ومن شعره ما أنشدنيه الشيخ أبو عبد الله بن القصّار، أحد تلاميذه:
أما آن ارعواؤك عن شنار ... كفى الشيب زجرا عن عوار
أبعد الأربعين تروم هزلا ... وهل بعد العشيّة من عرار؟
فخلّ حظوظ نفسك واله عنها ... وعن ذكر المنازل والديار
وعدّ عن الرباب وعن سعاد ... وزينب والمعازف والعقار
فما الدنيا وزخرفها بشيء ... وما أيامها إلاّ غرار
وليس بعاقل من يصطفيها ... أتشري النقد، ويحك، بالتبار
في أبيات أخرى.
وأنشد ابن القصّار للمؤلّف عن التازيّ قصائد ومقطّعات وأبياتا كثيرة. وقال المؤلّف بعد ذلك: وقد كنت علّقت الكثير من أخباره وأحواله، ولما أخذت في التثبّت بما لم يثبت لي من الحال ضيّعت جميع أوراقي، بل وغسّلت الكثير منها، فضاع من جملتها ما كان متعلّقا بالشيخ، وهذا الذي ذكرته لفّقته بعد ذلك بنحو العشرين سنة لفكري الفاتر، وعزمي القاصر (١).
٥ - أبو نظيف الروميّ (توفي ٨٧١ هـ)
كان أسيرا ببلاد الفرنج وهرب إلى وهران فلازمه المؤلّف، وأخذ عنه شيئا في الطبّ والفقه (٢).
٦ - أحمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن موسى بن سعيد المنوفي (توفي ٨٧٠ هـ)
أحد شعراء عصره، المعروف بابن أبي السعود، القاهري، الشافعيّ، مهر في الفرائض والحساب، وتميّز في فنّ الأدب، وقال الشعر الحسن الجيّد. سمع المؤلّف من شعره فقال: فمن ذلك ما أنشدنيه لنفسه في مليح منجم:
لمحبوبي المنجم قلت يوما: ... فدتك النفس يا بدر الكمال
براني الهجر فاكشف عن ضميري ... فهل يوما أرى بدري وفالي؟
ومما أنشدنيه لنفسه قصيدته الطويلة التي هذا أولها:
خذوا بدمي رقيم الوجنتين ... على الجرعاء بين الرقمتين
ومن في مهجتي وفت بعهدي ... حسنا من مقلتيها الماضيتين (٣)
стр. 37
٧ - أحمد بن خضر بن علي خضر السلمي، المنصوري، القاهري، الحنبلي، ابن الهائم (توفي ٨٨٧ هـ)
من الشعراء سمع المؤلّف من إنشاده، وهو مترجم في هذا الكتاب (١).
٨ - أحمد المسراتي، أبو العباس المالكي، خطيب جامع الزيتونة (توفي ٨٧٨ هـ)
سمعه في أوّل جمعة دخل فيها تونس في جامع الزيتونة وهو يخطب، في شهر ذي القعدة سنة ٨٦٧ هـ. وكان يذكر السلطان باسم «أمير المؤمنين» (٢).
٩ - إسحاق بن إسماعيل بن إبراهيم بن شعيب النجم القرمي، التركي، الحلبي، القاهري، الحنفي (توفي ٨٨٠ هـ)
أخذ عنه، ووصفه بشيخه، وترجم له في كتابه هذا (٣).
١٠ - الأمين الآقصرائي (توفي ٨٨٠ هـ)
أخذ عنه، ووصفه بشيخه، وترجم له في كتابه هذا (٤).
١١ - التقيّ بن قندس
وصفه بشيخنا في «الروض الباسم» (٥).
١٢ - الحسام بن مريطع، محمد بن عبد الرحمن بن العماد الغزّي، الصفدي، الدمشقي (ت ٨٧٤ هـ)
هو قاضي الحنفية بدمشق. ترجم له في كتابنا هذا، ووصفه بشيخه (٦).
١٣ - سعد بن محمد بن عبد الله بن سعد بن مصلح بن أبي بكر بن سعد القيسي، القدسي، الديري، القاهري، الحنفي (٨٦٧ هـ)
وصفه بشيخ مشايخ الإسلام وملك العلماء الأعلام عالم الملوك، قاضي القضاة،
стр. 38
وشيخ الشيوخ. المؤلّف، المصنّف. له النظم الحسن المقبول، فمنه ما أنشدنيه في شوال سنة خمس وستين وثمانمائة بقاعة سكنه بالمؤيّدية والوالد يسمع معي، وكنت أنشدت ذلك عنه قبل ذلك بطرابلس، ثم أنشدنيه لنفسه بعد حضور الوالد إلى القاهرة في التاريخ المذكور.
هي الدنيا الدنيّة فاحذروها ... فليس لها على أحد ثبات
فأولها وأوسطها انقلاب ... على كدر وآخرها شتات
وأجازه برواية الكثير من شعره، وقال: وكان بينه وبين الوالد محبّة أكيدة وصحبة قديمة وأخذ عنه قديما، وأجازه من مدّة مديدة وأجازني أيضا (١).
١٤ - الشهاب المنصور
شاعر، سمع المؤلّف كثيرا من شعره (٢).
١٥ - عبد الرحمن بن أبي سعيد الفرنجي الأصل، الصقلّي، التونسي، الطبيب (توفي ٨٧٣ هـ)
قال المؤلّف: اجتمعت به وأخذت عنه (٣).
١٦ - عبد الرحمن بن علي بن عمر بن علي الأندلسيّ، المعروف بابن الملقّن (توفي ٨٧٠ هـ)
ترجم له في «الروض الباسم» (٤).
١٧ - عبد الغفار بن أحمد بن عطية الطرابلسي المغربي، المالكيّ، المعروف بابن عطية (توفي ٨٧٠ هـ)
قال المؤلّف: رأيته وصحبته وأنا بطرابلس، وسمعت الكثير من فوائده، وتردّدت إلى زاويته وداره كثيرا، وكان يأنس إليّ (٥).
١٨ - عبد الرحمن الثعلبي
وصفه المؤلّف بالعالم العلاّمة الشهير الخطير الكبير. وقال إنه دخل الجزائر
стр. 39
وتبرّك منه، و «سمعت شيئا من فوائده، وسألته بعض أسئلة كانت تشكل عليّ فأفادنيها على أحسن وجه وأتمّه، ورأيت تفسيره وقرأت عليه من أوله بعض سطور وأجازني» (١).
١٩ - عبد القادر الدميري، القاهري، محيي الدين، أبو الثناء، المعروف بابن بقيّ المالكيّ (توفي ٨٧٣ هـ)
قال المؤلّف: هو من أعظم أحبابنا، وله علينا الأيادي، وبيننا وبينه الوداد والصفاء والإخلاص والوفاء، وسمعنا الكثير من فوائده وأبحاثه لا سيما في دروس شيخنا الكافيجي (٢).
٢٠ - عبد الوهاب بن محمد بن يحيى بن أحمد بن دغرة بن زهرة الحبراضي، الدمشقي، الطرابلسيّ (توفي ٨٩٥ هـ)
عالم طرابلس وخطيبها ومدرّسها ومفتيها. قال المؤلّف: هو ممن أخذت عنه، بل وقرأت عليه، وحضرت دروسه بجامع طرابلس، وكان بها إلى أن خرجنا منها في سنة ٨٦٥ هـ. أو قبلها بيسير (٣).
٢١ - علي بن أبي بكر بن أحمد بن شاور البرلّسي، البلطيمي (توفي ٨٧٤ هـ)
قال المؤلّف: رأيته وسمعت الكثير منه فوائده. أظنّ أنني سمعت منه شيئا من نظمه (٤).
٢٢ - محبّ الدين، أبو الوليد بن شحنة الحنفيّ (٥)
٢٣ - محمد بن أبي بكر بن أحمد الأسدي، الشهبي، الدمشقي، الشافعيّ، بدر الدين (توفي ٨٧٤ هـ)
حضر المؤلّف حلقته بدمشق وسمع من فوائده. وقال: وكان بينه وبين الوالد صحبة ومحبّة أكيدة. وكان له حق الجوار تجاه الوالد لما كان بدمشق (٦). وأضاف ثانية: له علينا مشيخة، وكان بينه وبين الوالد صحبة أكيدة ومحبّة قديمة (٧).
стр. 40
٢٤ - محمد بن أحمد بن إبراهيم بن علي بن محمد التونسي، المغربي، المالكيّ
سمعه المؤلّف في سنة ٨٦٧ هـ. وقال: سمعت الكثير من فوائده، وأنس بي وصار يسألني عن أخبار هذه البلاد (١).
٢٥ - محمد ابن خطيب جامع العبّاد، أبو عبد الله
قال المؤلّف: سمعت خطبته وحضرت كثيرا من دروسه واستفدت من فوائده ستة شهور، وكان أجلّ علماء تلمسان (٢).
٢٦ - محمد بن زكريا
مفتي تلمسان (٣).
٢٧ - محمد بن سليمان بن سعد الرومي الكافيجي (توفي ٨٧٩ هـ)
أحد مشاهير شيوخه. ترجم له في كتابنا هنا (٤).
٢٨ - محمد بن محمد بن سليمان الأوزاعي، الدمشقي، الصالحي، الطرابلسي، المعروف بالبابا (توفي ٨٦٩ هـ)
أخذ عنه بطرابلس الشام، وكان يسكن بجوار دار والد المؤلّف. وقال عنه: وكنت قد لازمته كثيرا في الفقه والتعبير وأخذت عنه الكثير وانتفعت به فيها وله نظم، فمنه ما أنشدنيه لنفسه في شعبان سنة ٨٦١ هـ. مضمّنا:
ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلة ... بساحل بحر للرباط فضيل
وهل أردن يوما حياة برنزها ... وهل يبدون في أبراج وظليل
وهل أشهدن يوما قتالا بمرجها ... إذا شاهدت عيني الدماء تسيل
وأضرب في أعناق قوم كوافر ... بصارم هنديّ للرقاب فصيل
فإن سلّم الرحمن فزت بنصره ... وإلاّ قتيل في الفلاة جديل
تحوم على شلوي خيول سوابق ... وذلك في ذات الإله قليل (٥)
стр. 41
٢٩ - محمد بن القصّار التلمساني المغربي، الوهراني، المالكي (توفي ٨٧٤ هـ)
خطيب جامع البيطار بوهران. قال المؤلّف: تصاحبت معه لما قدمت وهران، وأخذت الكثير من نظمه (١).
٣٠ - محمد بن محمد بن عمر بن قطلوبغا التركي، القاهري، الحنفيّ (توفي ٨٨١ هـ)
ترجم له في كتابنا هذا، في حوادث سنة ٨٧٨ هـ (٢).
٣١ - محمد بن محمد الشريف الفاسي، التونسي، المالكي
ترجم له في كتابنا هذا (٣).
٣٢ - محمد بن محمد بن محمد البلوي، الشهير بابن البكوش، أبو عبد الله
عالم القيروان، ومفتيها، وخطيبها. نزل المؤلّف بداره بالقيروان في سنة ٨٦٨ هـ. وقال أنس إليّ جدا، وأخذت أتردّد إلى مجالس دروسه، وأخذنا عنه العلم الكثير في الوقت اليسير باجتهاد وكثرة ترداد ما بين قراءة عليه وسماع، واستفدنا منه نبذا جيدة في صناعة الطب، وحصّلنا الفوائد الجمّة الجليلة إلى الغاية والنهاية. وأجاز لنا (٤).
٣٣ - محمد الخيّر المالقيّ
لقيه المؤلّف في سنة ٨٦٧ هـ (٥).
٣٤ - محمد العقباني، أبو عبد الله
ذكره في «الروض الباسم» (٦)، وهو أخو أبي سالم إبراهيم خطيب جامع تلمسان الأعظم وإمامه.
٣٥ - محمد المشدالي، أبو القاسم
اجتمع به في بجايا وسمع الكثير من فوائده (٧).
стр. 42
٣٦ - محمد الواصلي، التونسي، المغربي، المالكيّ، أبو عبد الله (توفي ٨٧٢ ه ـ)
قال المؤلّف: حضرت دروسه كثيرا، وسمعت عليه الكثير من «صحيح مسلم» ومن تفسير القرآن، والفقه المالكيّ، والعربية، والمعاني، والبيان، وأصول الدين، والفقه (١).
٣٧ - مصطفى الروميّ (توفي ٨٦٤ هـ)
نزيل طرابلس الشام، سمع أشياء من نظمه باللغة التركية (٢).
٣٨ - منصور البنجريري، القروي
قاضي طرابلس الغرب وخطيبها ومفتيها، له نظم حسن. سمع المؤلّف من إنشاده كثيرا ومن فوائده (٣).
٣٩ - يحيى بن أبي الفرج قريب التلمساني
قاضي غرناطة وعالم الأندلس (٤).
٤٠ - يحيى الكسيلي، البجائي، المالكيّ (توفي ٨٨٥ هـ)
مفتي بونا وعالمها. ترجم له المؤلّف في كتابنا هذا ووصفه بشيخي (٥).
٤١ - يونس الأدرنائي، الرومي
وصفه المؤلّف بشيخنا المحقّق (٦).
وبالإضافة إلى هؤلاء الشيوخ فقد سمع المؤلّف من أخيه «أبي الفضل» في شهر رجب سنة ٨٨٧ هـ. وهو ينشد لنفسه في مدح خطيب مكة محمد بن محمد بن أحمد العقيلي النويري المكي الشافعي، المتوفى سنة ٨٧٣ هـ:
سألت حداة العيس أين تيمّموا ... مطاياكم ظاعنين عن الأهل
فقالوا: إلى بحر العلوم ومن غدا ... الزمان خطيبا في محاسنه علي
وفاض على كل الورى نور فضله ... وليس عجيبا فيضها من أبي الفضل (٧)
стр. 43
وسمع أيضا من الإمام المؤرّخ جلال الدين السيوطيّ شعرا يرثي فيه «المناوي» كما سيأتي. وله شيوخ غير الذين ذكرناهم أورد «السخاوي» بعضهم في ترجمته الآتية بعد قليل.
* * *
وفي العودة إلى وقائع رحلة المؤلّف، وقائمة شيوخه، يمكن أن نؤكّد على تنوّع مصادر ثقافته، واتصاله بعلية القوم وكبار العلماء في كل مدينة أو بلدة دخلها، وهذا يدلّ على وجاهته وعلوّ قدره، بحيث أكسبته التجارة موقعا اجتماعيا محترما، مع ما كان له من رصيد اجتماعيّ وثقافيّ اكتسبه من والده الذي وصل إلى رتبة الوزارة في مصر، وغير ذلك من المناصب الرفيعة في مصر والشام وغيرها، فضلا عمّا صنّف من مؤلّفات، فجمع بين المكانة السياسية والمكانة العلمية، حتى عرف المؤلّف في بعض المصادر ب «ابن الوزير»، فلا غرابة إذن أنّ نراه يجتمع بالملوك والسلاطين والولاة والقضاة والمفتين والخطباء والعلماء، وكبار التجار والوجهاء، وأن ينسج علاقات وصداقات واسعة مع رجالات عصره في البلاد التي ينزلها ويقيم فيها. ولم تصرفه التجارة، بل لم تستحوذ على كل تفكيره واهتمامه، إذ جمع بينها وبين طلب العلم والاستزادة منه بالاجتماع بالعلماء والشيوخ، والتردّد على مجالس العلم، وميله إلى التصوّف وزيارة قبور الأولياء والصالحين، والعلماء الأقدمين.
ومن خلال العودة إلى شريط رحلته، مرة أخرى، نجده ساذجا تارة، وحريصا تارة أخرى، وذلك من خلال ما جرى له من مملوكه العاقّ الذي خدعه، ومن اليهوديّ الذي أراد قتله، ومن قائد طرابلس الغرب الذي ظلمه، وكبير التجار الذي تخلّى عن نصرته. وفي المقابل، نجد شريحة كبيرة من الأصدقاء والأصحاب الذين وقفوا إلى جانبه في أوقات الشدّة، وساعدوه، وعادوه أثناء مرضه، وتأثّروا لما أصابه عند محاولة اغتياله، وإضافة أهله في بيت أحدهم عدّة أشهر أثناء سفره إلى الأندلس بمفرده، وتأثّره من قاضي القضاة الحنفية بمصر الشيخ محمد بن المغربي الغزّي، الذي وثب على وظيفة التدريس في أحد جوامع القاهرة، حيث وقع بينهما شنآن - حسب تعبيره - وأخذ الوظيفة منه بغير طريق ظلما وعدوانا (١).
وتنوّعت معارف المؤلّف بين لغوية، وأدبية، وفقهية، وطبّية، وأصول، ونظم ومنطق، وهندسة، ومساحة وعن العلمين الأخيرين يتحدّث المؤلّف أن والده أخذه معه إلى مجلس شيخه بالمدرسة المؤيّدية قاضي القضاة الحنفية السعد بن الديري، وذكره عنده، فقال القاضي الديري: «قد سمعت به وإنه طالب علم حذق، ثم أخذ بعد ذلك يسألني عن مسألة العشر في العشر، فتكلّمت ببعض كلام فتح الله تعالى به في ذلك الحين
стр. 44
فأعجبه إلى الغاية، ثم انتقلت إلى الكلام على طريقة أهل الهندسة والمساحة، فدعا لي، ثم حضرت بعض دروسه، وأجازني في سنة ٨٦٦ هـ» (١).
وتناقش مرة مع شخص حول البيت:
ما كل ما يتمنّى المرء يدركه ... تجري الرياح بما لا تشتهي السفن
فقال: إنّ الصحيح: «بما لا يشتهي السفن» (٢)، (بفتح السين المهملة وكسر الفاء).
ورغم ميل المؤلّف إلى الشعر ونظمه فإنه لم يكن بذاك المتمكّن من اللغة والنحو والصرف جيدا، فكتابته لا تخلو من الأخطاء والأغلاط اللّغوية والنحوية، وفي بعض الأحيان يستخدم ألفاظا عامّية، وفي أحيان أخرى يكتب كلمات بغير القواعد المتعارف عليها. وهذا يظهر واضحا في كتاب «الروض الباسم» الذي وصلنا قسم كبير منه بخطّه، أما كتابه «نيل الأمل» الذي بين أيدينا فلا يمكن أن يؤكد أو ينفي الحقائق التي نشير إليها، لأن النسخة الوحيدة التي وصلتنا هي نسخة منقولة عن أصل المؤلّف، ووزر الأغلاط يتحمّلها الناسخ.
أمّا نظمه للشعر فلا يرقى إلى مستوى الجيّد، بل هو شعر تقليديّ بحدود الوسط، ومنه رثاؤه لماهر بن عبد الله بن نجم بن عوض الأنصاري، المقدسي، القاهري، الشافعيّ عند وفاته في سنة ٨٦٧ هـ. فقال: ولما بلغني موته أنشدت في ذلك من غير تدوين بل على البديهة ارتجالا بحسب الحال هذه الأبيات:
أحييت بالعلم رسما ... قد كان قبلك داثر
وقد تمهّرت فيه ... فطابق الاسم ماهر
وزدته بصلاح ... لكم وخير المآثر
ودمت دهرا معينا ... للناس نفعك ظاهر
والآن غيّبت عنّا ... وصرت رهن المقابر
في أبيات أخرى (٣).
وله في مدح سلطان غرناطة أبي الحسن علي بن أبي النصر المعروف بابن الأحمر سنة ٨٧٠ هـ. قصيدة مطوّلة، أولها:
إلى أبي الحسن الأعناق تنخضع ... وعند سدّته الأملاك تتّضع
ومن شجاعته الأبطال قد فرقوا ... ومنه أفئدة الأعداء تنخلع (٤)
стр. 45
وقال يرثي أبا زكريا يحيى بن محمد بن مخلوف المناوي المتوفّى سنة ٨٧١ هـ. وقد نظمها ارتجالا حسب قوله وهو في الإسكندرية بعد دخوله إليها من السفر والتعب:
مات المناويّ الشرف ... فات المنى والشرف
نوحوا على فقده ... وابكوا بدمع ذرف
فهو الإمام الذي ... كلّ له اعترف
والبحر حاوي العلا ... فالفضل منه اغترف
والدرّ من علمه ... أهداه لا عن صدف
والشمس وقت الضحى ... والبدر تحت السدف
قاضي قضاة الورى ... غيث العطا والطرف
والجود ثم السخا ... واللطف ثم الظرف
ارحمه يا خالقي ... واتحفه منك بالتحف
وسق شربا له ... طول المدى والسلف
بوابل هاطل ... يذرف فوق الذرف
برحمة مع رضى ... وارفعه على الغرف (١)
و «المناويّ» هذا هو الذي رثاه الجلال السيوطيّ بقوله، وقد أنشده للمؤلّف:
قلت لما مات شيخ ... العصر حقّا باتفاق
حين صار الأمر ... ما بين جهول وفسّاق
أيّها الدنيا لك الويل ... إلى يوم التّلاق (٢)
وللمؤلّف شعر غير الذي تقدّم، سوف نستشهد به لاحقا.
ترجمة المؤلّف عند «السخاوي»
«عبد الباسط بن خليل بن شاهين الشيخيّ الأصل، الملطي، ثم القاهري، الحنفيّ، نزيل الشيخونية. ولد في رجب سنة أربع وأربعين وثمانمائة بملطية، ونشأ بها وبحلب ودمشق، فقرأ في دمشق بعد بلوغه القرآن ببعض القراءات، ثم حفظ «منظومة النسفيّ» (٣)،
стр. 46
و «الكنز» (١)، ونصف «المجمع» (٢). وأقرأه أبوه الكثير. وحضر دروس قوام الدين (٣)، وحميد الدين النعمانيّ (٤)، وغيرهما من علماء مذهبه وغيره. وقرأ على جماعة من فضلاء الروم كالعلاء الروميّ قاضي العسكر بها في دمشق، والبرهان البغداديّ (٥) في طرابلس، وقدم القاهرة فلازم النجم القرميّ (٦) في العربية، والمعاني، والبيان، والشرف يونس الروميّ (٧) نزيل الشيخونية في المنطق، والحكمة، والكلام، بل المحيوي الكافياجيّ (٨) حتى أخذ عنه كثيرا وحضر دروسه في علوم جمّة وكتب جليلة، وحمل عنه أيضا كثيرا من رسائله. وأجاز له الشمنّي (٩)، وابن الديري (١٠)، وآخرون. ودخل المغرب فأخذ دروسا في النحو، والكلام، والطبّ، بل أتقنه بخصوصه مع جماعة، وممن لقيه هناك: أبو عبد الله محمد الزلدوي (١١)
стр. 47
أحد الآخذين عن ابن عرفة. وبرع في كثير من الفنون، وشارك في الفضائل، وألّف، ونظم، ونثر، وأقبل على التاريخ، واستمدّ فيه منّي كثيرا وتردّد إليّ له ولغيره من الدروس. وهو إنسان ساكن، أصيل، منجمع عن الناس، متودّد، سمعت من نظمه وفوائده، بل امتدحني بما كتبه لي بخطّه» (١).
ترجمته عند «ابن إياس»
«. . . شيخنا العلاّمة زين الدين عبد الباسط بن الغرسي خليل بن شاهين الصفوي الحنفيّ. وكان عالما فاضلا، رئيسا، حشما، من ذوي البيوت، وكان من أعيان الحنفية، وكان مولده سنة أربع وأربعين وثمانمائة، فكانت مدّة حياته نحو ست وسبعين سنة. وكان له اليد الطّولى في الفقه على مذهب الإمام أبي حنيفة ﵁. وكان له اليد الطولى في علم الطبّ. وله عدّة مصنّفات نفيسة، منها: تاريخه الكبير المسمّى ب «الروض الباسم»، وآخر دونه يسمّى «نيل الأمل في ذيل الدول»، وآخر في الوفيات على حروف المعجم (٢)، وآخر في علم الطبّ، وغير ذلك في الشروحات على كتب الحنفية.
وكان والده الغرسي خليل من أعيان الناس، ولي الوزارة بالديار المصرية، وولي عدّة نيابات جليلة، منها: نيابة حماه، وصفد، والقدس الشريف، ونيابة الإسكندرية، وغير ذلك من النيابات الجليلة، وكان في مقام الأمراء المقدّمين.
وأمّا الشيخ عبد الباسط، ﵀، كان صفته طويل القامة، نحيف الجسد، وكان يربّي له ذؤآبة شعر في رأسه على طريقة الصوفية، وكان له أنف وافر جدا، حتى إنّ بعض شعراء العصر قال فيه مداعبة لطيفة، وهو قوله:
أدخلت في منخره إصبعي ... وقلت: ماذا العضو سمّيه
فقال لي مستعجلا: منخري ... قلت: أنا يا سيدي فيه
وكان الشيخ عبد الباسط ضنينا بنفسه، وعنده يبس طباع، مع شمم زائد، وكان معظّما عند الأتراك والأمراء، وكان عارفا باللغة التركية، وفيه جملة محاسن، وكان بقية السلف، وعمدة الخلف. وكان أصابه علّة السلّ، فأقام نحو سنة ونصف وهو عليل، منقطع في داره حتى مات، رحمة الله عليه» (٣)
وعاد «ابن إياس» فذكره ثانية، باختصار شديد فقال:
стр. 48
«توفّي الشيخ عبد الباسط بين خليل المؤرّخ، وكان من أعيان الحنفية، وكانت وفاته في ربيع الآخر سنة عشرين وتسعمائة» (١).
مصنّفاته
نظرا لتنوّع العلوم التي تلقّاها المؤلّف، فقد تنوّعت مؤلّفاته، فصنّف في السيرة النبوية، واللغة، والتفسير، والفقه، والطبّ، والمواعظ، والتجويد، والأذكار، والتراجم، والتاريخ، وفي هذا الفنّ الأخير تنوّعت مصنّفاته أيضا بين التاريخ العام، والتاريخ الخاص، أو التأريخ لجماعة معيّنة، مثل التأريخ للأنبياء أولي العزم، أو التأريخ للخلفاء الراشدين، أو سلاطين مصر، وغير ذلك، وأحصينا عشرين مؤلّفا له بين كبير من عدّة أجزاء، وصغير، في جزء واحد، أو رسالة. والملفت أنه لم يطبع من كتبه العشرين سوى كتاب واحد هو: «غاية السول في سيرة الرسول». وهذه أسماؤها مرتبة على الحروف:
١ - الأذكار المهمّات في المواضع والأوقات
ذكر في «هدية العارفين» - ج ١ ص ٤٩٤ باسم: «ابن الوزير الملطيّ».
٢ - الحكمة في كون خمس صلوات مخصوصة بهذه الأوقات
ذكر في «هدية العارفين» - ج ١ ص ٤٩٤.
٣ - الدرّ الوسيم في توشيح تتميم التكريم في تحريم الحشيش ووصفه الذميم
وورد: «الدر الوسيم شرح تكريم المعيشة في تحريم الحشيشة»، وهو في الأصل لقطب الدين محمد بن أحمد القسطلاني المالكي، المتوفى سنة ٦٨٦ هـ. مختصر، أوله: «أمّا بعد حمدا لله على جزيل نواله. . .» الخ. انظر: «كشف الظنون» ج ١/ ٤٧٠ و ٧٣٧.
٤ - الروض الباسم في حوادث العمر والتراجم
وهو تاريخه الكبير، يعرف ب «التاريخ» (مرتّب على السنين)، وصلنا منه ٤ أجزاء فقط، وهو في الأصل أكبر من ذلك، إذ أن النسخة الوحيدة المعروفة لدينا فيها سقط كثير. فالجزء الأول يبدأ بحوادث سنة ٨٤٤، وذهب منه بقيّة وفيات السنة المذكورة، وأول حوادث سنة ٨٤٥ هـ. وسقطت وفيات سنة ٨٤٦، وأخبار ووفيات سنة ٨٤٧، وضاعت ورقة في أثناء وفيات سنة ٨٤٩ هـ، وفي الجزء بياض ذهبت فيه بقية وفيات سنة ٨٥٠ هـ. ويحمل غلاف الكتاب العنوان التالي: «هذا كتاب التوريخ الملوكية في الحوادث الزمانية» بخط الشيخ جمال الدين المعروف بابن الشحنة، وكتب بعد ذلك
стр. 49
عبارة: «الثالث»، تأليف الإمام عبد الباسط المشهور بالحنفي المؤرّخ.
وأوله في الصفحة أب يبدأ ب «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ لا إله إلا الله عدّة للقائه، محمد رسول الله خير أنبيائه. قال مسطّره الفقير إلى الله تعالى الحفيّ، عبد الباسط بن خليل الحنفي. . . فهذا تعليق جمعته في التاريخ أنيق، وابتدأت فيه من مولدي الذي هو سنة أربع وأربعين وثمانماية ليكون عون (كذا) في الحوادث المتجدّدات والوفيات على التحقيق. . . ولما كمل هذا الترتيب وتمّ، وفاح شذا (كذا) عرفه وتم، سمّيته: الروض الباسم في حوادث العمر والتراجم».
وقد وقع اضطراب في أوراق هذا الجزء فوضعت سنة ٨٤٨ قبل سنة ٨٤٦ ولم يتنبّه العاملون في المكتبة إلى هذا الخطأ في الترتيب عند ترقيم أوراقه التي بلغت ٦٦ ورقة × ٢ = ١٣٢ صفحة.
أمّا الجزء الثاني الذي بين أيدينا من الكتاب فيحتوي على حوادث سنة ٨٦٥ إلى سنة ٨٦٨ هـ. وبقيّة وفياتها في الجزء الثاثل، فيكون قد ضاع من الكتاب من بداية سنة ٨٥١ حتى آخر سنة ٨٦٤ هـ. أي ١٤ سنة بالتمام والكمال.
وبدأ الجزء الثاني بما نصّه: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وبه أستعين وأتوكل عليه وهو حسبي ونعم الوكيل. وبعد فإني أردت أن أجمع جميع ما وقع من أول الخلفاء إلى ابتداء العثماني، ورتبت ذلك يوم (كذا) بعد يوم. والحمد لله». ومجموع أوراق هذا الجزء ١٨٦ ورقة × ٢ = ٣٧٢ صفحة.
ويتناول الجزء الثالث من بقية وفيات سنة ٨٦٨ إلى سنة ٨٧٢ هـ. وبقية حوادثها في الجزء الرابع، ومجموع أوراقه ١٦٩ ورقة × ٢ = ٣٣٨ صفحة.
الجزء الرابع فيه من بقية حوادث سنة ٨٧٢ حتى نهاية وفيات سنة ٨٧٤ هـ. ويبدأ من الورقة ١٧٠ وينتهي بالورقة ٢٥٩، أي ما مجموعه ٨٩ ورقة × ٢ = ١٧٨ صفحة.
وفي آخر الجزء جاء النص التالي:
«تم (. . . . . . . . .) الروض الباسم في حوادث العمر والتراجم على يد مؤلّفه وجامعه وكاتبه الفقير إلى الله تعالى الزين عبد الباسط بن خليل الحنفي، غفر الله له ذنوبه، وستر عليه عيوبه، (. . .) طوله، وذلك في يوم الاثنين ثامن عشر ربيع الأول الشريف سنة تسعين [و] ثمانماية (. . . . . . . . . . . .) آمين، وحسبنا الله ونعم الوكيل. وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلّم».
والكتاب منه نسخة فريدة مخطوطة في مكتبة الفاتيكان بإيطاليا، وفي الخزانة التيمورية بدار الكتب المصرية نسخة مصوّرة عنها، وهي برقم (٢٤٠٣ تاريخ تيمور)، وفي مكتبتي نسخة مصوّرة عنها.
стр. 50
ذكر في: كشف الظنون ١/ ٢٩٨ وفيه أنّ مؤلّفه توفّي في حدود سنة ٩٠٠ هـ، وهدية العارفين ١/ ٤٩٤، والتاريخ العربي والمؤرّخون ٢/ ٢٥٥ على أنه كتاب «تاريخ» مرتب على السنين، دون ذكر اسمه. وأثبت المرحوم «أحمد عطية الله» في القاموس الإسلامي ٥/ ٩٣، ٩٤ صورة للنص الذي ختم به المؤلّف كتابه «الروض الباسم» الذي ذكرناه قبل قليل، وذكر تحت الصورة على أنها صفحة من مخطوط كتاب «المعجم المفنّن بالمعجم المعنون»، وهذا خطأ.
٥ - الروضة المربعة في سيرة الخلفاء الأربعة
ذكر في: هدية العارفين ١/ ٤٩٤، والتاريخ العربي والمؤرّخون ٣/ ٢٥٥.
٦ - الزهر المقطوف في مخارج الحروف
ذكر في: هدية العارفين ١/ ٤٩٤، ومعجم المؤلّفين ٥/ ٦٩.
٧ - شرح عمدة الطالبين ورغبة الراغبين
هو في مجلّدات كما جاء في: هدية العارفين ١/ ٤٩٤.
٨ - غاية السول في سيرة الرسول
طبع بعناية علي علاء الدين الآلوسي - مطبعة عامرة باستانبول ١٣٢٨ هـ / ١٩١٠ م. (١١٧ صفحة) (المعجم الشامل للتراث العربي المطبوع ٥/ ١٥٩).
منه نسخة مخطوطة في مكتبة آيا صوفيا، رقم (٤٧٩٣) كتبت في القرن العاشر الهجري. ضمن مجموع من ورقة ٣٦ - ٥٧ ب، أوله: «الحمد لله الذي بعث رسوله محمد. . . وبعد. . . هذه رسالة. . . تشتمل على نبذ مختصرة من سيرة نبيّنا محمد». (إيضاح المكنون ٢/ ١٣٩، التاريخ العربي ٣/ ٢٥٥ مختارات من المخطوطات العربية النادرة في مكتبات تركيا ٥٦٦).
ومنه نسخة أخرى في متحف طوبقابو باستانبول رقم
(٢٨٠٣) A
(٦٠٣٨) ضمن مجموع، في أوله من ١ - ٣٠ أ (القاموس الإسلامي ٥/ ٩٣، التاريخ العربي ٣/ ٢٥٥).
٩ - القول الحزم في تاريخ الأنبياء أولي العزم
ذكر في: هدية العارفين ١/ ١٩٤ باسم: القول الجزم، والتاريخ العربي ٣/ ٢٥٤.
١٠ - القول الخاص في تفسير سورة الإخلاص
ذكر في: هدية العارفين ١/ ٤٩٤، ومعجم المؤلّفين ٥/ ٦٩.
١١ - القول المأنوس في حاشية القاموس المحيط والقابوس الوسيط الجامع
لما ذهب من كلام العرب شماطيط
وهو حاشية على القاموس المحيط لمجد الدين محمد بن يعقوب الفيروزابادي
стр. 51
(توفّي ٨١٧ هـ). ذكر في: كشف الظنون ٢/ ١٣٠٨، وهدية العارفين ١/ ٤٩٤، ومعجم المؤلّفين ٥/ ٦٩.
١٢ - القول المشهود في ترجيح تشهّد ابن مسعود
ذكر في: هدية العارفين ١/ ٤٩٤.
١٣ - المجمع المفنّن بالمعجم المعنون
ذكره المؤلّف في كتابنا هذا «نيل الأمل» ٢ / ورقة ٢١٧ ب، و ٣٠٧ ب، والقاموس الإسلامي ٥/ ٩٣ وفيه: هو معجم في السير والتراجم رتّبه ترتيبا أبجديّا، منه نسخة مخطوطة في ٥٠٠ ورقة بمكتبة الإسكندرية، تنتهي مادّته إلى «جانبك». وحرّره عن تاريخه الكبير المسمّى الروض الباسم. وانظر: كشف الظنون ٢/ ١٦٠٤، وهدية العارفين ١/ ٤٩٤ وفيه إنه «في التاريخ»، والتاريخ العربي ٣/ ٢٥٥.
١٤ - مجموع البستان النوري لحضرة مولانا السلطان الغوري
ذكر في: هدية العارفين ١/ ٤٩٤.
١٥ - المنفعة في سرّ كون الوضوء مخصوصا بالأعضاء الأربعة
ذكر في هدية العارفين ١/ ٤٩٤.
١٦ - نجم السكر
هكذا ذكر في: هدية العارفين ١/ ٤٩٤.
١٧ - نزهة الأساطين فيمن ولي مصر من السلاطين
يؤرّخ فيه بدءا من السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب. منه نسخة في مكتبة آيا صوفيا، رقم (٤٧٩٣) ضمن مجموع، من ٢٤ أ - ١٤٣ أ، ونسخة في مكتبة لا له لي، رقم ٢٠٤٤/ ١ كتبت سنة ١٠٣٥ هـ، في ١٠ ورقات، من ١ ب - ٩ ب، أوله: «الحمد لله مالك الملوك. . . وبعد، فهذه رسالة لطيفة. . . جمعت فيها أسماء ملوك مصر»، ومنه نسخة في خزانة أحمد الثالث رقم ٢٨٠٣ بخط المؤلّف، ونسخة أخرى في مكتبة خدا بخش بتنة، بالهند، رقم ٢٣٢٢ في ١٥ ورقة، ونسخة في متحف طوبقابو، رقم (٢٨٠٣) A
(٦٠٣٨) ضمن مجموع، من ٥٢ ب - ٨٤ أ. (انظر: هدية العارفين ١/ ٤٩٤، والقاموس الإسلامي ٥/ ٩٣، والتاريخ العربي ٣/ ٢٥٥، ومنتخبات من المخطوطات العربية النادرة في مكتبات تركيا ٥٦٦، ٥٦٧، ومعجم المؤلفين ٥/ ٦٩).
١٨ - نزهة الألباب في مختصر أعجب العجاب
ذكر في: هدية العارفين ١/ ٤٩٤، والتاريخ العربي ٣/ ٢٥٥.
стр. 52
١٩ - نيل الأمل في ذيل الدول
كتابنا هذا. ويسمّى في شذرات الذهب ٧/ ٣٣١ «ذيل الدول»، وفي القاموس الإسلامي ٥/ ٩٣، ٩٤ «ميل الأمل في ذيل الدول»، وانظر: «التاريخ العربي ٣/ ٢٥٥.
وصف المخطوط
وهو يتألّف من مجلّدين اثنين، الأول منهما في ٣٥٢ ورقة × ٢ = ٧٠٤ صفحات. والثاني في ٤٠٥ ورقات × ٢ = ٨١٠ صفحات. وهو في نسخة فريدة لم نقف على ثانية لها، محفوظة في مكتبة بودليان بأكسفورد، رقم ٦١٠، ٢٨٥ Hunt ، قياس ٢١ × ١٥ سم. ومنها أوراق قياس ١٨ × ٢٩ سم. وفي الصفحة الواحدة ٢١ سطرا، وفي السطر ١٧ كلمة غالبا، وهناك بعض الصفحات كتبت بخط أكبر، فقلّت الأسطر فيها إلى ١٩ سطرا، والكلمات إلى ما معدّله ٩ كلمات في السطر الواحد. وهي بخط النسخ الجيد بشكل عام، كتبت بالمداد الأسود، والعناوين بالأحمر، وكذلك بدايات السنين والشهور وفي بداية كل خبر تقريبا حيث يستهلّه بكلمة: «وفيه»، و «في شهر كذا». والنسخة ليست بخط المؤلّف، وإنما منسوخة في تاريخ غير معروف عن نسخة الأصل، ولهذا وقع فيها الكثير من التحريف والتصحيف، والتقديم والتأخير في تنقيط الحروف، وغمضت على الناسخ قراءة بعض الكلمات فرسمها كما وجدها دون تحقيق وضبط، ومن هنا واجهتنا مهمّة مضاعفة في قراءة النص الأساس كما أراده المؤلّف في الأصل، إذ لا نملك نسخة أخرى للمقارنة والمقابلة، يضاف إلى هذا تفرّد المؤلّف بذكر أخبار لا نجدها في المصادر الأخرى، فضلا عن الأغلاط النحوية واللغوية والإملائية الكثيرة التي عملنا على تصحيحها وتصويبها والإشارة إليها، في المتن أحيانا، وفي الحواشي أحيانا أخرى، حسب مقتضيات التحقيق. إذ في بعض الأحيان يضطر المحقق أن يبقي على الخطأ أو الغلط كما هو في المتن، ويصحّحه أو يصوّبه في الحاشية، وفي أحيان أخرى يضطّر إلى إثبات الألفاظ أو الكلمات صحيحة في المتن، وينبّه في الحاشية إلى أنها كتبت غلطا في النسخ، أو في الأصل، والراسخون في العلم وأهل التحقيق في كتب التراث لا يخفى عليهم هذا الأمر.
وفي النسخة حواش ليست بالقليلة، ويتضمّن المجلّد الأول من حوادث سنة ٧٤٤ حتى نهاية حوادث سنة ٨٤٠ هـ. والثاني يبدأ بحوادث سنة ٨٤١ وينتهي بحوادث سنة ٨٩٦ هـ. وقد ضاعت ورقة واحدة من المجلّد الثاني في حوادث سنة ٨٥٣ هـ.
والكتاب في الأصل لا ينتهي عند السنة (٨٩٦ هـ) فحسب، بل هو يؤرّخ إلى ما بعد سنة ٩٠٦ هـ - بالتأكيد، وربّما إلى ما بعد سنة ٩١١ هـ. على الأرجح. وينطبق رأينا هذا على كتاب الكبير «الروض الباسم» أيضا. فالذي وصلنا من «الروض الباسم» ينتهي
стр. 53
بحوادث ووفيات سنة ٨٧٤ هـ. غير أنّ المؤلّف ﵀ يشير إليه في كتابنا هذا «نيل الأمل» في السنوات التي تلي سنة ٨٧٤ حتى سنة ٨٩٦ هـ. وينقل منه، وفي آخر مرة يحيلنا إليه عند ذكره ثورة أهل حلب على نائبها في شهر شوال سنة ٨٩٦ هـ. إذ يقول في الورقة ٤٠٤ أ: «وقد ذكرنا تفصيل ذلك بالتاريخ الكبير المسمّى الروض الباسم».
ولدينا أكثر من إشارة إلى أنّ الكتاب يؤرّخ إلى ما بعد ٨٩٦ هـ. ففي (المجلد ٢ / ورقة ٢٣٠ أ) يذكر حادثة وقوع السلطان قايتباي وكسر رجله، ويقول بعد ذلك: إنه سيأتي مثل ذلك في سنة ٩٠١ هـ. وفي الورقة (٢١٥) يشير إلى أنه ذكر وفاة محمد أمير مكة في سنة ٩٠٣ هـ. وفي الورقة (٤٠٠ ب) يشير إلى أن «مصر باي» اختفى حين سلطنة العادل كما سيأتي في سنة ست وتسعمائة. أمّا «ابن إياس» فينقل عن المؤلّف، عن كتابه هذا بالتحديد، أخبارا في سنوات ٨٩٩ و ٩٠١ و ٩٠٦ و ٩١١ هـ. وهذا يدلّ أن الكتاب أكبر مما وصلنا، وكذلك كتاب «الروض الباسم»، ما يعني أنّ الناسخ لكتاب «نيل الأمل» لم يكمل نسخه كاملا، ووقف عند سنة ٨٩٦ هـ. وقد بدا في نهاية المخطوط تسرّع الناسخ بحيث لم يعد يذكر «الشهر» على عادته، واكتفى في ختام الكتاب بالقول: «الله أعلم»، دون أن يذكر اسمه، أو يؤرّخ لإتمام كتابته، كما نجده في آخر كل مخطوط. ومن حقّنا أن نشكره ونترحّم عليه - كما نترحّم على المؤلّف - لأنه حفظ لنا القسم الأكبر من هذا الكتاب بخطه، فيما ضاع أصل المؤلّف بكامله.
بقي أن أشير هنا إلى أنّ المؤلّف يذكر في (المجلّد ٢ / ورقة ٢٣٢ ب) أن تاريخ تأليفه للكتاب كان في سنة ٨٩٥ هـ. ومن الواضح أنه واصل تأليفه بعد ذلك، إذ يذكر في الورقة ٤٠٢ أن «أركماس» نائب حلب أقامه العادل طومان باي في هذه السنة التي علينا، وهي سنة ٩٠٦ هـ، غير أنّنا لا نستطيع أن نجزم متى توقّف عن التأليف، وعسى أن يعثر أحد الباحثين على تتمّة هذا الكتاب النفيس، وعلى تتمّة تاريخه الكبير «الروض الباسم»، فيثري معلوماتنا - أو من يأتي بعدنا - بمعلومات ثمينة انفرد بها مؤرّخنا «الظاهريّ» دون غيره من المؤرّخين المعاصرين له، واللاحقين به.
أمّا اسم الكتاب فقد وثّقه مؤلّفه في مقدّمة المجلّد الأول، وفي الورقة الأولى من المجلّد الثاني، والطريف أن الورقة الثانية منه - أي المجلّد الثاني - تحمل ثلاثة عناوين للكتاب هي: «أخبار الدول وآثار الأول»، و «حوادث الدهور في مدى الأيام والشهور»، وهو المسمّى ب «نيل الأمل في ذيل الدول».
وقد أوضح المؤلّف سبب تأليفه لهذا الكتاب فقال: إنّ المختصر في التاريخ المسمّى ب «دول الإسلام» للحافظ شمس الدين الذهبي، مختصر أنيق لطيف «احتوى على عدد الوقائع والحوادث المشتهرة، ومهمّات الوفيات للأئمّة الأعلام المهرة، انتهى فيه إلى سنة ٤٤ وسبعمائة من الهجرة النبوية. إذ فيما بعدها أدركته المنيّة، وبقي منقطعا بعدها
стр. 54
إلى هذه الأيام يتشوّف الواقف عليه لما حدث على مدى الشهور والأعوام. حتى سألني بعض خلّص إخواني وأحبّائي. . . وكرّر عليّ غير ما مرة السؤال في تذييله على نحو النسج في الذهبي، من المنوال بزمان على ذلك في الحوادث والوفيات، يغني عن النظر في غيره من التواريخ المطوّلات. فأجبته إلى ذلك. . . وجمعت هذا الذيل. . . ورتّبته على الدول والسنين، وزدت الشهور، وأتيت فيه بما هو الأهمّ المشهور. . . وسمّيته: «نيل الأمل في ذيل الدول»، وابتدأت فيه من السنة التي انتهى إليها المصنّف».
منهجيّة الكتاب
اعتمد المؤلّف في عرض مادّة الكتاب الطريقة التقليدية المتّبعة في كثير من كتب التاريخ الأخرى، وهي طريقة الحوليّات، أي ذكر أخبار، أو وقائع، أو حوادث كل سنة على حدة، وذكر تراجم الوفيات مع الحوادث ضمن السنة نفسها حسب تتابع تواريخها بالأيام والسنين، فيبدأ أولا بتاريخ السنة كعنوان رئيس، ثم يذكر الشهر، مبتدئا بشهر محرم فيذكر ما وقع فيه من حوادث ووفيات مرتّبة على الأيام، ثم شهر صفر، فربيع الأول، وهكذا حتى تنتهي السنة، وبعد ذلك يذكر مجموعة صغيرة من الأحداث والوفيات التي لا يعرف في أيّ شهر حصلت لبعدها عن مصر، مكان إقامته.
وهو يبدأ كل شهر بعبارة: «وفي شهر كذا». ويبدأ كل خبر وكل ترجمة بقوله: «وفيه». أمّا عند ذكره لأخبار ووفيات السنة التي لا يعرف في أيّ شهر كانت، فيبدأها بقوله: «وفيها» أي في السنة التي يؤرّخ لها.
ومنهجية دمج تراجم الوفيات مع الحوادث والأخبار التي اتّبعها المؤلّف في كتابه «نيل الأمل»، تختلف عن منهجية الحافظ الذهبيّ في كتابه «دول الإسلام» الذي صنّف المؤلّف كتابه هذا تكملة له. فالذهبيّ يذكر حوادث السنة أولا، ويجمع الوفيات فيذكرها مرة واحدة في آخر السنة نفسها. وهذه الطريقة اتّبعها المؤلّف في تاريخه الكبير «الروض الباسم»، ولكنّه عدل عنها في «نيل الأمل»، فلم يفصل بين الحدث والوفاة، وكأنّه يريد أن يؤكّد أنّ وفاة الأعلام تمثّل حدثا بحدّ ذاتها.
وبما أنّ الكتاب يبدأ بحوادث سنة ٧٤٤ هـ - أي قبل ولادة المؤلّف بمائة عام - فإنه اعتمد في تاريخه بشكل أساسيّ على كتاب «السلوك لمعرفة دول الملوك» للمقريزي، ومن بعده على كتاب «إنباء الغمر بأنباء العمر» لابن حجر العسقلاني - صديق والده -، ومن بعده على كتاب «عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان» لبدر الدين العيني، و «النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة» لابن تغري بردي، و «التبر المسبوك في الذيل على السلوك» للسخاوي، وغيره. وهي مصادر أساسية لتاريخه الكبير «الروض الباسم»، وبالتالي لمختصره، كتابنا هذا. وهنا أجد المندوحة في العودة إلى مقدّمة «الروض الباسم» للتأكيد على مقولتنا، ففيها يقول ما نصّه: «. . . وقد يحسن ويصلح أن يكون
стр. 55
تاريخنا هذا ذيلا على عدّة من التواريخ المعتبرة المشتهرة، للسادة الأئمّة المهرة، كتاريخي: قاضي القضاة البدر العيني - طيّب الله ثراه، وجعل الجنّة مأواه وقراه، وتاريخ شيخ الإسلام، حافظ العصر، [ا] بن حجر، تغّمده الله برحمته، ولضريحه نوّره، وتاريخ التقيّ المقريزي ﵀ رحمة تمنّاها، وغير ذلك من التواريخ التي بمعناها. وإن داخلها في بعض السنين الماضية، فيحسن ذيلا من حيث السنين الآتية، عقب سنيّ التواريخ المذكورة بعد التداخل، على أنّ بها من الزيادة ما يصلح أن يكون ذيلا لتلك السنين المتداخلة فيتمّ التذايل. . . وتوخّيت فيه ما ثبت عندي من نقل السادة المعتمدين الأخيار، أو شاهدته عيانا. أو مستفيضا يقينا من الأخبار. . .».
وفي هذا السياق علينا أن لا ننسى - قبل هذا وذاك - والده المؤرّخ «خليل بن شاهين» المصدر الحيّ والأقرب.
ولقد قرأ المؤلّف أخبار المؤرّخين السابقين، واستوعبها، ثم اختصرها وصاغها بأسلوبه وتعبيره المنطلق على سجيّته، بحيث تتّضح شخصيته من خلال كتابته التي تصل إلى حدّ العامّيّة في بعض الأحيان، مع كثرة الأغلاط والأخطاء اللغوية والنحوية. ولكنّه لم يخلّ في اختصاره للأخبار، بل على العكس من ذلك، إذ ضمّن كتابه أخبارا لم يذكرها «المقريزي» - مثلا - في «السلوك» ولا غيره، وكذلك الحال في الوفيات، إذ اكتفى «المقريزي» بذكر أسماء المتوفين في نهاية كل سنة، دون أيّة ترجمة. بينما أفرد المؤلّف في «نيل الأمل» لكلّ منهم ترجمة مختصرة.
* * *
أهميّته
وتبرز أهمّيّة هذا الكتاب، في كونه يؤرّخ لحقبة طويلة من عصر دولة المماليك في مصر والشام والحجاز واليمن، تمتدّ نحو القرن ونصف القرن، (٧٤٤ - ٨٩٦ هـ / ٧٤٣ - ١٤٩١ م) والأهمّ من ذلك، أنّ المؤلّف يؤرّخ أيضا لبلاد المغرب والأندلس كشاهد عيان، بحكم رحلته إلى تلك البلاد وإقامته فيها عدّة سنين، ومعرفته برجالات السياسة فيها، وأهل العلم. فضلا عن أنه يؤرّخ للحقبة المتأخّرة من دولة المماليك، حيث تقلّ مصادرنا عنها بشكل ملحوظ. والكتاب بسنواته الأخيرة يؤسّس لمرحلة العلائق المتوتّرة بين المماليك والعثمانيّين، ويعرض لحيثيّاتها ومجرياتها وتطوّراتها سلما وحربا، ويتناول يوميّات سلاطين المماليك وأخبارهم، وأخبار رجالات الدولة السياسيين، والعسكريّين، والإداريين، والدينيّين، والعلماء، وعامّة الناس، وأخبار العجائب والغرائب والنوادر والطرائف، ويعرض للحياة العمرانية، والاقتصادية، والتجارية، والزراعية، وللمناخ، وأحوال الطبيعة، والزلازل، والفيضانات، والسيول، والحرائق، والنكبات، وحالات الكسوف والخسوف، وتدهور القيمة الشرائية للدراهم والفلوس، وانحباس المطر،
стр. 56
وقوافل الحجّاج، والرياح والعواصف، والأوبئة، والحرّ، والبرد، والشدّة، والرخاء، والفتن والحروب، وأخبار الأعراب، وأهل صعيد مصر، وتبادل السفارات والوفود مع السلاطين العثمانيين، وملوك الفرنج، والاحتفالات، والمواكب، ورسوم السلطنة، والمناصب، والوظائف ومصطلحاتها، ووضع أهل الذمّة من نصارى ويهود في المجتمع الإسلامي، وفتح قبرس، وغزو رودس، والتصدّي لغزوات وغارات الفرنج في البحر، وغير ذلك من معلومات ثرّة، انفرد المؤلّف بذكر كثير منها دون غيره من المؤرّخين، إذ لم أجدها في أيّ مصدر آخر. كما أضاف كمّيّة ضخمة من تراجم الأعلام، وخاصّة أعلام القرن التاسع، ممّن عاصرهم، أو اتّصل بهم والتقاهم، أو وقف على أحوالهم، وهم بالمئات، ولم يذكرهم «السخاوي» في موسوعته المعروفة ب «الضوء اللامع لأهل القرن التاسع»، وقد أشرت إلى ذلك في حواشي الكتاب.
ولم يكن مؤلّفنا مجرّد ناقل ومقتبس من كتب غيره ممّن سبقوه، أو جمّاعة للأخبار فحسب، بل كان مؤرّخا، ناقدا، مناقشا، صاحب رأي فيما ينقله ويدوّنه. وهذا نجده واضحا في تاريخه الكبير «الروض الباسم»، إذ نراه يعلّق على رواية ذكرها «ابن حجر» في شهر ربيع الآخر سنة ٨٤٩ هـ. وهي أنّ السلطان الأشرف قايتباي عيّن «يونس البوّاب» الدوادار أن يكون مسفّرا لنائب حلب قانباي البهلوان يحمله إليها من حماه، وخلع على يونس بذلك، فقال المؤلّف «عبد الباسط»؛ «وسهى (كذا) الحافظ ابن حجر ﵀ لما ذكر هذه القضية فقال: وتوجّه - أعني يونس بنائب حلب بطالا إلى القدس، ولعلّه قصد أن يفصّل ذلك أولا، وما أظنّ إلاّ أنه أشيع، فنقله الحافظ. على الإشاعة، ولم يقع ذلك. وكذا سهى (كذا) في نائب حلب قانباي لما ذكر عزله، فسمّاه جلبان، فإنه قال في تاريخه: وفي هذا الشهر عزل نائب حلب جلبان. ولم يكن إلاّ قانباي هذا. ثم ذكر الحافظ المذكور في تاريخه بعد ذكره هذه القصة باسطر أنه يقال إنّ السلطان قرّر في تقدمة شاد بك دولات باي الدوادار الثاني، وقرّر الشهاب أحمد حفيد إينال اليوسفي في الدوادارية الثانية. وهذا أيضا لم يقع، فيحمل على أنه قيل له ثم رجع عنه إلى ما قلناه، فعلّقه الحافظ في وقته، ثم لم يحرّره، فإنه كان فيما هو بصدده، وكان التاريخ فضلة عنده ولا يتفرّغ لتحريره، رحمه الله تعالى» (١).
وانتقد «ابن تغري بردي» نقدا لاذعا في أكثر من موضع في «الروض الباسم» أيضا، وأتّهمه مرة بالسفالة وقلّة الأدب والحياء وعدم المعرفة، ومرّة بجمود ذهنه، وأخرى بأنه فضوليّ يقول كلاما لا طائل تحته، وأنه يتوهّم بل يكذب.
ففي ترجمته للمؤرّخ «تقيّ الدين المقريزي» نقل أقوال المؤرّخين في نسبه إلى أن
стр. 57
وصل إلى ما قاله «ابن تغري بردي»، فعلّق عليه بجملة طويلة، فقال: «وقال الجمال بن تغري بردي، ﵀، في ترجمته: وأملى عليّ نسبه الناصريّ محمد ابن أخيه بعد موته، إلى أن رفعه إلى علي بن أبي طالب، ﵁، من طريق الخلفاء الفاطميّين». انتهى كلامه. أقول: وليس في الانتساب إلى الفاطميين فخر، فإنّ جماعة من كبار علماء الإسلام والمؤرّخين المعتمدين أجمعوا على أنّ بني عبيد ليسوا بفاطميّين، بل وليس أصلهم من المسلمين، وذكر بعضهم أنّ أصلهم من بني ديصان، طائفة من المجوس. وذكر بعض الثقات أنه أثبت ببغداد محضرا فيه خط الشيخ أبو (كذا) الحسن القدوري الحنفي - وناهيك بعلمه ودينه وخيره -، وخط الإسفراييني الشافعي، وناهيك بالآخر وغزير علمه أيضا، أنّ بني عبيد ليسوا بفاطميّين، وأن عبد الله (كذا) الملقّب بالمهديّ ليس من ذرّية النبيّ ﵇. وهذا معروف مشهور مسطور مفروغ منه، تكلّم عليه الأساتذة الأقدمين (كذا). وممن ذكر ذلك ابن خلّكان، والذهبيّ، وابن كثير، وغيرهم من المؤرّخين، وتكلّم فيه وصرّح بذلك القاضي أبو بكر الباقلاّني، وغيرهم ممن يعتبر قولهم من الأكابر، وقد أنكر علماء النسب منهم، وما ذكره المقريزي في بعض كتبه من الميل إلى ذلك، بل التصريح به على تلك الطريقة التي ذكرها بعد استيعاب كلام الكثير من الأفراد الطاعنين في ذلك يفوق ما ذكره عنهم، ودخلوه إلى المقصود بحسن عبارة بحيث لا يرد عليه سؤال بكلام مغرض من متعصّب لا طائل تحته، وقد أعيب عليه ذلك وارتكابه إياه من ذلك الوجه الذي دخل إليه به غاية الإعابة، وبكّت عليه بعض العلماء في ذلك، وأنه ولها به بنفسه، ولا فخر في ذلك في الحقيقة اللهمّ إلاّ أن يفتخر بكونهم كانوا طرفا، فيمكن ذلك على أنهم كانوا بين الملوك لخبثهم الظاهر. ولما ترجم شيخ الإسلام البدر العيني، ﵀، التقيّ هذا قال في أثناء كلامه في ترجمته: وكان مشتغلا بكتابة التواريخ ويضرب الرمل، تولّى الحسبة بالقاهرة في آخر أيام الظاهر برقوق، ثم عزل بمسطّره، ثم تولّى مرة أخرى في أيام الأمير سودون بن أخت الظاهر برقوق، ثم عزل بمسطّره الدوادار الكبير أيضا عوضا عن مسطّره بحكم أن مسطّره عزل نفسه بسبب ظلم سودون المذكور. انتهى. ولما ذكر [ا] بن تغري بردي ترجمة التقيّ هذا نقل عن العيني صدر هذا الكلام وهو قوله: وكان، إلى قوله: الرمل، ثم قال عقيب ذلك: وكلام الأقران في أقرانهم غير مقبول. انتهى. أقول: وهذا لعلّه كلام مهبول، إذ هو في غاية السفالة وقلّة الأدب والحياء وعدم المعرفة، إذ لا نسلّم أنّ كلام الأقران في أقرانهم غير مقبول، لأنه إن لم يقبل كلام من كان مقارنا للإنسان عارفا بأحواله، فلا يقبل كلام غيره بطريق الأولى. وفي هذا من الفساد ما لا يخفى. وأيضا كلام العيني في المقريزي كلام ليس بطائل حتى لا يقبل بعلمنا قطعا بصدق ما قاله، فإنّ أحدا لا ينكر كون المقريزي كان يكتب التاريخ ويعرف علم الرمل ويضرب، فكيف لا يقبل هذا وليس فيه ما يشين المقريزي ولا ما ينقصه، حتى لو ذكر العيني عن المقريزي ما ينقصه قبلناه لعلمنا بثقته،
стр. 58
فكيف بكلام مقبول عند الكافة يعرف صحّته كل أحد، فلا شك أنّ هذا القول صادر عن غير مسلّمه. والجمال هذا مثل هذا، وأشباهه شيئا كثيرا (كذا) يكاد لا يحدّ ولا يعدّ. وإنّما الموجب لارتكابه عدم التأمّل ومعرفة قواعد التكلّم وما يرد على ذلك» (١).
ثم وصفه بعد قليل بالوهم، وهو يؤرّخ لوفاة المقريزي، فقال: «وذكر شيخ الإسلام العيني وفاته يوم الجمعة وقال: تاسع عشر شعبان، وهو سهو منه في العدّة، ولعلّه سبق قلم في الشهر، أراد أن يكتب رمضان، فسبقه القلم، فكتب: شعبان، وبقي كذلك. وأمّا وهمه في اليوم فلكونه دفن فيه فظنّه يوم وفاته. قال ابن تغري بردي إنه توفي يوم الخميس سادس عشر رمضان، ثم ذكر ما قاله العيني ووهّمه، والحال إنه هو الواهم، فإنّ أول رمضان في هذه السنة كان الأحد أو السبت على ما وقع فيه من الخلاف» (٢).
وفي ترجمة «تنبك الجقمقي» المتوفّى سنة ٨٤٩ هـ. نعت «ابن تغري بردي» بالجهل، وشكّك في وفاة «تنبك» هذه السنة، وذكر ما يؤيّد جواز كتابة: «تنبك» و «تاني بك» ومثل ذلك: «جانبك» و «جاني بك» فقال: «وقد غلّطه ابن تغري بردي» في هذه - أعني جانبك - حيث لم يجوّز كتابتها بالياء، وأمعن في ذلك في كتابه الذي سمّاه «مورد اللطافة»، ونسب الناس إلى الجهل، وهو الواقع فيه، على أنه كان يعرف اللغة التركية، لكن لجمود ذهنه يقف عند ما يقع في نفسه في أول وهلة فلا ينتقل إلى غيره، بل ولا يخطر بباله» (٣).
وعندما ذكر «ابن تغري بردي» ولاية «شمس الدين القاياتي» في سنة ٨٤٩ هـ. قال: «وظنّ كل أحد أنه يسير في القضاء على قاعدة السلف لما عهدوا منه قال: فوقع بخلاف ما كان في الظن، ومال في المنصب وراعى الأكابر، وأكثر من النواب، وظهر منه الميل الكلّي إلى الوظيفة حتى لو عزل منها لمات أسفا عليها. انتهى كلامه». فعلّق المؤلّف بقوله: «هو كلام في غاية الفضول وقلّة الأدب والحياء لا طائل تحته، إذ علم القاياتي وخيره ودينه وتقشّفه وعفّته ظاهر لكل أحد، وليس مقام ابن تغري بردي أن يذكر مثل هذه الكلمات عن ذلك الرجل» (٤).
وفي حوادث شهر رمضان سنة ٨٦٥ هـ. قال المؤلّف: «وخرج شهر رمضان هذا ولم يقع فيه بعد يوم الإثنين هذا حادث يؤرّخ من كبير أمر، وما ذكره الجمال يوسف بن تغري بردي في تاريخه من أنّ في يوم الثلاثاء ثامن عشرينه توجّه القاضي محبّ الدين بن الشحنة كاتب السرّ إلى خانقاه سرياقوس لتحليف جانم نائب الشام، فلم نعلم به، ولم
стр. 59
يكن له حقيقة. ثم إنني رأيت خط المحبّ وقد وقف على هذا المحلّ من تاريخ يوسف المذكور، فكتب بخطه بإزاء ذلك المحلّ ما جرى ذلك، وما علمت من أين أخذ ذلك، وتوهّمه، على أنه ليس بوهم، بل كذب محض» (١)!
وعلّق المؤلّف طويلا على ما كتبه «ابن تغري بردي» بحقّ السلطان الأشرف إينال في ترجمته ووفاته في سنة ٨٦٥ هـ. حول كتابة «إينال» العلامة على المناشير وأنه لم يهتد إلى ذلك، فأكّد المؤلّف أنه كان يكتب له بالقلم الرفيع العلامة وهو يعيد على ذلك بقلم العلامة الغليظ، وأن «ما ذكره بعض المؤرّخين - ويعني ابن تغري بردي - من أنه كان ينقّط له ثم يعيد هو على النقط فوهم، بل كان يكتب له كما ذكرناه، وكذا ما ذكره أنه لم يهتد إلى ذلك مدّة سلطنته، بل اهتدى على ما بيّناه في المراسيم، ولم يعدها بخلاف المناشير، فإنّ العلامة فيها: «الله أملي»، فكأنها كانت بعيدة عن ذهنه، ولأنها كانت قليلة الكتابة بخلاف المراسيم، فإنها متكرّرة كثيرا. وذكر هذا المؤرّخ أيضا عنه أنه لم يكن عفيفا عن الفروج، بل قال عنه إنه ربّما اتّهم بحبّ المرد، وإنه كانت أحكامه غالبة مناقضة للشريعة (. . .)، وهذه عبارته بعينها وحروفها، وأنت تدري ما فيها من الخلل، بل كان السكات عمّا ذكره أجمل، إذ العفّة من غالب هؤلاء الأتراك، وإن ظهرت فالغالب في الباطن بخلافها، على أنّ من ذكر هذا المؤرّخ عنه العفّة منهم كان إينال هذا عندي أعفّ منه، ومن نظر بعين الإنصاف مع تركه الاعتساف والغرض في سير هؤلاء وأحوالهم علم ما أقوله بشرط إمعان النظر، والتوسّم الموافق لصحّة الخبر حتى به يزن ما يرد عليه ويسمعه. ثم قال هذا المؤرّخ بعد ذلك: ووقع من مماليكه في أيام دولته من الأذى والتشويش البالغ والفحش وما لا يمكن شرحه، وهو راض به مع قدرته على إزالته. ثم قال: وكان يرضى بظلم الظالمين، بل ربّما شكرهم على ظلمهم وألبسهم الخلع والتشاريف. قال: وكان الخلق في آخر أمره تبغضه بغضا شديدا عظيما، وتمنّوا زوال ملكه لما ساموه لا سيما من شدّة وطأة ولده أحمد، وزوجته، وصهره برد بك الدوادار. انتهى كلامه. أقول: ليت شعري من ذا الذي لم يتّصف بهذه الصفات بعده من السلاطين، وكذا قبله من جنسه حتى ينكر هذا المؤرّخ على ذاك، أعني صاحب الترجمة. وكذا من ذا الذي سلم من هذه الآفات، لكن الأغراض توقع صاحبها فيما أراده (٢). . .».
ولا يترك المؤلّف فرصة سانحة إلاّ ويغتنمها للنيل من «ابن تغري بردي»، ويجدها هذه المرة في ما كتبه عن سلطنة تمربغا وتفضيله على كل السلاطين الذين سبقوه؛ بما فيهم صلاح الدين الأيوبيّ. فقال عن «تمربغا»: «ولما ترجمه بعض المؤرّخين ممن يجازف في كلامه ويعرّض فيما يقول، قال: لا نعلم في ملوك مصر من ولي تخت مصر
стр. 60
من الدولة التركية أفضل منه، ولا أجمع للفنون والفضائل، مع علمي من ولي مصر قديما وحديثا من يوم افتتحها عمرو بن العاص إلى يوم تاريخه، ولو شئت لقلت: ولا من بني أيوب! ثم أخذ بعد ذلك يذكر كلاما طويلا لا طائل تحته، ولا يصدر عن من له أدنى مسألة في معرفة نقد الناس والوقوف على سيرهم وأحوالهم وأخبارهم إمّا بالمشاهدة والعيان، أو بالخبر والبرهان. ورأيت هذا المسكين في غاية الجهل بمراتب الناس ومعرفة ذلك وما لهم من المقامات الذاتية والعرفية مع ما عرفته من ترجمتنا لتمربغا هذا وإيصالنا له إلى حقّه، لكن بحيث يصل الإنسان في الإطراء إلى مثل قول هذا القائل فلعلّ هذا المقال يؤدّي إلى الهبال، وما جميع من ملك مصر مع بني أيوب لا سيما السلطان السيد الشهيد الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب إلاّ كما قال الشاعر:
نزلوا بمكة في قبائل نوفل ... ونزلت بالبيداء أبعد منزل
وكذا (مع الصالح نجم الدين أيوب، ووالده الكامل محمد، بل ووالده العادل أبو بكر بن أيوب) (١)، فليس من الإنصاف، بل ولا من الدين، لا سيما لمن يدّعي أنه مع علمه بكذا وكذا، وأنّ له علما أن يقول مثل هذا المقال، اللهمّ إلاّ أن يكون به الخبال، فانظر بعين الإنصاف وتجنّب الاعتساف. وعلى تقدير تسليم ما قاله، كيف يدّعي لصاحب مدّة قصيرة لم تظهر له ثمرات في تصرّفاته، بل ونحن نعرف ما كان عليه قبل وصوله إلى ما وصل إليه، بل وآل أمره عن قريب إلى ما آل أن ينسب إلى كونه أفضل من أولئك الملوك الأقيال، فنعوذ بالله من الضلال» (٢).
وبقدر ما امتدح «ابن تغري بردي» السلطان تمربغا، ذمّ السلطان الظاهر يلباي، والإثنان لم يلبثا في السلطنة إلا وقتا قصيرا، فردّ عليه المؤلّف بكلام عنيف، وفيه: «ولما ذكر الجمال بن تغري بردي هذا الأمر وهذه القضية بسبب العجز والتقصير للظاهر يلباي هذا فقال: وما ذاك إلا لعدم تقدّمه وسوء سيرته وعجزه عن تدبير الأمور وبتّ القضايا وتنفيذ الأحكام وأحوال الدولة، وقلّة عقله بأنه كان في القديم لا يعرف إلا بيلباي تلي أي مجنون، فهذه شهرته قديما وحديثا في أيام شبيبته، فما بالك به وقد شاخ وكبر سنّه، وذهل عقله، وقلّ سمعه ونظره. هذا ما قاله، وهو كلام في غاية التخابل والاعتساف وقلّة الأدب والإنصاف، بل في غاية السفالة والغسالة، وعدم معرفة الأحوال والحدس الثاقب، على أنّ قائله كان يدّعي معرفة أحوال الترك على ما هم عليه على ما ينبغي، فليت شعري، كيف لم يكن تمربغا مساو (كذا) لهذا في ذلك، حتى لما ترجمه جعله أفضل من بني أيوب. . . وما لقّب [يلباي] بالمجنون إلا لشجاعته وإقدامه وقوله الحق وعدم مداهنته، وإلا فلو كان مجنونا بالمعنى الذي قاله هذا المؤرّخ لما جازت بيعته
стр. 61
بالسلطنة، فعلم أنّ المراد من تلقيبه بذلك لأجل نوع حدّة كانت في مزاجه وجرأة وإقدام حتى شبّه بالمجنون. بل ما قاله هذا المؤرّخ يؤدّي إلى الطعن في أهل الحلّ والعقد من الأئمّة والقضاة والعلماء، بل والأمراء والجند حيث ولّوا عليهم مجنونا. وبالجملة فذا كلام لا على طريقة الإنصاف، بل الإنصاف خلافه» (١).
ويعود المؤلّف فينتقد كلام «ابن تغري بردي» في كلّ من الأمير «قرقماس الجلب» و «الأمير قراجا» وذلك في شهر رجب من سنة ٨٧٢ هـ. ووصف رأيه فيهما بأنه تخبيط (٢).
ويعقّب على قوله من أنه يظنّ أنّ علي بن بركات شقيق أمير مكة محمد بن بركات حضر إلى مصر لآخر مرة في سنة ٨٧٢ هـ، فيقول المؤلّف: «لم يكن ذلك آخر عهده لذلك؛ بل قدم بعد ذلك إلى مصر في سنة اثنين (كذا) وثمانين، ودام بها إلى يومنا هذا قاطنها، وكان لما عاد إلى أخيه أقام عنده مدّة ووقع بينهما أمور، وتوسّع خيال علي هذا من أخيه، ففرّ منه إلى القاهرة من على جهة القصير في البحر، وقدم القاهرة من الصعيد» (٣).
وتوقّف مشكّكا في قول «ابن تغري بردي» حول شيخ الخدّام بالحرم النبويّ الشريف سرور الطرباي الحبشي الطواشي، المتوفى سنة ٨٧٣ هـ (٤).
ورغم كل النقد والتجريح والنيل من «ابن تغري بردي» فإنّ المؤلّف لم يستنكف عن النقل من مؤلّفاته، وعن تسميته ب «صاحبنا»، وهو ينقل عن كتابه: «حوادث الدهور»، فيقول: «ذكر صاحبنا الجمال يوسف بن تغري بردي»، وذلك في حوادث شهر شعبان سنة ٨٧٣ هـ. ثم يتبع ذلك بقوله: «هذا ما نقلته من تاريخه مما ذكره به بنحو ما قلناه، إن لم يكن بلفظه فبمعناه» (٥).
* * *
رأي المؤلّف في زمانه
يظهر المؤلّف امتعاضه الشديد من الأوضاع المتردّية التي آلت إليها أحوال دولة المماليك على مختلف الصعد، السياسية، والاقتصادية، والإدارية، وخاصّة بعد وصول الجراكسة إلى السلطنة، وهو يرى أن عهد الترك المماليك قبلهم كان أفضل بكثير، ويشير في أكثر من موضع في كتابه «نيل الأمل» إلى ضياع هيبة القضاة وهم أعلى سلطة في الجهاز الدينيّ، وتقدّم الأمراء العسكريين عليهم، بل إن تجرّؤ مماليك الأمراء على قاضي
стр. 62
القضاة أضحى واضحا في أواخر القرن التاسع الهجريّ، وللمقارنة بين هيبة القاضي في القرن الثامن، وضياعها في القرن التاسع، يذكر في أول حوادث سنة ٧٧٨ هـ. ما يلي: «في محرّم طلب قاضي القضاة البرهان بن جماعة دوادار أقتمر النائب ووبّخه ونهره في مجلس حكمه، ووضع من أقتمر بسبب ما يحدث من أحكامه بين الناس، وذكر له أنه بلغه عنه أنه ضرب ربّ دين بحضور مديونه، فتلطّف الدوادار وترفّق به حتى خلّص منه، وقد خاف منه».
ثم يعقّب بعد ذلك بقوله: «فانظر إلى ذلك الزمان وزماننا هذا، هل يتجرّى قاضي قضاة عصرنا أن يطلب غلام الأتابك أزبك، فضلا عن دواداره» (١)!؟
وفي حوادث سنة ٧٨١ هـ. (شهر جمادى الأول) ذكر أنه خلع على قاضي القضاة الحنفية جار الله بأن يقرّر مودع حكم الأيتام وأن يلبس الطرحة كالقاضي الشافعيّ، ويقيم أمين حكم، ويولّي قضاة الحنفية بالبلاد، فقام الشافعية في ذلك أشدّ قيام، واستمال العلاّمة الكمال البدر في ذلك. ولا زالوا حتى بطّلوا هذا الأمر بعد أن عقد مجلس عند الأتابك برقوق بسبب ذلك.
فعلّق المؤلّف على هذا بقوله: «وهذا أمر لا طائل تحته حتى يتنافس فيه في الحقيقة، فإنّ قاضي القضاة في هذا الزمن اسم لا مسمّى له، إذ كان في العصر الأول منفردا كأبي يوسف فهو قاضي قضاة الإسلام حقيقة. ولي في هذا كلام طويل لا يسعه هذا المختصر» (٢).
وفي سنة ٧٨٣ هـ. كانت كائنة نفي الجمال محمود العجمي المحتسب في شهر شعبان، حيث أمر الأتابك برقوق بذلك، وسببه أنّ كلاما وقع في مجلس برقوق وهو حاضر، وذكر فيه الهنديّ بن منصور القاضي الحنفيّ، فقال برقوق: «القضاة ما هم مسلمون»، وكان ذلك بالتركية، فنقل العجميّ قوله لابن منصور الهنديّ فشقّ عليه ذلك وركب إلى ابن جماعة الشافعيّ، وقال له: إني قطعت عمري بالاشتغال بالعلم بدمشق، [و] في آخر عمري أنفى بمصر عن الإسلام! وذكر له ما نقل عن برقوق، واستشاره في عزل نفسه، فتغيّر ابن جماعة من ذلك جدا، وركب من فوره إلى برقوق، وفاوضه في ذلك، فغضب من محمود العجميّ وعزله وأمر بنفيه حتى شفع فيه.
ويعقّب المؤلّف على ذلك بقوله: «وهذا أيضا مما حدث في دولة الجركس، وإن القضاة والعلماء كانوا في غاية الأوج من العظمة حتى على تقدير شيء فيهم، لكن لكونهم وعاء العلم كانوا يعظّمون ويقبّل السلطان والأمراء الأكابر أياديهم، ويخشون من
стр. 63
ألسنتهم، ويرون أنهم ما عرفوا دين الإسلام إلاّ بهم، وأنهم عسى ما كانوا هم في بركتهم، فعاد الأمر بالعكس حتى وصلوا [إلى] الوقيعة فيهم، ثم تزايد الأمر بعد ذلك لا سيما في أزماننا هذه حتى صار أقلّ الناس فضلا عن الأماثل والأكابر يتكلّمون في القضاة والعلماء وينسبونهم إلى المعايب والمثالب والمصائب، حتى أقبل الغلمان وأراذل العامّة وسفلة الناس، وما ذاك إلا عقوبة من الله تعالى لهم لامتهانهم العلم وخضوعهم لبني الدنيا في طلبها، وليتها وصلت إليهم، وإنّا لله وإنّا إليه راجعون» (١).
أمّا رأيه في دولة الجراكسة فكان أشدّ قسوة حين تحدّث عن «برقوق» فقال: «وكان جنديا من المماليك اليلبغاوية لا ذكر له، وهو من غير جنس العسكر الموجود لكونه جركسيّ الجنس وهم ترك، ولكن أذلّ الله تعالى به دولة الترك حتى قامت به دولة الجركس وكانت شرّ دولة قامت في الإسلام على ما سيأتي لك بيانه، وعلى ما هو ظاهر لمن له أدنى بصيرة ونظر بنور الحق والاعتبار» (٢).
وقال في موضع آخر في حوادث سنة ٧٨٢ هـ: «وقامت دولة الجراكسة وأمرها لم يتمّ، فإنها من أسوأ دولة وشرّها، وعلى يديها كان زوال محاسن مملكة مصر وقواعد سلطنتها، وتغيّرت الأحوال، وظهرت الأهوال. وبالله المستعان» (٣).
ويعقد في حوادث سنة ٨٣٩ هـ. مقارنة بين النفقة السلطانية على الأمراء والجند الذين عيّنوا للتجريدة إلى بلاد الشام في شهر شعبان، وبين ضخامة النفقة ذاتها في سنة ٨٩٥ هـ. ليؤكّد على تدهور الوضع الاقتصاديّ وتضخّم الإنفاق المالي في أواخر القرن التاسع الهجري، كدليل على تردّي الأوضاع العامّة في دولة المماليك الجراكسة، فيقول: «وفي شعبان كانت النفقة السلطانية على الأمراء والجند الذين عيّنوا للتجريدة للشام، وبلغت النفقة سبعة عشر ألف دينار، حتى استكثرها البعض من الناس». (هذا في عام ٨٣٩ هـ).
«فلو نظر إلى زمننا هذا وما فيه من النفقات فإن في هذه الأيام التي نحن بها في عصرنا حين تصنيفنا هذا التاريخ في سنة خمس وتسعين وثمانمائة، خرج العسكر إلى قتال ابن عثمان، فكانت النفقة فيه على الأتابك وحده أربعة وعشرين ألف دينار، وزادت النفقة بأسرها على الألف ألف دينار فيما أخبرت» (٤).
اتخاذ الكتاب مصدرا للمؤرّخين
مثلما اعتمد المؤلّف في تدوين مادّة كتابه على مصادر المؤرّخين المتقدّمين، فإنّ المؤرّخين المعاصرين له والمتأخّرين عنه اعتمدوا كتابه بين مصادرهم، بل إنّ بعضهم اتخذ هذا الكتاب مصدرا أساسيا بحيث أفرغ معظمه في كتابه، ونخصّ بالذكر «ابن إياس»
стр. 64
الذي نقل حرفيا كامل الكتاب من أوله إلى آخره ووضعه في كتابه «بدائع الزهور في وقائع الدهور»، واستغنى به عن «السلوك» للمقريزي، وهو اطّلع على نسخة كاملة من الكتاب حيث نجده ينقل أخبارا ذكرها المؤلّف بعد حوادث سنة ٨٩٦ هـ. التي كانت آخر ما وصلنا من كتابه. ورغم الكمّ الهائل الذي نقله ونسخه، فإنه لم يصرّح بذلك إلاّ في مواضع قليلة.
ففي حوادث سنة ٨٧٣ هـ. ذكر أعجوبة الحصاة التي كتب عليها، فقال: «نقل شيخنا الشيخ عبد الباسط بن خليل الحنفي في تاريخه، أنّ شخصا من الجند، يقال له يوسف السيفي يشبك الصوفي، خرج ليسيّر نحو الجبل المقطّم، فرأى حصاة مرميّة على الأرض فأخذها، فإذا عليها مكتوب بخط جيد: قد قرب الوقت اعتبروا واتقوا الله. وهي كتابة بغير نقط ولا شكل. فأحضرها بين يدي الشيخ أمين الدين الأقصرائي حتى رآها وتعجّب من ذلك، ولكن طعن فيها بعض الناس، وقال إنها مصنوعة. والله أعلم بحقيقة ذلك» (١)
وفي سنة ٨٩٤ هـ. توفي الشيخ بدر الدين بن الغرس، محمد بن محمد بن محمد بن خليل القاهري الحنفيّ، فرثاه المؤلّف، فنقل «ابن إياس» رثاءه فقال: «ولما مات رثاه شيخنا عبد الباسط بن خليل الحنفيّ بقوله:
لقد أظلمت مصر وأقفرت الدنيا ... لموت عديم المثل بل أوحد العصر
سأعجب إن ضاءت ليالي عصرنا ... وكيف يكون الضوء مع عدم البدر (٢)
وفي سنة ٨٩٩ هـ. - وهي من السنوات التي ضاعت مع القسم الأخير من كتابنا - ينقل ابن إياس بيتين من الزجل في وفاء النيل: «وقال شيخنا عبد الباسط بن خليل الحنفي:
النيل وافا ووفّا ... مبشّرا بالمنافع
وخازن القوت عي ... نيه تقلّعت بالأصابع» (٣)
وفي سنة ٩٠١ هـ. أخبر جماعة من الفلكية بأنّ زحل قد اقترن مع المرّيخ في برج الحوت، وذكروا أنّ هذا القران سيقع به فتن عظيمة عن قريب، فأجاب شيخنا عبد الباسط بن خليل الحنفي عن ذلك بقوله:
ليس القران بفاعل ... كلاّ ولا بمؤثّر
إنّ المؤثّر فعل من ... خلق القران تدبّر
стр. 65
فالفعل عنه صادر ... كم يا منجّم تفتري (١)
وفي سنة ٩٠٥ هـ. تعيّن شهاب الدين الرملي في وظيفة «ناظر الخاص» ولم يتقدّم له ولاية أية وظيفة سنية في مصر قبل ذلك، حتى عدّت ولايته من غلطات الزمان، فقال «ابن إياس»: «وفي ذلك يقول شيخنا خليل الحنفيّ، وهو قوله:
قد استوى الرملي على منصب الخا ... صّ برأس العام يا خلّي
من عدم الدّست ومن جهل من ... يطبخ حتى انحطّ للرملي» (٢)
ونقل خبر هدم قبّة مدرسة السلطان حسن، وذكر بعد ذلك: وفي هذه الواقعة يقول شيخنا عبد الباسط بن خليل الحنفيّ، وهو قوله:
هتكت قبّة الحسن ... وانتفى وصفها الحسن
إنّ في ذا لعبرة ... لكن المستفيق من؟ (٣)
ولما توفي العلاّمة جلال الدين السيوطي سنة ٩١١ هـ. رثاه المؤلّف بأبيات، نقلها عنه «ابن إياس»، وهي قوله:
مات جلال الدين غيث الورى ... مجتهد العصر إمام الوجود
وحافظ السّنّة مهدي الهدى ... ومرشد الضالّ بنفع يعود
فيا عيوني انهملي بعده ... ويا قلوب انفطري بالوقود
واظلمي يا دنيا إذ حقّ ذا ... بل حقّ أن ترعد فيك الرعود
وحقّ للضوء بأن ينطفي ... وحق للقائم فيك القعود
وحق للنور بأن يختفي ... ولليالي البيض أن تبق سود
وحق للناس بأن يحزنوا ... بل حق أن كلّ بنفس يجود
وحقّ للأجبال خرّ وأن ... تطوى السما طيّا كيوم الوعود
وأن يغور الماء والأرض أن ... تميد إذ عمّ المصاب الوجود
مصيبة حلّت فحلّت بنا ... وأورثت نار اشتعال الكبود
صبّرنا الله عليها وأو ... لاه نعيما حلّ دار الخلود
وعمّه منه بوبل الرضى ... والغيث بالرحمة بين اللحود (٤)
стр. 66
ويظهر واضحا ما في الأبيات من ركاكة، ومن أغلاط نحوية، فالصواب أن يقول: «بل حق أن كلاّ بنفس يجود»، وأن يقال: «وحقّ للأجبال خرّا». وقد نقلها «ابن إياس» كما هي بأغلاطها.
وقد نقل «ابن طولون الدمشقي» هذا الرثاء في «مفاكهة الخلاّن» (١)، وعنه نقله «نجم الدين الغزّي» في الكواكب السائرة»، وقال: «ولم أقف إلاّ على هذه القصيدة في تاريخ ابن طولون، ذكر أنه استملاها من بعض من قدم عليهم دمشق من القادمين، فكتبها هنا من خطّه لئلاّ تخلو الترجمة من مرثيّة ما» (٢).
وللدلالة على أنّ «ابن إياس» كان ينقل عن المؤلّف كلّ ما كتبه، بأخطائه، ما جاء في «نيل الأمل» في حوادث سنة ٨٧٧ هـ. من أنّ ركب الحجّاج العراقيّين دخلوا المدينة المنوّرة وضيّقوا على قضاتها، وأرادوا التوجّه إلى مكة المكرّمة، فخرج إليهم أميرها الشريف محمد بن بركات فلاقاهم من بطن مرّ، فكتبها المؤلّف - أو ناسخ كتابه - في نيل الأمل: «بطن مرو» (٣) بإضافة واو في مرّ، فنقل «ابن إياس» هذه الصيغة كما رسمت - غلطا - دون تمحيص وأثبتها في كتابه (٤). والصواب: «بطن مرّ»، بفتح الميم وتشديد الراء، وبين مرّ وبين مكة خمسة أميال (٥).
وفي شهر رمضان من سنة ٨٧٦ هـ. ذكر المؤلّف ترجمة «يحيى بن يشبك الفقيه الجركسي» وكتب: «مولده سنة ٨»، فكتبها «ابن إياس» مثله. مع أن مولده سنة ٨٤٢ هـ.
وكذلك تابع المؤلّف أو الناسخ للكتاب عند ذكر الفتن في بلاد فاس بالمغرب، ووردت خطأ «فارس»، فنقل «ابن إياس» الخطأ دون تمحيص. (انظر ٢٣٧ ب). وتابعه بالغلط النحوي حين كتب: «بزيادة اثنا» (٢٤٧ أ) وغيره.
وكان كتاب «نيل الأمل» أيضا، مصدرا من مصادر «السخاوي» في موسوعة «الضوء اللامع»، ففي ترجمته لأحمد بن أبي حمو موسى بن عبد الواحد التلمساني سلطان المغرب، المتوفى سنة ٨٦٥ هـ. قال: «وترجمه الزين عبد الباسط مطوّلا» (٦).
وهناك الكثير من تراجم الوفيات التي ذكرها «السخاوي» في «الضوء» دون أن يذكر تاريخ وفاتهم، وأحيانا يترك مكان تاريخ وفاته بياضا، ويمكن أن يستدرك عليه من كتابنا
стр. 67
هذا، ونذكر مثالا على ذلك ما ذكره في ترجمة «محمد بن جرباش كرت المحمدي الناصري فرج» حيث قال: «مات وأنا غائب مكة في سنة (. . . . .) وثمانين (١). . .». وقد ذكر المؤلّف سنة وفاته، بل والشهر أيضا، وهو شهر شعبان سنة ٨٨٧ هـ (٢).
ونقل «ابن العماد الحنبليّ» عن كتابنا في «شذرات الذهب»، ففي أول وفيات سنة ٨٨١ هـ. قال «فيها توفي - كما قال في ذيل الدول - شيخ فضلاء العصر أبو بكر بن محمد بن شادي الحصني الشافعي الإمام العلاّمة توفي في ربيع الأول، عن خمس وستين سنة» (٣).
طريقتي في التحقيق
لما كان الكتاب قد وضع أساسا في مجلّدين ضخمين، وكلّ مجلّد يتألّف من مئات الصفحات، وتناول المجلّد الأول ما يناهز المئة عام، فإنّ المجلّد سيأتي بعد تحقيقه في أكثر من ١٥٠٨ صفحة، ولهذا ارتأينا أن نقسّمه إلى أجزاء، فجعلنا المجلّدين في ٨ أجزاء، وراعينا أن تكون الأجزاء متساوية الأحجام قدر الإمكان، فتناولنا في:
المجلّد الأول: الحوادث والوفيات من سنة ٧٤٤ إلى نهاية سنة ٧٦٠ هـ.
والثاني: من سنة ٧٦١ إلى نهاية سنة ٨٠٠ هـ.
والثالث: من سنة ٨٠١ إلى نهاية سنة ٨٢٠ هـ.
والرابع: من سنة ٨٢١ إلى نهاية سنة ٨٤٠ هـ.
والخامس: من المجلّد الثاني - من سنة ٨٤١ إلى نهاية سنة ٨٦٠ هـ.
والسادس: من سنة ٨٦١ إلى نهاية سنة ٨٧٥ هـ.
والسابع: من سنة ٨٧٦ إلى نهاية سنة ٨٩٠ هـ.
والثامن: من سنة ٨٩١ إلى نهاية سنة ٨٩٦ هـ. ومعه الفهارس المختلفة.
ولما كان المؤلّف ﵀ يسرد الحوادث والوفيات دون أن يضع لها عناوين أو يفصل بينها إلاّ بكلمة: «وفيه»، فقد اجتهدت في وضع عناوين لكل خبر وحدث بمفرده، للفصل بينه وبين الخبر الذي يليه، وليسهل على الباحثين الوقوف على المواضيع التي يريدونها دون حاجة لقراءة الصفحة بكاملها. وكذا فعلت بتراجم الوفيات حيث ذكرت اسم الشهرة لصاحب الترجمة، ووضعت لتراجم المتوفّين أرقاما متسلسلة. وقمت بإثبات أرقام الصفحات كما هي في المخطوط، وكتبتها بين خطّين مائلين / /.
والتزمت إثبات مادّة الكتاب كما هي بلغة المؤلّف، مع أخطائه وأغلاطه وألفاظه
стр. 68
العاميّة، وأشرت إلى الصواب أو الصحيح في الحواشي، وفي بعض الأحيان كنت أصوّب بعض الألفاظ في المتن للضرورة، وأشير إلى الصيغة الغلط التي كتبها صاحب النسخة. ووضعت الحواشي التي كتبت على الهوامش في مواضعها من المتن حيث يشير الناسخ إلى ذلك بعلامة «،»، وللإشارة إلى نص الهوامش وضعتها بين قوسين (. . . . .)، ونبّهت إلى ذلك في الحواشي.
وقمت بتوثيق مادّة الكتاب بالعودة إلى عشرات المصادر، وحشدت أكبر قدر ممكن من المصادر والمراجع لتوثيق الحوادث والوفيات، وضبطت ما يحتاج إلى ضبط من الأسماء، وغيرها، وعلّقت في الحواشي على عدّة مسائل تحتاج إلى نقد أو بيان أو تصويب، وقابلت نصوصا للمؤلّف بنصوص غيره من المؤرّخين المعاصرين لبيان الاختلاف أو التطابق في تفاصيل الوقائع. أمّا الأخبار التي انفرد بها المؤلّف ولم تذكرها المصادر، فقد أكّدت عليها في الحواشي، ورأيت أن أبيّنها بحرف أسود لأميّزها عن غيرها من أخبار.
* * *
وبعد، فقد كتبت هذه المقدّمة بعد إنجاز تحقيق الكتاب، وانتهيت منها بعد ظهر يوم السبت في غرّة شهر ربيع الأول سنة ١٤٢١ هـ. الموافق للثالث من شهر حزيران (يونيه) ٢٠٠٠ م. وذلك بمنزلي الكائن في ساحة السلطان الأشرف خليل بن قلاوون (النجمة سابقا) بمدينة طرابلس الشام المحروسة، والله أسأل أن يجعل هذا العمل مقبولا ومفيدا للقراء والباحثين والدارسين، وأن يعذروا أيّ خطأ أو تقصير وقع منّي في التحقيق والتصحيح، فحسبي أنني بذلت الجهد قدر طاقتي.
والله الموفّق والمعين، وله الحمد والشكر.
عمر عبد السلام تدمري
стр. 69
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
/ ٢ أ / [مقدمة المؤلف]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الذي أعزّ دول الإسلام بين الأنام على الدوام بعزّة الإيمان، والصلاة والسلام على مولانا وسيّدنا محمد خير الأنام، ومصباح الظلام، الذي شيّد بناء الدين حتى علا واستبان. وعظم ملك أمّته من بعده بعظمة حزبه وجنده، وحقارة عدوّه وضدّه. حتى ذلّت لهم الملوك الأكاسرة، والقياصرة الجبابرة، ذوي (١) التيجان.
والرضى عن جملة آله وأصحابه، سيما الخلفاء الأربعة: ذوي الآراء المتّبعة، والسير الحسنة المرضيّة المبدعة. وعن تابعيهم والتابعين لهم بإحسان.
فإنّ المختصر في التاريخ المسمّى ب «دول الإسلام» للحافظ، العلاّمة، الإمام، الشيخ شمس الدين الذهبي، تغمّده الله برحمته ورضوانه، وأباحه بحبوحة جنانه، مختصرا أنيقا لطيفا، ومجموعا في فنّه ظريفا، احتوى على عدد الوقائع والحوادث المشتهرة، ومهمّات الوفيات للأئمّة الأعلام المهرة. انتهى فيه إلى سنة ٤٤ وسبعمائة (من الهجرة النبوية) (٢). إذ فيما بعدها أدركته المنيّة، وبقي منقطعا بعدها إلى هذه الأيام يتشوّف الواقف عليه لما حدث على مدى الشهور والأعوام.
حتى سألني بعض خلّص إخواني وأحبّائي من أعيان الفضلاء، بل العلماء الأثلاء، النبلاء الأصلاء، وكرّر عليّ غير ما مرّة السؤال في تذييله على نحو النسج في الذهبي، من المنوال بزمان على ذلك في الحوادث والوفيات، يغني عن النظر في غيره من التواريخ المطوّلات. فأجبته إلى ذلك، مع علمي أني لست هنالك، وجمعت هذا الذيل، ووفيت فيه بما سأل. / ٢ ب / ورتبته على الدول والسنين، وزدت الشهور، وأتيت فيه بما هو الأهمّ المشهور. وإن تراءى أنه مطوّل بالنسبة إلى أصله، والعذر فيه ما ذكرناه من الاستغناء عن غيره في تذييله ووصله.
على أنّ ما ذكرناه في غاية الإيجاز والاختصار، إذ هو نبذ تظهر لمن له التأمّل والاستبصار، وخبر كمل جمعه وتمّ، وفاح شذا عرفه ونم، وسمّيته
стр. 70
نيل الأمل في ذيل الدول
وابتدأت فيه من السنة التي انتهى إليها المصنّف، لنكتة ظاهرة لا سيما لمن هو منصف.
وأنا أرجو (١) من الله تعالى أنني أثبتّ فيه الأنفع، وأتيت بما فيه الاعتماد والكفاية والمقنع. ومن وقف عليه تأمّل محاسنه وحمد ما فعلناه، وشكر ما جمعناه، وعرف ما فيه من النكت الغريبة، والنوادر العجيبة، من فهم ترتيبه، والوقوف على فحواه، وهذا حين شروعنا في المقصود، بعون الملك الودود. به المستعان، وعليه التكلان.
стр. 71
سنة أربع وأربعين وسبعماية
(أيام السلطان الملك الصالح ابن الناصر محمد بن المنصور قلاون بعد خلع أخيه الناصر أحمد) (١)
[محرّم]
[الفتنة بين الأجناد المصريين وأشراف مكة]
في محرّم منها، في أول يوم منه، قدم مبشّر الحاجّ من مكة المشرّفة وأخبر بما كان بها من المشاقّ، وتنافر الأجناد من المصريين مع أشراف مكة، وما جرى بينهم من فتنة ومقتلة. ومات به جماعة من الجند والعامّة. وقتل ألدمر (٢)، ونهب شيء كثير (٣).
[نيابة آل ملك]
وفيه قبض عل آق سنقر النائب، ومعه آخرين (٤)، وقرّر في نيابة السلطنة الحاج آل ملك، وحسنت سيرته في النيابة، ووقع أشياء حسنة، منها: إخراج الأسرى من الأرمن والروم من خزانة اليهود. وكانت كالمحلّة، والحارة لهم، توالدوا بها وتناسلوا، وكان الخمر بها ظاهرا، إلى غير ذلك من المنكرات، فأبطلها آل ملك، وقام في ذلك أفضل قيام / ٣ أ / حتى هدمها. وكان لها يوما مشهودا (٥). واحتكرها الناس، وبنوا على أرضها. وهي الآن مكان المدرسة السابقية وما بأحوازها.
وفيه أبطلت المقامرين (٦) وما عليهم من المكوس بأمر النائب آل ملك (٧).
стр. 72
[عزل ابن فضل الله من كتابة السرّ بدمشق]
وفيه قدم من دمشق الشهاب بن (١) فضل الله كاتب سرّها مطلوبا لكثرة شكوى المتظلّمين (٢) فيه، فقام أخوه العلاء بن فضل الله في أمره حتى أعيد إلى دمشق مصروفا عن كتابة السرّ، ورتّب له بدمشق ما يكفيه، ولم يصادر (٣).
[تأمير شيخو العمري]
وفيه أمّر عدّة من المماليك السلطانية، منهم شيخو العمري الذي شهر فيما بعد، وهذا أول تنويه وقع له (٤).
[الخوف من المنسر]
وفيه تخوّف الناس وكثر رعبهم من منسر العقد (٥)، وصار يكبس على ديار الناس، وفعلوا أفعالا غريبة حتى أعيا الوالي والناس أمرهم، ثم أخذ بعضا منهم سمّروا وشهّروا.
[إعفاء زرع من المغارم]
وفيه قدم إلى القاهرة الشيخ أحمد الزرعيّ، فأكرمه السلطان وأعفى بلده زرع من المغارم والسخر لأجله (٦).
[وفاة المستولي ابن علوي]
[١]- وفيه مات الشهاب المشتولي (٧) أحمد بن علي بن أيوب بن علوي، المحدّث، وقد جاوز الثمانين.
وكان خيّرا، ديّنا، ورعا، سمع الأبرقوهيّ (٨).
стр. 73
[التقليد لصاحب الهند بالولاية]
وفيه كتب تقليد لصاحب الهند من الخليفة بالولاية. وكان قاصد الهند قدم القاهرة ومعه جماعة بمكاتبات من ملك الهند للخليفة والسلطان وهدايا، وطلب في مكاتبته أن يبعث إليهم من يعلّمهم شرائع الإسلام، فبعث إليهم بالشيخ ركن الدين الملطيّ شيخ الخانقاه السرياقوسيّة (١).
[موت النائب آق سنقر السلاري]
[٢]- وفيه مات بالإسكندرية قتيلا بسجنها نائب السلطنة آق سنقر السلاري (٢). وكان تنقّل في الخدم، وولي نيابة صفد، وغيره، ثم نيابة السلطنة.
[وفاة ابن كشتغدي]
[٣]- ومات المسند شهاب الدين أحمد بن كشتغدي (٣).
[وفاة ابن أبي الفرج الحلبي]
[٤]- والشهاب أحمد [بن] (٤) أبي الفرج (٥) الحلبي.
стр. 74
سمع النجيب (١)، والأبرقوهي (٢)، وابن علاّن (٣)، وغيرهما (٤).
ومولده سنة خمسين وستمائة (٥).
[وفاة نائب حلب ألطنبغا]
[٥]- وفيه مات نائب حلب / ٣ ب / ألطنبغا المارديني (٦)، الساقي.
وكان من الأعيان. وهو الذي أنشأ الجامع المعروف به خارج باب زويلة.
[خروج تجريدة]
وفيه خرجت تجريدة، عليها جنكلي بن البابا، وآق سنقر الناصري، وأبو بكر بن أرغون النائب (٧).
وفي صفر
[نيابة حلب وحماه وصفد]
عقد مشور عند السلطان في أمر نيابة حلب، فأشار أرغون العلائي بأن يتولاّ (٨) يلبغا اليحياوي، فعيّن بها. وعيّن بحماه طقتمر الأحمدي نائب صفد، وقرّر في نيابة صفد عوضه بلك (٩) الجمدار (١٠).
[التجريدة لحصار الكرك]
وفيه خرجت تجريدة كبيرة إلى الكرك، وجهّز البدل.
стр. 75
وفي ربيع الأول
خرجت الآلات لأجل حصار الكرك، وكانت شيئا كثيرا. وخرج من عيّنه من الأمراء. وهي رابع تجاريد الكرك (١).
[وفاة ألطنبغا الجاولي]
[٦]- وفيه مات ألطنبغا العلمي (٢)، الجاولي، الأديب، الشاعر، الفقيه، الشافعي.
وكان عالما، فاضلا، له النظم (٣) الحسن، والمعرفة بالفقه. وكان دوادارا لسنجر الجاولي نائب غزّة. وتنقّلت به الأحوال بعده حتى بغته الأجل بدمشق.
[التشديد بمنع الخمر]
وفيه شدّد النائب في أمر الخمر والنواتج (٤)، وأبطل ذلك جميعه، ومنع من عصير العنب خمرا، وكان يجبى من ذلك مال كثير، وأعاده السلطان بعد آل ملك (٥).
[وفاة الشيخ عبد الكريم]
[٧]- وفيه مات الشيخ الصالح، المعتقد، عبد الكريم (٦)، ودفن بالقرافة.
[وفاة كاتب سرّ دمشق ومصر]
[٨]- ومات كاتب (٧) سرّ دمشق، بل ومصر (٨).