره: "إنه متى ضعف ما كان سبباً في الصعود يحصل الهبوط والانحطاط، وإنه متى زال ما كان سبباً للسقوط يحصل الصعود" (١).

стр. 72

وهو لذلك يحذّر الشعوب العربية الإسلامية مما تردّت فيه من الانقسام والتفرّق. وحين يذكّر بما سبق لابن خلدون أن قرَّره من أنّ القوة في الدولة بالعصبية، تتحقّق بقيامها وتتأكّد بالحفاظ عليها، ينظر إلى المجتمعات الإسلامية، وقد اختلفت ديارها وتباينت أقطارها، وتعدّدت أجناسها وألسنتها، فيركز دعوته على مقوّمين أساسيين آخرين هما: الدين والاتحاد. فالدين لديه هو طريق السعادة وحقيقة المدنية. والتمدن الحقيقي مكافىء له تمام المكافأة، يتيح للإنسان الارتقاء فوق مراتب البهيمية، كما يسمح ببناء نظام اجتماعي متماسك متَّحد، يسعى لخير المجموع وسعادته داخل التجمع البشري الخاص والعام. ومن أجل هذا نرى السيد جمال الدين الأفغاني يهيب بالمجتمع الإسلامي إلى التمسك بدينه والحفاظ عليه وصيانته من التغيير والتلفيق، وما يتبع ذلك من الأوهام والشعوذات. وقد استمرت دعوته هذه قاعدة مُلهِمة لمعظم الحركات الدينية الإسلامية التي ظهرت في العالم الإسلامي حتى الحرب العالمية الأولى. والمقوّم الأساسي الثاني هو الاتحاد. فالاتحاد ضرورة للدول العربية والإسلامية. وهو الشعور بالترابط الجذري بينهم، وبالعروة الوثقى التي لا انفصام لها بَين جميع المؤمنين في أطراف العالم. وهو الطريق لرأب الصدع، وجمع الشمل، ودعم الصفّ، وتعزيز المواجهة لكل عدوان. وهكذا نجد الأفغاني يدعو - في واقع الأمر - إلى اتحادين: اتحاد ترتفع به الأمة الإسلامية متميّزة بأخلاقها ومنهجها وسلوكها وتضامن شعوبها ودولها، تقيم على أسُسه القطعيّةِ والثابتةِ هياكلَ مجتمعاتها وصرحَ جامعتها.

стр. 73

واتحاد دفاعي يَحمل عليه اعتقاد الأفغاني من زمن مبكّر أن جميع الشعوب النصرانية مجمعة ومتّفقة على عداء الإسلام، تأثراً منها بالروح الصليبية. وروح العداء هذه متمثّلة في جهد جميع هذه الشعوب جهداً خفياً مستتراً متوالياً من أجل سحق الإسلام سحقاً. وهو بعد أن يمضي في تفصيل تلك العداوة ومستلحقاتها، وما يترتب عليها، يقول مصوراً المنهج والسبيل لتحويل المجتمعات الإسلامية عما انتابها وحلّ بها: "وفي جميع هذا يوضح أن العالم الإسلامي يجب عليه أن يتّحد اتحاداً دفاعياً عاماً مستمسك الأطراف وثيق العرى، ليستطيع الذود عن كيانه، ووقاية نفسه من الفناء المهدِّد. وللوصول إلى هذه الغاية الكبرى يجب عليه اكتناه أسباب تقدم الغرب والوقوف على تفوّقه وقدرته" (١). وهكذا أعلن جمال الدين عن سياسته الثورية ضدَّ كل أسباب التخلّف، وضدَّ القوات الاستعمارية المغتصبة التي أصبحت الآمرة الناهية والمتصرّفة، بل المستبدّة بكل شؤون البلاد الإسلامية: تحكمُها بهواها، وتسيّرها وفق مصالحها وغاياتها. وما انتشرت آراؤه وكلماته هذه حتى تحوّلت دستوراً يخضع له كل أنصاره ومريديه. وترتبت عليه اتجاهات ثلاثة في العمل الوطني المصري: • الاتجاه الثوري الذي يمثله الضباط المصريون الواقعون تحت سيطرة الضباط الشراكسة، ويتزعّمه أحمد عرابي، وعبد العال حلمي، وعلي فهمي، ومحمد عبيد وأمثالهم. • الاتجاه الثوري الذي يؤمن بالشعب وقواه وطبقاته الكادحة،

стр. 74

ويعتمد في حركته على العامة والجماهير. وهو الذي تولّى قيادته عبد الله النديم، ومَنْ خَلْفه من المؤيدين والموالين له. • الاتجاه الثالث وهو اتجاه إصلاحي أكثر منه ثوري. يقوم على التربية والتعليم والاستنارة الفكرية. وهو الذي تقمّصه الشيخ محمد عبده، وعبّر عنه في مقالاته الإصلاحية التي نشرها في الوقائع المصرية. وكان من مناصريه: سلطان باشا، وسليمان أباظة، وسعد زغلول، وعبد الكريم سلمان، ومحمد خليل، وغيرهم (١). وقد كان من الطبيعي ظهور هذه الاتجاهات كلها .. وهي وإن اختلفت شكلاً فإنها كانت متضامنة يخدم كل اتجاه منها، حسب الظروف التي مرّ بها والخطة التي وضعها، المصلحة العليا للوطن التي تقتضي حشد كل الطاقات والجهود. * * *

стр. 75

٢ - الأستاذ الإمام محمد عبده هو الأستاذ الإمام محمد عبده حسن خير الله ١٢٦٦/ ١٨٤٩ - ١٣٢٣/ ١٩٠٥ فقيه أزهري. تخرّج من الجامع الأحمدي بطنطا، ومن الأزهر بالقاهرة. وكان من أساتذته الشيخ السيد جمال الدين. صاحبه ابتداءً من المحرم ١٢٨٧/ مارس ١٨٧١. وتلقى عليه بعض العلوم الرياضية والحكمية والكلامية، ودعا رفاقه إلى الالتحاق به في دروس الأفغاني والإفادة منه. وقد أغضب هذا شيوخ الأزهر وجمهرة من الطلبة. فتقوَّلوا عليه الأقاويل، وزعموا أن ما يتعلّمه من السيد يفضي إلى زعزعة العقيدة الصحيحة، ويهوي بالنفس في ضلالات تَحرِمُها خيري الدنيا والآخرة (١). وحصل محمد عبده على العالِمية وكان متفوّقاً على أقرانه، معتدّاً برأيه، ملازماً لشيخه. وهو رغم طول معاشرته له، وانتسابه إليه، وعمله معه، وأخذه الكثير عنه، اختلف عنه في آخر المطاف منهجاً وطريقاً، لكنه استمر متمسكاً بأصول الخطة الدعوية الإصلاحية، يربطه بها وبشيخه الوجدان والشعور. يشهد لذلك ما يترجم عنه قوله حين بلغه نعيُ أستاذه: "إن والدي أعطاني حياة يشاركني فيها أخواي علي ومحروس، والسيد جمال الدين الأفغاني أعطاني حياة أشارك بها محمداً وإبراهيم وموسى وعيسى والأولياء. ما رثيته بالشعر لأنني لست بشاعر، وما
следующие страницы →