← История

История · id 17097

نيل الأمل في ذيل الدول

عبد الباسط الملطي

Полный текст (3 142 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

نَيْلُ الأمَلِ فِي ذَيْلِ الدُّوَلِ تأليف المؤرخ زين الدّين عَبد الباسِط بن أبي الصفاء غرس الدّين خَلِيل بن شَاهِين الظاهِريّ الملطيّ الحنفيّ (٨٤٤ هـ - ٩٢٠ هـ) مخطوطة مكتبة بودليان بـ "أكسفورد" رقم ٦١٠، ٢٨٥ Hunt تَحْقِيق الْأُسْتَاذ الدكتور عُمر عبد السَّلَام تدمري الْقسم الأول (٧٤٤ هـ - ٧٧٠ هـ) المكتبة العصرية

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الجزء الاول [القسم الاول] كلمة بين يدي التحقيق في كلمتي التي افتتحت بها كتاب «حوادث الزمان ووفيات الشيوخ والأقران» لابن الحمصيّ، قلت إنه كان يعتقد، حتى سنوات قليلة، أنّ المصادر التي تتناول تاريخ مصر والشام في أواخر عصر دولة المماليك، تقتصر فقط على مصدرين عربيّين أساسيّين، أحدهما لمؤرّخ مصر «ابن إياس» وكتابه «بدائع الزهور» والآخر لمؤرخ دمشق والشام «ابن طولون» وكتابه «مفاكهة الخلاّن». ولذلك لا نجد كتابا أو دراسة أو بحثا يتناول تلك المرحلة من تاريخ مصر والشام إلاّ ويتّخذ الكتابين المذكورين مصدرين أساسيّين له في هذا المجال. ومن هنا كانت أهميّة المؤرّخين الكبيرين. ولكن، هل تساءل الباحثون والمحقّقون عن مصادر «ابن إياس» و «ابن طولون»؟ في هذا الكتاب إجابة على أحد المصادر الأساسية التي استقى منها «ابن إياس» وصنّف منها كتابه «بدائع الزهور» فهو ينقل حرفيّا كلّ المادّة التي جمعها المؤرّخ زين الدين عبد الباسط بن خليل بن شاهين الظاهريّ في الكتاب الذي بين أيدينا «نيل الأمل في ذيل الدول»، وفيه أكثر من ١٥٠ عاما من الحوادث والوفيات، بدءا من سنة ٧٤٤ هـ. ولم يزد عليه إلاّ ما ندر أثناء تلك المدّة. إذن، فكتابنا هذا، قمين به، بعد صدوره، أن يكون المصدر الأساس للفترة التي يؤرّخ لها بعد «المقريزي»، و «ابن حجر»، و «بدر الدين العيني»، و «ابن تغري بردي»، و «السخاوي»، وأن يكون حلقة وصل بينهم وبين: «ابن سباط»، و «ابن الحمصي»، و «ابن العماد الحنبليّ»، وغيره. وهو مصدر أساس لكثير من الأحداث في بلاد المغرب والأندلس التي عاصرها وشاهدها بنفسه، وهو يتميّز عن «ابن إياس» بأنه تنقل بين مصر والشام وآسية الصغرى والمغرب والأندلس، فيما بقي «ابن إياس» مقيما في القاهرة ولم يرحل عنها إلاّ لأداء فريضة الحج.

стр. 3

والذي يعجب له أنّ لمؤلّفنا عشرين كتابا في شتّى المواضيع، ولم يطبع منها سوى كتاب واحد. فلعلّ تحقيقنا لهذا الكتاب يكون حافزا للتعريف به وبر صيده المتنوّع. عمر عبد السلام تدمري طرابلس الشام المحروسة

стр. 4

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ التعريف بالمؤلّف هو أبو المكارم زين الدين عبد الباسط بن أبي الصفاء غرس الدين خليل بن شاهين الظاهريّ، الملطيّ، الحنفيّ. ولد في ملطية، ليلة الأحد ١١ من شهر رجب سنة ٨٤٤ هـ / ١٤٤٠ م. وتوفي في القاهرة، يوم الثلاثاء في الخامس من شهر ربيع الآخر سنة ٩٢٠ هـ / ١٥١٥ م. وقد أرّخ «ابن إياس» وفاته دون غيره (١). - جدّ المؤلّف وهو من أصول تتريّة، من جهة جدّه لأبيه «شاهين الشيخيّ». فقد ترجم المؤلّف ﵀ لجدّه ضمن ترجمته لأبيه، فقال ما نصّه: «شاهين من مماليك الظاهر برقوق، ملكه عن شيخ الصفويّ (٢) أمير مجلس لما خرج إلى القدس بطّالا. ويقال إنّه تتريّ الأصل، مسلم، من مدينة سراي. وإنّما سمّي شاهينا لأنّ التتر كانت في أول دولة الظاهر في مقت وإبعاد. وولّي شاهين هذا بعد مدّة من موت الظاهر شادّية القمامة بالقدس بعد حجوبيّتها، ثم ترقّى إلى نيابتها في أواخر دولة الناصر فرج. ثم لما مات الناصر فرج - وكانت تلك الفتن (٣) - انجمع شاهين هذا عن الدولة، وقطن بالقدس مدّة فارّا من الفتن، فإنه كان ممّن له شهرة بالشجاعة والقوّة، ويحكى عنه في ذلك ما يشبه الكذب. ولم يزل إلى سلطنة الأشرف برسباي، فحضر إلى القاهرة بعد أن كان قدمها قبل ذلك في أول سلطنة الظاهر ططر، ثم عاد لإمرته وبقي بها

стр. 5

مدّة حتى قدم هذه القدمة الثانية في سنة سبع أو ثمان وعشرين. ورتّب له الأشرف ثلاثة آلاف درهم في الشهر يأكلها طرخانا (١)، مع لحم وعليق وغير ذلك. ووعده بالجميل، ودام بداره منجمعا عن الناس لا يتردّد إلى سوى الأتابك بيبغا المظفّري (٢)، وربّما خرج معه إلى الصيد لمعرفته بالجوارح وأحوال الشكرخانه. وكان الأتابك المذكور قد رتّب له شيئا على ديوانه. ومن هنا وهم من قال إنه خدم عند الأتابك، ولم يكن ذلك كما قال. ثم بغته أجله بالقاهرة في سنة أربع وثلاثين وثمانمائة، ودفن بالقرافة بتربة والد زوجته أسندمر الشيخي (٣)، والدة الوالد السّت عائشة» (٤). - والد المؤلّف ووضع المؤلّف ﵀ ترجمة مطوّلة لوالده، فقال: «خليل بن شاهين الشيخي، الصفوي، الظاهري، المقدسيّ المولد، القاهريّ، الحنفيّ، الأمير، الوزير، الصاحب، غرس الدين، أبو الصفا، المعروف بنائب الإسكندرية، سيّدنا ومولانا وشيخنا، الوالد تغمّده الله تعالى برحمته ورضوانه وأباحه بحبوحة جنّاته. ولد بالقدس الشريف بالمدرسة الخاتونية (٥) في يوم الجمعة حادي أو ثالث عشر

стр. 6

شعبان سنة إحدى أو ثلاث عشرة وثمانمائة، وكان والده إذ ذاك حاجبا بها وشادّا على القمامة قبل أن يلي النيابة بها، ومرضت والدته فأرضعته أمّ الشيخ برهان الدين بن الديريّ (١)، قاضي القضاة، وهي زوج شيخ الإسلام قاضي القضاة الشمس بن الديري (٢)، وما علمت هل هي أمّ شيخنا شيخ الإسلام السعد بن الديريّ، أم لا. فإنّ الوالد كان يقول بأنه أخ للبرهان المذكور من الرضاع. ومن غريب ما وقع في أمر حمل والدته به أنها كانت تلد الإناث، وما ولدت ذكرا قبله، فصارت تتمنّى الذكر، فاتفق أن حملت به فخرجت من القدس إلى مدينة جرون حيث مدفن سيّدنا الخليل - على نبيّنا وعليه أفضل الصلاة والسلام - فدخلت إلى حرمه ليلا، ثم كشفت عن بطنها، وأمسّته سردا به، ونذرت شيئا وافرا من المال أن يكون صدقة لفقراء حرمه إن ولدت ما في بطنها ذكرا، وأن تسمّيه الخليل، فلما وضعته كان ذكرا بإذن الله تعالى، فسمّته الخليل، ثم وفت بما نذرته، ثم ألبسته في أذنه خرصا من ذهب بلؤلؤة، ذكرت أنها شرتها بخمسين دينارا ذهبا، ونذرت بعد عليها إن أكمل ولدها سبع سنين أن تلقي هذه الجوهرة في صندوق النذر لسيّدنا الخليل - على نبيّنا وعليه الصلاة والسلام -. وترعرع هو ونشأ بالقدس، وحفظ به القرآن العظيم. وكان ذكيّا، حذقا، فهما، فطنا، حادّ الذهن، كيّسا، ثم أخذ في الاشتغال، فبحث «القدوري» (٣) على بعض أهل العلم بالقدس، وتعانى الطلب وحبّب إليه (٤). وبعد موت والده «شاهين» اتصل «بخدمة أزبك الأشقر (٥) الدوادار الكبير، وكان عنده في مقام الوالد لا الخدّام لكونه ولد خشداشه، وجعله شادّا على الأحواش السلطانية ومتكلّما على الصيّادين، وقرّبه واختصّ به لحذقه وذكائه وكماله من حالة صغره، ودام إلى أن أخرج أزبك المذكور إلى القدس بطّالا، فانجمع الوالد عن الناس، وداوم الاشتغال بالعلم والمطالعة، وأخذ عن جماعة من كبار العلماء، وجالس العلاّمة العلاء

стр. 7

البخاري (١)، وحضر دروسه، وأخذ عن السعد بن الديري (٢)، والزين التفهنيّ (٣)، والسراج قاريء «الهداية» (٤) والعلاء الروميّ، والشيخ يحيى السيراميّ (٥)، والكمال بن الهمام (٦)، وشيخنا العلاّمة الكافيجيّ (٧)، وكان شيخنا المذكور يعظّمه جدّا ويجلّه. ومن مشايخه: الأمين الأقصرائي (٨)، والنجم الموقت (٩)، والتقيّ الشمنّيّ (١٠)، ولازمه بأخرة مدّة، وأخذ بدمشق عن جماعة، منهم: القوام قاضي القضاة الحنفيّ (١١)، ومن مشايخه: البدر العينتيّ (١٢)، والعلم البلقيني (١٣)، والشمس القاياتي (١٤)، والشمس

стр. 8

البساطي (١)، والشمس الونائي (٢)، والمجد بن نصر الله (٣)، والبدر التنّيسيّ (٤)، والعزّ عبد السلام البغدادي (٥)، والتقيّ بن قندس (٦)، شيخنا، والبرهان الباعونيّ (٧)، والبدر بن عبد المنعم (٨) وجماعة يطول الشرح في تعدادهم من غالب بلاد الإسلام شرقا وغربا ما بين هند وعجم وروم وغير ذلك من علماء الإسلام، ومشايخ مصر والشام ممّن أخذ عنهم، وأذن له بعض أعيانهم الأكابر بالفتيا والتدريس. ولازم مجالس حافظ العصر، شيخ الإسلام [ا] بن حجر (٩) في سماع الحديث، وسمع عليه الكثير، وسمع عليه بعض تصانيفه أيضا، وأجازه، وأثنى عليه في إجازته وعلى ما صنّفه في جملة قوله في إجازته بحيث يشهد له كلمن (؟) سمعه، فإنه فاق كلمن (؟) سبقه في كلما (؟) جمعه، وطارحه بالشعر، وراسله، وأحبّه، وذكره في مواضع من تاريخه «إنباء الغمر» (١٠)، وسنذكر ما طارحه به من الشعر، بل وما مدحه به، وكفاه فخرا أن امتدحه مثل [ا] بن حجر على ما ستقف على ذلك. ولما انجمع عن الناس بعد إخراج أزبك إلى القدس، طلبه الأشرف برسباي حين

стр. 9

أجري له ذكره عنده بالنباهة، فولاّه النظر على الخاصّ بالثغر السكندريّ، عوضا عن [ا] بن الصغير، وباشره بحرمة وافرة وعفّة زائدة حتى عجب الأشرف من ذلك، وأضاف إليه نظر الذخيرة وبيع البهار بها، ثم بعث إليه باستقراره بالحجوبية بها، ثم رقّاه إلى نيابتها عوضا عن جانبك الثور (١)، مضافا لما بعده من الوظائف وغير ذلك من النوادر كون الحاجب الذي هو كالأمير على النائب يصير نائبا على حجوبيته وأقام من يتكلّم عنه من قبله في النظارة والحجوبية. وحمدت سيرته في مباشرة جملة هذه الوظائف، وشكرت أحكامه، وأحبّه أهل الثغر. ثم حضر إلى القاهرة فتلقّاه الأشرف بالرحب، وشكره في الملأ العام من العسكر وأعيان الدولة. واتفق أن تزوّج بأخت الخوند جلبان الست أصيل (٢)، الماضية ترجمتها، ثم عاد إلى الثغر ودام به وهو مكبّ على الاشتغال واجتماع الكثير من علماء الثغر بذلك العصر في مجلسه ومذاكرته معهم، وسماع الحديث به. ثم بعث يستعفي من الذي هو فيه، ويلتمس حضوره القاهرة غير ما مرة حتى أجيب إلى ذلك، وحضر إليها عن إمرة طبلخاناة كانت بيده، بل وزيادة عليها البسلقون (٣). وغلط - بل كذب - من قال إنه حضر من الإسكندرية على نحو الطبلخاناة، فإنها كانت طبلخاناة وزيادة، وكان يحضر الخدمة السلطانية مع مقدّمين (؟) الألوف ثم أضيف إليه نظر دار الضرب، ثم أمّر على الحاج بالمحمل، وخرج إلى الحج بأبّهة زائدة في سنة تسع وثلاثين، وكانت ثانية له فإنه حج قبلها حجّة الإسلام صحبة والده، ثم عاد في التي تليها، ولازم أيضا مجلس شيخ الإسلام [ا] بن حجر في سماع الحديث، وسمع عليه الكثير وعلى غيره من العلماء. بل كان له بداره مجلس محفوف بالعلماء. ثم طلبه الأشرف للوزارة فامتنع من ذلك، فألحّ عليه، فاشترط عليه شروطا، ثم وليها في سنة أربعين وباشرها مدّة يسيرة ورأى بها ما لا يليق به من الأمور فاستعفى منها فأجيب إلى ذلك، وبقي على ما بيده من الطبلخاناة. ثم ولاّه نيابة الكرك والشوبك، عوضا عن عمر شاه لاستئمان السلطان إيّاه. وكانت الكرك إذ ذاك من أجلّ النيابات، وكانت قلعتها مشحونة بالأموال والحواصل بالغلال. حدّثني الوالد صاحب الترجمة قال: لما ولاّني الأشرف الكرك ورأى في وجهي أمارة الكراهة لخروجي من القاهرة قال لي في خلوة: أتدري لماذا ولّيتك الكرك؟ قال: فقلت: نعم، يبعدني مولانا السلطان عن مشاهدة وجهه الذي هو عندي أعظم من ألف كرك، ولأنّه ملّني. فقال: لا والله، إنّما ولّيتها لك لتكون معقلا وذخيرة لولدي، فإنني

стр. 10

سأموت عن قريب، فإنه كان متضاعفا، وكأنه أحسّ من نفسه ما لم يعهده قبل ذلك منها، وكان ذلك مقدّمات مرض موته وكان لا يعهد ذلك. ثم قال له: وأنا أعرف أنني إذا متّ ربّما قاموا على ولدي، وربّما احتاج إلى حصن يأويه، فيجيء إليك، وهذه خالته عندك مثل أمّه. قال: ثم أخذ يوصيني على أشياء كثيرة، ولهذا لما فقد العزيز من الدور السلطانية وكثرت الأقاويل في شأنه كان من جملة ما قيل إنه ذهب إلى زوج خالته بالكرك، وكان هذا القول في الحقيقة سببا لتنبّه الظاهر على صرف الوالد من الكرك. ثم لما خرج الوالد إلى الكرك أقام بها نحو السنتين، ثم صرف عنها بأقبغا التركماني (١)، وبعث به إلى صفد على أتابكيّتها يأكلها طرخانا معفى عن الكلف السلطانية والخدم. وكان بلغ الظاهر بأنّ الوالد لما خرج من الكرك سلّمها لأقبغا على أجمل وجه وأكمله، مع إظهار حشمة وكلمات فيها تعظيم الظاهر، فعرف له ذلك، وكان سببا لوفور حرمته في دولته واعتنائه بشأنه، وكان ذلك خلاف القياس، وباشر الوالد أتابكيّة صفد وبها إذ ذاك نائبها حينئذ الأمير إينال العلائي (٢) المسلطن بعد ذلك، وهو الملك الأشرف الماضي ذكره، فرافقه بها مدّة يسيرة حتى كان إينال يركب ويحضر إليه في كل قليل بمنزله، وكان بينهما صحبة أكيدة ومحبّة زيادة عمّا كان قبل ذلك، لكن ما ظهر نتيجة ذلك بعد سلطنته لعوارض قد أشرنا إلى شيء منها فيما مضى عند ذكرنا حضور الوالد إلى القاهرة في أوائل سلطنة الأشرف إينال هذا. ثم دام بصفد مسيرا حتى كانت قضية إينال الحكميّ (٣)، وتغري برمش (٤) نائبي الشام وحلب وتوجّه العساكر إليه، فخرج الوالد صحبة العسكر الصفديّ على أن إينال قال له: أنت معفى عن الخدم والأسفار، فلم يرض الوالد بإقامته بصفد، وكان معه جماعة من جياد الأجناد والمماليك النافعة، فقال: لا أتقاعد عن مهمّ السلطان، وخرج بطلب جيّد وأبّهة. واتفق كسرة إينال الحكميّ بعد أن كانت الكسرة أولا على السلطانيين من إينال، ووقعت سناجقهم ولم يبق منها في ذلك اليوم سوى سنجق الوالد بيد شخص من مماليكه يقال له أسندمر، ثبت به بمكان، فاتفق أن تراجعت العساكر فاجتمعوا إلى هذا السنجق، ثم كرّوا وحملوا على إينال الحكميّ فهزموه، وخفي عليهم حال إينال. وكان الوالد في أثناء هذه الهرجة وجد طبر إينال الحكميّ ملقى على الأرض، فأخذه ووجد به سبعة عشر ضربة سيف، فأحضره الوالد لآقبغا التمرازي (٥) الذي كان

стр. 11

ولاّه الظاهر نيابة الشام من الأتابكية وبعثه لحرب إينال، وعرّفه أنّ هذا طبر إينال، وأنه إن لم يكن مات أو بلغ قريبا من مرتبة الموت ما كان طبره وقع من يده، وحضر جماعة من الأعيان وعرفوا بأنّ هذا طبر إينال، فكتب آقبغا مكاتبات للظاهر بواقعة الحال وهزيمة إينال، وبقضية سنجق الوالد، ووجدانه لطبر إينال، كل ذلك قبل تحرير أمر إينال والقبض عليه، ثم لما قبض عليه أردف ذلك القاصد بآخر على العادة في مثل ذلك، فاتفق أن دخل القاصد الأول قبل الثاني بيسير، وعرف الظاهر الحال فشكر الوالد في الملأ العام، وإذا بالخبر بالقبض على إينال، فزاد سرور الظاهر، وولّى الوالد نيابة ملطية، عوضا عن حسن قجا أخي تغري برمش، وبعث إليه بتقليدها وتشريفها، وأمر له بمبلغ له صورة، واعتذر إليه بأنّ هذا الذي كان نصيبا له، ولو شغر ما هو فوق ذلك لاستقرّ به، فتوجّه الوالد إلى ملطية بعد تمام أمر تغري برمش والحكميّ، وباشرها مدّة، وبها كان مولدي، ثم قدم بي أثناء ذلك إلى القاهرة ومعه هدية مستطرفة للظاهر فاحتفل بقدومه عليه وعظّمه ورفع من محلّه. ثم أخذ الوالد في الاستعفاء من ملطية فلم يجبه إلى ذلك، ووعده بالجميل وأعاده إليها. وكان له بملطية درسا حافلا (كذا)، وصنّف فيها عدّة من الكتب، وكان يحضر مجلسه جماعة من العلماء الأفاضل بها، ودام بها إلى أن استأذن في حضوره إلى القاهرة أيضا، وحضر مستعفيا من ملطية أيضا فأجيب إلى ذلك وقرّر في أتابكية حلب، فعاد إليها ودخلها بأبّهة زائدة، وجرى بينه وبين نائبها قانباي الحمزاوي (١) منافسة، وبعث يشكوه للظاهر على ما بيّنا ذلك في محلّه، ونسبه إلى أمير قبله أنه يخلّ بناموس السلطنة، والحال أنه مما يزيد في ناموسها، فبرز أمر الظاهر بحمله مقيّدا إلى سجن قلعة حلب، فبقي بها قليلا حتى شفع فيه جماعة من الأعيان، منهم الحافظ [ا] بن حجر (٢)، وظهر للظاهر

стр. 12

غرض نائب حلب فأطلقه وأقطعه مدينة قاقون (١) يأكلها وهو مقيم بالبيت المقدس، فاستأذن

стр. 13

الوالد أن يكون بمدينة الخليل ﵇، فأذن له بذلك، ثم بعث إليه الظاهر بإضافة عدّة جهات ومرتّبات له إلى قاقون، ثم بعث يستأذن الظاهر في الحج فأذن له فيه وبعث إليه بنفقة جيّدة فحجّ من الخليل مجرّدا مع بعض جماعة من مماليكه، وهي ثالثته. ثم طلبه السلطان إلى القاهرة، وحين قدمها أجلّه السلطان وقام له وأجلسه، ثم قرّر في نيابة القدس، وذلك في محرم سنة خمسين، وأضاف إليه تقدمة ألف بدمشق، وبعث إليه بأشياء كثيرة ومبلغ ألف دينار، وخرج الوالد إلى نيابتها وباشرها فوق السنة، ثم بعث بالاستعفاء منها فأعفي، وأمر بالتوجّه إلى دمشق على ما بيده من النقدية، وكتب له بأن يكون أمير ميسرة بدمشق، فأقام بها مدّة، والنقّارات تضرب على بابه، وهي من نوادره بدمشق، إذ لم تجر العادة الحديثة بذلك سوى لنائب الشام، والأتابك، وحاجب الحجّاب، وأمّا بقية مقدّمين (كذا) الألوف فكانوا بالطبلين والزمرين أي كلّ منهم. ثم لما خرج العسكر إلى حلب لحفظها من جهان شاه (١) خرج الوالد إليها في أبّهة وعظمة زائدة وطلب حافل، ثم لما انقضى ذلك قدم إلى القاهرة فأكرمه الظاهر وأنزله بقصر تمرباي (٢) بالكبش وأنس به في حلوله، وكان يسأله في كثير من الأمور الدينية والدنيوية وأحوال قواعد المملكة، ثم زاده على ما بيده بدمشق إمرة عشرين وبعث إليه بمبلغ ألف دينار، غير ما كان قد رتّبه باسمه وهو مقيم بالقاهرة، وغير ما رتّبه لأولاده على الذخيرة بالقدس، وعاد إلى دمشق، ثم بعث يستأذن الظاهر في الحج فلم يأذن له وقال إنه (لا يوافق) (٣) أن يتوجّه بمفرده، وإن توجّه بجماعته يحتاج إلى مصرف كبير. ثم بعث إليه في العام الثاني بإمرة الحاج بالمحمل الشامي، وبعث إليه خلعة هائلة وركوبا خاصا بالسرج الذهب والكنبوش الزركش وبعث بأن يعطى خمسة آلاف دينار من قلعة دمشق ليتجهّز بها، فأخذها وأضاف إليها من ماله نحوها أو زيادة على ذلك، وخرج إلى الحج في أبّهة زائدة، وكنّا معه في تلك السنة، وكانت حجّة حافلة جدا، وعاد وقد مات الظاهر وتسلطن بعده الأشرف إينال فبعث إليه باستقراره في إمرة الحاج على عادته ثانيا، وأضاف إليه الركوب الثلاث: الشامي، والحلبي، والكركي، وبعث إليه بألفي دينار فحجّ الخامسة، ثم بعد حضوره بأشهر قليلة توجّه إلى جهة القاهرة لعهود كانت بينه وبين إينال إن آتاه الله الملك أن يحضر إليه بغير إذن، وظنّ أنّ ذلك يتمّ له، فعورض في ذلك على ما تقدّم بيانه في محلّه، وبعث إليه الأشرف إينال بعوده من قطيا، واعتذر إليه في مكاتبة

стр. 14

له ووعده بالجميل، وبعث إليه بأشياء، وعاد إلى دمشق، وأخذ في كل قليل يبعث بالاستعفاء من التقدية التي بيده بدمشق، ولا زال حتى أجيب إلى ذلك بمندوحة قدّمنا ذكرها في محلّها. وأعطي الوالد إمرة عشرين بطرابلس ليأكلها طرخانا، فتوجّه إليها في سنة تسع وخمسين على ما تقدّم، وأقام على ذلك مدّة بطرابلس وهو معفى من الخدم وسائر الكلف السلطانية، منعكفا على الشغل والإشغال بمطالعة الكتب وإسماع الحديث وإلقاء شيئا (كذا) من الدروس، وصنّف بها عدّة من الكتب في تلك الاستراحة، وأنشأ بها دارا وزاوية ومدفنا أعدّه لدفن نفسه آل الأمر بسبب من إنسان أن دخل طرابلس وبها بغته الأجل ودفن به بعد أن خرج من طرابلس وغاب عنها عدّة سنين على ما ستعرف ذلك. وكان وهو بطرابلس في غاية الراحة والخدمة وجميع أعيانها يعظّمونه ويتردّدون إليه. ثم إنّه بعث إلى الأشرف بما قدّمنا ذكره من السواقة، ولما وصل ذلك للأشرف المذكور أعجبه وذكره بخير، ثم أعاب على نفسه بنفسه كونه لم يقدّمه في دولته ولا نوّه به مع الصحبة القديمة الأكيدة. واتفق أن شغرت إمرة طبلخاناة بدمشق، فاستقرّ به فيها، وكتب إليه بأن يأكلها طرخانا حتى يجد له ما يليق به، ووعده بالجميل، وبعث إليه مشافهة مع قاصده المتوجّه بالسواقة فيها غاية التعظيم، فتوجّه الوالد إلى دمشق في أواخر سنة أربع وستين. واتفق أن مات الأشرف إينال بعد قليل من ذلك، وتسلطن ولده المؤيّد فبعث إليه يطلبه إلى القاهرة، فقدمها في أوائل شهر رمضان سنة خمس وستين. فاتفق أن جرى للمؤيّد ما جرى من خلعه، ثم سلطنة الظاهر خشقدم فأنس به وقدّمه واختصّ به، وأذن له أن يقيم بالقاهرة على ما بيده من إمريّة بدمشق طرخانا كما كان، وأذن له بالاجتماع به في الأسبوع مرّتين في يومي الجمعة والثلاثاء، وأعاد إليه بعض مرتّبات كانت باسمه وأخرجت عنه، ورتبّت له بحمل عليقا وغير ذلك، وجالسه وسارره وشاوره في كثير من أموره، وقبل الكثير من شفاعاته، وتكلّم في أيامه في كثير من القضايا المهمّة وأنهاها، وانتفع به الكثير من الناس بواسطة ذلك. وقصد وتردّد الناس إلى بابه وازدحموا عليه مع عدم التفاته إلى شيء مما في أيديهم وغاية عفّة عن ذلك ونزاهة، وكوتب من أقاصي المملكة في كثير من المهمّات وأنهاها وأحسن السفارة فيها. داوم على ذلك في حرمة ووجاهة إلى أن كان من أمر الخليفة المستنجد بالله (١) ما تقدّم بيانه في سنة إحدى وسبعين من أن يكلّم له السلطان في عساه أن يأذن له بالنزول إلى محلّ سكنى الخلفاء قبله.

стр. 15

فاجتمع بالسلطان وكلّمه في ذلك من غير أن يحسب عقباه ولا أعمل فيه فكره إلى أن كان ما قدّمنا ذكره من إخراجه إلى مكة المشرّفة على ما عرفته فلا نعيده. وقدّمنا أيضا كيف توجّه إلى العراق صحبة الحاج العراقي مع الأمير عبد الحق بن الجنيد (١) أمير الركب في تلك السنة وكيف جال عدّة من تلك البلاد، وكان قصده الاجتماع بجهان شاه ملك العراق وتبريز فكان شأن قتلته على يد حسن الطويل (٢) ما تقدّم ذكره. ثم كانت وفاة الظاهر خشقدم، فعاد الوالد إلى هذه المملكة من على جهة حلب، ثم دخل طرابلس في سنة ثلاث وسبعين هذه في أوائلها، ونزل بداره فأقام بها منجمعا عن الناس، متوجّها إلى الله تعالى منعكفا على العبادة والخير وتلاوة القرآن، مقبلا على شأنه، وكأنه كان قد أحسّ بفراغ أجله. واتفق أن لم تطل نوبته بطرابلس إلاّ بعض شهور وبغته أجله بها بعد أن تمرّض بالبطن أياما، ولما حدس أنه يموت كان معه بعض شيء من حطام الدنيا مبلغا عينا نقدا (كذا) فأحضره وقسّمه على أولاده وورثته، وكنت أنا إذ ذاك بالقاهرة فأفرز نصيبي وفرّق من ذلك المبلغ في جماعة من ذويه وسراريه وغيرهم من ثلثه، ثم أحضر الغاسل وأعطاه دينارا ذهبا وقال له: كأني بي وقد متّ فاحضر لغسلي، ثم وصف له كيفية يغسّله عليها وقال له: خذ سلبي وما عليّ من الثياب. ثم لزم تلاوة القرآن إلى أن توفي بعد أيام من هذه الفعلة يسيرة، في ليلة الخميس ثالث عشر جمادى الآخرة مبطونا شهيدا، وجهّز وكفّن، وصلّي عليه بداره في صبيحة يوم الخميس، ثم دفن بالمدفن الذي كان أعدّه لنفسه. وكان رحمه الله تعالى مشكور السيرة في جميع ولاياته، ذا عدل وإنصاف فيما وليه من أمور المسلمين، كثير الشفقة على خلق الله تعالى، بحيث لما عزل عن نيابة الإسكندرية أغلق أهلها بابها واستغاثوا وأرادوا منعه من خروجها حتى تلطّف بهم. وكذا وقع له بمدينة الكرك. بل قام أهل الكرك معه وقالوا له: إن شئت نمنعك بهذا الحصن ونصير أتباعا لك، ولا علينا من السلطان، وكذا فعل أهل ملطية حين صرف عنهم. وكان محبّبا للناس، كثير التواضع لأهل التواضع، لا يحبّ سفك الدماء، وما أقدم في جميع ولاياته على سفك دم لا بحق ولا بغيره، فإنه لم يتفق له ذلك حتى عدّ ذلك من نوادره، سوى شنق حسن قجا بحكم خروجه عن طاعة الظاهر وشق العصا مع أخيه تغري برمش، وكان شنقه بأمر الظاهر وحكمه. وكان شهما، فخما، ضخما، ريّسا، وجيها في الدول، سيوسا، مدبّرا، عاقلا حازما، ذا رأي وتدبير وخبرة بالأمور، ومعرفة تامّة، قائما في

стр. 16

أنواع الخير والبرّ والمعروف بقلبه وقالبه، خيّرا، ديّنا، حسن السمت والملتقى، كثير الأدب والحشمة، ذا تؤدة وسكون. فكه المحاضرة، حلو المذاكرة، جيّد المعاشرة، ضويّ الهيئة، حسن الشكالة، نيّر الوجه، حسن الصورة واللحية وافرها، عارفا بأيام الناس، ذا حنكة وتجارب ودهاء ومعرفة بطرائق الملك والملوك والمملكة بحيث لا يعجبه في ذلك العجب، متأنّقا في سائر أحواله، متجمّلا في جميع شؤونه، قائما بناموس ما ولّيه على قواعد قدماء الملوك والأمراء. وكان يضرب بسماطه المثل بالقاهرة، فضلا عن غيرها حتى كان الكثير من الناس يقرّع جماعة من الأمراء بمصر بتركه سماطه لهم، وكره بعض المماليك، أستاذيهم. وكان يحضر سماط الكثير من الرؤساء والأعيان وغيرهم، خصوصا في أيام المواكب وهو بالقاهرة لزومه ذلك. وكان كريم النفس جدا سخيّا، معطاء، بارّا لأصحابه، كثير التودّد إليهم والقيام معهم بل ومع من قصده لمهمّ كائنا من كان، محبّا في العلم والعلماء والطلبة وأرباب الفضائل والكمالات، معظّما لهم، محبّا في الفقراء والصالحين والمجاذيب، ذا مهابة وحرمة وأبّهة، حتى كان بعض المعتبرين يقول عنه إنه سلطان أولاد الناس، وترشح مرة لنيابة الشام في دولة الأشرف برسباي قبل نيابة الكرك، وأظنّه آخر من كتب في الورق الأحمر كنائب الشام إلى السلطان وهو نائب الكرك. وكان مع ذلك كله شجاعا، مقداما، عارفا بأنواع الفروسية والأنداب والتعاليم، يشارك بفنون ذلك، تخرّج على أكابر مدّعي هذه الفنون، ويقرّر لهم عيوبهم في ذلك، وله في ذلك حكايات لو سردناها لطال المجال، وكان عفيفا عن المنكرات والفروج والمسكرات. ولقد حلف مرة يمينا بأنه لم يدخل المسكر باطنه قطّ، وهو بارّ في يمينه، صادق في ذلك. وكان معظّما عند الملوك، موقّرا، حتى كان الظاهر يخاطبه ب: «يا سيدي»، ويرفع من محلّه، وقام له غير ما مرّة وأجلسه. وأمّا الظاهر خشقدم فناهيك بما كان يعظّمه به، وكان إذا حضر عنده تحرّك له، وربّما قام له في بعض الأحيان وأجلسه. وكان إذا حضر مجلسه أقبل عليه فلا يتكلّم مع غيره إجلالا له إلاّ على وجه يتضمّن بسؤال لأحد ممن حضر ذلك المجلس في شيء يتعلّق بالوالد. وكان له التوجّه التامّ للعالم الملكوتيّ والإقبال على الله تعالى، مواظبا على تواصل الطاعات والعبادات من صيام كثير من الأيام، وصيام الثلاث (كذا) شهور في المحرم، كل ذلك في أيام إمرته، فما بالك في غيرها، مع المواظبة على صلاة الضحى وصلاة الغفلة، وقيام الليل في بعض الأحيان وملازمة التلاوة والأذكار والأوراد ومطالعة الكتب والاشتغال والتصنيف والتأليف، وبلغت عدّة تصانيفه زيادة على الثلاثين، فمن ذلك: «البرهان المستقيم في تفسير القرآن العظيم». و «التحفة المنيفة في الأحاديث الشريفة (١)، وشرحها».

стр. 17

و «التحرير في أنواع التعزير». (١) و «إجماع الجمهور على مذمّة شراب الخمور». و «الإشارات في علم العبارات» (٢) في مجلّدين ضخمين. و «الكوكب المنير في أصول التعبير» (٣). و «كشف الممالك وبيان الطرق والمسالك» (٤) في مجلّدين أيضا، واختصره في نحو نصف حجمه، وسمّاه «زبدة كشف الممالك» (٥)، ثم اختصر «الزبدة» في مجلّد لطيف، سمّاه «زبدة الزبدة» (٦). و «كتاب الإنشاء الشريف (٧) ونابه من كل بليد وظريف». و «الغاية في الطبّ». و «المعتمد في الغلط المتعمّد». و «الذخيرة لوقت الحيرة» (٨). و «ديوان خطب». و «ديوان شعر» في ثلاث مجلّدات. وعدّة رسائل (٩)، وغير ذلك مما وقف عليه أكابر العلماء من الأعيان، وقرضوا (كذا) عليها. وله نظم غالبه الوسط، ومنه الجيّد، وله كثير من المقاطيع الحسان، وبعض قصائد في مدح النبيّ ﵊، وفي مدح بعض الأكابر من الملوك

стр. 18

والسلاطين والأعيان من العلماء والرؤساء على جهة التودّد إليهم والموافاة، وخمّس «البردة»، وخمس «بانت سعاد» بين المصراعين، فمن ذلك في المطلع من تخميسه إيّاها قوله: بانت سعاد فقلبي اليوم متبول ... وفيه شوق إلى الأحباب موصول من وجدهم في طوى الأحشاء مغلول ... قد زاد حبّا فلا يذهبه تحويل متيّم إثرها لم يعد مكبول على هذا النمط إلى آخرها. . . . ووقع بينه وبين الحافظ [ا] بن حجر شيخ الإسلام وقاضي القضاة مطارحات، فمن ذلك ما كتبه للحافظ المذكور وهو قوله: وقائلة من في القضاة جميعهم ... يلازم تقوى الله طرّا بلا ضجر وبيان في الأحكام بالخلق كلّهم ... ويدعو لهم في كل ليل إلى السحر فقلت لها: فهو الإمام أولي النهى ... ذاك الشهاب العسقلاني وبني الحجر له كتب في كلّ فنّ لقاري ... وشرح عجيب للبخاريّ من الخبر وفي النحو والتصريف لم ير مثله ... كذا في المعاني والبيان وفي الأثر فكتب إليه الحافظ جوابا له قوله، وأنشدنيه الوالد عنه وناظمه أجازه: أيا غرس فضل أثمر العلم والندى ... نبته ما أزكى وما أطيب الثمر يجود وينشي بالغا ما أراده ... فمستطلع درّ ومستنزل درر لك الخير قد حرّكت بالنظم خاطرا ... له مدّة في العمر ولّت وما شعر وقلّدت جيدي طوق نعماك جائدا ... فعالا ونطقا صادق الخبر والخبر مناسبة اسمينا خليل وأحمد ... له أسّ أولي النظم الإمام الذي غبر . . . وقد جمع الشيخ الإمام العالم الفاضل شمس الدين محمد بن عبد المحسن السكندري (١) كتابا ضخما في سيرة الوالد وسمّاه: «الدرر السنيّة في المحاسن الغرسية» أتى فيه بأشياء كثيرة، وجمعت له سيرة أخرى لبعض أهل الفضل سمّاها: «الرياض القدسية في المحاسن الغرسية». وجمع الشيخ إبراهيم بن عبد الرزاق (٢) له أيضا كتابا فيه ما امتدح به من القصائد. ولد لصاحب الترجمة من الأولاد زيادة على الأربعين، وتزوّج من النساء زيادة على

стр. 19

العشرين، وتسرّى من الإماء زيادة على الثلاثين، وملك من المماليك نحو المائتين، وكان يعتق البعض من مماليكه فيزوّجه لبعض من سراريه وأمّهات أولاده بعد عتقهنّ بحيث صار الكثير من أولاد مماليكه إخوة لأولاده من الأمّهات. وكاتبه عدّة من أكابر ملوك الإسلام غير سلاطين مصر مثل [ا] بن عثمان مراد بك (١)، ومثل [ا] بن قرمان الأمير إبراهيم، ومثل صاحب الحصن الكامل خليل (٢)، وقد أشرنا إلى ذلك في ترجمة خليل المذكور. وله من الآثار المسجد الذي أنشأه بطرابلس (٣)، والمدفن، والدار، والمقعد المعظّم الذي أنشأه بدار سعادة بثغر الإسكندرية، وتربة بمدينة سيدنا الخليل. وهذا ما حضرنا من ترجمته على سبيل الاختصار والاقتصار، ولو استقصينا محاسنه وأحواله وجزئيات أموره لاحتجنا إلى عدّة مجلّدات. وكان آخر شأنه أنه مات تاركا للدنيا، منجمعا عنها وعن بنيها والكثير من أهلها مع عدم الالتفات إليهم بالكلّية، ملازما لداره بطرابلس على خير كثير كما قلناه، مقبلا على شأنه من غير أن يتناول شيئا من متعلّقات السلطنة من سنة إحدى وسبعين إلى هذه السنة، وفعل الكثير من البرّ والخير، وشرى عدّة أماكن فوقفها وتصدّق بصدقات كثيرة في حال صحّته ومرضه إلى أن تمرّض بالبطن، ومات شهيدا كما ذكرناه في التاريخ الذي بيّناه. وكان كفنه مرتّبا عنده من سنين، تغمّده الله تعالى برحمته، وجمع بيننا وبينه بجنّته دار كرامته. وترك من الورّاث ستة ذكور، أنا منهم، وابنة، وثلاث زوجات، منهنّ الست فاختة (٤) ابنة الشيخ شمس الدين الحنفيّ، الآتية في محلّها إن شاء الله تعالى (٥). وكان لوالد المؤلّف أخت تدعى «الست صفر ملك» تزوّجها الخواجا صارم الدين إبراهيم بن الخواجا قرمش (٦).

стр. 20

- المؤلّف وسيرته أما المؤلّف فهو أبو المكارم، زين الدين، عبد الباسط بن خليل بن شاهين الظاهري، الحنفي، وقد ولد بمدينة ملطية في ليلة الأحد حادي عشر رجب من سنة ٨٤٤ هـ. حين كان أبوه نائبها. وأمّه أمّ ولد سريّة اسمها «شكرباي» تزوّج بها والده بعد عتقها، وكانت - حسب قوله - من خيار نساء عصرنا دينا وخيرا - ماتت بدمشق في نفاسها سنة ٨٥٢ وله من العمر ٨ سنين، ومات ولدها الذي وضعته بعدها بأيام (١). وكان له أخ من أبيه يدعى «يوسف بن خليل»، مات في سنة ٨٤٨ هـ. وهو صغير حيث ولد في سنة ٨٤٣ هـ وأمّه أمّ ولد أرضعته معه، وكان يحبّها، ولهذا كانت أكثر إقامتها عنده لمحبّته لها، ولتقديره لمقامها إذ كانت عنده بمقام والدته، وهي عتيقة والده، وكانت خيّرة، ديّنة، كثيرة الصيام والقيام وكثرة الذكر والأوراد، وهي ممن تنتمي لوالدته وبينهما محبّة أكيدة (٢). وفي سنة ٨٥٩ هـ. انتقل مع أبيه إلى طرابلس، حيث أعطي أبوه إمرة عشرين بها، وتفرّغ للتأليف والتدريس والمطالعة، وفي أول نزولهما طرابلس نزل والده في دار عيسى التاجر الطرابلسي، أحد التجار المياسير بها، وبقي بها مدّة (٣). ثم قام بعمارة أمكنة فوق الجبل المطلّ على محلّة العويراتية بأطراف المدينة (٤)، وسكن في دار تحت الجبل

стр. 21

المذكور بالقرب من دار معبّر الأحلام محمد بن محمد بن سليمان الأوزاعي الدمشقي، المعروف بالبابا (١). وكان والد المؤلّف «خليل» على علاقة طيبة مع الأمير سيف الدين حاج إينال اليشبكي (٢)، وبينهما صحبة ومحبّة أكيدة، وكان النائب يحبّه جدّا ويعظّمه (٣)، وهو الذي سعى بتولية «شاذ بك الصارمي» في إمرة عشرين وحجوبية حجّاب طرابلس (٤). وكان كثير التودّد إليه أثناء إقامته بطرابلس. كما كانت لوالده صحبة ومحبّة أكيدة مع «تمراز الإينالي الأشرف» أمير طبلخاناه بطرابلس (٥). وعندما تولّى نيابة السلطنة الأمير «إياس المحمدي الناصري الطويل» في سنة ٨٦٣ هـ (٦). نشأت صداقة بينه وبين «خليل» والد المؤلّف، فكان يجتمع به ويتحاور معه في بعض الأمور (٧). وقد أقام المؤلّف مع أبيه بطرابلس نيّفا وستة أعوام، تلقّى العلوم في أثنائها على الشيوخ الطرابلسيّين، وعلى من كان ينزل بها من شيوخ دمشق وغيرها، فضلا عمّا يأخذه ويسمعه من والده، وممّا سمعه منه، عن شيخ أبيه أحمد بن محمد بن عبد الله بن سعد بن مفلح بن أبي بكر القيسي القدسي، الديريّ (المتوفّى ٨٦٧ هـ). الأبيات التالية: هي الدنيا الدنيّة فاحذروها ... فليس لها على أحد ثبات وبأوّلها وأوسطها انقلاب ... على كدر وآخرها شتات وغايتها المما (. . . .) بهذا ... إذا لم يكن إلاّ الممات ولكن (بعدها) أشياء تذهل ... لغد عن البنين الأمّهات فويل عند ذلك أي؟ ... لعاص أو بغتة السيئات ويا فوز العبد بالحشر ... عن النار المسعرة النجاة (٨) ومن شيوخه بطرابلس عالمها وخطيبها ومدرّسها تاج الدين عبد الوهاب بن محمد بن زهرة الحبراضيّ الأصل، الطرابلسيّ، وكان ولد بها سنة ٨٠٦ هـ، ونشأ فيها، وأقام متصدّرا للتدريس في جامعها المنصوريّ الكبير، والإفتاء، والخطابة، ذكره المؤلّف ﵀ في كتابه «الروض الباسم» فقال: «الشيخ تاج الدين عبد الوهاب بن زهرة، فقيه طرابلس الآن ومفتيها وخطيبها وابن خطيبها، وهو ممن أخذت عنه بل وقرأت عليه،

стр. 22

وحضرت دروسه بجامع طرابلس، وكان بها في سنة ٨٦٢ وما بعدها إلى أن خرجنا منها في سنة ٨٦٥ أو قبلها بيسير» (١). ومن شيوخه بطرابلس أيضا: محمد بن محمد بن سليمان الأوزاعي، الدمشقي، الصالحي، الطرابلسي، المعروف بالبابا. قال المؤلّف: «وكنت قد لازمته كثيرا في الفقه والتعبير، وأخذت عنه الكثير وانتفعت به فيها» (٢). والأرجح لدينا أنه أخذ على شيوخ آخرين بطرابلس أثناء إقامته فيها مع والده، ولكنّ المؤسف أنّ الفترة التي قضّاها في المدينة ضاعت من أصل مخطوطة «الروض الباسم»، فالجزء الأول لم يصلنا منه سوى حوادث ووفيات سنة ٨٤٤ حتى سنة ٨٥٠ هـ. والجزء الثاني وصلنا منه حوادث ووفيات سنة ٨٦٥ حتى سنة ٨٦٨ هـ، فيكون قد سقط من الكتاب من سنة ٨٥١ إلى نهاية سنة ٨٦٤ هـ. وهي تشتمل على السنوات التي عاشها بطرابلس (٨٥٩ - ٨٦٤ هـ)، كما ضاع إلى جانب ذلك ما كنّا نودّ معرفته عن وصف المؤلّف ﵀ لطرابلس حين دخلها، أو أثناء الإقامة فيها كما فعل في رحلته إلى أختها طرابلس الغرب وبلاد المغرب العربيّ والأندلس. وكل الذي عرفناه من أخبار تلك الفترة أنه ولد له أخ بطرابلس الشام في سنة ٨٦٣ هـ، اسمه إبراهيم وأمّه أمّ ولد اسمها «بلبل» وهي تركية، ولم يعش سوى تسع سنين، إذ مات بعد عودة أبيه من العراق إلى طرابلس في أواخر سنة ٨٧٢ هـ. فصنع له تابوتا ودفنه في مدفنه الذي كان أعدّه لنفسه بطرابلس (٣). وفي شهر جمادى الآخرة من سنة ٨٦٥ هـ، نراه مع والده بدمشق (٤). ثم عادا معا إلى القاهرة بعد قليل فسكن والده بدار زوجته أصيل أخت يوسف الملك العزيز، فهرع إليه أصحابه للسلام عليه، فجاء البلقيني فدعا «خليل» ولده «عبد الباسط» لتقبيل أياديه ورؤيته، فساعة وقع نظر البلقيني عليه أجلّه وأعظمه، وأخذ والده يثني عليه ويصفه بالعلم والذكاء. ثم اصطحبه أبوه معه إلى مجلس قاضي القضاة الحنفية أحمد بن الديري بالمدرسة المؤيّدية، فسأله عن مسألة في الفرائض، فأجابه (٥). وفي ١٥ ربيع الأول سنة ٨٦٦ هـ. خرج المؤلّف ﵀ من القاهرة إلى بلاد الصعيد وبقي فيها نحو ثلاثة أشهر اشترى خلالها كتّانا برسم الإتجار به في بلاد المغرب، وأنفق في ثمنه نحو ٨٠٠ دينار، وعاد إلى القاهرة، ومنها انتقل إلى الإسكندرية (٦)، فصادف حلول عيد الفطر وهو بها، فحضر صلاة العيد في الجامع السعدي (٧)، وركب

стр. 23

البحر يوم السبت في ١٩ من شوال (١). ووصل إلى تونس يوم الأربعاء في ٢٢ ذي القعدة، بعد أن بقي في البحر ٣٣ يوما، فرحّب به الشيخ أبو إسحاق إبراهيم المدرّس بجامع الزيتونة، فكان يحضر مجلسه بين الظهر والعصر أحيانا، وبين العصر إلى قرب المغرب أحيانا أخرى، وسمع الكثير من فوائده وتحقيقاته، إذ كان - حسب وصفه له - آية ورأسا في الفتوى، لا سيما الأصلين (٢). وفي يوم الأربعاء ٢٨ من ذي الحجة وصل إلى ميناء تونس مركبان للفرنج فيهما عدّة أسرى، فركب المؤلّف قاربا بقصد الفرجة فصعد إلى المركب الأكبر فوجد واحدا من الأسرى من المسلمين الأتراك يعرف التركية ولغة الفرنج، إذ بقي في أسرهم نحو ٢٥ عاما، ولا يعرف العربية، فكلّمه بالتركية، وعرف أن اسمه «مبارك»، فاجتمع بالخواجا التاجر أبي القاسم البنيولي أحمد ناظر الأندلس وعظيم التجار بتونس ونزيلها، وأخبره بأمر هذا الأسير، فتوسّط له مع الفرنج، فافتدى الأسير منهم بأربعين دينارا وأنزله إلى البر واستخدمه وبقي معه عدّة سنين (٣). وفي يوم الأربعاء ٢٦ من شهر صفر سنة ٨٦٧ هـ. ولدت للمؤلّف ابنة من أمته أمّ الشيخ شكرباي سمّاها «عائشة»، فلم تلبث أن ماتت في آخر النهار، فتأسّف عليها لاشتياقه إلى الأولاد، ودفنها في مكان يقال له «الزّلاج» وهو جبّانة عظيمة بتونس (٤). وفي اليوم التالي - الخميس ٢٧ صفر - خرج من باب الزّلاج إلى ظاهر تونس مع صديق له بقصد التنزّه والترويح عن نفسه بعد أن ضاق صدره بوفاة مولودته، ووصف صديقه بأنه الشاعر الأديب، البارع، الفاضل، الكامل، الدّين، أبو عبد الله محمد بن محمد المعروف بابن الرزين الخزرجي، الأنصاري، الأندلسيّ الأصل، التونسيّ، ورافقهما ثلاثة من الأصحاب: محمد الحديدي، وأحمد الوردوني، وشعيب البجائي، فاجتازوا بمسيرهم على زرع أخضر، فطلب المؤلّف أن ينشد كل من حضر شيئا من الشعر على البديهة في هذا الزرع، شرط الإجادة في المعنى، فابتدر ابن الرزين وأنشد ارتجالا: يا خليليّ قفا واعتبرا ... كيف ماس الزرع حسنا واسترد و (. . . . . .) غدير أخضر ... صنعت فيه يد الريح زرد وأحجم الباقون عن الإنشاد رغم إلحاح المؤلّف عليهم (٥). وفي يوم السبت ٢٩ من صفر بعث إليه محمد المسعود بالله بن المتوكل على الله عثمان صاحب تونس وليّ عهد أبيه يستدعيه للحضور بين يديه، فلما مثل أمامه رحّب به ورفع محلّه وأخذ يتلطّف معه بالكلام، فأنشده هذه البيتين: ألا يا آل حفص يا ملوكا ... ويا درّ حلى بهم نعمت سلوك

стр. 24

ألا فقتم ملوك الأرض طرّا ... فما من بعدكم أحد مليك فأعجباه وأجازه عليهما، وكتب له ظهيرا بإعفائه عن المغارم واللوازم. وبعد ذلك كان يدخل مجلسه المرّة بعد الأخرى، واجتمع به مرة عند الشيخ العالم الفاضل الكسلي شيخ بلده فأخذ يسأله عن الشيخ يحيى العجيسي، ثم تمادى الكلام إلى مشايخه وما قاله بعضهم من المقصورة التي أولها: أنتم بقلبي وأنا أشكو النوى ... إنّ حديثي لم يبن في الهوى (١) وفي الثاني من شهر رمضان نزل جزيرة جربة بالمراكب مع التجار، فأقام بساحلها ثمانية أيام. وأوسقوا منها زيتا كثيرا وأنواعا من الأكسية، وأقلعت المراكب إلى طرابلس الغرب، فنزل فيها نهار الخميس ١٥ من رمضان، وهيّأ له كبير التجار عبد الحميد العوّادي مكانا سكنه، وفيها التقى بقاضيها وخطيبها ومفتيها القاضي منصور البنجريري القروي، وهو من قرية بنجرير بالقرب من القيروان، وكان من أهل العلم ولديه فضيلة علمية وأدب، وله نظم حسن أنشده منه الكثير، وسمع منه الكثير من فوائده (٢). وكان أثناء إقامته بطرابلس الغرب يخرج مع رفاقه من التجار للتنزّه، وشاهد الزاوية التي بناها أبو عبد الله محمد ابن السلطان أبي فارس عبد العزيز صاحب تونس (٣)، وتنزّه بالبستان ورأى القصر الذي فيه. وأصبح يوم الثلاثاء الثاني من ذي القعدة موعوكا، فجاءه من الغد قاضي طرابلس البنجريري ومعه طبيب يدعى محمد فعاداه، ودعا له القاضي بالدعاء المأثور لعيادة المريض، فكتب له المؤلّف: لي سيّد زار وما زرته ... فمنّي النقص ومنه التمام إن يحمل سهوي ففقه مضى ... لا في المأموم وهو الإمام طالما زار الغمام الثرى ... ولم يزر قطّ الثرى للغمام (٤) وكان قائد طرابلس الغرب «أبو النصر» يتولاّها من قبل صاحب تونس، وهو رجل ظالم، فلم يزره المؤلّف لذلك، فأراد القائد أن ينكيه فطلب منه ثوبا من الصوف السميك الأرجوان، فبعث إليه ثوبا طوله ٤٠ ذراعا كان اشتراه من تونس بثمانية وعشرين دينارا، فأخذه ولم يدفع ثمنه، وبقي كذلك عدة أيام، فجاءه القاضي البنجريري وأغلظ له في القول، وأخذ الثوب منه وأعاده للمؤلّف، ممّا زاد من حنقه عليه (٥). وحدث للمؤلّف أمر مقلق وهو في طرابلس الغرب، ثم كانت له ذيول بعد ذلك،

стр. 25

وملخّصه أنه اشترى عشر جواري من الزنوج وسلّمهنّ لمملوك كان اشتراه بتونس أصله من سردينية كان أسيرا وأسلم، فأعتقه وركن إليه، ولكن المملوك خدعه إذ كان يتظاهر بالإسلام، وقال له إن الرقيق في غاية الرخص في هذه البلاد، وهو غال بساحل بيروت، فاشتر لي فرسا أتوجّه به إلى بيروت صحبة مراكب البنادقة مع التجار، فأبيع الرقيق وأعود إليك بمال طائل، فاشترى له ما أراد وأنزله البر مع التجار، فورد الخبر بعد مدّة أن المملوك ذهب إلى جزيرة رودس وباع الرقيق هناك، وارتدّ عن الإسلام، وخرج إلى سردينية. فجاء من أخبر قائد طرابلس بذلك، وسنحت له الفرصة أن ينتقم من المؤلّف، فبعث خلفه وسأله عن الجواري، فقال إنه بعث بهنّ إلى بيروت، فردّ القائد بأنك بعثت بهنّ إلى رودس وبعتهنّ هناك، فأقسم المؤلّف إن كان فعل ذلك فعليه ألف دينار لبيت مال المسلمين، فسكت القائد، وانفضّ المجلس، وبعد وقت قصير أحضر أمام القائد ثانية وقد وصل اثنان من الأسرى المسلمين كانا بردوس فأخبرا بما فعل المملوك ووصفاه، فالتزم بأداء الألف دينار إن صحّ الخبر، وأتى القائد بشاهدين وكتب محضرا بذلك، وأنه إن أتى آت وأخبر بالخبر نفسه كان عليه تنفيذ التزامه (١). وفي يوم الخميس منتصف شهر محرم من سنة ٨٦٨ هـ. وصل إلى طرابلس الغرب قارب فيه اثنان من الأسرى المسلمين هربا به من رودس، وأخبرا القائد بما فعله المملوك، فاتفق القائد معهما أن يرويا ذلك أمام المؤلّف، ولكن دون ذكر ارتداد المملوك عن الإسلام، وطلب منه الألف دينار، وأمر بحبسه دون أن يمهله فرصة لتدبير أمره، وبعث إلى داره بجماعة فأخذوا جميع ما وجدوه بها من المتاع، وحملوا أمّ ولده إليه، وبات المؤلّف ليلته سجينا، وعلم جماعة من أعيان طرابلس بالقضية فأتوا إلى القائد مستنكرين، وكان القاضي قد بلغه ارتداد المملوك عن الإسلام فقام بما يوجبه الشرع وقال للقائد إنّ الشرط لا يلزم أداء المبلغ لأنّ المملوك ارتدّ عن الإسلام وخدع صاحبه واحتال عليه وذهب بماله، فوعده القائد بالإفراج عنه غدا، وفي الليل أحضر المؤلّف من سجنه وتوعّده وخوّفه، وأخذ منه مالا بالمكر والخديعة، وحلّفه أن لا يذكر شيئا مما حدث لأحد من أهل طرابلس. وقد جرى كل ذلك دون أن يدري بما فعله القاضي وأعيان المدينة، كما لم يعرف بارتداد المملوك. وفي صباح اليوم التالي أطلق سراحه، وعندما وقف على حقائق الأمور ندم على دفع المال للقائد وسكت وهو على مضض كبير، وزاد من أسفه أنّ القائد داهن كبير التجار بطرابلس عبد الحميد العوّادي، فانقلب عليه ولم يراع صحبته ووقف إلى جانب القائد الظالم اتقاء لشرّه، وكان عند المؤلّف صاحب من ظرفاء سمرقند يدعى «خليل العجمي» وقد أحاط بكل ما جرى، فتأثّر من موقف كبير التجار المتنكّر لصديقه، وكان له إلمام بالنظم، فنظم أبياتا هجاه

стр. 26

فيها، وكأنّها على لسان المؤلّف، وأنشدها له، فأثبت المؤلّف ما يذكره منها وهو قوله: بني العوّادي أقوام لئام ... حلال الشرع عندهم حرام لهم فتن تشاع بكل ناد ... عليهم لعنة المولى دوام شرير مشهور ... إذا ملو شواش لا علموا منشور ... بسوق الأوباش فلا عجبا إذا افتخروا بعرضي ... فإنّ العرض عندهم ساح وإن قالوا قليل الدين كذبا ... فطيم لا يريد سوى النكاح وهي طويلة: وبعد أيام ورد قارب من أسارى رودس الأروام المسلمين هاربين منها وهم زيادة على العشرة، فأخبروا بالقضيّة على جليّتها، وأنّ ذلك المملوك باق على نصرانيّته، وهو حكى لهم ما فعل بسيّده، وأنه باع الجواري بخمسمائة دينار، وأنّه لما دخل البنادقة بالشواني إلى رودس احتال على صاحب المركب الفرنجي الذي معه أن سيّده أمره أن ينزل بالجواري برودس، ومنها يسافر إلى بلاد الروم فيبيعهنّ لأنّ السعر هناك أغلى من ساحل الشام، وكان معه في المركب يهوديّ اتفق معه أن يشتريهنّ منه، ودفع له كراء المركب. وانخدع الفرنجي صاحب المركب بكلامه. وشاعت هذه الحكاية بطرابلس، فلما تحقّق المؤلّف منها ذهب إلى القائد وطلب منه أن يعيد إليه ما أخذه منه وخوّفه بأنّه سيعود إلى تونس، ويشكوه إلى صاحبها عثمان وولده المسعود، ولم يخرج من عنده حتى أعاد له ماله وبيته. وخسر الجواري، وامتحن بالسجن (١). ولم تمض سوى أيام قليلة حتى مات أحد أولاد قائد طرابلس في أواخر المحرم ٨٦٨ هـ. فتأسّف عليه، وكتب المؤلّف معلّقا: «زاده الله أسفا على أسفه» (٢). ثم جرت للمؤلّف حكاية أخرى وهذه المرة مع شخص يهوديّ الأصل من بلاد الفرنج يدعى «عبد الرحمن»، قدم إلى طرابلس الغرب وتزوّج بحارة اليهود امرأة واستولدها، ثم سافر إلى القاهرة ومنها إلى القدس، فوجد هناك وهو يزني بمسلمة، فأسلم على كره منه، وعاد إلى طرابلس والمؤلّف بها، وأخذ يتودّد إليه حتى قام في خلاص ولده من امرأته اليهودية وأخذه معه إلى بلاد المغرب الأقصى، وأحسن إليه غاية الإحسان. وكان ذلك في شهر صفر ٨٦٨ هـ (٣) فلم يقابله اليهوديّ إلاّ بالإساءة المؤدّية إلى الهلاك، كما سيأتي لا حقا. وفي شهر جمادى الآخر قرّر السفر إلى تونس، وعرف بذلك قائد طرابلس فخشي

стр. 27

أن يذكر أمره للسلطان، فأرسل إليه يستعطفه ويعتذر حتى حلف له، ثم بعث إليه بهدية ليضمن ودّه، فامتنع من قبولها وتوهّم منه، ولم يزل به حتى أخذ هديّته (١)، ودخل يوم الأحد ٢٥ من جمادى الآخر مدينة قابس، ودخل بعدها القيروان يوم الأربعاء ٢٨ منه، فأنزله عالمها أبو عبد الله محمد بن محمد بن محمد البلدي الشهير بابن البكوش، وكان مفتيها وخطيبها، بدار إلى جانب داره، وأنس به جدا، فأخذ المؤلّف يتردّد على مجالس دروسه، وتلقّى عنه العلم الكثير في الوقت اليسير، مع الاجتهاد وكثرة الترداد ما بين قراءة عليه وسماع، واستفاد منه نبذا جيّدة في صناعة الطب، وحصّل فوائد جمّة وجليلة للغاية، وأخذ منه الإجازة (٢). وزار أثناء إقامته بالقيروان جبّانتها وتجوّل بين قبور العلماء والصالحين والأولياء، ووقف على أسماء الكثير منهم، ولكنه أضاع أوراق التعليق، فلم يعد يذكر ممّن زار قبورهم سوى الإمام سحنون (٣)،

стр. 28

وأبي الحسن القابسيّ (١)، وشقرون (٢). وفي العشرين من شوال ٨٦٨ هـ. خرج من القيروان إلى تونس فوصل إليها يوم ٢٣ في آخر النهار، فلم يمكث فيها إلاّ بعض أيام قلائل، ثم خرج في أواخر شوال صحبة الركب إلى تلمسان (٣)،. وبعدها دخل باجة صحبة شيخ الركب محمد بن أبي إبراهيم الفيلالي، وقاسى العذاب في أثناء السفر (٤)، وفي ١٧ من ذي القعدة دخل قسنطينة وأقام بها ثلاثة أيام ثم دخل مدينة بجايا وبادر فاجتمع بشيخها الإمام العالم أبي القاسم محمد المشدالي، وسمع الكثير من فوائده، ومن بجاية انتقل إلى الجزائر، وحضر مجلس سيدي عبد الرحمن الثعلبي، وسمع شيئا من فوائده وسأله بعض أسئلة كانت تشكل عليه فأفاده عنها، ورأى تفسيره، وقرأ عليه بعض السطور من أوله فأجازه، ورحل عن الجزائر إلى مدينة مازونا وقلعة هوّارة والبطحاء، ودخل تلمسان في أواخر ذي القعدة، وفيها عند طلوع فجر الأربعاء ١٤ من ذي الحجة ٨٦٨ هـ. ولدت له ابنة من أمّ ولده «شكرباي» أمّ الفتح، وسمّاها «عائشة»، واغتبط بها جدا فكان يقوم بتربيتها بنفسه، ويتولّى أكثر أمورها، ودامت معه إلى أن عاد إلى القاهرة فماتت في الطاعون الذي عمّ البلاد، وذلك ليلة النصف من رمضان سنة ٨٧٣ هـ (٥). وفي يوم الجمعة الخامس من المحرم ٨٦٩ هـ، خرج إلى ربض تلمسان وزار مقام الشيخ أبي مدين شعيب الإشبيليّ، ثم اجتمع بأبي عبد الله محمد ابن خطيب جامع العبّاد، وسمع خطبته وحضر كثيرا من دروسه، واستفاد من فوائده ستة أشهر، وكان أجلّ علماء تلمسان، وله نحو ٨٠ عاما. واجتمع بأبي عبد الله محمد العقبانيّ، وأخيه أبي سالم إبراهيم خطيب جامع تلمسان الكبير وإمامه، ومحمد بن مرزوق، ومحمد بن زكريا

стр. 29

مفتي تلمسان، ويحيى بن أبي الفرج قريب التلمسانيّ قاضي غرناطة وعالم الأندلس، ولقي جماعة آخرين من الفضلاء والأدباء والأطبّاء، ومنهم سيدي علي بن قشوش أحد أطبّاء تلمسان، وسمع من فوائدهم وحضر دروس بعضهم، ونقل عنهم أشياء وأجازوه، ولازم في الطب موسى بن سمويل بن يهودا الإسرائيلي المالقي، الأندلسي اليهودي المتطبّب المعروف بأبيه، وقال إنه لم يسمع ولم ير مثله في مهارته في الطب وعلم الوفق والميقات وبعض العلوم القديمة (١). وفي آخر نهار ٢٧ من ربيع الآخر دخل وهران، وزار زاوية سيدي إبراهيم التازي، المتقدّم ذكره، كما اجتمع بأبي العباس أحمد بن العباس المالكيّ مفتي وهران، وصاحب بها كبار أهل العلم والفضل فأفاد منهم الكثير (٢). وفيما كان المؤلّف يتابع رحلته في بلاد المغرب العربيّ كان والده يتردّد على السلطان خشقدم في القلعة بالقاهرة، وفي يوم الجمعة آخر جمادى الأول صعد وسأل السلطان في أمر إرث المغاربة بدمشق، وتمنّى عليه أن ينفق لفقرائهم، فأجابه إلى ذلك، ثم بادره بقوله: إنك لم تسألني شيئا لنفسك قط، وإنما تسألني حوائج الناس! فاغتنم الفرصة وسأله أن ينزل عمّا بيده من الإقطاع بدمشق باسم أولاده، فأجابه وكتب له منشورا باسم أولاده: أمير حاج، وأحمد، وعبد الباسط (المؤلّف)، ومحمد أبو الفضل (أخو المؤلّف)، ويوسف، وإبراهيم، وعبد الرحمن، والكل في قيد الحياة في سنة ٨٦٩ هـ. ما عدا إبراهيم. ولما ساءت العلاقة بين والد المؤلّف والسلطان الظاهر هذا أخرج الإقطاع عن أولاده وتركهم بغير شيء، ثم قطع مرتّباتهم على الذخيرة ببيت المقدس (٣). وغادر المؤلّف وهران إلى تلمسان فدخلها في ١٧ من شهور رمضان ٨٦٩ هـ. ونزل عند عبد الرحمن بن النجار صاحب الأشغال بها، وهو مدبّر المملكة لسلطانها ابن أبي ثابت. فأنس به هو وولداه عبد الله (الأكبر)، وعبد الواحد (الأصغر)، وسأله أن ينشده شيئا من نظمه في مدح صاحب تلمسان، فنظم قصيدة في نحو أربعين بيتا وكتب بها إليه، فلقيت صدّى طيبا عنده، فدعاه إليه ورفع من محلّه وشكره عليها، وكتب له ظهيرا بمسامحته في كل ما يتصرّف به من أنواع المتجر، ورتّب له مسكنا ينزل فيه طوال وجوده في تلمسان، مع توفير الغذاء من لحم ودقيق وغيره من غلال، ثم سأله عن مواضع في القصيدة أشكلت عليه فأجابه عنها، وأخذا يتباحثان في ذلك، ثم أمر بنسخ القصيدة بخط أحد الكتّاب الجيّدين، وأن يقرأها إنسان ذو صوت حسن بين يديه يوم عيد الفطر بحضور قاصد صاحب تونس. وعندما تصوّف المؤلّف غسل هذه القصيدة في جملة ما غسله من

стр. 30

شعره والكثير من أوراقه وتعاليقه التي ندم عليها فيما بعد لما كانت تحويه من فوائد كثيرة، ولم يعد يذكر من تلك القصيدة سوى هذين البيتين: أعني المليك الذي شاعت مكارمه ... من آل زيّان أقيال أماجيد هم الملوك وأبناء الملوك ومن ... يقل سوى ذا فذاك القول مردود وفي أول أيام عيد الفطر (شوال) أبلغه ابن النجار مدبّر تلمسان أنّ القصيدة قرئت بحضرة السلطان صاحب تلمسان وبحضور قاصد صاحب تونس، وسمعها الملأ العام ممن حضر في القصر عند السلطان، وأثنوا على قائلها، ووقعت لدى السلطان موقعا طيّبا، لا سيما أنّ فيها تعريضا بصاحب تونس (١). وعزم المؤلّف عند عودته إلى تلمسان أن يتوجّه إلى فاس ويراها، فصادف أنها كانت في ذلك الوقت تشهد فتنا وخطوبا نتيجة ذبح اليهود سلطانها عبد الحق المرينيّ، فعاد إلى وهران بعد أن تسوّق من تلمسان شيئا ليبيعه في الأندلس، إذ قرّر اجتياز برّ العدوة إليها (٢). وزار الصخرة التي بساحل وهران في شهر المحرم سنة ٨٧٠ هـ (٣). وفي نصف المحرم سافر في البحر إلى بلاد الأندلس، في مركب كبير للجنويّين مع جماعة من تجار الأندلس وتلمسان ووهران، وبقيت زوجه أمّ ولده بمنزل الشيخ الإمام أبي عبد الله محمد المعروف بابن القصار التلمساني خطيب جامع البيطار بوهران، فخلفه بأهله خلفا جميلا. ويوم الجمعة ٢٣ محرم دخل مدينة مالقة من الأندلس، واجتمع بالشيخ أبي العباس أحمد التلمساني شيخ الأندلس وقاضي الجماعة بغرناطة، وعالم المغرب في وقته، فأنس به، وسمع الكثير من فوائده. واجتمع أيضا بأبي عبد الله محمد بن الترعة قاضي مالقة وخطيبها، فسأله عن ترجمة الشيخ خليل المالكي لأنه بصدد شرح مختصره، فأطلعه عليها وكانت عنده من طريق الحافظ ابن حجر، فسرّ قاضي مالقة بها، وحضر المؤلّف كثيرا من دروسه، وفوائده، لا سيما العربية، فإن كان آية فيها (٤). وفيما كان يوم الأحد واقفا بباب البحر إذ بشخص مريب مرّ فارّا مسرعا جدا في عدوه، وكأنه بسرعة البرق، وأعقبه أناس مسرعون خلفه مجدّين في طلبه، فلم يدركوه، ووصل في هربه إلى بلاد الكند من بلاد الفرنج، فسأل عنه فقيل إنه تشاجر مع آخر فقتله ساعتئذ، ثم سأل عنه بعد ذلك فقيل له إنّه لحق بدار الحرب ودخل تحت حماية الفرنج البرطقال (٥) (البرتغال)، وعرف فيما بعد أنه هو مملوكه السابق الذي خانه. وفي شهر صفر توجّه من مالقة نحو غرناطة على البغال، فاجتاز ببلدة تدعى يكش،

стр. 31

ومنها إلى بلد يقال لها الجامة، وبات بها ليلة، ثم سار إلى غرناطة، ولقي بها جماعة من العلماء والفضلاء، منهم: أبو عبد الله محمد بن منظور، وحضر مجلسه أكثر من مرة، وسمع الكثير من فوائده (١). وفي ٢٩ من صفر ٨٧٠ هـ صعد إلى دار الإمارة بعد أن بعث إليه الأمير أبو الحسن صاحب غرناطة ليسأله عن أخبار صاحب تلمسان وصاحب تونس، فأخبره، وسأله عن الشام وأحواله، وعن القاهرة وملكها، فأجابه عن كل ما سأل، وكان يبدي تعجّبه مما يسمعه، ثم أخذ ورقة وكتب عليها بخطه بإعفائه من أيّ شيء يلزم به التجار من المغارم، وأكرمه للغاية (٢). وفي عاشر ربيع الأول زار ربض غرناطة المعروف بالبيازين وشاهد الجامع الأعظم هناك، وعزم على الخروج لرؤية قرطبة، ولكن حدث له، ما لم يكن في الحسبان إذ تلقّى ضربة عنيفة بالسيف وهو في زنفة الكحيل بغرناطة، فأصيبت شفته العليا وأنفه وخدّه الأيسر، وكسر ثمانية من أسنانه، وفصلت شفته ثم أعيدت، وخيطت جراحه بعد أن مكث يعالج نحو الشهر، وقد أشرف على الموت. ولم يكن المعتدي عليه سوى اليهوديّ الذي عطف عليه وهو بطرابلس الغرب وساعده في ضمّ ابنه إليه، وهو المدعو «عبد الرحمن»، وكان نزل غرناطة أيضا، وادّعى أنه عارف بالطبّ، وأخذ يترفّع على علمائها وأهلها حتى ضاقوا به ذرعا، وعندما نزلها المؤلّف بعد أيام سئل عنه فلم يعرفه لانقطاع أخباره عنه مدّة طويلة، ولم يتوقّع أن يكون في غرناطة، وعندما وصف له بدقّة عرف أنه هو، فحذّرهم منه، وأخبرهم بخيانته له، وأنه يهوديّ منافق يدّعي الإسلام، وعرف اليهوديّ أيضا به، فكمن له في أحد الأزقّة الضيقة وضربه بالسيف يريد قطع رقبته فأخطأها، ووقع المؤلّف أرضا من هول الصدمة، فظنّ اليهوديّ أنه مات، ففرّ هاربا، وعندما علم ببرئه بعد ذلك من جراحه تأكد أنه لن يكون آمنا بعد أن دلّ عليه، ففرّ إلى بلاد الفرنج مرتدّا عن دينه. وعلم فيما بعد أن أحد أسرى المسلمين لدى الفرنج تمكّن منه وقتله بعد أن وقف على أعماله المشينة دون أن يعرف المؤلّف أو يلتقيه، ونجا الأسير بنفسه إلى بلاد المسلمين (٣). وعاد المؤلّف من غرناطة إلى مالقة في أواخر جمادى الآخر ٨٧٠ هـ. بعد أن تماثل بعض الشيء إلى الشفاء، وفي يوم الإثنين مستهلّ شهر رجب ركب البحر عائدا إلى وهران فدخلها في الرابع من رجب، وكان يريد متابعة السفر إلى تونس ولكنه كان مجهدا، فأشار عليه بعض أصحابه بالراحة والإقامة في وهران (٤). ويوم الأحد ١٤ من رجب زاره عبد الله بن عبد الرحمن المعروف بابن النجار نيابة عن أبيه عبد الرحمن مدبّر

стр. 32

مملكة تلمسان، وقدّم له تحياته وأسفه على ما حدث له، وأوصى مشرف وهران بحسن معاملته (١). وفي يوم ٢٩ من شهر صفر سنة ٨٧١ هـ، ورد إلى ساحل وهران شونة كبيرة للفرنج الجنويّة برسم الاتجار بالجوخ قادمة من المحيط، فأبحر فيها يوم ١١ من ربيع الأول إلى تونس، مرورا ببجاية، بعد أن أخذ زوجه وأهله، ووصل إلى ميناء تونس يوم العشرين من الشهر، وبقي في المركب ولم ينزل إلى البرّ حيث أقلعت بعد أربعة أيام إلى طرابلس الغرب (٢)، ودخل ميناءها في أواخر جمادى الأول، وأقام بها مدّة (٣)، إلى أن تجهّز للحج فخرج مع القافلة على طريق برقة، مجتازا بمسراته في شهر شعبان، ووصل إلى الإسكندرية ليلة الأحد عند رؤية هلال شهر رمضان (٤)، ثم دخل القاهرة في ٧ ذي القعدة، فوجد أنّ والده قد غادرها للحج (٥)، فألغى سفره، وظلّ مقيما بها حتى وفاته. * * * هذه كانت سيرة المؤلّف ورحلته الحافلة بالأحداث كما سطّرها بيده في تاريخه الكبير «الروض الباسم» في مواضع متفرّقة منه، وقد ضاع منها سنوات رحلته مع والده من القاهرة إلى طرابلس الشام فيما ضاع من المخطوط. وبما توفّر لدينا من سيرته يمكن أن نذكر أسماء البلاد التي طوّف بها، سواء مع والده أو بمفرده، فبعد ولادته بملطية أخذه معه أبوه إلى القاهرة، ثم أعاده معه إلى ملطية، وانتقل معه إلى حلب، ثم إلى الخليل، وبيت المقدس، ودمشق، وحجّ معه إلى مكة المكرّمة، وعاد إلى قطيا، ودمشق، وطرابلس حيث أقام فيها أكثر من خمس سنوات، ثم عاد إلى دمشق، ومنها إلى القاهرة، وبعد ذلك انفرد بالرحلة اعتبارا من منتصف شهر ربيع الأول سنة ٨٦٦ هـ. فرحل إلى صعيد مصر، ثم انتقل إلى الإسكندرية، ومنها إلى مدينة تونس، ثم جزيرة جربة، وطرابلس الغرب، وقابس، والقيروان، وعاد إلى تونس، ومنها إلى تلمسان، وباجة، وقسنطينة، وبجاية، والجزائر، ومازونا، وقلعة هوّارة، والبطحاء، وتلمسان للمرة الثانية، ووهران، ثم تلمسان ثالثة، ومنها إلى مالقة، ويكش، والجامة، وغرناطة، ومنها عاد إلى مالقة، ووهران وبجاية، وتونس وطرابلس الغرب، ومسراته، وبرقة، والإسكندرية، والقاهرة، وبها استقرّ حتى وفاته، فيما استقرّ أبوه في طرابلس إلى أن توفي ودفن فيها كما تقدّم. وكان المؤلّف يلتقي بالعلماء والشيوخ والمدرّسين في رحلاته فيأخذ عنهم ويحضر مجالسهم كما تقدّم، فتنوّعت علومه بين اللغة، والفقه، والحديث، والمنطق، والتاريخ،

стр. 33

والطبّ، مع معرفته بالتركية، وتأثّر بأبيه في التأريخ فسار على نهجه، فألّف، وصنّف، وأرّخ، ونظم الشعر، وجمع بين علوم المشرق والمغرب من خلال أخذه عن شيوخ الشام ومصر وبلاد المغرب العربيّ والأندلس وبلغ شيوخه الذين أفاد منهم العشرات، وزادوا على الأربعين شيخا في مختلف البلاد التي زارها. وأول شيوخه كان والده المؤرّخ المصنّف، الذي زرع فيه حبّ التأريخ، ووضع بين يديه مدوّناته وفوائده وتعليقاته، فنقل الكثير منها وأفرغها في كتبه، يدلّ على ذلك متابعته أخبار مصر والشام اليومية وهو في بلاد المغرب، إذ يروي عن أبيه أنه صعد إلى القلعة بالقاهرة فسأله السلطان خشقدم عن الفرق في الاصطلاح بين «ملك الأمراء» و «النائب»، فأجابه على ذلك بالتفصيل، وقال بعد ذلك: «ونقلته من خطّه لأنّني كنت هذه الأيام في تلمسان» (١)، وفي موضع آخر ذكر أنّ السلطان سأل والده عن القول في الخطبتين يوم العيد عندما يأتي العيد في يوم الجمعة، فأفاض والده في الجواب بعدم صحّة الأقوال بالتشاؤم، وأقوال العوامّ، وأنّ ذلك حصل كثيرا للخلفاء والسلاطين ولم يحصل شيء. وقد نقل المؤلّف ذلك من خطّ والده، وقال: «نقلت هذا من خط الوالد ﵀ لأنّني كنت غائبا ببلاد المغرب» (٢). وروى مرة عن أبيه عن جدّه، فقال: «وكان الوالد يذكر لنا عن أبيه، عن بعض أخصّاء الظاهر برقوق» (٣). وفي موضع آخر ذكر خبر والده مع السلطان خشقدم من جديد، وسفر والده للحج، وسفره مع الحجّاج العراقيين إلى الحلّة، وسفارته لأمير الحلّة إلى جهان شاه، ووفاة السلطان خشقدم وما أصاب أهل القاهرة من حزن عليه وغير ذلك من أخبار، وقال: «نقلت هذه الجملة من تعليق بخط الوالد - رحمه الله تعالى - وفيه من الغرائب ما قد وقفت عليه يا مخاطب، بل وفيه ما يغنينا عن إعادة ذكره مع سياق الكلام منتظما» (٤). كما أخذ عنه شفاها، فقال: «ذكر لي الوالد من لفظه» (٥). ونقل من كتاب والده «كشف الممالك وبيان الطرق والمسالك» المفقود، خبر ضبط المتحصّل من مكس القطن الموسوق للفرنج بميناء طرابلس الشام في أيام ناظرها «أركماس الجلباني»، وذلك في ترجمته لإبراهيم بن المراة القبطيّ (٦). وتنوّعت مصادره من غير والده، بين مدوّنة وشفاهية أيضا، فضلا عن مشاهداته الشخصية، ومعايشته لكثير من الأحداث والوقائع، وكان مشاهدا لها وفي وسطها. ولدينا نصوص كثيرة، تبدأ بقوله: «سمعت» و «رأيت» و «أخبرني» و «حضرت» و «أنشدني»،

стр. 34

و «بلغني» و «ذكر لي»، وأكثر ما نجد ذلك في «الروض الباسم» وهو التاريخ الكبير، الذي يعتبر كتابنا هذا مختصرا منه. ففيه يقول في حوادث سنة ٨٤٤ هـ. «أخبرني غير واحد ممّن اطّلع على جليّة هذه القضية، ومنهم من أثق به وبدينه» (١)، وقال قبل ذلك: «رأيت اسم الظاهر جقمق - محمد جقمق - على منبر أستاذه برقوق وغيره» (٢). و «رأيت بخط الحمصيّ إجازة» (٣)، و «أخبرني من أثق به ممن كان مع الحاج في سنة ٨٨٧ هـ» (٤)، و «ذكر لي بعض من ينسب إلى العلم والمعرفة بأحوال كثيرة ممن ذكرهم التقيّ في تواريخه» (٥)، وعندما ذكر «محمد بن محمد بن أحمد بن العزّ الأوجاقي القاهريّ» (٦) قال: «كنت قد سألت ولده أن يوقفني على ترجمته وترجمة نفسه وإخوته أيضا، لأنّ البدر العيني لم يذكر اسم أبيه، ونقل عنه ابن تغري بردي ذلك أيضا». وشاهد بنفسه نقل «المؤيّد» إلى سجن الإسكندرية، وقال و «كنت أنا في هذا اليوم جالسا بمكان بالصليبية أعاين هذا الأمر وأشاهده عيانا» (٧). وذكر حكاية عن نائب طرابلس الأمير «إياس المحمدي الناصري الطويل» حكاها له والده (٨). وكان شاهدا وفاة السلطان «خشقدم» سنة ٨٧٢ هـ. وقد أخبره عن موته من حضر عنده، وشاهد بنفسه طلوع «قايتباي» - وكان أحد مقدّمي الألوف - إلى القلعة، واضطراب الجلبان عند رؤيته، حتى إنني خشيت عليه، وتوسّمت سلطنته في هذا اليوم (٩). وذكر اجتياز السلطان «يلباي» في شوارع القاهرة وقال: «وكنت أنا جالسا بمكان برأس سويقة عبد المنعم وشاهدته وقانبك أمامه» حتى نقل إلى الإسكندرية وسجن (١٠). وفي موضع آخر قال: «أخبرني من أثق به من أعيان الخاصكية ممن كان حاضرا مجلس السلطان قايتباي في شهر رجب سنة ٨٧٢ هـ» (١١). وهناك أخبار كثيرة في كتابنا هذا «نيل الأمل» مما شاهدها المؤلّف بنفسه وعايشها، أو سمعها من أصحابها، ففي ترجمة الأمير «أيدكي» مدبّر مملكة سراي ودشت قبجاق قال في آخرها: «وله أخبار تطول، كنت اجتمعت بإنسان رآه وعرف أحواله وصحبه هذا الإنسان مدّة سنين، فكان يذكر عنه غرائب وعجائب في شجاعته ومعرفته» (١٢). وهنا تكمن أهميّة الكتاب، والمعلومات التاريخية التي عرضها مؤرّخ معاصر للأحداث ومتفاعل

стр. 35

معها، ولم يكن مجرّد ناقل عن غيره، بل كان ناقدا، متثبّتا، له رأيه في التحوّلات السياسية، والعلاقات الاجتماعية، والحياة الاقتصادية، وقد بدت شخصيّته واضحة فيما دوّنه وضمّنه رأيه بكل صراحة. [وللتعرّف على شيوخ المؤلّف] وللتعرّف على شيوخ المؤلّف - غير أبيه - لا بدّ أيضا من العودة إلى تاريخه الكبير «الروض الباسم»، ففيه محصّلة محترمة منهم، أذكر من عرفنا منهم، مرتّبا أسماءهم على الحروف: ١ - إبراهيم بن أحمد بن ناصر بن خليفة بن فرج المقدسي، الناصري، البرهان الباعوني (توفي ٨٧٠ هـ) ومن نظمه ما كتبه في إجازة والد المؤلّف: سل الله ربّك ما عنده ... ولا تسأل الناس ما عندهم ولا تبتغي من سواه الغنى ... وكن عبده لا تكن عبدهم (١) ٢ - إبراهيم بن محمد الجدري، أبو إسحاق (توفي سنة ٨٨٠ هـ) شيخ تونس، والمدرّس بجامع الزيتونة. أفاده منه المؤلّف وهو يجلس بجامع الزيتونة بين الظهر والعصر أحيانا، وبين العصر إلى قرب المغرب أحيانا. وكان يجالسه في هذه الأوقات، وسمع الكثير من فوائده وتحقيقاته، إذ كان آية ورأسا في الفتوى لا سيما في الأصلين (٢). ٣ - إبراهيم العقباني، أبو سالم خطيب جامع تلمسان وإمامه (٣). ٤ - أبو سالم التازي (توفي ٨٦٧ هـ) نزيل وهران. لم يلقه المؤلّف، وإنّما أدرك أصحابه. وقال: كنت سمعت بمحاسنه وقصدت زيارته ورؤيته فلم يقدّر لي لوفاته بوهران في شوال، أظنّ. وأدركت عددا من أصحابه بوهران عندما دخلتها، وكان وقف في زاويته خزانة كتب جليلة في جمل من سائر الفنون العلمية. وكنت أنا لما رجعت من الأندلس إلى وهران معي جملة من الكتب وقفتها بزاويته لما كنت تركت التعلّقات الدنيوية، وحصل لي بعض توجّه إلى ذلك الجناب، فيا ليته لو دام.

стр. 36

ومن شعره ما أنشدنيه الشيخ أبو عبد الله بن القصّار، أحد تلاميذه: أما آن ارعواؤك عن شنار ... كفى الشيب زجرا عن عوار أبعد الأربعين تروم هزلا ... وهل بعد العشيّة من عرار؟ فخلّ حظوظ نفسك واله عنها ... وعن ذكر المنازل والديار وعدّ عن الرباب وعن سعاد ... وزينب والمعازف والعقار فما الدنيا وزخرفها بشيء ... وما أيامها إلاّ غرار وليس بعاقل من يصطفيها ... أتشري النقد، ويحك، بالتبار في أبيات أخرى. وأنشد ابن القصّار للمؤلّف عن التازيّ قصائد ومقطّعات وأبياتا كثيرة. وقال المؤلّف بعد ذلك: وقد كنت علّقت الكثير من أخباره وأحواله، ولما أخذت في التثبّت بما لم يثبت لي من الحال ضيّعت جميع أوراقي، بل وغسّلت الكثير منها، فضاع من جملتها ما كان متعلّقا بالشيخ، وهذا الذي ذكرته لفّقته بعد ذلك بنحو العشرين سنة لفكري الفاتر، وعزمي القاصر (١). ٥ - أبو نظيف الروميّ (توفي ٨٧١ هـ) كان أسيرا ببلاد الفرنج وهرب إلى وهران فلازمه المؤلّف، وأخذ عنه شيئا في الطبّ والفقه (٢). ٦ - أحمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن موسى بن سعيد المنوفي (توفي ٨٧٠ هـ) أحد شعراء عصره، المعروف بابن أبي السعود، القاهري، الشافعيّ، مهر في الفرائض والحساب، وتميّز في فنّ الأدب، وقال الشعر الحسن الجيّد. سمع المؤلّف من شعره فقال: فمن ذلك ما أنشدنيه لنفسه في مليح منجم: لمحبوبي المنجم قلت يوما: ... فدتك النفس يا بدر الكمال براني الهجر فاكشف عن ضميري ... فهل يوما أرى بدري وفالي؟ ومما أنشدنيه لنفسه قصيدته الطويلة التي هذا أولها: خذوا بدمي رقيم الوجنتين ... على الجرعاء بين الرقمتين ومن في مهجتي وفت بعهدي ... حسنا من مقلتيها الماضيتين (٣)

стр. 37

٧ - أحمد بن خضر بن علي خضر السلمي، المنصوري، القاهري، الحنبلي، ابن الهائم (توفي ٨٨٧ هـ) من الشعراء سمع المؤلّف من إنشاده، وهو مترجم في هذا الكتاب (١). ٨ - أحمد المسراتي، أبو العباس المالكي، خطيب جامع الزيتونة (توفي ٨٧٨ هـ) سمعه في أوّل جمعة دخل فيها تونس في جامع الزيتونة وهو يخطب، في شهر ذي القعدة سنة ٨٦٧ هـ. وكان يذكر السلطان باسم «أمير المؤمنين» (٢). ٩ - إسحاق بن إسماعيل بن إبراهيم بن شعيب النجم القرمي، التركي، الحلبي، القاهري، الحنفي (توفي ٨٨٠ هـ) أخذ عنه، ووصفه بشيخه، وترجم له في كتابه هذا (٣). ١٠ - الأمين الآقصرائي (توفي ٨٨٠ هـ) أخذ عنه، ووصفه بشيخه، وترجم له في كتابه هذا (٤). ١١ - التقيّ بن قندس وصفه بشيخنا في «الروض الباسم» (٥). ١٢ - الحسام بن مريطع، محمد بن عبد الرحمن بن العماد الغزّي، الصفدي، الدمشقي (ت ٨٧٤ هـ) هو قاضي الحنفية بدمشق. ترجم له في كتابنا هذا، ووصفه بشيخه (٦). ١٣ - سعد بن محمد بن عبد الله بن سعد بن مصلح بن أبي بكر بن سعد القيسي، القدسي، الديري، القاهري، الحنفي (٨٦٧ هـ) وصفه بشيخ مشايخ الإسلام وملك العلماء الأعلام عالم الملوك، قاضي القضاة،

стр. 38

وشيخ الشيوخ. المؤلّف، المصنّف. له النظم الحسن المقبول، فمنه ما أنشدنيه في شوال سنة خمس وستين وثمانمائة بقاعة سكنه بالمؤيّدية والوالد يسمع معي، وكنت أنشدت ذلك عنه قبل ذلك بطرابلس، ثم أنشدنيه لنفسه بعد حضور الوالد إلى القاهرة في التاريخ المذكور. هي الدنيا الدنيّة فاحذروها ... فليس لها على أحد ثبات فأولها وأوسطها انقلاب ... على كدر وآخرها شتات وأجازه برواية الكثير من شعره، وقال: وكان بينه وبين الوالد محبّة أكيدة وصحبة قديمة وأخذ عنه قديما، وأجازه من مدّة مديدة وأجازني أيضا (١). ١٤ - الشهاب المنصور شاعر، سمع المؤلّف كثيرا من شعره (٢). ١٥ - عبد الرحمن بن أبي سعيد الفرنجي الأصل، الصقلّي، التونسي، الطبيب (توفي ٨٧٣ هـ) قال المؤلّف: اجتمعت به وأخذت عنه (٣). ١٦ - عبد الرحمن بن علي بن عمر بن علي الأندلسيّ، المعروف بابن الملقّن (توفي ٨٧٠ هـ) ترجم له في «الروض الباسم» (٤). ١٧ - عبد الغفار بن أحمد بن عطية الطرابلسي المغربي، المالكيّ، المعروف بابن عطية (توفي ٨٧٠ هـ) قال المؤلّف: رأيته وصحبته وأنا بطرابلس، وسمعت الكثير من فوائده، وتردّدت إلى زاويته وداره كثيرا، وكان يأنس إليّ (٥). ١٨ - عبد الرحمن الثعلبي وصفه المؤلّف بالعالم العلاّمة الشهير الخطير الكبير. وقال إنه دخل الجزائر

стр. 39

وتبرّك منه، و «سمعت شيئا من فوائده، وسألته بعض أسئلة كانت تشكل عليّ فأفادنيها على أحسن وجه وأتمّه، ورأيت تفسيره وقرأت عليه من أوله بعض سطور وأجازني» (١). ١٩ - عبد القادر الدميري، القاهري، محيي الدين، أبو الثناء، المعروف بابن بقيّ المالكيّ (توفي ٨٧٣ هـ) قال المؤلّف: هو من أعظم أحبابنا، وله علينا الأيادي، وبيننا وبينه الوداد والصفاء والإخلاص والوفاء، وسمعنا الكثير من فوائده وأبحاثه لا سيما في دروس شيخنا الكافيجي (٢). ٢٠ - عبد الوهاب بن محمد بن يحيى بن أحمد بن دغرة بن زهرة الحبراضي، الدمشقي، الطرابلسيّ (توفي ٨٩٥ هـ) عالم طرابلس وخطيبها ومدرّسها ومفتيها. قال المؤلّف: هو ممن أخذت عنه، بل وقرأت عليه، وحضرت دروسه بجامع طرابلس، وكان بها إلى أن خرجنا منها في سنة ٨٦٥ هـ. أو قبلها بيسير (٣). ٢١ - علي بن أبي بكر بن أحمد بن شاور البرلّسي، البلطيمي (توفي ٨٧٤ هـ) قال المؤلّف: رأيته وسمعت الكثير منه فوائده. أظنّ أنني سمعت منه شيئا من نظمه (٤). ٢٢ - محبّ الدين، أبو الوليد بن شحنة الحنفيّ (٥) ٢٣ - محمد بن أبي بكر بن أحمد الأسدي، الشهبي، الدمشقي، الشافعيّ، بدر الدين (توفي ٨٧٤ هـ) حضر المؤلّف حلقته بدمشق وسمع من فوائده. وقال: وكان بينه وبين الوالد صحبة ومحبّة أكيدة. وكان له حق الجوار تجاه الوالد لما كان بدمشق (٦). وأضاف ثانية: له علينا مشيخة، وكان بينه وبين الوالد صحبة أكيدة ومحبّة قديمة (٧).

стр. 40

٢٤ - محمد بن أحمد بن إبراهيم بن علي بن محمد التونسي، المغربي، المالكيّ سمعه المؤلّف في سنة ٨٦٧ هـ. وقال: سمعت الكثير من فوائده، وأنس بي وصار يسألني عن أخبار هذه البلاد (١). ٢٥ - محمد ابن خطيب جامع العبّاد، أبو عبد الله قال المؤلّف: سمعت خطبته وحضرت كثيرا من دروسه واستفدت من فوائده ستة شهور، وكان أجلّ علماء تلمسان (٢). ٢٦ - محمد بن زكريا مفتي تلمسان (٣). ٢٧ - محمد بن سليمان بن سعد الرومي الكافيجي (توفي ٨٧٩ هـ) أحد مشاهير شيوخه. ترجم له في كتابنا هنا (٤). ٢٨ - محمد بن محمد بن سليمان الأوزاعي، الدمشقي، الصالحي، الطرابلسي، المعروف بالبابا (توفي ٨٦٩ هـ) أخذ عنه بطرابلس الشام، وكان يسكن بجوار دار والد المؤلّف. وقال عنه: وكنت قد لازمته كثيرا في الفقه والتعبير وأخذت عنه الكثير وانتفعت به فيها وله نظم، فمنه ما أنشدنيه لنفسه في شعبان سنة ٨٦١ هـ. مضمّنا: ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلة ... بساحل بحر للرباط فضيل وهل أردن يوما حياة برنزها ... وهل يبدون في أبراج وظليل وهل أشهدن يوما قتالا بمرجها ... إذا شاهدت عيني الدماء تسيل وأضرب في أعناق قوم كوافر ... بصارم هنديّ للرقاب فصيل فإن سلّم الرحمن فزت بنصره ... وإلاّ قتيل في الفلاة جديل تحوم على شلوي خيول سوابق ... وذلك في ذات الإله قليل (٥)
следующие страницы →