← История

История · id 17097

نيل الأمل في ذيل الدول

عبد الباسط الملطي

Полный текст (3 142 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

وكان أحسّ أنه إذا قريء الحديث وصعد إلى القلعة أن يجلس الهروي مترفّعا عليه (١). [عودة ابن الجزري المقريء إلى القاهرة] وفيه كان قدوم الشيخ شمس الدين محمد بن محمد بن الجزريّ، الدمشقيّ، العلاّمة، المقريء، المحدّث، إلى القاهرة، وكان له مدّة سنين تزيد على الثلاثين غائبا عن هذه / ٥٦٦ / المملكة، فإنه كان قد فرّ لضائقة نزلت به على ما تقدّم ذلك في محلّه، وقصد ابن (٢) عثمان ببرصا فأكرمه غاية الإكرام. ثم لما جرى على بن (٣) عثمان من تمرلنك ما جرى توجّه إلى بلاد تمر المذكور، وكان مكرما عنده، ودخل سمرقند وغيرها من تلك البلاد، ثم قدم دمشق من شيراز. وكان قد قدم مرة قبلها أيضا، وحجّ، وعاد إلى شيراز، ثم قدم هذه القدمة. وكان قد عظم بتلك البلاد، وولي القضاء ببعض تلك الممالك، وانتفع به الناس هناك في القراءآت (٤)، بل وغيرها (٥). [وفاة النجم المرجاني] [١٥٧٦]- وفيه مات النجم المرجاني (٦)، محمد بن أبي بكر بن علي بن يوسف النويريّ، الصعيديّ الأصل، المكي، الشافعيّ. وكان من أهل العلم والفضل، بارعا في العربية، وله نظم حسن. وأسمع على العزّ ابن (٧) جماعة وغيره. وطلب الحديث بنفسه، فسمع من جماعة، منهم: ابن خطيب المزّة، وابن (٨) النجيب، وابن (٩) الصيرفي. ومولده سنة ستين أو إحدى وستين وسبعماية. [شعبان] [تتبّع البغايا] وفي شعبان أمر السلطان بتتبّع البغايا بأن يتزوّجن ولا يزاد في مهر الواحدة منهنّ على ماية درهم معجّلة، ومايتي مؤجّلة، ونودي بذلك، فما تمّ (١٠).

стр. 1297

[وفاة الشمس ابن الجزري] [١٥٧٧]- وفيه مات الشمس ابن (١) الجزري (٢)، محمد بن أحمد بن المبارك الحمويّ، الحنفيّ. وكان مشاركا في عدّة فنون. ومولده قبل الستين وسبعماية. [قراءة البخاري بالقلعة] وفيه ابتديء بقراءة «الجامع الصحيح البخاري» بالقلعة بين يدي السلطان على العادة، لكنه عيّن الوقت الذي كان في أيام الأشرف شعبان، فإنه كان يقرأ في أول رمضان إلى أن يختم. وفي أيام المؤيّد في أول رجب، فأخّر هذا السلطان وقدّم، وزاد فيه أيضا بأن حضره القضاة الأربع (٣) ومشايخ العلم، والشمس الهرويّ، وابن (٤) الحريري، وكاتب السرّ ابن (٥) حجّي، وناظر الجيش عبد الباسط، وجماعة أخر ما جرت العادة بحضورهم، وصار اللغط يكبر في هذا المجلس والصياح والمخاصمات وإساءة البعض على البعض لأجل المباحث، بحيث صار في سحره يضحك منهم الأمراء وأتباعهم. وخرج حضور هذا المجلس عن كونه طاعة إلى كونه معصية. ثم تزايد فيه الهمّ إلى هلمّ جرّا، وها أنت خبير بأمره. وعلى أخيرة منه سيما في أزماننا هذه (٦). [الوباء بدمياط] وفيه فشا الوباء بدمياط، / ٥٦٧ / ومات فيه خلق لا يحصون (٧). [وفاة الشرف السماقي] [١٥٧٨]- وفيه مات الشرف السمّاقيّ (٨)، قاسم بن سعد بن محمد الحسبانيّ، الشافعيّ، قاضي حمص. وكان جريئا، متساهلا في أحكامه. ومولده في سنة تسع وأربعين.

стр. 1298

[رمضان] [نفي أميرين إلى دمشق] وفي رمضان نفي أرغون شاه، وابن (١) أبي والي إلى دمشق بطّالين. وما ربّك بظلاّم للعبيد (٢). [تجهيز مركبين للغزو] [وفيه] جهّز السلطان مركبين للغزو في البحر عسى يجدوا من يتجرّم به من الفرنج، وأمر بأن يضمّ إليهما من سواحل الشام عدّة أغربة، وأشحنوا بالمقاتلة، وكانوا نحوا من ستماية مقاتل، ومعهم من الخيل نحوا (٣) من ثلاثماية فارس. وساروا بعد أن اجتمعوا ببعض سواحل الشام وعاثوا في البحر، ثم نازلوا الماغوصة فانتهبوها وحرّقوا ما حولها من القرى وما بساحلها من المراكب، وعاثوا في شوّال فعادوا سالمين غانمين، ووصلوا القاهرة في ذي قعدة ومعهم جمعا (٤) من الأسرى نحوا من ألف وستماية نفر (٥). [خروج المقاتلة إلى مكة] وفيه خرج إلى مكة المشرّفة ماية من المقاتلة في بحر القلزم (٦). [غلاء الغلال ونقص النيل] وفيه غلت أسعار الغلال لتوقّف النيل عن الزيادة بل ولنقصه، فمنّ الله تعالى بالوفاء فيه في ثالث عشرين مسرى. وعاد السعر إلى ما كان بعد أن قلق الناس، وتكالبوا على المغل وضنّوا به (٧). [ختم البخاري] وفيه ختم «البخاري» على العادة، وخلع على قضاة القضاة، وعلى البدر العيني، والشمس الهروي جبّين (٨) بسمّور، فغضب القاضي الحنبلي وواجه السلطان بالعتاب، وأغلظ. فحنق منه السلطان وتوجّه على غير طائل. ثم استمرّ على غضبه حتى أنه لم يحضر العيد. ثم استأذن السلطان في الحج فأذن له وجهّز حاله جهازا حافلا، فبلغه أنه إذا خرج ولي القضاءة غيره، وأنه أمر أن يتوجّه من حجّه على الشام ويقيم ببلده حماه

стр. 1299

بطّالا، فنأى عن الحج وفرّق جميع ما كان هيّأه من الزاد، وتصدّق بالبقسماط، وأقام مدّة متمرّضا ثم عوفي ثم انتكس، فمات في الآتية، كما سيأتي (١). [ضرب الأتابك يلبغا المظفري] وفيه ضرب الأتابك يلبغا المظفّري بأمور أحمد بن علي الطّنبدي ضربا مبرحا، وكان / ٥٦٨ / الطنبدي كبير تجار مصر يومئذ، فحقد ذلك على بيبغا، ولا زال يؤلّب عليه حتى كان ما سنذكره (٢). [شوال] [حفر الصهريج بالجامع الأزهر] وفي شوّال ابتديء بحفر الصهريج الموجود الآن بوسط الجامع الأزهر، ووجد به آثار فسقية الأموات، ثم وجد عدّة أموات (٣). [زوال دولة بني عبد الواد] وفيه ورد الخبر من بلاد المغرب بأنّ السلطان أبا فارس عبد العزيز صاحب تونس جهّز جيشا عليه ولده المعتمد على الله محمد صاحب بجّاية إلى قتال السلطان أبا (٤) محمد عبد الواحد إلى محمد عبد الله إلى حمو موسى العبد الوادي صاحب تلمسان، وأنه حاربه وملك تلمسان في جمادى الآخرة، وخطب بها لأبيه ولنفسه، وأزال منها دولة بني عبد الواد بعد ما ملكت ماية وثمانين سنة. ثم بعد ذلك لم يتمّ ملك ملوك إفريقية لتلمسان على ما سيأتي في محالّه من تاريخنا هذا (٥). [خروج المحمل] وفيه خرج الحاج وأميرهم على المحمل قرا سنقر كاشف الجيزة (٦). [القبض على الأتابك بيبغا] وفيه قبض السلطان على الأتابك بيبغا المظفّري وقيّد وأنزل إلى بحر النيل إلى الإسكندرية، فسجن بها. وكان قد تنكّر ما بينه وبين السلطان، واتّهم بأنه صار له حزب (٧).

стр. 1300

[المحل في النخل وتلف الموز] وفيه كان أوان حرارة النخل فما أثمر كبير شيء، وأمحل النخل أيضا ببلاد الصعيد حتى عزّ وجود التمر هناك. أيضا تلف الموز يدمياط، وفقد من القاهرة، وتعجّب كونه وافق النخل في المحل (١). فأقول: لعلّ هذا يقوّي قول من قال بأنه تركب النخل على القلقاس، فإنه على هذا من جنسه، فلزم ما لزم النخل. فسبحان الفاعل الحكيم. [ذو القعدة] [تقرير الأتابكية] وفي ذي قعدة خلع على قجق العيساويّ وقرّر في الأتابكية عوضا عن بيبغا المظفّري، وقرّر في إمرة سلاح عوضا عن قجق إينال النوروزي. وقرّر في إمرة مجلس عوضا عن إينال النوروزي إينال الجكميّ وهو بالقدس، وبعث إليه بالإحضار، فقدم بعد ذلك وخلع عليه بها، وأقطع هو وتغري برمش البهسني التركماني إقطاع الأتابكية بعد أن أخذ منه شيء أضيف إلى إقطاع قجق، وجعل الباقي تقدمتين (٢) ألف (٣). وكان تغري بدمشق هذا (نائب القلعة) (٤). [قضاء الشافعية] / ٥٦٩ / وفيه قرّر الشمس الهرويّ في القضاء الشافعية، وصرف الحافظ ابن (٥) حجر، وغيّر الهرويّ زيّه الذي كان عليه في كتابة السرّ بعد أن غير زيّه العجمي، ثم تزيّا بزيّ القضاة، ثم بزيّ المباشرين، ثم عاد لزيّ القضاة، حتى أعيب عليه ذلك (٦). [النداء بخروج الأرياف] وفيه نودي بخروج أهل الأرياف إلى بلادهم، فما عمل من هذه المناداة شيء (٧).

стр. 1301

[هبوط الفيل] وفيه عجّل النيل بالهبوط، فشرق الكثير من النواحي بالوجهين القبلي والبحري، وسعر الغلال رخى مع ذلك (١). [الفتن بالوجه القبلي] وفيه كثرت الفتن والهرج والمرج بالوجه القبليّ (٢). [فتح كنيسة القمامة] وفيه كان فتح كنيسة قمامة، فإنها لما رسم السلطان بفتحها جرى ما أوجب تأخّر ذلك إلى هذا الشهر ففتحت فيه (٣). [وفاة أتابك دمشق] [١٥٧٩]- وفيه مات بدمشق سودون الحموي (٤) أتابكها. وكان أولا من أمراء مصر فنفاه الأشرف، ثم قرّره في أتابكية دمشق. [ذو الحجّة] [تفرقة السلطان على المماليك] وفي ذي حجّة فرّق السلطان على المماليك لكلّ نفر دينار برسم الأضحية، فلم يرضهم ذلك. ولما كان يوم النحر والسلطان يذبح أضحيته ترامى المماليك بالحجارة من الطباق، وأصاب حجر بعض الأمراء، فدخل السلطان إلى الدور، وأخذ المماليك في نهب ما ذبحه السلطان على خلاف العادة، ثم كثر الكلام والقال والقيل، وسكن الحال في الحال (٥). [القبض على كمشبغا القيسي] وفيه قبض على كمشبغا القيسيّ، وكان من الأمراء الناصرية (٦).

стр. 1302

[وفاة شيخ الإسلام الشمس الديري] [١٥٨٠]- وفيه مات شيخ الإسلام، الشمس الديري (١)، محمد بن سعيد بن محمد بن عبد الله بن سعد بن أبي بكر بن مفلح بن أبي بكر بن سعد القيسيّ، المقدسيّ، الحنفي، قاضي القضاة، ثم شيخ الشيوخ بالخانقاه المؤيّدية. وكان من العلماء الأكابر والأفاضل الأماثل. وكان من أكابر البيت المقدس. تقدّم فنّه في الفنون، وأفتى ودرّس ووعظ، وأفاد المشار إليه هناك. ثم طلب إلى القاهرة وولي القضاء الأكبر، ثم ولي مشيخة المؤيّدية، ورأى العزّ، وانتهت إليه الرياسة في مذهبه. ثم عنّ له التوجّه إلى البيت المقدس ليزوره ويعود، وكان يتأسّف كون به كان مرباه ويموت بغيره. فاتّفقت وفاته هناك في يوم عرفة. وكان عارفا بالفقه والأصول / ٥٧٠ / والتفسير والعربية، شهما، قويّا، خيّرا، ديّنا، له توجّه إلى العوالم الملكوتية ومشارب الصوفية، من أهل السّنّة والجماعة. ومولده بعد الأربعين وسبعماية. [وفاة الزين الطريني] [١٥٨١]- وفيه مات زاهد الوقت الشيخ الصالح، الولي، المعتقد، زين الدين، أبو بكر بن عمر بن محمد الطريني (٢)، ثم المحلّي، المالكيّ. وكان عالما، عارفا بالفقه، من عباد الله الصالحين وحزبه المفلحين، وله آثار جميلة وأياد مشكورة وزهد وقناعة وصلاح ظاهر، نفع الله تعالى به. مات وقد جاوز السبعين.

стр. 1303

[مشيخة المؤيّديّة] وفيه خلع على شيخنا العلاّمة الإمام شيخ الإسلام السعد ابن (١) الدّيريّ، وقرّر في مشيخة المؤيّديّة عوضا عن والده، ودامت بيده مدّة سنين (٢). * * * [حوادث هذه السنة لا فى شهر معين] [وفاة صاحب كيفا] [١٥٨٢]- وفيها أعني هذه السنة - مات صاحب كيفا، الملك العادل، فخر الدين، أبو المفاخر، سليمان بن غازي (٣) بن محمد بن أبي بكر بن عبد الله بن توران شاه بن أيوب بن محمد بن أبي بكر بن أيوب بن شادي. وكانت له فضائل ومكارم وآداب وخير وعلم، وجمع كتبا نفيسة جدّا، وأقام في مملكة الحصن سواء من خمسين سنة. وقرّر في ملكه بعده ولده الأشرف أحمد. وستأتي ترجمته (وترجمة أخلافه في ما سيأتي) (٤).

стр. 1304

سنة ثمان وعشرين وثمانماية [محرّم] [كساد الأسواق] في محرّم كانت الأسواق كاسدة، والظلم من ولاة الأمر ونوّاب القضاة والكشّاف فاش جدّا، والعظمة في الدولة لجانبك الدوادار الثاني مملوك السلطان، وله شهرة طايلة، وإليه المرجع في أمور المملكة (١). [عودة الحجّاج] وفيه، في ثانيه قدم مبشّروا (٢) الحاجّ وقد تأخّروا عن العادة بأيام وأخبروا بالأمن والسلامة ورخاء الأسعار بمكة المشرّفة، وأنه لم يحجّ من العراق أحد، وأخبروا أن سبب تعويقهم خوفا على أنفسهم من مقبل أمير الينبع، فإنه كان تحوّل إلى طريق الحاجّ لفساد يفعله (٣). [مجلس فحص علماء الحنفية] وفيه جمع السلطان علماء الحنفية وفضلائها (٤) عنده بسبب إنسان حضر من حلب من الحنفية يقال له جمال الدين يوسف بن قطب الدين ادّعى أنه لا أعلم منه بمذهب أبي حنيفة، وأظهر الإزدراء بعلماء الحنفية، وأنه ليس فيهم مثله، فحضروا وحضر هو، وأمر السلطان بإحضار فتاوى كتبت من نسخة واحدة، ففرّقت على المشايخ، وهم: النظام الشيرازي شيخ الظاهرية، والسراج قارىء، «الهداية»، / ٥٧١ / وشيخ الشيخونية، والسعد بن الديري شيخ المؤيّدية، والبدر العيني، والصدر ابن (٥) العجمي، ويوسف نفسه، وأمروا أن يكتب كلّ على ذلك وهم منفردون، فأجابوا إلى ذلك إلاّ يوسف فقال: أنا لا أكتب إلاّ بداري، وأمّا هم فكتبوا كلّهم، ثم قضوا بعجز يوسف المذكور، وقطع السلطان

стр. 1305

الفتاوى للزين التّفهنّي القاضي الحنفي، ويعرّفه بالمصيب منهم والمخطيء. وانفصل الأمر إلى ذلك (١). [وفاة العلم ابن الكويز] [١٥٨٣]- وفيه مات العلم ابن (٢) الكويز (٣)، سليمان بن عبد الرحمن بن داود الشوبكي، الكركيّ الأصل، أخو العلم كاتب السرّ. وكان عاقلا، حسن الصورة والفضائل، وقد باشر استيفاء الديوان مدّة، وكان أصغر إخوته. [القبض على الشريف ابن عجلان] وفيه وصل الحاج إلى مصر وقد تأخّروا عن عادتهم بيومين لأسباب اقتضت ذلك، وأحضر معهم الشريف رميثة بن محمد بن عجلان وهو مقبوض عليه (٤). [الكشف على عمارة السلطان] وفيه ركب السلطان ونزل لكشف عمايره، ثم سار إلى الجامع الأزهر فكشف الصهريج الذي أمر بإنشائه، ثم زار به الشيخ خليفة المغربي والشيخ سعد المغربي وكانا من المقيمين بالجامع المذكور مدّة سنين على قدم الخير والصلاح، ثم خرج من الجامع إلى دار الشيخ محمد بن سلطان فزاره وعاد إلى القلعة (٥). [تجهيز العسكر إلى مكة] وفيه نودي بتجهيز عسكر إلى مكة المشرّفة (٦). [وفاة الفخر البكري] [١٥٨٤]- وفيه مات الفخر الطاغي (٧)، عثمان التلائي، البكري، خازن كتب المحمودية.

стр. 1306

وكان فاضلا، لقي الأكابر، وكان شديد الضبط لخزانة المحمودية حتى تسلّط عليه بالخداع ففرّط في الكثير من نفايس كتبها وجرت عليه محنة كبيرة بسبب ذلك، وصرف عنها في سنة ست وعشرين. [عمل مراكب حربية] وفيه اهتم السلطان في عمل مراكب حربية لغزو بلاد الفرنج (١). [صفر] [وفاة القاضي ابن هاني اللخمي] [١٥٨٥]- وفي صفر مات قاضي حلب وطرابلس ناصر الدين، محمد بن إسماعيل (٢) بن محمد بن محمد بن هانيء اللخميّ، المالكيّ. وكان من أهل الفضل، وولي قضاء حماه وطرابلس وحلب (٣)، ثم ولاّه نوروز في إمرته قضاء دمشق، ثم أعيد إلى قضاء طرابلس. ومولده سنة ثلاث (٤) وأربعين وسبعماية. [تفقّد السلطان لمراكب الغزو] وفيه ركب السلطان ونزل إلى رؤية ما أمر بإنشائه من المراكب لغزو الفرنج بساحل بولاق، وسار في طائفة قليلة، وتسامع به أهل الدولة فتلاحقوا به، وسار من جهة جزيرة الفيل إلى التاج والسبع وجوه. ثم سار في أرض (. . .) إلى خليج الزعفران وعاد إلى القلعة (٥). [وفاة العلاء بن مغلي] [١٥٨٦]- وفيه مات العلاء بن مغلي (٦) قاضي الحنابلة، علي بن محمود بن أبي بكر / ٥٧٢ / بن مغلي السلماني، الحموي.

стр. 1307

وكان عالما فاضلا بارعا له معرفة بالمذاهب الأربعة، وحفظ في كل مذهب من الثلاثة كتاب (١)، ومن مذهبه عدّة كتب. وكان ذكيّا جدّا، جمّ الفضائل، محمود السيرة، حسن العشرة، رئيسا حشما، ولي قضاء حماه ثم حلب، ثم استقدم إلى القاهرة فولي قضائها (٢). وكان ذا ثروة وسعة مال. ومولده سنة أحد (٣) وسبعين وسبعماية. [قضاء الحنابلة] وفيه قرّر في قضاء الحنابلة عوضا عن ابن (٤) مغلي المذكور الشيخ محبّ الدين أحمد بن نصر الله بن أحمد بن محمد بن التستري، البغدادي، شيخ درس الحنابلة بالبرقوقيّة (٥). [غرق امرأة في النيل] وفيه غرقت امرأة في النيل أي قيل عنها ولها ولزوجها شهرة وذكر (٦). [ربيع الأول] [عمل المولد النبويّ] وفي ربيع الأول عجّل السلطان بعمل المولد في ليلة الجمعة، خامسة (٧). [أخذ المكوس ببندر جدّة] وفيه خرج أرنبغا أحد العشرات ومعه جماعة من الجند إلى مكة ومعه السعد إبراهيم بن المراه القبطي لأخذ مكوس جدّة. وهي أول سنة أقيم البندر بها بجدّة، ومن حينئذ صارت جدّة بندرا عظيما (٨).

стр. 1308

[قتل نائب حلب] [١٥٨٧]- وفيه قتل بقلعة حلب تغري بردي بن قصروه (١) نايب حلب خنقا، وكان من الظلمة الكبار. [قضاء الحنيفة بحلب] وفيه استقرّ في قضاء الحنفية بحلب الشيخ جمال الدين يوسف السمرقندي عوضا عن شمس الدين بن أمين الدولة، وكانا تنافسا بحلب، فقدم يوسف هذا في حظ نفس وولي القضاء، وصرف الشمس، فقدم القاهرة واجتهد في عوده فما أفاد (٢). [تنزّه السلطان بالجيزة] وفيه ركب السلطان النيل وعدّى الجيزة إلى وسيم وأقام بها أياما يتنزّه، ثم عاد (٣). [اكتمال الصهريج بالجامع الأزهر] وفيه كمل الصهريج بالجامع الأزهر وعمل عليه قبّة، وعرّش حوله أربع شجرات من النارنج، فما أفلحت (٤). [بناء ميضأة الجامع الأزهر] وفيه كملت زيادة الميضأة أيضا بالجامع الأزهر وحصل بها النفع. ثم بعد الثمانين أنشأها الأشرف قايتباي إنشاء حسنا. وهي الميضأة المعظّمة النادرة الموجودة به الآن (٥). [أسرى المسلمين بقبرس] وفيه جهّز الشيخ محمد بن قديدار ولده إلى صاحب قبرس يسأله في إطلاق من عنده من أسرى المسلمين ليسعى له في التمكين من زيارة قمامة، فعوّق ولده عنده، فضجّ الشيخ (٦)، وكان من غزو قبرس ما سيأتي ذكره.

стр. 1309

[ربيع الآخر] [الشفاعة في إطلاق طرباي من السجن] وفي ربيع الآخر قدم سودون من عبد الرحمن / ٥٧٣ / نايب الشام فأكرمه السلطان وخلع عليه، وأقام بالقاهرة أياما، ثم عاد مستمرّا على نيابته بعد أن شفع عند السلطان في إطلاق طرباي من سجن الإسكندرية إلى دمياط، وأجيب إلى ذلك (١). [بناء التربيعة بسوق الورّاقين] وفيه كمل بناء التربيعة التي زيدت بسوق الورّاقين، وفتح لها باب كبير في آخر سوق المهامزيّين، وجاءت من أحسن العماير، وكمل أيضا سوق الجوهر تجاه المدرسة الصالحية (٢). [عمارة برج بالطينة] وفيه أيضا كملت عمارة البرج الذي أنشأه السلطان حربيا بالقرب من الطينة، وحصل به النفع التامّ هناك، فإنه أقام السلطان فيه خمسة وعشرين مقاتلا، فيهم عشرة فرسان، وأنزل حوله جماعة من عرب الطينة، وأمن الناس من خطف الفرنج لهم في كل قليل حين مرورهم من قطيا إلى جهة العريش (٣). [جمادى الأول] [اكتمال بناء الأشرفية] وفي جمادى الأول كملت الأشرفية التي أنشأها السلطان بالخانكة بجوار الخانقاه السرياقوسية، وجاءت من أحسن المباني في محلّها، وقرّر فيها صوفية وشيخا لهم (٤). [تقرير الأستادارية] وفيه قرّر في الأستادارية الصاحب بدر الدين بن نصر الله عوضا عن ولده صلاح الدين محمد بعد استعفائه (٥).

стр. 1310

[نظارة الخاص] وفيه قرّر كريم الدين بن عبد الكريم بن كاتب جكم في نظر الخاص، عوضا عن البدر بن نصر الله، وقرّر في نظر الدولة عوضا عن ابن (١) كاتب جكم المذكور الأمين إبراهيم بن الهيصم (٢). [حراسة الثغور من الفرنج] وفيه خرج عدّة من الأمراء والجند لحراسة الثغور لأجل الإشاعة بحركة الفرنج (٣). [حريق دمياط] وفيه وقع بدمياط حريق مهول ذهبت فيه ديار وأموال كبيرة، وهلك فيه جماعة من الناس (٤). [غارة الفرنج على صور] وفيه وصل إلى مدينة صور من سواحل الشام طايفة من الفرنج ووقع بينهم وبين المسلمين قتال كثير استشهد فيه من المسلمين نحوا (٥) من خمسين نفرا، وقتل الكثير من الفرنج (٦). [وفاة الشهاب الدفري] [١٥٨٨]- وفيه مات الشهاب الدّفريّ (٧)، أحمد بن القاضي شمس الدين محمد المالكيّ. وكان فاضلا، محدّثا، ودرّس بالحسينية للمالكية. ومولده بعد الستين وسبعماية. ووالده قاضي القضاة تقدّم.

стр. 1311

[اجتياح البرد الفواكه بالشام] وفيه - أعني هذا الشهر - اجتيحت الفواكه بعامّة بلاد الشام من دمشق إلى حلب في ليلة واحدة من شدّة البرد. وكان ذلك / ٥٧٤ / والشمس في الحمل، حتى تعجّب من ذلك، فتلفت الأعناب ونحوها (١). [جمادى الآخر] [المطر الغزير] وفي جمادى الآخر، ووافق خامس بشنس (٢) والشمس في برج الثور، أمطرت السماء مطرا غزيرا، وأعقبها ريح شديدة بحيث تعجّب من ذلك في هذه الأيام (٣). [سجن كاتب السرّ] وفيه قبض على النجم بن حجّي كاتب السرّ، وسلّم لجانبك الدوادار فسجنه بالبرج من القلعة، وطولب منه آلاف (٤) دينار. وكان قد حنق منه جانبك الدوادار وسلّطه عليه أناس لشيء ذكره عن جانبك وعنهم ففعل به ما فعل. ثم نفي في سلسلة إلى الشام وهو مهان. ثم بعث إليه بالقرين أن يطلق فيتوجّه إلى الشام فيقيم به بطّالا (٥). [اكتمال مئذنة جامع الحاكم] وفيه كملت المادنة (٦) التي على باب جامع الحاكم من جهة القبلة، وأنشأها بعض الباعة من ماله، فكانت حسنة في محلّها (٧). [قتال المسلمين والفرنج بين جبلة وطرابلس] وفيه ورد الخبر بأنه كان بين المسلمين وبين طائفة من الفرنج، وردوا إلى ساحل الأعمال الطرابلسية فيما بين جبلة وطرابلس كائنة قتل فيها جماعة من الفرنج وانهزم باقيهم (٨). [كتابة السرّ] وفيه قرّر في كتابة السرّ البدر بن مزهر الدمشقي نايب كاتب السر (٩).

стр. 1312

[نظارة الإسطبل] وفيه قرّر في نظر الإصطبل التاج الخطير، الأسلمي، القبطي، وكان لما أسلم تسمّى بعبد الوهّاب (١). [وفاة الزين شعبان المصري] [١٥٨٩]- وفيه مات الزين، شعبان بن محمد بن داود الأثاري (٢)، المصري، الموصليّ الأصل، الشافعيّ. وكان يقال إنّ والده هو داود، وإنه تشرّف بالإسلام، وإنّ شعبان زعم أن داود جدّه، وأنّ والده اسمه محمد، والله أعلم. وكان كثير النظم وله فضل وثروة وعدّة تصانيف، وجال كثيرا من البلاد، وكتب المنسوب كتابة جيّدة، وولي حسبة مصر وجرت عليه أمور، وترك ما يقوّم بخمسة آلاف دينار. وكان له تسعا وستين (٣) سنة. [وصول قرقماس إلى أطراف اليمن] وفيه خرج قرقماس من مكة بمن معه يريد حسن بن عجلان، وسار حتى وصل إلى حلي من أطراف اليمن، وعاد وما قابله حسن مع كثرة جموعه، بل توجّه إلى نجد قاصدا إخماد الفتنة والشرّ (٤). [تسفير جماعة لغزو الفرنج] وفيه عرض السلطان جماعة عيّنهم للسفر في البحر لغزو الفرنج، وفرض على كل أمير من مقدّمي الألوف عشرة من المماليك (٥).

стр. 1313

[رجب] [إعادة ابن حجر إلى القضاء] وفي رجب أعيد الحافظ / ٥٧٥ / ابن حجر إلى قضاء الشافعية، وصرف الشمس الهرويّ. ثم بعد أيام خرج إلى القدس على وظيفة مشيخة الصلاحية (١). [سجن أمير الينبع] وفيه حمل الشريف مقبل الحسني أمير الينبع، ورميثة بن محمد بن عجلان في الحديد إلى سجن الإسكندرية (٢). [عرض كسوة الكعبة] وفيه عرضت كسوة الكعبة على السلطان، وكانت في غاية الحسن لاجتهاد الزين عبد الباسط ناظر الجيش وناظر الكسوة في عملها، بحيث ذكر أنه لم يعهد مثلها قبلها في حسنها وإتقان عملها (٣). [ارتفاع سعر العسل] وفيه كان أوان جمع عسل النحل فلم يوجد فيه كبير أمر، فارتفع سعره (٤). [غلاء الفول] وفيه ارتفع سعر الفول أيضا (٥). [النفقة على الغزاة] وفيه كانت النفقة على الغزاة الذين عيّنهم السلطان للسفر، وجعل الباش عليهم جرباش قاشق، وكانوا نحوا من ألف، فمن السلطانية ستماية نفر، في كل نفر منهم عشرون دينارا، ومماليك الأمراء زيادة على الثلاثماية. ونودي: من أراد الجهاد فليحضر لأخذ النفقة. ثم بعث السلطان خيولا في البرّ إلى جهة طرابلس، وكانت ثلاثماية فرس جهّزها برسم أن تحمل مع الغزاة من طرابلس (٦).

стр. 1314

[اعتداءآت الفرنج على ساحل الشام] وفيه خرجت طايفة من الفرنج من جزيرة أرواد فاستولوا على مركب للمسلمين من مراكب اللاذقية كان أشحن بالمجاديف لأجل عمارة السلطان من الأغربة التي قام في العمل بها الرئيس فاصل تحسينه ذلك للسلطان، وكان قد بعث يطلب المجاديف لها من الجون فهيّئت فيها وأوسقت بهذه المركب، فاعترضهم الفرنج، وقاتل المسلمون فيها حتى قتلوا عن آخرهم، وكانوا نحوا من خمسين رجلا أو هم. وأفلت منهم واحد فقط، وأخذ الفرنج المجاديف وغيرها وحرّقوا المركب (١). [الوباء بدمياط وفارسكور] وفيه فشى (٢) الوباء بدمياط وفارسكور، وشنّع الموتان هناك، وكان ابتدأ من جمادى الأول (٣). [خروج الأسطول للغزو] وفيه كان توجّه الأصطول الذي أنشأه السلطان، فخرج يوما أربعة أغربة متوالية، والباش فيها جرباش الحاجب، ثم بعد ذلك توجّه بقيّة الأغربة شيئا فشيئا، وكان (٤) جميعا ثمانية أغربة، وكان لسفرها أوقاتا مشهورة بساحلي بولاق (٥). [قطع القمح عن المباشرين] وفيه قطع السلطان القمح المرتّب للمباشرين برسم حرماتهم، وكان خمسة آلاف إردبّ في كل سنة، / ٥٧٦ / فوفّرها السلطان (٦). [شعبان] [وفاة الشهاب ابن الفصيح] [١٥٩٠]- وفي شعبان مات الشهاب، أحمد بن عبد الرحيم بن الفصيح (٧) الكوفيّ الأصل، البغدادي، الدمشقي، الحنفيّ.

стр. 1315

يقال إنه سمع على ابن (١) أميلة، وابن (٢) قره. [زلزلة القاهرة] وفيه، في سادسه، زلزلت القاهرة عند غروب الشمس زلزلة هائلة، لكنها كانت قصيرة الزمن، ثم زلزلت ثانيا، ثم ثالثا، ومادت الأرض منها، وتحرّكت المباني حركة قوية مفزعة. وأخبر من رأى حائطا خرج عن محلّه ثم عاد، وأخبر إنسانا (٣) أنه كان راكبا فخرج عن سرجه حتى كاد يسقط، وكانت آية من آيات الله، لكن ما هلك بها أحد، ولا سقط بها من الأماكن إلاّ القليل، ونودي من غده من أمر السلطان بصوم الناس ثلاثة أيام، فما أنابوا ولا أجابوا (٤). [احتكار السلطان بيع السكّر] وفيه نودي على السكّر بأن لا يباع إلاّ للسلطان ولا يشترى إلاّ منه. وكان قد بطل هذا فأعيد (٥). [وفاة البدر الدماميني] [١٥٩١]- وفيه مات بالهند البدر الدمامينيّ (٦)، محمد بن أبي بكر بن عمر بن أبي بكر محمد بن سليمان المخزومي، السكندري، المالكيّ.

стр. 1316

وكان عالما، فاضلا، بارعا في الأدب، حسن النظم جدا والنثر، عارفا بالعربية. وكان يتّجر، وحصل له محنة نزح بسببها إلى اليمن، ثم الهند، وحصل على مال طائل هناك، فما نشب أن بغته الأجل. ومولده سنة ثلاث وستين وسبعماية. [توجيه طرباي إلى بيت المقدس] وفيه بعث السلطان إلى طرباي بألف دينار وأمره بأن يتوجّه إلى البيت المقدس (١). [التمساح يأكل قاطع طريق] وفيه قطع على إنسان الطريق وأخذ عن الطريق مكتوفا، إلى مكان قريب شاطيء النيل ليذبحه قاطع الطريق، فأقسم عليه أن يسقيه شربة ماء قبل قتله، فأخذ إناء من خرج المقطوع عليه ومرّ إلى البحر ليحضر له فيه ما يشربه، فلما عبر الماء ليملأ منه الإناء اختطفه التمساح والرجل يشاهده وقد كسره وأكله والرجل مكتوف وأتانه وخرجه وفرس الذي قطع عليه الطريق بقربه قريبا (٢) منه، فدام كذلك حتى مرّ به أناس، فصاح بهم وهم بالبعد عنه فأتوه فأعلمهم بحاله وما جرى عليه، فأطلقوه (٣). [نادرة الموسّطين وحراستهم] وفيه أيضا جرت كائنة قريبة من هذه الكائنة، وهي أنّ متولّي الحرب ببعض النواحي أمر بتوسيط سبعة من قطّاع الطريق وعلّقهم على ممرّ المسافرين كما هي العادة وأكّد على الخفراء أرباب الدرك في حراستهم طول ليلهم كيلا يأخذهم أهاليهم، وحلف يمينا مؤكّدة / ٥٧٧ / أنه إذا نقص واحدا (٤) منهم وسّطهم بدله، فباتوا يتحاربون إلى آخر الليل فأخذهم النوم فناموا ثم انتبهوا وعدّوا القتلى فنقص منهم واحد فاهتمّوا وخافوا، فمرّوا في الطريق المسلوك ليأخذوا من وجدوه منفردا من المسافرين فيوسّطوه ويعلّقوه (٥) بمكان الذي أخذ، فإذا هم برجل على حمار وتحته قفّتين (٦) فأخذوه، وكان سحرا وهم خائفون من طلوع النهار فوسّطوه وعلّقوه مع الموسّطين، فلما طلع النهار جاءهم مقدّم الوالي لكشف حال الموسّطين وعدّهم فإذا عدّتهم قد زادت واحدا، فأنكر ذلك وقبض على الخفراء وأحضرهم إلى الوالي وعرّفه بالحال فلم يجدوا بدّا من أن يخبروه (٧) بما وقع لهم، وحلفوا على ذلك أيمانا مؤكّدة، وعلى أنهم ما رأوا الموسّطين إلاّ ناقصين واحدا،

стр. 1317

فأمر الوالي بفتح القفّتين، فإذا في كل قفّة نصف امرأة وهي منشقّة، فظهر للوالي ومن حضره أن هذا الذي قتله الخفراء كان قد قتل هذه المرأة وسرى بها سحرا حتى يواريها، فأخذه الله تعالى بها وقتله، فكانت هذه والتي قبلها عبرة لأولي الأبصار، ومن غرائب النوادر والأخبار (١). [وفاة الشمس النستراوي] [١٥٩٢]- وفيه مات الشمس، محمد بن أحمد بن عبد الرحمن اللخميّ، النستراويّ (٢)، الشافعي، ابن (٣) أخي ناظر الجيش كريم الدين. كان باشر مدّة في الديوان، ثم في ديوان الجيش لما ولي أخاه (٤) نظره، ثم ترك جميع ذلك وتزهّد في الدنيا، وسمع الحديث على كثير من الأشياخ، وأحبّ أهل الخير، وأقام على قدم التصوّف عدّة سنين نحوا من الأربعين، مع سلامة الباطن، وحسن العقيدة، والصبر على الدنيا. ومولده سنة سبعين وسبعماية. [ارتفاع سعر الغلال] وفيه ارتفع سعر الغلال (٥). [رمضان] [القبض على الأستادار وولده] وفي رمضان قبض على الصاحب بدر الدين ابن (٦) نصر الله الأستادار وعلى ولده، وعوّقا بالقلعة. وطلب السلطان بعد يومين من قبضهما عبد القادر بن عبد الله بن أبي الفرج، وقرّر في الأستادارية. ثم أفرج عن ابن (٧) نصر الله بعد أن التزم بحمل نفقة الجامكية عن شهر وكذا عليقه، وذلك نحوا من ثلاثين ألف دينار، وأخذ في بيع تعلّقاته وخيوله ليسدّ ذلك، وترك ابنه رهينة بالقلعة (٨). [نظارة الجيش بدمشق] وفيه قرّر الجمال يوسف بن الصفيّ في نظر الجيش بدمشق عوضا عن البدر حسين،

стр. 1318

وكان بيده وظيفتي (١) كتابة السرّ / ٥٧٨ / ونظر الجيش، فبقي على كتابة السرّ (٢). [وفاة الشمس ابن المحبّ] [١٥٩٣]- وفيه مات الشمس بن المحبّ (٣)، محمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن أحمد بن محمد المقدسي، الصالحيّ. وكان عالما فاضلا، وأسمع على جماعة منهم ابن قيّم الضيائية، وابن (٤) الجوجري، وعمر بن أميلة، وغيرهما (٥). وشرح «البخاري»، ما عاش لتبييضه وتركه مسوّدة. وكان يذكر عن نفسه أنه رأى مناما من منذ عشرين سنة يدلّ على موته بالمدينة الشريفة، وكان كذلك. ومولده سنة ثلاث وثلاثين وسبعمية. [وفاء النيل] وفيه كان الوفاء للنيل في رابع عشر مسرى. ونزل محمد بن السلطان لكسره، ومعه في خدمته الملك الصالح بن الظاهر ططر. وعدّ ذلك من النوادر (٦). [قلّة اللحم] وفيه عزّ وجود اللحم بالأسواق (٧). [الخلاف بين الميموني والتفهني] وفيه كائنة الشمس محمد بن السراج عمر الميموني الشافعيّ، مع القاضي زين الدين التّفهنيّ، والكلام عليها فيه طول آلت إلى حكم التّفهني، فرقّده الميمونيّ المذكور، وطلب من الحافظ ابن (٨) حجر وهو القاضي الشافعي أن ينفّذ حكمه فامتنع من ذلك

стр. 1319

وقال: قد بلغني أنّ في عقله خلل. ثم آل الأمر إلى سجنه، وجرى عليه أشياء، ثم نفي (١). [مهاجمة المسلمين سواحل قبرس] وفيه عاث الغزاة الذين توجّهوا في البحر في جزيرة قبرس وخرّبوا كثيرا من قراها وبلادها (٢)، وسيأتي تمام خبرهم. [فتح حصن اللمسون] وفيه كان أخذ الجند الذين سافروا صحبة جرباش الكريمي حاجب الحجّاب إلى الغزاة حصن اللمسون (٣)، وسيأتي تفصيل ذلك. [انتصار الأسطول الإسلامي على الفرنج] وفيه ورد الخبر من طرابلس ببشارة نصرة الأصطول الإسلامي على الفرنج، وأنهم في غاية النصرة على الأعداء، وغنموا غنائم عظيمة، وفعلوا أفعالا غريبة، فضربت البشائر بالقلعة وعلى أبواب الأمراء. ثم جمع القضاة والأعيان بالأشرفية، وقريء عليهم كتب البشارة، ونودي بزينة مصر والقاهرة، ثم قريء الكتاب بجامع عمرو بن العاص أيضا، وكتبت البشاير إلى الإسكندرية وبجهات مصر (٤). [الغزوة الأولى لقبرس] وفيه وصل الخبر بوصول الغزاة إلى الطينة، وكان الناس في الزينة والسرور فجعل القلق بسبب ذلك وزاد الكلام ونقص حتى صحّ أنهم عادوا بخير، وكان من خبرهم أنهم لما خرجوا وسافروا من القاهرة مرّوا على دمياط ونجّاهم الله / ٥٧٩ / من عدّة مراكب، كان فيها جانوس ملك قبرس أخذوا فوهة دمياط فترصدو (٥) منهم فما قدروا على شيء، وتوجّهوا إلى طرابلس أعني المسلمين، واجتمع بها الأصطول السلطاني، وكانت مراكبة زيادة على الأربعين قطعة أشحنت بالرجال من جند وعشير وغيرهم بالآلات والعدد، وساروا من طرابلس بعد أن راسل جرباش جينوس صاحب قبرس يحذّره ويخوّفه ويدعه (٦) في الدخول في الطاعة. فأبى وامتنع، فسار إليه بالمراكب ووصلوا الماغوصة (٧)، وهلي بلد على ساحل البحر، بجزيرة قبرس من جهة الشمال، ولها سور

стр. 1320

محكم بني في الإسلام بإذن معاوية بن أبي سفيان على يد الأمير موسى بن نصير صاحب فتوح المغرب، فحضر إليهم رسول صاحب الماغوصة ومعه ضيافة من مرسله، وبذل لهم الطاعة، فبعثوا إليه بأمان، ثم نزلوا وركبوا في الحال، وساروا في جزيرة قبرس يخرّبون وينهبون ويأسرون، وقد أوقع الله تعالى الرعب في قلوب الكفار، وقصدوا الملاّحة وأحرقوها، ووصلوا إلى مكان يقال له رأس العجوز، فقتلوا [أحد] (١) أمرائه وأسروا من معه، ثم صادفوا عدّة مراكب بعث بها صاحب قبرس نجدة، وبعث أخاه مع عسكر برّا فما أفادوا وانهزموا جميعا مع قتال لأهل البحر وبغير قتال لأهل البرّ، وأحاطوا بزرد خانة لصاحب قبرس وبعث بها لأخيه فأخذوها وعادوا بالأسرى والغنائم إلى مراكبهم، وتوجّهوا إلى حصن اللمسون، كل ذلك في رمضان، فلما أهلّ شوّال ملكوا الحصن وأخذوه عنوة، وجهّز جرباش المبشر الماضي خبره، فيقال إن جملة من قتل من الفرنج في هذه الكائنة زيادة على خمسة آلاف، وما قتل من المسلمين ثلاثة عشر نفسا. وأعزّ الله دينه الإسلام ببركة نبيّه عليه أفضل الصلاة والسلام. وكانت هذه الغزوة الصغرى (٢) الأولى بقبرس، وهي التي جرّت الأشرف للثانية التي كان بها فتح قبرس كما سيأتي. ولما فعل جرباش هذه الأفعال وامتلأت مراكبه بالغنائم والأسرى، بلغه أنّ جينوس قد جمع له جموعا وافرة فرأى الرائي في عوده أفعالا. / ٥٨٠ / وجاء الخبر بعوده في هذا الشهر في ثالث عشره (٣)، ثم كان ما سنذكره. [وفاة نور الدين ابن سلامة] [١٥٩٤]- وفيه مات المسند نور الدين، ابن سلامة، علي بن أحمد بن سلامة بن عطوف (٤)، السلميّ، المكي. وكان فاضلا، محدّثا، عني بالحديث جدّا، وسمع من جماعة، منهم: ابن (٥)

стр. 1321

أميلة، والصلاح أبي (١) عمر، وابن (٢) كثير، وابن (٣) حبيب، وعمر بن علي القزويني، والتقيّ البغدادي، وغيره. وحدّث وصار مسند مكة المشرّفة. وكان عارفا بالقراءآت (٤). وله نظم. ومولده سنة تسع وأربعين وسبعماية. [وفاة الناصر بن العطار] [١٥٩٥]- وفيه مات الناصر بن العطار (٥)، محمد بن أحمد بن عمر بن يوسف بن عبد الله بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن محمد بن أبي بكر التنوخي، الحمويّ. وكان رئيسا حشما، عارفا، تنقّل في عدّة ولايات جليلة، منها نيابة الإسكندرية وحجوبية حماه، وغير ذلك، حتى ولي نظر القدس والخليل، على نبيّنا وعليه أفضل صلاة وتسليم، وكان له ديانة وعفّة وأمانة ومعرفة تامة بالأمور، وفضل وإحسان. ومولده سنة ٧٤. [الإفراج عن بيبغا المظفّري] وفيه أفرج عن بيبغا المظفّري من سجن الإسكندرية، وأمر بالإقامة بدمياط، وجهّز له مركوب يركبه هناك (٦). [عودة الغزاة بالأسرى] وفيه وصل الغزاة إلى ساحل بولاق وكان معهم ألف وستين (٧) أسيرا غير ما غنموا من الأموال، وصعدوا إلى القلعة، ومعهم الأسرى، ومعهم ماية وسبعين حمالا (٨) عليها الغنائم وعدّة بغال، وعدّة من الجمال محمّلين (٩) الأثاث والمياخر والآلات والأواني، وعرض ذلك على السلطان، فأمر ببيع الأسرى وأن لا يفرّق بين قريب وقريبه. وأمر بتقويم الأصناف، وحضّرهم العلائي للبيع، وتولّى البيع عن السلطان إينال الششماني. ثم نفق السلطان في الغزاة، لكل نفر سبعة دنانير، ولبعض نصف ذلك (١٠).

стр. 1322

[إنشاء بستان وبركة] وفيه أنشأ الزين عبد الباسط ناظر الجيش ببركة الحاج بستانا وساقية وبركة ماء عمّ بها النفع هناك (١). [ذو العقدة] [قياس النيل] وفي ذي قعدة، في أوله كان ماء النيل على عشرين ذراعا، ووافق ذلك يوم عيد الصليب، وقلّ ما عهد مثله هذا، فكان نادرا (٢). [قتل ابن الحمراء البيروتي بالقاهرة] [١٥٩٦]- وفيه كان إنسان يساير إنسان (٣) من العشير يقال له شعث بن أبي بكر بن الحمراء كان قدم من بيروت إلى القاهرة، فلقيه هذا الرجل الذي كان يسايره بين القصرين، وهو أيضا من أهل تلك البلاد، فبينا هو وإيّاه أخرج خنجرا فضرب به ابن (٤) الحمراء ضربة والثانية، فسقط ابن (٥) الحمراء ميتا، وفرّ الضارب فلم يقدر عليه، وعرف من ضربه. ثم إنّ ابن (٦) الحمراء هذا كان قد قتل والد هذا / ٥٨٢ / الرجل من عدّة سنين، فهو يتطلّب ثأره حتى أمكنه ذلك ففعله (٧). [وفاة الشمس ابن العبّار] [١٥٩٧]- وفيه مات الشمس بن العبّار (٨)، محمد الحمويّ، النحوّيّ. وكان معدودا من أئمّة النحو، وله فضائل جمّة، وحسن عشرة، ونظم. [قلّة الفلوس] وفيه نودي على الفلوس باثني عشر درهم (٩) الرطل، وكانت قد قلّت جدّا وعزّ وجودها (١٠).

стр. 1323

[ذو الحجّة] [ذبح طوغان التركماني] [١٥٩٨]- وفي ذي حجّة مات طوغان (١) أمير اخور ذبحا بقلعة المرقّب. وكان تركماني الأصل، فباع نفسه ولم يكن مشكورا. [غلاء اللحم والقمح] وفيه عزّ وجود اللحم بالأسواق، وارتفع سعره وسعر القمح أيضا، وعزّ وجوده مع كثرته وعلوّ النيل وثباته (٢). [ثورة العامّة بالبدر العيني] وفيه ثارت العامّة بالبدر العيني وهو على الحسبة فرجموه وخلص منهم نجيّا، وصعد إلى القلعة وشكاهم إلى السلطان، فحنق السلطان وبعث عدّة من الأمراء إلى باب زويلة، فأخذوا على المارّة أفواه السكك ليقبضوا على الناس، فسار بعض العبيد فرجم بعض الأمراء، فأصابه الحجر فقبض عليه وضرب، وقبض على جماعة كبيرة من الناس، وأحضروا إلى السلطان فأمر بتوسيطهم فشفع فيهم فأسلمهم إلى الوالي فضربهم وقطع آناف (٣) بعضهم وآذانهم، وكانوا زيادة على العشرين رجلا من المستورين، فكسرت القلوب، وانطلقت الألسن بالدعاء وغيره. وكانت هذه الحادثة من أشنع الحوادث (٤). [وفاة الشمس البيري] [١٥٩٩]- وفيه مات الشمس البيري (٥)، محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن جعفر بن قاسم العثمانيّ، الشافعيّ، أخو الجمال الأستادار. وكان عالما فاضلا، وسمع على جماعة، وولي قضاء البيرة، ثم حلب، ثم عظم

стр. 1324

في دولة أخيه، وعيّن للقضاء الشافعية، ثم لم يتمّ له ذلك، وولي خطابة البيت المقدس وتدريس قبّة الشافعي، ومشيخة البيبرسية، وسعيد السعداء. ومولده سنة خمسين وسبعماية. [مشيخة سعيد السعداء] وفيه قرّر الشهاب بن المحمرة أحمد بن محمد بن المصري الشافعي في مشيخة سعيد السعداء، عوضا عن الشمس البيري أخي جمال الدين الماضي (١). [استخلاف ابن عجلان بإمارة مكة] وفيه ورد الخبر من تغري بردي المحمودي من مكة، وكان قد خرج حاجّا بأنه حلف لحسن بن عجلان عن نفسه وعن السلطان وأعطاه الأمان وأدخله إلى مكة، وخلع عليه بالإمارة على عادته، وأنه سيحضر إلى السلطان ويستخلف ولده بركات بمكة (٢). [قدوم مبشّر الحاجّ] وفيه قدم مبشّر الحاج وأخبر بالأمن والسلامة، وأنّ الوقفة كانت بالإثنين، وكانت بالقاهرة بالأحد، وأخذ السلطان / ٥٨٢ / يتغيّظ من ذلك ونعت القضاة إلى التقصير، وشنّع البعض عنده على القضاة، فاتفق أن اجتمع به الحافظ بن (٣) حجر يعرّفه أنّ ذلك يكون كثيرا ولكلّ بلد يطلع يرجع إليه حتى سكن شيئا (٤). * * * [حوادث هذه السنة لا فى شهر معين] [واقعة الفيران باللجون] وفيها - أعني هذه السنة - كانت واقعة الفيران باللجون من طريق الشام وهي من النوادر الغريبة، كانت الفيران كثرت فراخه بتلك الناحية حتى شاهدها الناس وهي تخرج فراخها الصغار فتدعها عند حجورها، ثم تذهب إلى المزارع فتحضر القمح في سنبله وتدسّه إلى الفراخ فتدخله كالناقلة له إلى أوكارها، وتذهب هي لإنسان غيره جاءت به فمن وجد بعد رجوعه شيئا من القمح لم يحول ظهر منه (٥) غضب وضرب ولده ضربا

стр. 1325

مبرحا، وزاد الأمر في ذلك حتى حصل الضرر به على الناس هناك بسبب الزرع. ثم عقيب ذلك وقع بين الفيران مقتلة عظيمة، وشاهد الناس منها مقاتلتها مقتلة بعضها قد قدّ نصفين، ونصفها مقطوع الرأس والذّنب، وكذا البدو الرحّل، حتى تعجّب من ذلك غاية التعجّب (١). [وفاة زوجة السلطان] [١٦٠٠]- وفيه ماتت الخوند (٢) زوجة السلطان من الجواري، وكانت يذكر عنها بأنها ابنة عمّه، ماتت بطريق الحجّ بوادي الصفرا، وهي حامل، فوقعت فماتت في نفاسها. وبلغ ذلك السلطان، فاشتدّ أسفه عليها. [وفاة حاجب طرابلس] [١٦٠١]- وفيها مات الزين (٣)، أبو بكر حاجب طرابلس. وكان معدودا من الأعيان والرؤساء، وله شهرة (وحسن سيرة) (٤).

стр. 1326

سنة تسع وعشرين وثمانماية [محرّم] [انعدام اللحم والألبان] في محرّم منها كان اللحم والجبن واللبن كالمعدوم بالقاهرة من قلّتها (١). [تقرير الحسبة] وفيه قرّر إينال الششماني بالحسبة وصرف البدر العيني (٢). [وفاة الجمال الحسفاوي] [١٦٠٢]- وفيه مات الجمال الحسفاوي (٣)، يوسف بن خالد بن أيوب الحلبي الشافعيّ. وكان فاضلا، عارفا بالفنون، وولي قضاء ملطية وحلب وطرابلس، وكتابة سرّ صفد. وكان له نظم حسن. [خسوف القمر] وفيه، في ليلة خامس عشرة خسف جميع جرم القمر، ودام نحوا من اثني عشر درجة (٤).

стр. 1327

[الإفراج عن ابن عجلان] وفيه قدم الشريف رميثة بن محمد بن عجلان وقد أفرج عنه من سجن الإسكندرية (١). [الأمر بتخفيف نوّاب القضاة] وفيه أمر السلطان القضاة الأربع (٢) / ٥٨٣ / بأن يخفّفوا نوّابهم، ففعلوا ذلك، ثم عادوا لما نهوا عنه بعد مدّة يسيرة (٣). [إمرة ابن عجلان على مكة] وفيه وصل الحاج وهم في ضرّ من غلاء الأسعار، وقدم مع الحاج قرقماس الذي كان مقيما بمكة، وولي إمرتها شركة، وقدم أيضا حسن بن عجلان وأكرمه السلطان، ثم خلع عليه بعد أيام باستمراره على إمرة مكة وألزم بحمل ثلاثين ألف دينار، وبعث قاصده إلى مكة لإحضارها، وأقام هو بمصر رهينة عليها، وعدّ هذا من النوادر التي ما وقع في الإسلام مثلها (٤). [وفاة الشيخ خليفة المغربي] [١٦٠٣]- وفيه مات الشيخ الصالح، المعتقد، خليفة المغربي (٥)، المالكي، نزيل الجامع الأزهر. وكان مباركا للناس فيه الاعتقاد الحسن، دام بالجامع الأزهر نيّفا وأربعين سنة منقطعا للعبادة. ومات فجأة في الجامع، ووجد له شيء كثير من المال والأثاث. [مظلمة الحجّاج] وفيه حدثت مظلمة على الحجّاج متجدّدة بالحدوث قبل ذلك، وهي أن ناظر الخاصّ خرج بأعوانه ومباشروا (٦) الخاص فأخذوا في الاستقصاء الشديد [و] الفحص عن المبلغ التي

стр. 1328

أحضرها (١) الحجّاج والتّجار من مكة، وكان قد خرج أمر بأنّ جميع التجار من أشرف الأصناف من المتاجر الهندية لا يمكّنوا من التّوجّه من مكة إلى الشام ولا غيرها، بل يحضر الجميع بما معهم من المتاجر إلى مصر مع الحاج لتؤخذ منهم المكوس، فخرج المباشرين (٢) لأخذ ذلك، فما عفّوا ولا كفّوا حتى أخذوا من الحاج، وفتّشوا محايرهم، وأخذوا من العجائز وغيرهنّ حتى على النطع الواحد الهدية عشرة دارهم من الفلوس. هذا، بعد أن خرج السعد إبراهيم بن المره إلى جدّة، وأخذ العشور من أصناف المتاجر، فإن المراكب الهندية كانت تركب بندر عدن إلى جدّة، وأحدث بها بندر عظيم (٣) جدّا، حتى ضعف بندر عدن، ثم صار نظر جدّة وظيفة مستقلّة على ما عرف ذلك بعد هذه الأيام وصار يحمل من جدّة من الأموال ما لا يعبّر عنه، وشورك صاحب مكة، بل وزاد الحال في ذلك جدا حتى بلغ ما حمل من جدّة من الأموال زيادة على سبعين ألف دينار (٤). ثم بعد ذلك زاد العيار، واتّسع الأمر، سيما في دولة الأشرف قايتباي من بعد السبعين / ٥٨٤ / إلى هذه الأيام التي هي خمس وتسعين (٥). ولو ذكرنا جريات ما حدث بجدّة، بل وغيرها، لطال المجال واتّسع المقال، ولله عاقبة الأمور، وهو العليم بالأحوال. [وباء الجاموس] وفيه فشا الوباء في الجاموس ومات الكثير منها، وقلّت الألبان والأجبان بسبب ذلك (٦). [افتقار أهل الوجه القبلي] وفيه اتّضع حال أهل الوجه القبلي وافتقروا جدّا بعد سعة الأموال الطايلة حتى صاروا يبتاعوا ويمتاروا (٧) بالغلال لعدم الذهب والفضة عندهم (٨). [صفر] [إلزام العامّة بالصلاة] وفي صفر، لما صعد قضاة القضاة إلى القلعة لتهنئة السلطان بالشهر على العادة أمرهم أن يلزموا العامّة بالصلاة، فاجتمع القضاة في ثاني الشهر بالمدرسة الصالحية ومعهم المحتسب ونايب الوالي وكتبوا ورقة تقرأ على الناس، وتولّى قراءتها بعض نواب القاضي الشافعي في الشارع الأعظم من باب النصر إلى جامع ابن (٩) طولون (١٠).

стр. 1329

[التعامل بالذهب] وفيه حدث التعامل بالذهب الذي هو الآن بالأيدي. وكان قد عقد مجلس بحضرة السلطان حضره القضاة والأمراء والكثير من التجار وبياض الناس، وتحدّثوا في إبطال المعاملة بالذهب المشخّص بالصور، الذي يسمّى الإفرنتي من ضرب الفرنج، وأن يتعامل الناس بالذهب الأشرفي المصكوك بصكّة الإسلام، وعليه اسم الله ورسوله بأحد وجهيه، وبالأخير اسم السلطان وكنيته ولقبه، وكونه ضرب القاهرة، وألزم الناس بحمل الذهب الإفرنتية إلى دار الضرب حتى بعيد ضربها إلى الأشرفية، وخلع على الشرف أبي الطيّب محمد بن التاج عبد الوهاب بن نصر الله بوظيفة نظر دار الضرب، وضربت الدنانير الأشرفية على أنه (١) الإفرنتية، ثم تعامل الناس بها بعد ذلك وكثرت في الأيدي. ولا زال الذهب الإفرنجي يقلّ حتى لم يوجد بعد ذلك بعد مدّة (٢). [تزاحم الناس على الأفران] وفيه تكالب الناس على القمح، وقلّ وجوده، وتزاحم الناس على الأفران لطلب الخبز، وارتفعت الأسعار في الغلال (٣). [الغلاء بالشام] وفيه ترادفت الأخبار بوجود الغلاء بالبلاد الشامية وما حولها (٤). [هلاك البقر والجاموس] وفيه هلك الكثير من البقر والجاموس، وقلّت الألبان والأجبان بالقاهرة (٥). [وفاة الكمال المخزومي] [١٦٠٤]- وفيه مات / ٥٨٥ / الكمال، أبو الفضل ابن (٦) ظهيرة (٧)، محمد بن أحمد المخزومي، المكي، الشافعيّ.

стр. 1330

سمع من العزّ ابن (١) جماعة، والشيخ خليل (٢) المالكي، [و] ابن (٣) الجندي، والموفّق الحنبلي، وآخرين. وأضرّ بأخرة. ومولده سنة ٧٩٦. [انخفاض سعر اللحم] وفيه انحطّ سعر اللحم لكنه كان هزيلا (٤). [ربيع الأول] [تفريق الخبز على الفقراء] وفي ربيع الأول ابتدأ السلطان بعمل خبز يفرّق في الفقراء في كل يوم (٥). [إزالة المرتفعات في الطرقات] وفي نودي بقطع ما ارتفع بالطرقات، فشرع الناس في ذلك، وقطع البعض منهم وتكلّفوا على شيل ما يقطع ورميه بالكيمان، وحصل على كثير من الناس الضرر بسبب ذلك. ثم بعد أيام بطل ذلك (٦). [وصول نائب طرابلس إلى القاهرة] وفيه وصل إلى القاهرة قصروه نائب طرابلس (٧). [وفاة البدر بن سويد] [١٦٠٥]- وفيه أوفي الذي قبله مات البدر [حسن] بن (٨) سويد المصري، المالكيّ. وكان قد اشتغل وتعانى الاتجار ونفع وشهر، ومن آثاره السويدية بمصر وسلفه من القبط. [ربيع الآخر] [وفاة إينال النوروزي] [١٦٠٦]- وفي ربيع الآخر مات إينال النوروزي (٩) أمير سلاح.

стр. 1331

وترك من الذهب النقد خمسون (١) ألف دينار. وكان ظالما، غير موصوف بخير. [إمرة السلاح] وفيه قرّر يشبك الساقي الأعرج في إمرة سلاح عوضا عن إينال المذكور (٢). [البهلوان الأعجمي] وفيه نصب رجل أعجميّ حبلا بمنارتي السلطان حسن وأظهر من البهلوانية ما يتعجّب منه. وكان قبله في الشهر الماضي لعب بهلوان جركسي، وجلس السلطان له لرؤيته، فنصب حبلا من مادنة (٣) حسن إلى الأشرفية من القلعة، ومشى عليه وأظهر أنداب (٤) غريبة يتعجّب منها إلى يومنا هذا. وفعل إنسانا (٥) آخر من أهل مصر مثله وزاد عليه، فعدّوا من النوادر في أمورهم (٦). [وفاة التاج بن المكلّلة] [١٦٠٧]- وفيه مات التاج بن المكلّلة (٧)، محمد بن أحمد بن علي، ويعرف أيضا بابن جماعة، محتسب القاهرة. [وفاة صوفيّ بالأشرفية] [١٦٠٨]- وفيه مات إنسان من صوفية الأشرفية وخلّف موجودا جمّا، فوضع العلاء الروميّ يده على ذلك، فبلغ السلطان ذلك، وبلغه عنه أشياء أخر حنق منها عليه، فصرفه عن مشيخة الأشرفية (٨). [مشيخة الأشرفية] وفيه طلب شيخنا العلامة الجمال محمد بن الهمام، وخلع عليه بمشيخة الأشرفية، عوضا عن العلاء الروميّ، ولم يكن من الشيخ سعي في شيء من ذلك، بل ولا كان على ماله فإنه كان يدرّس بقبّة الصالح، فطلبه السلطان لما ذكرناه (٩).

стр. 1332

[وفاة السراج الطواقي] [١٦٠٩]- وفيه مات العلاّمة السراج، قارىء «الهداية» (١) عمر بن علي بن فارس الطواقي، الحنفيّ. وكان قد / ٥٨٦ / انتهت إليه رياسة مذهبه بمصر لعلمه ودينه وخيره، وكان بارعا في الفقه والأصول والعربية، مشاركا في الفنون، معتصرا في أموره، جميل السيرة، حسن الطريقة. وكان من تلامذة العلاء السيرامي، وهو الذي نعته بقاري الهداية، فإنه كان عند العلاء سراجين (٢)، فمن هذا عيّن ذلك بهذا اللقب، وكان له يد في النظم والنثر، متورّعا عن الكتابة على الفتوى إلاّ في النادر. وأناف على الثمانين. [مشيخة الشيخونية] وفيه قرّر في مشيخة الشيخونية الزين التفهني وطلبها بنفسه، وهو قاضي القضاة، فأجابه السلطان إلى ذلك، ولما صعد القلعة وخلع عليه بها ظن أنها أضيفت إلى القضاء فما هو إلاّ [أن] (٣) خرج من بين أيادي السلطان طلب السلطان البدر العيني وخلع عليه بوظيفة القضاء عوضا عن التفهني، فسقط في يد التفهني وندم (٤). [واقعة حارة الجودرية] وفيه كانت كائنة الحارة الجودرية (٥)، وهي أنه بلغ السلطان ممّن وشى إليه بأنّ جانبك الصوفي مختف بها، فأركب جماعة من الجلبان من مماليكه متقلّدين السيوف حتى طرقوا الحارة المذكورة وأحاطوا بها من جميع جهاتها، وفتّشوا جميع دورها، وحصل على الناس السكان بها من الضرر مالا عنه مزيد. ولم يعثروا بجانبك ولا وجدوه، وقبض على إنسان يقال له فخر الدين بن المزوّق، وكان بينه وبين جانبك صهارة، فضرب

стр. 1333

بالمقارع ونفي، ونودي بإخلاء ديار الجودرية فأخليت ودامت مدّة خالية، ولله الأمر (١). [ارتفاع الأسعار] وفيه ارتفع سعر المغل بعد الانحطاط (٢). [جمادى الأول] [قضاء الشافعية] وفي جمادى الأولى باشر الحافظ ابن (٣) حجر قضاء الشافعية بغير معلوم، فإنه جعل ما يتحصّل من معلومه للسلطان سنة، فحيا السلطان لنفسه (٤). [اهتمام السلطان بأمر قبرس] وفيه اهتمّ السلطان لغزو قبرس، وكانت الحركة لذلك قبل هذا الشهر من أوائل السنة، بل من السنة الماضية أيضا، لكن كان الاهتمام قد اشتدّ في هذا الشهر (٥). [وصول رسول القسطنطينية] وفيه وصل رسول صاحب القسطنطينية بهدية إلى السلطان ومكاتبة يشفع فيها في صاحب قبرس بأن لا يغزوه السلطان (٦). [جمادى الآخر] [وفاة الشريف أمير مكة] [١٦١٠]- وفي جمادى الآخر مات السيد الشريف حسن بن عجلان (٧) بن رميثة الحسني أمير مكة. / ٥٨٧ / وقد أناف على الستين سنة. ومات بالقاهرة بعد أمور وخطوب جرت عليه.

стр. 1334

[وفاة قاضي قضاة المالكية] [١٦١١]- وفيه مات قاضي القضاة المالكية، الجمال البساطي (١)، يوسف بن خالد بن نعيم بن مقدّم بن حسن بن غانم بن محمد بن علي الطائيّ، المالكيّ. وكان عالما، فاضلا، عارفا بفقه مذهبه، مشاركا في الفنون، حسن السيرة في قضائه. ومات مصروفا عن القضاء وله ثمان وثمانين (٢) سنة. [قضاء الحنابلة بمصر] وفيه قرّر في القضاء الحنبلية بمصر ابن الفرّاء البغداديّ، الشيخ عزّ الدين عبد الرحمن بن علي، عوضا عن المحبّ بن نصر الله، بعد صرفه لشيء نسب إلى ابنه وأخيه (٣). [خروج العشران للجهاد] وفيه قدم طوائف من عشران الشام وعسكرها للخروج للجهاد (٤). [عرض المجاهدين] وفيه عرض السلطان المجاهدين وجلس بالدكة من الحوش وانفق فيهم، وكان لهم يوما مشهودا (٥). [وفاة الجمال السّمرقندي] [١٦١٢]- وفيه مات الجمال السمرقنديّ (٦)، يوسف الحنفي، قاضي حلب. وكان فاضلا، مع إعجاب بنفسه.

стр. 1335

وذكر بعضهم وفاته في هذه السنة، وما عيّن شهره، ولعلّه هذا. وأعيد ابن أمين الدين إلى قضاء حلب بعده، وكان هو قد أخذ عنه. [وفاة التقيّ الحصني] [١٦١٣]- وفيه مات الشيخ الصالح التّقيّ الحصني (١)، أبو بكر بن محمد بن عبد المؤمن بن عبد الله الدمشقي الشافعيّ. وكان من أجلّ فقهاء الشافعية، وله علم وعمل وصلاح مشهور، وخير وعفّة وديانة، بل كان من الأولياء. وكان دائما في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مشدّدا في ذلك. وله عدّة تصانيف جليلة في الفقه وغير ذلك وشهرته تغني عن مزيد التعريف به. ومولده سنة ٧٤٢. [رجب] [مسير مراكب الغزو إلى قبرس] وفي رجب تجهزت مراكب الغزاة للسفر للجهاد، وعيّن السلطان عدّة من الأمراء، فجعل باش البرّ تغري بردي المحمودي رأس نوبة النّوب، ومقدّم عساكر البحر ورأس باشهم إينال الجكمي أمير مجلس، وعيّن تغري برمش ومراد خجا، وآخرين منهم إينال الأجرود الذي تسلطن بعد ذلك، وسودون اللكاشي، وجانم المحمدي، ويشبك الشادّ. وكانت هذه الغزوة التي همّ بها السلطان هي غزوة قبرس الكبرى التي فيها فتحت قبرس، كما سيأتي. وكان السبب فيها أنه بلغ السلطان أن جينوس صاحب قبرس بعث قصّاد (٢) إلى ملوك الفرنج يشكوا (٣) ما جرى عليه من سلطان مصر، ويطلب أن ينجدوه (٤). واتخذ عدّة مراكب ليغزو بها الإسكندرية تأسّيا بأبيه، وبلغ السلطان هذا، / ٥٨٨ / فاهتمّ في إنشاء أصطول عظيم همّة قويّة حتى تكامل ذلك بجميع السواحل حتى
следующие страницы →