← История

История · id 17097

نيل الأمل في ذيل الدول

عبد الباسط الملطي

Полный текст (3 142 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

بالسلطان، وقرّر نايبا عنه في الخطبة لعجمة في لسانه وعدم معرفة هذا المصطلح (١). [جمادى الآخرة] [قضيّة الإفتراء على جقمق] وفي جمادى الآخرة كانت كاينة الإفتراء على جقمق الدوادار، ونسبته أنه كاتب قرا يوسف وأتى معه على السلطان، وظهر كذب ذلك، وأنه ينتقل. وأنّ إنسانا يقال له ابن (٢) الدّربنديّ هو الذي افترى ذلك عليه لغميض ما، وأنّ إنسانا من العجم كتب كتابا على لسان قرا يوسف باسم جقمق، وجعله في خشبة مخروطة مخرّمة وسدّ عليها، ثم اعترف ابن (٣) الدربندي بذلك ونسبه إلى ألطنبغا الصغير، وأنه هو الذي ألجأه إلى ذلك، فلم يلتفت إلى قوله وغرّق في بحر الفيل. وكان العجميّ الذي كتب الكتاب مريضا بالبيمارستان فمات من حرقة في (ليلته) (٤). [وفاة الأمير الدربندي] [١٤٤١]- / ٥٩٣ / وفيه وصل الخبر بموت الأمير إبراهيم بن محمد الدّربندي (٥) صاحب شروان وشماخي (٦)، وأنّ قرا يوسف بعث ابنا له ومعه ستة آلاف فارس إلى شماخي، فأتته عساكر بلاد الدشت وكسر وقتل معه جمعا وافرا (٧). وأنه لما بلغ ذلك شاه مرزة بن تمرلنك غرّه على أن يصيّف في تبريز لأجل قرا يوسف، وأنّ ابن (٨) عمر صاحب أرزن الروم كان انكسر من عساكر الروم كسرة قبيحة قتل فيها جمعا (٩) من أصحابه، وأن قرايلك قصد بلاد قرا يوسف وحارب من بماردين منهم فقتل وأسر منهم جماعة، وأخذ منهم ثمان قلاع ومدينتين، وساق جماعة من الناس من نحو مايتي وخمسين قربة بأموالهم وعيالهم ليسكنهم ببلاده، وأنه على حصار ماردين (١٠). [عودة الأستادار من قتال بني عمر وهوّارة] وفيه قدم الفخر الأستادار من الوجه القبلي، وكان قد توجّه إليه لقتال بني عمر

стр. 1157

وهوّارة، وفعل أفعالا كثيرة، وعاد بأموال جزيلة جرفها جرفا من تلك البلاد ما بين غنم وبقر وجاموس وإبل، ومن الدقيق والقند والأعسال ما لا يعبّر عنه ما تكون قيمته زيادة على الماية ألف دينار (١). [الموقعة بين هوّارة وسودون القاضي] وفيه قدم الخبر بأنّ هوّارة اجتمعوا وتحالفوا، ووقع بينهم وبين سودون القاضي، وكان قد أقام بالوجه القبليّ هو وإينال الأزعريّ احتياطا، وقتل طائفة من أصحابهما، وكانت الكسرة على هوّارة وقتل منهم جماعة، وأحضر نحوا من عشرين رأسا مقطوعة، وعيّن السلطان جماعة من الأمراء للخروج تجريدة نجدة لسودون القاضي، فتجهّزوا وخرجوا بعد أيام وفيهم الأتابك ألطنبغا القرمشيّ، وططر رأس نوبة النوب، وجقمق الدوادار، وألطنبغا المرقبيّ حاجب الحجّاب، وقطلوبغا الشمسيّ، في عدّة من الجند السلطانيّ. [وفاة الشهاب القرقشندي] [١٤٤٢]- وفيه مات الشهاب القرقشندي (٢)، أحمد بن عبد الله بن أحمد. وذكر بعضهم أنّ اسم أبيه عليّا (٣). مات عن (٤) خمس (٥) وستين سنة. وكان بارعا في العربية وفقه الشافعية، عارفا بالفرائض والأدب، وله نظم ونثر وتصانيف، فمن تصانيفه «صبح الأعشا في صناعة الإنشا» (٦) جيّد في فنّه ما صنّف مثله. [وفاة الأمير بيسق الشيخي] [١٤٤٣]- والأمير بيسق الشيخي (٧)، الظاهري، الحنفيّ.

стр. 1158

/ ٤٩٤ / وكان ترقّى حتى صيّر أمير اخورا على إمرة طبلخانات، وحجّ كثيرا بالمحمل في الأيام الظاهرية الناصرية، وتولّى عمارة المسجد الحرام بعد حريقه، وجرى عليه أمور بعد ذلك، وأخرج إلى القدس بطّالا، وبها بغته الأجل. وكان كثير التعصّب لمذهب أبي حنيفة ﵁، مع شراسة في خلقه وكثرة ماله، وكان له برّ وصدقات. [الشروع ببناء المارستان] وفيه شرع السلطان في بناء مارستانا (١) للمرض بمكان المدرسة الأشرفية الشعبانية الماضي خبر هدمها (٢). [وفاة جمال الدين الحميدي] [١٤٤٤]- وفيه مات الشيخ العالم، الفاضل، جمال الدين، يوسف بن محمد بن عبد الله الحميديّ (٣)، السكندري، الحنفيّ. وكان فاضلا، موسرا، ماهرا في الفقه، بارعا فيه. وكان سنّه زيادة على الثمانين. [رجب] [وفاء النيل] وفيه وفاء النيل، ونزل السلطان لكسره، وكان له يوما مشهودا (٤). [وفاة ابن هبة الله الملحاني] [١٤٤٥]- وفيه مات الشيخ عبد الرحمن بن هبة الله الملحاني (٥)، اليماني.

стр. 1159

وكان عارفا بالقراءآت (١)، مشاركا في عدّة فنون، مع دين وعبادة ونسك. [وفاة نائب صفد] [١٤٤٦]- وبردبك الخليلي (٢) المعروف بقصقا نايب صفد وطرابلس. [كسرة هوّارة] وفيه ورد الخبر بكسرة هوّارة وفرار جماعة منهم إلى ناحية الولايات، وقتل الكثير منهم، وأسر نحوا (٣) من خمسين نفر (٤) في وقعة كبيرة (٥). [شعبان] [معاناة والد أراد دفن ابنه] وفي شعبان وقعت حادثة شنيعة، وهي أنّ بعضا من الباعة الفقراء غرق له ولد في الخليج، فأخرجه والده ميتا، فلم يمكّن من دفنه إلاّ بعد استيذان العلاء بن الطبلاوي الوالي كما جرت به العادة، فأمر به عندما استأذنه إلى السجن، وطلب منه خمسة دنانير حتى يفرج عنه، فالتزم بأن يقوم بذاك، فأخرج إلى المتوكّل به فباع ما بحانوته من البضاعة التي بها كان قيام أوده وأود عياله، فلم يحرز ثلاثة دنانير إلاّ بتكلّف، ثم أخذ جميع ما عند زوجته أمّ الغريق وباعه فبلغ دينارا، واقترض دينارا فأكملت الخمسة للوالي، فاقترض ما يدفع لأعوان الوالي أيضا، واقترض شيئا لتجهيز ولده، ثم دفعه لمن يخرجه، وفرّهو وترك زوجته، وهذا من أشنع ما يفعله الولاة في هذا الزمن العجيب في قبحه (٦). [قتل أقبغا شيطان] [١٤٤٧]- وفيه قتل أقبغا شيطان (٧).

стр. 1160

وكان قد جمع له بين الولاية، والحسبة، وشدّ الدواوين. وكان كيّسا، يحسن المباشرة، عفيفا عن القاذورات كالخمر ونحوه / ٤٩٥ / وله معرفة وسياسة. [الخلاف بين ناظر الخاص والأستادار] وفيه وقعت مفاوضة ومقاولة من البدر بن نصر الله ناظر الخاص، والفخر بن أبي الفرج الأستادار، وتفاحشا في القول بحضرة السلطان، ورمى فخر الدين ابن نصر الله بعظايم، ومع ذلك فما اكترث السلطان بما وقع بينهما ومنهما، ثم بعد أيام تغيّظ السلطان على ابن (١) نصر الله فقبض عليه وأسلمه للفخر، فظنّ كل أحد بهلاكه لما تقدّم منه، فلم يقابله الفخر إلاّ بجميل حتى عدّ ذلك من غاية فضله وإحسانه، وتعجّب الناس منها. ثم تمّم ذلك بأن ركب بنفسه بعد أيام إلى السلطان، وكان ببركة الحبش يعرض هجنا يعول (٢) لأجل سفره إلى الحجاز، فما زال الفخر به حتى شفّعه فيه فعاد إليه وأركبه إلى داره. ثم خلع السلطان عليه بعد ذلك وقرّره على حاله (٣). [نيابة صفد] وفيه قرّر في نيابة صفد مراد خجا، وقرّر في تقدمته جلبّان المؤيّدي (٤). وهو الذي ولّي نيابة الشام بعد ذلك. [نزول قرا يوسف على آمد] وفيه وصل الخبر بنزول قرا يوسف على مدينة آمد وفرار تمرلنك منه، وبعثه إلى نايب حلب يستأذنه في أن يعدّي الفرات إلى هذه المملكة، وأنّ محمد بن قرمان باق على حصار طرسوس وقد أشرف على أخذها. وبعث نايب حلب يعرّف السلطان بأنّ أهل حلب في رجيف وخوف شديد على أنفسهم من قرا يوسف أن لا يصيبهم مثل ما أصاب في أيام تمرلنك، وهم في عزم الرحيل من حلب. وبينا السلطان في هذا الفكر إذ خرج إلى ظاهر القاهرة وعاد شاقّا لها من باب النصر، ومن إشارته الهجن التي عيّنها لسفر الحجاز وهي مقمّشة بالذهب والزركش والحرير، وصعد القلعة إذ قدم عليه الخبر بوصول قرايلك إلى حلب فارّا بنفسه من قرا يوسف، وأنّ أهل حلب قد فرّ من كان خارج سورها، وأمّا من هو داخل السور نفر منهم

стр. 1161

جماعة ألقوا بأنفسهم من السور، وأنّ الحال هناك في إمرة النزع شديد جدّا، فانثنى عزم السلطان عن سفره للحج، وأخذ في تدبير ما يفعل، فبرز بأن كتب بخروج العساكر الشامية إلى حلب سريعا، وأخذ في تهيئة الإقامات لسفره، ثم جمع الأعيان من الخليفة، والقضاة الأربع (١)، والعلماء، وأبلغهم بواقعة الحال وما هو عليه قرا يوسف من قلّة الدين، وأن يحثه في عقد النكاح زيادة على أربعين ليلة، وأنه لا يتديّن بدين الإسلام، وأنّ الناس جفلوا منه / ٤٩٦ / حتى بلغ ثمن الحمار بحماه خمسماية درهم، والإكديش خمسين دينارا، وكتبت فتوى بصورة الحال والسؤآل عن جواز قتاله، فأفتوا بجواز ذلك، وكتب الخليفة خطّه والقضاة، وانصرفوا، والخليفة راكب، ومعه القضاة، ومقبل الدوادار، والمنادي ينادي بين يديهم بمثالب قرا يوسف، وأنه ينبغي أن يجاهد بالأموال والأنفس، فدهى الناس عند سماع هذا الخبر، واشتدّ جزعهم وكثر قلقهم. ثم كتب إلى الممالك الشامية بأن ينادى في كل مدينة قاعدة مثل هذه المناداة، وأنّ السلطان واصلّ لهم بنفسه وعساكره. ثم نادى السلطان لأجناد الحلقة بالتجهّز سريعا للسفر، وهدّد من تأخّر عن ذلك (٢). [ارتفاع سعر الغلال] وفيه ارتفع سعر الغلال، لا سيما وهذه الأراجيف عمّالة. وكان النيل قد نقص شيئا قبل أوان نقصه (٣). [الواقعة بين نائب طرابلس والتراكمين] وفيه وقعت كاينة طرابلس بين برسباي نايبها وبين بعض التراكمين قتل فيها سودون الأسندمري وعدّة من جيش طرابلس (٤). [١٤٤٨]- وكان سودون هذا من المماليك الظاهرية، وجرت عليه أمور، وآل أمره أن أخرج أمرا (٥) بطرابلس (٦).

стр. 1162

[رمضان] [مهاجمة قرا يوسف حلب] وفي رمضان قدم الخبر على السلطان بأنّ قرايلك رحل من حلب، وأنها خلت من أهلها من شدّة الخوف، وأنه وصل مقدّمات عساكر قرا يوسف، فخرج إليها وقاتلهم وهزمهم، وقتل وأسر جماعة منهم، فأخبروا نايب حلب بأنهم إنما جاؤوا لكشف خبر قرايلك، وأنّ قرا يوسف بعينتاب، وأنه لما بلغه هزيمة عسكره كتب إلى نايب حلب يعتذر إليه عن نزوله بعينتاب، وأنه ما قصد إلاّ قرايلك لكونه أفسد لي ماردين، وبعث نايب حلب إلى قرا يوسف بمهمندار حلب، وقد جازت جموعه الفرات وهو أيضا على [نيّة] (١) الجواز، وأنه أكرم المهمندار واعتذر إليه عن دخوله عينتاب، وحلف أنه لا قصد له عن قرايلك، وأعاده هدية للنايب، فحصل السرور بهذا الخبر للسلطان وللناس (٢). [عرض السلطان أجناد الحلقة] وفيه عرض السلطان أجناد الحلقة بعد أن نادى لهم بالعرض وبين من هو منهم في الخدمة ومن غيره، وخيّر هو بين الإقامة بخدمة الأمراء، وبين الإقامة على ما بيده من الإقطاع، فمنهم من اختار هذا، ومنهم من اختار ذلك. واشتكى بعضهم (٣) / ٤٩٧ / من قلّة متحصّل إقطاعه وأن (٤) لا يكفيه، فزاده عليه. وكان هذا من حسن تدابير المؤيّد لو دام، بل زاد الخلاط، وكثر طمع الطامع، وقلّت (٥) خير هذه الدولة المصرية، ولله الأمر (٦). [الإفراج عن عدّة أمراء] وفيه أفرج السلطان عن عدّة من الأمراء بسجون متفرّقة، منهم: كمشبغا الفيسيّ أمير اخور، وقصروه، وكزل العجميّ، وشاهين نايب الكرك (٧). [إحراق أسواق عينتاب] وفيه وصل الخبر بأنّ قرا يوسف أحرق أسواق عينتاب ونهبها وصالحه أهلها على

стр. 1163

مال دفعوه إليه حتى رحل عنها، وأنه لما نزل على البيرة أحرقها ونهبها، وقد امتنع الناس عنه بقلعتها، وأنه رحل عنها بعد ما حرّق معاملتها وأفسدها (١). [حنق السلطان على نائب طرابلس] وفيه ورد الخبر من طرابلس بكاينة برسباي نايبها مع التركمان وقتل سودون الأسندمري وعدّة من جند طرابلس، فحنق السلطان وأظهر التغيّظ على برسباي، وكتب بعزله واعتقاله بقلعة المرقب، وعيّن سودون القاضي لنيابة طرابلس (٢). [عرض أجناد الحلقة] وفيه عرض السلطان أجناد الحلقة وشدّد عليهم في طلب المال فيهم فحصل عليهم ما لا خير فيه لفقرهم عن الكثير منهم عن القيام بما ألزم به (٣). [ختم البخاري] وفيه ختم «صحيح البخاري» بحضور السلطان، وفرّق على الفقهاء ممّن حضره لكلّ ماية وأربعين مؤيّدا من الفضّة (٤). [ملك ابن قرمان طرسوس] وفيه ملك ابن (٥) قرمان مدينة طرسوس وقبض على نايبها شاهين الأيدكاري (٦). [شوّال] [جلوس السلطان للحكم بين الناس] وفي شوّال جلس السلطان للحكم بين الناس، وكان قد ترك ذلك، فاستدعى ابن (٧) الطبلاوي الوالي وضربه بالمقارع، ولم يعزله. وكان قد بلغ السلطان قصّة الذي مات ولده غرقا وما فعله معه ابن (٨) الطبلاوي وفراره، فتألّم السلطان من ذلك، وكان سببا لانتقامه من ابن (٩) الطبلاوي (١٠).

стр. 1164

[تقرير الوظائف بمدرسة الأستادار] وفيه قرّر فخر الدين الأستادار أمور مدرسته بين الصورين، وكانت قد انتهت عمارتها في رمضان، وقرّر فيها شيخا للحضور، وهو الشمس البرماوي، وقرّر في مشيخة تدريس الحنفية الشمس ابن (١) الديري قاضي القضاة، وفي تدريس المالكية القاضي / ٤٩٨ / جمال الدين، وفي تدريس الحنابلة القاضي عزّ الدين البغدادي المقدسيّ (٢). [وفاة الأستادار ابن أبي الفرج] [١٤٤٩]- واشتدّ بالفخر هذا مرضه حتى لم يقدر على الحضور في يوم إجلاس المدرّسين، وتمادى به الأمر حتى مات. وهو عبد الغني بن عبد الرزاق بن أبي الفرج (٣) بن نقولا الأرمنّي. عاش سبعا وثلاثين سنة. وكان داهية من الدواهي شهما، شجاعا، مقداما، قويّ الجنان، ثابت الجأش، عارفا بجمع الأموال من أيّ وجه كان، وتنقّلت به الأحوال على ما عرفت ذلك فيما تقدّم من أخباره، وهي طويلة جدّا. [تقرير مناصب] وفيه قرّر في الأستادارية سيف الدين أبو بكر المعروف بابن المزوّق عوضا عن [ابن] (٤) أبي الفرج. وقرّر في نيابة طرابلس سودون القاضي. وفي إمرة الكبرى كمشبغا القيسي (٥). [مرض السلطان] وفيه عرض للسان رجله على العادة ولزم الفراش (٦).

стр. 1165

[خروج الحجّاج] وفيه خرج الحاجّ وأميرهم بالمحمل جلبان المؤيّدي الأمير اخور الذي ولي نيابة الشام بعد ذلك (١). [وفاة الأتابك] [١٤٥٠]- وفيه مات الأتابك (ألطنبغا العثماني) (٢) نايب الشام بطّالا بالقدس. [وفاة نائب الوجه القبلي] [١٤٥١]- ولولو العزّي (٣) الطواشيّ، نايب الوجه القبلي، ثم شادّ الدواليب به. وكان أحمقا متمعقلا (٤)، فاتكا في هيئة ناسك، ظالما في هيئة عادل. [وفاة غياث الدين المتيمّ] [١٤٥٢]- وغياث الدين، محمد بن علي الكيلانيّ، الشافعيّ، المتيّم (٥). وكان قد اشتغل ومهر، ثم ترك واشتغل بالإتّجار، ثم خمل وتزوّج سريّة من سراري الناصر تسمّى سمراء، وله معها نوادر، وكان قد شغف بها، وهي تصدّه في البغض له. وله في سمراء شعر، وهو آخر من عرف خبره من المتيّمين بعصرنا، والغريب منه. [إفراج السلطان عن أمير المدينة] وفيه أفرج السلطان عن السيد الشريف عجلان بن نعير الحسنيّ، أمير المدينة

стр. 1166

الشريفة، ولإفراجه سبب من رؤيا رآها بعض أخصّاء السلطان، وهي غريبة نادرة يطول الشرح في ذكرها (١). [ذو القعدة] [تقرير الوزارة] وفي ذي قعدة قرّر في الوزارة الصاحب بدر الدين حسن بن نصر الله مضافا لنظر الخاصّ بعد القبض على البدر حسن بن محبّ الدين الطرابلسي وأهنته (٢). [ركوب السلطان المحفّة] وفيه ركب السلطان المحفّة وهو (في) (٣) ألم من رجليه، وسرح ثم عاد (٤). [وفاة الشهاب ابن الرداد] [١٤٥٣]- وفيه مات الشهاب ابن (٥) الرداد (٦)، أحمد بن أبي بكر بن محمد المكي، اليمني، الزبيدي، الصوفيّ، الشافعيّ. وكان عالما، فاضلا، صوفيا، له تصانيف كثيرة / ٤٩٩ / واعتناء بمقالة ابن (٧) عربيّ، وميل إلى مذهبه، وله نظم. ومولده سنة سبع وأربعين وسبعماية. [تعيين بطرك اليعاقبة] وفيه قرّر رفاييل النصرانيّ كاتب الجيزة في بطركة النصارى اليعاقبة عوضا عن متّى بعد موته (٨). [وفاة ابن الكويك التكريتي] [١٤٥٤]- وفيه مات المسند شرف الدين بن الكويك (٩)، محمد بن محمد بن

стр. 1167

عبد اللطيف بن أحمد بن محمود بن أبي الفتح الرّبعيّ، التّكريتيّ، السكندريّ، الشافعيّ. كان مسند عصره، أجاز له في سنة مولده المزّي، والبرزالي، والذهبي، وبنت الكمالي، (وغيرهم، وأسمع من ابن (١) كيدغدي، وأبي نعيم بن الإسعردي وابن (٢) عبد الوهاب، وآخرين، وتفرّد في آخر) (٣) عمره بأكثر مشايخه، وتكاثر عليه الطلبة. ومولده سنة سبع وثلاثين وسبعماية. [نقص اللحوم] وفيه عزّ وجود لحم الضأن مع بقاء سعره على ما كان (٤). [ذو الحجة] [نقص الخبز] وفي ذي حجّة قلّ وجود الخبز بالأسواق وازدحمت (٥) الناس عليه، ثم كثر وارتفعت الأسعار (٦). [وفاة نائب الإسكندرية] [١٤٥٥]- وفيه مات قطلوبغا الخليلي (٧) نايب الإسكندرية. [صلاة السلطان عيد الأضحى بجامع وردان] وفيه صلّى السلطان عيد النحر بوردان، وخطب به ابن البارزي كاتب السرّ، وكان الحال في الأضاحي بالقاهرة بخلاف ما كان معهودا بقلة ما ذبح فيه السلطان (٨). [تشاتم القاضيين الشافعي والحنفي بحضور السلطان] [وفيه] (٩) ركب السلطان إلى جامعه بباب زويلة، واجتمع عنده القضاة، فتنافس

стр. 1168

كلّ، من القاضيين: الشمس الهروي الشافعيّ، والشمس الديري الحنفيّ، وخرجا في ذلك عن الحدّ حتى تسابّا سبّا قبيحا، وذلك بحضور السلطان، وقد اجتمع من طوايف الناس خلق كثير، وانفضّوا. وكانت عناية السلطان بالهروي، وأعيب ما وقع على القاضيين، ونسب إلى ما لا يليق بالقضاة وتشنّع القالة في حقّهما (١).

стр. 1169

سنة اثنتين وعشرين وثمانماية [محرّم] [النفقة على الجند] في محرّم كانت النفقة على الجند لأجل السفر إلى بلاد الشمال مع ولد السلطان، الصارمي إبراهيم، وكان عيّن للسفر معه جماعة من الأمراء، منهم الأتابك ألطنبغا القرمشيّ، وططر أمير مجلس، فحمل لكلّ منهما ثلاثة آلاف دينار، ولبقيّة المقدّمين لكلّ ألفين. وأظنّ أنه بعث إلى قجقار القردميّ أمير سلاح بثلاثة آلاف أيضا. وبعد أيام سافر ولد السلطان وهو والأمراء معه، وكانوا جماعة يزيدون على الخمسة وعشرين أميرا من مقدّمي ألوف، وطبلخانات، وغيرهم. ومن المماليك السلطانية مايتي نفر (١). [وفاة الشيخ علي بن محمد] [١٤٥٦]- وفيه مات بالنحريرية الشيخ الصالح، المعتقد، أبو الحسن علي بن محمد ابن (٢) الشيخ كمال الدين عبد الوهّاب (٣). وكان من عباد الله الصالحين، وله شهرة وذكر. [وصول الحجّاج] وفيه وصل الحاجّ ومعهم السيد أحمد بن عجلان بن نعير الحسني، الماضي خبر إطلاقه. وكان قرّر في إمرة المدينة، فقبض عليه نايبها. ووصل بكتمر السعدي الذي توجّه إلى اليمن رسولا عن السلطان إلى الناصر أحمد بن الأشرف (٤).

стр. 1170

[نيابة قيسارية] وفيه قرّر محمد بك بن دلغادر في نيابة / ٥٠٠ / القيسارية، وجهّز إليه التقليد بذلك مضافا لنيابة الأبلستين (١). [وفاة نائب الكرك] [١٤٥٧]- وفيه مات كزل (٢) الأرغون شاوي نايب الكرك، ثم أحد الطبلخانات بدمشق قبل أن يتوجّه إليها. [تشاتم القضاة أمام السلطان] وفيه ركب السلطان ونزل إلى جامعه بباب زويلة، وبعث يطلب القضاة ومشايخ العلم، فلما اجتمعوا سألهم: من أين يعمّر البيت الحرام، وأروقة المسجد الحرام، والحجرة النبوية؟ وكان الحاجّ لما قدم وصل إليه الخبر بأنّ الكعبة قد تشقّق جدرانها، وأروقة المسجد آيلة إلى سقوط، والحجرة النبوية محتاجة إلى بناء، فوقع بينهم كلام كثير في ذلك، وأخذ القاضي الحنبلي العلاء بن مغلي يسأل القاضي الشافعي الشمس الهروي عن أربع مسائل في معنى ذلك، وكلّما أجاب أجابه الحنبلي بقوله: أخطأت. ثم أخذ الشمس الديري القاضي الحنفي في الكلام مع الهروي حتى خرجا عن الحدّ وتسابّا وتفاحشا في الخطاب، حتى قال ابن (٣) الديري: أشهدك، وهو يخاطب السلطان، أنني حجرت على هذا من أن يفتي وحكمت بذلك، فنفّد الحنبلي والمالكي حكمه. وكان مجلسا شنيعا لا يرضاه أحد، يهدل فيه الهروي غاية البهدلة، وانفضّوا على غير طايل (٤). [صفر] [ثورة المماليك بطباق القلعة] وفي صفر ثار المماليك السلطانية بطباق القلعة وهمّوا بأن يوقعوا بالوزير والأستادار بسبب تأخّر عليق خيولهم، وكادت أن تثور فتنة حتى تلطف، فسكن الحال شيئا (٥).

стр. 1171

[وفاة الشرف ابن بركة] [١٤٥٨]- وفيه مات الشرف، يحيى بن بركة بن محمد بن لاقي (١) الدمشقيّ، أستادار الجلال، منفيّا بغزّة. وكان صار من الأعيان بالقاهرة، وأخرج منها على حمار فمات بطريقه قبل وصوله غزّة، وحمل إليها، وبها دفن. [إخراج البدر حسن إلى طرابلس] وفيه أخرج البدر حسن بن مجد الدين الطرابلسيّ إلى طرابلس على كره بها (٢). [تعدية السلطان النيل] وفيه عدّى السلطان النيل إلى ناحية وسيم وأقام بها ثم عاد إلى بنبابه (٣)، وصنع له وقدة هايلة كالتي تقدّمت في الماضية، وحرق فيها الكثير من الزيت والأنفاط، ومرّ فيها من أسخف ما لا يعبّر عنه، ثم أصبح وركب البحر، وعدّى وركب إلى قلعته، فوجد المماليك السلطانية سكان الطباق قد قاموا قومة واحدة، وامتنعوا من أخذ جوامكهم، وطلبوا الزيادة على عادة ما كانت في الأيام الظاهرية برقوق من جامكية وكسوة وعليق ولحم وسكّر وأشياء أخر، فتوقّع الناس حدوث فتنة. ثم أخذ السلطان في تلطيف القضية وأرضاهم حتى سكنوا (٤). [الوقعة بين هوارة القبلية والبحرية] وفيه كانت بين هوّارة القبلية وهوّارة البحرية وقعة حضرها ألطنبغا المرقبيّ، أحد مقدّمي الألوف، ومعه أمير هوّارة البحرية رقم، فقتل بين الفريقين زيادة على ثلاثة آلاف نفر، واستولى العسكر السلطاني على مال كثير لهم ما بين إبل / ٥٠١ / وبقر وغنم وجاموس وغير ذلك (٥).

стр. 1172

[دخول ابن السلطان دمشق] وفيه كان دخول إبراهيم ابن (١) السلطان بمن معه من الأمراء والعساكر إلى دمشق، وكان له يوما مشهودا (٢). [بدء الطاعون بمصر] وفيه ابتدأ الطاعون بنواحي الشرقية والغربية، ثم بدأ بالقاهرة ومصر حين حلول الشمس برج الحمل، وصار الموت فاشيا في الناس، سيما في ربيع الأول (٣). [ترميم قناطر شبين القصر] وفيه أمر السلطان برمّة قناطر شبين القناطر (٤)، وحسب المصروف على ذلك فكان خمسة عشر ألف دينار (٥)، وفرضت على نواحي تلك البلاد وجبيت وعمّرت القنطرة عمارة جيدة (٦). [الصلاة لكسوف الشمس] وفيه كسفت الشمس قبل الزوال، واجتمع الناس لصلاة الكسوف بعدّة جوامع من القاهرة، وصلّى الحافظ ابن (٧) حجر بالجامع الأزهر عقيب صلاة الظهر ركعتين بركوعين على مقتضى مذهبه صلاة حسنة تقرب من صلاة السلف الصالحين الماضين، ثم خطب عقب الصلاة خطبتين صادعين (٨) بالوعظ والتذكير والتخويف، وقام المحتسب في جمع الناس بكثير من جوامع القاهرة لأجل صلاة الكسوف، وكان يوما عظيما (٩). [الزلزلة في مدينة برسا ببلاد الروم] وفيه كانت بمدينة بروسا (١٠) من بلاد الروم زلزلة دامت ثلاثة أيام بلياليها، وحصل على الناس بسببها فزع كبير وهدّمت سور المدينة وعامّة دورها، وانفلق جبل وسقط منه

стр. 1173

قلعة عظيمة هايلة إلى الأرض فارتجّت منها وتفجّرت عدّة أعين، وطمّت عدّة أنهار. وكان سمع لهذه الزلزلة دويّ من جهة المغرب إلى جهة المشرق بحركة كركض الخيل، ثم اشتدّت هذه الزلزلة بعد الثلاثة أيام أربعين يوما، كلّما هدأت تعود في اليوم مرة أو مرتين أو أزيد، حتى ترك الناس الأبنية وخرجوا إلى الصحارى. وكانت من عجائب صنع الله تعالى (١). [وفاة رئيس الطب بمصر] [١٤٥٩]- وفيه مات رئيس الطب بمصر، إبراهيم بن خليل بن علوة (٢) السكندريّ. وكان عارفا بالعلاج، حاذقا في الفنّ، واستقدم السلطان بعده بعد هذا التاريخ إنسانا من دمشق يقال له نظام الدين أبو بكر بن محمد بن أبي بكر الهمدانيّ الأصل، التبريزيّ. وكان فاضل الشام في الطب وله معرفة بفنون أخر كالتنجيم وغيره، وتناظر هو والسراج عمر بن منصور البهادري، واستظهر عليه البهادري وكاد / ٥٠٢ / أن يتمّ أمره في رياسة الطبّ، فنكت عليه كاتب السرّ بن البارزي، وذكر عنه أنه وإن كان عارفا بالعلم، لكنه غير درب في العلاج، وأنه استقرى عنه أنه متى عالج إنسان (٣) مات، وغير ذلك من كلمات، فصرف عن ذلك هو و (. . .) (٤) أيضا، وقرّر في رياسة الطب البدر بن بطّيخ. [ربيع الأول] [دخول ابن السلطان حلبا] وفي ربيع الأول دخل إبراهيم ابن (٥) السلطان إلى مدينة حلب، وكان له يوما مشهودا (٦). [تفشّي الوباء بالقاهرة] وفيه فشا الوباء بالقاهرة، وصار أكثر من يموت الأطفال بأمراض حادّة، وحبّة الموت التي يقال لها الكبّه، وكان الموت فجيّا سريعا بموت من يمرض في يومه وساعته، وقلّ من تمادى به مرضه ثلاثة أيام، وذعر الناس ذعرا شديدا. ووردت الأخبار بأنّ الوباء قد عمّ بلاد الفرنج (٧).

стр. 1174

[شكوى أهل الخليل من القاضي الهروي] وفيه رفع جماعة من الخليل قصّة للسلطان يشكون فيها من الشمس الهرويّ، وأنه في جهته من مال وقف الخليل على نبيّنا وعليه أفضل الصلاة والسلام مبلغا (١) له صورة، فأحضره السلطان إلى القلعة، ثم وكّل به، وأمر القاضي الحنفي أن يعمل معه الشرع. وجرت عليه أمور، وبهدل بالتوكيل والاعتقال، بل رجمته العامّة، لولا الطواشي مرجان الخازندار نزل إليه فأخذه إلى داره، وإلاّ كان حصل له التلف بل الهلاك، ثم أعيد التوكيل عليه، ثم أخذ في بيع موجوده للقيام بما عليه من المال، ثم بعث السلطان إليه بأن يحضر ما كان عنده من الأموال التي جبيت من أجناد الحلقة، فوجد ألف ألف درهم، ونقصت ستماية ألف درهم تصرّف فيها الهروي لنفسه، فغضب السلطان من ذلك، وبعث الشمس ابن (٢) الديري إلى نوّاب الهروي يمنعهم من الحكم، وأن مستفتيهم (٣) قد فسق. ثم أشيع عن الهروي بأنه قد تهيّأ للهرب حتى أحيط به (٤). [وفاة الصولي] [١٤٦٠]- وفيه مات الفاضل، العالم، محمد بن محمود الصوفيّ (٥)، الحنفيّ. وكان عالما، فاضلا، بارعا، طارحا للتكلّف في ساير شونه (٦). [تولية الجلال البلقيني القضاء] وفيه ركب السلطان إلى جامعه بباب زويلة، واستدعى الجلال بن البلقيني، وارتجّت له القاهرة لما سمعوا بطلب السلطان إيّاه، وهرعوا إلى جهة باب زويلة، وغصّت الشوارع بالناس، وعندما حضر / ٥٠٣ / عند السلطان قام له وأجلسه، وشافهه بولاية القضاء وأفاض عليه بشعار القضاء، وركب إلى المدرسة الصالحية من باب المؤيّدية الذي تحت الربع، وعبر من باب زويلة في موكب حافل. وقد قام السلطان بأحد شبابيك المؤيّدية لرؤيته، فهاله ما رآه من الناس، وهم يظهرون الفرج بولايته وغاية السرور، وضجّوا بالدعاء للسلطان، وأوقدت مجامر البخور بالعنبر والعود، وتخلّق الناس بالزعفران وسمحوا بماء الورد يرشّونه على الناس، وأوقدت الشموع. وكان يوما قلّ أن رؤي مثله في ولاية قاض، وأخذ أعداء الهروي يظهرون الشماتة به (٧).

стр. 1175

[إراقة الخمور] وفيه تتبّعت الخمور فأريق منها مساكرا (١) ومنع النساء من الفواحش ومن النياحة على الأموات، وضيّق فيه المحتسب على اليهود والنصارى وألزمهم بأشياء كثيرة (٢). [ربيع الآخر] [خلوّ القرى لكثرة الموت] وفي ربيع الآخر خلت عدّة من القرى بضواحي القاهرة وغيرها لكثرة من يموت بها، وزاد الموت في هذا الشهر (٣). [فرار الهروي] وفيه فرّ الهروي من الأعوان الموكّلين به إلى دار بعض الأمراء، فبعث السلطان الوالي فأحضره إلى القلعة فسجن ببعض أبراجها (٤). [وفاة ناصر الدين التبريزي] [١٤٦١]- وفيه مات ناصر الدين التبريزي (٥)، محمد بن علي بن عبد الهادي بن أحمد التقيّ، المقريزي. ومولده سنة اثنتين وسبعين وسبعماية. [وفاة الشهاب البارزي] [١٤٦٢]- ومات الشهاب أحمد بن ناصر الدين محمد بن عثمان البارزي (٦)، ولد كاتب السرّ، ونزل السلطان فصلّى عليه. [وفاة المجد بن مكانس] [١٤٦٣]- ومات الأديب الفاضل، الريّس المجد بن مكانس (٧)، فضل الله بن فخر الدين عبد الرحمن بن عبد الرزّاق.

стр. 1176

وكان فاضلا يترسّل وينظم، وكتب في الإنشاء مدّة. ومولده سنة سبع أو تسع وستين وسبعماية. [الدعوة للصيام بالقاهرة] وفيه نودي بالقاهرة من قبل المحتسب بأن يصوم الناس ثلاثة أيام آخرها يوم الخميس خامس عشره ليخرجوا مع السلطان للدعاء في كشف الوباء، ورفع هذا الخطب، فصاموا، وبطّل كثير من الباعة مع الأقوات في أول النهار كما يفعل ذلك في رمضان. ثم خرج السلطان إلى الصحراء وقد ركب فرسا بقماش ساذج لا ذهب ولا فضّة عليه، وعلى رأسه عمامة صغيرة جدّا، وعلى كتفه ميزر أبيض من الصوف وهو لابس صوفا وله عذبة في عمامته مرخاة صغيرة من كتفه الأيسر، ولحية كهيئة الصوفية، وخرج قضاة القضاة والعلماء / ٥٠٤ / والمشايخ وأهل الخوانق وصوفيّتها وعامّة الناس، وقد حملت الأعلام والمصاحف، وساروا حتى وصلوا إلى الصحراء قرب تربة الظاهر برقوق، وقد بات بها الوزير وأستادار الصحبة، وهيّأوا بها أسمطة هايلة وأغناما وأبقارا للعربان. ونزل السلطان عن فرسه ووقف ماشيا والخليفة معه وعن يمينها وشمالها القضاة والناس وهم طوايف لا يحصون عددا، فبسط السلطان يده يدعوا (١) الله وهو يبكي وينتحب زمانا طويلا، ثم ركب والناس يمشون معه إلى تربة الظاهر، فمدّت الأسمطة وأكلت، ثم قام فذبح بيده ماية وخمسين كبشا سمينا قربانا لله تعالى، ثم عشر بقرات سمان وجاموستين وجملين، وهو يبكي، وترك القرابين تمشي بمضاجعها كما هي، وركب إلى القلعة، وتولّى الوزير وأستادار الصحبة تفرقتها على الجوامع المشهورة والخوانق والمشاهد والزوايا، وفرّق منها بعضا لحما على الفقراء، وحمّل منها، ومن الخبز إلى السجون. وكان الخبز الذي فرّق نحوا من ثلاثين ألف رغيفا (٢) من نقيّ الخبز الجيّد، ودام الناس يدعون إلى أن اشتدّ حرّ النهار فانصرفوا. وكان يوما مشهودا ما عهد مثله، لكن كان هذا الفعل خلاف ما عليه السلف فإنه لم يرد عنهم الدعاء إلاّ أن يستشهدوا في مثل هذه الأيام، ويسألوا الله تعالى في أن يقسم لهم حظا من الموت فيه لأنه رحمة على هذه الأمّة، وكان في هذا الزمن فعل عكس ما كان (٣).

стр. 1177

[تجمّع الفرنج لحرب ابن عثمان] وفيه وصل الخبر بأنّ الفرنج قد تجّمعوا لحرب ابن (١) عثمان ملك الروم صاحب برصا. [استيلاء ولد السلطان على قيسارية] وفيه ورد الخبر بأنّ إبراهيم ابن (٢) السلطان استولى على قيسارية وأقام بها نايبا عن السلطان محمد بن قرمان وخطب فيها باسم السلطان، وضربت السّكّة باسمه (٣). [جمادى الأول] [إحصاء الموتى بالوباء] وفيه حزر من مات بمصر والقاهرة وضواحيها من الناس فكانوا زيادة على العشرين ألفا (٤)، جملة. [مولود السلطان] وفيه ولد للسلطان ولد ذكر سمّاه أحمد من زوجته الخوند سعادات (٥). وأحمد هذا هو الذي تسلطن بعد هذا التاريخ بسنة وثمانية أشهر، ولقّب بالملك المظفّر بعد موت والده، كما سيأتي. [تقرير المشايخ في جامع السلطان] وفيه قرّر السلطان في جامعه شيوخ التداريس، فاستقرّ بالحافظ ابنّ (٦) حجر في درس الشافعية، واستقرّ بالشيخ يحيى العجيسي، البجّائي، المغربيّ، المالكيّ، النّحوي في تدريس المالكية، وقرّر العزّ عبد العزيز البغدادي في تدريس الحنابلة، وخلع عليهم بحضرة السلطان، وتوجّهوا إلى منازلهم (٧). [توبيخ السلطان لبطرك الفصارى] وفيه جمع السلطان قضاة القضاة ومشايخ العلم عنده، وأحضر بطرك النصارى

стр. 1178

اليعاقبة، / ٥٠٥ / وأوقف على قدميه ووبّخ وقرّع، (وخوّفه) (١) السلطان وهدّده، وأنكر عليه ما فيه المسلمين (٢) من الذّلّ ببلاد الحبشة تحت حكم الحطي متملكّها، ثم انتدب له المحتسب وأسمعه المكروه من أجل تهادن النصارى فيما أمروا به من التزام الذلّة والصغار في هياتهم (٣) وملابسهم، وطال الكلام في معنى ذلك إلى أن تطوّر الحال بمنع النصارى من المباشرة مطلقا، وأن يلتزموا ما أمروا به. ثم طلب السلطان بالأكرم فضايل النصراني كاتب الوزير، وكان قد سجن منذ أيام لأمور نسبت إليه، منها المباشرة في ديوان السلطان بعد المنع. وكان الناس قد قاموا عليه. وكاد السلطان أن يميل معه، فكلّم إنسان الشهاب الأذرعيّ أمام السلطان في شأنه، فاتفق أن صلّى بالسلطان يوما المغرب، فقرأ فيه بسورة العلق، فلما وصل إلى قوله تعالى: ﴿اِقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ (٤) أخذ يكرّرها ويظهر البكاء والخشوع بحيث انفعل السلطان بخشوعه، فلما قضى الصلاة سأله عن سبب خشوعه فقال له إنني أجلت (٥) هذا الاسم العظيم، يعني: «الأكرم»، أن يسمّى به هذا اللعين اللئيم، يعني «فضايل» النصراني، فكان ذلك أكثر الأسباب في إهانة السلطان للأكرم بعد ذلك، وعدّ ذلك من حسن ماجريات الأذرعي. ولما وقع هذا انكفّ الكثير من النصارى عن المباشرة وغير ذلك ولزموا الذلّ، وأنف جماعة منهم فبادروا إلى إظهار الإسلام، وما برّوا، وأخذوا في الانتقام والحقد على من توسّموا فيه شيئا ممّا جرى عليهم. ولله الأمر (٦). [وفاة النظام الكججاني] [١٤٦٤]- وفيه مات النظام الكججاني (٧)، الخواجا مسعود بن محمود العجميّ، ناظر الأوقاف. وكان مثريا، وتردّد في الرسالة إلى تمرلنك، وكان له شهرة وذكر، وباشر الأوقاف مباشرة فاحشة. [إعادة أدنة وطرسوس إلى السلطان] وفيه ورد الخبر بأخذ أدنة وطرسوس وإعادتها إلى معاملة السلطان (٨).

стр. 1179

[عمل العقيقة لابن السلطان] وفيه عملت عقيقة أحمد ابن (١) السلطان، وأركب السلطان الأمراء الخيول بالسروج الذهب والكنابش الزركش بعد أن خلع عليهم (٢). [حفر صهريج للسبيل] وفيه ابتدأ السلطان بحفر صهريج للسبيل بجوار الخانقاه البيبرسية (٣). [وفاة العزّ البلقيني] [١٤٦٥]- وفيه مات العزّ البلقينيّ (٤)، عبد العزيز (٥) بن أبي بكر بن نصير الكناني، الشافعيّ، ابن (٦) أخي شيخ الإسلام سراج الدين. وكان فقيها أصوليّا، عارفا بالعربية، حسن السيرة في نيابة الحكم، ودرس بمدرسة سودون من زاده للشافعية. [جمادى الآخر] [ملازمة السلطان الفراش] وفي جمادى الآخر كان السلطان منقطعا ملازما الفراش لألم رجله على عادته. هذا، والأسعار مرتفعة، والخبز عزيز الوجود بالأسواق (٧). [الإفراج عن الشمس الهروي] وفيه أفرج عن الشمس الهروي ونزل إلى داره على هيئة حسنة (٨).

стр. 1180

[فتح قلعة ومدينة نكدة] وفيه ورد الخبر بأنّ الصارم إبراهيم ابن (١) السلطان أخذ قلعة نكدة، وكان قد أخذ المدينة، وعصت القلعة عليه / ٥٠٦ / ولا زال يحاصرها حتى استولى عليها عنوة، وقبض على من فيها وقيّدوا، وكانوا زيادة على ماية رجل. وسار إلى لارندة لأخذها، وأنّ ابن (٢) قرمان فرّ بين يديه (٣). [تعزير ابن العجمي المحتسب] وفيه طلب القاضي الحنفي الشمس ابن (٤) الديري الصدر بن أحمد بن العجمي المحتسب وعزّره بشيء أوجب له ذلك (٥). [إركاب السلطان في محفّة] وفيه وقع من الغرايب أنّ السلطان عزم على التوجّه إلى دار ابن (٦) البارزي ببولاق، فأحضر له فرس يركبه فما طاق ذلك لشدة ألم رجله، فأركب محفّة وساروا به حتى وصل الدار المذكورة، فأنزل إليها على الأعناق حتى وضع على فراشه، ونزل الأمراء بقربه في دور هناك حول دار ابن (٧) البارزي للناس، وصارت الطبلخانات تدقّ بتربة هناك، والأسمطة تمدّ، وتقام الخدمة (على ما جرت به العادة في القلعة) (٨). [رجب] [إقامة السلطان بدار ابن البارزي] وفي رجب كان السلطان مقيما بدار ابن (٩) البارزي ينتقل منها على الأعمال لعمارة الحمّام التي بالحكر، وتارة إلى الحراقة (ويسير فيها على النيل إلى رباط الآثار النبوية، ثم يحمل من الحراقة إلى الرباط) (١٠)، وتارة يقيم فيه (١١).

стр. 1181

[وفاء النيل] وكان في رجب هذا، أول مسرى، وافى النيل على عشرة أذرع وست عشرة إصبعا (١). [نيابة ملطية] وفيه وصل الخبر بأن ابن (٢) السلطان لما استولى على ملطية أقام باك بن قرمان نائبا. وكان قد فرّ من أخيه إلى (. . . . .) (٣). وأن الصارم ابن (٤) السلطان وصل إلى أركلي لارندة، وبعث عساكر وابنه عليهم (٥) الأتابك ألطنبغا القرمشيّ وآخرين من أكابر الأمراء في طلب ابن (٦) قرمان، وكبسوا عليه في جبال لارندة، هاربا، واستولوا على عامّة أثقاله ووطاقه (٧). [النفقة على الأمراء للإقامة بحلب] وفيه جهز السلطان إليه ستة آلاف دينار ينفقها على الأمراء، ويأمره أن يقيم بحلب حتى يعمّر سورها بنظره (٨). [انتقال السلطان إلى دار الخروبي] وفيه انتقل السلطان من بولاق إلى دار الخرّوبيّ التاجر بساحل الجيزة تجاه المقياس. وهي الخرّوبية المدرسة في زماننا هذا. وجرت للناس ببولاق في أيام إقامة السلطان متفرّجات غريبة ونزهة عجيبة، وكانت الحواريق بوسط النيل يلعبا (٩) بين يدي السلطان. وكانت المماليك تحمل بالسلطان هناك، وكانت السبّاحة عمّالة من الأستاذين في النيل، والسلطان يتفرّج على ذلك. وخلت في هذه المرة من المنكرات من الخمر ونحوها (١٠). [وفاة النيل] وفيه أوفى النيل، فركب السلطان (من الخرّوبية في الحراقة على النيل إلى

стр. 1182

المقياس) (١) / ٥٠٧ / حتى حضر فتح السدّ، وصعد إلى قلعته وقد غاب عنها ثلاثين يوما. وكانت له أوقاتا ونزها (٢) مشهورة (٣). [عودة ابن السلطان إلى حلب] وفيه ورد الخبر بأنّ [ابن] (٤) السلطان عاد إلى حلب، وأنه دخلها في ثالث هذا الشهر (٥). [وقعة نائب الشام على أدنة] وأنّ تنبك ميق نايب الشام واقع مصطفى وإبراهيم ولدي ابن (٦) قرمان (٧) على أدنة فانهزما منه. وإبراهيم هو الذي ولي مملكة قرمان بعد ذلك، وعاش مدّة، وسيأتي إن شاء الله تعالى (٨). [إراقة خمور الفرنج بالإسكندرية] وفيه وصل الخبر بأنّ العامّة قد ثارت بالإسكندرية على الفرنج وأراقوا لهم خمورا كثيرة يبلغ قيمة ذلك نحوا من أربعة آلاف دينار (٩). [شعبان] [ارتفاع الأسعار] وفي شعبان ارتفع سعر الغلال، وتزايد الغلاء في اللحم وفي غيره (١٠). [تزايد مرض السلطن] وفيه تزايد المرض بالسلطان في رجله واشتدّ به الأمر (١١).

стр. 1183

[سرقة رأس مرقص الإنجيلي] وفيه سرق الفرنج رأس مرقص الإنجيلي أحد من كتب الأناجيل الأربعة من الإسكندرية. وكان الذي سرقونه (١) من اليعاقبة. وكانت هذه الرأس موضوعة بمكان بالإسكندرية، وتوضع هذه الرأس في حجرة ثم ترجع زعما منهم أنّ البطركية لا تتم بدون (٢) ذلك. فلما شرقت استعظم اليعاقبة ذلك، ووقفوا للسلطان ورفعوا قصّة بسبب ذلك (٣). [معافاة السلطان من الألم] وفيه حصل للسلطان بعض بروء ممّا كان به من ألم رجله، وركب غير ما مرة منها إلى قبّة النصر ومعه الأمراء والجند وسابق بين الخيل. ثم بعد ذلك ركب إلى بركة الحج وسابق بين الهجن (٤). [وفاة شيخ عربان البحيرة] [١٤٦٦]- وفيه مات أحمد بن بدر (٥)، شيخ عربان البحيرة. [إمرة الحاج] وفيه قرّر التاج الشويكي في إمرة الحاج (٦). [رمضان] [نقص النيل] وفي رمضان نقص النيل في غير أوانه، وأخذ الناس القلق من ذلك، وتزايدت الأسعار (٧). [رحيل ابن السلطان عن حلب] وفيه وصل الخبر بأنّ ابن (٨) السلطان رحل من حلب في رابع عشرين رمضان، وأنّ محمد بن قرمان وولده مصطفى وصلاه بعساكرهما إلى قيسارية، وعاد ابن دلغادر. وكان

стр. 1184

إبراهيم بن رمضان معهما، فقاتلهم (١) ابن (٢) دلغادر وكسرهم ونهب الكثير ممّا معه (٣). [مقتل ابن قرمان] [١٤٦٧]- وفيه قتل مصطفى بن قرمان (٤)، وجهّز رأسه إلى القاهرة، وقبض على ابنه محمد بن قرمان وسجن. وعلّقت رأس مصطفى على باب النصر. وكانت العادة جارية من منذ زمان أنّ الروس (٥) تعلّق على باب زويلة، فلما أنشأ السلطان جامعه بباب زويلة منع من ذلك، وأمر / ٥٠٨ / بأن يكون ذلك بباب النصر، فاستمرّ مدّة، ثم أعيد ذلك بعد المؤيّد. [عودة ابن السلطان إلى القاهرة] وفيه ورد الخبر بقرب وصول ابن (٦) السلطان فركب والده إلى لقائه وقد وصل قطيا، وتقدّم الأمراء وأهل الدولة فوافوه بالخطّارة (٧)، فلما عاين كاتب السرّ ابن (٨) البارزي ترجّل عن فرسه وتعانقا، ولم ينزل لأحد غير ابن البارزي، ثم عاد الأمراء معه إلى العكرشة، والسلطان على فرسه، فنزل الأمراء وقبّلوا الأرض، ثم نزل إبراهيم وقبّل الأرض لأبيه، ثم تقدّم وقبّل ركاب السلطان، وبكا (٩) السلطان لشدّة فرحه وسروره به، وبكا (١٠) الناس لبكايه، ثم ساروا إلى المنزلة من سرياقوس وباتوا بها. ثم أصبح فتهيّأ لدخول القاهرة، وقد ورد على السلطان في بكرة يومه تنبك ميق نايب الشام، وقد طلب، فعمل موكب هايل ودخل القاهرة، وعلى الأمراء الخلع، وعلى ولد السلطان خلعة هايلة جدّا، والأسرى الذين قبض عليهم من جماعة القرمانين مشاة بين يديه، وهم نحو من مايتي نفر ليس فيهم من هو راكب إلاّ أربعة، منهم نايب نكده وثلاثة من الأمراء، وكلّهم في السلاسل والأغلال، وشقّوا باب النصر في موكب حافل جدّا، وقد زيّنت القاهرة، وكان يوما مشهودا، وصعدوا للقلعة. وأذن هذا اليوم بتمام الأمر، فزال إبراهيم عن قريب، ثم والده على ما سيأتيك (ذلك) (١١). وكانت سفرة هذا الولد خاتمة سعادة أبيه وسعادته، وشكر الأمراء الأكابر هذا الولد وذكروه بجميل ومدحوه (١٢).

стр. 1185

[تقرير ملك اليمن] وفيه أقرّ في ملك اليمن حسين ابن الأشرف أخو صاحب اليمن، وكان قد ثار به سوداء فاختلّ عقله، فاعتقل. وكان القايم بأمر حسين الأمير محمد بن رياب الكاملي (١). [شوّال] [صلاة السلطان عيد الفطر بالقصر] وفي شوّال صلّى السلطان صلاة عيد الفطر بالقصر لعجزه عن التوجّه إلى الجامع لشدّة ما به من ألم رجليه (٢). [توسيط شيخ عربان البحيرة] [١٤٦٨]- وفيه مات خضر بن موسى (٣)، شيخ عربان البحيرة، موسّطا من قبل طوغان التاجي نايب البحيرة. [نيابة الشام] وفيه قرّر جقمق الدوادار في نيابة الشام، عوضا عن تنبك ميق، وقرّر تنبك ميق في تقدمة جقمق، وقرّر في الدوادارية عوضا عن جقمق مقبل الدوادار الثاني (٤). وجقمق هذا هو صاحب المدرسة الجقمقية بجوار الجامع الأموي بدمشق. [قتل صدقة بن رمضان] [١٤٦٩]- وفيه قتل صدقة بن رمضان (٥) أحد أمراء التركمان ونواب سيس. [نيابة صفد] وفيه قرّر في نيابة صفد قطلوبغا التنمي، عوضا عن مراد خجا، ونفي مراد خجا إلى القدس. وقرّر في إقطاع / ٥٠٩ / قطلوبغا جلبان الأمير اخور الثاني الذي ولي نيابة الشام فيما بعد (٦).

стр. 1186

[صلاة السلطان الجمعة بالمؤيّدية] وفيه في يوم الجمعة حادي عشرينه، كان الحضور بالمؤيّدية، وإجلاس الشمس ابن (١) الديري على سجّادة مشيختها وتدريس الحنفية. وتقرّر الناصر بن البارزي في خطابتها، وكان يوما مشهودا. وأنزل السلطان مع أمرائه إلى الجامع المذكور قبل الصلاة، وقد هيّئت الأسمطة، ومليت فسقيّة الجامع بالسّكّر المذاب، حضر قضاة القضاة والعلماء ومشايخ البلد فأكلوه، ثم خلع على ابن (٢) الديري، وفرش ولد السلطان سجّادته بيده، وجلس بالمحراب والسلطان وولده عن يمينه، والقضاة عن يساره، وأمراء الدولة. وألقى ابن (٣) الديري درسا حافلا دام إلى قريب الصلاة، ثم انفضّوا. فلما قرب (٤) الصلاة حضروا، ولما حان الوقت صعد ابن (٥) البارزي المنبر، وخطب خطبة بليغة من إنشايه. ثم لما صلّى وفرغ خلع عليه، وقرّر في الخطابة وفي خزانة الكتب بها، وهي خزانة جليلة بها كتب عظيمة جدّا. وقرّر السلطان الصوفية في هذا اليوم بعد عرضهم، وجعل عند كل تدريس منهم جماعة، وجعل المشايخ بهذا الجامع سبعة، المذاهب الأربعة، والحديث، والطحاوي (٦)، والتفسير. ثم ركب السلطان وعدّى إلى الجيزة وعاد في يوم الأحد لقلعته (٧). [الغلاء في مكة] وفيه وصل الخبر من مكة باشتداد الغلاء بها وعدم الأقوات، وأنه أكلت فيها القطاط والكلاب حتى فقدت من مكة، فأكل بعض الناس الآدميّين، وكثر الخوف منهم حتى صار الكثير من الناس لا يمرّون إلى ظاهر مكة خشية أن يؤكلوا (٨). [مقتل ابن بشارة] [١٤٧٠]- وفيه قتل بالقاهرة محمد بن بشارة (٩) شيخ جبل صفد، وكان قد كثر فساده هناك، فقبض عليه بحيلة بدمشق، ثم أحضر القاهرة.

стр. 1187

[ذو القعدة] [خروج الحجّاج] وفي ذي قعدة خرج الأتابك ألطنبغا القرمشي، وطوغان أمير اخور للحجّ على الهجن (١). [قضاء الحنفية] وفيه قرّر في القضاء الحنفية الشريف عبد الرحمن بن علي بن عبد الرحمن التّفهني (٢)، الحنفيّ، عوضا عن الشمس ابن الديري، الماضي خبر ولايته مشيخة المؤيّدية (٣). [تزايد الغلاء وإتلاف الدودة البرسيم] وفيه تزايد سعر الغلال، وأتلفت الدودة الكثير من البرسيم المزدرع، فتلف بناحية طهرمس وقرية إلى جوانبها نحوا (٤) من ألفي فدّان (٥). [تفشّي الحمّيّات] وفيه فشت الحمّيّات بالأمراض الحادة في الناس، وصارت يموت من ذلك خلقا (٦). [سرحة السلطان بالبحيرة] وفيه سار السلطان يريد سرحة البحيرة، وأقام إينال الأزعري في نيابة الغيبة (٧). [وفاة نائب طرابلس] [١٤٧١]- وفيه مات سودون القاضي (٨) نايب طرابلس. ولم يكن مشكورا / ٥١٠ / في أحكامه.

стр. 1188

[وفاة النظام التفتازاني] [١٤٧٢]- وفيه مات النظام التفتازاني (١)، محمد عمر الحمويّ (٢) الأصل، الحنفيّ. وكان فاضلا، يتكلّم بالفارسية، ويتزيّا بزيّ العجم، ويقري الكثير من العلوم (. . .) (٣) - وله شعر - ومات عن نحو من ستين سنة [ذو الحجة] [وفاة الشهاب المطري] [١٤٧٣]- وفي ذي حجّة مات الشهاب المطري (٤)، أحمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أحمد المدني، الشافعيّ. وكان فاضلا، تزهّد بأخرة، ودخل اليمن، وكان ينسب إلى معرفة الكيمياء. وسمع من العزّ ابن (٥) جماعة. [منع النساء من المرور بالجامع الحاكمي] وفيه منع المحتسب النساء من (٦) المرور بالجامع الحاكمي، ومنع من دخوله بالنعال، ومن لعب الصبيان فيه، وكان قد تفاحش الحال في هذه المدّة (٧) بهذا الجامع حتى طهّره الله (٨). [عودة السلطان من السرحة] وفيه عاد السلطان من سرحة البحيرة ونزل بدار ابن (٩) البارزي ببولاق، وبات بها، ثم دخل الحمام التي أنشأها ابن (١٠) البارزي قرب الدار المذكورة، ثم صعد القلعة، ونزل

стр. 1189

في يوم الجمعة تاسع عشره إلى الجامع المؤيّدي فصلّى به الجمعة، وخطب به الناصر ابن (١) البارزي، وأحضر له شيخ الشيوخ ابن (٢) الديري طعاما هيّأه له فأكله، ثم ركب وسار إلى الصيد (٣). [وفاة الأديب الصنعاني] [١٤٧٤]- وفيه مات الأديب الفاضل، هادي بن إبراهيم بن علي بن المرتضى (٤) الحسني، الصنعاني، الزبيدي. الذي كان ماهرا في الأدب، وله شعر حسن، وشرح «المنصور» صاحب صنعاء. [وصول ابن قرمان أسيرا إلى القاهرة] وفيه وصل إلى القاهرة بالأمير محمد بن قرمان صاحب قونية ولا رندة وقيسارية من بلاد الروم وتمرلنك من بلاد قرمان، وكان قد أسر على ما تقدّم، فاستقدم إلى القاهرة فدخلها مقيّدا، وأنزل بدار مقبل الدوادار حتى يصعد به إلى بين يدي السلطان (٥). [زلزلة القسطنطينية] وفيه زلزلت القسطنطينية زلزلة هايلة حتى اضطرب البحر وزاد زيادة غير معهودة، وزلزلت أماكن بتلك النواحي، وكانت هذه الزلزلة هناك شديدة (٦). * * * [حوادث هذه السنة لا فى شهر معين] [موت الأولاد المختونين بالسكّر المسموم] وفيه - أعني هذه السنة - وقع في أيام الطاعون حادثة غريبة، وهي أنّ إنسانا كان له أربعة أولاد ذكور سألت والدتهم زوجها في أن تختنهم لتفرح بهم قبل أن يموتوا، فاحتفل لذلك على عادة أهل زمننا هذا، ولما حضروا للختان ختن الواحد بعد الواحد، وكلّما ختن واحدا (٧) يسقى السّكّر المذاب على العادة، فما انتهى ختان الأربعة إلاّ وحصل عليهم شيء فماتوا في الحال حتى اتّهم المزيّن، فأخرج الموسى التي ختن بها وجرح

стр. 1190

نفسه بيده، ثم اطّلعوا على أنه كان في زير الماء الذي منه كان تذويب السّكّر حيّة ماتت به وتمزّقت، وكانت حيّة عظيمة (١). [وفا الشهاب ابن عيّاش] [١٤٧٥]- وفيها مات الشهاب ابن (٢) عيّاش (٣) المقري، أحمد بن محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن عيّاش الدمشقي. وكان فاضلا في القراءآت (٤). أخذ عن ابن (٥) العسقلاني / ٥١١ / إمام جامع [ابن] (٦) طولون، وعلى الشمس ابن (٧) اللبّان، وغيرهما. وسمع من ابن (٨) التبّاني، وابن (٩) قواليح (١٠). وانتفع به الناس في القراءآت (١١). لا سيما أهل الحجاز واليمن. وكان ديّنا، خيّرا، زاهدا في الدنيا، آمرا بالمعروف، ناهيا عن المنكر، قائما في الحق. ومولده سنة ستّ وأربعين. وهو والد مقري الحرم الشيخ عبد الرحمن بن عيّاش. [وفاة الأمير أيدكي] [١٤٧٦]- ومات الأمير الكبير بالدشت أيدكي (١٢). وكان إليه تدبير مملكة سراي ودشت (١٣) قبجاق، والسلاطين معه اسم بلا مسمّى، ولهذا وهم عدّة من المؤرّخين فسمّوه: صاحب الدست، وعزّا (١٤) به السلطان، مع أنه كان الأمير الثاني، فإنه كان معه أميرا (١٥) آخر يقال له نكيا، فإنّ أكابر الأمراء هناك أمير

стр. 1191

الميمنة وأمير الميسرة، والأمير أمير الميمنة، وكانت رتبة نكيا، وإمرة الميسرة رتبة أيدكي، لكن الشهرة والتدبير كانت لأيدكي (١). وله أخبار تطول كنت اجتمعت بإنسان رآه وعرف أحواله وصحبه هذا الإنسان مدّة سنين، فكان يذكر لي عنه غرايب وعجايب في شجاعته ومعرفته و (. . .) (٢) ورياسته وعظمته. [وفاة الخوند بنت ابن أويس] [١٤٧٧]- وماتت الخوند تندو (٣) بنت حسين بن أويس، زوجة الظاهر برقوق، ثم زوجة ابن (٤) عمّها شاه ولد ابن (٥) شاه زاده بن أويس، ثم صاحب مملكة ولدها. وكانت من النساء الجليلات، وصار لها (٦) ذكر وشهرة، وملكت واسط، وحاربت العرب بالبصرة، وصار في ملكها الجزيرة وواسط، يدعى لها على منابرها، واضربت (٧) السكة باسمها، حتى ماتت في هذه السنة. وقام بالمملكة بعدها ولدها أويس بن شاه ولد وكان منها، وتحارب هو وأخ له من غيرها. [وفاة الشهاب الغزّي] [١٤٧٨]- ومات أحد أئمّة الشافعية بدمشق، الشهاب الغزّي (٨)، أحمد بن عبد الله بن بدر بن مفرّج بن بدر بن عثمان بن جابر الشيخ أبو نعيم القاهريّ، الغزّي، ثم الدمشقي، الشافعيّ. وكان من العلماء الأكابر، وله التصانيف. وكان عيّن لقضاء دمشق، ثم ما تمّ له ذلك.

стр. 1192

ومولده بعد الخمسين. وسمع أبيه (١). [وفاة الجمال ابن شرنكار] [١٤٧٩]- والجمال يوسف بن شرنكار العينتابي (٢)، الحنفيّ. وكان عالما، فاضلا، ماهرا في القراءآت (٣)، واعظا، مفسّرا. (عن خمس وستين سنة) (٤).

стр. 1193

سنة ثلاث وعشرين وثمانماية [محرّم] [إيقاف ابن قرمان مقيّدا بين يدي السلطان] في ثاني محرّم منها كان إصعاد محمد بن قرمان صاحب قونية وما والاها مأسورا لبين يدي السلطان، بعد أن عمل السلطان موكبا حافلا بإيوان دار العدل حضره قضاة القضاة والعلماء والأمراء، وجلس من له الجلوس، ووقف الباقون، وقد حفّ الجند صفوفا من باب القلعة إلى الإيوان. ثم أحضر ابن (١) قرمان مقيّدا صحبة داود بن محمد بن خليل بن دلغادر التركماني، فوقف داود مع الأمراء، وأخّر ابن (٢) قرمان حتى قريت القصّة / ٥١٢ / على السلطان، ثم قام فركب إلى القصر، وأحضر ابن (٣) قرمان وداود، فخلع على داود، ثم أخذ السلطان في عتاب ابن قرمان على تعرّضه لطرسوس وعلى قبح سيرته مع رعاياه، فسأل العفو، ثم قال: لمن يعطي مولانا السلطان البلاد؟، فاستسمجه السلطان وضحك منه وقال له: مالك والبلاد؟، ثم أمر به فأخرج إلى سجن البرج بالقلعة، فدام مسجونا به بعد ذلك سنة كاملة بعد أن استكتب نوابه بالقلاع بتسليمها وإلاّ يقتل. ثم بعد موت السلطان أفرج عنه وبعث إلى بلاده على ما سيأتي. وكان هذا المجلس من أحفل مجالس هذا السلطان، وكأنه كان يؤذن بتمام الأمر، فإنه كان كذلك، وما جلس السلطان بعده مجلسا أفخر ولا أفخم منه إلاّ مجلسا في آخر هذا الشهر لرسول ابن (٤) عثمان ملك الروم السلطان محمد كرشجي، ومع ذلك فما كان مثل هذا (٥). [الغلاء في موسم الحج] وفيه وصل مبشّرو الحاجّ بأخبار غريبة منها كثرة الغلاء وشدّته بمكة. ومنها أنّ الحاجّ العراقي ما وصل منه أحد في هذه السنة.

стр. 1194

ومنها أن مسجدي مكة والمدينة قد تشعّثا، وأنّ جانبا من الكعبة آيل للسقوط. وفيه وصل ألطنبغا القرمشي الأتابك، وطوغان الأمير اخور قبل الحاجّ بنحو من عشرين يوما. وكانت غيبتهما عن القاهرة ستين يوما أو دونها بيوم (١). [النيابة بطرابلس وحماه وغزّة وطرسوس] وفيه قرّر في نيابة طرابلس شاهين الزّردكاش نايب حماه، وقرّر في نيابة حماه عوضه إينال نايب غزّة، وقرّر في نيابة غزّة أركماس الجلباني، وقرّر في نيابة طرسوس نكباي حاجب دمشق، وكان قد قبض عليه قبل ذلك وسجنا (٢) بقلعة دمشق فأفرج عنه. وقرّر في حجوبية دمشق خليل الجشاري (٣). [وفاة بدر الدين التركماني] [١٤٨٠]- وفيه مات الشيخ العالم، الفاضل، بدر الدين، أحمد بن (. . .) (٤) بن يوسف بن عبد الله التركماني، الحنفيّ. وكان كثير الحطّ على ابن (٥) عربي، وعلى صوفية الفلاسفة مع بيانه في ذلك، وكان يحبّ أهل السّنّة والحديث، وله شهرة طايلة بمصر. [قضاء الحنابلة بدمشق] وفيه قرّر في قضاء الحنابلة بدمشق العزّ البغدادي، وقرّر عوضه في تدريس المالكية بالمؤيّدية المحبّ أحمد بن نصر الله البغداديّ، وخلع عليهما (٦). [الإفراج عن برسباي الدقماقي] وفيه بعث بالإفراج عن برسباي الدقماقي نايب طرابلس من سجن المرقب، وقرّر في جملة مقدّمي الألوف بدمشق (٧).

стр. 1195

[الفتنة في اليمن] وفيه ورد الخبر بأنه ثارت فتنة باليمن في رمضان من الخالية قام بها الحسين بن الأشرف على أخيه الناصر أحمد والأشرف. وأنه عمّ بلاد اليمن جراد كثير هلك منه الورع، واشتدّ الغلاء عندهم (١). [لزوم السلطان الفراش] وفيه لزم السلطان الفراش لمعاودة ألم رجله على العادة (٢). [صفر] [وصول قاصد ابن قرمان] وفي صفر خرج السلطان إلى الصيد بالجيزة، فوصل قاصد علي بن قرمان بهدية للسلطان / ٥١٣ / ومكاتبة منه يخبر فيها بأنه استولى على جميع بلاد أخيه ما عدا قلعة كونيه، وأنه أقام الخطبة والسكة باسم السلطان في ساير مملكته ابن (٣) قرمان، وأنه محاصر قلعة قونية وسيأخذها (٣). [تأهّب قرا يوسف لغزو الشام] وفيه وصل الخبر أنّ قرا يوسف نادى في عسكره بالتّأهّب لغزو الشام (٤). [ربيع الأول] [نفي ابن العجمي إلى صفد] وفي ربيع الأول غضب السلطان على الصدر ابن (٥) العجمي فنفاه إلى صفد، وجرت أمور تطول في شأنه، فقرّر في كتابة صفد، ثم شفع فيه، فأعيد إلى الحسبة على عادته (٦). [دعوة الشمس الرومي لمقابلة السلطان] وفيه قدم إلى القاهرة العلاّمة الشمس ابن (٧) الفناري (٨)، محمد بن حمزة (٩) بن
следующие страницы →