← История

История · id 17097

نيل الأمل في ذيل الدول

عبد الباسط الملطي

Полный текст (3 142 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

وترك من الذهب النقد خمسون (١) ألف دينار. وكان ظالما، غير موصوف بخير. [إمرة السلاح] وفيه قرّر يشبك الساقي الأعرج في إمرة سلاح عوضا عن إينال المذكور (٢). [البهلوان الأعجمي] وفيه نصب رجل أعجميّ حبلا بمنارتي السلطان حسن وأظهر من البهلوانية ما يتعجّب منه. وكان قبله في الشهر الماضي لعب بهلوان جركسي، وجلس السلطان له لرؤيته، فنصب حبلا من مادنة (٣) حسن إلى الأشرفية من القلعة، ومشى عليه وأظهر أنداب (٤) غريبة يتعجّب منها إلى يومنا هذا. وفعل إنسانا (٥) آخر من أهل مصر مثله وزاد عليه، فعدّوا من النوادر في أمورهم (٦). [وفاة التاج بن المكلّلة] [١٦٠٧]- وفيه مات التاج بن المكلّلة (٧)، محمد بن أحمد بن علي، ويعرف أيضا بابن جماعة، محتسب القاهرة. [وفاة صوفيّ بالأشرفية] [١٦٠٨]- وفيه مات إنسان من صوفية الأشرفية وخلّف موجودا جمّا، فوضع العلاء الروميّ يده على ذلك، فبلغ السلطان ذلك، وبلغه عنه أشياء أخر حنق منها عليه، فصرفه عن مشيخة الأشرفية (٨). [مشيخة الأشرفية] وفيه طلب شيخنا العلامة الجمال محمد بن الهمام، وخلع عليه بمشيخة الأشرفية، عوضا عن العلاء الروميّ، ولم يكن من الشيخ سعي في شيء من ذلك، بل ولا كان على ماله فإنه كان يدرّس بقبّة الصالح، فطلبه السلطان لما ذكرناه (٩).

стр. 1332

[وفاة السراج الطواقي] [١٦٠٩]- وفيه مات العلاّمة السراج، قارىء «الهداية» (١) عمر بن علي بن فارس الطواقي، الحنفيّ. وكان قد / ٥٨٦ / انتهت إليه رياسة مذهبه بمصر لعلمه ودينه وخيره، وكان بارعا في الفقه والأصول والعربية، مشاركا في الفنون، معتصرا في أموره، جميل السيرة، حسن الطريقة. وكان من تلامذة العلاء السيرامي، وهو الذي نعته بقاري الهداية، فإنه كان عند العلاء سراجين (٢)، فمن هذا عيّن ذلك بهذا اللقب، وكان له يد في النظم والنثر، متورّعا عن الكتابة على الفتوى إلاّ في النادر. وأناف على الثمانين. [مشيخة الشيخونية] وفيه قرّر في مشيخة الشيخونية الزين التفهني وطلبها بنفسه، وهو قاضي القضاة، فأجابه السلطان إلى ذلك، ولما صعد القلعة وخلع عليه بها ظن أنها أضيفت إلى القضاء فما هو إلاّ [أن] (٣) خرج من بين أيادي السلطان طلب السلطان البدر العيني وخلع عليه بوظيفة القضاء عوضا عن التفهني، فسقط في يد التفهني وندم (٤). [واقعة حارة الجودرية] وفيه كانت كائنة الحارة الجودرية (٥)، وهي أنه بلغ السلطان ممّن وشى إليه بأنّ جانبك الصوفي مختف بها، فأركب جماعة من الجلبان من مماليكه متقلّدين السيوف حتى طرقوا الحارة المذكورة وأحاطوا بها من جميع جهاتها، وفتّشوا جميع دورها، وحصل على الناس السكان بها من الضرر مالا عنه مزيد. ولم يعثروا بجانبك ولا وجدوه، وقبض على إنسان يقال له فخر الدين بن المزوّق، وكان بينه وبين جانبك صهارة، فضرب

стр. 1333

بالمقارع ونفي، ونودي بإخلاء ديار الجودرية فأخليت ودامت مدّة خالية، ولله الأمر (١). [ارتفاع الأسعار] وفيه ارتفع سعر المغل بعد الانحطاط (٢). [جمادى الأول] [قضاء الشافعية] وفي جمادى الأولى باشر الحافظ ابن (٣) حجر قضاء الشافعية بغير معلوم، فإنه جعل ما يتحصّل من معلومه للسلطان سنة، فحيا السلطان لنفسه (٤). [اهتمام السلطان بأمر قبرس] وفيه اهتمّ السلطان لغزو قبرس، وكانت الحركة لذلك قبل هذا الشهر من أوائل السنة، بل من السنة الماضية أيضا، لكن كان الاهتمام قد اشتدّ في هذا الشهر (٥). [وصول رسول القسطنطينية] وفيه وصل رسول صاحب القسطنطينية بهدية إلى السلطان ومكاتبة يشفع فيها في صاحب قبرس بأن لا يغزوه السلطان (٦). [جمادى الآخر] [وفاة الشريف أمير مكة] [١٦١٠]- وفي جمادى الآخر مات السيد الشريف حسن بن عجلان (٧) بن رميثة الحسني أمير مكة. / ٥٨٧ / وقد أناف على الستين سنة. ومات بالقاهرة بعد أمور وخطوب جرت عليه.

стр. 1334

[وفاة قاضي قضاة المالكية] [١٦١١]- وفيه مات قاضي القضاة المالكية، الجمال البساطي (١)، يوسف بن خالد بن نعيم بن مقدّم بن حسن بن غانم بن محمد بن علي الطائيّ، المالكيّ. وكان عالما، فاضلا، عارفا بفقه مذهبه، مشاركا في الفنون، حسن السيرة في قضائه. ومات مصروفا عن القضاء وله ثمان وثمانين (٢) سنة. [قضاء الحنابلة بمصر] وفيه قرّر في القضاء الحنبلية بمصر ابن الفرّاء البغداديّ، الشيخ عزّ الدين عبد الرحمن بن علي، عوضا عن المحبّ بن نصر الله، بعد صرفه لشيء نسب إلى ابنه وأخيه (٣). [خروج العشران للجهاد] وفيه قدم طوائف من عشران الشام وعسكرها للخروج للجهاد (٤). [عرض المجاهدين] وفيه عرض السلطان المجاهدين وجلس بالدكة من الحوش وانفق فيهم، وكان لهم يوما مشهودا (٥). [وفاة الجمال السّمرقندي] [١٦١٢]- وفيه مات الجمال السمرقنديّ (٦)، يوسف الحنفي، قاضي حلب. وكان فاضلا، مع إعجاب بنفسه.

стр. 1335

وذكر بعضهم وفاته في هذه السنة، وما عيّن شهره، ولعلّه هذا. وأعيد ابن أمين الدين إلى قضاء حلب بعده، وكان هو قد أخذ عنه. [وفاة التقيّ الحصني] [١٦١٣]- وفيه مات الشيخ الصالح التّقيّ الحصني (١)، أبو بكر بن محمد بن عبد المؤمن بن عبد الله الدمشقي الشافعيّ. وكان من أجلّ فقهاء الشافعية، وله علم وعمل وصلاح مشهور، وخير وعفّة وديانة، بل كان من الأولياء. وكان دائما في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مشدّدا في ذلك. وله عدّة تصانيف جليلة في الفقه وغير ذلك وشهرته تغني عن مزيد التعريف به. ومولده سنة ٧٤٢. [رجب] [مسير مراكب الغزو إلى قبرس] وفي رجب تجهزت مراكب الغزاة للسفر للجهاد، وعيّن السلطان عدّة من الأمراء، فجعل باش البرّ تغري بردي المحمودي رأس نوبة النّوب، ومقدّم عساكر البحر ورأس باشهم إينال الجكمي أمير مجلس، وعيّن تغري برمش ومراد خجا، وآخرين منهم إينال الأجرود الذي تسلطن بعد ذلك، وسودون اللكاشي، وجانم المحمدي، ويشبك الشادّ. وكانت هذه الغزوة التي همّ بها السلطان هي غزوة قبرس الكبرى التي فيها فتحت قبرس، كما سيأتي. وكان السبب فيها أنه بلغ السلطان أن جينوس صاحب قبرس بعث قصّاد (٢) إلى ملوك الفرنج يشكوا (٣) ما جرى عليه من سلطان مصر، ويطلب أن ينجدوه (٤). واتخذ عدّة مراكب ليغزو بها الإسكندرية تأسّيا بأبيه، وبلغ السلطان هذا، / ٥٨٨ / فاهتمّ في إنشاء أصطول عظيم همّة قويّة حتى تكامل ذلك بجميع السواحل حتى

стр. 1336

بلغت عدّة المراكب زيادة على الماية. وسار في هذا الشهر الأمراء بالمراكب، وتتابع سفر الباقين، وكانوا أرسالا شيئا فشيئا، حتى كمل سفر الجميع في هذا الشهر (١). [نظارة الدولة] وفيه قرّر عبد العظيم بن صدقة الأسلميّ كاتب إبراهيم الدوادار في نظر الدولة. وكانت الوظيفة شاغرة من مدّة عن الصاحب كريم الدين بن كاتب المناخ (٢). [منع التعامل بالذهب الإفرنتي] وفيه نودي بمنع الناس من المعاملة بالذهب الإفرنتية (٣). وكان قد نودي بذلك قبل هذا، لكن ما أمكن الناس عن ذلك على عادة المصريّين في مخالفة الولاة لعلة ثبات الولاة على ما يأمرون به، فأعيدت المناداة، وأمروا بأن يقطع (٤) الدنانير هذه وتحمل إلى دار الضرب ليضرب (٥) أشرفية بصكّة الإسلام (٦). [كسر مراكب للغزاة] وفيه قدم الخبر بأنّ أربعة من مراكب الغزاة قد انكسرت، وغرق منها نحو العشرة أنفار، فانزعج السلطان من ذلك، وكاد أن يبطل الغزو، وتطيّر كثير من الناس حتى سكّن البدريّ من جأش (٧) السلطان، وصرف نفسه عن النظر، بل قال له: إنّ ما كان في أوله كسر كان فألا بأنّ في آخره جبر، حتى ثبت على ما كان عليه. وبعث جرباش قاشق لكشف الخبر والعمل بما يقتضيه رأيه في سير المراكب أو عودهم، فخرج ولمّ شعث ما تكسّر من المراكب، واقتضى رأيه سفر الكلّ، فساروا في أمن وسلامة. وكان من أخذ قبرس ما ستعرفه (٨). [شعبان] [الغزوة الكبرى إلى قبرس] وفي شعبان وصل الخبر بأنّ طائفة من الفرنج في أربعة مراكب كانوا يترصّدون خروج المسلمين من رشيد إلى الإسكندرية، فالتقوا مراكب الفرنج، وحصل بينهم قتال،

стр. 1337

وتلاحق بهم مراكب المسلمين، فولّى الفرنج الإدبار، واستشهد من المسلمين عدّة عشرة أنفار، واجتمع (١) مراكب المسلمين بالإسكندرية، ثم أقلعوا سايرين إلى جهة قبرس فوصلوا إلى اللمسون في أخريات رمضان . فبلغهم أنّ صاحب قبرس قد استعدّ لهم في خمسة آلاف فارس وسبعة آلاف راجل. / ٥٨٩ / ثم استولوا على اللمسون، وأخذوا قرية بقربه بالأمان، وحملت لهم منها الضيافات. ثم عيّنوا قاصدا إلى صاحب قبرس وراسلوه بأن يدخل تحت الطاعة ليؤمّنوه على نفسه وبلاده وجنده وأولاده، وإلاّ ساروا إليه وفعلوا به وببلاده ما يفعل بالأعداء فلما وصل إليه القاصد أخذته حميّة الجاهلية، فأمر بقتله، فقتل شهيدا، وأحرق بالنار. فلما بلغهم الخبر (٢) تهيّوا (٣) له (٤). وكان ما سنذكره. [وفاة ابن كاتب الشمس] [١٦١٤]- وفيه مات ابن (٥) كاتب السمسرة (٦)، محمد بن عبد الله بن محمد العمري، عن نحو سبعين سنة. وكان فاضلا، ماهرا في صناعة الإنشاء. باشر توقيع الدّست ونيابة كتابة السرّ. [قياس النيل] وفيه كانت القاعدة في النيل أربع أذرع وسبعة أصابع، وهي من أقلّ القواعد (٧). [رمضان] [وفاة الأتابك قجق] [١٦١٥]- وفي رمضان مات الأمير الكبير الأتابك قجق الشعباني (٨). وكان غير مشكور.

стр. 1338

[تقرير الأتابكية] وفيه قرّر في الأتابكية يشبك الساقي الأعرج عوضا عن قجق، وقرّر في مقدّمة قرقماس برد بك أمير اخور ثاني، وقرّر في طبلخاناة برد بك يشبك أخو السلطان (١). [وفاء النيل] وفيه في أول مسرى كان النيل على ثلاث (٢) عشرة ذراعا، وأربع أصابع، وهو ممّا يندر وقوعه في أول مسرى، هذا مع كون القاعدة كانت أربع أذرع، ونقص أصابع كما تقدّم (٣). [وفاة الشهاب القطوي] [١٦١٦]- وفيه مات الشهاب، أحمد بن محمد بن مكنون المنافي (٤)، القطويّ، الشافعيّ. وكان فاضلا عرف الفرائض، وولي قضاء قطيا وغزّة ودمياط. ومولده سنة تسع وسبعين وسبعماية. [فتح جزيرة قبرس] وفيه وصل الخبر بأخذ المسلمون (٥) جزيرة قبرس ومدينتها العظمى المسمّاة الأفقسية وأسر جينوس ملكها بعد حرب شديدة كانت بين المسلمين وبينه، وكان في خيول كثيرة أذلّها الله تعالى وأعزّ الإسلام مع قلّة العسكر بالنسبة إلى جيش الكافر، وانجلت الحرب عن أسر جينوس المذكور وانهزام جيوشه مع جيوش أخر جاءت في البحر، وانهزموا، وتبعهم المسلمون يقتلون ويأسرون ويغنمون الأموال حتى وصلوا إلى الأفقسيّة ودخلوها وملكوها، واحتووا على قصر الملك، ونهبوا جانبا من المدينة وأقاموا بها يومين بعد أن أقاموا بها شعائر الإسلام عادوا إلى جهة البحر لمدينة الملاّحة. وبعث أهل الماغوصة إليهم يطلبون الأمان، وأنهم واصلون عن قريب. فلما سمع السلطان بهذا

стр. 1339

الخبر سرّ سرورا زائدا وأمر بالبشائر فضربت بالقلعة، ونودي بزينة القاهرة بشارة بهذا الفتح، وقرىء الكتاب الوارد بالبشارة بالمدرسة الأشرفية (١). [ملاقاة المراكب العائدة من الفتح] / ٥٩٠ / وفيه انتدب السلطان جماعة من المماليك يسيروا إلى دمياط لملاقاة مراكب الغزاة يحفظونها حتى يوقفوها (٢) بميناء الإسكندرية (٣). [تقرير بركات بإمرة مكة] وفيه وصل الشريف بركات بن حسن بن عجلان فقرّر في إمرة مكة عوضا عن أبيه بحكم موته، وألزم بالقيام بما تأخّر على أبيه، وهو مبلغ خمسة وعشرين (٤) ألف دينار، وألزم بركات بحمل عشرة آلاف دينار في كل سنة، وأن لا يتعرّض لعبور جدّه المأخوذة من التّجار من أهل الهند وغيرهم (٥). [عودة الغزاة من قبرس] وفيه لما منّ الله تعالى على المسلمين بفتح قبرس وملك الأفقسيّة والاستيلاء على الغنائم والأسرى، وقع التشاور بين الأمراء هناك، هل يقيمون ويبعثون إلى السلطان يطالعونه بما يفعلون أو يعودون بما معهم من الملك والغنائم. ثم إذا أمرهم السلطان بالعود عادوا، فقوي عزمهم على العود، فركبوا مراكبهم عائدين بعد أن أقاموا الجمعة بالأفقسية وأقاموا شعائر الإسلام في تلك النواحي (٦). [ختم البخاري] [وفيه] (كان ختم البخاري بالقلعة بين يدي السلطان، وحضرة عدّة من القضاة وأعيان الدولة وغيرهم من القرّاء، واتخذ السلطان لهم حلقة، فكان القضاة سبعة،

стр. 1340

والشيوخ خمسة عشر. لما خلع بسعي العيني، وهي أول سنة كان أداء ذلك) (١). [شوال] [وصول الغزاة] وفي شوّال كان ابتداء دخول الغزاة، فقدم منهم في أوله جماعة منهم في البرّ والبحر. [وفاء النيل] وفيه في خامس عشر مسرى كان وفاء النيل وفتح الخليج على العادة (٢). [دخول الغزاة القاهرة بالأسرى] وفيه كان دخول الأمراء الغزاة إلى القاهرة ومعهم جينوس صاحب قبرس وولده وابن (٣) أخي ملك الكيتلان، وكان قد جاء نجدة لصاحب قبرس. وكان لدخولهم إلى القاهرة يوما مشهودا أعزّ الله فيه الإسلام وأهله، وأذلّ الكفر وأهله. وأقيم الموكب بالقلعة وصعد الأمراء وصاحب قبرس بين يديهم هو وولده وابن أخي ملك الكيتلان في القيود على بغال عرج، والأسرى مشاة في السلاسل وبعض منهم مطلقون، والغنائم محمولة على روس (٤) الرجال وظهور الحمير والبغال والجمال، وأعلام الملك منكّسة، وتاجه منكوس وجعله يقاد من وراء الغنائم. وكانت الأسرى زيادة على الألف إنسان وجينوس وخاصّته وراء الجميع. ثم أنزل على باب القلعة، وأدخل إلى بين يدي السلطان وهو مكشوف الرأس، فألبس السلطان الأمراء الخلع وشكرهم على فعلهم، ثم عرض الغنائم، ثم جيء إليه بجينوس في قيوده، فخرّ على وجهه، فقبّل الأرض ثم قام وقد خارت قواه، فلم يتمالك نفسه وسقط إلى الأرض مغشيّا عليه لهول ما رآه، هذا وقد حضر عند السلطان عدّة قصّاد منهم / ٥٩١ / رسل ابن (٥) عثمان، ورسل صاحب تونس، ورسل أمراء التركمان، ورسل نواب البلاد، ورسل ابن (٦) نعير عدرا أمير العرب، وصاحب مكة الشريف بركات، فكان اجتماع هؤلاء في هذا اليوم من غرائب الاتفاقات النادرة. وأنزل جينوس بمكان أعدّ له، وجرت منه وله وعليه أمور يطول الشرح في ذكرها آلت إلى المنّ عليه والتزامه بمال كبير وهي مايتي (٧) ألف دينار، وأن يكون نائبا عن السلطان بقبرس يحمل في كل سنة عشرين ألف دينار، وهي من الصوف ألفي (٨) ثوب.

стр. 1341

وشرط على السلطان أن يكفّ عنه الكيتلان والبنادقة، وشروط (١) أخر أجيب إلى ذلك. وجهّز بعد ذلك بمدّة وأعيد إلى بلاده بعد أن خلع السلطان عليه، وأركبه من خيله، وبعث به إلى الإسكندرية ليشاهدها، فدخلها في يوم مشهود، ورأى بها أمرا مهولا حتى تعجّب كيف أخذها والده، وأخذ الله تعالى بثأر الإسكندرية من ولد من كان قد أخذها. وكانت هذه الغزوة من الغزوات المشهورة ارتفع بها حرمته ملك (٢) مصر وعظم قدره زيادة. وصارت تذكارا للأشرف. وعمل فيها الأدباء الأشعار الكثيرة، بل ودوّنت سيرة في مجلّد، وبلغ خبرها أقطار الأرض. وعلّق تاج جينوس بداخل باب الأشرفية، وهو باق إلى يومنا هذا، ولله الحمد والمنّة (٣). [بيع الغنائم للتجار] وفيه جمع التجار ليبتاع عليهم ما حضر من الغنيمة، وأبيع ذلك، وحمل ثمنه إلى الخزائن السلطانية بعد ما كان قد عزم السلطان على أن يقسّم ذلك بالقسمة الشرعية، ثم انثنى عزمه عن ذلك. وكان ممّن أحضر في هذا السبي جماعة منهم: بردبك الذي صار مدبّر دولة الأشرف إينال وآخرين (٤)، وأسلم منهم جماعة، وحسن إسلامهم، وصار منهم أهل علم وخير وديانة، منهم موجودون إلى الآن (٥). [إمرة مكة] وفيه سار الشريف بركات إلى مكة على إمرتها (٦). [تقرير أمراء] وفيه خلع على إينال الجكميّ أمير مجلس، وقرّر في إمرة سلاح عوضا عن يشبك، وكانت شاغرة من منذ ولي الأتابكية. وخلع على جرباش قاشق بإمرة مجلس.

стр. 1342

وخلع على قرقماس بحجوبية الحجّاب (١). [قدوم ابن نعير إلى القاهرة] وفيه قدم إلى القاهرة أمير العرب عذرا بن نعير، وكان لامير الملامدة لم يدخل القاهرة، فدخلها هذا وأكرم (٢). [إمرة المدينة المنوّرة] وفيه قرّر في إمرة المدينة المشرّفة الشريف خشرم الحسني (٣) عوضا عن عجلان بن نعير. [ذو القعدة] [وفاء الشيخ اليمني] [١٦١٧]- وفي ذي قعدة مات / ٥٩٢ / أحد المشايخ الصوفية بزبيد، الشيخ أبو عبد الله، محمد بن أحمد بن أبي القاسم اليمني، الزّجاجيّ (٤). وكان متقدّما عند صاحب اليمن الأشرف إسماعيل وولده من بعده الناصر. وكان حسن الوساطية. مات عن ستّ وسبعين سنة. [قدوم ابن حجي إلى القاهرة] وفيه قدم ابن (٥) حجّي نجم الدين من دمشق، وكان قد بعث يسعى في حضوره حتى أجيب إليه. وكان مقيما بدمشق من منذ عزله من كتابة السرّ وإخراجه من مصر (٦). [نهب المدينة النبوية] وفيه وقعت حادثة شنيعة، وهي نهب المدينة النبوية، على ساكنها أفضل الصلاة

стр. 1343

والسلام. وكان لما بلغ عجلان عزله عن إمرتها، وولاية خشرم خرج منها راحلا عنها، ودخلها خشرم، فلم يلبث غير ليلة حتى صبّحه عجلان ومعه أحلافه وجموعه من العريان فنهبوها وأخربوا مواضع من سورها، وأخذوا ودائع كانت بها للحاج، وقبضوا على خشرم، ثم خلّوه لسبيله، وأهانوا حرمة المسجد النبويّ، ووقع منهم عظائم، وجريات، ولله الأمر (١). [فشل مساعي ابن حجّي بقضاء مصر] وفيه أخذ النجم ابن (٢) حجّي يسعى بجهده في قضاء مصر، وانتمى إلى جانبك الدوادار وهو الذي كان السبب في إخراجه قبل ذلك، ومن جملة برهانه أنه استدعى بديوان خطب قبل أن يستهلّ ذي الحجّة فحفظ خطبة عيد النحر بجدّ منه، فإنه ربّما ولّي خطبة، فربّ، فيكون سيقرأ الخطبة العيد (٣) بالسلطان وهيّأ أشياء أخر تتعلّق بالقضاة، ثم لم يتمّ (له) (٤) ذلك. [ذو الحجة] [قدوم نائب حلب] وفي ذي حجّة قدم جار قطلوا نائب حلب، فأكرمه السلطان، وخلع عليه (٥). [ثبات ارتفاع النيل] وفيه دخل هاتور وماء النيل في ثبات جيد لم يعهد مثله إلاّ قليلا، فإنه كان في تسعة عشر ذراعا (٦). [قدوم قاضي دمشق إلى القاهرة] وفيه قدم السيّد الشريف شهاب الدين أحمد بن علي بن إبراهيم الحسني الشافعي، قاضي دمشق، وأحضر معه من الهدايا للسلطان ولأرباب دولته ما يستكثر رجاء أن يبقى على قضائه، ومع ذلك فلم يبق، وولّي ابن (٧) حجّي على ما سيأتي (٨).

стр. 1344

[وفاة الشمس الهروي] [١٦١٨]- وفيه مات العلاّمة قاضي القضاة، وكاتب السرّ الشمس الهرويّ (١)، محمد بن عطاء الله بن محمد بن محمود بن أحمد بن فضل الله بن محمد الرازيّ الأصل، الشافعيّ، الحنفيّ. وكان عالما فاضلا، عارفا بالفنون، مقريء مذهبي الشافعي وأبي حنيفة، إلاّ أنه كان يعتقد مذهب الشافعي. وكان بارعا في المعاني والبيان، / ٥٩٣ / عارفا بالعربية، متراكدا بالأدب والتاريخ، سيما تواريخ العجم، يستحضر الكثير من الأحاديث، بل كان محدّثا، وكان له وصلة بتمرلنك. ثم قدم إلى هذه البلاد، وجرت له وعليه أمور. وولي عدّة وظائف جليلة، منها تدريس الصلاحية بالبيت المقدس، والقضاء الأكبر بمصر غير ما مرة، وكتابة السرّ. ومولده بهراة سنة سبع وستين وسبعماية. [إزالة رنوك الأمراء] وفيه نودي بمنع الأمراء والأعيان من الحمايات، ومحيت رنوك من كان له حماية من الطواحين والدكاكين وغيرها. وإنما فعل ذلك للتمكّن من طرح البضائع من جهة السلطان على المسبّبين، ولله الأمر (٢). * * * [حوادث هذه السنة لا فى شهر معين] [قتل ابن دلغادر] [١٦١٩]- وفيها - أعني هذه السنة - كان قتل علي بك بن خليل بن دلغادر على يد جار قطلوا نائب حلب. وكان خرج إليه بعساكره إلى عينتاب وكبس عليه وقتله، وأراح الله تعالى العباد والبلاد من شرّه وفساده (٣).

стр. 1345

[سجن ابن قرايلك بالقاهرة] وفيها أحضر هابيل بن قرايلك أسيرا إلى القاهرة، وسجن بها حتى مات بعد ذلك بالطاعون في سنة ثلاث وثلاثين وثمانماية (١). [نيابة صفد] وفيها استقرّ مقبل الرومي في نيابة صفد عوضا عن إينال الخزندار، وكان قد خامر هو وأخوه، فتحيّل مقبل عليهما حتى قبضهما وقتلاه (٢). [تضرّر الناس من رمايات السلطان] وفيها كانت الرمايات من جهة السلطان كثيرة بحيث حصل على الناس الضرر من ذلك، سيما حرصا به أثمانها، وتسلّط الأعوان على الناس بسبب ذلك، ولله الحمد (٣).

стр. 1346

سنة ثلاثين وثمانماية [محرّم] [عودة نائب حلب إلى نيابته] في محرّم سافر جار قطلوا نائب حلب عائدا إلى حلب على عادته (١). [نفي أزدمر إلى حلب] وفيه أخرج أزدمر شايا أحد مقدّمي الألوف منفيّا على إمرة بحلب. وكان من أقبح الناس سيرة يرمى بالعظائم (٢). [وفاة قشتمر المؤيّدي] [١٦٢٠]- وفيه مات قشتمر المؤيّديّ (٣) الذي نائبا بالإسكندرية، ثم أخرج إلى حلب على إمرة بها. وقتل في كائنة بين التركمان، وكان غير مشكور. [قضاء دمشق] وفيه أعيد النجم ابن (٤) حجّي إلى قضاء دمشق وخلع عليه بذلك، وصرف الشريف شهاب الدين، وزادت العداوة بينهما فسبّب في قتله غيلة على ما سيأتي. [بيع الفلفل بالإسكندرية] وفيه (٥) / ٥٩٤ / كان بداية أمر بيع الفلفل على تجار الفرنج بالإسكندرية بالقيمة

стр. 1347

الزائدة، وصار ذلك مصطلحا دام واستمرّ، زاد فيه الحال بعد ذلك (١). [أهل الذمّة] وفيه ألزم أهل الذّمّة بأشياء حرجة، ثم لم يتمّ ذلك (٢). [الزلزلة بجزيرة درخت] وفيه كانت زلزلة بجزيرة درخت المجاورة لهرمز من البحرين، فخسفت بدار القاضي وببعض إصطبل سلطان تلك الجهة وانفرج جبل بالقرب منهم عن فيران كبار جدّا في قدر الكلاب، وما سمع بأغرب منها (٣). [وفاة الفتح ابن الشحنة] [١٦٢١]- وفيه مات الفتح ابن (٤) الشحنة (٥)، عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن محمود بن غازي بن أيوب بن محمود بن خلف الثقفيّ، الحلبيّ، الحنفيّ، ثم المالكيّ، أبو البشرى، أخو العلاّمة المحبّ. وكان أصغر سنّا من المحبّ، وله فضل وعلم وبراعة، وولي القضاء المالكية بعد ذلك. ومولده سنة ثلاث وخمسين وسبعماية. وسمع على الظهير بن العجمي، وابن الصابوني، وآخرين. [وفاة البدر القلقشندي] [١٦٢٢]- وفيه مات البدر القلقشنديّ (٦)، محمد بن محمد بن محمد بن إسماعيل بن علي القرشيّ، الشافعي، أمين الحكم. وكان عالما، فاضلا، عارفا بالفرائض والحساب والجبر والمقابلة، مع قصر باع في العربية. ومولده سنة اثنين (٧) وأربعين وسبعماية.

стр. 1348

[وفاة النور القمني] [١٦٢٣]- والنور القمنيّ (١) علي بن عبد الرحمن الشافعي. وكان من أهل الفضل والعلم، محدّثا، وولي درس الحديث بالبرقوقية. وقرّر عوضه فيها الشمس القاياتي. [وفاة ابن الضياء الصاغاني] [١٦٢٤]- وفيه مات أبو البركات ابن الضياء (٢)، محمد بن أحمد بن محمد بن محمد بن محمد بن سعيد الصاغاني، الهنديّ، المكي، الحنفيّ. وكان فاضلا بارعا، وله نظم، وسمع من النشاوريّ، وغيره. [عزل قاضي دمشق] وفيه عاد الشريف قاضي دمشق إلى بلده معزولا بعد أن غرم نحوا من ثلاثين ألف دينار، وألزم بحمل خمسة آلاف إردبّ. وكان ابن (٣) حجّي، وكانت غرامية أضعاف ذلك (٤). [صفر] [تدريس الصلاحية بالقدس] وفي صفر قرّر الشيخ شمس الدين البرماويّ الشافعيّ في تدريس الصلاحية بالبيت المقدس، عوضا عن الشمس الهرويّ. وكانت شاغرة منذ مات الهرويّ (٥). [استمرار سودون بنيابة دمشق] وفيه قدم سودون من عبد الرحمن نائب الشام إلى القاهرة، وقدّم للسلطان تقدمة فيها فرو وقماش يساوي ثلاثة آلاف دينار، ومع ذلك بين الذهب عشرة آلاف دينار أو فرنتية فخلع عليه بعد ذلك باستمراره على نيابته، وعاد إلى دمشق (٦).

стр. 1349

[قلّة اللحم] وفيه عزّ وجود اللحم بالأسواق، بل فقد أياما لكثرة المظالم (١). [قلّة الألبان والأجبان] وفيه قلّ وجود الألبان والأجبان، وغلا سعر الحطب حتى كان بمثلي قيمته، هذا، والوقت مظنّة وجود اللبن والجبن ورخاء سعرهما (٢). [انتشار الجراد إلى طرا] وفيه جاء جراد كثير سدّ الأفق وعمّ الجوّ لكثرته، وانتشر إلى ناحية طرا. / ٥٩٥ / وخاف الناس من غائلته، فإنه أضرّ ببعض الزروع. فبعث الله تعالى من فضله بريح مريسيّة فمزّقته وأهلكته عن آخره (٣). [ربيع الاول] [تفشّي الأمراض بالناس] وفي ربيع الأول كانت الأمراض من السعال والنزلات والجدري فاشية في الناس إلاّ أنها كان الغالب فيها السلامة، وتزول إلى الأسبوع، وكان الوقت شتاء (٤). [الوباء بصفد] وفيه قدم الخبر بفشاء الوباء بنواحي صفد (٥). [قراءة المولد النبويّ] وفيه كان المولد النبويّ بالقلعة، وكان الذي عمل في سماط المولد عشر كباش (٦) حتى عدّ من النوادر ليلة ذلك. [إطلاق سراح صاحب قبرس] وفيه أطلق جينوس صاحب قبرس وخلع عليه، وأركب فرسا وهو بالقماش الذهب والزركش، وأذن له بأن يركب إلى حيث يشاء، فصار يركب إلى مزارات النصارى وكنائسهم، وأقام مدّة في أرغد عيش حتى سافر إلى بلاده كما تقدّم ذلك (٧).

стр. 1350

[الرياح العاصفة] وفيه كانت رياح عاصفة جدّا وكثر هبوبها، وقدم الخبر بأنه غرق بسببها عدّة مراكب نحوا (١) من ثلاثة عشر (٢)، وهي كانت أشحنت بالبضائع من صيدا وبيروت، وقصدت دمياط، فذهبت (٣). [الدابّة البحرية] وفيه ورد الخبر أنّ البحر قذف بدابّة عظيمة مهولة الخلقة بشاطىء دمياط، ذرعت فكان طولها خمسا وخمسين ذارعا، وعرضها سبعة أذرع (٤). [وفاة الزاهد ابن عرب] [١٦٢٥]- وفيه كانت وفاة زاهد الوقت وعابده الوليّ، الصالح، سيدي أحمد بن إبراهيم بن محمد اليمنيّ، المعروف بابن (٥) عرب (٦). وكان من عباد الله الصالحين وحزبه المفلحين، وله كرامات، وكان زاهد أهل عصره، وأصله من اليمن، وولد لأبيه ببرصا من بلاد الروم، وكان مقيما بالخانقاه بالشيخونية، وله بها خلوة، وكانت أكثر إقامته بسطح الخانقاه. ونزل السلطان فحضر الصلاة عليه، وتقدّم في ذلك البدر العيني القاضي الحنفي، وحمل إلى الخانقاه، فدفن بقبر فهو في قبّتها، قد أعدّه الله تعالى له من مدّة سنين، حتى عدّ ذلك من كراماته، فإنّ القبر المذكور من عمل شيخو، وكان خاليا، وكان يعرف القراءات (٧). وذكر عنه أنه أقام زيادة على العشرين سنة لم يشرب الماء. وشهرته تغني عن مزيد ذكره، رضي الله تعالى ونفع به. [وفاة الشهاب المتبولي] [١٦٢٦]- وفيه مات الشهاب، أحمد بن موسى بن نصر المتبوليّ (٨) المالكيّ، موقّع عن الحكم، عن خمس وثمانين سنة.

стр. 1351

وسمع من جماعة منهم محمد بن أزبك، وعمر بن أميلة، وستّ العرب، وناب في الحكم. [وفاة الشهاب الزعيفريني] [١٦٢٧]- ومات الشهاب الزّعيفريني (١)، أحمد بن يوسف بن محمد الدمشقيّ، المالكيّ. الفاضل، الأديب، الكاتب. / ٥٩٦ / وكان فاضلا، يزعم أنه يعرف علم الحرف، وراج بذلك عند الأمير يشبك. ثم امتحن على يد الناصر فرج، وأمر بقطع لسانه وعقدتين من أصابعه بسبب جمال الدين الأستادار، فإنه كان صنّف له ملحمة من نظمه ذكر فيها أنه يتسلطن بمصر، وولده من بعده، وأوهمه بأنها عتيقة، قلما وكتابة، فإنه كان كتبها في ورق عتيق. ثم لما مات الناصر تكلّم فإن القاطع ترفّق به، وكتب بيده اليسرى، لكنه خمل بعد ذلك حتى احتاج إلى أن كتب إلى ابن (٢) الآدمي صدر الدين (بيتين قال فيهما) (٣): لقد كنت (٤) ... دهرا في الكتابة مفردا أصوّر منها أحرفا تشبه الدّرّا وقد عاد حالي (٥) ... اليوم أضعف ما ترى وهذا الذي قد يسّر الله لليسرا (٦) [فأجابه قاضي القضاة صدر الدين المذكور] (٧): لئن (٨) ... فقدت يمناك حسن كتابة فلا تحملن همّا ولا تعتقد عسرا وأبشر بيسر (٩) ... دائم ومسرّة فقد يسّر الله العظيم لك اليسرا (١٠) [هلاك بطرك النصارى] [١٦٢٨]- وفيه هلك بطرك النصارى اليعاقبة غبريال (١١).

стр. 1352

وكانت أيامه شرّ أيام مرّت بالنصارا (١). وأهين غير ما مرّة، ولقي الخطوب. وكان قليل الوضع والحرمة من أهل ملّته، محتقرا مطعونا فيه عندهم ما تقدّمه أخمل منه. [غلاء الشعير] وفيه غلا سعر الشعير جدّا (٢). [ربيع الثاني] [واقعة صاحب قشتالة مع أهل غرناطة] وفي ربيع الثاني وصل الخبر بكائنة الفنش (٣) صاحب قشتالة مع أهل غرناطة بالأندلس، وهي أن صاحب غرناطة أبو (٤) عبد الله محمد الأمير ابن (٥) السلطان أبي الحجّاج بن الأحمر (٦) ملك الأندلس اتّفق أنه خرج للتنزّه خارج غرناطة، فثار بحمرا غرناطة ابن عمّه (٧) محمد، وكان مسجونا بها، وملك غرناطة، فبلغ الأيسر، ففرّ إلى رنده وامتنع بها، وبلغ صاحب قشتالة ذلك فجمع جنده (٨) وسار قاصدا غرناطة، كما هو دأبه في أيام فترات السلاطين وشغلهم ببعضهم البعض، فخرج إليه القائم بغرناطة بجنوده وقاتله، فنصر الله المسلمين، وكانت وقعة هائلة قتل فيها من الكفّار ما شاء الله أن يقتل، وغنم المسلمون ما يجلّ الوصف عنه من الأموال. ولله الحمد (٩). [ضياع أحوال المدينة المنوّرة] وفيه عيّن السلطان بكتمر السعدي أحد الأمر العشرات للسفر إلى المدينة (المشرّفة) (١٠). وكانت الأخبار وردت بأنّ المسجد النبويّ قد ضاعت أحواله، وأنّ أكثر أهل المدينة نزحوا عنها / ٥٩٧ / خوفا على أنفسهم من منذ كانت الفتنة الماضي خبرها (١١). [التجريدة إلى حلب لفساد التركمان] وفيه أيضا عيّن السلطان ثمانية من مقدّمي الألوف يخرجوا (١٢) تجريدة إلى

стр. 1353

حلب. وكان قد ورد الخبر بفساد التراكمين بتلك النواحي، ثم بطل ذلك (١). [وفاة كافور الصرغتمشي] [١٦٢٩]- وفيه مات الطواشي كافور الصرغتمشي (٢)، زمام الدار. وقد قارب الثمانين، وله آثار حسان، منها المدرسة بحارة الديلم، والتربة بالصحراء، وغير ذلك، وخلّف مالا كثيرا. وكان مشكورا. [جمادى الأول] [نيابة حلب وطرابلس] وفيه عيّن قصروه نائب طرابلس لنيابة حلب عوضا عن جار قطلوا، وكتب بحضوره إلى القاهرة. وفيه قرّر جرباش الكريمي قاشق أمير مجلس في نيابة طرابلس عوضا عن قصروه (٣). [وصول رسول صاحب رودس] وفيه قدم رسول صاحب رودس يسأل السلطان الأمان وأن يعفى من تجهّز العسكر إليه، وكان قد بلغه أنّ السلطان في قصده غزوه كما غزى (٤) قبرس، وأنه تقدّم بما يراد منه، وأحضر الرسول هدية قوّمت بستماية دينار فيها أشياء مستطرفة (٥). [تقرير بطركية النصارى] وفيه أحضر راهب بدير شعران من طرا يقال له ميخائيل، فقرّر في بطركية النصارى اليعقوبية، عوضا عن غبريال الهالك الماضي خبره (٦).

стр. 1354

[جمادى الآخر] [رأس النوبة الكبرى] وفيه خلع على أركماس الظاهريّ، وقرّر في الرأس نوبة الكبرى عوضا عن المحمودي. وقرّر في تقدمة أركماس قانباي البهلوان أحد الطبلخانات (١). [وفاة البدر البشتكي] [١٦٣٠]- وفيه مات البدر البشتكي (٢)، محمد بن (٣) إبراهيم بن محمد الدمشقيّ الأصل، الشافعيّ، الربعيّ، بل الظاهريّ. وكان فاضلا عالما، بارعا في الأدب، حسن النظم جدّا، حسن الخط كتب بخطّه ما يتعجّب منه كثرة. وكان نزه النفس، حادّ المزاج، شديد التمسّك بمذهب ابن حزم الظاهري. مات فجأة بحوض الحمّام. ومولده سنة ثمان وأربعين وسبعماية. [رجب] [الموكب السلطاني] وفي رجب أقيم الموكب السلطانيّ، وكان حافلا جدّا. وصعد قاصد ملك الروم ابن (٤) عثمان، ومعه هديّة جليلة، ويستأذن السلطان في الحجّ (٥). [وفاة حاجب الحجّاب] [١٦٣١]- وفيه مات حاجب الحجّاب بحلب، عمر بن طرخان (٦) بن شهري. وكان من الأعيان الأكابر. [شعبان] [قراءة الحديث الشريف بالقلعة] وفي شعبان ابتديء بقراءة الحديث الشريف بالقلعة بالقصر على العادة التي

стр. 1355

استحدث (١)، وأمر السلطان أن لا يحضر أحد من القضاة المعزولين، وأن لا يبحث أحد ممّن حضر في حال القرّاء لكونه مجلس سماع لا مجلس بحث، وكان يقع بينهم، فما جني من الأشياء / ٥٩٨ / التي لا يليق ما لا يعبّر عنه (٢). [أمر القضاة بعزل نوّابهم] وفيه أمر السلطان القضاة بعزل نوّابهم للكثرة، وأن يقتصر الشافعي على عشرة، والحنفي والمالكي كلّ منهما على ثمانية، والحنبلي على خمسة أو ثلاثة، ثم لم يتمّ ذلك (٣). [تعيين كبير القرعان] وفيه وقعت حادثة فظيعة، وهي أنّ إنسانا من الجراكسة اتفق أن كشفت رأسه بين يدي السلطان، فإذا هو أقرع، فسخر منه من حضر من الجراكسة، فسأل السلطان أن يجعله كبير القرعان واليا عليهم، فأجيب إلى ذلك، وكتب بيده مرسوم سلطاني (٤) بذلك، وخلع عليه، فنزل وأخذ يعرض على الناس ممّن به قرع برأسه ضرائب على المسلم والنصراني واليهودي، وصار يكشف روس (٥) الناس في الملأ العام، فمن وجده أقرع (٦) أخذ منه شيء (٧)، ولم يتحاش عن كشف رأس أحد، حتى الأمراء، وأخذ من بعضهم عشرة دنانير عن نفسه. وزاد الحال في ذلك فبلغ السلطان، فنادى بالقاهرة، معاشر القرعان، لكم الأمان. وكان هذا من أشنع الحوادث، وبالله المستعان (٨). [ازدياد الرخاء] وفيه زاد الرخاء جدّا حتى أبيع كل أربعة أرادب شعير بدينار [و] أقلّ، والفول كلّ ثلاثة بدينار، والقمح كلّ إردبّين. وفي الأرياف أكثر رخاء. وأقبلت الفاكهة والخصب إقبالا زائدا على المعهود (٩). [وفاة السراج ابن اللبّان] [١٦٣٢]- وفيه مات السراج عمر بن محمد بن اللبّان (١٠) المقرىء، ولد الشيخ شمس الدين المارّ في في محلّه.

стр. 1356

وكان سنّه نحو الثمانين سنة، وقد أخذ عن أبيه، وانتفع به الناس في فنّه، وكان عالية في الشطرنج. [رمضان] [القضاء بمكة] وفي رمضان قرّر في قضاء مكة الجمال محمد بن علي المسمّى عوضا عن أبي السعادات بن ظهيرة بعد صرفه (١). [فتح المدرسة الخانكيّة] وفيه (٢) فتحت المدرسة الخانكية بالشارع وأقيمت بها الجمعة، وجاءت من أبهج المباني وأحسنها، ورتّب فيها شيخ تدريس الحنفية، وشيخ حضور بصوفية، وأوقف عليها جانبك أوقافا جيّدة (٣). [الاحتفال بعودة ناظر الجيش من حلب] وفيه وصل الزين عبد الباسط ناظر الجيش إلى القاهرة، وكان انتهى في سفرته إلى حلب، ورتّب عمارة سورها، وعمل به في يوم واحد بين يديه ألف ومايتا حجر (٤)، وعاد وقد فخم أمره، وبعد صيته، وانتشر ذكره، وصعد القلعة، فخلع السلطان عليه، ونزل في موكب حافل إلى داره بعد أن خرج جانبك الدوادار إلى لقائه وجماعة من الأمراء وسائر مباشرين (٥) الدولة والأعيان، وزيّنت له شوارع ممرّه، وجلس الناس لرؤيته. ثم بعد أيام حمل هدية للسلطان، وكان فيها / ٥٩٩ / من الخيول فقط مايتا فرس، ومن الثياب الفاخرة والحليّ والزركش واللؤلؤ وثياب الصوف والفرو من سمّور وغيره ما لا يعبّر عنه مما قوّم بعشرين ألف دينار. ثم فرّق في الأمراء والمباشرين هدايا جليلة، كلّ على حسب رتبته. ودخل إليه من التقادم ما لا يوصف وعظم قدره جدّا حتى صار هو المشار إليه في الدولة، بل مدبّرها، وعن رأيه (. . .) (٦) الناس حتى السلطان!. [وفاة أبي حامد الغزالي] [١٦٣٣]- وفيه مات أبو حامد الغزاليّ (٧)، محيي الدين محمد بن محمد بن

стр. 1357

محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد ابن الإمام أبي حامد محمد بن محمد الغزاليّ، الطوسيّ، الشافعيّ. وكان عالما فاضلا، خيّرا، ديّنا، كثير الأتباع والتلامذة، وكان تلامذته يعظّمونه ويصفونه بزهد وورع كثير، وعلم غزير. وحجّ غير ما مرّة. وسمع من عمر بن أبي أميلة وغيره، وكانت وفاته بحلب، وأخرجت جنازته حافلة جدّا مشهودة. [شوال] [محاربة السلطان العثماني لملك الروم] وفي شوّال ورد الخبر بحراب متملّك الروم السلطان مراد بن عثمان للكفّار الذين يقال لهم الأنكورس من طوائف الروم المتنصّرة، وأنه واقعهم فهزموه وقتلوا عدّة من عساكره (١). [زلزلة وخسف بالأندلس] وفيه وصل الخبر من جهة الإسكندرية بأنّ مدينة بلنسية من الأندلس المتغلّب عليها الفرنج في جملة ما تغلّبوا من البلاد الأندلسية قد وقع بها خسف عظيم وبما حولها نحو الثلاث ماية ميل، وهلك به خلق كثيرون، وأنّ مدينة برشلونة زلزلت زلزالا شديدا، ونزل بها صاعقة أهلكت من الخلق ما لا يحصون عدّا، وأنّ ملكها خرج بمن بقي من أهلها فارّين إلى ظاهرها، فحصل لهم وباء عام هلك منه خلق كثير (٢). [وفاء النيل] وفيه في ثاني عشرين (٣) مسرى كان وفاء النيل، ونزل محمد ابن (٤) السلطان لتحليق المقياس وفتح الخليج بين يديه على العادة، لكن لم يكن للناس من السرور والاجتماعات بمصر بمثل ما جرت به عوائدهم في ليالي الوفاء، لأنّ النيل كان (قد) (٥) توقّف حتى آيس منه لمجيئه الهيّن، حتى منّ الله تعالى بالوفاء على خلاف ما كان في الظنّ. وكان السلطان منع من تزيين الحراريق واجتماع الناس بشاطىء النيل لانتظار الوفاء، فانكفّوا عن ذلك، وتواترت تلك المفاسد والقبائح التي كانت تفعل هناك (٦).

стр. 1358

[فساد جلبان السلطان] وفيه، بل وفي الذي قبله، زاد شرّ جلبان السلطان وكثر عبثهم، وتعدّى فسادهم حتى إلى الحرم، ولله الأمر (١). [توقف زيادة النيل] [و] توقّف النيل من الزيادة بعد وفائه، بل ونقص شيئا، فقلق الناس وظنّوا ظنونا، / ٦٠٠ / وشحّوا بالغلال، وتوقّف خزّانها عن بيعها، وارتفع السعر، وتكالب بعض الناس على شرائها (٢). [وفاة التاج ابن بردس] [١٦٣٤]- وفيه مات التاج ابن (٣) بردس (٤)، محمد بن إسماعيل بن محمد بن بردس بن رسلان البعلبكّيّ، الحنبليّ. وكان والده محمد باق هو أيضا، وأسمعه والده أشياء كثيرة من ابن الخبّاز، وتفرّد به وسمع على أبيه وعلى آخرين منهم ابن (٥) الجوخي، وابن أميلة. وأجاز له جماعة، منهم العرضي، وابن نباتة، وحدّث، وانتفع به الرحّالة. وكان خيّرا ديّنا، كثير البشاشة. ومولده سنة ٧٤٨. [ذو القعدة] [قراءة القرآن لوفاء النيل] وفي ذي قعدة، في ليلة أوله، جمع السلطان القضاة والمشايخ والقرّاء عنده، وقرئت سورة الأنعام أربعين مرّة، ودعوا الله تعالى أن يجري النيل، وكان قد توقّف، بل ونقص ثلاثة أصابع، وتوقّع الناس المكروه (٦).

стр. 1359

[قتل ابن حجّي قاضي دمشق] [١٦٣٥]- وفيه، في ليلة ثانيه، قتل النجم عمر بن حجّي (١) الحسباني، الشافعي، قاضي دمشق، وكاتب سرّ مصر. وكان عالما فاضلا، لكنه كان قد أدخل نفسه في أشياء تعب من أجلها وتكالب على المناصب وحبّ الرياسة، وأغرم أموالا طائلة هائلة. وتولّى قضاة دمشق غير ما مرّة، وكتابة سرّ مصر، وعادى الناس، فنقب عليه بستان له، ودخل إليه منه فذبحه، ولم يعلم من فعل به ذلك، واتّهم الشريف قاضي الشافعية. وكان ابن (٢) حجّي أسمع من جماعة، منهم ابن (٣) أميلة، وغيره. ومولده سنة سبع وسبعين وسبعماية. [نيابة ملطية] وفيه قرّر قانباي البهلوان في نيابة ملطية على ما بيده من التقدمة بمصر لتكون عونا له على قتال التركمان المفسدين بتلك النواحي، وصرف أزدمر شايه عن نيابة ملطية، وقرّر في إمرة بحلب (٤). [هبوط النيل] وفيه، ووافق ثامن توت (٥) أسرع النيل بالهبوط قبل أوانه، وكان انتهى إلى سبعة عشر ذراعا وست أصابع (٦). [وفاة ابن البدر المغربي] [١٦٣٦]- وفيه مات أحمد بن البدر محمد بن أويس (٧) المغربيّ، المالكي، نزيل طرابلس الشام.

стр. 1360

وكان صوفيا، مثريا، فاضلا، وسمع من بها، ومن القرمي، وابن (١) اليونانية (٢) علي، وغيرهما. [وفاة التاجر ابن بركوت] [١٦٣٧]- وفيه مات التاجر الجليل، الشهير، شهاب الدين بركوت (٣) بن عبد الله المكيني، مولى سعيد بن عبد الله المكيني، مولى الخواجا الكبير مكين الدين اليمنيّ. وكان إنسانا حسنا، حبشيّا، صافي اللون، واسع الثراء، حسن الأخلاق، كثير البرّ والأفضال، محبّا في أهل العلم / ٦٠١ / والخير، ولقي حظا من الدنيا، وأنشأ بعدن عدّة أماكن، وبمكة دارا عظيمة. وهو والد الجمال محمد والد الصلاح أحمد بن بركوت المكيني قاضي القضاة الشافعية بمصر، الآتي في محلّه. [التكالب على شراء القمح] وفيه تكالب الناس على شراء القمح، فأمر السلطان أن لا يباع الإردبّ بأزيد من ماية وخمسين، وأن لا يشتري الإنسان أكثر من عشرة أرادب، لأنه كان يؤخذ للخزن حتى يباع بأوفر سعر (٤). [زيادة النيل] وفيه ردّ الله نقص النيل وأخذ يزيد، فسكن قلق الناس (٥). [القبض على ابن قرمان] وفيه أحضر إبراهيم بن قرمان نائب طرسوس وأدنة وباب الملك، وزعيم التركمان بتلك النواحي. وكان قد صرف عن إمرته، ففرّ إلى بلاد ابن (٦) قرمان ليحتمي به، فقبض [عليه] وقيّده خوفا من سطوة السلطان وأسلمه إلى قصّاده، فأحضروه ذليلا، وأمر بسجنه (٧).

стр. 1361

[قضاء دمشق] وفيه قرّر في قضاء دمشق البهاء محمد بن النجم عمر بن حجّي، عوضا عن أبيه، وغرم نحوا من ثلاثين ألف دينار وزيادة عليها. وكان البهاء هذا صغير السنّ، لم يسر عذاره بالشهر، وما قرا ولا درا (١) ما يتأهّل به لهذه الزينة (٢). [ذو الحجّة] [انتهاء زيادة النيل] وفي ذي حجّة انتهت زيادة النيل في أوله الموافق لخامس عشرين توت. وكانت نهايته سبع عشرة ذراعا، وإصبعين بعد تراجع النقص، وأخذ في الهبوط سريعا بشرق الكثير من أراضي الوجهين القبلي والبحري (٣). [وفاة التقي ابن الأخنائي] [١٦٣٨]- وفيه مات التقيّ ابن (٤) الأخنائيّ (٥)، محمد بن عبد الواحد بن محمد بن أبي بكر المالكيّ. وكان باشر حكم (٦)، وله سيرة محمودة. حجّ وجاور بمكة فبغته الأجل بها. ومولده بعد الثمانين وسبعماية. [تقليد ابن قرمان صاحب قونية] وفيه جهّزت خلعة ومركوب بالسرج الذهب والكنبوش الزركش وتقليد الأمير إبراهيم بن قرمان صاحب قونية وما والاها بنيابة فيها عن السلطان. وكان قد بعث قاصده يسأل في ذلك، فأجيب إلى ذلك (٧). [نيابة مدينة العلايا من بلاد الروم] وفيه خلع على إياس أحد الجند السلطانية وقرّر في نيابة مدينة العلايا من الروم، وعيّن طائفة من العسكر ليسيروا معه عونا له في البحر. وكان السبب الموجب لهذا أنّ صاحب العلايا الأمير قرمان بن صوجي بن شمس

стр. 1362

الدين السلجوقي، على ما زعم، أمر أن من أمر فألجأته الضرورة إلى القدوم على السلطان ودخلوه تحت كنفه تراميا عليه في أخذه بلاده وضمّها إلى مكة مصر، وإقامته هو في خدمة السلطان حتى يتسلّم من يولّيه السلطان البلاد، وابتاع السلطان منه ثلاث (١) من القلاع بخمسة آلاف دينار أخّر قبضها حتى تدخل في حوزة السلطان. وكان ما ذكرناه (٢). [مطالبة ابن دلغادر بأداء عداد الغنم] / ٦٠٢ / وفيه جهّز إلى ناصر الدين محمد بن دلغادر خاصكيّا يقال له أماج، أحد الدوادارية الصغار، يطالبه بما جرت العادة القديمة من إعطاء عدّاد الغنم من تركمانه ومنه، وإلاّ وقع به ما يكره، وجهّز إليه السلطان الجيوش (٣). [رخاء الأسعار] وفيه مع تشريق الكثير من الأراضي كانت أسعار البلاد رخيّة، وهي موجودة، ولله المنّة (٤). [استعراض الجند] وفيه أمر السلطان بعرض الجند عليه بآلات الحرب الكاملة، فتسارع الجند إلى شراء الأسلحة، وكانت كاسدة الأسواق، فنفقت وربحت تجارة أربابها وصنّاعها (٥). [وصول مبشّر الحاج] وفيه وصل مبشّر الحاجّ مخبرا بالأمن والسلامة، وبما حدث بمكة من منع العامّة في أيام الموسم أن يبيعوا أيضا معهم بالمسجد الحرام، وأن يفرشوا، كذلك يرون ضرب الناس الخيام به على مصاطبه، والمنع من تحويل المنبر من مكانه في يوم الجمعة إلى أن يلصق بجوار الكعبة، وأن يترك مكانه ويخطب به هناك مسامتا لمقام السيد إبراهيم الخليل على نبيّنا وعليه أفضل الصلاة والسلام، وأن يسدّ أبواب المسجد أو تغلق بعد انقضاء الموسم إلاّ أربعة أبواب، من كل جهة باب، وأن يسدّ الأبواب الشارعة من السور إلى حج المسجد الحرام، وأنه ورد بذلك مرسوم سلطاني قريء بمكة المشرّفة، وأمضى حكمه (٦). [المناداة بأخذ المكوس في عرفات] وفيه، والناس بعرفات واقفون يدعون ويرغبون إلى الله تعالى، فأقام المنادي الذي يقال له المشاعلي فنادى معاشر الناس كافّة، من اشترى بضاعة وسافر بها إلى غير القاهرة

стр. 1363

حلّ ماله ودمه للسلطان، وأخذ التجار القادمون من الأقطار حتى ساروا مع الركب المصري ليؤخذ منهم المكوس عن بضائعهم، ثم إذا ساروا إلى جهات بلادهم أخذ منهم المكس ثانيا بالشام وغيرها. وكان هذا من شنيع الحوادث التي استجدّها (هذا) (١) السلطان في دولتين من سنتين (٢). * * * [حوادث هذه السنة لا فى شهر معين] [وفاة أويس صاحب بغداد] [١٦٣٩]- وفيها - أعني هذه السنة - مات أويس (٣) (شاه ولد) بن شاه زاده بن أويس، صاحب بغداد. قتل في حرب كانت بينه وبين محمد شاه بن قرا يوسف، واستولى محمد شاه على بغداد مرة أخرى. [وفاة الشهاب الجهري] [١٦٤٠]- وفيها مات الشهاب الرواقي (٤) الصوفي، أحمد بن يحيى بن عبد الله الجهري. وكان صالحا، خيّرا، ناسكا، صوفيّا، وسمع على العفيف اليافعيّ، ولبس خرقة الصوف، وتلقّن الذكر عن الشيخ يوسف العجميّ. ومولده سنة سبع وأربعين وسبعماية. [وفاة الشمس ابن زاده] [١٦٤١]- وفيها مات الشمس ابن (٥) زاده (٦)، محمد بن خالد بن موسى الحمصي، الحنبليّ، قاضي حمص.

стр. 1364

وهو أول حنبليّ ولّي بحمص. [قدوم رسول من الهند] وفيه قدم شمس الدين الغالي رسولا من الهند من السلطان محمود صاحب كلبرجا (١) وصحبته هدية / ٦٠٣ / لصاحب مكة وللسلطان، ومبلغ سبعة آلاف دينار ليشتري بها دارا عند الصفا، فتبنى مدرسة لمحمود المذكور. وقدم رسولا (٢) آخر من الهند أيضا من صاحب بنجاله بهدية للسلطان وهدية للخليفة.

стр. 1365

سنة أحد (١) وثلاثين وثمانماية [محرّم] [وصول جزية ملك قبرس] في محرّم وصل حمل قبرس من متملّكها جينوس، الماضي خبر المنّ عليه وأعاده لملكه، وكان مبلغ خمسين ألف دينار، فأمر السلطان بضربها دنانير أشرفية (٢) عليها بسكة الإسلام (٣). [الاهتمام بعرض الجند] وفيه كان الجند في الاهتمام للعرض على السلطان بآلة الحرب كاملة، كما كان قد أمر به في الحالية (٤). [وفاة الشمس ابن النحاس] [١٦٤٢]- وفيه مات الشمس، محمد بن يعقوب النحاس (٥) الدمشقيّ، محتسب دمشق، ثم القاهرة. وكان عامّيّا، عريا عن الفنون. وولي وزارة دمشق. [التعجيل بلبس الصوف] وفيه عجّل السلطان بلبس الصوف وذلك قبل العادة بمدّة، هذا والحرّ موجود، واستمرّ أياما. ثم وقع النّدا (٦) وأمطرت السماء. ودخل كيهك (٧) القبطي، ومع ذلك لم

стр. 1366

يقع برد، بل كان الزمن نظير فصل الربيع، واستمرّ كذلك إلى أن نقلت الشمس برج الحوت، حتى عدّ ذلك من النوادر (١). [مقتل ابن نعير] [١٦٤٣]- وفيه قتل عذرا (٢) بن علي بن نعير أمير آل فضل. وولي بعده أخوه مذحج. [ركوب السلطان] وفيه ركب السلطان من القلعة ونزل إلى دار جانبك الدوادار يعوده من مرض حصل له وتمادى به (٣). [وفاة الشمس الكفيري] [١٦٤٤]- وفيه مات الشمس الكفيريّ (٤)، محمد بن أحمد بن موسى العجلونيّ، الدمشقيّ، الشافعيّ. وكان فاضلا، وله شرح على «البخاري». وأجاز له المنبجي، وابن الصيرفي. وسمع على ابن (٥) أميلة، وابن (٦) قواليح، وآخرين. ومولده سنة ٧٨٧. [وصول الحجّاج] وفيه وصل الحاجّ ومعهم خشرم الحسنيّ أمير المدينة وقد قبض عليه وهو يصيد. ووصل بكتمر السعدي من المدينة أيضا، ووصل الحمل الجداوي المأخوذ من عشور التجار، ومكس البضائع، وهو أصناف ما بين بهار وشاشات وغير ذلك، ما قوّم بزيادة على الخمسين ألف دينار، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله (٧)

стр. 1367

[هدم خان وقف الشهابي] وفيه ابتدىء بهدم خان الحجر وقف الشهابيّ، وقد أخذه السلطان وألزم سكانه بالنقلة منه، فجرى عليهم مكاره ومضارّ لا تحدّ (١). [صفر] [احتكار السلطان زرع القصب] وفي صفر أمر السلطان بأن لا يزرع أحد من الناس قصب السكّر، ولا يكون ذلك إلاّ من خصائص السلطان، يزرع له فقط، ثم لم يمش ذلك (٢). [دود المزدرعات] وفيه فشا أكل الدود المزدرعات عامّة، سيما البرسيم، لشدّة ما كان من الحرّ في الخريف (٣). [قضاء الحنابلة بمصر] وفيه قرّر في قضاء الحنابلة بمصر عائدا إلى ذلك المحبّ بن نصر الله عوضا عن العزّ البغداديّ، وكان العزّ قد تنكّر بينه وبين كاتب السرّ / ٦٠٤ / وكان سببا بحيلة غريبة (٤). [نظر الديوان المفرد] وفيه قرّرّ السعد إبراهيم بن السراج القبطي في نظر الديوان المفرد، عوضا عن عبد العظيم بن صدقة، وقرّر ابن (٥) صدقة في كشف الجسور بالبهنساويّة (٦). [بناء درب لليهود] وفيه هدم بناء درب كان اليهود قد أحدثوه على كنيستهم وسياج كالسّور حولها كانوا حازوا ذلك من كثير من دور المسلمين هدمت قديما (٧). [ركوب السلطان] وفيه ركب السلطان من قلعته بثياب جلوسه، وشقّ من القاهرة من باب زويلة حتى

стр. 1368

خرج من باب النصر سائرا إلى خليج الزعفران، فكشف على بستان أمر بإنشائه هناك، ثم عاد إلى الصحراء فرأى عمارة ما أمر بإنشائه من تربته الموجودة الآن. وكان قد ابتدىء بالعمل بها، ثم صعد القلعة (١). [وفاة الشمس التروجي] [١٦٤٥]- وفيه مات تحت الهدم الشمس التّرّوجي (٢)، محمد بن الحسين المالكيّ. وكان فاضلا، وله نظم حسن كثير. ومولده بعد الثلاثين وسبعماية. [ربيع الأول] [وفاة بكتمر السعدي] [١٦٤٦]- وفي ربيع الأول مات بكتمر السعدي (٣)، أحد الطبلخانات. وكان إنسانا حسنا، فاضلا، عاقلا، حشما، ديّنا، شجاعا، ذا معرفة تامّة، وهو من أنشأ السعد بن غراب على أجمل طريقة في حجور نسائه صغيرا. وقرّر في طبلخاناته قجقار حقط، أي أحد العشرات. [إلزام قاضي دمشق بالمال] وفيه قدم الشهاب أحمد بن الكشك قاضي الحنفية بدمشق، وقد ألزم بحمل عشرة آلاف دينار (٤). [وفاة سعيد المغربي] [١٦٤٧]- وفيه مات الشيخ المعتقد سعيد المغربي (٥)، نزيل الجامع الأزهر. وكان للناس فيه الاعتقاد، ويؤثر عنه كرامات، وترك مالا جمّا زيادة على الألفي

стр. 1369

دينار، ما بين ذهب وفضة وفلوس حملت إلى بيت المال. وكان قد علت سنّه وتغيّب تارة، ويحضر أخرى، ومرض مدّة طويلة. [إلزام قاضي دمشق بالمال] وفيه قدم السيد الشريف شهاب الدين أحمد بن عدنان الحسينيّ، قاضي دمشق كان، وكاتب سرّها وقد ألزم بحمل مال كثير (١). [وفاة جانبك الدوادار] [١٦٤٨]- وفيه مات جانبك الدوادار (٢)، صاحب الجانبكية بالشارع، وله نحوا (٣) من خمس وعشرين سنة. وكان من مماليك السلطان ومن أخصّائه، ورقّاه في دولته إلى الدوادارية الثانية، وكان في قصد أن يصيّره من مقدّمي الألوف، واتّهم السلطان بأنه سمّه لشيء بلغه عنه، على أنه تأسّف عليه، ونزل إلى داره فجلس بداره في حوشه حتى جهّز وركب إلى المصلّى، فصلّى عليه، وكان عاقلا، عارفا سيوسا حشما، محبّا في الخير وفعله. [ربيع الآخر] [ارتفاع سعر الغلال] وفي ربيع الآخر ارتفع سعر الغلال، وقلّت بسواحل مصر وبولاق، وقلق الناس بسبب ذلك (٤). [تفشّي الأمراض بالشام] / ٦٠٥ / وفيه قدم الخبر بفشاء الأمراض بالشام، وكثرة موت الخيول بدمشق وحماه (٥). [وفاة أزدمر الظاهري] [١٦٤٩]- وفيه مات أزدمر شايا (٦) الظاهريّ برقوق.

стр. 1370

وكان من أتباع شيخو ترقّى إلى تقدمة ألف بمصر، ثم أخرج إلى نيابة ملطية، ثم أمّر بحلب. وكان ظالما غير مشكور. [استمرار قاضي الحنفية بدمشق] وفيه خلع على ابن (١) الكشك باستمراره على قضاء الحنفية بدمشق، وقد اعتنى به بعض الأمراء، فأنزل من عشرة آلاف دينار ألفي دينار فحملها، وتوجّه إلى دمشق (٢). [إراقة الخمور] وفيه شدّد السلطان في أمر الخمور وأمر بإراقتها وتتبّع أماكنها، وأمر بالمنع من جلبها من بلاد الفرنج، وبالمنع من عصير الزبيب، وبإحراق الحشيش فأحرقوها وأدوات من الحشيش شيئا كثيرا، والكثير ذلك بدمياط، وكان ضمانها شيئا كثيرا من المال، فبطل ثم عاد بعد قريب بدسائس الظلمة، لا بورك لهم (٣). [إعفاء الشوام من إحضار بضائعهم إلى مكة] وفيه أعفي تجّار الشام من المجيء ببضائعهم من مكة إلى مصر على أن يزادوا على كل جمل ثلاثة دنانير ونصف زيادة على المكس الذي عليهم ولله الأمر (٤). [وفاة كمشبغا الجمالي] [١٦٥٠]- وفيه مات كمشبغا الجمالي (٥). وكان عاقلا متديّنا، وقورا، واستنابه الناصر في بعض سفراته إلى الشام. وكان من الأربعينات وله ذكر وشهرة، أبطل في دولة المؤيّد، ودام بطّالا. وعاش زيادة على الثمانين. [وفاة شيخ الحسني] [١٦٥١]- وفيه مات شيخ الحسني (٦) أحد العشرات، وروس النوب. وكان قد نفي إلى حلب.
следующие страницы →