Полный текст (2 831 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.
стр. 1051
بِهَا، فَالْجَمَادُ أَنْقَصُ مِنَ الْحَيَوَانِ الَّذِي لَمْ يَتَّصِفْ بَعْدُ بِصِفَاتِ كَمَالِهِ، وَإِنْ كَانَ قَابِلًا لَهَا لَزِمَ إِذَا عَدِمَهَا أَنْ يَتَّصِفَ بِأَضْدَادِهَا.
وَهَؤُلَاءِ قَدْ يَقُولُونَ: فِي إِثْبَاتِهَا تَشْبِيهٌ لَهُ بِالْحَيَوَانِ، فَيُقَالُ لَهُمْ: وَفِي نَفْيِهَا تَشْبِيهٌ لَهُ بِالْجَمَادِ الَّذِي هُوَ أَنْقَصُ مِنَ الْحَيَوَانِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي نَفْيِهَا تَشْبِيهٌ لَهُ بِالْجَمَادِ، فَكَذَلِكَ لَا يَكُونُ فِي إِثْبَاتِهَا تَشْبِيهٌ لَهُ بِالْحَيَوَانِ، وَإِنْ كَانَ فِي ذَلِكَ تَشْبِيهٌ بِالْحَيَوَانِ فَهُوَ مَحْذُورٌ، فَالْمَحْذُورُ فِي تَشْبِيهِهِ بِالْجَمَادِ أَعْظَمُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِثْلُ هَذَا التَّشْبِيهِ مَحْذُورًا فِي ذَلِكَ، فَأَنْ لَا يَكُونَ مَحْذُورًا فِي هَذَا بِطْرِيقِ الْأَوْلَى.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ جَعْلَهُمْ سَلْبَ الْمَوْتِ وَالصَّمَمِ وَالْبُكْمِ عَنِ الْجَمَادِ لِزَعْمِهِمْ أَنَّهُ غَيْرُ قَابِلٍ لَهَا اصْطِلَاحٌ مَحْضٌ، فَإِنَّهُ مَوْجُودٌ فِي كَلَامِ اللَّهِ تَسْمِيَةُ الْجَمَادِ مَيِّتًا، كَمَا قَالَ - تَعَالَى - فِي الْأَصْنَامِ:
﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾ [النحل: ٢١] .
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ يَكْفِي عَدَمُ هَذِهِ الصِّفَاتِ، فَإِنَّ مُجَرَّدَ عَدَمِ الْحَيَاةِ وَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ صِفَةُ نَقْصٍ سَوَاءٌ قُدِّرَ الْمَوْصُوفُ قَابِلًا لَهَا أَوْ غَيْرَ قَابِلٍ، بَلْ إِذَا قُدِّرَ أَنَّهُ غَيْرُ قَابِلٍ لَهَا كَانَ ذَلِكَ أَبْلَغَ فِي النَّقْصِ.
فَعُلِمَ أَنَّ نَفْيَ هَذِهِ الصِّفَاتِ عَنْهُ، وَنَفْيَ قَبُولِهَا يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ أَنْقَصَ مِنَ الْحَيَوَانِ الْأَعْمَى الْأَصَمِّ الَّذِي يَقْبَلُهَا، وَإِنْ لَمْ يَتَّصِفْ بِهَا.
الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنَّ الْكَمَالَ فِي الْوُجُودِ، وَالنَّقْصَ فِي الْعَدَمِ، فَنَفْسُ
стр. 1052
ثُبُوتِ هَذِهِ الصِّفَاتِ كَمَالٌ، وَنَفْسُ نَفْيِهَا نَقْصٌ، وَإِنْ لَمْ يَتَّصِفْ بِهَا لَزِمَ نَقْصُهُ، وَأَنْ يَكُونَ الْمَفْعُولُ أَكْمَلَ مِنَ الْفَاعِلِ، وَأَنْ يَكُونَ الْمُحْدَثُ الْمُمْكِنُ الْمَخْلُوقُ أَكْمَلَ مِنَ الْقَدِيمِ الْأَزَلِيِّ الْوَاجِبِ الْوُجُودِ الْخَالِقِ، وَهَذَا مُمْتَنِعٌ فِي بِدَايَةِ الْعُقُولِ، وَهَذِهِ الْأُمُورُ مَبْسُوطَةٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ وَلَكِنْ نَبَّهْنَا عَلَيْهَا هُنَا لِبَيَانِ بَعْضِ الطُّرُقِ الَّتِي بِهَا تُعْرَفُ صِفَاتُ الرَّبِّ، وَبَيَانِ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ مِنْ أَجْهَلِ أَهْلِ الْمِلَلِ بِالرَّبِّ.
وَالطُّرُقُ الَّتِي يُعْرَفُ بِهَا كَمَالُهُ فِيهَا الْعَقْلِيَّةُ وَالسَّمْعِيَّةُ، وَأَنَّ الْقَوْمَ عِنْدَهُمْ مِنْ أَلْفَاظِ الْأَنْبِيَاءِ مَا لَمْ يَفْهَمُوا كَثِيرًا مِنْهُ وَمَا حَرَّفُوا كَثِيرًا مِنْهُ، وَعِنْدَهُمْ مِنَ الْمَعْقُولِ فِي ذَلِكَ مَا يَفْضُلُهُمُ الْيَهُودُ فِيهِ، لَكِنَّ الْيَهُودَ، وَإِنْ كَانُوا أَعْلَمَ مِنْهُمْ، فَهُمْ أَعْظَمُ عِنَادًا وَكِبْرًا وَجَحْدًا لِلْحَقِّ، وَالنَّصَارَى أَجْهَلُ وَأَضَلُّ مِنَ الْيَهُودِ لَكِنْ هُمْ أَعْبَدُ وَأَزْهَدُ وَأَحْسَنُ أَخْلَاقًا، وَلِهَذَا كَانُوا أَقْرَبَ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْيَهُودِ وَالْمُشْرِكِينَ.
стр. 1053
[فَصْلٌ: بَيَانُ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى]
قَالُوا: وَالثَّلَاثَةُ أَسْمَاءٍ فَهِيَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَرَبٌّ وَاحِدٌ، وَخَالِقٌ وَاحِدٌ، مُسَمًّى وَاحِدٌ لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ شَيْئًا حَيًّا نَاطِقًا، أَيِ الذَّاتُ، وَالنُّطْقُ، وَالْحَيَاةُ.
فَالذَّاتُ عِنْدَنَا: الْأَبُ الَّذِي هُوَ ابْتِدَاءُ الِاثْنَيْنِ.
وَالنُّطْقُ: الِابْنُ الَّذِي هُوَ مَوْلُودٌ مِنْهُ كَوِلَادَةِ النُّطْقِ مِنَ الْعَقْلِ.
وَالْحَيَاةُ: هِيَ الرُّوحُ الْقُدُسُ.
وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا مِنْ وُجُوهٍ:
الْأَوَّلُ أَنَّ أَسْمَاءَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَ - تَعَالَى - مُتَعَدِّدَةٌ كَثِيرَةٌ، فَإِنَّهُ:
﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [الحشر: ٢٢] (٢٢) ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الحشر: ٢٣] (٢٣) ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الحشر: ٢٤]
стр. 1054
وَقَالَ - تَعَالَى -:
﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٠] .
وَقَالَ - تَعَالَى -:
﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُو فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠] .
وَقَالَ - تَعَالَى -:
﴿طه﴾ [طه: ١] (١) ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ [طه: ٢] (٢) ﴿إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ [طه: ٣] (٣) ﴿تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَا﴾ [طه: ٤] (٤) ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] (٥) ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾ [طه: ٦] (٦) ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه: ٧] (٧) ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [طه: ٨] .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ»
стр. 1055
وَهَذَا مَعْنَاهُ فِي أَشْهَرِ قَوْلِي الْعُلَمَاءِ وَأَصَحِّهِمَا أَنَّ مِنْ أَسْمَائِهِ - تَعَالَى - تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَإِلَّا فَأَسْمَاؤُهُ تَبَارَكَ وَ - تَعَالَى -: أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ الَّذِي رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَأَبُو حَاتِمٍ فِي صَحِيحِهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَا أَصَابَ عَبْدًا قَطُّ هَمٌّ وَلَا حُزْنٌ وَقَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ ابْنُ عَبْدِكَ ابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِي قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ، أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي، وَنُورَ صَدْرِي، وَجَلَاءَ حُزْنِي، وَذَهَابَ هَمِّي وَغَمِّي، إِلَّا أَذْهَبَ اللَّهُ هَمَّهُ وَغَمَّهُ، وَأَبْدَلَ مَكَانَهُ فَرَحًا، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلَا نَتَعَلَّمُهُنَّ، قَالَ: بَلَى يَنْبَغِي لِمَنْ
стр. 1056
سَمِعَهُنَّ أَنْ يَتَعَلَّمَهُنَّ» .
وَإِذَا كَانَتْ أَسْمَاءُ اللَّهِ كَثِيرَةً، كَالْعَزِيزِ وَالْقَدِيرِ وَغَيْرِهَا، فَالِاقْتِصَارُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَسْمَاءٍ دُونَ غَيْرِهَا بَاطِلٌ، وَأَيُّ شَيْءٍ زَعَمَ الزَّاعِمُ فِي اخْتِصَاصِ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ بِهِ دُونَ غَيْرِهَا فَهُوَ بَاطِلٌ، كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: قَوْلُهُمُ الْأَبُ الَّذِي هُوَ ابْتِدَاءُ الِاثْنَيْنِ، وَالِابْنُ: النُّطْقُ الَّذِي هُوَ مَوْلُودٌ مِنْهُ، كَوِلَادَةِ النُّطْقِ مِنَ الْعَقْلِ، كَلَامٌ بَاطِلٌ، فَإِنَّ صِفَاتِ الْكَمَالِ لَازِمَةٌ لِذَاتِ الرَّبِّ أَوَّلًا وَآخِرًا، وَلَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ حَيًّا عَالِمًا قَادِرًا، لَمْ يَصِرْ حَيًّا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ حَيًّا، وَلَا عَالِمًا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا.
فَإِذَا قَالُوا: إِنَّ الْأَبَ الَّذِي هُوَ الذَّاتُ، هُوَ ابْتِدَاءُ الْحَيَاةِ وَالنُّطْقِ اقْتَضَى ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْأَبُ قَبْلَ الْحَيَاةِ وَالنُّطْقِ، وَأَنْ يَكُونَ فَاعِلًا لِلْحَيَاةِ وَالنُّطْقِ، فَإِنَّ مَا كَانَ ابْتِدَاءً لِغَيْرِهِ يَكُونُ مُتَقَدِّمًا عَلَيْهِ أَوْ فَاعِلًا لَهُ.
وَهَذَا فِي حَقِّ اللَّهِ بَاطِلٌ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ: إِنَّ النُّطْقَ مَوْلُودٌ مِنْهُ كَوِلَادَةِ النُّطْقِ مِنَ الْعَقْلِ، فَإِنَّ الْمَوْلُودَ مِنْ غَيْرِهِ مُتَوَلِّدٍ مِنْهُ، فَيَحْدُثُ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ، كَمَا يَحْدُثُ النُّطْقُ
стр. 1057
شَيْئًا فَشَيْئًا، سَوَاءٌ أُرِيدَ بِالنُّطْقِ الْعِلْمُ أَوِ الْبَيَانُ فَكِلَاهُمَا لَمْ يَكُنْ لَازِمًا لِلنَّفْسِ النَّاطِقَةِ، بَلْ حَدَثَ فِيهَا وَاتَّصَفَتْ بِهِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ، وَإِنْ كَانَتْ قَابِلَةً لَهُ نَاطِقَةً بِالْقُوَّةِ، فَإِذَا مَثَّلُوا تَوَلُّدَ النُّطْقِ مِنَ الرَّبِّ كَتَوَلُّدِهِ عَنِ الْعَقْلِ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ الرَّبُّ كَانَ نَاطِقًا بِالْقُوَّةِ، ثُمَّ صَارَ نَاطِقًا بِالْفِعْلِ فَيَلْزَمُ أَنَّهُ صَارَ عَالِمًا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا، وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْكُفْرِ وَأَشَدِّهِ اسْتِحَالَةً، فَإِنَّهُ لَا شَيْءَ غَيْرُهُ يَجْعَلُهُ مُتَّصِفًا بِصِفَاتِ الْكَمَالِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ مُتَّصِفًا بِهَا، إِذْ كُلُّ مَا سِوَاهُ فَهُوَ مَخْلُوقٌ لَهُ وَكَمَالُهُ مِنْهُ، فَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ هُوَ جَاعِلُ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ وَ - تَعَالَى - كَامِلًا.
وَذَلِكَ دَوْرٌ مُمْتَنِعٌ فِي صَرِيحِ الْعَقْلِ، إِذْ كَانَ الشَّيْءُ لَا يَجْعَلُ غَيْرَهُ مُتَّصِفًا بِصِفَاتِ الْكَمَالِ، حَتَّى يَكُونَ هُوَ مُتَّصِفًا بِهَا، فَإِذَا لَمْ يَتَّصِفْ بِهَا حَتَّى جَعَلَهُ غَيْرُهُ مُتَّصِفًا بِهَا لَزِمَ الدَّوْرُ الْمُمْتَنِعُ، مِثْلُ كَوْنِ كُلٍّ مِنَ الشَّيْئَيْنِ فَاعِلًا لِلْآخَرِ وَعِلَّةً لَهُ أَوْ لِبَعْضِ صِفَاتِهِ الْمَشْرُوطَةِ فِي الْفِعْلِ فَتَبَيَّنَ بُطْلَانُ كَوْنِ نُطْقِهِ مُتَوَلِّدًا مِنْهُ، كَتَوَلُّدِ النُّطْقِ مِنَ الْعَقْلِ، كَمَا بَطَلَ أَنْ يَكُونَ لِصِفَاتِهِ اللَّازِمَةِ لَهُ مَا هُوَ مَبْدَأٌ لَهَا مُتَقَدِّمٌ عَلَيْهَا أَوْ فَاعِلٌ لَهَا.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ قَوْلَهُمْ فِي الِابْنِ أَنَّهُ مَوْلُودٌ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادُوا بِهِ أَنَّهُ صِفَةٌ لَازِمَةٌ لَهُ، فَكَذَلِكَ الْحَيَاةُ صِفَةٌ لَازِمَةٌ لِلَّهِ، فَيَكُونُ رُوحُ الْقُدُسِ
стр. 1058
أَيْضًا ابْنًا ثَانِيًا، وَإِنْ أَرَادُوا بِهِ أَنَّهُ حَصَلَ مِنْهُ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ، صَارَ عَالِمًا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا، وَهَذَا مَعَ كَوْنِهِ بَاطِلًا وَكُفْرًا فَيَلْزَمُ مِثْلُهُ فِي الْحَيَاةِ، وَهُوَ أَنَّهُ صَارَ حَيًّا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ حَيًّا.
الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنَّ تَسْمِيَةَ حَيَاةِ اللَّهِ رُوحَ الْقُدُسِ أَمْرٌ لَمْ يَنْطِقْ بِهِ شَيْءٌ مِنْ كُتُبِ اللَّهِ الْمُنَزَّلَةِ، فَإِطْلَاقُ رُوحِ الْقُدُسِ عَلَى حَيَاةِ اللَّهِ مِنْ تَبْدِيلِهِمْ وَتَحْرِيفِهِمْ.
الْوَجْهُ الْخَامِسُ: أَنَّهُمْ يَدَّعُونَ أَنَّ الْمُتَّحِدَ بِالْمَسِيحِ هُوَ الْكَلِمَةُ الَّذِي هُوَ الْعِلْمُ، وَهَذَا إِنْ أَرَادُوا بِهِ نَفْسَ الذَّاتِ الْعَالِمَةِ النَّاطِقَةِ، كَانَ الْمَسِيحُ هُوَ الْأَبَ، وَكَانَ الْمَسِيحُ نَفْسُهُ هُوَ الْأَبَ، وَهُوَ الِابْنَ، وَهُوَ رُوحَ الْقُدُسِ، وَهَذَا عِنْدَهُمْ وَعِنْدَ جَمِيعِ النَّاسِ بَاطِلٌ وَكُفْرٌ.
وَإِنْ قَالُوا الْمُتَّحِدُ بِهِ هُوَ الْعِلْمُ، فَالْعِلْمُ صِفَةٌ لَا تُفَارِقُ الْعَالِمَ، وَلَا تُفَارِقُ الصِّفَةَ الْأُخْرَى الَّتِي هِيَ حَيَاةٌ، فَيَمْتَنِعُ أَنْ يَتَّحِدَ بِهِ الْعِلْمُ دُونَ الذَّاتِ، وَدُونَ الْحَيَاةِ.
الْوَجْهُ السَّادِسُ: أَنَّ الْعِلْمَ أَيْضًا صِفَةٌ، وَالصِّفَةُ لَا تُخْلَقُ وَلَا تُرْزَقُ، وَالْمَسِيحُ نَفْسُهُ لَيْسَ هُوَ صِفَةً قَائِمَةً بِغَيْرِهَا بِاتِّفَاقِ الْعُقَلَاءِ، وَأَيْضًا فَهُوَ عِنْدَهُمْ خَالِقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، فَامْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ الْمُتَّحِدُ بِهِ صِفَةً، فَإِنَّ الْإِلَهَ الْمَعْبُودَ هُوَ الْإِلَهُ الْحَيُّ الْعَالِمُ الْقَادِرُ، وَلَيْسَ هُوَ نَفْسَ الْحَيَاةِ، وَلَا نَفْسَ الْعِلْمِ وَالْكَلَامِ.
فَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: يَا حَيَاةَ اللَّهِ، أَوْ يَا عِلْمَ اللَّهِ، أَوْ يَا كَلَامَ اللَّهِ، اغْفِرْ
стр. 1059
لِي، وَارْحَمْنِي وَاهْدِنِي، كَانَ هَذَا بَاطِلًا فِي صَرِيحِ الْعَقْلِ، وَلِهَذَا لَمْ يُجَوِّزْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْمِلَلِ أَنْ يُقَالَ لِلتَّوْرَاةِ أَوِ الْإِنْجِيلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي، وَإِنَّمَا يُقَالُ لِلْإِلَهِ الْمُتَكَلِّمِ بِهَذَا الْكَلَامِ: اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي.
وَالْمَسِيحُ ﵇ عِنْدَكُمْ هُوَ الْإِلَهُ الْخَالِقُ الَّذِي يُقَالُ لَهُ اغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا، فَلَوْ كَانَ هُوَ نَفْسَ عِلْمِ اللَّهِ وَكَلَامِهِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ إِلَهًا مَعْبُودًا فَكَيْفَ إِذَا لَمْ يَكُنْ هُوَ نَفْسَ عِلْمِ اللَّهِ وَكَلَامِهِ، بَلْ هُوَ مَخْلُوقٌ بِكَلَامِهِ حَيْثُ قَالَ لَهُ: كُنْ فَيَكُونُ؟
فَتَبَيَّنَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ كَلِمَاتِ اللَّهِ كَثِيرَةٌ لَا نِهَايَةَ لَهَا، وَفِي الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ كَالتَّوْرَاةِ أَنَّهُ خَلَقَ الْأَشْيَاءَ بِكَلَامِهِ، وَكَانَ فِي أَوَّلِ التَّوْرَاةِ أَنَّهُ قَالَ: لِيَكُنْ كَذَا لِيَكُنْ كَذَا.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمَسِيحَ لَيْسَ هُوَ كَلِمَاتٍ كَثِيرَةً، بَلْ غَايَتُهُ أَنْ يَكُونَ كَلِمَةً وَاحِدَةً، إِذْ هُوَ مَخْلُوقٌ بِكَلِمَةٍ مِنْ كَلِمَاتِ اللَّهِ .
الْوَجْهُ السَّابِعُ: أَنَّ أَمَانَتَكُمُ الَّتِي وَضَعَهَا أَكَابِرُكُمْ بِحَضْرَةِ قُسْطَنْطِينَ، وَهِيَ عَقِيدَةُ إِيمَانِكُمُ الَّتِي جَعَلْتُمُوهَا أَصْلَ دِينِكُمْ تُنَاقِضُ مَا تَدَّعُونَهُ مِنْ أَنَّ الْإِلَهَ وَاحِدٌ، وَتُبَيِّنُ أَنَّكُمْ تَقُولُونَ لِمَنْ يُنَاظِرُكُمْ خِلَافَ مَا تَعْتَقِدُونَهُ.
وَهَذَانِ أَمْرَانِ مَعْرُوفَانِ فِي دِينِكُمْ تَنَاقُضُكُمْ وَإِظْهَارُكُمْ فِي الْمُنَاظَرَةِ
стр. 1060
بِخِلَافِ مَا تَقُولُونَهُ مِنْ أَصْلِ دِينِكُمْ، فَإِنَّ الْأَمَانَةَ الَّتِي اتَّفَقَ عَلَيْهَا جَمَاهِيرُ النَّصَارَى يَقُولُونَ فِيهَا: أُومِنُ بِإِلَهٍ وَاحِدٍ، أَبٍ ضَابِطِ الْكُلِّ، خَالِقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، كُلِّ مَا يُرَى وَمَا لَا يُرَى، وَبِرَبٍّ وَاحِدٍ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِ اللَّهِ الْوَحِيدِ الْمَوْلُودِ مِنَ الْأَبِ قَبْلَ كُلِّ الدُّهُورِ، نُورٌ مِنْ نُورٍ، إِلَهٌ حَقٌّ مِنْ إِلَهٍ حَقٍّ، مِنْ جَوْهَرِ أَبِيهِ، مَوْلُودٌ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، مُسَاوٍ لِلْأَبِ فِي الْجَوْهَرِ الَّذِي بِهِ كَانَ كُلُّ شَيْءٍ، الَّذِي مِنْ أَجْلِنَا نَحْنُ الْبَشَرَ، وَمِنْ أَجْلِ خَلَاصِنَا نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ، وَتَجَسَّدَ مِنْ رُوحِ الْقُدُسِ، وَمِنْ مَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ وَتَأَنَّسَ وَصُلِبَ وَتَأَلَّمَ وَقُبِرَ، وَقَامَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ عَلَى مَا فِي الْكُتُبِ الْمُقَدَّسَةِ، وَصَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ، وَجَلَسَ عَنْ يَمِينِ الْأَبِ، وَأَيْضًا سَيَأْتِي بِمَجْدِهِ لِيَدِينَ الْأَحْيَاءُ وَالْأَمْوَاتُ الَّذِي لَا فَنَاءَ لِمُلْكِهِ، وَبِرُوحِ الْقُدُسِ الرَّبِّ الْمُحْيِي الْمُنْبَثِقِ مِنَ الْأَبِ الَّذِي هُوَ مَعَ الْأَبِ وَالِابْنِ الْمَسْجُودِ لَهُ، وَمُمَجَّدٍ نَاطِقٍ فِي الْأَنْبِيَاءِ، كَنِيسَةٌ وَاحِدَةٌ جَامِعَةٌ رَسُولِيَّةٌ، وَأَعْتَرِفُ بِمَعْمُودِيَّةٍ وَاحِدَةٍ لِمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا، وَابْنٍ جَاءَ لِقِيَامَةِ الْمَوْتَى، وَحَيَاةِ الدَّهْرِ الْعَتِيدِ كَوْنُهُ أَمِينًا.
стр. 1061
فَفِي هَذِهِ الْأَمَانَةِ الَّتِي جَعَلْتُمُوهَا أَصْلَ دِينِكُمْ ذُكِرَ الْإِيمَانُ بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ بِإِلَهٍ وَاحِدٍ خَالِقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، خَالِقِ مَا يُرَى وَمَا لَا يُرَى، فَهَذَا هُوَ رَبُّ الْعَالَمِينَ الَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، وَلَا رَبَّ سِوَاهُ، وَهُوَ إِلَهُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَسَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ، وَهُوَ الَّذِي دَعَتْ جَمِيعُ الرُّسُلِ إِلَى عِبَادَتِهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَنَهَوْا أَنْ يُعْبَدَ غَيْرُهُ، كَمَا قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] .
وَقَالَ - تَعَالَى -:
﴿وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٥] .
ثُمَّ قُلْتُمْ: وَبِرَبٍّ وَاحِدٍ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِ اللَّهِ الْوَحِيدِ الْمَوْلُودِ مِنَ
стр. 1062
الْأَبِ قَبْلَ كُلِّ الدُّهُورِ، نُورٌ مِنْ نُورٍ، إِلَهٌ حَقٌّ مِنْ إِلَهٍ حَقٍّ، مِنْ جَوْهَرِ أَبِيهِ، مَوْلُودٌ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، مُسَاوٍ الْأَبَ فِي الْجَوْهَرِ، فَصَرَّحْتُمْ بِالْإِيمَانِ مَعَ خَالِقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بِرَبٍّ وَاحِدٍ مَخْلُوقٍ، مُسَاوٍ الْأَبَ ابْنِ اللَّهِ الْوَحِيدِ، وَقُلْتُمْ: هُوَ إِلَهٌ حَقٌّ مِنْ إِلَهٍ حَقٍّ مِنْ جَوْهَرِ أَبِيهِ.
وَهَذَا تَصْرِيحٌ بِالْإِيمَانِ بِإِلَهَيْنِ، أَحَدُهُمَا مِنَ الْآخَرِ، وَعِلْمُ اللَّهِ الْقَائِمُ بِهِ، أَوْ كَلَامُهُ أَوْ حِكْمَتُهُ الْقَائِمَةُ بِهِ الَّذِي سَّمَيْتُمُوهُ ابْنًا، وَلَمْ يُسَمِّ أَحَدٌ مِنَ الرُّسُلِ صِفَةَ اللَّهِ ابْنًا لَيْسَ هُوَ إِلَهٌ حَقٌّ مِنْ إِلَهٍ حَقٍّ، بَلْ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَهَذَا صِفَةُ الْإِلَهِ، وَصِفَةُ الْإِلَهِ لَيْسَتْ بِإِلَهٍ، كَمَا أَنَّ قُدْرَتَهُ وَسَمْعَهُ وَبَصَرَهُ وَسَائِرَ صِفَاتِهِ لَيْسَ بِآلِهَةِ، وَلِأَنَّ الْإِلَهَ وَاحِدٌ، وَصِفَاتِهِ مُتَعَدِّدَةٌ، وَالْإِلَهَ ذَاتٌ مُتَّصِفَةٌ بِالصِّفَاتِ قَائِمَةٌ بِنَفْسِهَا، وَالصِّفَةَ قَائِمَةٌ بِالْمَوْصُوفِ، وَلِأَنَّكُمْ سَمَّيْتُمُ الْإِلَهَ جَوْهَرًا، وَقُلْتُمْ: هُوَ الْقَائِمُ بِنَفْسِهِ، وَالصِّفَةُ لَيْسَتْ جَوْهَرًا قَائِمًا بِنَفْسِهِ.
وَهُمْ فِي هَذِهِ الْأَمَانَةِ قَدْ جَعَلُوا اللَّهَ وَالِدًا وَهُوَ الْأَبُ، وَمَوْلُودًا وَهُوَ الِابْنُ، وَجَعَلُوهُ مُسَاوِيًا لَهُ فِي الْجَوْهَرِ، وَقَدْ نَزَّهَ اللَّهُ نَفْسَهُ عَنِ الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ، فَقَالُوا: مَوْلُودٌ غَيْرُ مَخْلُوقٍ مُسَاوٍ الْأَبَ فِي الْجَوْهَرِ، فَصَرَّحُوا بِأَنَّهُ مُسَاوٍ لَهُ فِي الْجَوْهَرِ، وَالْمُسَاوِي لَيْسَ هُوَ الْمُسَاوَى.
وَلَا يُسَاوِي الْأَبُ فِي الْجَوْهَرِ إِلَّا جَوْهَرٌ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الِابْنُ جَوْهَرًا ثَانِيًا، وَرُوحُ الْقُدُسِ جَوْهَرًا ثَالِثًا كَمَا سَيَأْتِي.
وَهَذَا تَصْرِيحٌ بِإِثْبَاتِ ثَلَاثَةِ جَوَاهِرَ، وَثَلَاثَةِ آلِهَةٍ، وَيَقُولُونَ مَعَ ذَلِكَ: إِنَّمَا نُثْبِتُ جَوْهَرًا وَاحِدًا وَإِلَهًا وَاحِدًا، وَهَذَا جَمْعٌ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ،
стр. 1063
فَهُوَ حَقِيقَةُ قَوْلِهِمْ يَجْمَعُونَ بَيْنَ جَعْلِ الْآلِهَةِ وَاحِدًا، وَإِثْبَاتِ ثَلَاثَةِ آلِهَةٍ، وَبَيْنَ إِثْبَاتِ جَوْهَرٍ وَاحِدٍ، وَبَيْنَ إِثْبَاتِهِ ثَلَاثَةَ جَوَاهِرَ، وَقَدْ نَزَّهَ اللَّهُ نَفْسَهُ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ:
﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] (١) ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ٢] (٢) ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص: ٣] (٣) ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] .
فَنَزَّهَ نَفْسَهُ أَنْ يَلِدَ كَمَا يَقُولُونَ: هُوَ الْأَبُ، وَأَنْ يُولَدَ كَمَا يَقُولُونَ: هُوَ الِابْنُ، وَأَنْ يَكُونَ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ، كَمَا يَقُولُونَ: إِنَّ لَهُ مَنْ يُسَاوِيهِ فِي الْجَوْهَرِ.
وَإِذَا قُلْتُمْ نَحْنُ نَقُولُ أَحَدِيُّ الذَّاتِ ثُلَاثِيُّ الصِّفَاتِ، قِيلَ لَكُمْ: قَدْ صَرَّحْتُمْ بِإِثْبَاتِ إِلَهٍ حَقٍّ مِنْ إِلَهٍ حَقٍّ وَبِأَنَّهُ مُسَاوٍ لِلْأَبِ فِي الْجَوْهَرِ، وَهَذَا تَصْرِيحٌ بِإِثْبَاتِ جَوْهَرٍ ثَانِي لَا بِصِفَةٍ، فَجَمَعْتُمْ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ بَيْنَ إِثْبَاتِ ثَلَاثَةِ جَوَاهِرَ، وَبَيْنَ دَعْوَى إِثْبَاتِ جَوْهَرٍ وَاحِدٍ، وَلَا يُنْجِيكُمْ مِنْ هَذَا اعْتِذَارُ مَنِ اعْتَذَرَ مِنْكُمْ كَيَحْيَى بْنِ عَدِيٍّ وَنَحْوِهِ حَيْثُ قَالُوا: هَذَا بِمَنْزِلَةِ قَوْلِكَ: زَيْدٌ الطَّبِيبُ الْحَاسِبُ الْكَاتِبُ، ثُمَّ تَقُولُ: زَيْدٌ الطَّبِيبُ وَزَيْدٌ الْحَاسِبُ وَزَيْدٌ الْكَاتِبُ.
فَهُوَ مَعَ كُلِّ صِفَةٍ لَهُ حُكْمٌ خِلَافَ حُكْمِهِ مَعَ الصِّفَةِ الْأُخْرَى، وَقَدْ يُفَسِّرُونَ الْأُقْنُومَ بِهَذَا، فَيَقُولُونَ: الْأُقْنُومُ هُوَ الذَّاتُ مَعَ الصِّفَةِ، فَالذَّاتُ مَعَ
стр. 1064
كُلِّ صِفَةٍ أُقْنُومٌ، فَصَارَتِ الْأَقَانِيمُ ثَلَاثَةً، لِأَنَّ هَذَا الْمِثَالَ لَا يُطَابِقُ قَوْلَكُمْ، فَإِنَّ زَيْدًا هُنَا هُوَ جَوْهَرٌ وَاحِدٌ لَهُ ثَلَاثُ صِفَاتٍ: الطِّبُّ وَالْحِسَابُ وَالْكِتَابَةُ، وَلَيْسَ هُنَا ثَلَاثَةُ جَوَاهِرَ، وَلَكِنْ لِكُلِّ صِفَةٍ حُكْمٌ لَيْسَ لِلْأُخْرَى.
وَلَا يَقُولُ عَاقِلٌ: إِنَّ الصِّفَةَ مُسَاوِيَةٌ لِلْمَوْصُوفِ فِي الْجَوْهَرِ، وَلَا أَنَّ الذَّاتَ مَعَ هَذِهِ الصِّفَةِ تُسَاوِي الذَّاتَ مَعَ الصِّفَةِ الْأُخْرَى فِي الْجَوْهَرِ، لِأَنَّ الذَّاتَ وَاحِدَةٌ وَالْمُسَاوِي لَيْسَ هُوَ الْمُسَاوَى، وَلِأَنَّ الذَّاتَ مَعَ الصِّفَةِ هِيَ الْأَبُ فَإِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الَّذِي اتَّحَدَ بِالْمَسِيحِ فَالْمُتَّحِدُ بِهِ هُوَ الْأَبُ، وَلِأَنَّكُمْ قُلْتُمْ عَنْ هَذَا الَّذِي قُلْتُمْ: (إِنَّهُ إِلَهٌ حَقٌّ مِنْ إِلَهٍ حَقٍّ، مِنْ جَوْهَرِ أَبِيهِ الَّذِي هُوَ مُسَاوٍ الْأَبَ فِي الْجَوْهَرِ وَأَنَّهُ نَزَلَ، وَتَجَسَّدَ مِنْ رُوحِ الْقُدُسِ، وَمِنْ مَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ، وَتَأَنَّسَ وَصُلِبَ وَتَأَلَّمَ) فَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْإِلَهُ الْحَقُّ الْمُسَاوِي لِلْأَبِ فِي الْجَوْهَرِ صُلِبَ وَتَأَلَّمَ، فَيَكُونَ اللَّاهُوتُ مَصْلُوبًا مُتَأَلِّمًا، وَهَذَا تُقِرُّ بِهِ طَوَائِفُ مِنْكُمْ، وَطَوَائِفُ تُنْكِرُهُ، لَكِنَّ مُقْتَضَى أَمَانَتِكُمْ هُوَ الْأَوَّلُ.
وَأَيْضًا فَإِذَا كَانَ تَجَسَّدَ مِنْ رُوحِ الْقُدُسِ وَمَرْيَمَ، فَإِنْ كَانَ رُوحُ الْقُدُسِ هُوَ حَيَاةَ اللَّهِ، كَمَا زَعَمْتُمْ فَيَكُونُ الْمَسِيحُ كَلِمَةَ اللَّهِ وَحَيَاتَهُ، فَيَكُونُ لَاهُوتُهُ أُقْنُومَيْنِ مِنَ الْأَقَانِيمِ الثَّلَاثَةِ، وَعِنْدَهُمْ إِنَّمَا هُوَ أُقْنُومُ الْكَلِمَةِ
стр. 1065
فَقَطْ وَإِنْ كَانَ رُوحُ الْقُدُسِ لَيْسَ هُوَ حَيَاةَ اللَّهِ بَطَلَ تَفْسِيرُكُمْ لِرُوحِ الْقُدُسِ بِأَنَّهُ حَيَاةُ اللَّهِ.
وَقِيلَ لَكُمْ: لَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ رُوحُ الْقُدُسِ صِفَةً لِلَّهِ وَلَا أُقْنُومًا.
ثُمَّ ذَكَرْتُمْ فِي عَقِيدَةِ أَمَانَتِكُمْ أَنَّكُمْ تُؤْمِنُونَ بِرُوحِ الْقُدُسِ الرَّبِّ الْمُحْيِي، فَأَثْبَتُّمْ رَبًّا ثَالِثًا، قُلْتُمُ الْمُنْبَثِقُ مِنَ الْأَبِ وَالِانْبِثَاقُ: الِانْفِجَارُ، كَالِانْدِفَاقِ وَالِانْصِبَابِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، يُقَالُ: بَثَقَ السَّيْلُ مَوْضِعَ كَذَا يَبْثُقُهُ بَثْقًا أَيْ خَرَقَهُ وَشَقَّهُ فَانْبَثَقَ أَيِ انْفَجَرَ، فَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ هَذَا الرَّبُّ الْمُحْيِي انْفَجَرَ مِنَ الْأَبِ وَانْدَفَقَ مِنْهُ.
ثُمَّ قُلْتُمْ: هُوَ مَعَ الْأَبِ مَسْجُودٌ لَهُ وَمُمَجَّدٌ نَاطِقٌ فِي الْأَنْبِيَاءِ فَجَعَلْتُمُوهُ مَعَ الْأَبِ مَسْجُودًا لَهُ فَأَثْبَتُّمْ إِلَهًا ثَالِثًا يُسْجَدُ لَهُ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ حَيَاةَ اللَّهِ الَّتِي هِيَ صِفَتُهُ لَيْسَتْ مُنْبَثِقَةً مِنْهُ، بَلْ هِيَ قَائِمَةٌ بِهِ لَا تَخْرُجُ عَنْهُ الْبَتَّةَ، وَهِيَ صِفَةٌ لَازِمَةٌ لَهُ لَا تَتَعَلَّقُ بِغَيْرِهِ، فَإِنَّ الْعِلْمَ يَتَعَلَّقُ بِالْمَعْلُومَاتِ، وَالْقُدْرَةَ بِالْمَقْدُورَاتِ وَالتَّكْلِيمَ بِالْمُخَاطَبِينَ بِخِلَافِ التَّكَلُّمِ فَإِنَّهُ صِفَةٌ لَازِمَةٌ، يُقَالُ: عَلِمَ اللَّهُ كَذَا، وَقَدَرَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى.
وَأَمَّا الْحَيَاةُ: فَاللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَيْهَا لَازِمٌ لَا يَتَعَلَّقُ بِغَيْرِ الْحَيِّ، يُقَالُ
стр. 1066
حَيَا يَحْيَا حَيَاةً، وَلَا يُقَالُ حَيَا كَذَا وَلَا بِكَذَا، وَإِنَّمَا يُقَالُ: أَحْيَا كَذَا، وَالْإِحْيَاءُ فِعْلٌ غَيْرُ كَوْنِهِ حَيًّا، كَمَا أَنَّ التَّعْلِيمَ غَيْرُ الْعِلْمِ، وَالْإِقْدَارَ غَيْرُ الْقُدْرَةِ، وَالتَّكْلِيمَ غَيْرُ التَّكَلُّمِ، ثُمَّ جَعَلْتُمْ رُوحَ الْقُدُسِ هَذَا نَاطِقًا فِي الْأَنْبِيَاءِ ﵈، وَحَيَاةُ اللَّهِ صِفَةٌ قَائِمَةٌ بِهِ لَا تَحِلُّ فِي غَيْرِهِ، وَرُوحُ الْقُدُسِ الَّذِي تَكُونُ فِي الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ لَيْسَ هُوَ حَيَاةَ اللَّهِ الْقَائِمَةَ بِهِ، وَلَوْ كَانَ رُوحُ الْقُدُسِ الَّذِي فِي الْأَنْبِيَاءِ هُوَ أَحَدَ الْأَقَانِيمِ الثَّلَاثَةِ لَكَانَ كُلٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ إِلَهًا مَعْبُودًا قَدِ اتَّحَدَ نَاسُوتُهُ بِاللَّاهُوتِ كَالْمَسِيحِ عِنْدَكُمْ، فَإِنَّ الْمَسِيحَ لَمَّا اتَّحَدَ بِهِ أَحَدُ الْأَقَانِيمِ صَارَ نَاسُوتًا وَلَاهُوتًا، فَإِذَا كَانَ رُوحُ الْقُدُسِ الَّذِي هُوَ أَحَدُ الْأَقَانِيمِ الثَّلَاثَةِ نَاطِقًا فِي الْأَنْبِيَاءِ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمْ فِيهِ لَاهُوتٌ وَنَاسُوتٌ كَالْمَسِيحِ وَأَنْتُمْ لَا تُقِرُّونَ بِالْحُلُولِ وَالِاتِّحَادِ إِلَّا لِلْمَسِيحِ وَحْدَهُ مَعَ إِثْبَاتِكُمْ لِغَيْرِهِ مَا ثَبَتَ لَهُ.
وَهُمْ تَارَةً يُشَبِّهُونَ الْأُقْنُومَيْنِ - الْعِلْمَ وَالْحَيَاةَ الَّتِي يُسَمُّونَهَا الْكَلِمَةَ وَرُوحَ الْقُدُسِ - بِالضِّيَاءِ وَالْحَرَارَةِ الَّتِي لِلشَّمْسِ، مَعَ الشَّمْسِ وَيُشَبِّهُونَ ذَلِكَ بِالْحَيَاةِ وَالنُّطْقِ الَّذِي لِلنَّفْسِ مَعَ النَّفْسِ، وَهَذَا تَشْبِيهٌ فَاسِدٌ، فَإِنَّهُمْ إِنْ أَرَادُوا بِالضِّيَاءِ وَالْحَرَارَةِ مَا يَقُومُ بِذَاتِ الشَّمْسِ، فَذَلِكَ صِفَةٌ لِلشَّمْسِ قَائِمَةٌ بِهَا لَمْ تَحِلَّ بِغَيْرِهَا وَلَمْ تَتَّحِدْ بِغَيْرِهَا، كَمَا أَنَّ صِفَةَ النَّفْسِ كَذَلِكَ هَذَا إِنْ قِيلَ إِنَّ الشَّمْسَ تَقُومُ بِهِ حَرَارَةٌ، وَإِلَّا فَهَذَا مَمْنُوعٌ.
стр. 1067
وَالْمَقْصُودُ هُنَا: بَيَانُ فَسَادِ كَلَامِهِمْ وَقِيَاسِهِمْ.
وَإِنْ أَرَادُوا مَا هُوَ بَائِنٌ عَنِ الشَّمْسِ قَائِمٌ بِغَيْرِهَا. كَالشُّعَاعِ الْقَائِمِ بِالْهَوَاءِ وَالْأَرْضِ، وَالْحَرَارَةِ الْقَائِمَةِ بِذَلِكَ كَانَ هَذَا دَلِيلًا عَلَى فَسَادِ قَوْلِهِمْ مِنْ وُجُوهٍ:
مِنْهَا: أَنَّ هَذِهِ أَعْرَاضٌ مُنْفَصِلَةٌ بَائِنَةٌ عَنِ الشَّمْسِ قَائِمَةٌ بِغَيْرِهَا لَا بِهَا، وَنَظِيرُ هَذَا مَا يَقُومُ بِقُلُوبِ الْأَنْبِيَاءِ مِنَ الْعِلْمِ وَالْحِكْمَةِ وَالْوَحْيِ الَّذِي أَنْذَرُوا بِهِ، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ فَلَيْسَ فِي النَّاسُوتِ شَيْئًا مِنَ اللَّاهُوتِ وَإِنَّمَا فِيهِ آثَارُ حِكْمَتِهِ وَقُدْرَتِهِ.
وَمِنْهَا: أَنَّ الْحَرَارَةَ وَالضَّوْءَ الْقَائِمَ بِالْهَوَاءِ وَالْجُدْرَانِ أَعْرَاضٌ قَائِمَةٌ بِغَيْرِ الشَّمْسِ، وَالْكَلِمَةُ وَرُوحُ الْقُدُسِ عِنْدَهُمْ هُمَا جَوْهَرَانِ.
وَمِنْهَا: أَنَّ هَذَا لَيْسَ هُوَ الشَّمْسَ، وَلَا صِفَةً مِنْ صِفَاتِ الشَّمْسِ، وَإِنَّمَا هُوَ أَثَرٌ حَاصِلٌ فِي غَيْرِ الشَّمْسِ بِسَبَبِ الشَّمْسِ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يُنْكَرُ قِيَامُهُ بِالْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ، وَلَكِنْ لَيْسَ لِلْمَسِيحِ ﵇ بِذَلِكَ اخْتِصَاصٌ، فَمَا حَلَّ بِالْمَسِيحِ حَلَّ بِغَيْرِهِ مِنَ الْمُرْسَلِينَ، وَمَا لَمْ يَحِلَّ بِغَيْرِهِ لَمْ يَحِلَّ بِهِ فَلَا اخْتِصَاصَ لَهُ بِأَمْرٍ يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ إِلَهًا دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الرُّسُلِ، وَلَا هُنَا اتِّحَادٌ بَيْنَ اللَّاهُوتِ وَالنَّاسُوتِ، كَمَا لَمْ تَتَّحِدِ الشَّمْسُ وَلَا صِفَاتُهَا الْقَائِمَةُ بِهَا بِالْهَوَاءِ، وَالْأَرْضِ الَّتِي حَصَلَ بِهَا الشُّعَاعُ وَالْحَرَارَةُ.
стр. 1068
[فَصْلٌ: رَدُّ دَعْوَاهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ سَمَّى نَفْسَهُ أَبًا وَابْنًا وَرُوحَ قُدُسٍ]
قَالُوا: وَهَذِهِ الْأَسْمَاءُ لَمْ نُسَمِّهِ نَحْنُ مَعْشَرَ النَّصَارَى بِهَا مِنْ ذَاتِ أَنْفُسِنَا، بَلِ اللَّهُ سَمَّى لَاهُوتَهُ بِهَا، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ عَلَى لِسَانِ مُوسَى النَّبِيِّ فِي التَّوْرَاةِ مُخَاطِبًا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَائِلًا: أَلَيْسَ هَذَا الْأَبُ الَّذِي صَنَعَكَ وَبَرَاكَ وَاقْتَنَاكَ؟ وَعَلَى لِسَانِهِ أَيْضًا قَائِلًا: وَكَانَ رُوحُ اللَّهِ تَرِفُّ عَلَى الْمَاءِ وَقَوْلُهُ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ النَّبِيِّ: رُوحُكَ الْقُدُسُ لَا تُنْزَعُ مِنِّي، وَأَيْضًا عَلَى لِسَانِهِ بِكَلِمَةِ اللَّهِ تَشَدَّدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَبِرُوحِ فَاهٍ جَمِيعُ قُوَّاتِهِنَّ.
وَقَوْلُهُ: عَلَى لِسَانِ أَشْعِيَا: (يَيْبَسُ الْقَتَادُ وَيَجِفُّ الْعُشْبُ، وَكَلِمَةُ اللَّهِ
стр. 1069
بَاقِيَةٌ إِلَى الْأَبَدِ، وَعَلَى لِسَانِ أَيُّوبَ الصِّدِّيقِ، رُوحُ اللَّهِ خَلَقَنِي وَهُوَ يُعَلِّمُنِي) .
وَقَالَ السَّيِّدُ الْمَسِيحُ فِي الْإِنْجِيلِ الْمُقَدَّسِ لِلتَّلَامِيذِ الْأَطْهَارِ: (اذْهَبُوا إِلَى جَمِيعِ الْعَالَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الْأَبِ وَالِابْنِ وَرُوحِ الْقُدُسِ إِلَهٌ وَاحِدٌ، وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ) ، وَقَدْ قَالَ فِي هَذَا الْكِتَابِ:
﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٧١] .
وَقَالَ أَيْضًا:
﴿يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ [المائدة: ١١٠] .
وَقَالَ أَيْضًا:
﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]
стр. 1070
وَقَالَ فِي سُورَةِ التَّحْرِيمِ:
﴿وَمَرْيَمَ ابْنَةَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم: ١٢] .
وَسَائِرُ الْمُسْلِمِينَ يَقُولُونَ: إِنَّ الْكِتَابَ كَلَامُ اللَّهِ وَلَا يَكُونُ كَلَامٌ إِلَّا لِحَيٍّ نَاطِقٍ، وَهَذِهِ صِفَاتٌ جَوْهَرِيَّةٌ تَجْرِي مَجْرَى الْأَسْمَاءِ، وَكُلُّ صِفَةٍ مِنْهَا غَيْرُ الْأُخْرَى وَالْإِلَهُ وَاحِدٌ لَا يَتَبَعَّضُ وَلَا يَتَجَزَّأُ.
وَالْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ تَقُولَ: إِنَّ كَلَامَ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ لَا يَكُونُ إِلَّا حَقًّا وَصِدْقًا، وَلَا يَكُونُ فِيهِ شَيْءٌ يُعْلَمُ بُطْلَانُهُ بِصَرِيحِ الْعَقْلِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَا يَعْجِزُ الْعَقْلُ عَنْ مَعْرِفَتِهِ بِدُونِ إِخْبَارِ الْأَنْبِيَاءِ، وَلَا يَكُونُ كَلَامُ النَّبِيِّ الَّذِي يُخْبِرُ بِهِ مُنَاقِضًا لِكَلَامِهِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، وَلَا لِكَلَامِ سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ، بَلْ كُلُّ مَا أَخْبَرَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ فَهُوَ حَقٌّ وَصِدْقٌ، يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا.
وَقَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْنَا أَنْ نُؤْمِنَ بِكُلِّ مَا أَخْبَرُوا بِهِ، وَحَكَمَ بِكُفْرِ مَنْ آمَنَ بِبَعْضِ ذَلِكَ، وَكَفَرَ بِبَعْضِهِ، فَمَا عُلِمَ بِصَرِيحِ الْعَقْلِ لَا يُنَاقِضُ مَا عُلِمَ بِالنَّقْلِ الصَّحِيحِ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ وَمَا عُلِمَ بِالنَّقْلِ الصَّحِيحِ عَنْ بَعْضِهِمْ لَا يُنَاقِضُ مَا عُلِمَ بِالنَّقْلِ الصَّحِيحِ عَنْ غَيْرِهِ، وَلَكِنْ قَدْ يَخْتَلِفُ بَعْضُ الشَّرْعِ وَالْمَنَاهِجِ فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ.
فَأَمَّا مَا يُخْبِرُونَ بِهِ عَنِ اللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ،
стр. 1071
وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُنَاقِضَ بَعْضُهُ بَعْضًا.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَمَا يَنْقُلُونَهُ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ إِنَّمَا تَتِمُّ الْحُجَّةُ بِهِ إِذْ عُلِمَ إِسْنَادُهُ وَمَتْنُهُ، فَيُعْلَمُ أَنَّهُ مَنْقُولٌ عَنْهُمْ نَقْلًا صَحِيحًا، وَنَعْلَمُ أَنَّ تَرْجَمَتَهُ مِنَ الْعِبْرِيَّةِ إِلَى اللِّسَانِ الْآخَرِ، كَالرُّومِيَّةِ وَالْعَرَبِيَّةِ وَالسُّرْيَانِيَّةِ تَرْجَمَةٌ صَحِيحَةٌ وَيُعْلَمُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُمْ أَرَادُوا بِهِ ذَلِكَ الْمَعْنَى.
وَلَيْسَ مَعَ النَّصَارَى حُجَّةٌ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ تَثْبُتُ فِيهَا هَذِهِ الْمُقَدِّمَاتُ الثَّلَاثُ وَنَحْنُ فِي هَذَا الْمَقَامِ يَكْفِينَا الْمَنْعُ، وَالْمُطَالَبَةُ لَهُمْ بِتَصْحِيحِ هَذِهِ الْمُقَدِّمَاتِ فَإِنَّهُمُ ادَّعَوْا أَنَّ التَّثْلِيثَ أَخَذُوهُ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ، فَنَحْنُ نُطَالِبُهُمْ بِتَصْحِيحِ هَذِهِ الْمُقَدِّمَاتِ.
وَالْجَوَابُ الثَّانِي: أَنَا نُبَيِّنُ تَفْسِيرَ مَا ذَكَرُوهُ مِنَ الْكَلِمَاتِ، أَمَّا قَوْلُهُ عَلَى لِسَانِ مُوسَى ﵇ مُخَاطِبًا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَائِلًا: (أَلَيْسَ الْأَبُ الَّذِي صَنَعَكَ وَبَرَاكَ وَاقْتَنَاكَ) ؟ فَهَذَا فِيهِ أَنَّهُ سَمَّاهُ أَبًا لِغَيْرِ الْمَسِيحِ ﵇، وَهَذَا نَظِيرُ قَوْلِهِ لِإِسْرَائِيلَ: (أَنْتَ ابْنِي بِكْرِي) ، وَدَاوُدَ (ابْنِي حَبِيبِي) ، وَقَوْلِ الْمَسِيحِ (أَبِي وَأَبِيكُمْ) وَهُمْ يُسَلِّمُونَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَذَا فِي حَقِّ غَيْرِ الْمَسِيحِ بِمَعْنَى الرَّبِّ لَا مَعْنَى التَّوَلُّدِ الَّذِي يَخُصُّونَ بِهِ الْمَسِيحَ.
الثَّالِثُ: أَنَّ هَذَا حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ، فَإِذَا كَانَ فِي الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ تَسْمِيَتُهُ أَبًا لِغَيْرِ الْمَسِيحِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِذَلِكَ إِلَّا مَعْنَى الرَّبِّ، عُلِمَ أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ فِي لُغَةِ الْكُتُبِ يُرَادُ بِهِ الرَّبُّ، فَيَجِبُ حَمْلُهُ فِي حَقِّ الْمَسِيحِ عَلَى
стр. 1072
هَذَا الْمَعْنَى، لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الِاشْتِرَاكِ فِي الْكَلَامِ.
الرَّابِعُ: أَنَّ اسْتِعْمَالَهُ فِي الْمَعْنَى الَّذِي خَصُّوا بِهِ الْمَسِيحَ، إِنَّمَا يَثْبُتُ إِذَا عُلِمَ أَنَّهُ أُرِيدَ الْمَعْنَى الَّذِي ادَّعَوْهُ فِي الْمَسِيحِ فَلَوْ أُثْبِتَ ذَلِكَ الْمَعْنَى بِمُجَرَّدِ إِطْلَاقِ لَفْظِ الْأَبِ لَزِمَ الدَّوْرُ، فَإِنَّهُ لَا يُعْلَمُ أَنَّهُ أُرِيدَ بِهِ ذَلِكَ الْمَعْنَى مِنْ حَيْثُ يَثْبُتُ أَنَّهُ كَانَ يُرَادُ بِهِ فِي حَقِّ اللَّهِ هَذَا الْمَعْنَى وَلَا يَثْبُتُ ذَلِكَ، حَتَّى يُعْلَمَ أَنَّهُ أُرِيدَ بِهِ ذَلِكَ الْمَعْنَى فِي حَقِّ الْمَسِيحِ، فَإِذَا تَوَقَّفَ الْعِلْمُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ لَمْ يُعْلَمْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا عِلْمَ عِنْدَهُمْ بِأَنَّهُ أُرِيدَ فِي حَقِّ الْمَسِيحِ، بِلَفْظِ الْأَبِ مَا خَصُّوهُ بِهِ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ.
الْوَجْهُ الْخَامِسُ: أَنَّهُ يُوجَدُ فِي كُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ وَكَلَامِهِمْ إِطْلَاقُ اسْمِ الْأَبِ، وَالْمُرَادُ بِهِ أَبُ اللَّاهُوتِ، وَلَا إِطْلَاقُ اسْمِ الِابْنِ وَالْمُرَادُ بِهِ شَيْءٌ مِنَ اللَّاهُوتِ لَا كَلِمَتُهُ وَلَا حَيَاتُهُ، بَلْ لَا يُوجَدُ لَفْظُ الِابْنِ إِلَّا وَالْمُرَادُ بِهِ الْمَخْلُوقُ، فَلَا يَكُونُ لَفْظُ الِابْنِ إِلَّا لِابْنٍ مَخْلُوقٍ.
وَحِينَئِذٍ فَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مُسَمَّى الِابْنِ فِي حَقِّ الْمَسِيحِ هُوَ النَّاسُوتُ، وَهَذَا يُبْطِلُ قَوْلَهُمْ: إِنَّ الِابْنَ وَرُوحَ الْقُدُسِ أَنَّهُمَا صِفَتَانِ لِلَّهِ وَأَنَّ الْمَسِيحَ اسْمٌ لِلَّاهُوتِ وَالنَّاسُوتِ، فَتَبَيَّنَ أَنَّ نُصُوصَ كُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ تُبْطِلُ مَذْهَبَ النَّصَارَى، وَتُنَاقِضُ أَمَانَتَهُمْ، فَهُمْ بَيْنَ أَمْرَيْنِ:
بَيْنَ الْإِيمَانِ بِكَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ (وَبُطْلَانِ دِينِهِمْ.
وَبَيْنَ تَصْحِيحِ دِينِهِمْ وَتَكْذِيبِ الْأَنْبِيَاءِ) ، وَهَذَا هُوَ الْمَطْلُوبُ.
стр. 1073
[فَصْلٌ: بَيَانُ مَعْنَى الرُّوحِ فِي قَوْلِهِ وَكَانَ رُوحُ اللَّهِ تَرِفُّ عَلَى الْمَاءِ]
قَالُوا: وَعَلَى لِسَانِهِ أَيْضًا قَائِلًا: (وَكَانَ رُوحُ اللَّهِ تَرِفُّ عَلَى الْمَاءِ) .
فَيُقَالُ هَذَا فِي السِّفْرِ الْأَوَّلِ " سِفْرِ الْخَلِيقَةِ " فِي أَوَّلِهِ، لَمَّا ذَكَرَ أَنَّهُ فِي الْبَدْءِ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَأَنَّهُ كَانَتِ الْأَرْضُ مَغْمُورَةً بِالْمَاءِ، وَكَانَتْ رُوحُ اللَّهِ تَرِفُّ عَلَى الْمَاءِ، أَخْبَرَ أَنَّهُ كَانَ الْمَاءُ فَوْقَ التُّرَابِ وَالْهَوَاءُ فَوْقَ الْمَاءِ، وَرُوحُ اللَّهِ هِيَ الرِّيحُ الَّتِي كَانَتْ فَوْقَ الْمَاءِ.
هَذَا تَفْسِيرُ جَمِيعِ الْأُمَمِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ وَعُقَلَاءِ النَّصَارَى، وَلَفْظُ الْكَلِمَةِ بِالْعِبْرِيَّةِ " رُوُّحٌ " بِضَمِّ الرَّاءِ وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ، وَهِيَ الرُّوحُ، وَالرِّيحُ تُسَمَّى رُوحًا، وَجَمْعُهَا أَرْوَاحٌ، وَلَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ أَنَّ حَيَاةَ اللَّهِ كَانَتْ تَرِفُّ عَلَى الْمَاءِ.
فَإِنَّ هَذَا لَا يَقُولُهُ عَاقِلٌ، فَإِنَّ حَيَاةَ اللَّهِ صِفَةٌ قَائِمَةٌ بِهِ لَا تُفَارِقُهُ وَلَا تَقُومُ بِغَيْرِهِ فَيَمْتَنِعُ أَنْ تَقُومَ بِمَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ فَضْلًا عَنْ أَنْ تَرِفَّ عَلَى الْمَاءِ وَالَّذِي يَرِفُّ عَلَى الْمَاءِ، جِسْمٌ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ، وَهَذَا إِخْبَارٌ عَنِ الرِّيحِ الَّتِي كَانَتْ تَتَحَرَّكُ فَوْقَ الْمَاءِ.
وَمِثْلُ هَذَا قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : «لَا تَسُبُّوا الرِّيحَ
стр. 1074
فَإِنَّهَا مِنْ رُوحِ اللَّهِ تَأْتِي بِالرَّحْمَةِ وَتَأْتِي بِالْعَذَابِ فَلَا تَسُبُّوهَا وَلَكِنْ تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهَا وَسَلُوا اللَّهَ خَيْرَهَا» وَقَوْلُهُ: إِنِّي لَأَجِدُ نَفَسَ الرَّحْمَنِ مِنْ قِبَلِ الْيَمَنِ
стр. 1075
[فَصْلٌ: بَيَانُ مَعْنَى قَوْلِهِ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ " رُوحُكَ الْقُدُسِ لَا تُنْزَعُ مِنِّي]
قَالُوا: وَقَوْلُهُ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ النَّبِيِّ ﷺ : " رُوحُكَ الْقُدُسُ لَا تُنْزَعُ مِنِّي ".
فَيُقَالُ: هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ رُوحَ الْقُدُسِ كَانَتْ فِي دَاوُدَ، فَعُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّ رُوحَ الْقُدُسِ الَّتِي كَانَتْ فِي الْمَسِيحِ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ، فَعُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّ رُوحَ الْقُدُسِ لَا تَخْتَصُّ بِالْمَسِيحِ، وَهُمْ يُسَلِّمُونَ ذَلِكَ، فَإِنَّ مَا فِي الْكُتُبِ الَّتِي بِأَيْدِيهِمْ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ أَنَّ رُوحَ الْقُدُسِ حَلَّتْ فِي غَيْرِ الْمَسِيحِ فِي دَاوُدَ، وَفِي الْحَوَارِيِّينَ، وَفِي غَيْرِهِمْ.
وَحِينَئِذٍ فَإِنْ كَانَ رُوحُ الْقُدُسِ هُوَ حَيَاةَ اللَّهِ وَمَنْ حَلَّتْ فِيهِ يَكُونُ لَاهُوتًا، لَزِمَ أَنْ يَكُونَ إِلَهًا وَلَزِمَ أَنْ يَكُونَ كُلُّ هَؤُلَاءِ فِيهِمْ لَاهُوتٌ وَنَاسُوتٌ كَالْمَسِيحِ، وَهَذَا خِلَافُ إِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ وَالنَّصَارَى وَالْيَهُودِ.
وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ الْمَسِيحُ فِيهِ لَاهُوتَانِ الْكَلِمَةُ وَرُوحُ الْقُدُسِ، فَيَكُونُ الْمَسِيحُ مَعَ النَّاسُوتِ أُقْنُومَيْنِ: أُقْنُومُ الْكَلِمَةِ، وَأُقْنُومُ رُوحِ الْقُدُسِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ صِفَةً لِلَّهِ قَائِمَةً بِهِ، فَإِنَّ صِفَةَ اللَّهِ الْقَائِمَةُ بِهِ، بَلْ وَصِفَةُ كُلِّ مَوْصُوفٍ لَا تُفَارِقُهُ وَتَقُومُ بِغَيْرِهِ، وَلَيْسَ فِي
стр. 1076
هَذَا أَنَّ اللَّهَ اسْمُهُ رُوحُ الْقُدُسِ، وَلَا أَنَّ حَيَاتَهُ اسْمُهَا رُوحُ الْقُدُسِ وَلَا أَنَّ رُوحَ الْقُدُسِ الَّذِي تَجَسَّدَ الْمَسِيحُ مِنْهُ، وَمِنْ مَرْيَمَ هُوَ حَيَاةُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَ - تَعَالَى -، وَأَنْتُمْ قُلْتُمْ إِنَّا مَعَاشِرَ النَّصَارَى لَمْ نُسَمِّهِ بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ مِنْ ذَاتِ أَنْفُسِنَا، وَلَكِنَّ اللَّهَ سَمَّى لَاهُوتَهُ بِهَا، وَلَيْسَ فِيمَا ذَكَرْتُمُوهُ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ أَنَّ اللَّهَ سَمَّى نَفْسَهُ، وَلَا شَيْئًا مِنْ صِفَاتِهِ بِرُوحِ الْقُدُسِ، وَلَا سَمَّى نَفْسَهُ وَلَا شَيْئًا مِنْ صِفَاتِهِ ابْنًا فَبَطَلَ تَسْمِيَتُكُمْ لِصِفَتِهِ الَّتِي هِيَ الْحَيَاةُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلِصِفَتِهِ الَّتِي هِيَ الْعِلْمُ بِالِابْنِ.
وَأَيْضًا فَأَنْتُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّ الْمَسِيحَ مُخْتَصٌّ بِالْكَلِمَةِ وَالرُّوحِ، فَإِذَا كَانَتْ رُوحُ الْقُدُسِ فِي دَاوُدَ ﵇ وَالْحَوَارِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ، بَطَلَ مَا خَصَّصْتُمْ بِهِ الْمَسِيحَ، وَقَدْ عُلِمَ بِالِاتِّفَاقِ أَنَّ دَاوُدَ عَبْدٌ لِلَّهِ ، وَإِنْ كَانَتْ رُوحُ الْقُدُسِ فِيهِ.
وَكَذَلِكَ الْمَسِيحُ عَبْدٌ لِلَّهِ وَإِنْ كَانَتْ رُوحُ الْقُدُسِ فِيهِ، فَمَا ذَكَرْتُمُوهُ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ حُجَّةٌ عَلَيْكُمْ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ لَا حُجَّةٌ لَكُمْ.
стр. 1077
[فَصْلٌ: بَيَانُ مَعْنَى قَوْلِهِ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ بِكَلِمَةِ اللَّهِ تَشَدَّدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَبِرُوحِ فَاهٍ جَمِيعُ قُوَّاتِهِنَّ]
قَالُوا: وَأَيْضًا عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ النَّبِيِّ ﵇: بِكَلِمَةِ اللَّهِ تَشَدَّدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، وَبِرُوحِ فَاهْ جَمِيعُ قُوَّاتِهِنَّ.
فَيُقَالُ: أَمَّا قَوْلُهُ: بِكَلِمَةِ اللَّهِ تَشَدَّدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، فَهُوَ أَيْضًا حُجَّةٌ عَلَيْكُمْ لِوُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْأَشْيَاءَ بِكَلِمَتِهِ الَّتِي هِيَ (كُنْ) ، كَمَا قَالَ فِي التَّوْرَاةِ (لِيَكُنْ كَذَا لِيَكُنْ كَذَا لِيَكُنْ كَذَا) وَكَذَلِكَ فِي الزَّبُورِ: (لِأَنَّهُ قَالَ فَكَانُوا، وَهُوَ أَمْرٌ فَخُلِقُوا) فَجَعَلَ كَوْنَهُمْ عَنْ قَوْلِهِ.
وَمِثْلُ قَوْلِهِ فِي الزَّبُورِ: (الْكُلُّ بِحِكْمَةٍ صَنَعْتُ) ، وَفِي الْقُرْآنِ: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢] .
وَلَيْسَ الْمَسِيحُ هُوَ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ.
стр. 1078
الثَّانِي: أَنَّ كَلِمَةَ اللَّهِ اسْمُ جِنْسٍ، فَإِنَّ كَلِمَاتِ اللَّهِ لَا نِهَايَةَ لَهَا، قَالَ - تَعَالَى -:
﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف: ١٠٩] .
وَالتَّوْرَاةُ تَدُلُّ عَلَى تَعَدُّدِ الْكَلِمَاتِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَالْمَسِيحُ لَيْسَ هُوَ مَجْمُوعَ الْكَلِمَاتِ، بَلْ خُلِقَ بِكَلِمَةٍ مِنْهَا.
الثَّالِثُ: أَنَّ الْمَسِيحَ عِنْدَكُمْ هُوَ الْخَالِقُ، وَأَنْتُمْ مَعَ قَوْلِكُمْ: إِنَّهُ الِابْنُ وَالْكَلِمَةُ، تَقُولُونَ إِنَّهُ الْإِلَهُ الْخَالِقُ، وَتَقُولُونَ إِنَّهُ إِلَهٌ حَقٌّ مِنْ إِلَهٍ حَقٍّ، وَتَقُولُونَ: إِلَهٌ وَاحِدٌ فَتَجْمَعُونَ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ، وَإِذَا كَانَ هُوَ الْخَالِقُ فَهُوَ الَّذِي يُشَدِّدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، لَا يُقَالُ بِهِ تَشَدَّدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، وَإِنَّمَا يُقَالُ بِهِ فِيمَا كَانَ صِفَةً لِلْمَوْصُوفِ، فَيُقَالُ: خَلَقَ اللَّهُ الْأَشْيَاءَ بِكُنْ، وَخَلَقَ الْأَشْيَاءَ بِقُدْرَتِهِ.
وَقَوْلُهُ: (بِكَلِمَتِهِ تَشَدَّدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ) يَقْتَضِي أَنَّ الْكَلِمَةَ صِفَةُ فِعْلٍ بِهَا لِأَنَّهَا هِيَ الْخَالِقَةُ وَالْمَسِيحُ عِنْدَكُمْ هُوَ الْخَالِقُ لَيْسَ هُوَ صِفَةُ خَلْقٍ.
وَالرَّابِعُ: أَنَّ كَلِمَةَ اللَّهِ يُرَادُ بِهَا جِنْسُ كَلِمَاتِهِ، كَمَا قَالَ - تَعَالَى -:
﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾ [التوبة: ٤٠]
стр. 1079
وَكَقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» وَحِينَئِذٍ فَالْمُرَادُ أَنَّ اللَّهَ أَقَامَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِكَلِمَتِهِ، كَقَوْلِهِ كُنْ وَلَيْسَ فِي هَذَا تَعَرُّضٌ لِلْمَسِيحِ ﵇.
وَأَمَّا نَقْلُكُمْ أَنَّهُ قَالَ: (وَبِرُوحِ فَاهْ جَمِيعُ قُوَّاتِهِنَّ) فَهَذِهِ الْكَلِمَةُ سَوَاءٌ كَانَتْ حَقًّا أَوْ بَاطِلًا، لَا حُجَّةَ لَكُمْ فِيهَا لِأَنَّهُ إِنْ أُرِيدَ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ حَيَاةُ اللَّهِ فَإِثْبَاتُ حَيَاةِ اللَّهِ حَقٌّ وَهُوَ لَمْ يُسَمِّ حَيَاةَ اللَّهِ رُوحَ الْقُدُسِ، كَمَا زَعَمْتُمْ، وَإِنْ أَرَادَ شَيْئًا غَيْرَ حَيَاةِ اللَّهِ لَمْ تَنْفَعْكُمْ فَأَنْتُمُ ادَّعَيْتُمْ أَنَّ حَيَاةَ اللَّهِ رُوحُ الْقُدُسِ حَتَّى قُلْتُمْ مُرَادُهُ فِي الْإِنْجِيلِ بِقَوْلِهِ: (عَمِّدُوا النَّاسَ بِاسْمِ الْأَبِ وَالِابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ) هُوَ حَيَاةُ اللَّهِ، وَادَّعَيْتُمْ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ سَمَّوْهُ بِذَلِكَ وَلَمْ تَذْكُرُوا نَقْلًا عَنِ الْأَنْبِيَاءِ أَنَّهُمْ سَمَّوْا حَيَاتَهُ رُوحَ الْقُدُسِ، بَلْ ذَكَرْتُمْ عَنْهُمْ مَا يُوَافِقُ مَا فِي الْقُرْآنِ أَنَّ رُوحَ الْقُدُسِ لَيْسَ الْمُرَادُ بِهَا حَيَاةَ اللَّهِ، وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ اسْتُعْمِلَ فِي هَذَا وَهَذَا لَمْ يَتَعَيَّنْ أَنَّ الْمَسِيحَ أَرَادَ بِقَوْلِهِ: (رُوحُ الْقُدُسِ) حَيَاةَ اللَّهِ، فَكَيْفَ إِذَا لَمْ يُسْتَعْمَلْ فِي كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ - فِي حَيَاةِ اللَّهِ قَطُّ.
стр. 1080
[فَصْلٌ: بَيَانُ الْمَعْنَى الصَّحِيحِ لِرُوحِ اللَّهِ]
قَالُوا: وَقَوْلُهُ: عَلَى لِسَانِ أَيُّوبَ الصِّدِّيقِ رُوحُ اللَّهِ خَلَقَنِي وَهُوَ يُعَلِّمُنِي.
فَيُقَالُ هَذَا لَا حُجَّةَ فِيهِ لِأَنَّكُمُ ادَّعَيْتُمْ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ سَمَّتْ حَيَاةَ اللَّهِ رُوحَ الْقُدُسِ، وَهَذَا لَمْ يَقُلْ رُوحُ الْقُدُسِ، بَلْ قَالَ رُوحُ اللَّهِ.
وَرُوحُ اللَّهِ يُرَادُ بِهَا الْمَلَكُ الَّذِي هُوَ رُوحٌ اصْطَفَاهُ اللَّهُ فَأَحَبَّهَا، كَمَا قَالَ فِي الْقُرْآنِ:
﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٧] (١٧) ﴿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ١٨] (١٨) ﴿قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا﴾ [مريم: ١٩] .
فَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ أَرْسَلَ إِلَيْهَا رُوحَهُ فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا، وَتَبَيَّنَ أَنَّهُ رَسُولُهُ.
فَعُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالرُّوحِ مَلَكٌ، هُوَ رُوحٌ اصْطَفَاهَا فَأَضَافَهَا إِلَيْهِ، كَمَا يُضَافُ إِلَيْهِ الْأَعْيَانُ الَّتِي خَصَّهَا بِخَصَائِصَ يُحِبُّهَا.
كَقَوْلِهِ: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ [الشمس: ١٣] .
وَقَوْلِهِ: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج: ٢٦] .
стр. 1081
وَقَوْلِهِ: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦] .
وَالْمُضَافُ إِلَى اللَّهِ إِنْ كَانَ صِفَةً لَمْ تَقُمْ بِمَخْلُوقٍ كَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالْكَلَامِ وَالْحَيَاةِ، كَانَ صِفَةً لَهُ، وَإِنْ كَانَ عَيْنًا قَائِمَةً بِنَفْسِهَا أَوْ صِفَةً لِغَيْرِهِ، كَالْبَيْتِ وَالنَّاقَةِ وَالْعَبْدِ وَالرُّوحِ، كَانَ مَخْلُوقًا مَمْلُوكًا مُضَافًا إِلَى خَالِقِهِ وَمَالِكِهِ، وَلَكِنَّ الْإِضَافَةَ تَقْتَضِي اخْتِصَاصَ الْمُضَافِ بِصِفَاتٍ تَمَيَّزَ بِهَا عَنْ غَيْرِهِ، حَتَّى اسْتَحَقَّ الْإِضَافَةَ، كَمَا اخْتَصَّتِ الْكَعْبَةُ وَالنَّاقَةُ وَالْعِبَادُ الصَّالِحُونَ بِأَنْ يُقَالَ فِيهِمْ (بَيْتُ اللَّهِ) وَ (نَاقَةُ اللَّهِ) وَ (عِبَادُ اللَّهِ) ، كَذَلِكَ اخْتَصَّتِ الرُّوحُ الْمُصْطَفَاةُ بِأَنْ يُقَالَ لَهَا رُوحُ اللَّهِ.
بِخِلَافِ الْأَرْوَاحِ الْخَبِيثَةِ كَأَرْوَاحِ الشَّيَاطِينِ وَالْكُفَّارِ، فَإِنَّهَا مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ، وَلَا تُضَافُ إِلَيْهِ إِضَافَةَ الْأَرْوَاحِ الْمُقَدَّسَةِ، كَمَا لَا تُضَافُ إِلَيْهِ الْجَمَادَاتُ كَمَا تُضَافُ الْكَعْبَةُ، وَلَا نُوقُ النَّاسِ، كَمَا تُضَافُ نَاقَةُ صَالِحٍ الَّتِي كَانَتْ آيَةً مِنْ آيَاتِهِ.
كَمَا قَالَ - تَعَالَى -: ﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً﴾ [الأعراف: ٧٣] .
стр. 1082
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَهَذَا اللَّفْظُ إِنْ كَانَ ثَابِتًا عَنِ النَّبِيِّ وَتُرْجِمَ تَرْجَمَةً صَحِيحَةً، فَقَدْ يَكُونُ مَعْنَاهُ أَنَّ الْمَلَكَ صَوَّرَنِي فِي بَطْنِ أُمِّي، وَهُوَ يُعَلِّمُنِي، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا مَرَّ بِالنُّطْفَةِ ثِنْتَانِ وَأَرْبَعُونَ لَيْلَةً بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهَا مَلَكًا فَصَوَّرَهَا وَخَلَقَ سَمْعَهَا وَبَصَرَهَا وَجِلْدَهَا وَلَحْمَهَا وَعِظَامَهَا، ثُمَّ قَالَ: يَا رَبِّ أَذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى، فَيَقْضِي رَبُّكَ مَا شَاءَ وَيَكْتُبُ الْمَلَكُ، ثُمَّ يَقُولُ: يَا رَبِّ أَجَلُهُ؟ فَيَقُولُ رَبُّكَ مَا شَاءَ، وَيَكْتُبُ الْمَلَكُ، ثُمَّ يَقُولُ: يَا رَبِّ رِزْقُهُ؟ فَيَقُولُ رَبُّكَ مَا يَشَاءُ، وَيَكْتُبُ الْمَلَكُ، ثُمَّ يَخْرُجُ الْمَلَكُ بِالصَّحِيفَةِ فِي يَدِهِ، فَلَا يُزَادُ عَلَى أَمْرٍ وَلَا يُنْقَصُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ بْنِ أُسَيْدٍ الْغِفَارِيِّ.
وَقَدْ يُقَالُ: مَنْ هَذَا قَوْلُهُ فِي الزَّبُورِ فِي مَزْمُورِ الْخَلِيقَةِ: تُرْسِلُ رُوحَكَ فَيُخْلَقُونَ، وَفِي الْمَزْمُورِ أَيْضًا هُوَ قَالَ: فَكَانُوا وَأَمَرَ فَخُلِقُوا فَقَدْ يُضَافُ الْخَلْقُ إِلَى الْمَلَكِ.
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ قَوْلُهُ - تَعَالَى -:
стр. 1083
﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٤٩] .
فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ يَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ، وَكَذَلِكَ الْمَلَكُ يَخْلُقُ النُّطْفَةَ فِي الرَّحِمِ بِإِذْنِ اللَّهِ.
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنَّ حَيَاةَ اللَّهِ خَلَقَتْنِي وَتُعَلِّمُنِي، فَإِنَّ الصِّفَةَ لَا تَخْلُقُ وَلَا تُعَلِّمُ، إِنَّمَا يَخْلُقُ وَيُعَلِّمُ الرَّبُّ الْمَوْصُوفُ الَّذِي خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ، وَلَكِنْ هُوَ سُبْحَانَهُ يَخْلُقُ بِوَاسِطَةِ الْمَلَائِكَةِ، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ رُسُلُ اللَّهِ فِي الْخَلْقِ، فَجَازَ أَنْ يُضَافَ الْفِعْلُ إِلَى الْوَسَائِطِ تَارَةً، وَإِلَى الرَّبِّ أُخْرَى، وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ كَمَا فِي الْقُرْآنِ:
﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر: ٤٢] .
وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ:
﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام: ٦١] .
وَفِي مَوْضِعٍ ثَالِثٍ:
﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ [السجدة: ١١] .
стр. 1084
وَالْجَمِيعُ حَقٌّ، فَإِذَا وُجِدَ لَفْظٌ لَهُ مَعْنًى فِي كَلَامِ بَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ، وَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مَعْنًى يُخَالِفُ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِهِمْ، كَانَ حَمْلُهُ عَلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى مَعْنًى يُخَالِفُ كَلَامَهُمْ، وَلَا يُوجَدُ فِي كَلَامِهِمْ أَنَّ حَيَاةَ اللَّهِ تُسَمَّى رُوحًا، وَلَا أَنَّ صِفَاتِ اللَّهِ تَخْلُقُ الْمَخْلُوقَاتِ.
стр. 1085
[فَصْلٌ: بَيَانُ الْمَعْنَى الصَّحِيحِ لِكَلِمَةِ اللَّهِ]
قَالُوا: وَقَوْلُهُ: عَلَى لِسَانِ أَشْعِيَا النَّبِيِّ: (يَيْبَسُ الْقَتَادُ، وَيَجِفُّ الْعُشْبُ، وَكَلِمَتُهُ بَاقِيَةٌ إِلَى الْأَبَدِ) .
فَيُقَالُ: إِمَّا أَنْ يُرِيدَ بِكَلِمَةِ اللَّهِ عِلْمَهُ، أَوْ كَلِمَةً مُعَيَّنَةً، أَوْ تَكُونُ كَلِمَةُ اللَّهِ اسْمَ جِنْسٍ، وَعَلَى التَّقْدِيرَاتِ الثَّلَاثَةِ لَا حُجَّةَ لَكُمْ فِي ذَلِكَ، فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ كَلِمَةُ اللَّهِ اسْمَ جِنْسٍ لِكُلِّ مَا تَكَلَّمَ اللَّهُ بِهِ كَمَا قَالَ:
﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾ [التوبة: ٤٠] .
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : - «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»
стр. 1086
وَلِهَذَا جَمَعَهَا فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -:
﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥] .
وَفِي قَوْلِهِ:
﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف: ١٠٩] .
فَالْمُرَادُ بِذَلِكَ أَنَّ مَا قَالَهُ اللَّهُ فَهُوَ حَقٌّ ثَابِتٌ لَا يَبْطُلُ.
كَمَا قَالَ - تَعَالَى -:
﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا﴾ [الأعراف: ١٣٧] .
يَعْنِي بِتَمَامِهَا نَفَاذَ مَا وَعَدَهُمْ بِهِ مِنَ النَّصْرِ عَلَى فِرْعَوْنَ، وَإِهْلَاكِهِ، وَإِخْرَاجِهِمْ إِلَى الشَّامِ.
وَقَالَ - تَعَالَى -:
﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥] .
وَمِنْهُ قَوْلُهُ:
﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ [الكهف: ٢٧] .
стр. 1087
وَقَوْلُهُ:
﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [الفتح: ١٥] .
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ قَوْلُ الْمَسِيحِ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ يَزُولَانِ، وَكَلَامِي لَا يَزُولُ، فَإِنْ أَرَادَ عِلْمَ اللَّهِ، فَعِلْمُ اللَّهِ بَاقٍ سَوَاءٌ أَرَادَ بِهِ عِلْمَهُ الْقَائِمَ بِذَاتِهِ أَوْ مَعْلُومَهُ الَّذِي أَخْبَرَ بِبَقَائِهِ فَلَا حُجَّةَ لَكُمْ فِيهِ، وَكَذَلِكَ إِنْ أَرَادَ كَلِمَةً مُعَيَّنَةً فَإِنَّ الْمَسِيحَ عِنْدَكُمْ لَيْسَ كَلِمَةً مُعَيَّنَةً مِنْ كَلَامِهِ، بَلْ هُوَ عِنْدَكُمْ هُوَ الْكَلِمَةُ وَهُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ وَلَيْسَ فِي هَذَا اللَّفْظِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ بِالْكَلِمَةِ الْمَسِيحَ وَالْمَسِيحُ عِنْدَكُمْ أَزَلِيٌّ أَبَدِيٌّ لَا يُوصَفُ بِالْبَقَاءِ دُونَ الْقِدَمِ وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّهُ أَرَادَ بِالْكَلِمَةِ الْمَسِيحَ فَنَحْنُ لَا نُنْكِرُ أَنَّهُ يُسَمَّى بِالْكَلِمَةِ، لِأَنَّهُ قَالَ لَهُ: كُنْ فَكَانَ، كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ، وَيُرِيدُ
стр. 1088
بِذَلِكَ إِمَّا بَقَاؤُهُ إِلَى أَنْ يَنْزِلَ إِلَى الْأَرْضِ، وَإِمَّا أَنْ يُرِيدَ بَقَاءَ ذِكْرِهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، وَلِسَانِ صِدْقٍ لَهُ إِلَى آخِرِ الزَّمَانِ.
وَمِمَّا يُوَضِّحُ هَذَا وَأَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ مَا يَدَّعُونَهُ، أَنَّهُ قَالَ: وَكَلِمَةُ اللَّهِ بَاقِيَةٌ إِلَى الْأَبَدِ فَوَصَفَهَا بِالْبَقَاءِ دُونَ الْقِدَمِ.
وَعِنْدَهُمْ أَنَّ الْكَلِمَةَ الْمَوْلُودَةَ مِنَ الْأَبِ قَدِيمَةٌ أَزَلِيَّةٌ لَمْ تَزَلْ وَلَا تَزَالُ وَمِثْلُ هَذَا لَا يَحْتَاجُ أَنْ يُوصَفَ بِالدَّوَامِ وَالْبَقَاءِ، بِخِلَافِ مَا وَعَدَ بِهِ مِنَ النَّعِيمِ وَالرَّحْمَةِ وَالثَّوَابِ، فَإِنَّهُ يُوصَفُ بِالْبَقَاءِ وَالدَّوَامِ كَمَا فِي الْقُرْآنِ: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ﴾ [الرعد: ٣٥] وَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ [ص: ٥٤] .
وَفِي الزَّبُورِ: اعْتَرِفُوا لِلرَّبِّ، فَإِنَّهُ صَالِحٌ، وَإِنَّهُ إِلَى الْأَبَدِ رَحْمَتُهُ.
стр. 1089
[فَصْلٌ: إِبْطَالُ اسْتِدْلَالِهِمْ بِالتَّعْمِيدِ عَلَى الْأَقَانِيمِ]
قَالُوا: وَقَالَ السَّيِّدُ الْمَسِيحُ فِي الْإِنْجِيلِ الْمُقَدَّسِ لِتَلَامِيذِهِ الْأَطْهَارِ: (اذْهَبُوا إِلَى جَمِيعِ الْأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بَاسْمِ الْأَبِ وَالِابْنِ وَرُوحِ الْقُدُسِ الْإِلَهِ الْوَاحِدِ، وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أُوصِيكُمْ بِهِ) .
فَيُقَالُ لَهُم: هَذَا عُمْدَتُكُمْ عَلَى مَا تَدَّعُونَهُ مِنَ الْأَقَانِيمِ الثَّلَاثَةِ وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ لَا نَصًّا وَلَا ظَاهِرًا، فَإِنَّ لَفْظَ الِابْنِ لَمْ يُسْتَعْمَلْ قَطُّ فِي الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ فِي مَعْنَى صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ، وَلَمْ يُسَمِّ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ عِلْمَ اللَّهِ ابْنَهُ وَلَا سَمَّوْا كَلَامَهُ ابْنَهُ، وَلَكِنْ عِنْدَكُمْ أَنَّهُمْ سَمَّوْا عَبْدَهُ أَوْ عِبَادَهُ ابْنَهُ أَوْ بَنِيهِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَدَعْوَاكُمْ أَنَّ الْمَسِيحَ أَرَادَ بِالْعِلْمِ ابْنَ اللَّهِ وَكَلَامَهُ - دَعْوَى فِي غَايَةِ الْكَذِبِ عَلَى الْمَسِيحِ، وَهُوَ حَمْلٌ لِلَفْظِهِ عَلَى مَا لَمْ يَسْتَعْمِلْهُ هُوَ وَلَا غَيْرُهُ فِيهِ لَا حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا، فَأَيُّ كَذِبٍ وَتَحْرِيفٍ لِكَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ أَعْظَمُ مِنْ هَذَا.
وَلَوْ كَانَ لَفْظُ الِابْنِ يُسْتَعْمَلُ فِي صِفَةِ اللَّهِ لَسُمِّيَتْ حَيَاتُهُ ابْنًا، وَقُدْرَتُهُ ابْنًا، فَتَخْصِيصُ الْعِلْمِ، بِلَفْظِ الِابْنِ دُونَ الْحَيَاةِ خَطَأٌ ثَانٍ لَوْ كَانَ
стр. 1090
لَفْظُ الِابْنِ يُسْتَعْمَلُ فِي صِفَةِ اللَّهِ، فَكَيْفَ إِذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ رُوحُ الْقُدُسِ لَمْ يَسْتَعْمِلُوهَا فِي حَيَاةِ اللَّهِ، وَلَا أَرَادُوا بِهَذَا اللَّفْظِ حَيَاةَ اللَّهِ الَّتِي هِيَ صِفَتُهُ، وَإِنَّمَا أَرَادُوا بِذَلِكَ مَا يُنَزِّلُهُ عَلَى الصِّدِّيقِينَ وَالْأَنْبِيَاءِ، وَيُؤَيِّدُهُمْ بِهِ كَمَا فِي قَوْلِ دَاوُدَ: (رُوحُكَ الْقُدُسُ لَا تُنْزَعُ مِنِّي) ، وَعِنْدَهُمْ أَنَّ رُوحَ الْقُدُسِ حَلَّتْ فِي الْحَوَارِيِّينَ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ رُوحَ الْقُدُسِ يُرَادُ بِهِ الْمَلَكُ، وَيُرَادُ بِهِ مَا يَجْعَلُهُ فِي الْقُلُوبِ مِنَ الْهُدَى وَالْقُوَّةِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ فِي بَعْضِ النُّبُوَّاتِ: (وَفِي تِلْكَ الْأَيَّامِ أَسْكُبُ مِنْ رُوحِي عَلَى كُلِّ قِدِّيسٍ) وَفِي زَبُورِ دَاوُدَ (رُوحُكَ الصَّالِحُ يَهْدِينِي فِي أَرْضٍ مُسْتَقِيمَةٍ.
يُوَضِّحُ هَذَا أَنَّهُمْ قَالُوا فِي أَمَانَتِهِم: (الَّذِي مِنْ أَجْلِنَا - نَحْنُ الْبَشَرَ - وَمِنْ أَجْلِ خَلَاصِنَا نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ وَتَجَسَّدَ مِنْ رُوحِ الْقُدُسِ، وَمِن مَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ) وَذَكَرُوا أَنَّ ذَلِكَ فِي الْكُتُبِ الْمُقَدَّسَةِ، وَالَّذِي فِي الْكُتُبِ
следующие страницы →