← Акыда

Акыда · id 170

الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لابن تيمية

ابن تيمية

Полный текст (2 831 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

النِّصْفُ فِي صَفَرٍ، وَالنِّصْفُ فِي رَجَبٍ، يُؤَدُّونَهَا إِلَى الْمُسْلِمِينَ ; وَعَارِيَةٍ ثَلَاثِينَ دِرْعًا، وَثَلَاثِينَ فَرَسًا، وَثَلَاثِينَ بَعِيرًا، وَثَلَاثِينَ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ مِنْ أَصْنَافِ السِّلَاحِ يَغْزُونَ بِهَا، وَالْمُسْلِمُونَ ضَامِنُونَ لَهَا حَتَّى يَرُدُّوهَا عَلَيْهِمْ إِنْ كَانَ بِالْيَمِينِ كَيْدٌ ذَاتُ غَدْرٍ، عَلَى أَنْ لَا يُهْدَمَ لَهُمْ بَيْعَةٌ، وَلَا يُخْرَجَ لَهُمْ قَسٌّ، وَلَا يُفْتَنُونَ عَنْ دِينِهِمْ مَا لَمْ يُحْدِثُوا حَدَثًا، أَوْ يَأْكُلُوا الرِّبَا» . قَالَ إِسْمَاعِيلُ: فَقَدْ أَكَلُوا الرِّبَا. قَالَ أَبُو دَاوُدَ: إِذَا نَقَضُوا بَعْضَ مَا شُرِطَ عَلَيْهِمْ فَقَدْ أَحْدَثُوا. وَمَا ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ وَأَهْلُ السِّيَرِ مِنْ مُصَالَحَتِهِ لِأَهْلِ نَجْرَانَ عَلَى

стр. 142

الْجِزْيَةِ الْمَذْكُورَةِ مَعْرُوفٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ فِي كِتَابِ الْأَمْوَالِ ذَكَرَهُ مِنْ طَرِيقَيْنِ: قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ ﵀: حَدَّثَنَا أَبُو أَيُّوبَ الدِّمَشْقِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَعْدَانُ بْنُ يَحْيَى، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حُمَيْدٍ، عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ الْهُذَلِيِّ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَالَحَ أَهْلَ نَجْرَانَ، فَكَتَبَ لَهُمْ كِتَابًا: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذَا مَا كَتَبَ مُحَمَّدٌ النَّبِيُّ ﷺ لِأَهْلِ نَجْرَانَ، إِذْ كَانَ لَهُ

стр. 143

حُكْمُهُ عَلَيْهِمْ أَنَّ فِي كُلِّ سَوْدَاءَ وَبَيْضَاءَ وَصَفْرَاءَ وَحَمْرَاءَ أَوْ ثَمَرَةٍ وَرَقِيقٍ وَأُفْضِلَ عَلَيْهِمْ وَتَرَكَ ذَلِكَ لَهُمْ أَلْفَيْ حُلَّةٍ، فِي كُلِّ صَفَرٍ أَلْفُ حُلَّةٍ، وَفِي كُلِّ رَجَبٍ أَلْفُ حُلَّةٍ، كُلُّ حُلَّةٍ أُوقِيَّةٌ مَا زَادَ الْخَرَاجُ أَوْ نَقَصَ فَعَلَى الْأَوَاقِي فَلْيُحْسَبْ، وَمَا قَضَوْا مِنْ رِكَابٍ أَوْ خَيْلٍ أَوْ دُرُوعٍ أُخِذَ مِنْهُمْ بِالْحِسَابِ، وَعَلَى أَهْلِ نَجْرَانَ مَقْرَى رُسُلِي عِشْرِينَ لَيْلَةً فَمَا دُونَهَا وَعَلَيْهِمْ عَارِيَةُ ثَلَاثِينَ فَرَسًا وَثَلَاثِينَ بَعِيرًا وَثَلَاثِينَ دِرْعًا إِذَا كَانَ كَيْدٌ بِالْيَمَنِ ذُو مَغْدَرَةٍ، وَمَا هَلَكَ مِمَّا أَعَارُوا رُسُلِي فَهُوَ ضَامِنٌ عَلَى رُسُلِي حَتَّى يُؤَدُّوهُ إِلَيْهِمْ وَلِنَجْرَانَ وَحَاشِيَتِهَا ذِمَّةُ اللَّهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ عَلَى دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَمِلَّتِهِمْ وَبِيَعِهِمْ وَرُهْبَانِهِمْ وَأَسَاقِفِهِمْ وَشَاهِدِهِمْ وَغَائِبِهِمْ وَكُلِّ مَا تَحْتَ أَيْدِيهِمْ مِنْ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ، وَعَلَى أَنْ لَا يُغَيِّرُوا أُسْقُفًّا مِنْ سَقِيفَاهُ، وَلَا وَاقِهًا مِنْ وَقِيهَاهُ، وَلَا رَاهِبًا مِنْ رَهَابِنِهِ، وَعَلَى أَنْ لَا يُخْسِرُوا، وَلَا يُعْشِرُوا، وَلَا يَطَأَ أَرْضَهُمْ جَيْشٌ، وَمَنْ مَلَكَ مِنْهُمْ حَقًّا فَالنِّصْفُ بَيْنَهُمْ بِنَجْرَانَ، عَلَى أَنْ لَا يَأْكُلُوا الرِّبَا، فَمَنْ أَكَلَ الرِّبَا مِنْ ذِي قَبْلُ فَذِمَّتِي مِنْهُمْ بَرِيئَةٌ وَعَلَيْهِمُ الْجُهْدُ وَالنُّصْحُ فِيمَا اسْتَقْبَلُوا غَيْرَ مَظْلُومِينَ وَلَا مَعْنُوفٍ عَلَيْهِمْ، شَهِدَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ وَمُعَيْقِيبٌ» .

стр. 144

قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الْوَاقَةُ وَلِيُّ الْعَهْدِ فِي لُغَةِ بِلْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ يَقُولُ: إِذَا مَاتَ هَذَا الْأُسْقُفُّ قَامَ الْآخَرُ مَكَانَهُ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: قَالَ أَبُو أَيُّوبَ وَحَدَّثَنِي عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حُمَيْدٍ، عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَ ذَلِكَ، وَزَادَ فِي حَدِيثِهِ قَالَ: «فَلَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَتَوْا أَبَا بَكْرٍ، فَوَفَّى لَهُمْ بِذَلِكَ، وَكَتَبَ لَهُمْ كِتَابًا نَحْوًا مِنْ كِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا وُلِّيَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ أَصَابُوا الرِّبَا فِي زَمَانِهِ، فَأَجْلَاهُمْ عُمَرُ، وَكَتَبَ لَهُمْ: أَمَّا بَعْدُ فَمَنْ وَقَعُوا بِهِ مِنْ أُمَرَاءِ الشَّامِ أَوِ الْعِرَاقِ فَلْيُوسِعْهُمْ مِنْ جَرِيبِ الْأَرْضِ، وَمَا اعْتَمَلُوا مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ لَهُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ وَعُقْبَى مِنْ أَرْضِهِمْ، قَالَ فَأتَوُا الْعِرَاقَ فَاتَّخَذُوا النَّجْرَانِيَّةَ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَهِيَ قَرْيَةٌ بِالْكُوفَةِ» . وَكَتَبَ عُثْمَانُ إِلَى الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الْعَاقِبَ

стр. 145

وَالْأَسْقُفَّ وَسَرَاةَ أَهْلِ نَجْرَانَ أَتَوْنِي بِكِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَرَوْنِي شَرْطَ عُمَرَ ﵁، وَقَدْ سَأَلْتُ عُثْمَانَ بْنَ حُنَيْفٍ فَأَنْبَأَنِي أَنَّهُ قَدْ كَانَ بَحَثَ عَلَى ذَلِكَ، فَوَجَدَهُ صَارَ لِلدَّهَاقِينِ لِيَرْدَعَهُمْ عَنْ أَرْضِهِمْ، وَإِنِّي قَدْ وَضَعْتُ عَنْهُمْ مِنْ جِزْيَتِهِمْ مِائَتَيْ حُلَّةٍ لِوَجْهِ اللَّهِ وَعُقْبَى لَهُمْ مِنْ أَرْضِهِمْ، وَإِنِّي أُوصِيكَ بِهِمْ فَإِنَّهُمْ قَوْمٌ لَهُمْ ذِمَّةٌ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ

стр. 146

لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَتَبَ لِأَهْلِ نَجْرَانَ: مِنْ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ هَذِهِ النُّسْخَةِ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِهِ قِصَّةُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄، وَفِي آخِرِهِ شَهِدَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ وَغِيلَانُ بْنُ عَمْرٍو وَمَالِكُ بْنُ

стр. 147

عَوْفٍ مِنْ بَنِي نَضْرٍ، وَالْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ الْحَنْظَلِيُّ، وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ الْأَيْلِيِّ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَوَّلُ مَنْ أَعْطَى الْجِزْيَةَ أَهْلُ نَجْرَانَ وَكَانُوا نَصَارَى.

стр. 148

فَإِنْ قِيلَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ٦٤] . وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

стр. 149

قَدْ كَتَبَ إِلَى هِرَقْلَ مَعَ دِحْيَةَ الْكَلْبِيِّ مُدَّةَ هُدْنَتِهِ لِلْمُشْرِكِينَ، وَكَانَ أَبُو سُفْيَانَ إِذْ ذَاكَ لَمْ يُسْلِمْ، وَقَدْ حَضَرَ عِنْدَ هِرَقْلَ، وَسَأَلَهُ هِرَقْلُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَأَبُو سُفْيَانَ أَسْلَمَ عَامَ الْفَتْحِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ هَذَا الْكِتَابَ كَانَ قَبْلَ الْفَتْحِ، وَنُزُولُ آيَةِ الْجِزْيَةِ كَانَ بَعْدَ الْفَتْحِ سَنَةَ تِسْعٍ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ قَبْلَ آيَةِ الْجِزْيَةِ، وَقَبْلَ آيَةِ الْمُبَاهَلَةِ، وَآيَةُ الْمُبَاهَلَةِ قَدْ عُلِمَ يَقِينًا أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي قِصَّةِ قُدُومِ وَفْدِ نَجْرَانَ وَالْمُفَسِّرُونَ وَأَهْلُ السِّيَرِ ذَكَرُوا أَنَّ آلَ عِمْرَانَ نَزَلَتْ بِسَبَبِ مُنَاظَرَةِ أَهْلِ نَجْرَانَ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ مِنْ نَقْلِ أَهْلِ الْحَدِيثِ بِالْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ.

стр. 150

وَنَقَلَ أَهْلُ الْمَغَازِي وَالسِّيَرِ أَنَّ وَفْدَ نَجْرَانَ صَالَحَهُمْ عَلَى الْجِزْيَةِ وَهُمْ أَوَّلُ مَنْ أَدَّاهَا، فَعُلِمَ أَنَّ قُدُومَهُمْ كَانَ بَعْدَ نُزُولِ آيَةِ الْجِزْيَةِ، وَآيَةُ الْجِزْيَةِ نَزَلَتْ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ، فَعُلِمَ أَنَّ قُدُومَ وَفْدِ نَجْرَانَ كَانَ بَعْدَ آيَةِ السَّيْفِ الَّتِي هِيَ آيَةُ الْجِزْيَةِ. قَالَ الزُّهْرِيُّ: أَهْلُ نَجْرَانَ أَوَّلُ مَنْ أَدَّى الْجِزْيَةَ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦٤] . بَعْدَهَا آيَاتٌ نَزَلَتْ قَبْلَ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ - يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٠ - ٧١] . فَيَكُونُ هَذَا مِمَّا تَقَدَّمَ نُزُولُهُ وَتِلْكَ مِمَّا تَأَخَّرَ نُزُولُهُ، وَجُمِعَ بَيْنَهُمَا

стр. 151

لِلْمُنَاسَبَةِ كَمَا فِي نَظَائِرِهِ، فَإِنَّ الْآيَاتِ كَانَتْ إِذَا نَزَلَتْ يَأْمُرُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَضَعَهَا فِي مَوَاضِعَ تُنَاسِبُهَا، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِمَّا تَقَدَّمَ، وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦٤] لَفْظُهَا يَعُمُّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى. وَكَذَلِكَ ذَكَرَ أَهْلُ الْعِلْمِ أَنَّهَا دُعَاءٌ لِطَائِفَتَيْنِ، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَعَا بِهَا الْيَهُودَ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ نُزُولَهَا مُتَقَدِّمٌ، فَإِنَّ دُعَاءَهُ لِلْيَهُودِ كَانَ قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ الْجِزْيَةِ، وَلِهَذَا لَمْ يَضْرِبِ الْجِزْيَةَ عَلَى أَهْلِ خَيْبَرَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ يَهُودِ الْحِجَازِ، وَلَكِنْ لَمَّا بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ وَكَانَ كَثِيرًا مِنْ أَهْلِهَا يَهُودُ أَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا أَوْ عَدْلَهُ مَعَافِرًا، وَهَذَا كَانَ مُتَأَخِّرًا بَعْدَ غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَتُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ وَمُعَاذٌ بِالْيَمَنِ، قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ

стр. 152

فِي تَفْسِيرِهِ: حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي حَوْشَبٍ وَغَيْرُهُ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ

стр. 153

كَتَبَ إِلَى أَلْيُونَ طَاغِيَةِ الرُّومِ، قَالَ: فِيمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ : ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ٦٤] يَعْنِي الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى ﴿تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦٤] . وَرُوِيَ بِإِسْنَادِهِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦٤] .

стр. 154

قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَعَا يَهُودَ أَهْلِ الْكِتَابِ فَأَبَوْا عَلَيْهِ فَجَاهَدَهُمْ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْآيَاتِ الَّتِي فِيهَا خِطَابٌ لِلطَّائِفَتَيْنِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ - هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ - مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: ٦٥ - ٦٧] . وَمِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ، أَنَّ أَهْلَ نَجْرَانَ كَانَ مِنْهُمْ نَصَارَى أَهْلُ ذِمَّةٍ وَكَانَ مِنْهُمْ مُسْلِمُونَ - وَهُمُ الْأَكْثَرُونَ - وَالنَّبِيُّ ﷺ بَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ لِهَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ، وَاسْتَعْمَلَ عَمْرَو بْنَ حَزْمٍ عَلَى هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ، كَمَا أَخْرَجَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينًا، وَإِنَّ أَمِينَنَا أَيَّتُهَا الْأُمَّةُ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ» .

стр. 155

وَعَنْ أَنَسٍ أَيْضًا: أَنَّ أَهْلَ الْيَمَنِ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالُوا ابْعَثْ مَعَنَا رَجُلًا أَمِينًا، يُعَلِّمُنَا السُّنَّةَ وَالْإِسْلَامَ، فَأَخَذَ بِيَدِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ، فَقَالَ: هَذَا أَمِينُ هَذِهِ الْأُمَّةِ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ: عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ، قَالَ: «جَاءَ أَهْلُ نَجْرَانَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْعَثْ إِلَيْنَا رَجُلًا أَمِينًا، فَقَالَ: لَأَبْعَثَنَّ إِلَيْكُمْ رَجُلًا أَمِينًا حَقَّ أَمِينٍ حَقَّ أَمِينٍ» .

стр. 156

قَالَ: فَاسْتَشْرَفَ لَهَا النَّاسُ، قَالَ: فَبَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ. وَلِلْبُخَارِيِّ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: «جَاءَ السَّيِّدُ وَالْعَاقِبُ صَاحِبَا نَجْرَانَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُرِيدَانِ أَنْ يُلَاعِنَاهُ، قَالَ: فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: لَا تَفْعَلْ، فَوَاللَّهِ لَئِنْ كَانَ نَبِيًّا فَلَاعَنَّا لَا نُفْلِحُ نَحْنُ وَلَا عَقِبُنَا مِنْ بَعْدِنَا، قَالَا: إِنَّا نُعْطِيكَ مَا سَأَلْتَنَا وَابْعَثْ مَعَنَا رَجُلًا أَمِينًا، فَقَالَ: لَأَبْعَثَنَّ مَعَكُمْ رَجُلًا أَمِينًا حَقَّ أَمِينٍ، فَاسْتَشْرَفَ لَهَا أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: قُمْ يَا أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ، فَلَمَّا قَامَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : هَذَا أَمِينُ هَذِهِ الْأُمَّةِ» . وَكَذَلِكَ اسْتَعْمَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْهِمْ عَمْرَو بْنَ حَزْمٍ، وَكَتَبَ لَهُ الْكِتَابَ الْمَشْهُورَ الَّذِي فِيهِ الْفَرَائِضُ وَالسُّنَنُ، وَقَدْ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ بِطُولِهِ، وَرَوَى النَّاسُ بَعْضَهُ مُفَرَّقًا.

стр. 157

وَمُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ لَمْ يَذْكُرْ بَعْدَ وَفْدِ نَجْرَانَ إِلَّا وَفْدَ جَيْشَانَ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ قُدُومَهُمْ كَانَ مُتَأَخِّرًا، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ذَكَرَ قُدُومَهُمْ فِي أَوَائِلِ السِّيرَةِ مَعَ قِصَّةِ الْيَهُودِ ; لِيَجْمَعَ بَيْنَ خَبَرِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَذَكَرَ فِي سَنَةِ عَشْرٍ فَتْحَ نَجْرَانَ، وَإِرْسَالَ النَّبِيِّ ﷺ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ، وَإِرْسَالُ خَالِدٍ ذَكَرُوا أَنَّهُ كَانَ مُتَأَخِّرًا قَبْلَ وَفَاتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ

стр. 158

وَسَلَّمَ بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، وَأَنَّهُ قَدِمَ وَفْدٌ مِنْهُمْ بِالْإِسْلَامِ، وَهَذَا إِنَّمَا كَانَ بَعْدَ قُدُومِ وَفْدِ النَّصَارَى ; فَإِنَّهُ قَدْ ذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ أَنَّ الْعَاقِبَ وَالسَّيِّدَ أَسْلَمَا بَعْدَ ذَلِكَ، وَالْعَهْدُ بِالْجِزْيَةِ إِنَّمَا كَانَ مَعَ النَّصَارَى، وَآيَةُ الْجِزْيَةِ هِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] . وَهَذِهِ آيَةُ السَّيْفِ مَعَ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَقَدْ ذُكِرَ فِيهَا قِتَالُهُمْ إِذَا لَمْ يُؤْمِنُوا حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ، وَالنَّبِيُّ ﷺ لَمْ يَأْخُذْ مِنْ أَحَدٍ الْجِزْيَةَ إِلَّا بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ، بَلْ وَقَالُوا: إِنَّ أَهْلَ نَجْرَانَ أَوَّلُ مَنْ أُخِذَتْ مِنْهُمُ الْجِزْيَةُ، كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ أَهْلُ الْعِلْمِ كَالزُّهْرِيِّ وَغَيْرِهِ، فَإِنَّهُ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ لَمْ يَضْرِبِ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى أَحَدٍ قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ جِزْيَةً لَا مِنَ الْأُمِّيِّينَ وَلَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَلِهَذَا لَمْ يَضْرِبْهَا عَلَى يَهُودِ قَيْنُقَاعَ وَالنَّضِيرِ وَقُرَيْظَةَ وَلَا ضَرَبَهَا عَلَى أَهْلِ خَيْبَرَ ; فَإِنَّهَا فُتِحَتْ سَنَةَ سَبْعٍ قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ

стр. 159

الْجِزْيَةِ، وَأَقَرَّهُمْ فَلَّاحِينَ، وَهَادَنَهُمْ هُدْنَةً مُطْلَقَةً قَالَ فِيهَا: نُقِرُّكُمْ مَا أَقَرَّكُمُ اللَّهُ. فَإِذَا كَانَ أَوَّلَ مَا أَخَذَهَا مِنْ وَفْدِ نَجْرَانَ عُلِمَ أَنَّ قُدُومَهُمْ عَلَيْهِ وَمُنَاظَرَتَهُ لَهُمْ وَمُحَاجَّتَهُ إِيَّاهُمْ، وَطَلَبَهُ الْمُبَاهَلَةَ مَعَهُمْ كَانَتْ بَعْدَ آيَةِ السَّيْفِ الَّتِي فِيهَا قِتَالُهُمْ. وَعُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ مُجَادَلَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا، مُحْكَمٌ لَمْ يَنْسَخْهُ شَيْءٌ، وَكَذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ تَعَالَى مِنْ مُجَادَلَةِ الْخَلْقِ مُطْلَقًا بِقَوْلِهِ: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] .

стр. 160

فَإِنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ: آيَاتُ الْمُجَادَلَةِ وَالْمُحَاجَّةِ لِلْكُفَّارِ مَنْسُوخَاتٌ بِآيَةِ السَّيْفِ ; لِاعْتِقَادِهِ أَنَّ الْأَمْرَ بِالْقِتَالِ الْمَشْرُوعِ يُنَافِي الْمُجَادَلَةَ الْمَشْرُوعَةَ وَهَذَا غَلَطٌ، فَإِنَّ النَّسْخَ إِنَّمَا يَكُونُ إِذَا كَانَ الْحُكْمُ النَّاسِخُ مُنَاقِضًا لِلْحُكْمِ الْمَنْسُوخِ، كَمُنَاقَضَةِ الْأَمْرِ بِاسْتِقْبَالِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فِي الصَّلَاةِ لِلْأَمْرِ بِاسْتِقْبَالِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِالشَّامِ، وَمُنَاقَضَةِ الْأَمْرِ بِصِيَامِ رَمَضَانَ لِلْمُقِيمِ لِلتَّخْيِيرِ بَيْنَ الصِّيَامِ وَبَيْنَ إِطْعَامِ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا، وَمُنَاقَضَةِ نَهْيِهِ عَنْ تَعَدِّي الْحُدُودِ الَّتِي فَرَضَهَا لِلْوَرَثَةِ لِلْأَمْرِ بِالْوَصِيَّةِ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ، وَمُنَاقَضَةِ قَوْلِهِ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ عَنِ الْقِتَالِ لِقَوْلِهِ: قَاتِلُوهُمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ [النساء: ٧٧] . فَأَمْرُهُ لَهُمْ بِالْقِتَالِ نَاسِخٌ لِأَمْرِهِ لَهُمْ بِكَفِّ أَيْدِيهِمْ عَنْهُمْ، فَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] . وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [العنكبوت: ٤٦] .

стр. 161

فَهَذَا لَا يُنَاقِضُهُ الْأَمْرُ بِجِهَادِ مَنْ أَمَرَ بِجِهَادِهِ مِنْهُمْ، وَلَكِنَّ الْأَمْرَ بِالْقِتَالِ يُنَاقِضُ النَّهْيَ عَنْهُ وَالِاقْتِصَارَ عَلَى الْمُجَادَلَةِ. [وُجُوهُ الْجَمْعِ بَيْنَ مُجَادَلَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَقِتَالِهِمْ] فَأَمَّا مَعَ إِمْكَانِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْجِدَالِ الْمَأْمُورِ بِهِ وَالْقِتَالِ الْمَأْمُورِ بِهِ، فَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا، وَإِذَا لَمْ يَتَنَافَيَا بَلْ أَمْكَنَ الْجَمْعُ لَمْ يَجُزِ الْحُكْمُ بِالنَّسْخِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَنْفَعُ حَيْثُ لَا يَنْفَعُ الْآخَرُ، وَأَنَّ اسْتِعْمَالَهُمَا جَمِيعًا أَبْلَغُ فِي إِظْهَارِ الْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ، وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ وُجُوهٌ: أَحَدُهَا: أَنَّ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَالْعَهْدِ وَالْمُسْتَأْمَنِ مِنْهُمْ لَا يُجَاهَدُ بِالْقِتَالِ، فَهُوَ دَاخِلٌ فِيمَنْ أَمَرَ اللَّهُ بِدَعْوَتِهِ وَمُجَادَلَتِهِ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، وَلَيْسَ هُوَ دَاخِلًا فِيمَنْ أَمَرَ اللَّهُ بِقِتَالِهِ. الثَّانِي: أَنَّهُ قَالَ: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [العنكبوت: ٤٦] . فَالظَّالِمُ لَمْ يُؤْمَرْ بِجِدَالِهِ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، فَمَنْ كَانَ ظَالِمًا مُسْتَحِقًّا لِلْقِتَالِ غَيْرَ طَالِبٍ لِلْعِلْمِ وَالدِّينِ فَهُوَ مِنْ هَؤُلَاءِ الظَّالِمِينَ الَّذِينَ لَا يُجَادَلُونَ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، بِخِلَافِ مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ وَالدِّينَ، وَلَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ ظُلْمٌ، سَوَاءٌ كَانَ قَصْدُهُ الِاسْتِرْشَادَ، أَوْ كَانَ يَظُنُّ أَنَّهُ عَلَى حَقٍّ يَقْصِدُ نَصْرَ مَا يَظُنُّهُ حَقًّا، وَمَنْ كَانَ قَصْدُهُ الْعِنَادَ يَعْلَمُ أَنَّهُ عَلَى بَاطِلٍ وَيُجَادِلُ عَلَيْهِ فَهَذَا لَمْ يُؤْمَرْ بِمُجَادَلَتِهِ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، لَكِنْ قَدْ نُجَادِلُهُ بِطُرُقٍ أُخْرَى نُبَيِّنُ فِيهَا عِنَادَهُ وَظُلْمَهُ وَجَهْلَهُ جَزَاءً لَهُ بِمُوجِبِ عَمَلِهِ. الثَّالِثُ: أَنَّهُ سُبْحَانَهُ قَالَ: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة: ٦] .

стр. 162

فَهَذَا مُسْتَجِيرٌ مُسْتَأْمِنٌ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ أَمَرَ اللَّهُ بِإِجَارَتِهِ حَتَّى تَقُومَ حُجَّةُ اللَّهِ عَلَيْهِ، ثُمَّ يُبْلِغُهُ مَأْمَنَهُ، وَهَذَا فِي سُورَةِ (بَرَاءَةَ) الَّتِي فِيهَا نَقْضُ الْعُهُودِ، وَفِيهَا آيَةُ السَّيْفِ، وَذَكَرَ هَذِهِ الْآيَةَ فِي ضِمْنِ الْأَمْرِ بِنَقْضِ الْعُهُودِ ; لِيُبَيِّنَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ مِثْلُ هَذَا يَجِبُ أَمَانُهُ ; حَتَّى تَقُومَ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ، لَا تَجُوزُ مُحَارَبَتُهُ كَمُحَارَبَةِ مَنْ لَمْ يَطْلُبْ أَنْ يُبَلَّغَ حُجَّةَ اللَّهِ عَلَيْهِ. قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: ﴿ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة: ٦] إِنْ لَمْ يُوَافِقْهُ مَا نَقُصُّ عَلَيْهِ وَنُخْبِرُ بِهِ فَأَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ، قَالَ: وَلَيْسَ هَذَا بِمَنْسُوخٍ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مَنْ جَاءَكَ وَاسْتَمَعَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَهُوَ آمِنٌ حَتَّى

стр. 163

يَأْتِيَكَ. وَقَالَ عَطَاءٌ فِي الرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ يَأْتِي الْمُسْلِمِينَ بِغَيْرِ عَهْدٍ، قَالَ: تُخَيِّرُهُ إِمَّا أَنْ تُقِرَّهُ، وَإِمَّا أَنْ تُبْلِغَهُ مَأْمَنَهُ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] . قَدْ عُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ يُسْمِعُهُ سَمْعًا يَتَمَكَّنُ مَعَهُ مِنْ فَهْمِ مَعْنَاهُ، إِذِ الْمَقْصُودُ لَا يَقُومُ بِمُجَرَّدِ سَمْعِ لَفْظٍ لَا يَتَمَكَّنُ مَعَهُ مِنْ فَهْمِ الْمَعْنَى، فَلَوْ كَانَ غَيْرَ عَرَبِيٍّ وَجَبَ أَنْ يُتَرْجَمَ لَهُ مَا يَقُومُ بِهِ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ -

стр. 164

وَلَوْ كَانَ عَرَبِيًّا - وَفِي الْقُرْآنِ أَلْفَاظٌ غَرِيبَةٌ لَيْسَتْ لُغَتَهُ، وَجَبَ أَنْ يُبَيَّنَ لَهُ مَعْنَاهَا، وَلَوْ سَمِعَ اللَّفْظَ كَمَا يَسْمَعُهُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، وَلَمْ يَفْقَهِ الْمَعْنَى وَطَلَبَ مِنَّا أَنْ نُفَسِّرَهُ لَهُ وَنُبَيِّنَ لَهُ مَعْنَاهُ، فَعَلَيْنَا ذَلِكَ. وَإِنْ سَأَلَنَا عَنْ سُؤَالٍ يَقْدَحُ فِي الْقُرْآنِ أَجَبْنَاهُ عَنْهُ، كَمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَوْرَدَ عَلَيْهِ بَعْضُ الْمُشْرِكِينَ أَوْ أَهْلِ الْكِتَابِ أَوِ الْمُسْلِمِينَ سُؤَالًا يُورِدُونَهُ عَلَى الْقُرْآنِ، فَإِنَّهُ كَانَ يُجِيبُهُ عَنْهُ كَمَا أَجَابَ ابْنَ الزِّبَعْرِيِّ لَمَّا قَاسَ الْمَسِيحَ عَلَى آلِهَةِ الْمُشْرِكِينَ، وَظَنَّ أَنَّ الْعِلَّةَ فِي الْأَصْلِ بِمُجَرَّدِ كَوْنِهِمْ مَعْبُودِينَ، وَأَنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي كُلَّ مَعْبُودٍ غَيْرِ اللَّهِ، فَإِنَّهُ يُعَذَّبُ فِي الْآخِرَةِ، فَجَعَلَ الْمَسِيحَ مَثَلًا لِآلِهَةِ الْمُشْرِكِينَ قَاسَهُمْ عَلَيْهِ قِيَاسَ الْفَرْعِ عَلَى الْأَصْلِ.

стр. 165

قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ - وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٧ - ٥٨] . فَبَيَّنَ سُبْحَانَهُ الْفَرْقَ الْمَانِعَ مِنَ الْإِلْحَاقِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١] . وَبَيَّنَ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْقَائِسِينَ مَا قَاسُوهُ إِلَّا جَدَلًا مَحْضًا لَا يُوجِبُ عِلْمًا ; لِأَنَّ الْفَرْقَ حَاصِلٌ بَيْنَ الْفَرْعِ وَالْأَصْلِ، فَإِنَّ الْأَصْنَامَ إِذَا جُعِلُوا حَصَبًا لِجَهَنَّمَ كَانَ ذَلِكَ إِهَانَةً وَخِزْيًا لِعَابِدِيهَا مِنْ غَيْرِ تَعْذِيبِ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ التَّعْذِيبَ، بِخِلَافِ مَا إِذَا عُذِّبَ عِبَادُ اللَّهِ الصَّالِحُونَ بِذَنْبِ غَيْرِهِمْ، فَإِنَّ هَذَا لَا يَفْعَلُهُ اللَّهُ تَعَالَى، لَا سِيَّمَا عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْمُسْلِمِينَ وَسَائِرِ أَهْلِ الْمِلَلِ سَلَفِهِمْ وَخَلَفِهِمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْلُقُ وَيَأْمُرُ إِلَّا لِحِكْمَةٍ، وَلَا يَظْلِمُ أَحَدًا فَيُنْقِصُهُ شَيْئًا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَلَا يَحْمِلُ عَلَيْهِ سَيِّئَاتِ غَيْرِهِ، بَلْ وَلَا يُعَذِّبُ أَحَدًا إِلَّا بَعْدَ إِرْسَالِ رَسُولٍ إِلَيْهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى:

стр. 166

﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ [طه: ١١٢] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا﴾ [الجن: ١٣] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٩٠] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] . وَمَنْ قَالَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْمِلَلِ: إِنَّهُ يَجُوزُ مِنْهُ تَعَالَى فِعْلُ كُلِّ شَيْءٍ، وَأَنَّ الظُّلْمَ هُوَ الْمُمْتَنِعُ الَّذِي لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْقُدْرَةِ، فَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: إِنَّمَا يَعْلَمُ مَا يَفْعَلُهُ وَمَا لَا يَفْعَلُهُ بِدَلَالَةِ خَبَرِ الصَّادِقِ أَوْ بِالْعَادَةِ، وَإِنْ كَانَ الْجُمْهُورُ يَسْتَدِلُّونَ بِخَبَرِ الصَّادِقِ وَبِغَيْرِهِ عَلَى مَا يَمْتَنِعُ مِنَ اللَّهِ.

стр. 167

وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ عِبَادَهُ الصَّالِحِينَ فِي الْجَنَّةِ، لَا يُعَذِّبُهُمْ فِي النَّارِ، بَلْ يَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا، وَيَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ، فَضْلًا أَنْ يُعَاقِبَهُمْ بِذَنْبِ غَيْرِهِمْ مَعَ كَرَاهِيَةٍ لِفِعْلِهِمْ، وَنَهْيِهِمْ عَنْ ذَلِكَ، وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ لَفْظَ (مَا) كَانَتْ تَتَنَاوَلُ الْمَسِيحَ وَأَخَّرَ بَيَانَ الْعَامِّ أَوْ أَجَابَ بِأَنَّ لَفْظَ (مَا) لَا يَتَنَاوَلُ إِلَّا مَا لَا يَعْقِلُ، فَالْقَوْلَانِ ضَعِيفَانِ كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوْضِعِهِ. وَإِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ عَارَضُوا النَّصَّ الصَّحِيحَ بِقِيَاسٍ فَاسِدٍ، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى فَسَادَ الْقِيَاسِ وَذَكَرَ الْفَرْقَ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ. وَكَذَلِكَ لَمَّا أَوْرَدَ بَعْضُ النَّصَارَى عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾ [مريم: ٢٨] ظَنًّا مِنْهُ أَنَّ هَارُونَ هَذَا هُوَ هَارُونُ أَخُو مُوسَى بْنِ

стр. 168

عِمْرَانَ، وَأَنَّ عِمْرَانَ هَذَا هُوَ عِمْرَانُ أَبُو مَرْيَمَ أَمِّ الْمَسِيحِ، فَسُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، أَجَابَ بِأَنَّ هَارُونَ هَذَا لَيْسَ هُوَ ذَاكَ، وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا يُسَمُّونَ بِأَسْمَاءِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ. وَبَعْضُ جُهَّالِ النَّصَارَى يَقْدَحُ فِي الْقُرْآنِ بِمِثْلِ هَذَا وَلَا يَعْلَمُ هَذَا الْمُفْرِطُ فِي جَهْلِهِ أَنَّ آحَادَ النَّاسِ يَعْلَمُونَ أَنَّ بَيْنَ مُوسَى وَعِيسَى مُدَّةً طَوِيلَةً جِدًّا يَمْتَنِعُ مَعَهَا أَنْ يَكُونَ مُوسَى وَهَارُونُ خَالَيِ الْمَسِيحِ، وَأَنَّ هَذَا مِمَّا لَا يَخْفَى عَلَى أَقَلِّ أَتْبَاعِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَخْفَى عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ . وَهَذَا السُّؤَالُ مِمَّا أَوْرَدَهُ أَهْلُ نَجْرَانَ، كَمَا ثَبَتَ «عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى أَهْلِ نَجْرَانَ فَقَالُوا: أَلَسْتُمْ تَقْرَءُونَ ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾ [مريم: ٢٨] ، وَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا بَيْنَ مُوسَى وَعِيسَى، فَلَمْ أَدْرِ مَا أُجِيبُهُمْ، فَرَجَعْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: أَلَا أَخْبَرْتَهُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يُسَمُّونَ بِأَسْمَاءِ أَنْبِيَائِهِمْ وَالصَّالِحِينَ قَبْلَهُمْ؟» . وَهَذَا السُّؤَالُ الَّذِي هُوَ سُؤَالُ الطَّاعِنِ فِي الْقُرْآنِ لَمَّا أَوْرَدَهُ أَهْلُ نَجْرَانَ الْكُفَّارُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يُجِبْهُمْ

стр. 169

عَنْهُ أَجَابَ عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ ، وَلَمْ يَقُلْ لَهُمْ: لَيْسَ لَكُمْ عِنْدِي إِلَّا السَّيْفُ، وَلَا قَالَ: قَدْ نَقَضْتُمُ الْعَهْدَ إِنْ كَانُوا قَدْ عَاهَدُوهُ، وَقَدْ عُرِفَ أَنَّ أَهْلَ نَجْرَانَ لَمْ يُرْسِلْ إِلَيْهِمْ رَسُولًا إِلَّا وَالْجِهَادُ مَأْمُورٌ بِهِ. وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ يُورِدُونَ الْأَسْئِلَةَ عَلَيْهِ، كَمَا أَوْرَدَ عَلَيْهِ عُمَرُ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ، لَمَّا صَالَحَ الْمُشْرِكِينَ وَلَمْ يَدْخُلْ مَكَّةَ فَقَالَ لَهُ: أَلَمْ تَكُنْ تُحَدِّثُنَا أَنَّا نَأْتِي الْبَيْتَ وَنَطُوفُ بِهِ، قَالَ: بَلَى، أَقُلْتُ لَكَ أَنَّكَ تَأْتِيهِ فِي هَذَا الْعَامِ؟ ، قَالَ: لَا، قَالَ: فَإِنَّكَ آتِيهِ وَمُطَوِّفٌ بِهِ. وَكَذَلِكَ أَجَابَهُ أَبُو بَكْرٍ وَلَمْ يَكُنْ سَمِعَ جَوَابَ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ، مَعْلُومٌ أَنَّهُ لَيْسَ فِي ظَاهِرِ اللَّفْظِ تَوْقِيتُ ذَلِكَ بِعَامٍ، وَلَكِنَّ السَّائِلَ ظَنَّ مَا لَا يَدُلُّ اللَّفْظُ عَلَيْهِ. وَكَذَلِكَ لَمَّا قَالَ: مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ عُذِّبَ، «قَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ: أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق: ٧] .

стр. 170

فَقَالَ: ذَلِكَ الْعَرْضُ، وَمَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ عُذِّبَ» . وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْحِسَابَ الْيَسِيرَ لَا يَتَنَاوَلُ مَنْ نُوقِشَ، وَقَدْ زَادَهَا بَيَانًا، فَأَخْبَرَ أَنَّهُ الْعَرْضُ لَا الْمُقَابَلَةُ الْمُتَضَمِّنَةُ لِلْمُنَاقَشَةِ. وَكَذَلِكَ لَمَّا قَالَ: «إِنَّهُ لَا يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، قَالَتْ لَهُ حَفْصَةُ: أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] . فَأَجَابَهَا بِأَنَّهُ قَالَ: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: ٧٢] » .

стр. 171

فَبَيَّنَ ﷺ أَنَّ هَؤُلَاءِ هُمُ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ، وَهَذَا الدُّخُولُ هُوَ الَّذِي نَفَاهُ عَنْ أَهْلِ الْحُدَيْبِيَةِ، وَأَمَّا الْوُرُودُ فَهُوَ مُرُورُ النَّاسِ عَلَى الصِّرَاطِ، كَمَا فَسَّرَهُ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَهَذَا الْمُرُورُ لَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الدُّخُولِ الَّذِي يَجْزِي بِهِ الْعُصَاةَ، وَيَنْفِي عَنِ الْمُتَّقِينَ، وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ. وَأَمَّا مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ ذِكْرِ أَقْوَالِ الْكُفَّارِ وَحُجَجِهِمْ وَجَوَابِهَا، فَهَذَا كَثِيرٌ جِدًّا، فَإِنَّهُ يُجَادِلُهُمْ تَارَةً فِي التَّوْحِيدِ، وَتَارَةً فِي النُّبُوَّاتِ، وَتَارَةً فِي الْمَعَادِ، وَتَارَةً فِي الشَّرَائِعِ بِأَحْسَنِ الْحُجَجِ وَأَكْمَلِهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا - وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٢ - ٣٣] .

стр. 172

وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ ﵎ عَنْ أُولِي الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ بِمُجَادَلَةِ الْكُفَّارِ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿قَالُوا يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا﴾ [هود: ٣٢] . وَقَالَ عَنِ الْخَلِيلِ: ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِي﴾ [الأنعام: ٨٠] . إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ [الأنعام: ٨٣] . وَأَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى مُحَمَّدًا ﷺ بِالْمُجَادَلَةِ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، وَذَمَّ سُبْحَانَهُ مَنْ جَادَلَ بِغَيْرِ عِلْمٍ، أَوْ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ، وَمَنْ جَادَلَ بِالْبَاطِلِ: ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٦] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ﴾ [الأنفال: ٦] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ [غافر: ٥] .

стр. 173

وَهَذَا هُوَ الْجِدَالُ الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِ: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [غافر: ٤] . وَإِذَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُحَاجُّ الْكُفَّارَ بَعْدَ نُزُولِ الْأَمْرِ بِالْقِتَالِ، وَقَدْ أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يُجِيرَ الْمُسْتَجِيرَ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُبْلِغُهُ مَأْمَنَهُ، وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ: تَبْلِيغُ رِسَالَاتِ اللَّهِ، وَإِقَامَةُ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ قَدْ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِتَفْسِيرِهِ لَهُ الَّذِي تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ، وَيُجَابُ بِهِ عَنِ الْمُعَارَضَةِ، وَمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ.

стр. 174

عُلِمَ بُطْلَانُ قَوْلِ مَنْ ظَنَّ أَنَّ الْأَمْرَ بِالْجِهَادِ نَاسِخٌ الْأَمْرَ بِالْمُجَادَلَةِ مُطْلَقًا. الْوَجْهُ الرَّابِعُ: إِنَّ الْقَائِلَ إِذَا قَالَ: إِنَّ آيَةَ مُجَادَلَةِ الْكُفَّارِ - أَوْ غَيْرَهَا مِمَّا يَدَّعِي نَسْخَهُ - مَنْسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ قِيلَ لَهُ: مَا تَعْنِي بِآيَةِ السَّيْفِ؟ أَتَعْنِي آيَةً بِعَيْنِهَا، أَمْ تَعْنِي كُلَّ آيَةٍ فِيهَا الْأَمْرُ بِالْجِهَادِ؟ فَإِنْ أَرَادَ الْأَوَّلَ، كَانَ جَوَابُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْآيَاتِ الَّتِي فِيهَا ذِكْرُ الْجِهَادِ مُتَعَدِّدَةٌ، فَلَا يَجُوزُ تَخْصِيصُ بَعْضِهَا. وَإِنْ قَالَ: أُرِيدُ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] . قِيلَ لَهُ: هَذِهِ فِي قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ وَقَدْ قَالَ بَعْدَهَا فِي قِتَالِ أَهْلِ الْكِتَابِ:

стр. 175

﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] . فَلَوْ لَمْ تَكُنْ آيَةُ السَّيْفِ إِلَّا وَاحِدَةً لَمْ تَكُنْ هَذِهِ أَوْلَى مِنْ هَذِهِ، وَإِنْ قَالَ: كُلَّ آيَةٍ فِيهَا ذِكْرُ الْجِهَادِ. قِيلَ لَهُ الْجِهَادُ شُرِعَ عَلَى مَرَاتِبَ، فَأَوَّلُ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ الْإِذْنَ بِقَوْلِهِ: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج: ٣٩] . فَقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ هَذِهِ أَوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ فِي الْجِهَادِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ نَزَلَ وُجُوبُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ [البقرة: ٢١٦] .

стр. 176

وَلَمْ يُؤْمَرُوا بِقِتَالِ مَنْ طَلَبَ مُسَالَمَتَهُمْ، بَلْ قَالَ: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا - إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ - أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ - وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٨٩ - ٩٠] . وَكَذَلِكَ مَنْ هَادَنَهُمْ لَمْ يَكُونُوا مَأْمُورِينَ بِقِتَالِهِ، وَإِنْ كَانَتِ الْهُدْنَةُ عَقْدًا جَائِزًا غَيْرَ لَازِمٍ. ثُمَّ أَنْزَلَ فِي (بَرَاءَةَ) الْأَمْرَ بِنَبْذِ الْعُهُودِ، وَأَمَرَهُمْ بِقِتَالِ الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً، وَأَمَرَهُمْ بِقِتَالِ أَهْلِ الْكِتَابِ إِذَا لَمْ يُسْلِمُوا حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ، وَلَمْ يُبِحْ لَهُمْ تَرْكَ قِتَالِهِمْ وَإِنْ سَالَمُوهُمْ وَهَادَنُوهُمْ هُدْنَةً مُطْلَقَةً مَعَ إِمْكَانِ جِهَادِهِمْ.

стр. 177

فَإِنْ قَالَ: آيَةُ السَّيْفِ الَّتِي نَسَخَتِ الْمُجَادَلَةَ هِيَ آيَةُ الْإِذْنِ. قِيلَ: فَآيَةُ الْإِذْنِ نَزَلَتْ فِي أَوَّلِ مَقْدَمِهِ الْمَدِينَةَ قَبْلَ أَنْ يَبْعَثَ شَيْئًا مِنَ السَّرَايَا، وَقَدْ جَادَلَ بَعْدَ هَذَا الْكُفَّارَ. وَكَذَلِكَ إِنْ قِيلَ: آيَاتُ فَرْضِ الْقِتَالِ. قِيلَ: فَقَوْلُهُ ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ [البقرة: ٢١٦] . نَزَلَتْ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ قَبْلَ بَدْرٍ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْجِهَادَ كَانَ وَاجِبًا يَوْمَ أُحُدٍ

стр. 178

وَالْخَنْدَقِ وَفَتْحِ خَيْبَرَ وَمَكَّةَ، وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ آيَاتِ فَرْضِ الْجِهَادِ فِي هَؤُلَاءِ الْمَغَازِي كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ وَالْأَحْزَابِ. وَإِنْ قِيلَ: بَلِ الْجِدَالُ إِنَّمَا نُسِخَ لَمَّا أُمِرَ بِجِهَادِ مَنْ سَالَمَ وَمَنْ لَمْ يُسَالِمْ، قِيلَ: هَذَا بَاطِلٌ، فَإِنَّ الْجِدَالَ إِنْ كَانَ مُنَافِيًا لِلْجِهَادِ، فَهُوَ مُنَافٍ لِإِبَاحَتِهِ وَلِإِيجَابِهِ وَلَوْ لِلْمُسَالِمِ، وَإِنْ لَمْ يُنَافِ الْجِهَادَ لَمْ يُنَافِ إِيجَابَ الْجِهَادِ لِلْمُسَالِمِينَ، كَمَا لَمْ يُنَافِ إِيجَابَ جِهَادِ غَيْرِهِمْ. فَإِنَّ الْمُسَالِمَ قَدْ لَا يُجَادِلُ وَلَا يُجَالِدُ، وَقَدْ يُجَادِلُ وَلَا يُجَالِدُ، كَمَا أَنَّ غَيْرَهُ قَدْ يُجَالِدُ وَيُجَادِلُ وَقَدْ يَفْعَلُ أَحَدَهُمَا.

стр. 179

فَإِنْ كَانَ إِيجَابُهُ لِجِهَادِ الْمُحَارِبِ الْمُبْتَدِئِ بِالْقِتَالِ لَا يُنَافِي مُجَادَلَتَهُ، فَلَأَنْ يَكُونَ جِهَادُ مَنْ لَا يَبْدَأُ الْقِتَالَ لَا يُنَافِي مُجَادَلَتَهُ أَوْلَى وَأَحْرَى، فَإِنَّ مَنْ كَانَ أَبْعَدَ عَنِ الْقِتَالِ كَانَتْ مُجَادَلَتُهُ أَقَلَّ مُنَافَاةً لِلْقِتَالِ مِمَّنْ يَكُونُ أَعْظَمَ قِتَالًا. يُبَيِّنُ هَذَا: الْوَجْهُ الْخَامِسُ: وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: الْمَنْسُوخُ هُوَ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْجِدَالِ، فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ مَأْمُورًا أَنْ يُجَاهِدَ الْكُفَّارَ بِلِسَانِهِ لَا بِيَدِهِ، فَيَدْعُوهُمْ وَيَعِظُهُمْ وَيُجَادِلُهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ وَيُجَاهِدُهُمْ بِالْقُرْآنِ جِهَادًا كَبِيرًا، قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْفُرْقَانِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا - فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥١ - ٥٢] . وَكَانَ مَأْمُورًا بِالْكَفِّ عَنْ قِتَالِهِمْ لِعَجْزِهِ وَعَجْزِ الْمُسْلِمِينَ عَنْ ذَلِكَ، ثُمَّ لَمَّا هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَصَارَ لَهُ بِهَا أَعْوَانٌ أُذِنَ لَهُ فِي الْجِهَادِ، ثُمَّ لَمَّا قَوَوْا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ وَلَمْ يُكْتَبْ عَلَيْهِمْ قِتَالُ مَنْ سَالَمَهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَطِيقُونَ قِتَالَ جَمِيعِ الْكُفَّارِ. فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ مَكَّةَ وَانْقَطَعَ قِتَالُ قُرَيْشٍ مُلُوكِ الْعَرَبِ، وَوَفَدَتْ إِلَيْهِ وُفُودُ الْعَرَبِ بِالْإِسْلَامِ أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِقِتَالِ الْكُفَّارِ كُلِّهِمْ إِلَّا مَنْ كَانَ لَهُ عَهْدٌ مُؤَقَّتٌ، وَأَمَرَهُ بِنَبْذِ الْعُهُودِ الْمُطْلَقَةِ، فَكَانَ الَّذِي رَفَعَهُ وَنَسَخَهُ تَرْكَ الْقِتَالِ. وَأَمَّا مُجَاهَدَةُ الْكُفَّارِ بِاللِّسَانِ، فَمَا زَالَ مَشْرُوعًا مِنْ أَوَّلِ الْأَمْرِ إِلَى آخِرِهِ،

стр. 180

فَإِنَّهُ إِذَا شَرَعَ جِهَادَهُمْ بِالْيَدِ، فَبِاللِّسَانِ أَوْلَى، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «جَاهِدُوا الْمُشْرِكِينَ بِأَيْدِيكُمْ وَأَلْسِنَتِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ» . وَكَانَ يَنْصِبُ لِحَسَّانَ مِنْبَرًا فِي مَسْجِدِهِ يُجَاهِدُ فِيهِ الْمُشْرِكِينَ بِلِسَانِهِ جِهَادَ هَجْوٍ، وَهَذَا كَانَ بَعْدَ نُزُولِ آيَاتِ الْقِتَالِ، وَأَيْنَ مَنْفَعَةُ الْهَجْوِ مِنْ مَنْفَعَةِ إِقَامَةِ الدَّلَائِلِ وَالْبَرَاهِينِ عَلَى صِحَّةِ الْإِسْلَامِ، وَإِبْطَالِ حُجَجِ الْكُفَّارِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ؟ الْوَجْهُ السَّادِسُ: أَنَّهُ مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْقِتَالَ إِنَّمَا شُرِعَ لِلضَّرُورَةِ، وَلَوْ أَنَّ النَّاسَ آمَنُوا بِالْبُرْهَانِ وَالْآيَاتِ لَمَا احْتِيجَ إِلَى الْقِتَالِ، فَبَيَانُ آيَاتِ الْإِسْلَامِ وَبَرَاهِينُهُ وَاجِبٌ مُطْلَقًا وُجُوبًا أَصْلِيًّا. وَأَمَّا الْجِهَادُ: فَمَشْرُوعٌ لِلضَّرُورَةِ، فَكَيْفَ يَكُونُ هَذَا مَانِعًا مِنْ ذَلِكَ؟ فَإِنْ قِيلَ: الْإِسْلَامُ قَدْ ظَهَرَتْ أَعْلَامُهُ وَآيَاتُهُ فَلَمْ يَبْقَ حَاجَةٌ إِلَى
следующие страницы →