Полный текст (2 831 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.
стр. 1086
وَلِهَذَا جَمَعَهَا فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -:
﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥] .
وَفِي قَوْلِهِ:
﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف: ١٠٩] .
فَالْمُرَادُ بِذَلِكَ أَنَّ مَا قَالَهُ اللَّهُ فَهُوَ حَقٌّ ثَابِتٌ لَا يَبْطُلُ.
كَمَا قَالَ - تَعَالَى -:
﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا﴾ [الأعراف: ١٣٧] .
يَعْنِي بِتَمَامِهَا نَفَاذَ مَا وَعَدَهُمْ بِهِ مِنَ النَّصْرِ عَلَى فِرْعَوْنَ، وَإِهْلَاكِهِ، وَإِخْرَاجِهِمْ إِلَى الشَّامِ.
وَقَالَ - تَعَالَى -:
﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥] .
وَمِنْهُ قَوْلُهُ:
﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ [الكهف: ٢٧] .
стр. 1087
وَقَوْلُهُ:
﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [الفتح: ١٥] .
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ قَوْلُ الْمَسِيحِ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ يَزُولَانِ، وَكَلَامِي لَا يَزُولُ، فَإِنْ أَرَادَ عِلْمَ اللَّهِ، فَعِلْمُ اللَّهِ بَاقٍ سَوَاءٌ أَرَادَ بِهِ عِلْمَهُ الْقَائِمَ بِذَاتِهِ أَوْ مَعْلُومَهُ الَّذِي أَخْبَرَ بِبَقَائِهِ فَلَا حُجَّةَ لَكُمْ فِيهِ، وَكَذَلِكَ إِنْ أَرَادَ كَلِمَةً مُعَيَّنَةً فَإِنَّ الْمَسِيحَ عِنْدَكُمْ لَيْسَ كَلِمَةً مُعَيَّنَةً مِنْ كَلَامِهِ، بَلْ هُوَ عِنْدَكُمْ هُوَ الْكَلِمَةُ وَهُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ وَلَيْسَ فِي هَذَا اللَّفْظِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ بِالْكَلِمَةِ الْمَسِيحَ وَالْمَسِيحُ عِنْدَكُمْ أَزَلِيٌّ أَبَدِيٌّ لَا يُوصَفُ بِالْبَقَاءِ دُونَ الْقِدَمِ وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّهُ أَرَادَ بِالْكَلِمَةِ الْمَسِيحَ فَنَحْنُ لَا نُنْكِرُ أَنَّهُ يُسَمَّى بِالْكَلِمَةِ، لِأَنَّهُ قَالَ لَهُ: كُنْ فَكَانَ، كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ، وَيُرِيدُ
стр. 1088
بِذَلِكَ إِمَّا بَقَاؤُهُ إِلَى أَنْ يَنْزِلَ إِلَى الْأَرْضِ، وَإِمَّا أَنْ يُرِيدَ بَقَاءَ ذِكْرِهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، وَلِسَانِ صِدْقٍ لَهُ إِلَى آخِرِ الزَّمَانِ.
وَمِمَّا يُوَضِّحُ هَذَا وَأَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ مَا يَدَّعُونَهُ، أَنَّهُ قَالَ: وَكَلِمَةُ اللَّهِ بَاقِيَةٌ إِلَى الْأَبَدِ فَوَصَفَهَا بِالْبَقَاءِ دُونَ الْقِدَمِ.
وَعِنْدَهُمْ أَنَّ الْكَلِمَةَ الْمَوْلُودَةَ مِنَ الْأَبِ قَدِيمَةٌ أَزَلِيَّةٌ لَمْ تَزَلْ وَلَا تَزَالُ وَمِثْلُ هَذَا لَا يَحْتَاجُ أَنْ يُوصَفَ بِالدَّوَامِ وَالْبَقَاءِ، بِخِلَافِ مَا وَعَدَ بِهِ مِنَ النَّعِيمِ وَالرَّحْمَةِ وَالثَّوَابِ، فَإِنَّهُ يُوصَفُ بِالْبَقَاءِ وَالدَّوَامِ كَمَا فِي الْقُرْآنِ: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ﴾ [الرعد: ٣٥] وَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ [ص: ٥٤] .
وَفِي الزَّبُورِ: اعْتَرِفُوا لِلرَّبِّ، فَإِنَّهُ صَالِحٌ، وَإِنَّهُ إِلَى الْأَبَدِ رَحْمَتُهُ.
стр. 1089
[فَصْلٌ: إِبْطَالُ اسْتِدْلَالِهِمْ بِالتَّعْمِيدِ عَلَى الْأَقَانِيمِ]
قَالُوا: وَقَالَ السَّيِّدُ الْمَسِيحُ فِي الْإِنْجِيلِ الْمُقَدَّسِ لِتَلَامِيذِهِ الْأَطْهَارِ: (اذْهَبُوا إِلَى جَمِيعِ الْأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بَاسْمِ الْأَبِ وَالِابْنِ وَرُوحِ الْقُدُسِ الْإِلَهِ الْوَاحِدِ، وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أُوصِيكُمْ بِهِ) .
فَيُقَالُ لَهُم: هَذَا عُمْدَتُكُمْ عَلَى مَا تَدَّعُونَهُ مِنَ الْأَقَانِيمِ الثَّلَاثَةِ وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ لَا نَصًّا وَلَا ظَاهِرًا، فَإِنَّ لَفْظَ الِابْنِ لَمْ يُسْتَعْمَلْ قَطُّ فِي الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ فِي مَعْنَى صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ، وَلَمْ يُسَمِّ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ عِلْمَ اللَّهِ ابْنَهُ وَلَا سَمَّوْا كَلَامَهُ ابْنَهُ، وَلَكِنْ عِنْدَكُمْ أَنَّهُمْ سَمَّوْا عَبْدَهُ أَوْ عِبَادَهُ ابْنَهُ أَوْ بَنِيهِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَدَعْوَاكُمْ أَنَّ الْمَسِيحَ أَرَادَ بِالْعِلْمِ ابْنَ اللَّهِ وَكَلَامَهُ - دَعْوَى فِي غَايَةِ الْكَذِبِ عَلَى الْمَسِيحِ، وَهُوَ حَمْلٌ لِلَفْظِهِ عَلَى مَا لَمْ يَسْتَعْمِلْهُ هُوَ وَلَا غَيْرُهُ فِيهِ لَا حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا، فَأَيُّ كَذِبٍ وَتَحْرِيفٍ لِكَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ أَعْظَمُ مِنْ هَذَا.
وَلَوْ كَانَ لَفْظُ الِابْنِ يُسْتَعْمَلُ فِي صِفَةِ اللَّهِ لَسُمِّيَتْ حَيَاتُهُ ابْنًا، وَقُدْرَتُهُ ابْنًا، فَتَخْصِيصُ الْعِلْمِ، بِلَفْظِ الِابْنِ دُونَ الْحَيَاةِ خَطَأٌ ثَانٍ لَوْ كَانَ
стр. 1090
لَفْظُ الِابْنِ يُسْتَعْمَلُ فِي صِفَةِ اللَّهِ، فَكَيْفَ إِذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ رُوحُ الْقُدُسِ لَمْ يَسْتَعْمِلُوهَا فِي حَيَاةِ اللَّهِ، وَلَا أَرَادُوا بِهَذَا اللَّفْظِ حَيَاةَ اللَّهِ الَّتِي هِيَ صِفَتُهُ، وَإِنَّمَا أَرَادُوا بِذَلِكَ مَا يُنَزِّلُهُ عَلَى الصِّدِّيقِينَ وَالْأَنْبِيَاءِ، وَيُؤَيِّدُهُمْ بِهِ كَمَا فِي قَوْلِ دَاوُدَ: (رُوحُكَ الْقُدُسُ لَا تُنْزَعُ مِنِّي) ، وَعِنْدَهُمْ أَنَّ رُوحَ الْقُدُسِ حَلَّتْ فِي الْحَوَارِيِّينَ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ رُوحَ الْقُدُسِ يُرَادُ بِهِ الْمَلَكُ، وَيُرَادُ بِهِ مَا يَجْعَلُهُ فِي الْقُلُوبِ مِنَ الْهُدَى وَالْقُوَّةِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ فِي بَعْضِ النُّبُوَّاتِ: (وَفِي تِلْكَ الْأَيَّامِ أَسْكُبُ مِنْ رُوحِي عَلَى كُلِّ قِدِّيسٍ) وَفِي زَبُورِ دَاوُدَ (رُوحُكَ الصَّالِحُ يَهْدِينِي فِي أَرْضٍ مُسْتَقِيمَةٍ.
يُوَضِّحُ هَذَا أَنَّهُمْ قَالُوا فِي أَمَانَتِهِم: (الَّذِي مِنْ أَجْلِنَا - نَحْنُ الْبَشَرَ - وَمِنْ أَجْلِ خَلَاصِنَا نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ وَتَجَسَّدَ مِنْ رُوحِ الْقُدُسِ، وَمِن مَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ) وَذَكَرُوا أَنَّ ذَلِكَ فِي الْكُتُبِ الْمُقَدَّسَةِ، وَالَّذِي فِي الْكُتُبِ
стр. 1091
الْمُقَدَّسَةِ لَا يَكُونُ إِلَّا حَقًّا، وَلَا رَيْبَ أَنَّ فِيهَا مِثْلَ مَا فِي الْقُرْآنِ، وَفِي الْقُرْآنِ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَ رَوْحَهُ إِلَى مَرْيَمَ فَنَفَخَ فِيهَا فَحَمَلَت بِالْمَسِيحِ ﵇، قَالَ تَعَالَى:
﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٧] (١٧) ﴿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ١٨] (١٨) ﴿قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا﴾ [مريم: ١٩] (١٩) ﴿قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ [مريم: ٢٠] (٢٠) ﴿قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم: ٢١] (٢١) ﴿فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا﴾ [مريم: ٢٢] .
إِلَى آخِرِ الْقِصَّةِ، وَقَالَ تَعَالَى:
﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ٩١] .
وَقَالَ تَعَالَى:
﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم: ١٢]
стр. 1092
وَهَذَا الرُّوحُ هُوَ الرَّسُولُ كَمَا قَالَ: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا﴾ [مريم: ١٩] .
وَنُفِخَ فِيهَا مِنْ هَذَا الرُّوحِ فَكَانَ الْمَسِيحُ مَخْلُوقًا مِنْ هَذَا الرُّوحِ، وَمِنْ أُمِّهِ مَرْيَمَ كَمَا قَالُوا فِي الْأَمَانَةِ: إِنَّهُ تَجَسَّدَ مِن مَرْيَمَ، وَمِنْ رُوحِ الْقُدُسِ، لَكِنِ اعْتَقَدُوا أَنَّ رُوحَ الْقُدُسِ الَّتِي خُلِقَ الْمَسِيحُ مِنْهَا وَمِن مَرْيَمَ هِيَ حَيَاةُ اللَّهِ، وَهَذَا لَيْسَ فِي الْكُتُبِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، بَلِ الْكُتُبُ كُلُّهَا صَرِيحَةٌ فِي نَقِيضِ هَذَا، وَهُوَ أَيْضًا مُنَاقِضٌ لِقَوْلِهِمْ إِنَّ الْمُتَّحِدَ بِالْمَسِيحِ هُوَ أُقْنُومُ الْكَلِمَةِ، وَهُوَ الْعِلْمُ، فَإِنْ كَانَ قَدْ تَجَسَّدَ مِن مَرْيَمَ، وَأُقْنُومُ الْكَلِمَةِ لَمْ يَكُنْ مُتَجَسِّدًا مِنْ رُوحِ الْقُدُسِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ رُوحِ الْقُدُسِ لَمْ يَكُنْ مِنَ الْكَلِمَةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْهُمَا جَمِيعًا كَانَ الْمَسِيحُ أُقْنُومَيْنِ: أُقْنُومَ الْكَلِمَةِ وَأُقْنُومَ الرُّوحِ.
وَالنَّصَارَى بِفِرَقِهِمُ الثَّلَاثَةِ كُلُّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّمَا الْمُتَّحِدُ بِهِ أُقْنُومُ الْكَلِمَةِ لَا أُقْنُومُ الْحَيَاةِ، فَتَبَيَّنَ تَنَاقُضُهُمْ فِي أَمَانَتِهِم، وَتَبَيَّنَ خَطَؤُهُمْ فِيمَا فَسَّرُوا بِهِ كَلَامَ الْأَنْبِيَاءِ.
وَتَبَيَّنَ أَنَّ مَا ثَبَتَ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ فَهُوَ حَقٌّ مُوَافِقٌ لِمَا أَخْبَرَ بِهِ مُحَمَّدٌ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ لَا يُنَاقِضُ شَيْئًا مِنْ كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ، كَمَا أَنَّهُ لَا يُنَاقِضُ
стр. 1093
شَيْئًا مِنْ كَلَامِهِمْ صَرِيحُ الْمَعْقُولِ، وَتَبَيَّنَ أَنَّهُمْ حَمَلُوا كَلَامَ الْأَنْبِيَاءِ فِي لَفْظِ الِابْنِ وَرُوحِ الْقُدُسِ وَغَيْرِهِ عَلَى مَا لَمْ يُوجَدِ اسْتِعْمَالُ هَذَا اللَّفْظِ فِيهِ، وَتَرَكُوا حَمْلَهُ عَلَى الْمَعْنَى الْمَوْجُودِ فِي كَلَامِهِم، وَهَذَا مِنْ أَبْلَغِ مَا يَكُونُ مِنْ تَحْرِيفِ كَلَامِهِمْ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَتَبْدِيلِ مَعَانِي كَلَامِ اللَّهِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ لَفْظُ رُوحِ الْقُدُسِ عَلَى مَعْنًى لَمْ يَسْتَعْمِلْهُ فِيهِ الْأَنْبِيَاءُ، وَلَا أَرَادُوهُ بِهِ، وَيُتْرَكُ حَمْلُهُ عَلَى الْمَعْنَى الْمَعْرُوفِ الَّذِي يَسْتَعْمِلُونَهُ فِيهِ دَائِمًا.
وَهَلْ هَذَا إِلَّا مِنْ فِعْلِ مَنْ يُحَرِّفُ كَلَامَ الْأَنْبِيَاءِ، وَيَفْتَرِي الْكَذِبَ عَلَيْهِم؟ بَلْ ظَاهِرُ هَذَا الْكَلَامِ أَنْ يُعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الْأَبِ الَّذِي يُرِيدُونَ بِهِ - فِي لُغَتِهِمُ - الرَّبَّ، وَالِابْنِ الَّذِي يُرِيدُونَ بِهِ - فِي لُغَتِهِمُ - الْمُرَبِّيَ، وَهُوَ هُنَا الْمَسِيحُ وَرُوحِ الْقُدُسِ وَهُوَ رُوحُ الْقُدُسِ الَّذِي أَيَّدَ اللَّهُ بِهِ الْمَسِيحَ مِنَ الْمَلَكِ وَالْوَحْيِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَبِهَذَا فَسَّرَ هَذَا الْكَلَامَ مَنْ فَسَّرَهُ مِنْ أَكَابِرِ عُلَمَائِهِم.
стр. 1094
[فَصْلٌ: تَسْمِيَتُهُمْ لِعِلْمِ اللَّهِ وَكَلَامِهِ ابْنًا وَتَسْمِيَتُهُمْ لِحَيَاتِهِ رُوحَ الْقُدُسِ]
فَهَذَا مَا ذَكَرُوهُ فِي كِتَابِهِمْ يَحْتَجُّونَ بِهَا عَلَى مَا يَعْتَقِدُونَهُ مِنَ الْأَقَانِيمِ الثَّلَاثَةِ قَائِلِينَ: إِنَّ تَسْمِيَةَ اللَّهِ أَنَّهُ أَبٌ وَابْنٌ وَرُوحُ الْقُدُسِ أَسْمَاءٌ لَمْ نُسَمِّهِ نَحْنُ النَّصَارَى بِهَا مِنْ ذَاتِ أَنْفُسِنَا، بَلِ اللَّهُ سَمَّى لَاهُوتَهُ بِهَا.
وَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ فِيمَا ذَكَرُوهُ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ مَا يَدُلُّ لَا نَصًّا وَلَا ظَاهِرًا عَلَى أَنَّ أَحَدًا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ سَمَّى اللَّهَ، وَلَا شَيْئًا مِنْ صِفَاتِهِ ابْنًا وَلَا رُوحَ قُدُسٍ.
وَتَبَيَّنَ أَنَّ تَسْمِيَتَهُمْ لِعِلْمِ اللَّهِ وَكَلَامِهِ ابْنًا، وَتَسْمِيَتَهُمْ لِحَيَاتِهِ رُوحَ الْقُدُسِ - أَسْمَاءٌ ابْتَدَعُوهَا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ، وَأَنَّهُ لَيْسَ مَعَهُمْ عَلَى مَا ادَّعَوْهُ مِنَ الْأَقَانِيمِ حُجَّةٌ أَصْلًا، لَا سَمْعِيَّةٌ، وَلَا عَقْلِيَّةٌ، وَأَنَّهُ لَيْسَ لِقَوْلِهِمْ بِالتَّثْلِيثِ وَحَصْرِهِمْ لِصِفَاتِ اللَّهِ فِي ثَلَاثَةٍ مُسْتَنَدٌ شَرْعِيٌّ.
كَمَا تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ مُسْتَنَدٌ عَقْلِيٌّ، وَأَنَّ الْقَوْمَ مِمَّنْ قِيلَ فِيهِم:
﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠] .
وَمِمَّنْ قِيلَ فِيهِم:
﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٤] .
стр. 1095
[فَصْلٌ: إِبْطَالُ احْتِجَاجِهِمْ بِمَا وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ عَلَى الْأَقَانِيمِ]
ثُمَّ أَخَذُوا يَزْعُمُونَ أَنَّ فِيمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ حُجَّةً لَهُمْ عَلَى الْأَقَانِيمِ الَّتِي ادَّعَوْهَا، وَهُمُ ابْتَدَعُوا الْقَوْلَ بِالْأَقَانِيمِ وَالتَّثْلِيثِ قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ مُحَمَّدٌ ﷺ .
وَذَلِكَ مَعْرُوفٌ عِنْدَهُمْ مِنْ حِينِ ابْتَدَعُوا الْأَمَانَةَ الَّتِي لَهُمُ، الَّتِي وَضَعَهَا الثَّلَاثُمِائَةٍ وَثَمَانِيَةَ عَشَرَ مِنْهُمْ بِحَضْرَةِ قُسْطَنْطِينَ الْمَلِكِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مُسْتَنَدٌ عَقْلِيٌّ، وَلَا سَمْعِيٌّ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَ مُحَمَّدٍ ﷺ فَكَيْفَ يَكُونُ لَهُمْ مُسْتَنَدٌ فِيمَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ بَعْدَ ابْتِدَاعِهِمُ الْأَمَانَةَ؟
لَا سِيَّمَا مَعَ الْعِلْمِ الظَّاهِرِ الْمُتَوَاتِرِ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ كَفَّرَهُمْ فِي الْكِتَابِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ وَضَلَّلَهُم، وَجَاهَدَهُمْ بِنَفْسِهِ وَأَمَرَ بِجِهَادِهِمْ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧] .
وَقَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة: ٣٠]
стр. 1096
وَقَالَ: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣] .
وَقَالَ: ﴿وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ [النساء: ١٧١] .
وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
وَقَالُوا: وَقَدْ قَالَ فِي هَذَا الْكِتَابِ أَيْضًا: وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الصَّالِحِينَ.
فَيُقَالُ لَهُم: حَرَّفْتُمْ لَفْظَ الْآيَةِ وَمَعْنَاهَا؛ فَإِنَّ لَفْظَهَا:
﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٧١] (١٧١) ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾ [الصافات: ١٧٢] (١٧٢) ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧٣] .
فَالْكَلِمَةُ الَّتِي سَبَقَتْ لِعِبَادِهِ الْمُرْسَلِينَ قَوْلُهُ:
﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾ [الصافات: ١٧٢] .
أَخْبَرَ أَنَّهُ سَبَقَ مِنْهُ كَلِمَةٌ لِعِبَادِهِ الْمُرْسَلِينَ لَيَنْصُرَنَّهُم، كَمَا قَالَ تَعَالَى:
﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾ [طه: ١٢٩]
стр. 1097
وَقَوْلُهُ:
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ [هود: ١١٠] .
وَقَوْلُهُ:
﴿وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [غافر: ٦] .
وَقَوْلُهُ:
﴿وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ١٤] .
وَقَوْلُهُ:
﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣] .
وَالْكَلِمَةُ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ: هِيَ الْجُمْلَةُ الْمُفِيدَةُ سَوَاءً كَانَتْ جُمْلَةً اسْمِيَّةً أَوْ فِعْلِيَّةً، وَهِيَ الْقَوْلُ التَّامُّ، وَكَذَلِكَ الْكَلَامُ عِنْدَهُمْ هُوَ الْجُمْلَةُ التَّامَّةُ.
قَالَ سِيبَوَيْهِ: وَاعْلَمْ أَنَّهُمْ يَحْكُونَ بِالْقَوْلِ مَا كَانَ كَلَامًا وَلَا يَحْكُونَ بِهِ مَا كَانَ قَوْلًا، وَلَكِنَّ النُّحَاةَ اصْطَلَحُوا عَلَى أَنْ يُسَمُّوا
стр. 1098
مَا تُسَمِّيهِ الْعَرَبُ حَرْفًا يُسَمُّونَهُ كَلِمَةً مِثْلَ زَيْدٍ وَعَمْرٍو، وَمِثْلَ: قَعَدَ وَذَهَبَ، وَكُلُّ حَرْفٍ جَاءَ لِمَعْنًى لَيْسَ بِاسْمٍ وَلَا فِعْلٍ، مِثْلُ: إِنْ وَثُمَّ، وَهَلْ وَلَعَلَّ.
قَالَ تَعَالَى:
﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ [الكهف: ٤] (٤) ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ [الكهف: ٥] .
فَسَمَّى هَذِهِ الْجُمْلَةَ كَلِمَةً.
وَقَالَ تَعَالَى:
﴿مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ [إبراهيم: ٢٤] .
وَهُوَ قَوْلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ.
وَقَالَ تَعَالَى:
﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] .
وَقَالَ تَعَالَى:
﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٦٤]
стр. 1099
وَقَوْلُهُ تَعَالَى:
﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾ [الفتح: ٢٦] .
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «كَلِمَتَانِ حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ» ، وَقَالَ ﷺ : «أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالَهَا شَاعِرٌ كَلِمَةُ لَبِيدٍ:
أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلٌ
»
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ
стр. 1100
تَمْرَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ» ، وَلَمَّا شَاعَ عِنْدَ الْمُشْتَغِلِينَ بِالنَّحْوِ اسْتِعْمَالُ لَفْظِ الْكَلِمَةِ فِي الِاسْمِ أَوِ الْفِعْلِ، وَحُرِّفَ الْمَعْنَى - صَارُوا يَظُنُّونَ أَنَّ هَذَا هُوَ كَلَامُ الْعَرَبِ، ثُمَّ لَمَّا وَجَدَ بَعْضُهُمْ مَا سَمِعَهُ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ أَنَّهُ يُرَادُ بِالْكَلِمَةِ الْجُمْلَةُ التَّامَّةُ صَارَ يَقُولُ: وَكَلِمَةٍ بِهَا كَلَامٌ قَدْ يُؤَمُّ، فَيَجْعَلُ ذَلِكَ مِنَ الْقَلِيلِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُ ذَلِكَ مَجَازًا، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، بَلْ هَذَا اصْطِلَاحُ هَؤُلَاءِ النُّحَاةِ، فَإِنَّ الْعَرَبَ لَمْ يُعْرَفْ عَنْهُمْ أَنَّهُمُ اسْتَعْمَلُوا لَفْظَ الْكَلِمَةِ وَالْكَلَامِ إِلَّا فِي الْجُمْلَةِ التَّامَّةِ، وَهَكَذَا نَقَلَ عَنْهُمْ أَئِمَّةُ النَّحْوِ كَسِيبَوَيْهِ وَغَيْرِهِ.
فَكَيْفَ يُقَالُ: إِنَّ هَذَا هُوَ الْمَجَازُ، وَإِنَّ هَذَا قَلِيلٌ وَكَثِيرٌ.
كَمَا أَنَّ لَفْظَ الْقَدِيمِ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ هُوَ الْمُتَقَدِّمُ عَلَى غَيْرِهِ كَمَا قَالَ
стр. 1101
تَعَالَى:
﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس: ٣٩] .
وَقَوْلُهُ تَعَالَى:
﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾ [الأحقاف: ١١] .
وَقَوْلُهُ تَعَالَى:
﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ - أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ﴾ [الشعراء: ٧٥ - ٧٦] .
ثُمَّ إِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ مَنْ خَصَّ لَفْظَ الْقَدِيمِ بِمَا لَمْ يَسْبِقْهُ عَدَمٌ، أَوْ مَا لَمْ يَسْبِقْهُ غَيْرُهُ، وَصَارَ هَذَا عِنْدَهُمْ هُوَ حَقِيقَةَ اللَّفْظِ، حَتَّى صَارَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ يَظُنُّ أَنَّ اسْتِعْمَالَ الْقَدِيمِ فِي الْمُتَقَدِّمِ عَلَى غَيْرِهِ مُطْلَقًا - مَجَازٌ.
فَتَبَيَّنَ أَنَّ مُرَادَهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ:
﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٧١] .
مِنْ جِنْسِ قَوْلِهِ:
﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا﴾ [طه: ١٢٩] .
فَسَبَقَ مِنْهُ كَلِمَتُهُ بِمَا سَيَكُونُ مِنْ نَصْرِ الْمُرْسَلِينَ، وَمَلْءِ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَحَرَّفَ هَؤُلَاءِ الضَّلَالُ لَفْظَ الْآيَةِ فَقَالُوا: لِعِبَادِنَا الصَّالِحِينَ، وَجَعَلُوا الْكَلِمَةَ هِيَ الْمَسِيحَ وَلَيْسَ فِي
стр. 1102
اللَّفْظِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، وَلَا فِي كَوْنِ الْمَسِيحِ سَبَقَ لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ - مَعْنًى صَحِيحٌ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى:
﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٧١] (١٧١) ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾ [الصافات: ١٧٢] (١٧٢) ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧٣]
стр. 1103
[فَصْلٌ: بَيَانُ مَعْنَى تَأْيِيدِ الْمَسِيحِ بِرُوحِ الْقُدُسِ]
قَالُوا: وَقَالَ أَيْضًا:
﴿يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ [المائدة: ١١٠] .
فَيُقَالُ: هَذَا مِمَّا لَا رَيْبَ فِيهِ، وَلَا حَجَّةَ لَكُمْ فِيهِ، بَلْ هُوَ حُجَّةٌ عَلَيْكُم، فَإِنَّ اللَّهَ أَيَّدَ الْمَسِيحَ ﵇ بِرُوحِ الْقُدُسِ كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَقَالَ تَعَالَى: فِي الْبَقَرَةِ: ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ [البقرة: ٨٧] .
وَقَالَ تَعَالَى:
﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ [البقرة: ٢٥٣] .
وَهَذَا لَيْسَ مُخْتَصًّا بِالْمَسِيحِ، بَلْ قَدْ أُيِّدَ غَيْرُهُ بِذَلِكَ، وَقَدْ ذَكَرُوا هُمْ أَنَّهُ قَالَ لِدَاوُدَ: رُوحُكَ الْقُدُسُ لَا تُنْزَعُ مِنِّي، وَقَدْ «قَالَ نَبِيُّنَا ﷺ لِحَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ: اللَّهُمَّ أَيِّدْهُ بِرُوحِ
стр. 1104
الْقُدُسِ» ، وَفِي لَفْظٍ: «رُوحُ الْقُدُسِ مَعَكَ مَا دُمْتَ تُنَافِحُ عَنْ نَبِيِّهِ» وَكِلَا اللَّفْظَيْنِ فِي الصَّحِيحِ.
وَعِنْدَ النَّصَارَى أَنَّ الْحَوَارِيِّينَ حَلَّتْ فِيهِمْ رُوحُ الْقُدُسِ، وَكَذَلِكَ عِنْدَهُمْ رُوحُ الْقُدُسِ حَلَّتْ فِي جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ.
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى:
﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨] (٩٨) ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [النحل: ٩٩] (٩٩) ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ١٠٠] (١٠٠) ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ١٠١] (١٠١) ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ١٠٢] .
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى فِي مَوْضِعٍ آخَرَ:
﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ - عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٣ - ١٩٤] .
وَقَالَ:
﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٩٧] .
فَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ رُوحَ الْقُدُسِ هُنَا جِبْرِيلُ، وَقَالَ تَعَالَى:
стр. 1105
﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] .
وَقَالَ تَعَالَى:
﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: ٥٢] .
وَقَالَ تَعَالَى:
﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ [النحل: ٢] .
وَقَالَ:
﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ﴾ [غافر: ١٥] .
فَهَذِهِ الرُّوحُ الَّتِي أَوْحَاهَا وَالَّتِي تَنْزِلُ بِهَا الْمَلَائِكَةُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ - غَيْرُ الرُّوحِ الْأَمِينِ الَّتِي تَنْزِلُ بِالْكِتَابِ، وَكِلَاهُمَا يُسَمَّى رُوحًا، وَهُمَا مُتَلَازِمَانِ؛ فَالرُّوحُ الَّتِي يَنْزِلُ بِهَا الْمَلَكُ مَعَ الرُّوحِ الْأَمِينِ الَّتِي يَنْزِلُ بِهَا رُوحُ الْقُدُسِ يُرَادُ بِهَا هَذَا وَهَذَا.
وَبِكِلَا الْقَوْلَيْنِ فَسَّرَ الْمُفَسِّرُونَ قَوْلَهُ فِي الْمَسِيحِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ إِنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ حَيَاةُ اللَّهِ، وَلَا اللَّفْظَ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ وَلَا اسْتُعْمِلَ فِيهِ.
стр. 1106
وَهُمْ إِمَّا أَنْ يُسَلِّمُوا أَنَّ رُوحَ الْقُدُسِ فِي حَقِّ غَيْرِهِ لَيْسَ الْمُرَادُ بِهَا حَيَاةَ اللَّهِ، فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ لَهَا مَعْنًى غَيْرَ الْحَيَاةِ، فَلَوِ اسْتُعْمِلَ فِي حَيَاةِ اللَّهِ أَيْضًا لَمْ يَتَعَيَّنْ أَنْ يُرَادَ بِهَا ذَلِكَ فِي حَقِّ الْمَسِيحِ، فَكَيْفَ وَلَمْ يُسْتَعْمَلْ فِي حَيَاةِ اللَّهِ فِي حَقِّ الْمَسِيحِ.
وَإِمَّا أَنْ يَدَّعُوا أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا حَيَاةُ اللَّهِ فِي حَقِّ الْأَنْبِيَاءِ وَالْحَوَارِيِّينَ، فَإِنْ قَالُوا ذَلِكَ لَزِمَهُمْ أَنْ يَكُونَ اللَّاهُوتُ حَالًّا فِي جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْحَوَارِيِّينَ، وَحِينَئِذٍ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ هَؤُلَاءِ وَبَيْنَ الْمَسِيحِ.
وَيَلْزَمُهُمْ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ فِي الْمَسِيحِ لَاهُوتَانِ: لَاهُوتُ الْكَلِمَةِ، وَلَاهُوتُ الرُّوحِ، فَيَكُونُ قَدِ اتَّحَدَ بِهِ أُقْنُومَانِ.
ثُمَّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ [البقرة: ٨٧] ، يَمْتَنِعُ أَنْ يُرَادَ بِهَا حَيَاةُ اللَّهِ، فَإِنَّ حَيَاةَ اللَّهِ صِفَةٌ قَائِمَةٌ بِذَاتِهِ لَا تَقُومُ بِغَيْرِهِ، وَلَا تَخْتَصُّ بِبَعْضِ الْمَوْجُودَاتِ غَيْرَهُ، وَأَمَّا عِنْدَهُم فَالْمَسِيحُ، هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ، فَكَيْفَ يُؤَيَّدُ بِغَيْرِهِ، وَأَيْضًا فَالْمُتَّحِدُ بِالْمَسِيحِ هُوَ الْكَلِمَةُ دُونَ الْحَيَاةِ، فَلَا يَصِحُّ تَأْيِيدُهُ بِهَا.
فَتَبَيَّنَ أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُحَرِّفُوا الْقُرْآنَ كَمَا حَرَّفُوا غَيْرَهُ مِنَ الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَأَنَّ كَلَامَهُمْ فِي تَفْسِيرِ الْمُتَشَابِهِ مِنَ الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ - مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ.
стр. 1107
[فَصْلٌ: بَيَانُ مَعْنَى قَوْلِهِ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا]
قَالُوا: وَقَالَ أَيْضًا: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] .
فَيُقَالُ لَهُم: وَأَيُّ حُجَّةٍ لَكُمْ فِي هَذَا، وَإِنَّمَا هُوَ حُجَّةٌ عَلَيْكُم، فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّ اللَّهَ كَلَّمَ مُوسَى تَكْلِيمًا، وَكَلَامُ اللَّهِ الَّذِي سَمِعَهُ مِنْهُ مُوسَى ﵇، لَيْسَ هُوَ الْمَسِيحُ فَعُلِمَ أَنَّ الْمَسِيحَ لَيْسَ هُوَ كَلَامُ اللَّهِ، وَعِنْدَهُمْ هُوَ كَلِمَةُ اللَّهِ، وَهُوَ عِلْمُ اللَّهِ، وَهُوَ اللَّهُ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ كَثِيرٌ كَالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِهِ، وَلَيْسَ الْمَسِيحُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، وَالْمَسِيحُ عِنْدَهُمْ خَالِقٌ، وَلَوْ كَانَ الْمَسِيحُ نَفْسَ كَلَامِ اللَّهِ لَمْ يَكُنْ خَالِقًا وَلَا مَعْبُودًا، فَإِنَّ كَلَامَ اللَّهِ لَمْ يَخْلُقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَلَا كَلَامُ اللَّهِ هُوَ الْإِلَهُ الْمَعْبُودُ، بَلْ كَلَامُهُ كَسَائِرِ صِفَاتِهِ مِثْلُ حَيَاتِهِ وَقُدْرَتِهِ، وَلَا يَقُولُ أَحَدٌ: يَا عِلْمَ اللَّهِ اغْفِرْ لِي، وَلَا يَا كَلَامَ اللَّهِ اغْفِرْ لِي، وَإِنَّمَا يُعْبَدُ وَيُدْعَى الْإِلَهُ الْمَوْصُوفُ بِالْعِلْمِ، وَالْقُدْرَةِ، وَالْكَلَامِ الَّذِي كَلَّمَ بِهِ مُوسَى تَكْلِيمًا.
стр. 1108
[فَصْلٌ: بَيَانُ مَعْنَى قَوْلِهِ فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا]
قَالُوا: وَقَالَ أَيْضًا فِي سُورَةِ التَّحْرِيمِ:
﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم: ١٢] .
فَيُقَالُ: أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى:
﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾ [التحريم: ١٢] .
وَقَوْلُهُ: فِي سُورَةِ الْأَنْبِيَاءِ:
﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ٩١] .
فَهَذَا قَدْ فَسَّرَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى:
﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٧] (١٧) ﴿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ١٨] (١٨) ﴿قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا﴾ [مريم: ١٩] .
وَفِي الْقِرَاءَةِ الْأُخْرَى: لِيَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا.
فَأَخْبَرَ أَنَّهُ رَسُولُهُ وَرُوحُهُ، وَأَنَّهُ تَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا، وَأَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ
стр. 1109
رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْهَا، فَعُلِمَ أَنَّ رُوحَهُ مَخْلُوقٌ مَمْلُوكٌ لَهُ، لَيْسَ الْمُرَادُ حَيَاتَهُ الَّتِي هِيَ صِفَتُهُ :
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ:
﴿فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا﴾ [الأنبياء: ٩١] .
وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ فِي آدَمَ ﵇:
﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ [الحجر: ٢٩] .
وَقَدْ شُبِّهَ الْمَسِيحُ بِآدَمَ فِي قَوْلِهِ:
﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩] .
وَالشُّبْهَةُ فِي هَذَا نَشَأَتْ عِنْدَ بَعْضِ الْجُهَّالِ مِنْ أَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا قَالَ: رُوحِي، فَرُوحُهُ فِي هَذَا الْبَابِ هِيَ الرُّوحُ الَّتِي فِي الْبَدَنِ، وَهِيَ عَيْنٌ قَائِمَةٌ بِنَفْسِهَا، وَإِنْ كَانَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْنِي بِهَا الْحَيَاةَ، وَالْإِنْسَانُ مُؤَلَّفٌ مِنْ بَدَنٍ وَرُوحٍ، وَهِيَ عَيْنٌ قَائِمَةٌ بِنَفْسِهَا عِنْدَ سَلَفِ الْمُسْلِمِينَ وَأَئِمَّتِهِمْ وَجَمَاهِيرِ الْأُمَمِ.
وَالرَّبُّ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ هَذَا، وَأَنَّهُ لَيْسَ مُرَكَّبًا مِنْ بَدَنٍ وَرُوحٍ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِرُوحِهِ مَا يُرِيدُ الْإِنْسَانُ بِقَوْلِهِ: رُوحِي، بَلْ تُضَافُ إِلَيْهِ مَلَائِكَتُهُ وَمَا يُنَزِّلُهُ عَلَى أَنْبِيَائِهِ مِنَ الْوَحْيِ وَالْهُدَى وَالتَّأْيِيدِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.
стр. 1110
[فَصْلٌ: الرَّدُّ عَلَى قَوْلِهِم وَسَائِرُ الْمُسْلِمِينَ يَقُولُونَ إِنَّ الْكِتَابَ كَلَامُ اللَّهِ]
قَالُوا: وَسَائِرُ الْمُسْلِمِينَ يَقُولُونَ: إِنَّ الْكِتَابَ كَلَامُ اللَّهِ، وَلَا يَكُونُ كَلَامٌ إِلَّا لِحَيٍّ نَاطِقٍ، وَهَذِهِ صِفَاتٌ جَوْهَرِيَّةٌ تَجْرِي مَجْرَى الْأَسْمَاءِ، وَكُلُّ صِفَةٍ مِنْهَا غَيْرُ الْأُخْرَى، فَالْإِلَهُ وَاحِدٌ، خَالِقٌ وَاحِدٌ، وَرَبٌّ وَاحِدٌ لَا يَتَجَزَّأُ.
فَيُقَالُ لَهُم: أَمَّا قَوْلُ الْمُسْلِمِينَ إِنَّ الْكِتَابَ - أَيِ الْقُرْآنَ - كَلَامُ اللَّهِ، فَهَذَا حَقٌّ، وَالْكَلَامُ لَا يَكُونُ إِلَّا لِمُتَكَلِّمٍ.
وَالْمُسْلِمُونَ يَقُولُونَ: إِنَّ اللَّهَ حَيٌّ مُتَكَلِّمٌ، وَإِنَّهُ تَكَلَّمَ بِالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِهِ، وَالْقُرْآنُ قَدْ أَخْبَرَ بِكَلَامِ اللَّهِ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ، وَهَلْ يُسَمَّى نَاطِقًا وَكَلَامُهُ نُطْقًا؟
فِيهِ نِزَاعٌ، فَبَعْضُ الْمُسْلِمِينَ يُجِيزُهُ، وَبَعْضُهُمْ يَمْنَعُ مِنْهُ لِكَوْنِهِ لَمْ يَرِدْ بِهِ الشَّرْعُ، وَلَيْسَ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ تَسْمِيَةُ اللَّهِ نَاطِقًا، بِخِلَافِ لَفْظِ الْقَوْلِ وَالْكَلَامِ، وَقَدْ تَنَازَعَ الْمُسْلِمُونَ بَعْدَ ظُهُورِ الْبِدَعِ فِيهِمْ كَمَا تَنَازَعَ أَهْلُ الْكِتَابِ فِي كَلَامِ اللَّهِ، هَلْ هُوَ قَائِمٌ بِهِ، أَوْ مَخْلُوقٌ مُنْفَصِلٌ عَنْهُ.
وَالَّذِي عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا وَجُمْهُورُهَا، أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ قَائِمٌ بِهِ،
стр. 1111
وَكَذَلِكَ سَائِرُ مَا يُوصَفُ بِهِ مِنَ الْحَيَاةِ وَالْقُدْرَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَأَحْدَثَ قَوْمٌ مِنْهُمْ بَعْدَ انْقِرَاضِ الصَّحَابَةِ وَأَكَابِرِ التَّابِعِينَ، بَعْدَ أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْ مَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ مَخْلُوقٌ خَلَقَهُ فِي غَيْرِهِ، وَشَارَكَهُمْ فِي هَذِهِ الْبِدْعَةِ كَثِيرٌ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى.
وَظَهَرَتْ هَذِهِ الْمَقَالَةُ بَعْدَ الْمِائَةِ الثَّانِيَةِ، وَانْتَصَرَ لَهَا قَوْمٌ مِنَ الْوُلَاةِ، وَغَيْرِهِم، ثُمَّ أَطْفَأَهَا اللَّهُ بِمَنْ أَقَامَهُ اللَّهُ مِنْ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ وَالسُّنَّةِ الَّذِينَ بَيَّنُوا فَسَادَهَا وَبَيَّنُوا مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ السَّلَفُ مِنْ أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ مُنَزَّلٌ مِنْهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، بَلْ مِنْهُ بَدَأَ، لَمْ يَبْتَدِئْ مِنْ شَيْءٍ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ، وَمَعَ هَذَا فَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ: إِنَّ كَلَامَ اللَّهِ يَكُونُ إِلَهًا وَلَا رَبًّا.
وَكَذَلِكَ حَيَاتُهُ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْهُم: إِنَّ حَيَاتَهُ تَكُونُ إِلَهًا وَلَا رَبًّا، وَلَا أَنَّهُ مُسَاوٍ لِلرَّبِّ تَعَالَى فِي الْجَوْهَرِ.
стр. 1112
[فَصْلٌ: مُنَاقَشَتُهُمْ فِي دَعْوَاهُمْ أَنَّ الْأَقَانِيمَ صِفَاتٌ جَوْهَرِيَّةٌ تَجْرِي مَجْرَى الْأَسْمَاءِ]
وَأَمَّا قَوْلُهُم: هَذِهِ صِفَاتٌ جَوْهَرِيَّةٌ تَجْرِي مَجْرَى أَسْمَاءٍ.
فَإِنْ أَرَادُوا بِقَوْلِهِم: جَوْهَرِيَّةً أَنَّ كُلَّ صِفَةٍ جَوْهَرٌ، فَهَذَا كَلَامٌ ظَاهِرُ الْفَسَادِ فَإِنَّ الصِّفَةَ الْقَائِمَةَ بِغَيْرِهَا لَا تَكُونُ جَوْهَرًا قَائِمًا بِنَفْسِهِ، وَمَنْ ظَنَّ أَنَّ حَرَارَةَ النَّارِ الْقَائِمَةَ بِهَا جَوْهَرٌ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ كَالنَّارِ، فَهُوَ إِمَّا مُصَابٌ فِي عَقْلِهِ وَإِمَّا مُسَفْسِطٌ مُعَانِدٌ.
وَالْأَوَّلُ: يَسْتَحِقُّ عِلَاجَ الْمَجَانِينِ.
وَالثَّانِي: يَسْتَحِقُّ الْعُقُوبَةَ الَّتِي تَرْدَعُهُ عَنِ الْعِنَادِ.
ثُمَّ إِنْ جَازَ أَنْ تَكُونَ الصِّفَةُ جَوْهَرًا كَانَتِ الْقُدْرَةُ أَيْضًا جَوْهَرًا.
وَإِنْ أَرَادُوا بِقَوْلِهِم: جَوْهَرِيَّةً أَنَّهَا صِفَاتٌ ذَاتِيَّةٌ، وَغَيْرُهَا صِفَاتٌ فِعْلِيَّةٌ كَالْخَالِقِ وَالرَّازِقِ، فَمَعْلُومٌ أَنَّ صِفَاتِهِ الذَّاتِيَّةَ مِنْهَا الْقُدْرَةُ وَغَيْرُهَا فَلَمْ تَنْحَصِرْ فِي هَذِهِ.
وَأَيْضًا فَالْكَلَامُ، وَإِنْ كَانَ قَائِمًا بِذَاتِهِ، فَقِيلَ: هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ، وَهُوَ قَوْلُ السَّلَفِ وَالْأَكْثَرِينَ، وَقِيلَ: لَيْسَ كَذَلِكَ.
وَالْمُتَكَلِّمُ قِيلَ: هُوَ مَنْ فَعَلَ الْكَلَامَ وَلَوْ كَانَ مُنْفَصِلًا عَنْهُ، وَقِيلَ: هُوَ مَنْ قَامَ بِهِ الْكَلَامُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ، وَقِيلَ: الْمُتَكَلِّمُ مَنْ قَامَ
стр. 1113
بِهِ الْكَلَامُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ، وَهَذَا قَوْلُ السَّلَفِ وَالْأَكْثَرِينَ، فَبَطَلَ قَوْلُهُمْ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ.
وَإِنْ أَرَادُوا بِالْجَوْهَرِيَّةِ أَنَّهَا ذَاتِيَّةٌ مُقَوِّمَةٌ، وَبَاقِي الصِّفَاتِ عَرَضِيَّةٌ عَلَى رَأْيِ أَهْلِ الْمَنْطِقِ الْيُونَانِ الَّذِينَ يُفَرِّقُونَ فِي الصِّفَاتِ اللَّازِمَةِ لِلْمَوْصُوفِ بَيْنَ هَذَا وَهَذَا، كَانَ هَذَا فَاسِدًا مِنْ وُجُوهٍ:
مِنْهَا: أَنَّ تَفْرِيقَ هَؤُلَاءِ فِي الصِّفَاتِ اللَّازِمَةِ لِلْمَوْصُوفِ بَيْنَ صِفَةٍ وَصِفَةٍ، وَجَعْلَ بَعْضِهَا ذَاتِيًّا مُقَوَّمًا دَاخِلًا فِي الْمَاهِيَّةِ، وَبَعْضِهَا عَرَضِيًّا لَاحِقًا خَارِجًا عَنِ الْمَاهِيَّةِ - كَلَامٌ بَاطِلٌ عِنْدَ جَمَاهِيرِ نُظَّارِ الْأُمَمِ مِنْ أَهْلِ الْمِلَلِ، وَغَيْرِهِمْ كَمَا قَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي الرَّدِّ عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُتَفَلْسِفَةِ، وَبَيِّنٌ أَنَّ مَا يَدَّعُونَهُ مِنْ تَرْكِيبِ الْأَنْوَاعِ مِنَ الْأَجْنَاسِ وَالْفُصُولِ إِنَّمَا هُوَ تَرْكِيبٌ فِي الْأَذْهَانِ لَا حَقِيقَةَ لَهُ فِي الْأَعْيَانِ، وَأَنَّ مَا يَقُومُ بِالْأَذْهَانِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ تَصَوُّرِ الْأَذْهَانِ.
فَتَارَةً يَتَصَوَّرُ الشَّيْءَ مُجْمَلًا، وَتَارَةً يَتَصَوَّرُهُ مُفَصَّلًا، وَمَا سَمَّوْهُ تَمَامَ الْمَاهِيَّةِ، وَالدَّاخِلَ فِي الْمَاهِيَّةِ، وَالْخَارِجَ عَنْهَا، اللَّازِمَ لَهَا - يَعُودُ عِنْدَ التَّحْقِيقِ إِلَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ بِالْمُطَابَقَةِ وَالتَّضَمُّنِ وَالِالْتِزَامِ.
وَمَدْلُولُ اللَّفْظِ هُوَ بِحَسَبِ مَا يَعْنِيهِ الْمُتَكَلِّمُ وَيَقْصِدُهُ وَيَتَصَوَّرُهُ، وَهَذَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ إِرَادَاتِ النَّاسِ لَا يَرْجِعُ ذَلِكَ إِلَى حَقِيقَةٍ عَقْلِيَّةٍ وَلَا صِفَةٍ ذَاتِيَّةٍ لِلْمَوْجُودَاتِ.
وَلِهَذَا لَمَّا كَانَ كَلَامُهُمْ بَاطِلًا لَمْ يُمْكِنْهُمْ ذِكْرُ فَرْقٍ صَحِيحٍ بَيْنَ
стр. 1114
الذَّاتِيِّ وَالْعَرَضِيِّ اللَّازِمِ إِذَا كَانَ كِلَاهُمَا لَازِمًا لِلْمَوْصُوفِ، بَلْ ذَكَرُوا ثَلَاثَةَ فُرُوقٍ، وَالثَّلَاثَةُ بَاطِلَةٌ، وَاعْتَرَفَ حُذَّاقُهُمْ بِبُطْلَانِهَا، كَقَوْلِهِم: إِنَّ الذَّاتِيَّ يَثْبُتُ لِلْمَوْصُوفِ، بِلَا وَسَطٍ، وَالْعَرَضِيَّ اللَّازِمَ إِنَّمَا يَثْبُتُ بِوَسَطٍ.
ثُمَّ حُذَّاقُهُمْ يُفَسِّرُونَ الْوَسَطَ بِالدَّلِيلِ، كَمَا فَسَّرَهُ ابْنُ سِينَا.
وَمِنْهُمْ مَنْ يُفَسِّرُ الْوَسَطَ بِصِفَةٍ قَائِمَةٍ لِلْمَوْصُوفِ، كَمَا يُفَسِّرُهُ الرَّازِيُّ وَغَيْرُهُ، وَهَؤُلَاءِ لَمْ يَفْهَمُوا مُرَادَ أُولَئِكَ فَزَادَ غَلَطُهُم، وَأُولَئِكَ أَرَادُوا بِالْوَسَطِ الدَّلِيلَ، كَمَا يُرِيدُونَ بِالْحَدِّ الْأَوْسَطِ مَا يُقْرَنُ بِاللَّامِ فِي قَوْلِكَ: لِأَنَّهُ، فَصَارَ الْعَرَضِيُّ اللَّازِمُ عِنْدَهُمْ مَا يُعْلَمُ ثُبُوتُهُ لِلْمَوْصُوفِ بِدَلِيلٍ، وَهَذَا لَا يَرْجِعُ إِلَى حَقِيقَةٍ ثَابِتَةٍ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، بَلْ هَذَا أَمْرٌ يَتَعَلَّقُ بِالْعَالِمِ بِالصِّفَاتِ.
فَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ تَامَّ التَّصَوُّرِ فَيَعْلَمُ لُزُومَ الصِّفَةِ لِلْمَوْصُوفِ، بِلَا دَلِيلٍ.
стр. 1115
وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَكُونُ تَامَّ التَّصَوُّرِ فَلَا يَعْلَمُ ذَلِكَ إِلَّا بِدَلِيلٍ، ثُمَّ كُلُّ مَا كَانَ مُسْتَلْزِمًا لِشَيْءٍ، فَإِنَّهُ يُمْكِنُ الِاسْتِدْلَالُ بِهِ عَلَيْهِ، إِذَا كَانَ الدَّلِيلُ هُوَ الَّذِي يَلْزَمُ مِنْ تَحَقُّقِهِ تَحَقُّقُ الْمَدْلُولِ، فَيَكُونُ الْوَسَطُ كُلَّ مَا كَانَ مُسْتَلْزِمًا لِلْعَرَضِ، فَيَكُونُ الْعَرَضُ لَازِمَ اللَّازِمِ.
وَهُمْ مُعْتَرِفُونَ بِأَنَّ مِنَ الْعَرَضِيَّاتِ مَا يَلْزَمُ، بِلَا وَسَطٍ، وَقَدْ مَثَّلُوا ذَلِكَ بِالزَّوْجِيَّةِ وَالْفَرْدِيَّةِ فِي الْعَدَدِ، كَالْعِلْمِ بِأَنَّ الْأَرْبَعَةَ زَوْجٌ، وَالثَّلَاثَةَ فَرْدٌ، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرًا، لَكِنَّ الْعِلْمَ بِأَنَّ خَمْسَمِائَةٍ وَثَلَاثَةً وَأَرْبَعِينَ نِصْفُ أَلْفٍ وَسِتَّةٍ وَثَمَانِينَ، قَدْ يَفْتَقِرُ إِلَى دَلِيلٍ، وَقَدْ يَفْتَقِرُ إِلَى تَأَمُّلٍ وَفِكْرٍ.
وَهُمْ يَقُولُونَ مَا يَقُولُ ابْنُ سِينَا أَفْضَلُ مُتَأَخِّرِيهِم، وَغَيْرُهُ مِنْ أَنَّ الْعَرَضَ الْمُنْقَسِمَ إِلَى الْكَيْفِ وَالْكَمِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ هُوَ ذَاتِيٌّ لِمَوْصُوفَاتِهِ.
وَاللَّوْنُ الْمُنْقَسِمُ إِلَى السَّوْدَاءِ وَالْبَيَاضِ هُوَ ذَاتِيٌّ لِلْمُتَلَوِّنِ، وَالسَّوَادِيَّةُ وَالْبَيَاضِيَّةُ صِفَتَانِ ذَاتِيَّتَانِ، بِخِلَافِ الزَّوْجِيَّةِ وَالْفَرْدِيَّةِ.
قَالُوا: لِأَنَّ كَوْنَ هَذَا أَسْوَدَ وَأَبْيَضَ وَعَرَضًا قَائِمًا بِغَيْرِهِ، لَا يَفْتَقِرُ إِلَى اسْتِدْلَالٍ وَنَظَرٍ بِخِلَافِ كَوْنِ هَذَا الْعَدَدِ زَوْجًا أَوْ فَرْدًا، فَإِنَّ هَذَا قَدْ يَفْتَقِرُ إِلَى نَظَرٍ وَاسْتِدْلَالٍ، فَإِنَّهُ يَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ مُتَسَاوِيَيْنِ أَوْ لَا يَنْقَسِمُ.
стр. 1116
وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا فَرْقٌ يَعُودُ إِلَى عِلْمِ الْعَالِمِ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ، هَلْ هُوَ جَلِيٌّ أَوْ خَفِيٌّ، وَهَلْ يَفْتَقِرُ إِلَى نَظَرٍ وَاسْتِدْلَالٍ أَوْ لَا يَفْتَقِرُ، لَيْسَ هُوَ فَرْقًا يَعُودُ إِلَى الصِّفَةِ فِي نَفْسِهَا وَلَا إِلَى مَوْصُوفِهَا، فَعُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ مَا جَعَلُوهُ ذَاتِيًّا مُقَوِّمًا دَاخِلًا فِي الْمَاهِيَّةِ، وَمَا جَعَلُوهُ عَرَضِيًّا لَازِمًا خَارِجًا عَنِ الْمَاهِيَّةِ - فَرْقٌ يَعُودُ إِلَى نَفْسِ الْمَاهِيَّةِ الَّتِي هِيَ الذَّاتُ الْمَوْصُوفَةُ الْمَوْجُودَةُ فِي الْخَارِجِ، وَلَا إِلَى صِفَاتِهَا، بَلْ جَمِيعُ صِفَاتِهَا اللَّازِمَةِ لَهَا - سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ، وَلَيْسَتِ الْمَاهِيَّةُ مُرَكَّبَةً مِنْ هَذَا دُونَ هَذَا، وَلَا فِيهَا شَيْءٌ يَتَقَدَّمُ عَلَى الْمَاهِيَّةِ فِي الْوُجُودِ الْخَارِجِيِّ، كَمَا يَقُولُونَ: إِنَّ الذَّاتِيَّ يَتَقَدَّمُ عَلَى الْمَاهِيَّةِ فِي الْوُجُودِ وَالذِّهْنِ.
وَلَا الصِّفَاتُ جَوَاهِرُ مَوْجُودَةٌ فِي الْخَارِجِ لَهَا أَجْزَاءٌ كَأَجْزَاءِ الْأَجْسَامِ الْمُرَكَّبَةِ، وَإِنَّمَا هِيَ صِفَاتٌ قَائِمَةٌ بِالْمَوْصُوفِ يَمْتَنِعُ تَقَدُّمُ شَيْءٍ مِنْهَا عَلَى الْمَوْصُوفِ.
وَلَكِنْ إِذَا قِيلَ فِي الْإِنْسَانِ: هُوَ جِسْمٌ حَسَّاسٌ تَامٌّ مُتَحَرِّكٌ بِالْإِرَادَةِ نَاطِقٌ - فَهُنَا قَدْ يَتَصَوَّرُ الذِّهْنُ هَذِهِ الْأُمُورَ، وَيُعَبِّرُ عَنْهَا، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جُزْءٌ مِنَ الْجُمْلَةِ الَّتِي فِي ذِهْنِهِ وَلِسَانِهِ.
وَالْجُمْلَةُ الَّتِي فِي ذِهْنِهِ وَلِسَانِهِ مُرَكَّبَةٌ مِنْ هَذِهِ الْأَجْزَاءِ لَا أَنَّ الْإِنْسَانَ الْمَوْجُودَ فِي الْخَارِجِ مُرَكَّبٌ مِنْ هَذِهِ الْأَجْزَاءِ، وَأَنَّهَا مُتَقَدِّمَةٌ عَلَيْهِ أَوْ أَنَّهَا جَوَاهِرُ، فَإِنَّ هَذَا كُلَّهُ مِمَّا يُعْلَمُ بِصَرِيحِ الْعَقْلِ أَنَّهُ بَاطِلٌ، لَكِنَّ هَؤُلَاءِ الْمُتَفَلْسِفَةَ الْيُونَانَ وَمَنِ اتَّبَعَهُم - كَثِيرًا مَا يَشْتَبِهُ عَلَيْهِمْ مَا يَتَصَوَّرُونَهُ فِي الْأَذْهَانِ بِمَا يُوجَدُ فِي الْأَعْيَانِ، كَمَا أَثْبَتَ مَنْ أَثْبَتَ مِنْ قُدَمَائِهِمْ مِثْلُ
стр. 1117
فِيثَاغُورْسَ وَأَتْبَاعِهِ - أَعْدَادًا مُجَرَّدَةً مَوْجُودَةً فِي الْخَارِجِ.
وَقَدْ رَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ سَائِرُ الْعُقَلَاءِ، كَمَا رَدَّهُ مَنْ بَعْدَهُ مِنْهُم.
وَقَالُوا: إِنَّ الْعَدَدَ الْمُجَرَّدَ، وَالْمِقْدَارَ الْمُجَرَّدَ إِنَّمَا يُوجَدُ فِي الذِّهْنِ لَا فِي الْخَارِجِ، وَإِنَّمَا يُوجَدُ فِي الْخَارِجِ الْمَعْدُودَاتُ وَالْمُقَدَّرَاتُ، مِثْلُ الْأَجْسَامِ الْمُتَفَرِّقَةِ الَّتِي تُعَدُّ كَالْكَوَاكِبِ، أَوِ الْمُتَّصِلَةِ الَّتِي تُقَدَّرُ كَالْأَفْلَاكِ، وَذَلِكَ هُوَ الْمُتَّصِفُ بِالْكَمِّ الْمُتَّصِلِ وَالْكَمِّ الْمُنْفَصِلِ الْمَوْجُودِ فِي الْخَارِجِ.
وَأَثْبَتَ أَصْحَابُ أَفْلَاطُونَ الْكُلِّيَّاتِ الْعَقْلِيَّةَ فِي الْخَارِجِ الَّتِي يُسَمُّونَهَا الْمُثُلَ الْأَفْلَاطُونِيَّةَ وَزَعَمُوا أَنَّهَا قَدِيمَةٌ أَزَلِيَّةٌ، وَأَثْبَتُوا بُعْدًا
стр. 1118
مَوْجُودًا مُجَرَّدًا جَوْهَرًا: هُوَ الْخَلَاءُ، وَجَوْهَرًا قَائِمًا بِنَفْسِهِ، هُوَ الدَّهْرُ، وَجَوْهَرًا مُجَرَّدًا قَائِمًا بِنَفْسِهِ: هُوَ الْمَادَّةُ وَالْهَيُولَى الْأَزَلِيَّةُ.
وَهَذِهِ كُلُّهَا إِنَّمَا تُتَصَوَّرُ فِي الْأَذْهَانِ لَا فِي الْأَعْيَانِ، بَلْ وَمَا أَثْبَتُوهُ مِنَ الْعُقُولِ الْمُجَرَّدَةِ الْعَشْرَةِ هِيَ أَيْضًا عِنْدَ التَّحْقِيقِ تَرْجِعُ إِلَى مَا يُجَرِّدُهُ الذِّهْنُ، وَيُقَدِّرُهُ فِيهِ، لَا إِلَى مَوْجُودٍ فِي الْخَارِجِ.
وَأَصْلُ قَوْلِهِمُ: الْمُجَرَّدَاتُ وَالْمُفَارِقَاتُ هُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ مُفَارَقَةِ النَّفْسِ النَّاطِقَةِ لِلْبَدَنِ بِالْمَوْتِ، وَهَذَا حَقٌّ، فَإِنَّ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَنْبِيَاءُ وَأَتْبَاعُهُم، وَجُمْهُورُ الْعُقَلَاءِ أَنَّ الرُّوحَ تُفَارِقُ الْبَدَنَ، وَتَبْقَى بَعْدَ فِرَاقِ الْبَدَنِ، وَمَنْ قَالَ مِنْ مُتَكَلِّمَةِ أَهْلِ الْمِلَلِ إِنَّهُ لَا يَبْقَى بَعْدَ الْبَدَنِ رُوحٌ تُفَارِقُهُ، وَإِنَّ الرُّوحَ جُزْءٌ مِنَ الْبَدَنِ أَوْ عَرَضٌ مِنْ أَعْرَاضِ الْبَدَنِ، فَقَوْلُهُ - مَعَ أَنَّهُ خَطَأٌ فِي الْعَقْلِ الصَّرِيحِ - هُوَ أَيْضًا مُخَالِفٌ لِكُتُبِ اللَّهِ الْمُنَزَّلَةِ وَلِرُسُلِهِ، وَلِمَنِ اتَّبَعَهُمْ مِنْ جَمِيعِ أَهْلِ الْمِلَلِ، وَهَذِهِ الْأُمُورُ مَبْسُوطَةٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ تَفْرِيقَ هَؤُلَاءِ الْيُونَانِيِّينَ فِي الصِّفَاتِ اللَّازِمَةِ لِلْمَوْصُوفِ بَيْنَ الصِّفَاتِ الذَّاتِيَّةِ وَالْعَرَضِيَّةِ اللَّازِمَةِ، وَجَعْلَهُمُ اللَّازِمَةَ: مِنْهَا مَا هُوَ لَازِمٌ لِلْمَاهِيَّةِ، وَمِنْهَا مَا هُوَ لَازِمٌ لِوُجُودِهَا - هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلَيْنِ فَاسِدَيْنِ لَهُم، خَالَفَهُمْ فِيهَا جُمْهُورُ عُقَلَاءِ الْأُمَمِ مِنْ نُظَّارِ أَهْلِ الْمِلَلِ وَغَيْرِهِم.
أَحَدُ الْأَصْلَيْنِ: هُوَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ جَعْلِهِمُ الصِّفَاتِ اللَّازِمَةَ لِلْمَوْصُوفِ هِيَ فِي الْخَارِجِ مُنْقَسِمَةٌ إِلَى ذَاتِيٍّ، جُزْءٌ مِنَ الْمَاهِيَّةِ دَاخِلٌ فِيهَا، وَإِلَى عَرَضِيٍّ خَارِجٍ عَنْهَا لَازِمٍ لَهَا.
стр. 1119
وَالثَّانِي: زَعْمُهُمْ أَنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ مُمْكِنٌ وَلَهُ فِي الْخَارِجِ مَاهِيَّةٌ هِيَ ذَاتُهُ وَحَقِيقَتُهُ - غَيْرُ الْمَوْجُودِ الْمَعْلُومِ الْمُعَيَّنِ الثَّابِتِ فِي الْخَارِجِ، وَهَذَا أَيْضًا مِمَّا اشْتَبَهَ عَلَيْهِمْ فِيهِ مَا فِي الذِّهْنِ بِمَا فِي الْخَارِجِ.
فَإِنَّهُ إِذَا أُرِيدَ بِالْمَاهِيَّةِ مَا يُتَصَوَّرُ فِي الذِّهْنِ، وَهُوَ الْمَقُولُ فِي جَوَابِ مَا هُوَ، وَبِالْوُجُودِ مَا هُوَ ثَابِتٌ مُتَحَقِّقٌ فِي الْخَارِجِ، فَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا غَيْرُ هَذَا، كَمَا يَقُولُونَ: إِنَّا نَتَصَوَّرُ الْمُثَلَّثَ قَبْلَ أَنْ نَعْلَمَ وُجُودَهُ فِي الْخَارِجِ، فَعُلِمَ أَنَّ مَاهِيَّةَ الْمُثَلَّثِ غَيْرُ الْمُثَلَّثِ الْمَوْجُودِ فِي الْخَارِجِ.
فَإِنَّهُ يُقَالُ لَهُمْ إِنْ أَرَدْتُمْ أَنَّ مَا يُتَصَوَّرُ فِي الذِّهْنِ مِنَ الْمُثَلَّثِ غَيْرُ الْمَوْجُودِ فِي الْخَارِجِ فَهَذَا حَقٌّ، لَكِنْ لَيْسَ فِي هَذَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ فِي الْخَارِجِ عَنِ الذِّهْنِ شَيْئَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: مَاهِيَّةُ الْمُثَلَّثِ الَّتِي هِيَ حَقِيقَتُهُ وَذَاتُهُ.
الثَّانِي: الْمُثَلَّثُ الْمَوْجُودُ الَّذِي هُوَ زَاوِيَةُ الْحَائِطِ.
وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنَّ فِي الْخَارِجِ شَيْئَيْنِ، فَهَذَا غَلَطٌ، وَهَذَا الْمَوْضِعُ مِمَّا اشْتَبَهَ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ النُّظَّارِ حَتَّى صَارَ بَعْضُ أَكَابِرِهِمْ حَائِرًا مُتَوَقِّفًا.
وَبَعْضُهُمْ يَخْتَلِفُ قَوْلُهُ وَيَتَنَاقَضُ، وَسَبَبُ ذَلِكَ عَدَمُ تَمْيِيزِهِمْ بَيْنَ مَا يُتَصَوَّرُ فِي الْأَذْهَانِ وَبَيْنَ مَا يُوجَدُ فِي الْأَعْيَانِ، ثُمَّ هَذَا الْمَوْضُوعُ
стр. 1120
نَقَلُوهُ إِلَى الْكَلَامِ فِي صِفَاتِ اللَّهِ اللَّازِمَةِ لَهُ، كَحَيَاتِهِ وَعِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ، هَلْ هِيَ ذَاتِيَّةٌ أَوْ عَرَضِيَّةٌ؟
فَإِنْ قِيلَ: ذَاتِيَّةٌ لَزِمَ أَنْ تَكُونَ لَهُ أَجْزَاءٌ مُتَقَدِّمَةٌ عَلَيْهِ تَرَكَّبَ مِنْهَا، وَإِنْ كَانَتْ عَرَضِيَّةً لَازِمَةً لَزِمَ أَنْ يَكُونَ قَابِلًا وَفَاعِلًا، فَإِنَّ كَوْنَهُ فَاعِلًا غَيْرُ كَوْنِهِ قَابِلًا، فَلَزِمَ أَنْ يَكُونَ فِيهِ جِهَتَانِ، وَهَذَا مِنَ التَّرْكِيبِ الَّذِي زَعَمُوهُ مُنْتَفِيًا، وَذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ التَّرْكِيبَ، وَهُوَ التَّرْكِيبُ مِنَ الذَّاتِيَّاتِ، وَقَدْ بُيِّنَ فَسَادُ هَذَا مِنْ وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ:
مِنْهَا: أَنَّ التَّرْكِيبَ الْمَعْقُولَ هُوَ تَرْكِيبُ الْحَيَوَانِ وَالنَّبَاتِ وَالْمَعَادِنِ مِنْ أَبْعَاضِهِ وَأَخْلَاطِهِ، وَتَرْكِيبُ الْمَبْنِيَّاتِ وَالْمَلْبُوسَاتِ وَالْأَطْعِمَةِ وَالْأَشْرِبَةِ مِنْ أَبْعَاضِهَا وَأَخْلَاطِهَا.
وَأَمَّا تَرْكِيبُ الْأَجْسَامِ مِنَ الْجَوَاهِرِ الْمُنْفَرِدَةِ أَوْ مِنَ الْمَادَّةِ وَالصُّورَةِ فَهَذَا مِمَّا تَنَازَعَ فِيهِ جُمْهُورُ الْعُقَلَاءِ، وَكَذَلِكَ تَرْكِيبُ الشَّيْءِ مِنَ الْمَوْجُودِ، وَالْمَاهِيَّةُ سَوَاءٌ كَانَ وَاجِبًا أَوْ مُمْكِنًا هُوَ مِمَّا تَنَازَعَ فِيهِ جُمْهُورُ الْعُقَلَاءِ، وَكَذَلِكَ تَرَكُّبُهُ مِنَ الصِّفَاتِ الذَّاتِيَّةِ الْمُشْتَرَكَةِ وَالْمُمَيَّزَةِ الَّتِي يُسَمُّونَهَا: الْجِنْسَ، وَالْفَصْلَ.
стр. 1121
وَأَمَّا اتِّصَافُ الذَّاتِ بِصِفَاتٍ تَقُومُ بِهَا، فَهَذَا هُوَ الَّذِي يَعْرِفُهُ عَامَّةُ الْعُقَلَاءِ، وَلَكِنْ لَا يُسَمُّونَ هَذَا تَرْكِيبًا، فَمَنْ سَمَّاهُ تَرْكِيبًا لَمْ يَكُنْ نِزَاعُهُ اللَّفْظِيُّ قَادِحًا فِيمَا عُلِمَ بِالْأَدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ وَالْعَقْلِيَّةِ.
ثُمَّ هُمْ يَقُولُونَ: الْمُرَكَّبُ يَفْتَقِرُ إِلَى أَجْزَائِهِ، وَأَجْزَاؤُهُ غَيْرُهُ، وَوَاجِبُ الْوُجُودِ لَا يَفْتَقِرُ إِلَى غَيْرِهِ، وَهَذِهِ كُلُّهَا أَلْفَاظٌ مُجْمَلَةٌ، فَإِنَّ لَفْظَ الِافْتِقَارِ هُنَا لَمْ يَعْنُوا بِهِ افْتِقَارَ الْمَفْعُولِ إِلَى فَاعِلِهِ، وَلَا الْمَعْلُولِ إِلَى عِلَّتِهِ الْفَاعِلِيَّةِ، فَإِنَّ جُزْءَ الشَّيْءِ لَا يَكُونُ فَاعِلَهُ وَلَا عِلَّتَهُ الْمُوجِبَةَ لَهُ، بَلْ يُرِيدُونَ بِهِ التَّلَازُمَ وَالِاشْتِرَاطَ، فَإِنَّ وُجُودَ الْمَجْمُوعِ مُسْتَلْزِمٌ لِوُجُودِ أَجْزَائِهِ، وَهُوَ مَشْرُوطٌ بِذَلِكَ.
وَمِنْهَا: أَنَّ لَفْظَ الْجُزْءِ لَيْسَ مُرَادُهُمْ جُزْءًا مُبَايِنًا لِلْجُمْلَةِ، فَإِنَّ جُزْءَ الْجُمْلَةِ لَيْسَ مُبَايِنًا لَهَا.
وَمِنْهَا لَفْظُ الْغَيْرِ، فَإِنَّهُ يُرَادُ بِالْغَيْرَيْنِ مَا يَجُوزُ مُبَايَنَةُ أَحَدِهِمَا لِصَاحِبِهِ، أَوْ مُفَارَقَتُهُ لَهُ بِزَمَانٍ أَوْ مَكَانٍ أَوْ وُجُودٍ، وَيُرَادُ بِهِمَا مَا يَجُوزُ الْعِلْمُ بِأَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ، وَبَعْضُ الْمَجْمُوعِ وَصِفَةُ الْمَوْصُوفِ لَا يَجِبُ أَنْ تُفَارِقَهُ وَتُبَايِنَهُ، بَلْ قَدْ يَجُوزُ أَنْ تُبَايِنَهُ وَيَجُوزُ أَنْ لَا تُبَايِنَهُ.
فَصِفَاتُ الرَّبِّ اللَّازِمَةُ لَهُ لَا يَجُوزُ أَنْ تُفَارِقَهُ وَتُبَايِنَهُ، وَحِينَئِذٍ فَمِنَ النَّاسِ مَنْ لَا يُسَمِّيهَا غَيْرًا لَهُ، وَمَنْ سَمَّاهَا غَيْرًا لَهُ فَذَاتُهُ مُسْتَلْزِمَةٌ لَهَا، لَيْسَتِ الصِّفَاتُ فَاعِلَةً لِلَذَّاتِ، وَلَا عِلَّةً مُوجِبَةً لَهَا.
وَلَفْظُ وَاجِبِ الْوُجُودِ يُرَادُ بِهِ الْمَوْجُودُ بِنَفَسِهِ الَّذِي لَا فَاعِلَ لَهُ، وَلَا عِلَّةَ فَاعِلَةً لَهُ، وَذَاتُ الرَّبِّ وَصِفَاتُهُ وَاجِبَةُ الْوُجُودِ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ، وَيُرَادُ بِهِ مَعَ ذَلِكَ الْمُسْتَغْنِي عَنْ مَحَلٍّ يَقُومُ بِهِ، وَالذَّاتُ
стр. 1122
بِهَذَا الْمَعْنَى وَاجِبَةٌ دُونَ الصِّفَاتِ، وَيُرَادُ بِهِ مَا لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِغَيْرِهِ، وَهَذَا لَا حَقِيقَةَ لَهُ؛ فَإِنَّ الرَّبَّ تَعَالَى لَهُ تَعَلُّقٌ بِمَخْلُوقَاتِهِ لَا سِيَّمَا عِنْدَ هَؤُلَاءِ الْفَلَاسِفَةِ الدَّهْرِيَّةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إِنَّهُ مُوجِبٌ بِذَاتِهِ لِلْأَفْلَاكِ مُسْتَلْزِمٌ لَهَا، فَيَجْعَلُونَهُ مَلْزُومًا لِمَفْعُولَاتِهِ، فَكَيْفَ يُنْكِرُونَ أَنْ تَكُونَ ذَاتُهُ مَلْزُومَةً لِصِفَاتِهِ؟
وَهَؤُلَاءِ الْمُتَفَلْسِفَةُ الْيُونَانِيُّونَ الَّذِينَ يُسَمَّوْنَ الْمَشَّائِينَ أَتْبَاعُ أَرِسْطُو صَاحِبِ التَّعَالِيمِ: الْمَنْطِقُ الطَّبِيعِيُّ، وَالرِّيَاضِيُّ، وَالْإِلَهِيُّ، يَقُولُونَ: إِنَّ مَوْضُوعَ الْعِلْمِ الطَّبِيعِيِّ مُتَعَلِّقٌ بِالْمَادَّةِ فِي الذِّهْنِ وَالْخَارِجِ مِنَ الْجِسْمِ وَأَحْكَامِهِ.
وَالثَّانِي الرِّيَاضِيُّ: وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِالْمَادَّةِ فِي الْخَارِجِ لَا فِي الذِّهْنِ، فَإِنَّهُ لَا يُوجِدُ عَدَدًا وَلَا مِقْدَارًا فِي الْخَارِجِ إِلَّا فِي جِسْمٍ فِي الْخَارِجِ أَوْ عَرَضٍ مَعْدُودٍ، أَوْ مُقَدَّرٍ مُنْفَصِلٍ، بِخِلَافِ الذِّهْنِ، فَإِنَّهُ يُجَرِّدُ أَعْدَادًا وَمَقَادِيرَ مُجَرَّدَةً عَنِ الْمَعْدُودَاتِ وَالْمُقَدَّرَاتِ.
وَالثَّالِثُ: الَّذِي يُسَمُّونَهُ عِلْمَ مَا بَعْدَ الطَّبِيعَةِ بِاعْتِبَارِ السُّلُوكِ الْعِلْمِيِّ، وَهُوَ عِلْمُ مَا قَبْلَهَا بِاعْتِبَارِ الْوُجُودِ الْعَيْنِيِّ، وَيُسَمُّونَهُ أَيْضًا الْعِلْمَ الْإِلَهِيَّ، وَمَوْضُوعُهُ عِنْدَهُمُ: الْمُجَرَّدُ عَنِ الْمَادَّةِ فِي الذِّهْنِ وَالْخَارِجِ، وَهُوَ الْمَوْجُودُ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَوْجُودٌ، وَانْقِسَامُهُ إِلَى جَوْهَرٍ وَعَرَضٍ، وَانْقِسَامُ الْجَوْهَرِ إِلَى جِسْمٍ وَغَيْرِ جِسْمٍ، وَانْقِسَامُ الْجِسْمِ إِلَى الْمَادَّةِ وَالصُّورَةِ وَالْعُقُولِ وَالنُّفُوسِ.
стр. 1123
وَالْعِلَّةُ الْأُولَى يُسَمِّيهَا أَرِسْطُو وَأَتْبَاعُهُ جَوْهَرًا، وَلَا يُسَمِّيهَا وَاجِبَ الْوُجُودِ، وَأَمَّا مُتَأَخِّرُوهُم كَابْنِ سِينَا وَأَتْبَاعِهِ يُسَمُّونَهَا وَاجِبَ الْوُجُودِ، وَلَا يُسَمُّونَهَا جَوْهَرًا، وَالْكَلَامُ عَلَى هَؤُلَاءِ مَبْسُوطٌ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، إِذِ الْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ الَّتِي يَقُولُونَ هِيَ مَوْضُوعُ الْعِلْمِ الْإِلَهِيِّ، وَهِيَ الْمُجَرَّدَةُ عِنْدَهُمْ عَنِ الْمَادَّةِ فِي الذِّهْنِ وَالْخَارِجِ، هِيَ عِنْدَ التَّحْقِيقِ وُجُودُهَا فِي الْأَذْهَانِ، لَا فِي الْأَعْيَانِ.
فَإِنَّ الْوُجُودَ الْعَامَّ الْكُلِّيَّ لَا يُوجَدُ عَامًّا كُلِّيًّا إِلَّا فِي الْأَذْهَانِ لَا فِي الْأَعْيَانِ كَمَا أَنَّ الْإِنْسَانَ الْعَامَّ الْكُلِّيَّ، وَالْحَيَوَانَ الْعَامَّ الْكُلِّيَّ لَا يُوجَدُ عَامًّا كُلِّيًّا إِلَّا فِي الْأَذْهَانِ، لَا فِي الْأَعْيَانِ.
وَقَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَى هَؤُلَاءِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، وَبَيِّنٌ أَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى بَعْدَ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ، أَقْرَبُ إِلَى الْحَقِّ فِي الْأُمُورِ الْإِلَهِيَّةِ مِنْهُم.
وَهَذِهِ الْأُمُورُ مَبْسُوطَةٌ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، وَلَكِنْ نَبَّهْنَا عَلَيْهَا لِتَعَلُّقِهَا هُنَا بِقَوْلِ هَؤُلَاءِ النَّصَارَى: إِنَّ صِفَاتِ الرَّبِّ الثَّلَاثَ هِيَ جَوْهَرِيَّةٌ دُونَ غَيْرِهَا، وَأَنَّهُمْ إِنْ عَنُوا بِذَلِكَ مَا يَعْنِيهِ هَؤُلَاءِ بِالذَّاتِيَّةِ، فَقَوْلُهُمْ بَاطِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلٍ بَاطِلٍ.
فَإِنَّ تَفْرِيقَ هَؤُلَاءِ الْيُونَانِ فِي الصِّفَاتِ اللَّازِمَةِ بَيْنَ الذَّاتِيِّ وَالْعَرَضِيِّ اللَّازِمِ لِلْمَوْجُودِ، وَالْعَرْضِيِّ اللَّازِمِ لِلْمَاهِيَّةِ، وَالْعَرْضِيِّ اللَّازِمِ
стр. 1124
لِلْمَوْصُوفِ - فَرْقٌ بَاطِلٌ، وَقَدْ ذَكَرُوا ثَلَاثَ فُرُوقٍ كُلُّهَا بَاطِلَةٌ، كَمَا تَقَدَّمَ:
الْأَوَّلُ: الْوَسَطُ.
وَالْفَرْقُ الثَّانِي: تَقَدُّمُ الذَّاتِيِّ ذِهْنًا وَوُجُودًا، بِخِلَافِ اللَّازِمِ الْعَرَضِيِّ.
وَالثَّالِثُ: تَوَقُّفُ الْحَقِيقَةِ عَلَى الذَّاتِ.
وَقَدْ تَبَيَّنَ بُطْلَانُ هَذَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَالنَّصَارَى لَيْسَ مُرَادُهُمْ بِالْجَوْهَرِيَّةِ مَا يُرِيدُهُ هَؤُلَاءِ بِالذَّاتِيَّةِ، فَلِهَذَا لَمْ نَبْسُطِ الْكَلَامَ عَلَيْهِ،، بَلْ يَقُولُونَ: إِنَّ الثَّلَاثَةَ جَوَاهِرُ، وَهَؤُلَاءِ الْمَنْطِقِيُّونَ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ اللَّازِمِ لِلْمَاهِيَّةِ، وَاللَّازِمِ لِوُجُودِهَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ فِي الْخَارِجِ شَيْئَيْنِ: الْوُجُودُ، وَمَاهِيَّةٌ أُخْرَى غَيْرُ الْوُجُودِ.
وَالْكَلَامُ عَلَى هَذَا كُلِّهِ مَبْسُوطٌ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ لَوْ قُدِّرَ أَنَّ صِفَاتِ الْمَوْصُوفَاتِ اللَّازِمَةَ لَهَا تَنْقَسِمُ إِلَى ذَاتِيٍّ مُقَوِّمٍ، وَعَرَضِيٍّ لَازِمٍ، وَأَنَّ صِفَاتِ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ كَذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ تَخْصِيصُ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ ذَاتِيٌّ أَوْلَى مِنَ الْقُدْرَةِ، فَلَيْسَ ذِكْرُ الْقَائِمِ بِنَفْسِهِ الْحَيِّ الْعَالِمِ بِأَوْلَى مِنْ ذِكْرِ الْقَائِمِ بِنَفْسِهِ الْحَيِّ الْقَادِرِ.
وَالنَّصَارَى لَمَّا كَانَتِ الْأَقَانِيمُ عِنْدَهُمْ ثَلَاثَةً، وَزَعَمُوا أَنَّ الشَّرْعَ الْمُنَزَّلَ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ، وَكَانُوا فِي ذَلِكَ مُخَالِفِينَ لِلشَّرْعِ الْمُنَزَّلِ إِلَيْهِم،
стр. 1125
كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوْضِعِهِ - صَارَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَقُولُونَ: مَوْجُودٌ حَيٌّ عَالِمٌ، وَطَائِفَةٌ يَقُولُونَ: مَوْجُودٌ عَالِمٌ قَادِرٌ، فَيَجْعَلُونَ الْقَادِرَ مَكَانَ الْحَيِّ، وَيَجْعَلُونَ رُوحَ الْقُدُسِ هُوَ الْقُدْرَةَ.
وَهَذَا الْقَوْلُ وَإِنْ كَانَ أَحْسَنَ فِي الْمَعْنَى، لَكِنَّ تَفْسِيرَ رُوحِ الْقُدُسِ بِالْقُدْرَةِ فِي غَايَةِ الْبُعْدِ الَّذِي يَظْهَرُ فَسَادُهُ لِكُلِّ أَحَدٍ.
وَلَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ إِثْبَاتِ أُقْنُومِ الْكَلِمَةِ الَّذِي يَقُولُونَ تَارَةً: هِيَ الْعِلْمُ، وَتَارَةً: هِيَ الْحِكْمَةُ، وَيُسَمُّونَهَا تَارَةً: النُّطْقَ كَمَا سَمَّوْهَا فِي كِتَابِهِمْ هَذَا، لِأَنَّ الَّذِي اتَّحَدَ بِالْمَسِيحِ عِنْدَهُمْ هُوَ أُقْنُومُ الْكَلِمَةِ، فَصَارُوا تَارَةً يَضُمُّونَ إِلَيْهَا الْحَيَاةَ، وَتَارَةً يَضُمُّونَ إِلَيْهَا الْقُدْرَةَ.
وَالْأَبُ تَارَةً يَقُولُونَ: هُوَ الْوُجُودُ، وَتَارَةً يَقُولُونَ: الْقَائِمُ بِنَفْسِهِ، وَتَارَةً يَقُولُونَ: الذَّاتُ، وَتُسَمَّى الْقَائِمُ بِنَفْسِهِ بِالسُّرْيَانِيَّةِ: الْكِيَانَ، وَتَارَةً يَقُولُونَ: الْجُودَ.
وَكُلُّ هَذَا مِنَ الْحَيْرَةِ وَالضَّلَالِ، لِأَنَّهُمْ لَا يَجِدُونَ ثَلَاثَ مَعَانٍ هِيَ الْمُسْتَحِقَّةَ لِأَنْ تَكُونَ جَوْهَرِيَّةً دُونَ غَيْرِهَا مِنَ الصِّفَاتِ، سَوَاءٌ فُسِّرَتِ الْجَوْهَرِيَّةُ بِأَنَّهَا جَوَاهِرُ، أَوْ بِأَنَّهَا ذَاتِيَّةٌ مُقَوِّمَةٌ أَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ.
وَمِنْهَا قَوْلُهُم: تَجْرِي مَجْرَى أَسْمَاءٍ، فَإِنْ أَرَادُوا بِذَلِكَ أَسْمَاءَ أَعْلَامٍ أَوْ جَامِدَةً، وَسَائِرُهَا صِفَاتٌ، فَاسْمُ الْحَيِّ وَالْعَالِمِ اسْمٌ مُشْتَقٌّ يَدُلُّ عَلَى مَعْنَى الْعِلْمِ وَالْحَيَاةِ، كَمَا يَدُلُّ الْقَدِيرُ عَلَى الْقُدْرَةِ، وَإِنْ أَرَادُوا أَنَّهُ يُسَمَّى بِهَا، فَلِلَّهِ تَعَالَى أَسْمَاءٌ كَثِيرَةٌ، فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى.
следующие страницы →