Полный текст (2 831 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
إِلَى زَمَنِنَا مَعَ كَثْرَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَانْتِشَارِهِمْ فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا، كَمَا أَخْبَرَ بِذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ، فَقَالَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «زُوِيَتْ لِي الْأَرْضُ، فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَسَيَبْلُغُ مُلْكُ أُمَّتِي مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا» ، وَكَانَ كَمَا أَخْبَرَ، فَبَلَغَ مُلْكُ أُمَّتِهِ طَرَفَيِ الْعِمَارَةِ شَرْقًا وَغَرْبًا، وَانْتَشَرَتْ دَعْوَتُهُ فِي وَسَطِ الْأَرْضِ، كَالْإِقْلِيمِ الثَّالِثِ وَالرَّابِعِ وَالْخَامِسِ ; لِأَنَّهُمْ أَكْمَلُ عُقُولًا، وَأَخْلَاقًا، وَأَعْدَلُ أَمْزِجَةً، بِخِلَافِ طَرَفَيِ الْجَنُوبِ وَالشَّمَالِ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ نَقَصَتْ عُقُولُهُمْ وَأَخْلَاقُهُمْ، وَانْحَرَفَتْ أَمْزِجَتُهُمْ.
أَمَّا طَرَفُ الْجَنُوبِ، فَإِنَّهُ لِقُوَّةِ الْحَرَارَةِ احْتَرَقَتْ أَخْلَاطُهُمْ، فَاسْوَدَّتْ أَلْوَانُهُمْ، وَتَجَعَّدَتْ شُعُورُهُمْ.
стр. 107
وَأَمَّا أَهْلُ طَرَفِ الشَّمَالِ فَلِقُوَّةِ الْبَرْدِ لَمْ تَنْضَجْ أَخْلَاطُهُمْ، بَلْ صَارَتْ فَجَّةً، فَأَفْرَطُوا فِي سُبُوطَةِ الشَّعْرِ وَالْبَيَاضِ الْبَارِدِ الَّذِي لَا يُسْتَحْسَنُ.
وَلِهَذَا لَمَّا ظَهَرَ الْإِسْلَامُ غَلَبَ أَهْلُهُ عَلَى وَسَطِ الْمَعْمُورَةِ، وَهُمْ أَعْدَلُ بَنِي آدَمَ وَأَكْمَلُهُمْ، وَالنَّصَارَى الَّذِينَ تَرَبَّوْا تَحْتَ ذِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ أَكْمَلُ مِنْ غَيْرِهِمْ مِنَ النَّصَارَى عُقُولًا وَأَخْلَاقًا، وَأَمَّا النَّصَارَى الْمُحَارِبُونَ لِلْمُسْلِمِينَ الْخَارِجُونَ عَنْ ذِمَّتِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْجَنُوبِ وَالشَّمَالِ، فَهُمْ أَنْقَصُ عُقُولًا وَأَخْلَاقًا، وَلِمَا فِيهِمْ مِنْ نَقْصِ الْعُقُولِ وَالْأَخْلَاقِ ظَهَرَتْ فِيهِمُ النَّصْرَانِيَّةُ دُونَ الْإِسْلَامِ.
[تَوْجِيهُ الدَّعْوَةِ مِنَ الرَّسُولِ إِلَى أَهْلِ الْكِتَابِ وَغَيْرِهِمْ]
وَالْمَقْصُودُ: أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ هُوَ نَفْسُهُ دَعَا أَهْلَ الْكِتَابِ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى إِلَى الْإِيْمَانِ بِهِ، وَبِمَا جَاءَ بِهِ، كَمَا دَعَا مَنْ لَا كِتَابَ لَهُ مِنَ الْعَرَبِ وَسَائِرِ الْأُمَمِ.
стр. 108
وَهُوَ الَّذِي أَخْبَرَ عَنِ اللَّهِ ﵎ بِكُفْرِ مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِهِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَغَيْرِهِمْ، وَبِأَنَّهُمْ يَصْلَوْنَ جَهَنَّمَ، وَسَاءَتْ مَصِيرًا، وَهُوَ الَّذِي أَمَرَ بِجِهَادِهِمْ، وَدَعَاهُمْ بِنَفْسِهِ وَنُوَّابِهِ، وَحِينَئِذٍ فَقَوْلُهُمْ فِي الْكِتَابِ لَمْ يَأْتِ إِلَيْنَا بَلْ إِلَى الْجَاهِلِيَّةِ مِنَ الْعَرَبِ سَوَاءٌ أَرَادُوا أَنَّ اللَّهَ بَعَثَهُ إِلَى الْعَرَبِ، وَلَمْ يَبْعَثْهُ إِلَيْنَا، أَوْ أَرَادُوا أَنَّهُ ادَّعَى أَنَّهُ أُرْسِلَ إِلَى الْعَرَبِ لَا إِلَيْنَا ; فَإِنَّهُ قَدْ عَلِمَ جَمِيعُ الطَّوَائِفِ أَنَّ مُحَمَّدًا دَعَا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى إِلَى الْإِيْمَانِ بِهِ، وَذَكَرَ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ إِلَيْهِمْ وَأَمَرَهُ بِجِهَادِ مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِهِ مِنْهُمْ فَإِذَا قِيلَ مَعَ هَذَا أَنَّهُ قَالَ: لَمْ أُبْعَثْ إِلَّا إِلَى الْعَرَبِ، كَانَ كَاذِبًا كَذِبًا ظَاهِرًا عَلَيْهِ سَوَاءٌ صَدَّقَهُ الْإِنْسَانُ أَوْ كَذَّبَهُ، فَإِنَّ الْمَقْصُودَ هُنَا أَنَّهُ نَفْسَهُ دَعَا جَمِيعَ أَهْلِ الْأَرْضِ إِلَى الْإِيْمَانِ بِهِ، فَدَعَا أَهْلَ الْكِتَابِ كَمَا دَعَا الْأُمِّيِّينَ.
أَمَّا الْيَهُودُ: فَإِنَّهُمْ كَانُوا جِيرَانَهُ فِي الْحِجَازِ بِالْمَدِينَةِ، وَمَا حَوْلَهَا، وَخَيْبَرَ، فَإِنَّ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارَ كُلَّهُمْ آمَنُوا بِهِ مِنْ غَيْرِ سَيْفٍ وَلَا قِتَالٍ، بَلْ لَمَّا ظَهَرَ لَهُمْ مِنْ بَرَاهِينِ نُبُوَّتِهِ، وَدَلَائِلِ صِدْقِهِ آمَنُوا بِهِ، وَقَدْ حَصَلَ مِنَ الْأَذَى فِي اللَّهِ لِمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ مَا هُوَ مَعْرُوفٌ فِي السِّيرَةِ، وَقَدْ آمَنَ بِهِ فِي حَيَاتِهِ كَثِيرٌ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى بَعْضُهُمْ بِمَكَّةَ وَبَعْضُهُمْ بِالْمَدِينَةِ وَكَثِيرٌ
стр. 109
مِنْهُمْ كَانُوا بِغَيْرِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ عَاهَدَ مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِهِ مِنَ الْيَهُودِ، ثُمَّ نَقَضُوا الْعَهْدَ، فَأَجْلَى بَعْضَهُمْ، وَقَتَلَ بَعْضَهُمْ ; لِمُحَارَبَتِهِمْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ.
وَقَدْ قَاتَلَهُمْ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ قَاتَلَ بَنِي النَّضِيرِ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ سُورَةَ الْحَشْرِ، وَقَاتَلَ قُرَيْظَةَ عَامَ الْأَحْزَابِ، وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِي سُورَةِ الْأَحْزَابِ، وَقَاتَلَ قَبْلَهُمْ بَنِي قَيْنُقَاعَ، وَبَعْدَ هَؤُلَاءِ
стр. 110
غَزَا خَيْبَرَ هُوَ وَأَهْلُ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ، الَّذِينَ بَايَعُوهُ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، وَكَانُوا أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ، فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ خَيْبَرَ، وَأَقَرَّ الْيَهُودَ فِيهَا فَلَّاحِينَ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى سُورَةَ الْفَتْحِ يَذْكُرُ فِيهَا ذَلِكَ فَكَيْفَ يُقَالُ: إِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ أُرْسِلَ إِلَّا إِلَى مُشْرِكِي الْعَرَبِ وَهَذِهِ حَالُ الْيَهُودِ مَعَهُ؟
стр. 111
[قُدُومُ الْوُفُودِ عَلَى الرَّسُولِ دَلِيلٌ عَلَى عُمُومِ رِسَالَتِهِ]
وَأَمَّا النَّصَارَى فَإِنَّ أَهْلَ نَجْرَانَ الَّتِي بِالْيَمَنِ كَانُوا نَصَارَى، فَقَدِمَ عَلَيْهِ وَفْدُهُمْ سِتُّونَ رَاكِبًا وَنَاظَرَهُمْ فِي مَسْجِدِهِ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ صَدْرَ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ، وَلَمَّا ظَهَرَتْ حُجَّتُهُ عَلَيْهِمْ، وَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْهِمْ، أَمَرَهُ اللَّهُ إِنْ لَمْ يُجِيبُوهُ أَنْ يَدْعُوَهُمْ إِلَى الْمُبَاهَلَةِ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران: ٦١] .
فَلَمَّا دَعَاهُمْ إِلَى الْمُبَاهَلَةِ طَالَبُوا أَنْ يُمْهِلَهُمْ حَتَّى يَشْتَوِرُوا
стр. 112
فَاشْتَوَرُوا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: تَعْلَمُونَ أَنَّهُ نَبِيٌّ، وَأَنَّهُ مَا بَاهَلَ قَوْمٌ نَبِيًّا إِلَّا نَزَلَ بِهِمُ الْعَذَابُ.
فَاسْتَعْفَوْا مِنَ الْمُبَاهَلَةِ، فَصَالَحُوهُ، وَأَقَرُّوا لَهُ بِالْجِزْيَةِ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ، لَمَّا خَافُوا مِنْ دُعَائِهِ عَلَيْهِمْ، لِعِلْمِهِمْ أَنَّهُ نَبِيٌّ، فَدَخَلُوا تَحْتَ حُكْمِهِ، كَمَا يَدْخُلُ أَهْلُ الذِّمَّةِ الَّذِينَ فِي بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ تَحْتَ حُكْمِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَأَدَّوْا إِلَيْهِ الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ، وَهُمْ أَوَّلُ مَنْ أَدَّى الْجِزْيَةَ مِنَ النَّصَارَى.
وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ وَعَلَى مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ عَمْرَو بْنَ حَزْمٍ الْأَنْصَارِيَّ، وَكَتَبَ لَهُ كِتَابًا مَشْهُورًا، يَذْكُرُ فِيهِ شَرَائِعَ الدِّينِ، فَكَانُوا فِي ذِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ تَحْتَ حُكْمِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَنَائِبِ رَسُولِهِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ الْأَنْصَارِيِّ، ﵁، وَقِصَّتُهُمْ مَشْهُورَةٌ مُتَوَاتِرَةٌ، نَقَلَهَا أَهْلُ السِّيَرِ،
стр. 113
وَأَهْلُ الْحَدِيثِ، وَأَهْلُ الْفِقْهِ، وَأَصْلُ حَدِيثِهِمْ مَعْرُوفٌ فِي الصِّحَاحِ، وَالسُّنَنِ، كَمَا سَنَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَوَفْدُ نَجْرَانَ لَمَّا قَدِمُوا أَنْزَلَ اللَّهُ ﵎ بِسَبَبِ مَا جَرَى صَدْرَ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ، وَذَكَرَ تَعَالَى فَرْضَ الْحَجِّ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] .
وَهَذَا نَزَلَ إِمَّا سَنَةَ تِسْعٍ وَإِمَّا سَنَةَ عَشْرٍ، كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ، مِنْهُمُ: الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى، وَغَيْرُهُ.
قَالُوا وُجُوبُ الْحَجِّ ثَبَتَ بِقَوْلِهِ ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] .
стр. 114
وَرُوِيَ أَنَّهُ نَزَلَ فِي سَنَةِ عَشْرٍ، وَرُوِيَ أَنَّهُ نَزَلَ فِي سَنَةِ تِسْعٍ، وَهَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ.
قَالُوا إِنَّ فَرْضَ الْحَجِّ، إِنَّمَا ثَبَتَ بِهَذِهِ الْآيَةِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ بَلْ ثَبَتَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] .
وَهَذِهِ الْآيَةُ نَزَلَتْ سَنَةَ سِتٍّ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ، لَمَّا صَدَّ الْمُشْرِكُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْبَيْتِ، وَصَالَحَهُمْ ذَلِكَ الْعَامَ، وَبَايَعَ الْمُسْلِمِينَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهَا سُورَةَ الْفَتْحِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ خَيْبَرَ سَنَةَ سَبْعٍ، وَفِيهَا قَدِمَ عَلَيْهِ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ مَعَ وَفْدِ الْحَبَشَةِ، ثُمَّ أَرْسَلَ جَعْفَرًا،
стр. 115
وَزَيْدًا وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ لِغَزْوِ النَّصَارَى لِمُؤْتَةَ، ثُمَّ فَتَحَ مَكَّةَ سَنَةَ ثَمَانٍ فِي رَمَضَانَ، ثُمَّ فِي أَثْنَاءِ سَنَةِ تِسْعٍ غَزَا النَّصَارَى إِلَى تَبُوكَ، وَفِيهَا حَجَّ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁، وَأَمَرَ أَنْ لَا يَحُجَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ.
стр. 116
وَأَرْدَفَهُ بِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ لِنَبْذِ الْعُهُودِ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ السَّيْفِ الْمُطْلَقَةَ بِجِهَادِ الْمُشْرِكِينَ وَجِهَادِ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥] .
стр. 117
وَهَذِهِ الْأَشْهُرُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ هِيَ الْمَذْكُورَةُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ﴾ [التوبة: ٢] .
فَإِنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا عَلَى نَوْعَيْنِ: نَوْعًا لَهُمْ عَهْدٌ مُطْلَقٌ غَيْرُ مُؤَقَّتٍ، وَهُوَ عَقْدٌ جَائِزٌ غَيْرُ لَازِمٍ، وَنَوْعًا لَهُمْ عَهْدٌ مُؤَقَّتٌ، فَأَمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ أَنْ يَنْبِذَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ أَهْلِ الْعَهْدِ الْمُطْلَقِ ; لِأَنَّ هَذَا الْعَهْدَ جَائِزٌ غَيْرُ لَازِمٍ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُسَيِّرَهُمْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، وَمَنْ كَانَ لَهُ عَهْدٌ مُؤَقَّتٌ فَهُوَ عَهْدٌ لَازِمٌ، فَأَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يُوَفِّيَ لَهُ إِذَا كَانَ مُؤَقَّتًا، وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ
стр. 118
إِلَى أَنَّ الْهُدْنَةَ لَا تَجُوزُ إِلَّا مُؤَقَّتَةً، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَفْسَخَ الْهُدْنَةَ مَعَ قِيَامِهِمْ بِالْوَاجِبِ، وَالصَّوَابُ هُوَ الْقَوْلُ الثَّالِثُ، وَهُوَ أَنَّهَا تَجُوزُ مُطْلَقَةً وَمُؤَقَّتَةً.
فَأَمَّا الْمُطْلَقَةُ فَجَائِزَةٌ غَيْرُ لَازِمَةٍ، يُخَيَّرُ بَيْنَ إِمْضَائِهَا وَبَيْنَ نَقْضِهَا. وَالْمُؤَقَّتَةُ لَازِمَةٌ.
стр. 119
قَالَ تَعَالَى: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ - فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ - وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ - إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ - فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ - وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ - كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ - كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ - اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ - لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ - فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ - وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ - أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١ - ١٣] .
وَالْمَقْصُودُ هُنَا ذِكْرُ قُدُومِ وَفْدِ نَجْرَانَ النَّصَارَى: السَّيِّدِ وَالْعَاقِبِ وَمَنْ مَعَهُمَا.
قَالَ أَبُو الْفَرَجِ بْنُ الْجَوْزِيِّ: ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ عَشْرٍ مِنَ الْهِجْرَةِ
стр. 120
فَمِنَ الْحَوَادِثِ فِيهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى بَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ فَرَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَالِدًا فِي رَبِيعٍ الْآخَرِ أَوْ جُمَادَى الْأَوَّلِ فِي سَنَةِ عَشْرٍ إِلَى بَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ بِنَجْرَانَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْعُوَهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ قَبْلَ أَنْ يُقَاتِلَهُمْ، وَذَكَرَ الْقِصَّةَ، ثُمَّ قَالَ: وَفِيهَا قَدِمَ وَفْدُ الْأَزْدِ وَفِيهَا قَدِمَ
стр. 121
وَفْدُ غَسَّانَ وَفِيهَا قَدِمَ وَفْدُ زُبَيْدٍ، وَفِيهَا قَدِمَ وَفْدُ عَبْدِ الْقَيْسِ، قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْجَارُودُ بْنُ عَمْرٍو فِي وَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ، وَكَانَ نَصْرَانِيًّا فَأَسْلَمُوا، وَفِيهَا قَدِمَ وَفْدُ
стр. 122
كِنْدَةَ فَأَسْلَمُوا، وَفِيهَا قَدِمَ وَفْدُ بَنِي حَنِيفَةَ، وَفِيهَا قَدِمَ وَفْدُ بَجِيلَةَ، قَالَ: وَفِيهَا قَدِمَ الْعَاقِبُ وَالسَّيِّدُ مِنْ نَجْرَانَ، فَكَتَبَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كِتَابَ صُلْحٍ.
وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ قُدُومَهُمْ فِي
стр. 123
الْوُفُودِ فَقَالَ: ذِكْرُ بَعْثِ النَّبِيِّ ﷺ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ عَشْرٍ إِلَى بَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ ذَكَرَهُ بِإِسْنَادِهِ، أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى الْمَخْزُومِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِكْرِمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِيهِ، ثُمَّ ذَكَرَ قُدُومَ نَصَارَى نَجْرَانَ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ، فَقَالَ: أَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْمَدَائِنِيُّ، عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ
стр. 124
رُومَانَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: وَأَنَا عَلِيُّ بْنُ مُجَاهِدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَعِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ، وَعَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، أَنَا يَزِيدُ بْنُ عَايِضِ بْنِ جُعْدُبَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
стр. 125
أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ، وَعَنْ غَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَزِيدُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ قَالُوا: وَوَفْدُ فُلَانٍ وَفُلَانٍ فِي رِجَالٍ مِنْ خَثْعَمَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَمَا هَدَمَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ ذَا الْخَلَصَةِ، وَقَتَلَ مَنْ قَتَلَ مِنْ خَثْعَمَ، فَقَالُوا: آمَنَّا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ
стр. 126
فَاكْتُبْ لَنَا كِتَابًا. وَذَكَرُوا الْقِصَّةَ، وَقُدُومَ وُفُودٍ مُتَعَدِّدَةٍ.
قَالُوا: وَقَدِمَ وَفْدُ نَجْرَانَ وَكَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى أَهْلِ نَجْرَانَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ مِنْ أَشْرَافِهِمْ نَصَارَى وَفِيهِمْ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ يَتَوَلَّوْنَ أُمُورَهُمْ: الْعَاقِبُ، وَاسْمُهُ عَبْدُ الْمَسِيحِ رَجُلٌ مِنْ كِنْدَةَ وَهُوَ أَمِيرُهُمْ وَصَاحِبُ مَشُورَتِهِمْ وَالَّذِي يَصْدُرُونَ عَنْ رَأْيِهِ، وَأَبُو الْحَارِثِ أُسْقُفُّهُمْ وَإِمَامُهُمْ، وَصَاحِبُ مَدْرَاسِهِمْ، وَالسَّيِّدُ وَهُوَ صَاحِبُ رِحْلَتِهِمْ فَدَخَلُوا
стр. 127
الْمَسْجِدَ وَعَلَيْهِمْ ثِيَابُ الْحِبَرَةِ، وَأَرْدِيَةٌ مَكْفُوفَةٌ بِالْحَرِيرِ، فَقَامُوا
стр. 128
يُصَلُّونَ فِي الْمَسْجِدِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : دَعُوهُمْ، ثُمَّ أَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ فَأَعْرَضَ عَنْهُمْ فَلَمْ يُكَلِّمْهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ عُثْمَانُ: ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ زِيِّكُمْ هَذَا فَانْصَرَفُوا يَوْمَهُمْ ذَلِكَ، ثُمَّ غَدَوْا عَلَيْهِ بِزِيِّ الرُّهْبَانِ فَسَلَّمُوا عَلَيْهِ فَرَدَّ عَلَيْهِمْ وَدَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ فَأَبَوْا وَكَثُرَ الْكَلَامُ، وَالْحِجَاجُ بَيْنَهُمْ وَتَلَا عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، إِنْ أَنْكَرْتُمْ مَا أَقُولُ فَهَلُمَّ أُبَاهِلْكُمْ. فَانْصَرَفُوا عَلَى ذَلِكَ، فَغَدَا عَبْدُ الْمَسِيحِ وَرَجُلَانِ مِنْ ذَوِي رَأْيِهِمْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالُوا: قَدْ بَدَا لَنَا أَنْ لَا نُبَاهِلَكَ، فَاحْكُمْ عَلَيْنَا بِمَا أَحْبَبْتَ نُعْطِكَ وَنُصَالِحْكَ. فَصَالَحَهُمْ عَلَى أَلْفَيْ حُلَّةٍ فِي رَجَبٍ، وَأَلْفٍ فِي صَفَرٍ، أَوْ قِيمَةِ كُلِّ حُلَّةٍ مِنَ الْأَوَاقِي، وَعَلَى عَارِيَّةٍ ثَلَاثِينَ دِرْعًا وَثَلَاثِينَ رُمْحًا، وَثَلَاثِينَ بَعِيرًا، وَثَلَاثِينَ فَرَسًا إِنْ كَانَ بِالْيَمَنِ كَيْدٌ. وَلِنَجْرَانَ وَحَاشِيَتِهِمْ جِوَارُ اللَّهِ وَذِمَّةُ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَمِلَّتِهِمْ، وَأَرْضِهِمْ، وَأَمْوَالِهِمْ، وَغَائِبِهِمْ، وَشَاهِدِهِمْ، وَبِيَعِهِمْ، لَا يُغَيَّرُ أُسْقُفٌّ مِنْ سِقِّيفَاهُ، وَلَا رَاهِبٌ مِنْ رَهْبَانِيَّتِهِ، وَلَا وَاقِفٌ مِنْ وَقْفَانِيَّتِهِ، وَأَشْهَدَ عَلَى ذَلِكَ شُهُودًا مِنْهُمْ
стр. 129
أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، وَالْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ، وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، فَرَجَعُوا إِلَى بِلَادِهِمْ، فَلَمْ يَلْبَثِ السَّيِّدُ وَالْعَاقِبُ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى رَجَعَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَسْلَمَا وَأَنْزَلَهُمَا دَارَ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ، وَأَقَامَ أَهْلُ نَجْرَانَ عَلَى مَا كَتَبَ لَهُمْ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ
стр. 130
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَرَحْمَتُهُ وَرِضْوَانُهُ.
ثُمَّ وُلِّيَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ فَكَتَبَ بِالْوَصَاةِ بِهِمْ عِنْدَ وَفَاتِهِ، ثُمَّ أَصَابُوا رِبًا فَأَخْرَجَهُمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مِنْ أَرْضِهِمْ، وَكَتَبَ لَهُمْ هَذَا مَا كَتَبَ عُمَرُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ لِنَجْرَانَ، أَنَّهُ مَنْ سَارَ مِنْهُمْ أَنَّهُ آمَنَ بِأَمَانِ اللَّهِ، لَا يَضُرُّهُمْ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَوَفَّى لَهُمْ بِمَا كَتَبَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ: أَمَّا بَعْدُ، فَمَنْ وَقَعُوا بِهِ مِنْ أُمَرَاءِ الشَّامِ وَأُمَرَاءِ الْعِرَاقِ فَلْيُوسِعْهُمْ مِنْ جَرِيبِ الْأَرْضِ فَمَا اعْتَمَلُوا مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ لَهُمْ صَدَقَةٌ، وَعَقَبَةٌ لَهُمْ فَكَانَ أَرْضُهُمْ لَا سَبِيلَ عَلَيْهِمْ فِيهِ لِأَحَدٍ وَلَا مُغْرِمٍ.
стр. 131
أَمَّا بَعْدُ فَمَنْ حَضَرَهُمْ مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ فَلْيَنْصُرْهُمْ عَلَى مَنْ ظَلَمَهُمْ ; فَإِنَّهُمْ أَقْوَامٌ لَهُمُ الذِّمَّةُ، وَجِزْيَتُهُمْ عَنْهُمْ مَتْرُوكَةٌ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ شَهْرًا بَعْدَ أَنْ يَقْدَمُوا، وَلَا يُكَلَّفُوا إِلَّا مِنْ ضَيْعَتِهِمُ الَّتِي اعْتَمَلُوا غَيْرَ مَظْلُومِينَ وَلَا مَعْنُوفٍ عَلَيْهِمْ. شَهِدَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ﵁، وَمُعَيْقِيبُ بْنُ أَبِي فَاطِمَةَ، فَوَقَعَ نَاسٌ مِنْهُمُ الْعِرَاقَ، فَنَزَلُوا النَّجْرَانِيَّةَ الَّتِي بِنَاحِيَةِ الْكُوفَةِ.
стр. 132
وَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ سَعْدٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَدَائِنِيِّ، عَنْ أَشْيَاخِهِ فِي حَدِيثِ وَفْدِ نَجْرَانَ، فَهُوَ يُوَافِقُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ، فَإِنَّ قَوْلَهُ أَرْبَعَةَ عَشَرَ مِنْ أَشْرَافِهِمْ يُوَافِقُ قَوْلَ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بنِ جَعْفَرٍ قَالَ:
قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَفْدُ نَجْرَانَ سِتُّونَ رَاكِبًا فِيهِمْ أَرْبَعَةَ عَشَرَ مِنْ أَشْرَافِهِمْ فِي الْأَرْبَعَةَ عَشَرَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ، إِلَيْهِمْ يَئُولُ أَمْرُهُمُ الْعَاقِبُ أَمِيرُ الْقَوْمِ، وَذُو رَأْيِهِمْ، وَصَاحِبُ مَشُورَتِهِمْ، وَالَّذِي لَا يَصْدُرُونَ إِلَّا عَنْ رَأْيِهِ وَاسْمُهُ عَبْدُ الْمَسِيحِ وَالسَّيِّدُ ثَمَّالُهُمْ، وَصَاحِبُ رَحْلِهِمْ وَنَجْعَتِهِمْ، وَاسْمُهُ الْأَيْهَمُ، وَأَبُو حَارِثَةَ بْنُ عَلْقَمَةَ أَخُو بَنِي بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ أُسْقُفُّهُمْ، وَحَبْرُهُمْ، وَإِمَامُهُمْ وَصَاحِبُ مَدْرَاسِهِمْ، وَكَانَ أَبُو حَارِثَةَ قَدْ شَرُفَ فِيهِمْ وَدَرَسَ كُتُبَهُمْ حَتَّى حَسُنَ عِلْمُهُ فِي دِينِهِمْ، فَكَانَتْ مُلُوكُ الرُّومِ مِنْ أَهْلِ النَّصْرَانِيَّةِ قَدْ شَرَّفُوهُ، وَمَوَّلُوهُ، وَأَخْدَمُوهُ، وَبَنَوْا لَهُ الْكَنَائِسَ، وَبَسَطُوا لَهُ الْكَرَامَاتِ لِمَا بَلَغَهُمْ عَنْهُ مِنْ عِلْمِهِ وَاجْتِهَادِهِ فِي دِينِهِمْ، فَلَمَّا وَجَّهُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ نَجْرَانَ جَلَسَ
стр. 133
أَبُو حَارِثَةَ عَلَى بَغْلَةٍ لَهُ مُوَجِّهًا وَإِلَى جَنْبِهِ أَخٌ لَهُ يُقَالُ لَهُ كُرْزُ بْنُ عَلْقَمَةَ، فَعَثَرَتْ بَغْلَةُ أَبِي حَارِثَةَ، فَقَالَ كُرْزٌ: تَعِسَ الْأَبْعَدُ، يُرِيدُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ لَهُ أَبُو حَارِثَةَ: بَلْ أَنْتَ تَعِسْتَ، فَقَالَ، لِمَ يَا أَخِي؟ قَالَ وَاللَّهِ إِنَّهُ لَلنَّبِيُّ الَّذِي كُنَّا نَنْتَظِرُهُ، فَقَالَ لَهُ كُرْزٌ: فَمَا مَنْعَكَ مِنْهُ وَأَنْتَ تَعْلَمُ هَذَا؟ قَالَ: مَا صَنَعَ بِنَا هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ شَرَّفُونَا، وَمَوَّلُونَا، وَأَكْرَمُونَا، وَقَدْ أَبَوْا إِلَّا خِلَافَهُ، فَلَوْ فَعَلْتُ نَزَعُوا مِنَّا كُلَّ مَا تَرَى فَأَضْمَرَ عَلَيْهَا مِنْهُ أَخُوهُ كُرْزُ بْنُ عَلْقَمَةَ حَتَّى أَسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ وَهُوَ كَانَ يُحَدِّثُ عَنْهُ هَذَا الْحَدِيثَ فِيمَا بَلَغَنِي.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَبَلَغَنِي أَنَّ رُؤَسَاءَ نَجْرَانَ كَانُوا يَتَوَارَثُونَ كِتَابًا عِنْدَهُمْ فَكُلَّمَا مَاتَ
стр. 134
رَئِيسٌ مِنْهُمْ فَأَفْضَتِ الرِّيَاسَةُ إِلَى غَيْرِهِ، خَتَمَ عَلَى تِلْكَ الْكُتُبِ خَاتَمًا مَعَ الْخَوَاتِمِ الَّتِي قَبْلَهُ وَلَمْ يَكْسِرْهَا، فَخَرَجَ الرَّئِيسُ الَّذِي كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَمْشِي، فَعَثَرَ فَقَالَ ابْنُهُ: تَعِسَ الْأَبْعَدُ، يُرِيدُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ لَهُ أَبُوهُ: لَا تَفْعَلْ ; فَإِنَّهُ نَبِيٌّ وَاسْمُهُ فِي الْوَضَائِعِ، يَعْنِي الْكُتُبَ.
فَلَمَّا مَاتَ لَمْ تَكُنْ لِابْنِهِ هِمَّةٌ إِلَّا أَنْ شَدَّ فَكَسَرَ الْخَوَاتِمَ، فَوَجَدَ فِيهَا ذِكْرَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَأَسْلَمَ فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ، وَحَجَّ وَهُوَ يَقُولُ:
إِلَيْك تَغْدُو قَلِقًا وَضِينُهَا ... مُعْتَرِضًا فِي بَطْنِهَا جَنِينُهَا
مُخَالِفًا لِدِينِ النَّصَارَى دِينُهَا
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ مَسْجِدَهُ حِينَ صَلَّى الْعَصْرَ عَلَيْهِمْ ثِيَابُ الْحِبَرَاتِ جُبَبٌ، وَأَرْدِيَةٌ فِي جِمَالِ رِجَالِ بَنِي
стр. 135
الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: يَقُولُ بَعْضُ مَنْ رَآهُمْ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَئِذٍ: مَا رَأَيْنَا بَعْدَهُمْ وَفْدًا مِثْلَهُمْ، وَقَدْ حَانَتْ صَلَاتُهُمْ، فَقَامُوا فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: دَعُوهُمْ، فَصَلَّوْا إِلَى الْمَشْرِقِ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَكَانَ تَسْمِيَةُ الْأَرْبَعَةَ عَشَرَ الَّذِينَ يَئُولُ إِلَيْهِمْ أَمْرُهُمْ: الْعَاقِبُ وَهُوَ عَبْدُ الْمَسِيحِ، وَالسَّيِّدُ وَهُوَ الْأَيْهَمُ، وَأَبُو حَارِثَةَ بْنُ عَلْقَمَةَ أَخُو بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، وَأَوْسٌ، وَالْحَارِثُ، وَزَيْدٌ، وَقَيْسٌ، وَيَزِيدُ، وَنُبَيْهٌ، وَخُوَيْلِدٌ، وَعُمَرُ، وَخَالِدٌ، وَعَبْدُ اللَّهِ، وَيُحَنَّسُ فِي سِتِّينَ رَاكِبًا، فَكَلَّمَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنْهُمْ أَبُو حَارِثَةَ بْنُ عَلْقَمَةَ، وَالْعَاقِبُ عَبْدُ الْمَسِيحِ، وَالْأَيْهَمُ السَّيِّدُ، وَهُمْ مِنَ النَّصْرَانِيَّةِ عَلَى دِينِ الْمَلِكِ مَعَ اخْتِلَافِهِمْ مِنْ أَمْرِهِمْ يَقُولُونَ هُوَ اللَّهُ، وَيَقُولُونَ هُوَ وَلَدُ اللَّهِ، وَيَقُولُونَ هُوَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ، وَكَذَلِكَ قَوْلُ النَّصْرَانِيَّةِ.
فَهُمْ يَحْتَجُّونَ فِي قَوْلِهِمْ: هُوَ اللَّهُ، بِأَنَّهُ كَانَ يُحْيِي الْمَوْتَى، وَيُبْرِئُ الْأَسْقَامَ، وَيُخْبِرُ بِالْغُيُوبِ، وَيَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ، ثُمَّ يَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَائِرًا، وَذَلِكَ كُلُّهُ بِأَمْرِ اللَّهِ وَلِيَجْعَلَهُ آيَةَ النَّاسِ.
وَيَحْتَجُّونَ فِي قَوْلِهِمْ: إِنَّهُ وَلَدُ اللَّهِ، فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَبٌ
стр. 136
يُعْلَمُ، وَقَدْ تَكَلَّمَ فِي الْمَهْدِ، وَهَذَا شَيْءٌ لَمْ يَصْنَعْهُ أَحَدٌ مِنْ وَلَدِ آدَمَ.
وَيَحْتَجُّونَ فِي قَوْلِهِمْ: ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ، بِقَوْلِ اللَّهِ: فَعَلِمْنَا، وَأَمَرْنَا، وَخَلَقْنَا، وَقَضَيْنَا، فَيَقُولُونَ: لَوْ كَانَ وَاحِدًا مَا قَالَ إِلَّا فَعَلْتُ، وَقَضَيْتُ، وَأَمَرْتُ، وَخَلَقْتُ، وَلَكِنَّهُ هُوَ عِيسَى وَمَرْيَمُ فَفِي كُلِّ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ قَدْ نَزَلَ الْقُرْآنُ فَلَمَّا كَلَّمَهُ الْحَبْرَانِ، قَالَ لَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَسْلِمَا، قَالَا: قَدْ أَسْلَمْنَا. قَالَ: إِنَّكُمَا لَمْ تُسْلِمَا فَأَسْلِمَا، قَالَا: بَلَى، قَدْ أَسْلَمْنَا قَبْلَكَ. قَالَ: كَذَبْتُمَا، يَمْنَعُكُمَا مِنَ الْإِسْلَامِ دَعْوَاكُمَا لِلَّهِ وَلَدًا، وَعِبَادَتُكُمَا لِلصَّلِيبِ، وَأَكْلُكُمَا لِلْخِنْزِيرِ، قَالَا: فَمَنْ أَبُوهُ يَا مُحَمَّدُ؟ فَصَمَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْهُمَا، فَلَمْ يُجِبْهُمَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ فِي أَمْرِهِمْ كُلِّهِ صَدْرًا مِنْ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ إِلَى بِضْعٍ وَثَمَانِينَ آيَةً.
стр. 137
وَذَكَرَ نُزُولَ الْآيَاتِ بِسَبَبِهِمْ غَيْرُ وَاحِدٍ مِثْلَمَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ - يَعْنِي - عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي جَعْفَرٍ الرَّازِيَّ، عَنْ أَبِيهِ، «عَنِ الرَّبِيعِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الم - اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران: ١ - ٢] . قَالَ: إِنَّ النَّصَارَى أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَخَاصَمُوهُ فِي عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، وَقَالُوا لَهُ: مَنْ أَبُوهُ؟ وَقَالُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ
стр. 138
وَالْبُهْتَانَ - لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَمْ يَتَّخِذْ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا، فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ : أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ وَلَدٌ إِلَّا وَهُوَ يُشْبِهُ أَبَاهُ؟ ، قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَبَّنَا حَيٌّ لَا يَمُوتُ وَأَنَّ عِيسَى يَأْتِي عَلَيْهِ الْفَنَاءُ؟ ، قَالُوا: بَلَى. قَالَ: أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَبَّنَا قَيِّمٌّ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ يَكْلَؤُهُ وَيَحْفَظُهُ وَيَرْزُقُهُ؟ ، قَالُوا: بَلَى. قَالَ: فَهَلْ يَمْلِكُ عِيسَى مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ؟ ، قَالُوا: بَلَى. قَالَ: فَهَلْ يَعْلَمُ عِيسَى مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا إِلَّا مَا عُلِّمَ؟ ، قَالُوا: لَا. قَالَ: فَإِنَّ رَبَّنَا صَوَّرَ عِيسَى فِي الرَّحِمِ كَيْفَ شَاءَ قَالَ: أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَبَّنَا لَا يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَلَا يَشْرَبُ الشَّرَابَ وَلَا يُحْدِثُ الْحَدَثَ؟ ، قَالُوا: بَلَى. قَالَ: أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ عِيسَى حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كَمَا تَحْمِلُ الْمَرْأَةُ، ثُمَّ وَضَعَتْهُ كَمَا تَضَعُ الْمَرْأَةُ وَلَدَهَا، ثُمَّ غُذِّيَ كَمَا يَتَغَذَّى الصَّبِيُّ، ثُمَّ كَانَ يَطْعَمُ الطَّعَامَ وَيَشْرَبُ الشَّرَابَ وَيُحْدِثُ الْحَدَثَ؟ ، قَالُوا: بَلَى. قَالَ: فَكَيْفَ يَكُونُ هَذَا كَمَا زَعَمْتُمْ؟ . قَالَ: فَعَرَفُوا ثُمَّ أَبَوْا إِلَّا الْجُحُودَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿الم - اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران: ١ - ٢] » .
стр. 139
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصِّحَاحِ حَدِيثُ وَفْدِ نَجْرَانَ فَفِي الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ عَنْ حُذَيْفَةَ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦١] .
«دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيًّا وَفَاطِمَةَ وَحَسَنًا وَحُسَيْنًا، فَقَالَ: اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلِي» .
وَفِي الْبُخَارِيِّ «عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ قَالَ جَاءَ السَّيِّدُ وَالْعَاقِبُ صَاحِبَا نَجْرَانَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُرِيدَانِ أَنْ يُلَاعِنَاهُ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: لَا تَفْعَلْ فَوَاللَّهِ لَئِنْ كَانَ نَبِيًّا فَلَاعَنَنَا لَا نُفْلِحُ نَحْنُ وَلَا عَقِبُنَا مِنْ بَعْدِنَا، قَالَا: إِنَّمَا نُعْطِيكَ مَا سَأَلْتَنَا، وَابْعَثْ مَعَنَا رَجُلًا أَمِينًا، وَلَا تَبْعَثْ مَعَنَا إِلَّا أَمِينًا، قَالَ: لَأَبْعَثَنَّ مَعَكُمْ رَجُلًا أَمِينًا حَقَّ أَمِينٍ.
стр. 140
قَالَ فَاسْتَشْرَفَ لَهَا أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: قُمْ يَا أَبَا عُبَيْدَةَ ابْنَ الْجَرَّاحِ، فَلَمَّا قَامَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : هَذَا أَمِينُ هَذِهِ الْأُمَّةِ» .
وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: أَخْبَرَنَا مُصَرِّفُ بْنُ عَمْرٍو الْيَامِيُّ، حَدَّثَنَا يُونُسُ يَعْنِي ابْنَ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَسْبَاطُ بْنُ نَصْرٍ الْهَمْدَانِيُّ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقُرَشِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ «صَالَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَهْلَ نَجْرَانَ عَلَى أَلْفَيْ حُلَّةٍ،
стр. 141
النِّصْفُ فِي صَفَرٍ، وَالنِّصْفُ فِي رَجَبٍ، يُؤَدُّونَهَا إِلَى الْمُسْلِمِينَ ; وَعَارِيَةٍ ثَلَاثِينَ دِرْعًا، وَثَلَاثِينَ فَرَسًا، وَثَلَاثِينَ بَعِيرًا، وَثَلَاثِينَ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ مِنْ أَصْنَافِ السِّلَاحِ يَغْزُونَ بِهَا، وَالْمُسْلِمُونَ ضَامِنُونَ لَهَا حَتَّى يَرُدُّوهَا عَلَيْهِمْ إِنْ كَانَ بِالْيَمِينِ كَيْدٌ ذَاتُ غَدْرٍ، عَلَى أَنْ لَا يُهْدَمَ لَهُمْ بَيْعَةٌ، وَلَا يُخْرَجَ لَهُمْ قَسٌّ، وَلَا يُفْتَنُونَ عَنْ دِينِهِمْ مَا لَمْ يُحْدِثُوا حَدَثًا، أَوْ يَأْكُلُوا الرِّبَا» .
قَالَ إِسْمَاعِيلُ: فَقَدْ أَكَلُوا الرِّبَا. قَالَ أَبُو دَاوُدَ: إِذَا نَقَضُوا بَعْضَ مَا شُرِطَ عَلَيْهِمْ فَقَدْ أَحْدَثُوا.
وَمَا ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ وَأَهْلُ السِّيَرِ مِنْ مُصَالَحَتِهِ لِأَهْلِ نَجْرَانَ عَلَى
стр. 142
الْجِزْيَةِ الْمَذْكُورَةِ مَعْرُوفٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ فِي كِتَابِ الْأَمْوَالِ ذَكَرَهُ مِنْ طَرِيقَيْنِ:
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ ﵀: حَدَّثَنَا أَبُو أَيُّوبَ الدِّمَشْقِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَعْدَانُ بْنُ يَحْيَى، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حُمَيْدٍ، عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ الْهُذَلِيِّ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَالَحَ أَهْلَ نَجْرَانَ، فَكَتَبَ لَهُمْ كِتَابًا: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذَا مَا كَتَبَ مُحَمَّدٌ النَّبِيُّ ﷺ لِأَهْلِ نَجْرَانَ، إِذْ كَانَ لَهُ
стр. 143
حُكْمُهُ عَلَيْهِمْ أَنَّ فِي كُلِّ سَوْدَاءَ وَبَيْضَاءَ وَصَفْرَاءَ وَحَمْرَاءَ أَوْ ثَمَرَةٍ وَرَقِيقٍ وَأُفْضِلَ عَلَيْهِمْ وَتَرَكَ ذَلِكَ لَهُمْ أَلْفَيْ حُلَّةٍ، فِي كُلِّ صَفَرٍ أَلْفُ حُلَّةٍ، وَفِي كُلِّ رَجَبٍ أَلْفُ حُلَّةٍ، كُلُّ حُلَّةٍ أُوقِيَّةٌ مَا زَادَ الْخَرَاجُ أَوْ نَقَصَ فَعَلَى الْأَوَاقِي فَلْيُحْسَبْ، وَمَا قَضَوْا مِنْ رِكَابٍ أَوْ خَيْلٍ أَوْ دُرُوعٍ أُخِذَ مِنْهُمْ بِالْحِسَابِ، وَعَلَى أَهْلِ نَجْرَانَ مَقْرَى رُسُلِي عِشْرِينَ لَيْلَةً فَمَا دُونَهَا وَعَلَيْهِمْ عَارِيَةُ ثَلَاثِينَ فَرَسًا وَثَلَاثِينَ بَعِيرًا وَثَلَاثِينَ دِرْعًا إِذَا كَانَ كَيْدٌ بِالْيَمَنِ ذُو مَغْدَرَةٍ، وَمَا هَلَكَ مِمَّا أَعَارُوا رُسُلِي فَهُوَ ضَامِنٌ عَلَى رُسُلِي حَتَّى يُؤَدُّوهُ إِلَيْهِمْ وَلِنَجْرَانَ وَحَاشِيَتِهَا ذِمَّةُ اللَّهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ عَلَى دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَمِلَّتِهِمْ وَبِيَعِهِمْ وَرُهْبَانِهِمْ وَأَسَاقِفِهِمْ وَشَاهِدِهِمْ وَغَائِبِهِمْ وَكُلِّ مَا تَحْتَ أَيْدِيهِمْ مِنْ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ، وَعَلَى أَنْ لَا يُغَيِّرُوا أُسْقُفًّا مِنْ سَقِيفَاهُ، وَلَا وَاقِهًا مِنْ وَقِيهَاهُ، وَلَا رَاهِبًا مِنْ رَهَابِنِهِ، وَعَلَى أَنْ لَا يُخْسِرُوا، وَلَا يُعْشِرُوا، وَلَا يَطَأَ أَرْضَهُمْ جَيْشٌ، وَمَنْ مَلَكَ مِنْهُمْ حَقًّا فَالنِّصْفُ بَيْنَهُمْ بِنَجْرَانَ، عَلَى أَنْ لَا يَأْكُلُوا الرِّبَا، فَمَنْ أَكَلَ الرِّبَا مِنْ ذِي قَبْلُ فَذِمَّتِي مِنْهُمْ بَرِيئَةٌ وَعَلَيْهِمُ الْجُهْدُ وَالنُّصْحُ فِيمَا اسْتَقْبَلُوا غَيْرَ مَظْلُومِينَ وَلَا مَعْنُوفٍ عَلَيْهِمْ، شَهِدَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ وَمُعَيْقِيبٌ» .
стр. 144
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الْوَاقَةُ وَلِيُّ الْعَهْدِ فِي لُغَةِ بِلْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ يَقُولُ: إِذَا مَاتَ هَذَا الْأُسْقُفُّ قَامَ الْآخَرُ مَكَانَهُ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: قَالَ أَبُو أَيُّوبَ وَحَدَّثَنِي عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حُمَيْدٍ، عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَ ذَلِكَ، وَزَادَ فِي حَدِيثِهِ قَالَ: «فَلَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَتَوْا أَبَا بَكْرٍ، فَوَفَّى لَهُمْ بِذَلِكَ، وَكَتَبَ لَهُمْ كِتَابًا نَحْوًا مِنْ كِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا وُلِّيَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ أَصَابُوا الرِّبَا فِي زَمَانِهِ، فَأَجْلَاهُمْ عُمَرُ، وَكَتَبَ لَهُمْ: أَمَّا بَعْدُ فَمَنْ وَقَعُوا بِهِ مِنْ أُمَرَاءِ الشَّامِ أَوِ الْعِرَاقِ فَلْيُوسِعْهُمْ مِنْ جَرِيبِ الْأَرْضِ، وَمَا اعْتَمَلُوا مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ لَهُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ وَعُقْبَى مِنْ أَرْضِهِمْ، قَالَ فَأتَوُا الْعِرَاقَ فَاتَّخَذُوا النَّجْرَانِيَّةَ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَهِيَ قَرْيَةٌ بِالْكُوفَةِ» .
وَكَتَبَ عُثْمَانُ إِلَى الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الْعَاقِبَ
стр. 145
وَالْأَسْقُفَّ وَسَرَاةَ أَهْلِ نَجْرَانَ أَتَوْنِي بِكِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَرَوْنِي شَرْطَ عُمَرَ ﵁، وَقَدْ سَأَلْتُ عُثْمَانَ بْنَ حُنَيْفٍ فَأَنْبَأَنِي أَنَّهُ قَدْ كَانَ بَحَثَ عَلَى ذَلِكَ، فَوَجَدَهُ صَارَ لِلدَّهَاقِينِ لِيَرْدَعَهُمْ عَنْ أَرْضِهِمْ، وَإِنِّي قَدْ وَضَعْتُ عَنْهُمْ مِنْ جِزْيَتِهِمْ مِائَتَيْ حُلَّةٍ لِوَجْهِ اللَّهِ وَعُقْبَى لَهُمْ مِنْ أَرْضِهِمْ، وَإِنِّي أُوصِيكَ بِهِمْ فَإِنَّهُمْ قَوْمٌ لَهُمْ ذِمَّةٌ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
следующие страницы →