← Акыда

Акыда · id 170

الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لابن تيمية

ابن تيمية

Полный текст (2 831 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة: ١٦] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩١] وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: « (صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ، فَعَلَى جَنْبٍ) » وَإِذَا قُدِّرَ أَنَّ الْإِضَافَةَ هُنَا تَتَضَمَّنُ صِفَةَ اللَّهِ، كَانَ الْكَلَامُ فِي هَذَا كَالْكَلَامِ فِي سَائِرِ مَا يُضَافُ إِلَيْهِ تَعَالَى مِنَ الصِّفَاتِ، وَفِي التَّوْرَاةِ مِنْ ذَلِكَ نَظِيرُ مَا فِي الْقُرْآنِ. وَهَذَا يَتَبَيَّنُ بِالْوَجْهِ الثَّالِثِ: وَهُوَ أَنْ يُقَالَ مَا فِي الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ وَصْفِ اللَّهِ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ الَّتِي يُسَمِّيهَا بَعْضُ النَّاسِ تَجْسِيمًا، هُوَ مِثْلُ مَا فِي التَّوْرَاةِ وَسَائِرِ كُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ، وَهَذَا الَّذِي فِي التَّوْرَاةِ وَكُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ لَيْسَ مِمَّا أَحْدَثَهُ أَهْلُ الْكِتَابِ.

стр. 1752

وَلَوْ كَانُوا هُمُ ابْتَدَعُوا ذَلِكَ، وَوَصَفُوا الْخَالِقَ بِمَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ مِنَ التَّجْسِيمِ، لَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ ذَمَّهُمْ عَلَى ذَلِكَ، كَمَا ذَمَّهُمْ عَلَى مَا وَصَفُوهُ بِهِ مِنَ النَّقَائِصِ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران: ١٨١] وَقَوْلِهِ: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٦٤] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨] فَنَفَى عَنْهُ اللُّغُوبَ الَّذِي يُظَنُّ فِي لَفْظِ الِاسْتِرَاحَةِ الَّذِي فِي التَّوْرَاةِ، فَإِنَّ فِيهَا أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْعَالَمَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ، ثُمَّ اسْتَرَاحَ فِي يَوْمِ السَّبْتِ، فَظَنَّ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّهُ تَعِبَ فَاسْتَرَاحَ. ثُمَّ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ مَنْ قَالَ: إِنَّ هَذَا اللَّفْظَ حَرَّفُوا مَعْنَاهُ دُونَ لَفْظِهِ، وَهَذَا لَفْظُ التَّوْرَاةِ الْمُنَزَّلَةِ. قَالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ

стр. 1753

وَغَيْرُهُ وَقَالُوا مَعْنَاهُ: ثُمَّ تَرَكَ الْخَلْقَ، فَعُبِّرَ عَنْ ذَلِكَ بِلَفْظِ اسْتَرَاحَ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: بَلْ حَرَّفُوا لَفْظَهُ، كَمَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْأَنْبَارِيُّ وَغَيْرُهُ. وَقَالُوا: لَيْسَ هَذَا لَفْظُ التَّوْرَاةِ الْمُنَزَّلَةِ، وَأَمَّا مَا فِي التَّوْرَاةِ مِنْ إِثْبَاتِ الصِّفَاتِ، فَلَمْ يُنْكِرِ النَّبِيُّ ﷺ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، بَلْ كَانَ عُلَمَاءُ الْيَهُودِ إِذَا ذَكَرُوا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ يُقِرُّهُمْ عَلَيْهِ وَيُصَدِّقُهُمْ عَلَيْهِ، كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، «أَنَّ حَبْرًا مِنَ الْيَهُودِ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: (يَا مُحَمَّدُ إِنَّ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُ السَّمَاوَاتِ عَلَى إِصْبَعٍ،

стр. 1754

وَالْأَرْضَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْجِبَالَ وَالشَّجَرَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْمَاءَ وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَعٍ، وَسَائِرَ الْخَلْقِ عَلَى إِصْبَعٍ، ثُمَّ يَهُزُّهُنَّ فَيَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ) . قَالَ: فَضَحَكَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ تَعَجُّبًا وَتَصْدِيقًا لِقَوْلِ الْحَبْرِ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] الْآيَةَ» . وَفِي التَّوْرَاةِ: " إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ التَّوْرَاةَ بِإِصْبَعِهِ ". وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ النُّصُوصِ فِي التَّوْرَاةِ وَالْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَبِمَا يَشْهَدُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ أَخْبَارِ الرَّسُولِ بِنَظِيرِ ذَلِكَ وَتَرْكِ إِنْكَارِهِ لِمَا فِي التَّوْرَاةِ، وَتَصْدِيقِهِ عَلَى مَا كَانُوا يَذْكُرُونَهُ مِنْ ذَلِكَ - لَمْ يَكُنِ الْمُسْلِمُونَ مُخْتَصِّينَ بِذِكْرِ مَا سَمَّوْهُ تَجْسِيمًا، بَلْ يَلْزَمُ أَهْلَ الْكِتَابِ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ ذَلِكَ نَظِيرُ مَا يَلْزَمُ الْمُسْلِمِينَ.

стр. 1755

وَقَدِ افْتَرَقَ أَهْلُ الْكِتَابِ فِي ذَلِكَ كَمَا افْتَرَقَ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ، مِنْهُمُ الْغَالِي فِي النَّفْيِ وَالتَّعْطِيلِ، وَمِنْهُمُ الْغَالِي فِي التَّشْبِيهِ وَالتَّمْثِيلِ. وَالْمُسْلِمُونَ أَئِمَّتُهُمْ وَجُمْهُورُهُمْ مُقْتَصِدُونَ بَيْنَ التَّعْطِيلِ وَالتَّمْثِيلِ، وَكَذَلِكَ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ. وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُ إِذَا كَانَتْ هَذِهِ الصِّفَاتُ قَدْ جَاءَتْ فِي الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ، التَّوْرَاةِ وَغَيْرِهَا، كَمَا جَاءَتْ فِي الْقُرْآنِ، لَمْ يَكُنْ لِلْمُسْلِمِينَ بِذَلِكَ اخْتِصَاصٌ. وَلَمْ يَجُزْ لِلنَّصَارَى أَنْ يَجْعَلُوا ذَلِكَ نَظِيرَ مَا اخْتَصُّوا بِهِ مِنَ التَّثْلِيثِ وَالِاتِّحَادِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مُخْتَصٌّ بِهِمْ. وَهَذِهِ الصِّفَاتُ قَدْ اشْتَرَكَ فِيهَا أَهْلُ الْمِلَلِ الثَّلَاثِ ; لِأَنَّ التَّثْلِيثَ وَالِاتِّحَادَ لَيْسَ مَنْصُوصًا عَنْ أَحَدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ ﵈ وَهَذِهِ الصِّفَاتُ مَنْصُوصَةٌ فِي الْقُرْآنِ وَالتَّوْرَاةِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ كُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ تَشْبِيهُ هَذَا بِهَذَا؟ الْوَجْهُ الرَّابِعُ: قَوْلُهُمْ: (فَيُوهِمُونَ السَّامِعِينَ أَنَّ اللَّهَ ذُو جِسْمٍ وَأَعْضَاءٍ وَجَوَارِحَ) - كَلَامٌ بَاطِلٌ؛ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ سَمَّى نَفْسَهُ وَصِفَاتَهُ بِأَسْمَاءٍ، وَسَمَّى بَعْضَ عِبَادِهِ وَصِفَاتِ عِبَادِهِ بِأَسْمَاءٍ هِيَ فِي حَقِّهِمْ نَظِيرُ تِلْكَ الْأَسْمَاءِ فِي حَقِّهِ . فَسَمَّى نَفْسَهُ حَيًّا، كَقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] الْآيَةَ.

стр. 1756

﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: ٥٨] وَسَمَّى بَعْضَ عِبَادِهِ حَيًّا، كَقَوْلِهِ: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ [الأنعام: ٩٥] مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ لَيْسَ الْحَيُّ كَالْحَيِّ، وَسَمَّى نَفْسَهُ عَلِيمًا، كَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ٨٣] . وَسَمَّى بَعْضَ عِبَادِهِ عَلِيمًا، كَقَوْلِهِ: ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات: ٢٨] مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ لَيْسَ الْعَلِيمُ كَالْعَلِيمِ. وَسَمَّى نَفْسَهُ حَلِيمًا، بِقَوْلِهِ: ﴿وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٣] وَسَمَّى بَعْضَ عِبَادِهِ حَلِيمًا، بِقَوْلِهِ: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠١]

стр. 1757

وَسَمَّى نَفْسَهُ رَءُوفًا رَحِيمًا، بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٤٣] . وَسَمَّى بَعْضَ عِبَادِهِ رَءُوفًا رَحِيمًا، بِقَوْلِهِ: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] وَلَيْسَ الرَّءُوفُ كَالرَّءُوفِ، وَلَا الرَّحِيمُ كَالرَّحِيمِ. وَكَذَلِكَ سَمَّى نَفْسَهُ مَلِكًا جَبَّارًا مُتَكَبِّرًا عَزِيزًا، وَسَمَّى بَعْضَ عِبَادِهِ مَلِكًا، وَبَعْضَهُمْ عَزِيزًا، وَبَعْضَهُمْ جَبَّارًا مُتَكَبِّرًا، وَلَيْسَ هُوَ فِي ذَلِكَ مُمَاثِلًا لِخَلْقِهِ. وَكَذَلِكَ سَمَّى بَعْضَ صِفَاتِهِ عِلْمًا وَقُوَّةً وَأَيْدًا، وَقُدْرَةً وَرَحْمَةً وَغَضَبًا، وَرِضًى وَيَدًا وَغَيْرَ ذَلِكَ، وَسَمَّى بَعْضَ صِفَاتِ عِبَادِهِ بِذَلِكَ، وَلَيْسَ عِلْمُهُ كَعِلْمِهِمْ، وَلَا قُدْرَتُهُ كَقُدْرَتِهِمْ، وَلَا رَحْمَتُهُ وَغَضَبُهُ كَرَحْمَتِهِمْ وَغَضَبِهِمْ، وَلَا يَدُهُ كَأَيْدِيهِمْ. وَكَذَلِكَ مَا أَخْبَرَ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ مِنِ اسْتِوَائِهِ عَلَى الْعَرْشِ، وَمَجِيئِهِ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ هَذَا الْبَابِ، لَيْسَ اسْتِوَاؤُهُ كَاسْتِوَائِهِمْ، وَلَا مَجِيئُهُ كَمَجِيئِهِمْ. وَهَذِهِ الْمَعَانِي الَّتِي تُضَافُ إِلَى الْخَالِقِ تَارَةً وَإِلَى الْمَخْلُوقِ أُخْرَى، تُذْكَرُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: تَارَةً تُقَيَّدُ بِالْإِضَافَةِ إِلَى الْخَالِقِ أَوْ بِإِضَافَتِهِ إِلَيْهَا، كَقَوْلِهِ

стр. 1758

- تَعَالَى -: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] الْآيَةَ. ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ﴾ [الذاريات: ٥٨] وَتَارَةً تَتَقَيَّدُ بِالْمَخْلُوقِ كَقَوْلِهِ: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ١٨] . وَتَارَةً تُطْلَقُ مُجَرَّدَةً. فَإِذَا قُيِّدَتْ بِالْخَالِقِ، لَمْ تَدُلَّ عَلَى شَيْءٍ مِنْ خَصَائِصِ الْمَخْلُوقِينَ. فَإِذَا قِيلَ: عِلْمُ اللَّهِ وَقُدْرَتُهُ وَاسْتِوَاؤُهُ وَمَجِيئُهُ وَيَدُهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ، كَانَتْ هَذِهِ الْإِضَافَةُ تُوجِبُ مَا يَخْتَصُّ بِهِ الرَّبُّ الْخَالِقُ، وَتَمْنَعُ أَنْ يَدْخُلَ فِيهَا مَا يَخْتَصُّ بِهِ الْمَخْلُوقُ. وَكَذَلِكَ إِذَا قِيلَ: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ [المؤمنون: ٢٨] كَانَتْ هَذِهِ الْإِضَافَةُ تُوجِبُ مَا يَخْتَصُّ بِالْعَبْدِ وَتَمْنَعُ أَنْ يَدْخُلَ فِي ذَلِكَ مَا يَخْتَصُّ بِالرَّبِّ . وَإِذَا جُرِّدَ اللَّفْظُ عَنِ الْقُيُودِ فَذُكِرَ بِوَصْفِ الْعُمُومِ وَالْإِطْلَاقِ، تَنَاوَلَ الْأَمْرَيْنِ كَسَائِرِ الْأَلْفَاظِ الَّتِي تُطْلَقُ عَلَى الْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ. وَهَذِهِ لِلنَّاسِ فِيهَا أَقْوَالٌ.

стр. 1759

قِيلَ: إِنَّهَا حَقِيقَةٌ فِي الْخَالِقِ، مَجَازٌ فِي الْمَخْلُوقِ، كَقَوْلِ أَبِي الْعَبَّاسِ النَّاشِئِ. وَقِيلَ: بِالْعَكْسِ كَقَوْلِ غُلَاةِ الْجَهْمِيَّةِ وَالْبَاطِنِيَّةِ وَالْفَلَاسِفَةِ. وَقِيلَ: حَقِيقَةٌ فِيهِمَا، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ. ثُمَّ قِيلَ: هِيَ مُشْتَرَكَةٌ اشْتِرَاكًا لَفْظِيًّا، وَقِيلَ: مُتَوَاطِئَةٌ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ. ثُمَّ مَنْ جَعَلَ الْمُشَكِّكَةَ نَوْعًا مِنَ الْمُتَوَاطِئَةِ لَمْ يَمْتَنِعْ - عِنْدَهُ - إِذَا قِيلَ: مُشَكِّكَةٌ، أَنْ تَكُونَ مُتَوَاطِئَةً، وَمَنْ جَعَلَ ذَلِكَ نَوْعًا آخَرَ جَعَلَهَا مُشَكِّكَةً لَا مُتَوَاطِئَةً. وَهَذَا نِزَاعٌ لَفْظِيٌّ، فَإِنَّ الْمُتَوَاطِئَةَ التَّوَاطُؤَ الْعَامَّ، يَدْخُلُ فِيهَا الْمُشَكِّكَةُ. إِذِ الْمُرَادُ بِالْمُشَكِّكَةِ، مَا يَتَفَاضَلُ مَعَانِيهَا فِي مَوَارِدِهَا، كَلَفْظِ الْأَبْيَضِ الَّذِي يُقَالُ عَلَى الْبَيَاضِ الشَّدِيدِ، كَبَيَاضِ الثَّلْجِ، وَالْخَفِيفِ كَبَيَاضِ الْعَاجِ، وَالشَّدِيدُ أَوْلَى بِهِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ مُسَمَّى الْبَيَاضِ فِي اللُّغَةِ لَا يَخْتَصُّ بِالشَّدِيدِ دُونَ الْخَفِيفِ، فَكَانَ اللَّفْظُ دَالًّا عَلَى مَا بِهِ الِاشْتِرَاكُ، وَهُوَ الْمَعْنَى الْعَامُّ الْكُلِّيُّ، وَهُوَ مُتَوَاطِئٌ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ، وَهُوَ بِاعْتِبَارِ التَّفَاضُلِ يُسَمَّى مُشَكِّكًا. وَأَمَّا إِذَا أُرِيدَ بِالتَّوَاطُؤِ، مَا تَسْتَوِي مَعَانِيهِ، كَانَتِ الْمُشَكِّكَةُ نَوْعًا آخَرَ.

стр. 1760

لَكِنَّ تَخْصِيصَ لَفْظِ الْمُتَوَاطِئَةِ بِهَذَا عُرْفٌ حَادِثٌ، وَهُوَ خَطَأٌ أَيْضًا. فَإِنَّ عَامَّةَ الْمَعَانِي الْعَامَّةِ تَتَفَاضَلُ، وَالتَّمَاثُلُ فِيهَا فِي جَمِيعِ مَوَارِدِهَا، بِحَيْثُ لَا تَتَفَاضَلُ فِي شَيْءٍ مِنْ مَوَارِدِهَا، إِمَّا قَلِيلٍ وَإِمَّا مَعْدُومٍ. فَلَوْ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ الْأَسْمَاءُ مُتَوَاطِئَةً بَلْ مُشَكِّكَةً، كَانَ عَامَّةُ الْأَسْمَاءِ الْكُلِّيَّةِ غَيْرَ مُتَوَاطِئَةٍ، وَهَذَا مَبْسُوطٌ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ. وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ اللَّهَ إِذَا أَضَافَ إِلَى نَفْسِهِ مَا أَضَافَهُ إِضَافَةً يَخْتَصُّ بِهَا، وَتَمْنَعُ أَنْ يَدْخُلَ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ خَصَائِصِ الْمَخْلُوقِينَ، وَقَدْ قَالَ مَعَ ذَلِكَ: إِنَّهُ (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) وَإِنَّهُ (لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ) وَأَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ لَهُ سَمِيٌّ، كَانَ مَنْ فَهِمَ مِنْ هَذِهِ مَا يَخْتَصُّ بِهِ الْمَخْلُوقُ - قَدْ أُتِيَ مِنْ سُوءِ فَهْمِهِ وَنَقْصِ عَقْلِهِ، لَا مِنْ قُصُورٍ فِي بَيَانِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ صِفَةٍ وَصِفَةٍ. فَمَنْ فَهِمَ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ مَا يَخْتَصُّ بِهِ الْمَخْلُوقُ مِنْ أَنَّهُ عَرَضٌ مُحْدَثٌ بِاضْطِرَارٍ أَوِ اكْتِسَابٍ، فَمِنْ نَفْسِهِ أُتِيَ، وَلَيْسَ فِي قَوْلِنَا: عِلْمُ اللَّهِ - مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ مَنْ فَهِمَ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤] الْآيَةَ. ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] مَا يَخْتَصُّ بِهِ الْمَخْلُوقُ مِنْ جَوَارِحِهِ وَأَعْضَائِهِ، فَمِنْ نَفْسِهِ أُتِيَ،

стр. 1761

فَلَيْسَ فِي ظَاهِرِ هَذَا اللَّفْظِ مَا يَدُلُّ عَلَى مَا يَخْتَصُّ بِهِ الْمَخْلُوقُ كَمَا فِي سَائِرِ الصِّفَاتِ. وَكَذَلِكَ إِذَا قَالَ: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] . مَنْ فَهِمَ مِنْ ذَلِكَ مَا يَخْتَصُّ بِالْمَخْلُوقِ، كَمَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ [المؤمنون: ٢٨] فَمِنْ نَفْسِهِ أُتِيَ، فَإِنَّ ظَاهِرَ اللَّفْظِ يَدُلُّ عَلَى اسْتِوَاءٍ يُضَافُ إِلَى اللَّهِ كَمَا يَدُلُّ فِي تِلْكَ الْآيَةِ عَلَى اسْتِوَاءٍ يُضَافُ إِلَى الْعَبْدِ. وَإِذَا كَانَ الْمُسْتَوِي لَيْسَ مُمَاثِلًا لِلْمُسْتَوِي، لَمْ يَكُنِ الِاسْتِوَاءُ مُمَاثِلًا لِلِاسْتِوَاءِ. فَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ فَقِيرًا إِلَى مَا اسْتَوَى عَلَيْهِ، يَحْتَاجُ إِلَى حَمْلِهِ. وَكَانَ الرَّبُّ غَنِيًّا عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ وَالْعَرْشُ وَمَا سِوَاهُ فَقِيرًا إِلَيْهِ، وَهُوَ الَّذِي يَحْمِلُ الْعَرْشَ وَحَمَلَةَ الْعَرْشِ، لَمْ يَلْزَمْ إِذَا كَانَ الْفَقِيرُ مُحْتَاجًا إِلَى مَا اسْتَوَى عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ الْغَنِيُّ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ وَكُلُّ شَيْءٍ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ - مُحْتَاجًا إِلَى مَا اسْتَوَى عَلَيْهِ. وَلَيْسَ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ اللَّهِ مَا يَدُلُّ عَلَى مَا يَخْتَصُّ بِهِ الْمَخْلُوقُ مِنْ حَاجَةٍ إِلَى حَامِلٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، بَلْ تَوَهُّمُ هَذَا مِنْ سُوءِ الْفَهْمِ، لَا مِنْ دَلَالَةِ اللَّفْظِ.

стр. 1762

لَكِنْ إِذَا تَخَيَّلَ الْمُتَخَيِّلُ فِي نَفْسِهِ أَنَّ اللَّهَ مِثْلُهُ، تَخَيَّلَ أَنْ يَكُونَ اسْتِوَاؤُهُ كَاسْتِوَائِهِ، وَإِذَا عَرَفَ أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ لَا فِي ذَاتِهِ وَلَا فِي صِفَاتِهِ وَلَا فِي أَفْعَالِهِ، عَلِمَ أَنَّ اسْتِوَاءَهُ لَيْسَ كَاسْتِوَائِهِ، وَمَجِيئَهُ كَمَجِيئِهِ، كَمَا أَنَّ عِلْمَهُ وَقُدْرَتَهُ وَرِضَاهُ وَغَضَبَهُ، لَيْسَ كَعِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ وَرِضَاهُ وَغَضَبِهِ. وَمَا بَيْنَ الْأَسْمَاءِ مِنَ الْمَعْنَى الْعَامِّ الْكُلِّيِّ كَمَا بَيْنَ قَوْلِنَا: حَيٌّ وَحَيٌّ، وَعَالِمٌ وَعَالِمٌ. وَهَذَا الْمَعْنَى الْعَامُّ الْكُلِّيُّ الْمُشْتَرَكُ لَا يُوجَدُ عَامًّا كُلِّيًّا مُشْتَرَكًا إِلَّا فِي الْعِلْمِ وَالذِّهْنِ، وَإِلَّا فَالَّذِي فِي الْخَارِجِ أَمْرٌ يَخْتَصُّ بِالْمَوْصُوفِ. فَصِفَاتُ الرَّبِّ مُخْتَصَّةٌ بِهِ، وَصِفَاتُ الْمَخْلُوقِ مُخْتَصَّةٌ بِهِ، لَيْسَ بَيْنَهُمَا اشْتِرَاكٌ وَلَا بَيْنَ مَخْلُوقٍ وَمَخْلُوقٍ. الْوَجْهُ الْخَامِسُ: قَوْلُهُمْ: (لَمَّا كَانَ اعْتِقَادُهُمْ فِي الْبَارِي جَلَّتْ قُدْرَتُهُ أَنَّهُ غَيْرُ ذِي جِسْمٍ) اسْتِعْمَالٌ مِنْهُمْ لِلَفْظِ الْجِسْمِ فِي الْقَدْرِ وَالْغِلَظِ، لَا فِي ذِي الْقَدْرِ وَالْغِلَظِ، وَهَذَا أَحَدُ مَوْرِدَيِ اسْتِعْمَالِهِ، وَهُوَ الْأَشْهَرُ فِي لُغَةِ الْعَامَّةِ، فَيَقُولُونَ: هَذَا الثَّوْبُ لَهُ جِسْمٌ، وَهَذَا لَيْسَ لَهُ جِسْمٌ ; أَيْ هَذَا لَهُ غِلَظٌ وَكَثَافَةٌ دُونَ هَذَا. وَلَكِنَّ النُّظَّارَ أَكْثَرُ مَا يَسْتَعْمِلُونَ لَفْظَ الْجِسْمِ فِي نَفْسِ ذِي الْقَدْرِ، فَيَقُولُونَ لِلْقَائِمِ بِنَفْسِهِ ذِي الْقَدْرِ: إِنَّهُ جِسْمٌ. وَهَذَا اللَّفْظُ لَمَّا كَثُرَ اسْتِعْمَالُهُ فِي كَلَامِ النُّظَّارِ، تَفَرَّقُوا فِي مَعَانِيهِ لُغَةً وَعَقْلًا وَشَرْعًا، تَفَرُّقًا ضَلَّ بِهِ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَإِنَّ هَذَا اللَّفْظَ أَصْلُهُ فِي اللُّغَةِ هُوَ الْجَسَدُ.

стр. 1763

قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ، كَالْأَصْمَعِيِّ وَأَبِي زَيْدٍ وَغَيْرِهِمَا: الْجِسْمُ هُوَ الْجَسَدُ. وَهَذَا إِنَّمَا يَسْتَعْمِلُهُ أَهْلُ اللُّغَةِ فِيمَا كَانَ غَلِيظًا كَثِيفًا، فَلَا يُسَمُّونَ الْهَوَاءَ جِسْمًا وَلَا جَسَدًا، وَيُسَمُّونَ بَدَنَ الْإِنْسَانِ جَسَدًا. وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْجِسْمَ يُرَادُ بِهِ نَفْسُ الْجَسَدِ، وَيُرَادُ بِهِ قَدْرُ الْجَسَدِ وَغِلَظُهُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ [البقرة: ٢٤٧] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ [المنافقون: ٤] وَقَدْ يُرَادُ بِهِ هَذَا وَهَذَا. ثُمَّ إِنَّ أَهْلَ النَّظَرِ اسْتَعْمَلُوا لَفْظَ " الْجَسَدِ " فِي أَعَمَّ مِنْ مَعْنَاهُ فِي

стр. 1764

اللُّغَةِ، كَمَا فَعَلُوا مِثْلَ ذَلِكَ فِي لَفْظِ " الْجَوْهَرِ " وَلَفْظِ " الْعَرَضِ " وَلَفْظِ " الْوُجُودِ " وَلَفْظِ " الذَّاتِ " وَغَيْرِ ذَلِكَ. فَاسْتَعْمَلُوا لَفْظَ " الْجِسْمِ " فِيمَا يَقُومُ بِنَفْسِهِ وَتُمْكِنُ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ الْحِسِّيَّةُ الْمُخْتَلِفَةُ. ثُمَّ تَنَازَعُوا نِزَاعًا عَقْلِيًّا فِيمَا يُشَارُ إِلَيْهِ، كَالْهَوَاءِ وَالنَّارِ وَالتُّرَابِ وَالْمَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، هَلْ هُوَ مُرَكَّبٌ مِنَ الْجَوَاهِرِ الْمُنْفَرِدَةِ الَّتِي لَا تَقْبَلُ الْقِسْمَةَ، أَوْ مِنَ الْمَادَّةِ وَالصُّورَةِ، أَوْ لَيْسَ مُرَكَّبًا لَا مِنْ هَذَا وَلَا مِنْ هَذَا، عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ قَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَيْهَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. فَمَنِ اعْتَرَفَ أَنَّهَا مُرَكَّبَةٌ مِنْ هَذَا أَوْ هَذَا، يَلْزَمُهُ - إِذَا قَالَ: إِنَّ اللَّهَ جِسْمٌ - أَنْ يَكُونَ اللَّهُ مُرَكَّبًا مِنْ هَذَا أَوْ هَذَا. وَلِهَذَا قَالُوا: إِنَّ هَذَا بَاطِلٌ وَأَوْجَبُوا - عَلَى أَصْلِهِمْ - نَفْيَ مُسَمَّى هَذَا الِاسْمِ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ هَؤُلَاءِ. وَمَنِ اعْتَقَدَ أَنَّهُ لَيْسَ مُرَكَّبًا لَا مِنْ هَذَا وَلَا مِنْ هَذَا، قَالَ: يَلْزَمُنِي إِذَا قُلْتُ: هُوَ جِسْمٌ أَنْ يَكُونَ مُرَكَّبًا. فَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ أَطْلَقَ عَلَيْهِ لَفَظَ " الْجِسْمِ "، وَأَرَادَ بِهِ الْقَائِمَ بِنَفْسِهِ أَوِ الْمَوْجُودَ، كَمَا أَطْلَقَ هَؤُلَاءِ لَفْظَ الْجَوْهَرِ، وَقَالُوا: أَرَدْنَا بِالْجَوْهَرِ الْقَائِمَ بِنَفْسِهِ. وَكَمَا قَالَ هَؤُلَاءِ: لَيْسَ فِي الْوُجُودِ إِلَّا جَوْهَرٌ أَوْ عَرَضٌ. فَإِنَّ الْوُجُودَ إِمَّا قَائِمٌ بِنَفْسِهِ، وَهُوَ الْجَوْهَرُ، أَوْ بِغَيْرِهِ، وَهُوَ الْعَرَضُ، وَالْجَوْهَرُ أَشْرَفُ الْقِسْمَيْنِ.

стр. 1765

وَقَالَ الْآخَرُونَ: لَيْسَ فِي الْوُجُودِ إِلَّا قَائِمٌ بِنَفْسِهِ، وَهُوَ الْجِسْمُ أَوْ قَائِمٌ بِغَيْرِهِ، وَهُوَ الْعَرَضُ، وَالْجِسْمُ أَشْرَفُ الْقِسْمَيْنِ. وَقَالَ: فَمَا سَمَّاهُ أُولَئِكَ جَوْهَرًا، سَمَّاهُ أُولَئِكَ جِسْمًا، وَكِلَاهُمَا لَيْسَتْ تَسْمِيَتُهُ لُغَوِيَّةً وَلَا شَرْعِيَّةً. وَإِذَا قَالَ هَؤُلَاءِ: هُوَ جَوْهَرٌ لَا كَالْجَوَاهِرِ، كَمَا يُقَالُ: هُوَ شَيْءٌ لَا كَالْأَشْيَاءِ. قَالَ أُولَئِكَ: هُوَ جِسْمٌ لَا كَالْأَجْسَامِ، كَمَا يُقَالُ: هُوَ شَيْءٌ لَا كَالْأَشْيَاءِ. وَإِذَا قَالَ هَؤُلَاءِ: الْجَوْهَرُ يَنْقَسِمُ إِلَى كَثِيفٍ وَلَطِيفٍ، قَالَ أُولَئِكَ: وَالْجِسْمُ يَنْقَسِمُ إِلَى لَطِيفٍ وَكَثِيفٍ. وَالْمَقْصُودُ هُنَا، أَنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ نَزَّهُوهُ عَمَّا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ مِنْ مُمَاثَلَةِ الْمَخْلُوقِينَ، وَسَمَّوْهُ جِسْمًا - نِزَاعُهُمْ مَعَ النُّفَاةِ قَدْ يَكُونُ لَفْظِيًّا، كَنِزَاعِ النَّصَارَى فِي لَفْظِ " الْجَوْهَرِ "، وَقَدْ يَكُونُ عَقْلِيًّا، كَنِزَاعِهِمْ فِي الْمُشَارِ إِلَيْهِ، هَلْ هُوَ مُرَكَّبٌ مِنَ الْجَوَاهِرِ الْمُنْفَرِدَةِ، أَوْ مِنَ الْمَادَّةِ وَالصُّورَةِ، أَوْ لَا مِنْ هَذَا وَلَا مِنْ هَذَا. وَمَنْ قَالَ مِنَ الْقَائِلِينَ بِأَنَّهُ جِسْمٌ، فَيَقُولُ: إِنَّهُ مُرَكَّبٌ مِنَ الْجَوَاهِرِ الْمُنْفَرِدَةِ، أَوْ مِنَ الْمَادَّةِ وَالصُّورَةِ، فَهَؤُلَاءِ مَذْمُومُونَ لَفْظًا وَمَعْنًى عِنْدَ

стр. 1766

جَمَاهِيرِ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِمْ، وَإِنْ كَانَ النَّصَارَى وَغَيْرُهُمْ يَعْجِزُونَ عَنِ الرَّدِّ عَلَى هَؤُلَاءِ، إِذْ كَانَ مَا يَعْتَمِدُونَ عَلَيْهِ فِي تَنْزِيهِ اللَّهِ عَنْ خَصَائِصِ الْأَجْسَامِ طُرُقًا ضَعِيفَةً لَا تَثْبُتُ عَلَى الْمِعْيَارِ الْعَقْلِيِّ، كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ. بِخِلَافِ مَنْ كَانَ نِزَاعُهُ لَفْظِيًّا، فَهَذَا يُذَمُّ إِمَّا لُغَةً وَإِمَّا لُغَةً وَشَرْعًا ; لِكَوْنِهِ أَطْلَقَ لَفْظًا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ الشَّرْعُ، أَوِ اسْتَعْمَلَهُ فِي خِلَافِ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ، كَمَا قَدْ يُذَمُّ النَّافِي لِمِثْلِ ذَلِكَ لُغَةً وَشَرْعًا، إِذَا كَانَ مَعْنَاهُ صَحِيحًا. وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنَ النُّفَاةِ أَوِ الْمُثْبِتَةِ نَفَى حَقًّا أَوْ أَثْبَتَ بَاطِلًا، فَهَذَا مَذْمُومٌ ذَمًّا مَعْنَوِيًّا شَرْعًا وَعَقْلًا. وَأَمَّا الشَّرْعُ، فَالرُّسُلُ وَأَتْبَاعُهُمْ الَّذِينَ مِنْ أُمَّةِ مُوسَى وَعِيسَى وَمُحَمَّدٍ ﷺ ، لَمْ يَقُولُوا: إِنَّ اللَّهَ جِسْمٌ، وَلَا إِنَّهُ لَيْسَ بِجِسْمٍ، وَلَا إِنَّهُ جَوْهَرٌ، وَلَا إِنَّهُ لَيْسَ بِجَوْهَرٍ. لَكِنَّ النِّزَاعَ اللُّغَوِيَّ وَالْعَقْلِيَّ وَالشَّرْعِيَّ فِي هَذِهِ الْأَسْمَاءِ، هُوَ مِمَّا أُحْدِثَ فِي الْمِلَلِ الثَّلَاثِ بَعْدَ انْقِرَاضِ الصَّدْرِ الْأَوَّلِ مِنْ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ. وَالَّذِي اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ الرُّسُلُ وَأَتْبَاعُهُمْ، مَا جَاءَ بِهِ الْقُرْآنُ وَالتَّوْرَاةُ مِنْ أَنَّ اللَّهَ مَوْصُوفٌ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، فَلَا تُمَثَّلُ صِفَاتُهُ بِصِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ، مَعَ إِثْبَاتِ مَا أَثْبَتَهُ لِنَفْسِهِ مِنَ الصِّفَاتِ، وَلَا يَدْخُلُ فِي صِفَاتِهِ مَا لَيْسَ مِنْهَا، وَيَخْرُجُ مِنْهَا مَا هُوَ دَاخِلٌ فِيهَا.

стр. 1767

إِذَا تَبَيَّنَ هَذَا، فَالْمُسْلِمُونَ لَمَّا كَانَ اعْتِقَادُهُمْ بِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - مَوْصُوفٌ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ، وَأَنَّهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، وَكَانَ مَا أَثْبَتُوهُ لَهُ مِنَ الصِّفَاتِ مِمَّا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ مَلَامٌ ; لِأَنَّهُمْ أَثْبَتُوا مَا أَثْبَتَهُ الرُّسُلُ، وَنَفَوْا مَا نَفَتْهُ الرُّسُلُ، فَكَانَ فِي هَذَا النَّفْيِ مَا يَنْفِي الْوَهْمَ الْبَاطِلَ. بِخِلَافِ مَنْ أَثْبَتَ أُمُورًا لَمْ تَأْتِ بِهَا الرُّسُلُ، وَضَمَّ إِلَيْهَا مَا يُؤَكِّدُ الْمَعْنَى الْبَاطِلَ لَا مَا يَنْفِيهِ، وَكَانَ مِمَّا نَفَوْا عَنْهُ أَنَّهُ لَيْسَ بِجِسْمٍ مُرَكِّبٍ مِنَ الْجَوَاهِرِ الْمُنْفَرِدَةِ، وَلَا مِنَ الْمَادَّةِ وَالصُّورَةِ. أَمَّا عَلَى أَحَدِ قَوْلَيِ النُّظَّارِ بَلْ أَظْهَرِهِمَا، فَإِنَّ مَا سِوَاهُ مِنَ الْمَوْجُودَاتِ الْقَائِمَةِ بِأَنْفُسِهَا، لَيْسَ مُرَكَّبًا لَا مِنْ هَذَا وَلَا مِنْ هَذَا. فَهُوَ سُبْحَانَهُ أَحَقُّ بِتَنْزِيهِهِ عَنْ مِثْلِ هَذَا، إِذْ كُلُّ نَقْصٍ نُفِيَ عَنِ الْمَخْلُوقِ، فَالْخَالِقُ أَحَقُّ بِتَنْزِيهِهِ مِنْهُ. وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ، فَتَارَةً يَقُولُونَ: لِأَنَّ الْمُرَكَّبَ مِنَ الْجَوَاهِرِ الْمُنْفَرِدَةِ يُمْكِنُ افْتِرَاقُ أَجْزَائِهِ، وَذَلِكَ مُمْتَنِعٌ فِي حَقِّ اللَّهِ - تَعَالَى -، وَتَارَةً يَقُولُونَ: لِأَنَّهُ مُفْتَقِرٌ إِلَى أَجْزَائِهِ، وَذَلِكَ مُمْتَنِعٌ فِي حَقِّ اللَّهِ

стр. 1768

- تَعَالَى -، إِذْ جُزْؤُهُ غَيْرُهُ، وَالْمُفْتَقِرُ إِلَى غَيْرِهِ لَا يَكُونُ وَاجِبًا بِنَفْسِهِ قَدِيمًا أَزَلِيًّا، كَمَا قَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَى هَذِهِ الْأُمُورِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ. ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ لَا يُطْلِقُ مِنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ إِلَّا الْأَلْفَاظَ الشَّرْعِيَّةَ، فَكَمَا لَا يَقُولُ: هُوَ جِسْمٌ وَجَوْهَرٌ، لَا يَقُولُ: لَيْسَ بِجِسْمٍ وَلَا جَوْهَرٍ. وَمِنْهُمْ مَنْ يُطْلِقُ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ، وَهَؤُلَاءِ مِنْهُمْ مَنْ يَنْفِيهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ يُثْبِتُهَا. وَكُلٌّ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ قَدْ يُدْخِلُ فِي ذَلِكَ مَا يُوَافِقُ الشَّرْعَ، وَقَدْ يُدْخِلُ فِي ذَلِكَ مَا يُخَالِفُ الشَّرْعَ. وَكُلٌّ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ يَدَّعِي النَّظَرَ الْعَقْلِيَّ أَوِ اللُّغَوِيَّ، وَرُبَّمَا اعْتَصَمَ بَعْضُهُمْ بِمَا يَظُنُّهُ دَلِيلًا شَرْعِيًّا. وَالْغَالِبُ عَلَيْهِمْ أَنَّهُمْ لَا يَعْتَصِمُونَ فِي ذَلِكَ بِشَرْعٍ، إِذْ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ شَرْعٌ، وَإِنَّمَا يَتَكَلَّفُونَ تَغْيِيرَ اللُّغَةِ الَّتِي بُعِثَ بِهَا الرَّسُولُ، ثُمَّ يَحْمِلُونَ أَلْفَاظَهُ عَلَى مَا ابْتَدَعُوهُ مِنَ اللُّغَةِ، كَمَا فَعَلَتْهُ النَّصَارَى فِي حَمْلِ كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى مَا ابْتَدَعُوهُ مِنَ اللُّغَةِ. فَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُسَمُّوا عِلْمَ اللَّهِ وَحَيَاتَهُ ابْنًا، وَرُوحَ قُدْسٍ، وَلَا رَبًّا، فَسَمَّى النَّصَارَى عِلْمَهُ وَحَيَاتَهُ ابْنًا، وَرُوحَ قُدُسٍ، وَرَبًّا، ثُمَّ حَمَلُوا كَلَامَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى ذَلِكَ. كَذَلِكَ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ كَانَ السَّلَفُ يُسَمُّونَهُمُ الْجَهْمِيَّةَ، أَحْدَثُوا تَسْمِيَةَ الْوَاحِدِ وَالْأَحَدِ وَنَحْوِهُمَا لِمَا لَا يُشَارُ إِلَيْهِ وَيُمَيِّزُ الْحِسُّ مِنْهُ

стр. 1769

شَيْئًا عَنْ شَيْءٍ، وَهَذَا خِلَافُ اللُّغَةِ، فَإِنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ يُسَمُّونَ بِالْوَاحِدِ وَالْوَحِيدِ وَالْأَحَدِ فِي النَّفْيِ لِمَا يُشَارُ إِلَيْهِ وَيُمَيِّزُ الْحِسُّ مِنْهُ شَيْئًا مِنْ شَيْءٍ، قَالَ تَعَالَى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ [المدثر: ١١] فَسَمَّى الْإِنْسَانَ وَحِيدًا، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ [النساء: ١١] فَسَمَّى الْمَرْأَةَ وَاحِدَةً، ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ﴾ [القمر: ٥٠] وَقَالَ: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] فَسَمَّى الْمُسْتَجِيرَ وَهُوَ الْإِنْسَانُ أَحَدًا. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] فَنَفَى أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ كُفُوًا لَهُ.

стр. 1770

فَلَوْ كَانَ مَا يُشَارُ إِلَيْهِ لَا يُسَمَّى أَحَدًا، لَمْ يَكُنْ قَدْ نَزَّهَهُ عَنْ مُمَاثَلَةِ الْمَخْلُوقَاتِ لَهُ، فَإِنَّ الْمَشْهُودَ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ كُلِّهَا يُشَارُ إِلَيْهَا، فَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ فِي أَحَدٍ، لَمْ يَكُنْ قَدْ نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْ مُمَاثَلَتِهَا. فَهَؤُلَاءِ لَمَّا أَحْدَثُوا أَنَّ مُسَمَّى الْأَحَدِ وَالْوَاحِدِ لَا يَكُونُ مُشَارًا إِلَيْهِ، قَالُوا: وَالرَّبُّ قَدْ سَمَّى نَفْسَهُ أَحَدًا وَوَاحِدًا، فَيَجِبُ أَنْ لَا يَكُونَ مُشَارًا إِلَيْهِ. وَلُغَةُ الرَّسُولِ الَّتِي خَاطَبَ بِهَا النَّاسَ لَمْ تَكُنْ مُوَافِقَةً لِمَا ابْتَدَعُوهُ مِنَ اللُّغَةِ. وَكَذَلِكَ الَّذِينَ قَالُوا: " هُوَ جِسْمٌ " غَيَّرُوا اللُّغَةَ، وَجَعَلُوا الْجِسْمَ اسْمًا لِمَا يُشَارُ إِلَيْهِ، أَوْ لِكُلِّ مَوْجُودٍ، وَلِكُلِّ قَائِمٍ بِنَفْسِهِ. ثُمَّ قَالُوا: هُوَ مَوْجُودٌ، أَوْ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ، أَوْ مُشَارٌ إِلَيْهِ، فَيَكُونُ جِسْمًا وَلَا يُوجَدُ فِي اللُّغَةِ اسْمُ الْجِسْمِ، لَا لِهَذَا، وَلَا لِهَذَا، وَلَا لِهَذَا. وَقَالُوا: لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ مُشَارًا إِلَيْهِ أَنْ يَكُونَ مُرَكَّبًا مِنَ الْجَوَاهِرِ الْمُفْرَدَةِ، وَلَا مِنَ الْمَادَّةِ وَالصُّورَةِ. وَقَالَ أُولَئِكَ: بَلْ يَلْزَمُ أَنَّ كُلَّ مُرَكَّبٍ، يُسَمَّى فِي اللُّغَةِ جِسْمًا، فَيَلْزَمُ أَنْ يُسَمَّى جِسْمًا، إِذَا قُلْنَا: هُوَ مُشَارٌ إِلَيْهِ، أَوْ يُرَى بِالْأَبْصَارِ، أَوْ مُتَّصِفًا بِصِفَاتٍ تَقُومُ بِهِ. وَلَيْسَ مَا ذَكَرُوهُ عَنِ اللُّغَةِ بِمُسْتَقِيمٍ، فَإِنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ لَا يَعْنُونَ بِالْجِسْمِ الْمُرَكَّبَ، بَلِ الْجِسْمُ عِنْدَهُمْ هُوَ الْجَسَدُ، وَلَا يُسَمُّونَ الْهَوَاءَ جِسْمًا.

стр. 1771

إِذَا تَبَيَّنَ هَذَا، فَتَمْثِيلُ هَؤُلَاءِ النَّصَارَى بَاطِلٌ، عَلَى قَوْلِ كُلِّ طَائِفَةٍ مِنْ طَوَائِفِ الْمُسْلِمِينَ. فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: الْجِسْمُ - فِي اللُّغَةِ - هُوَ الْمُرَكَّبُ، وَاللَّهُ لَيْسَ بِمُرَكَّبٍ، فَلَيْسَ بِجِسْمٍ. لَا يَقُولُونَ بِمَا ذَكَرُوهُ مِنْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ وَجْهٌ يُوَلِّيهِ إِلَى كُلِّ مَكَانٍ، وَجَنْبٌ وَنَحْوَ ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ مَنْ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِمُرَكَّبٍ، وَسَمَّاهُ جِسْمًا، بِمَعْنَى أَنَّهُ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ، أَوْ لَمْ يُسَمِّهِ جِسْمًا، لَا يَقُولُ بِذَلِكَ أَيْضًا، وَمَنْ حَكَى عَنْهُ يُثْبِتْ لَهُ خَصَائِصَ الْأَجْسَامِ الْمُرَكَّبَةِ، فَهَؤُلَاءِ إِنْ أَطْلَقُوا مَا نَفَاهُ، فَلَا حُجَّةَ لِلنَّصَارَى عَلَيْهِمْ، وَإِنْ لَمْ يُطْلِقُوهُ، فَحُجَّتُهُمْ أَبْعَدُ. فَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ حُجَّةٌ عَلَى أَفْسَدِ النَّاسِ قَوْلًا فِي التَّجْسِيمِ، فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِمْ. الْوَجْهُ السَّادِسُ: أَنْ يُقَالَ لِهَؤُلَاءِ النَّصَارَى: إِمَّا أَن تَعْنُوا بِلَفْظِ الْجِسْمِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيَّ وَهُوَ الْجَسَدُ، وَإِمَّا أَنْ تَعْنُوا بِهِ الْمَعْنَى الِاصْطِلَاحِيَّ عِنْدَ أَهْلِ الْكَلَامِ، كَالْمُشَارِ إِلَيْهِ مَثَلًا. فَإِنْ عَنَيْتُمُ الْأَوَّلَ، لَمْ يَلْزَمْ مِنْ نَفْيِ ذَلِكَ نَفْيُ مَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنَ الصِّفَاتِ لَا سِيَّمَا وَأَنْتُمْ تَقُولُونَ: إِنَّهُ جَوْهَرٌ، وَقَسَّمْتُمُ الْجَوْهَرَ إِلَى لَطِيفٍ وَكَثِيفٍ. فَإِذَا كَانَ الْكَثِيفُ هُوَ الْجِسْمُ، وَاللَّطِيفُ جَوْهَرٌ لَيْسَ بِجِسْمٍ، لَمْ يَمْتَنِعْ عَلَى مِثْلِ هَذَا أَنْ يَكُونَ لَهُ مَا يُنَاسِبُهُ مِنَ الصِّفَاتِ كَالْمَلَائِكَةِ،

стр. 1772

فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا يَمْتَنِعُ وَصْفُهَا بِذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ أَجْسَامًا عَلَى هَذَا الِاصْطِلَاحِ، بَلْ هِيَ جَوَاهِرُ رُوحَانِيَّةٌ، وَكَذَلِكَ رُوحُ الْإِنْسَانِ الَّتِي تَخْرُجُ مِنْهُ، لَا يَمْتَنِعُ وَصْفُهَا بِمَا يُنَاسِبُهَا مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَتْ لَيْسَتْ بِجِسْمٍ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ. فَتَبَيَّنَ أَنَّ نَفْيَ مُسَمَّى الْجِسْمِ اللُّغَوِيِّ عَنِ الشَّيْءِ، لَا يَمْتَنِعُ اتِّصَافُهُ بِمَا ذُكِرَ مِنَ الصِّفَاتِ وَأَمْثَالِهَا. وَإِنْ عَنَيْتُمْ بِالْجِسْمِ الْقَائِمِ بِنَفْسِهِ أَوِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ، لَمْ يَمْتَنِعْ - عِنْدَكُمْ - أَنْ يَكُونَ جِسْمًا، فَإِنَّكُمْ سَمَّيْتُمُوهُ جَوْهَرًا، وَعَنَيْتُمُ الْقَائِمَ بِنَفْسِهِ. فَإِنْ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ كُلَّ قَائِمٍ بِنَفْسِهِ يُشَارُ إِلَيْهِ، كَانَ أَيْضًا مُشَارًا إِلَيْهِ. وَإِنْ قَامَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ لَا يُشَارُ إِلَيْهِ، كَانَ جَوْهَرًا وَجِسْمًا عِنْدَ مَنْ يُفَسِّرُ الْجِسْمَ بِالْقَائِمِ بِنَفْسِهِ، وَمَنْ فَسَّرَهُ بِالْمُشَارِ إِلَيْهِ لَمْ يُسَمَّ عِنْدَهُ جِسْمًا، فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ عَلَى - أَصْلِكُمْ - لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُسَمَّى جِسْمًا مَعَ تَسْمِيَتِكُمْ لَهُ جَوْهَرًا، إِلَّا إِذَا ثَبَتَ أَنَّ مِنَ الْمَوْجُودَاتِ مَا هُوَ جَوْهَرٌ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ لَا يُشَارُ إِلَيْهِ، وَهَذَا لَمْ يُقِيمُوا عَلَيْهِ دَلِيلًا، وَلَيْسَ هَذَا قَوْلَ أَهْلِ الْمِلَلِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَإِنَّمَا هُوَ قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنَ الْفَلَاسِفَةِ، وَقَلِيلٌ مِنْ أَهْلِ الْمِلَلِ وَافَقُوهُمْ. ثُمَّ يُقَالُ لَكُمْ: أَنْتُمْ قُلْتُمْ: إِنَّهُ حَيٌّ نَاطِقٌ، وَلَهُ حَيَاةٌ وَنُطْقٌ، بَلْ زِدْتُمْ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى جَعَلْتُمُوهُ أَقَانِيمَ ثَلَاثَةً.

стр. 1773

وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْحَيَاةَ وَالنُّطْقَ لَا تُعْقَلُ إِلَّا صِفَةً قَائِمَةً بِمَوْصُوفٍ، وَلَا يُعْلَمُ مَوْصُوفٌ بِالْحَيَاةِ وَالنُّطْقِ إِلَّا مَا هُوَ مُشَارٌ إِلَيْهِ، بَلْ مَا هُوَ جِسْمٌ كَالْإِنْسَانِ. فَإِنْ جَازَ لَكُمْ أَنْ تُثْبِتُوا هَذِهِ الْأَعْرَاضَ فِي غَيْرِ جِسْمٍ، جَازَ لِغَيْرِكُمْ أَنْ يُثْبِتَ الْمَجِيءَ وَالْيَدَ وَنَحْوَ ذَلِكَ لِغَيْرِ الْجِسْمِ. وَإِنْ قُلْتُمْ: هَذَا لَا يُعْقَلُ إِلَّا لِجِسْمٍ، قِيلَ لَكُمْ: وَذَلِكَ لَا يُعْقَلُ إِلَّا لِجِسْمٍ، فَإِنْ رَجَعْتُمْ إِلَى الشَّاهِدِ، كَانَ حُجَّةً عَلَيْكُمْ، وَإِنْ جَازَ لَكُمْ أَنْ تُثْبِتُوا فِي الْغَائِبِ حُكْمًا عَلَى خِلَافِ الشَّاهِدِ، جَازَ لِغَيْرِكُمْ، وَحِينَئِذٍ فَلَا تَنَاقُضَ بَيْنَ مَا نَفَاهُ الْمُسْلِمُونَ وَأَثْبَتُّمُوهُ، لَوْ كَانَ مَا ذَكَرْتُمُوهُ عَنْهُمْ مِنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ حَقًّا عَلَى وَجْهِهِ، فَكَيْفَ وَقَدْ وَقَعَ التَّحْرِيفُ فِي الطَّرَفَيْنِ؟ الْوَجْهُ السَّابِعُ: أَنْ يُقَالَ: غَايَةُ مَقْصُودِكُمْ أَنْ تَقُولُوا: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ لَمَّا أَطْلَقُوا أَلْفَاظًا ظَاهِرُهَا كُفْرٌ عِنْدَهُمْ، لِمَجِيءِ النَّصِّ بِهَا، وَهُمْ لَا يَعْتَقِدُونَ ظَاهِرَ مَدْلُولِهَا، كَذَلِكَ نَحْنُ أَطْلَقْنَا هَذِهِ الْأَلْفَاظَ الَّتِي ظَاهِرُهَا كُفْرٌ، لِمَجِيءِ النَّصِّ بِهَا، وَنَحْنُ لَا نَعْتَقِدُ مَدْلُولَهَا. فَيُقَالُ لَكُمْ: أَوَّلًا: إِنَّ مَا أَطْلَقَهُ الْمُسْلِمُونَ مِنْ نُصُوصِ الصِّفَاتِ أَطْلَقْتُمُوهُ أَنْتُمْ، كَمَا وَرَدَتْ بِهِ التَّوْرَاةُ، فَهَذَا مُشْتَرَكٌ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ، وَمَا اخْتَصَصْتُمْ بِهِ مِنَ التَّثْلِيثِ، وَالِاتِّحَادِ لَمْ يَشْرَكُوكُمْ فِيهِ. ثُمَّ يُقَالُ ثَانِيًا: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ أَطْلَقُوا أَلْفَاظَ النُّصُوصِ، وَأَنْتُمْ أَطْلَقْتُمْ أَلْفَاظًا لَمْ يَرِدْ بِهَا نَصٌّ.

стр. 1774

وَالْمُسْلِمُونَ قَرَنُوا تِلْكَ الْأَلْفَاظَ بِمَا جَاءَتْ بِهِ النُّصُوصُ مِنْ نَفْيِ التَّمْثِيلِ. وَأَنْتُمْ لَمْ تَقْرِنُوا بِأَلْفَاظِكُمْ مَا يَنْفِي مَا أَثْبَتُّمُوهُ مِنَ التَّثْلِيثِ وَالِاتِّحَادِ. وَالْمُسْلِمُونَ لَمْ يَعْتَقِدُوا مَعْنًى بَاطِلًا. وَأَنْتُمُ اعْتَقَدْتُمْ مِنَ التَّثْلِيثِ فِي الْأَقَانِيمِ وَالِاتِّحَادِ مَا هُوَ مَعْنًى بَاطِلٌ. وَالْمُسْلِمُونَ لَمْ يُسَمُّوا صِفَاتِ اللَّهِ بِأَسْمَاءٍ أَحْدَثُوا تَسْمِيَةَ الصِّفَاتِ بِهَا وَحَمَلُوا كَلَامَ الرُّسُلِ عَلَيْهَا. وَأَنْتُمْ أَحْدَثْتُمْ لِصِفَاتِ اللَّهِ أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهُ أَنْتُمْ بِهَا لَمْ تَسْمَعْهُ الرُّسُلُ، وَحَمَلْتُمْ كَلَامَ الرُّسُلِ عَلَيْهَا. وَالْمُسْلِمُونَ لَمْ يَعْدِلُوا عَنِ النُّصُوصِ الْكَثِيرَةِ الْمُحْكَمَةِ الْبَيِّنَةِ الْوَاضِحَةِ إِلَى أَلْفَاظٍ قَلِيلَةٍ مُتَشَابِهَةٍ. وَأَنْتُمْ عَدَلْتُمْ عَنْ هَذَا إِلَى هَذَا. وَالْمُسْلِمُونَ لَمْ يَضَعُوا لَهُمْ شَرِيعَةَ اعْتِقَادٍ غَيْرِ مَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ. وَأَنْتُمْ وَضَعْتُمْ شَرِيعَةَ اعْتِقَادٍ غَيْرِ مَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ. وَالْمُسْلِمُونَ لَمْ يَقُولُوا قَوْلًا لَا يُعْقَلُ. وَأَنْتُمْ قُلْتُمْ قَوْلًا لَا يُعْقَلُ. وَالْمُسْلِمُونَ لَمْ يَتَنَاقَضُوا، فَيَجْعَلُوا الْإِلَهَ وَاحِدًا وَيَجْعَلُونَهُ

стр. 1775

اثْنَيْنِ، بَلْ ثَلَاثَةً، وَأَنْتُمْ تَنَاقَضْتُمْ. فَهَذِهِ الْفُرُوقُ وَغَيْرُهَا مِمَّا يُبَيِّنُ فَسَادَ تَشْبِيهِكُمْ أَنْفُسَكُمْ بِالْمُسْلِمِينَ. الْوَجْهُ الثَّامِنُ: قَوْلُكُمْ: وَكَذَلِكَ - نَحْنُ النَّصَارَى - الْعِلَّةُ فِي قَوْلِنَا: (إِنَّ اللَّهَ ثَلَاثَةُ أَقَانِيمَ، أَبٍ، وَابْنٍ، وَرُوحِ قُدُسٍ، أَنَّ الْإِنْجِيلَ نَطَقَ بِهِ. فَيُقَالُ لَكُمْ: هَذَا بَاطِلٌ، فَإِنَّهُ لَمْ يَنْطِقْ لَا الْإِنْجِيلُ وَلَا شَيْءٌ مِنَ النُّبُوَّاتِ بِأَنَّ اللَّهَ ثَلَاثَةُ أَقَانِيمَ، وَلَا خَصَّ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ الرَّبَّ بِثَلَاثِ صِفَاتٍ دُونَ غَيْرِهَا، وَلَا قَالَ الْمَسِيحُ وَلَا غَيْرُهُ: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْأَبُ وَالِابْنُ وَرُوحُ الْقُدُسِ، وَلَا إِنَّ لَهُ أُقْنُومًا هُوَ الِابْنُ، وَأُقْنُومًا هُوَ رُوحُ الْقُدُسِ، وَلَا قَالَ: إِنَّ الِابْنَ كَلِمَتُهُ أَوْ عِلْمُهُ أَوْ حِكْمَتُهُ أَوْ نُطْقُهُ، وَإِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ حَيَاتُهُ، وَلَا سَمَّى شَيْئًا مِنْ صِفَاتِهِ ابْنًا وَلَا وَلَدًا، وَلَا قَالَ عَنْ شَيْءٍ مِنْ صِفَاتِ الرَّبِّ إِنَّهُ مَوْلُودٌ، وَلَا جَعَلَ الْقَدِيمَ الْأَزَلِيَّ مَوْلُودًا، وَلَا قَالَ لَا عَنْ قَدِيمٍ وَلَا مَخْلُوقٍ، إِنَّهُ إِلَهٌ حَقٌّ مِنْ إِلَهٍ حَقٍّ، وَلَا قَالَ عَنْ صِفَاتِ اللَّهِ إِنَّهَا آلِهَةٌ، وَإِنَّ الْكَلِمَةَ إِلَهٌ وَالرُّوحَ إِلَهٌ، وَلَا قَالَ إِنَّ اللَّهَ اتَّحَدَ لَا بِذَاتِهِ وَلَا بِصِفَاتِهِ بِشَيْءٍ مِنَ الْبَشَرِ، بَلْ هَذَا كُلُّهُ مِمَّا ابْتَدَعْتُمُوهُ وَخَرَجْتُمْ بِهِ عَنِ الشَّرْعِ وَالْعَقْلِ، فَخَالَفْتُمُ الْكُتُبَ الْمُنَزَّلَةَ وَالْعُقُولَ الصَّرِيحَةَ، وَكُنْتُمْ مِمَّنْ قِيلَ فِيهِمْ: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠]

стр. 1776

فَإِنَّكُمْ أَنْتُمْ الَّذِينَ سَمَّيْتُمْ نُطْقَ اللَّهِ ابْنًا، وَقُلْتُمْ: سَمَّيْنَاهُ ابْنًا ; لِأَنَّهُ تَوَلَّدَ مِنْهُ كَمَا يَتَوَلَّدُ الْكَلَامُ مِنَ الْعَقْلِ، فَكَانَ يَنْبَغِي أَيْضًا أَنْ تُسَمُّوا حَيَاتَهُ ابْنًا ; لِأَنَّهَا مُنْبَثِقَةٌ مِنْهُ وَمُتَوَلِّدَةٌ عَنْهُ أَيْضًا، إِذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ عِلْمِ الرَّبِّ وَحَيَاتِهِ. فَعِلْمُهُ لَازِمٌ لَهُ وَحَيَاتُهُ لَازِمَةٌ لَهُ، فَلِمَاذَا جَعَلْتُمْ هَذَا ابْنًا دُونَ هَذَا. وَقُلْتُمْ: إِنَّهُ مَوْلُودٌ مِنَ اللَّهِ، وَإِنَّهُ قَدِيمٌ أَزَلِيٌّ، وَأَنْتُمْ تَعْتَرِفُونَ بِأَنَّ أَحَدًا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ لَمْ يُسَمِّ عِلْمَ اللَّهِ وَلَا كَلَامَهُ وَلَا حِكْمَتَهُ مَوْلُودًا مِنْهُ. وَالَّذِي يَعْقِلُهُ الْخَلْقُ فِي الْمَوْلُودِ الَّذِي يُولَدُ مِنْ غَيْرِهِ، كَمَا يَتَوَلَّدُ الْعِلْمُ وَالْكَلَامُ مِنْ نَفْسِ الْإِنْسَانِ، أَنَّهُ حَادِثٌ فِيهِ أَوْ مُنْفَصِلٌ عَنْهُ، لَا يُعْقَلُ أَنَّهُ قَائِمٌ بِهِ، وَأَنَّهُ مُتَوَلِّدٌ مِنْهُ قَدِيمٌ أَزَلِيٌّ. ثُمَّ قُلْتُمْ فِي أَمَانَتِكُمْ، إِنَّهُ تَجَسَّمَ مِنْ رُوحِ الْقُدُسِ، أَوْ مِنْهُ وَمِنْ مَرْيَمَ. وَهُوَ إِنَّمَا تَجَسَّمَ عِنْدَكُمْ مِنَ الْكَلِمَةِ الَّتِي سَمَّيْتُمُوهَا الِابْنَ دُونَ رُوحِ الْقُدُسِ. وَإِنْ كَانَ تَجَسَّمَ مِنْ رُوحِ الْقُدُسِ، فَيَكُونُ هُوَ رُوحُ الْقُدُسِ لَا يَكُونُ هُوَ الْكَلِمَةُ الَّتِي هِيَ الِابْنُ. ثُمَّ تَقُولُونَ: هُوَ كَلِمَةُ اللَّهِ وَرُوحُهُ، فَيَكُونُ حِينَئِذٍ أُقْنُومَيْنِ، أُقْنُومَ الْكَلِمَةِ وَأُقْنُومَ الرُّوحِ، وَإِنَّمَا هُوَ عِنْدَكُمْ أُقْنُومٌ وَاحِدٌ.

стр. 1777

فَهَذَا تَنَاقُضٌ وَحَيْرَةٌ، تَجْعَلُونَهُ الِابْنَ الَّذِي هُوَ الْكَلِمَةُ، وَهُوَ أُقْنُومُ الْكَلِمَةِ فَقَطْ وَتَقُولُونَ: تَجَسَّمَ مِنْ رُوحِ الْقُدُسِ، وَلَا تَقُولُونَ: إِنَّهُ تَجَسَّمَ مِنَ الْكَلِمَةِ. وَتَقُولُونَ: هُوَ كَلِمَةُ اللَّهِ وَرُوحُهُ، وَالْكَلِمَةُ وَالرُّوحُ أُقْنُومَانِ. وَلَا تَقُولُونَ: إِنَّهُ أُقْنُومَانِ، بَلْ أُقْنُومٌ وَاحِدٌ. وَتَقُولُونَ: إِنَّهُ خَالِقُ الْعَالَمِ، وَالْخَالِقُ هُوَ الْأَبُ وَتَقُولُونَ: لَيْسَ هُوَ الْأَبُ، وَتَقُولُونَ: إِلَهٌ حَقٌّ مِنْ إِلَهٍ حَقٍّ، وَتَقُولُونَ: إِلَهٌ وَاحِدٌ سَاوَى الْأَبَ فِي الْجَوْهَرِ. وَتَقُولُونَ: لَيْسَ لَهُ مِثْلٌ، وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ هَذَا فِي كَلَامِ أَحَدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، فَكَيْفَ تُشَبِّهُونَ أَنْفُسَكُمْ بِمَنِ اتَّبَعَ نُصُوصَ الْأَنْبِيَاءِ، وَلَمْ يُحَرِّفْهَا؟ وَغَايَةُ مَا عِنْدَكُمْ مَا وُجِدَ فِي إِنْجِيلِ " مَتَّى " دُونَ سَائِرِ الْأَنَاجِيلِ مِنْ أَنَّ الْمَسِيحَ ﵇ قَالَ: (عَمِّدُوا النَّاسَ بِاسْمِ الْأَبِ وَالِابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ) . وَأَنْتُمْ قَدْ عَرَفْتُمْ فِي كَلَامِ الْمَسِيحِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ بِالِابْنِ صِفَةَ اللَّهِ، لَا كَلَامَهُ وَلَا عِلْمَهُ وَلَا حِكْمَتَهُ. وَلَا يُرِيدُونَ بِالِابْنِ: إِلَهٌ حَقٌّ مِنْ إِلَهٍ حَقٍّ، وَلَا مَوْلُودٌ قَدِيمٌ أَزَلِيٌّ،

стр. 1778

بَلْ يُرِيدُونَ بِهِ وَلِيَّهُ، وَهُوَ نَاسُوتٌ لَا لَاهُوتٌ، كَيَعْقُوبَ وَالْحَوَارِيِّينَ. وَلَا يُرِيدُونَ بِرُوحِ الْقُدُسِ نَفْسَ حَيَاةِ اللَّهِ، وَلَا يُرِيدُونَ بِهِ أَنَّهُ رَبٌّ حَيٌّ، وَإِنَّمَا يُرِيدُونَ بِهَا الْمَلَكَ أَوْ مَا يُنَزِّلُهُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ أَنْبِيَائِهِ وَأَصْفِيَائِهِ مِنَ الْهُدَى وَالتَّأْيِيدِ وَنَحْوَ ذَلِكَ. فَرُوحُ الْقُدُسِ يَكُونُ عِنْدَكُمْ وَعِنْدَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْأَنْبِيَاءِ وَغَيْرِهِمْ، كَمَا كَانَتْ فِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ وَكَانَتْ فِي الْحَوَارِيِّينَ. فَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ لَفْظَ الِابْنِ وُجِدَ فِي كَلَامِ الْمَسِيحِ مُسْتَعْمَلًا تَارَةً فِي كَلِمَةِ اللَّهِ، وَتَارَةً فِي وَلِيِّهِ النَّاسُوتِ، وَرُوحَ الْقُدُسِ مُسْتَعْمَلًا تَارَةً فِي حَيَاتِهِ، وَتَارَةً فِيمَا يُنْزِلُهُ عَلَى قُلُوبِ أَنْبِيَائِهِ - كَانَ جَزْمُكُمْ بِأَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ هُنَا صِفَاتِ اللَّهِ جَزْمًا بَاطِلًا. فَمَا وُصِفَ بِهِ الْمَسِيحُ مِنْ أَنَّهُ ابْنُ اللَّهِ، وَمِنْ أَنَّ رُوحَ الْقُدُسِ فِيهِ - قَدْ وُصِفَ بِهِ غَيْرُهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ. فَإِنْ كَانَ الِابْنُ وَرُوحُ الْقُدُسِ صِفَتَيْنِ لِلَّهِ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ غَيْرُ الْمَسِيحِ لَاهُوتًا وَنَاسُوتًا كَالْمَسِيحِ، إِذِ الَّذِي حَلَّ فِي الْمَسِيحِ حَلَّ فِي غَيْرِهِ. ثُمَّ جَزْمُكُمْ بِأَنَّ هَذِهِ الصِّفَاتِ أَقَانِيمُ، وَأَنَّهُ لَيْسَ لِلَّهِ صِفَاتٌ ذَاتِيَّةٌ أَوْ جَوْهَرِيَّةٌ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ إِلَّا هَذِهِ الثَّلَاثَةَ، ثُمَّ تَفَرَّقْتُمْ فِي الثَّلَاثَةِ، هَلِ الْمُرَادُ بِالْأَقَانِيمِ الْوُجُودُ وَالْعِلْمُ وَالْحَيَاةُ، أَوِ الْحِكْمَةُ وَالْكَلَامُ، أَوِ النُّطْقُ

стр. 1779

بَدَلَ لَفْظِ الْعِلْمِ، أَوِ الْمُرَادُ الْوُجُودُ وَالْعِلْمُ وَالْقُدْرَةُ، بَدَلَ الْحَيَاةِ، أَوِ الْمُرَادُ الْوُجُودُ وَالْحَيَاةُ وَالْقُدْرَةُ، أَوِ الْمُرَادُ الْوُجُودُ مَعَ الْحَيَاةِ وَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ؟ إِلَى أَقْوَالٍ أُخْرَى يَطُولُ أَمْرُهَا. فَيَا لَيْتَ شِعْرِي، مَا الَّذِي أَرَادَ الْمَسِيحُ بِلَفْظِ الْأَبِ وَالِابْنِ وَرُوحِ الْقُدُسِ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ الَّتِي اخْتَلَفْتُمْ فِيهَا، لَوْ كَانَ مُرَادُهُ مَا ادَّعَيْتُمُوهُ مِنَ الْأَقَانِيمِ؟ وَالْأَقَانِيمُ - لَفْظًا وَمَعْنًى - لَا يُوجَدُ فِي كَلَامِ أَحَدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، بَلْ قِيلَ فِيهَا: إِنَّهَا لَفْظَةٌ رُومِيَّةٌ، يُفَسِّرُونَهَا تَارَةً بِالْأَصْلِ، وَتَارَةً بِالشَّخْصِ، وَتَارَةً بِالذَّاتِ مَعَ الصِّفَةِ، وَيُفَسِّرُونَهَا تَارَةً بِالْخَاصَّةِ، وَتَارَةً بِالصِّفَةِ. فَهَلَّا تَرَكْتُمْ كَلَامَ الْمَسِيحِ عَلَى حَالِهِ، وَلَمْ تُحَرِّفُوهُ هَذِهِ التَّحْرِيفَاتِ. وَلَقَدْ أَحْسَنَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ إِذْ قَالَ: لَوْ سَأَلْتَ نَصْرَانِيًّا وَابْنَهُ وَابْنَ ابْنِهِ عَمَّا يَعْتَقِدُونَهُ، لِأَخْبَرَكَ كُلُّ وَاحِدٍ بِعَقِيدَةٍ تُخَالِفُ عَقِيدَةَ الْآخَرِ، إِذْ كَانَ أَصْلُ اعْتِقَادِهِمْ جَهْلًا وَضَلَالًا، لَيْسَ مَعَهُمْ عِلْمٌ لَا نَقْلٌ وَلَا عَقْلٌ، فَهُمْ كَمَا قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ [الحج: ٨] وَلَيْسَ مَعَهُمْ بِمَا اعْتَقَدُوهُ مِنَ التَّثْلِيثِ وَالِاتِّحَادِ عِلْمٌ، بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ فَضْلًا عَمَّا هُوَ أَخَصُّ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ عِلْمٌ يَهْتَدُونَ بِهِ، فَلَيْسُوا

стр. 1780

بِمُهْتَدِينَ فَضْلًا عَمَّا هُوَ أَخَصُّ مِنَ الْهُدَى وَهُوَ " كِتَابٌ مُنِيرٌ " فَلَيْسَ مَعَهُمْ بِهِ كِتَابٌ مُنِيرٌ. وَلَوْ تَكَلَّمْتُمْ بِهَذَا الْكَلَامِ، وَقُلْتُمْ: لَا نَفْهَمُ مَعْنَاهُ أَوْ ظَاهِرُهُ بَاطِلٌ، وَلَهُ تَأْوِيلٌ مَقْبُولٌ، كَمَا حَكَيْتُمُوهُ عَمَّنْ تَشَبَّهْتُمْ بِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَنَّهُ يَقُولُهُ فِي الصِّفَاتِ - لَكَانَ هَذَا أَقْرَبَ إِلَى الْقِيَاسِ. فَكَيْفَ وَالْأَمْرُ بِعَكْسِ مَا ذَكَرْتُمْ؟ وَذَلِكَ يَتَبَيَّنُ بِالْوَجْهِ التَّاسِعِ: وَهُوَ أَنَّكُمْ إِنَّمَا ضَلَلْتُمْ بِعُدُولِكُمْ عَنْ صَرِيحِ كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ وَظَاهِرِهِ، إِلَى مَا تَأَوَّلْتُمُوهُ عَلَيْهِ مِنَ التَّأْوِيلَاتِ الَّتِي لَا يَدُلُّ عَلَيْهَا لَفْظُهُ، لَا نَصًّا وَلَا ظَاهِرًا، فَعَدَلْتُمْ عَنِ الْمُحْكَمِ وَاتَّبَعْتُمُ الْمُتَشَابِهَ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ. فَلَوْ تَمَسَّكْتُمْ بِظَاهِرِ هَذَا الْكَلَامِ، لَمْ تَضِلُّوا، فَإِنَّ الِابْنَ ظَاهِرُهُ فِي كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ، لَا يُرَادُ بِهِ شَيْءٌ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ، بَلْ يُرَادُ بِهِ وَلِيُّهُ وَحَبِيبُهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَرُوحُ الْقُدُسِ يُرَادُ بِهِ صِفَتُهُ، بَلْ يُرَادُ بِهِ وَحْيُهُ وَمَلَكُهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ، فَعَدَلْتُمْ عَنْ ظَاهِرِ اللَّفْظِ وَمَفْهُومِهِ إِلَى مَعْنًى لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ الْبَتَّةَ، فَكَيْفَ تَدَّعُونَ أَنَّكُمُ اتَّبَعْتُمْ نُصُوصَ الْأَنْبِيَاءِ؟ الْوَجْهُ الْعَاشِرُ: أَنَّكُمْ بَالَغْتُمْ فِي ذَمِّ الْمَسِيحِ وَإِنْجِيلِهِ، كَمَا بَالَغْتُمْ فِي سَبِّ اللَّهِ وَشَتْمِهِ، وَإِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ أَنَّ ذَلِكَ ذَمٌّ، فَلَمْ تَرْضَوْا أَنْ تَجْعَلُوا ظَاهِرَ كَلَامِ الْمَسِيحِ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْكُفْرِ حَتَّى جَعَلْتُمْ ظَاهِرَهُ كُفْرًا لَا تَرْضَوْنَهُ، مِثْلَ ثَلَاثَةِ آلِهَةٍ مُتَّفِقَةٍ أَوْ مُتَفَرِّقَةٍ، أَوْ ثَلَاثَةِ أَجْسَامٍ مُؤَلَّفَةٍ، أَوْ ثَلَاثَةِ أَجْزَاءٍ مُفَرَّقَةٍ، أَوْ ثَلَاثَةِ أَشْخَاصٍ مُرَكَّبَةٍ. فَهَذَا وَنَحْوُهُ هُوَ الَّذِي ادَّعَيْتُمْ أَنَّهُ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمَسِيحِ ﵇.

стр. 1781

وَأَنْتُمْ لَا تَقُولُونَ بِهَذَا الظَّاهِرِ، بَلْ تُكَفِّرُونَ قَائِلَهُ، كَمَا يُكَفِّرُ الْمُسْلِمُونَ مَنْ يَقُولُ بِالظَّاهِرِ الَّذِي هُوَ التَّجْسِيمُ وَالتَّمْثِيلُ. وَهَذَا مَا يَتَضَمَّنُ أَنَّ كَلَامَ الْمَسِيحِ ظَاهِرٌ فِي إِثْبَاتِ ثَلَاثَةِ آلِهَةٍ، وَثَلَاثَةِ أَشْخَاصٍ مُؤَلَّفَةٍ، وَثَلَاثَةِ أَجْزَاءٍ مُتَفَرِّقَةٍ، وَثَلَاثَةِ أَشْخَاصٍ مُرَكَّبَةٍ. كَمَا زَعَمْتُمْ أَنَّ ظَاهِرَ الْقُرْآنِ التَّجْسِيمُ، وَأَنَّكُمْ عَدَلْتُمْ عَنْ هَذَا الظَّاهِرِ إِلَى إِثْبَاتِ الْأَقَانِيمِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي جَعَلْتُمْ فِيهَا كَلِمَةَ اللَّهِ هِيَ ابْنُهُ، وَهُوَ جَوْهَرٌ خَالِقٌ يُسَاوِيهِ فِي الْجَوْهَرِ، وَأَنَّ الْمَسِيحَ هُوَ هَذَا الِابْنُ الْمُسَاوِي لِلْأَبِ فِي الْجَوْهَرِ خَالِقُ الْعَالَمِينَ، وَدَيَّانُ يَوْمِ الدِّينِ وَالْجَالِسُ فَوْقَ الْعَرْشِ عَنْ يَمِينِ الرَّبِّ، وَأَنَّهُ إِلَهٌ حَقٌّ مِنْ إِلَهٍ حَقٍّ، وَالرُّوحُ أَيْضًا إِلَهٌ ثَالِثٌ، وَالْآلِهَةُ الثَّلَاثَةُ إِلَهٌ وَاحِدٌ. وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْتُمُوهُ فِيهِ مِنْ عَيْبِ الْمَسِيحِ وَذَمِّهِ مَا يَنْتَصِرُ اللَّهُ بِهِ لِلْمَسِيحِ، وَمِمَّنِ افْتَرَى عَلَيْهِ مِنْكُمْ وَمِنْ غَيْرِكُمْ. فَإِنَّ الْمَسِيحَ ﵇ عَلَى قَوْلِكُمْ - لَمْ يُفْصِحْ لَكُمْ بِأَمَانَةٍ تَعْتَقِدُونَهَا، وَلَا بِتَوْحِيدٍ تَعْرِفُونَ بِهِ رَبَّكُمْ ، بَلْ تَكَلَّمَ بِمَا ظَاهِرُهُ إِثْبَاتُ ثَلَاثَةِ آلِهَةٍ، وَثَلَاثَةِ أَجْسَامٍ مُرَكَّبَةٍ، وَثَلَاثَةِ أَجْزَاءٍ مُتَفَرِّقَةٍ، وَأَنَّكُمْ أَنْتُمْ أَصْلَحْتُمْ ذَلِكَ حَتَّى جَعَلْتُمُوهُ ثَلَاثَةَ أَقَانِيمَ، وَوَضَعْتُمْ تِلْكَ الْأَمَانَةَ الْمُخَالِفَةَ لِعُقُولِ ذَوِي الْعُقُولِ، وَلِكُلِّ كِتَابٍ جَاءَ بِهِ رَسُولٌ، مَعَ أَنَّ الْمَسِيحَ لَمْ يَنْطِقْ بِتَثْلِيثٍ قَطُّ، وَلَا بِاتِّحَادٍ، وَلَا بِمَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ. وَعَمَّدْتُمْ عَلَى مَا نَقَلَهُ " مَتَّى " عَنْهُ دُونَ الثَّلَاثَةِ أَنَّهُ قَالَ: (عَمِّدُوا النَّاسَ بِاسْمِ الْأَبِ وَالِابْنِ وَرُوحِ الْقُدُسِ) .

стр. 1782

وَهَذَا الْكَلَامُ ظَاهِرٌ، بَلْ نَصُّهُ حُجَّةٌ عَلَى خِلَافِ قَوْلِكُمْ، وَأَنَّهُ أَرَادَ بِالِابْنِ نَفْسَهُ، وَهُوَ النَّاسُوتُ، وَلَمْ يُرِدْ بِهِ صِفَةَ اللَّهِ، وَأَرَادَ بِرُوحِ الْقُدُسِ مَا أَيَّدَهُ اللَّهُ بِهِ، أَوْ رُوحَ الْقُدُسِ الَّذِي نَفَخَ فِي أُمِّهِ حَتَّى حَبِلَتْ بِهِ، لَمْ يُرِدْ بِهِ صِفَةَ اللَّهِ - تَعَالَى -. فَتَأَوَّلْتُمْ كَلَامَهُ عَلَى خِلَافِ ظَاهِرِهِ، تَأْوِيلًا يُخَالِفُ صَرِيحَ الْمَعْقُولِ وَصَحِيحَ الْمَنْقُولِ، فَكَيْفَ تَدَّعُونَ أَنَّكُمْ تَمَسَّكْتُمْ بِظَاهِرِ كَلَامِهِ؟ وَلَمَّا كَانَ قَوْلُ النَّصَارَى فِي التَّثْلِيثِ مُتَنَاقِضًا فِي نَفْسِهِ لَا حَقِيقَةَ لَهُ، صَارَ مُجَرَّدُ تَصَوُّرِهِ التَّامِّ كَافِيًا فِي الْعِلْمِ بِفَسَادِهِ مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إِلَى دَلِيلٍ، وَإِنْ كَانَتِ الْأَدِلَّةُ تَظْهَرُ بِفَسَادِهِ. وَلِهَذَا سَلَكَ طَائِفَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ فِي الْكَلَامِ مَعَهُمْ هَذَا الْمَسْلَكَ، وَهُوَ أَنَّ مُجَرَّدَ تَصَوُّرِ مَذْهَبِهِمْ كَافٍ فِي الْعِلْمِ بِفَسَادِهِ، فَإِنَّهُ غَيْرُ مَعْقُولٍ. وَقَالُوا: إِنَّ النَّصَارَى نَاقَضَتْ فِي اللَّفْظِ وَأَحَالَتْ فِي الْمَعْنَى، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعْتَقَدَ مَا يَدَّعُونَ انْتِحَالَهُ لِتَنَاقُضِهِ. وَذَلِكَ أَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ الثَّلَاثَةَ وَاحِدٌ، وَالْوَاحِدَ ثَلَاثَةٌ، وَهَذَا لَا يَصِحُّ اعْتِقَادُهُ ; لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَعْتَقِدَ الْمُعْتَقِدُ فِي شَيْءٍ أَنَّهُ ثَلَاثَةٌ، مَعَ اعْتِقَادِهِ فِيهِ أَنَّهُ وَاحِدٌ ; لِأَنَّ ذَلِكَ مُتَضَادٌّ. وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَلَيْسَ يَخْلُو مِنْ أَنْ يُعْتَقَدَ أَنَّهُ ثَلَاثَةٌ، أَوْ أَنَّهُ وَاحِدٌ. وَلَيْسَ يَحْتَاجُ أَنْ يُعْرَفَ بِدَلِيلٍ بُطْلَانُ قَوْلِ مَنِ ادَّعَى أَنَّ الْوَاحِدَ ثَلَاثَةٌ، وَأَنَّ الثَّلَاثَةَ وَاحِدٌ ; لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُعْقَلُ.

стр. 1783

وَهُوَ كَمَنِ ادَّعَى فِي الشَّيْءِ أَنَّهُ مَوْجُودٌ مَعْدُومٌ، أَوْ قَدِيمٌ مُحْدَثٌ، أَوْ فِي الْجِسْمِ أَنَّهُ قَائِمٌ قَاعِدٌ، مُتَحَرِّكٌ سَاكِنٌ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَتَنَاقُضُهُ أَظْهَرُ مِنْ أَنْ يُحْتَاجَ فِيهِ إِلَى دَلَالَةٍ. وَإِذَا قَالَ النَّصَارَى: إِنَّهُ أَحَدِيُّ الذَّاتِ ثُلَاثِيُّ الصِّفَاتِ. قِيلَ: لَوِ اقْتَصَرْتُمْ عَلَى قَوْلِكُمْ: إِنَّهُ وَاحِدٌ لَهُ صِفَاتٌ مُتَعَدِّدَةٌ، لَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيْكُمْ جُمْهُورُ الْمُسْلِمِينَ، بَلْ يُنْكِرُونَ تَخْصِيصَ الصِّفَاتِ بِثَلَاثٍ، فَإِنَّ هَذَا بَاطِلٌ مِنْ وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ: مِنْهَا: أَنَّ الْأَبَ عِنْدَكُمْ هُوَ الْجَوْهَرُ لَيْسَ هُوَ صِفَةٌ، فَلَا يَكُونُ لَهُ صِفَةٌ إِلَّا الْحَيَاةَ وَالْعِلْمَ، فَيَكُونُ جَوْهَرًا وَاحِدًا لَهُ أُقْنُومَانِ، وَأَنْتُمْ جَعَلْتُمْ ثَلَاثَةَ أَقَانِيمَ. وَمِنْهَا: أَنَّ صِفَاتِ الرَّبِّ لَا تَنْحَصِرُ فِي الْعِلْمِ وَالْحَيَاةِ، بَلْ هُوَ مَوْصُوفٌ بِالْقُدْرَةِ وَغَيْرِهَا. وَمِنْهَا: أَنَّكُمْ تَارَةً تُفَسِّرُونِ رُوحَ الْقُدُسِ بِالْحَيَاةِ، وَتَارَةً بِالْقُدْرَةِ، وَتَارَةً بِالْوُجُودِ. وَتُفَسِّرُونَ الْكَلِمَةَ تَارَةً بِالْعِلْمِ، وَتَارَةً بِالْحِكْمَةِ، وَتَارَةً بِالْكَلَامِ. فَبُطْلَانُ قَوْلِكُمْ فِي إِثْبَاتِ ثَلَاثِ صِفَاتٍ، كَثِيرٌ وَأَنْتُمْ مَعَ هَذَا تَجْعَلُونَ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا إِلَهًا. فَتَجْعَلُونَ الْحَيَاةَ إِلَهًا، وَالْعِلْمَ إِلَهًا، وَهَذَا بَاطِلٌ. وَأَمَّا مَنْ لَمْ يُثْبِتِ الصِّفَاتِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِمْ، فَيَرُدُّونَ عَلَيْكُمْ مِنْ وُجُوهٍ أُخْرَى كَقَوْلِ بَعْضِهِمْ: إِذَا قِيلَ: أَلَسْتُمْ تَقُولُونَ: إِنَّ الْأَبْعَاضَ

стр. 1784

الْكَثِيرَةَ تَكُونُ إِنْسَانًا وَاحِدًا، وَالْآحَادَ الْكَثِيرَةَ عَشَرَةً وَاحِدَةً، وَالْأَجْسَامَ الْكَثِيرَةَ دَارًا وَاحِدَةً وَمَدِينَةً وَاحِدَةً، وَمَا جَرَى هَذَا الْمَجْرَى مِمَّا هُوَ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصَى، وَأَظْهَرُ مِنْ أَنْ يَخْفَى. فَكَيْفَ عِبْتُمْ ذَلِكَ مِنَ النَّصَارَى؟ وَلِمَ أَنْكَرْتُمْ أَنْ يَكُونَ ثَلَاثَةُ أَقَانِيمَ جَوْهَرًا وَاحِدًا؟ قِيلَ: إِنَّ قَوْلَنَا: إِنْسَانٌ وَاحِدٌ، وَدَارٌ وَاحِدَةٌ، وَعَشَرَةٌ وَاحِدَةٌ، وَمَا يَجْرِي هَذَا الْمَجْرَى، أَسْمَاءٌ تُنْبِئُ عَنِ الْجُمَلِ لَا عَنْ آحَادٍ. وَإِذَا قُلْنَا: إِنْسَانٌ وَاحِدٌ، فَكَأَنَّا قُلْنَا: جُمْلَةٌ وَاحِدَةٌ، وَكَذَلِكَ إِذَا قُلْنَا: عَشَرَةٌ وَاحِدَةٌ، لَا أَنَّا نُثْبِتُهُ وَاحِدًا فِي الْحَقِيقَةِ. كَيْفَ وَنَحْنُ نَقُولُ: إِنَّ أَبْعَاضَ الْإِنْسَانِ مُتَغَايِرَةٌ، فَكُلُّ بَعْضٍ مِنْهَا غَيْرُ سَائِرِهَا، وَكَذَلِكَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْعَشَرَةِ غَيْرُ سَائِرِهَا؟ فَنَحْنُ وَإِنْ قُلْنَا: إِنْسَانٌ وَاحِدٌ، فَلَسْنَا نُثْبِتُهُ شَيْئًا وَاحِدًا فِي نَفْسِهِ، وَلَوْ أَثْبَتْنَا ذَلِكَ، لَتَنَاقَضْنَا مُنَاقَضَةَ النَّصَارَى، وَإِنَّمَا قُلْنَا: هِيَ جُمْلَةٌ وَاحِدَةٌ، وَلَوْ قَالَتِ النَّصَارَى مِثْلَ ذَلِكَ، لَمْ تَتَنَاقَضْ، حَتَّى يَزْعُمُوا أَنَّهَا ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ جُمْلَةً وَاحِدَةً. فَيَكُونُ مُرَادُهُمْ فِي ذَلِكَ بِوَصْفِهِمُ الْأَقَانِيمَ الثَّلَاثَةَ، بِأَنَّهَا جَوْهَرٌ وَاحِدٌ مِمَّا نُرِيدُ بِقَوْلِنَا: الْأَبْعَاضُ الْكَثِيرَةُ - أَنَّهُ إِنْسَانٌ وَاحِدٌ. فَيَكُونُ وَصْفُهُمْ لَهَا بِأَنَّهَا جَوْهَرٌ، إِنَّمَا يُنْبِئُ أَنَّهَا جُمْلَةً، وَلَيْسَ هَذَا مِمَّا يَذْهَبُونَ إِلَيْهِ، وَلَا يَعْتَقِدُونَهُ وَلَا يَجْعَلُونَ لَهُ مَعْنًى ; لِأَنَّهُمْ لَا يُعْطُونَ

стр. 1785

حَقِيقَةَ التَّثْلِيثِ، فَيُثْبِتُونَ الْأَقَانِيمَ الثَّلَاثَةَ مُتَغَايِرَةً، وَلَا حَقِيقَةَ التَّوْحِيدِ، فَيُثْبِتُونَ الْقَدِيمَ وَاحِدًا لَيْسَ بِاثْنَيْنِ وَلَا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَمَا قَالُوهُ هُوَ شَيْءٌ لَا يُعْقَلُ، وَلَا يَصْلُحُ اعْتِقَادُهُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُعَارَضُوا عَلَى قَوْلِهِمْ بِكُلِّ حَالٍ. فَيُقَالُ لَهُمْ: إِذَا جَازَ عِنْدَكُمْ أَنْ تَكُونَ ثَلَاثَةُ أَقَانِيمَ جَوْهَرًا وَاحِدًا، فَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ ثَلَاثَةُ آلِهَةٍ جَوْهَرًا وَاحِدًا، وَثَلَاثَةُ فَاعِلِينَ جَوْهَرًا وَاحِدًا، وَثَلَاثَةُ أَغْيَارٍ جَوْهَرًا وَاحِدًا، وَثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ جَوْهَرًا وَاحِدًا، وَثَلَاثَةُ قَادِرِينَ جَوْهَرًا وَاحِدًا، وَكُلُّ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ جَوْهَرًا وَاحِدًا، وَكُلُّ مَا يَجْرِي هَذَا الْمَجْرَى مِنَ الْمُعَارَضَةِ؟ فَلَا يَجِدُونَ فَصْلًا. الْوَجْهُ الْحَادِيَ عَشَرَ: أَنَّ غُلَاةَ الْمُجَسِّمَةِ الَّذِينَ يُكَفِّرُهُمُ الْمُسْلِمُونَ أَحْسَنُ حَالًا مِنْكُمْ شَرْعًا وَعَقْلًا، وَهُمْ أَقَلُّ مُخَالَفَةً لِلشَّرْعِ وَالْعَقْلِ مِنْكُمْ. فَإِذَا كَانَ هَؤُلَاءِ خَيْرًا مِنْكُمْ، فَكَيْفَ تُشَبِّهُونَ أَنْفُسَكُمْ بِمَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْ هَؤُلَاءِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ لَا يَقُولُونَ لَا بِتَمْثِيلٍ وَلَا بِتَعْطِيلٍ. وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَسَائِرَ كُتُبِ اللَّهِ، وَغَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَأْثُورٌ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ فِيهِ نُصُوصٌ كَثِيرَةٌ صَرِيحَةٌ ظَاهِرَةٌ وَاضِحَةٌ فِي وَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ، وَأَنَّهُ لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، وَهُوَ مُسَمًّى فِيهَا بِالْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى، مَوْصُوفٌ بِالصِّفَاتِ الْعُلَى، وَأَنَّ كُلَّ مَا سِوَاهُ مَخْلُوقٌ لَهُ، لَيْسَ فِيهِ

стр. 1786

تَثْلِيثٌ وَلَا اتِّحَادُ الْخَالِقِ بِشَيْءٍ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ، لَا الْمَسِيحِ وَلَا غَيْرِهِ. وَفِيهَا أَلْفَاظٌ قَلِيلَةٌ مُشْكِلَةٌ مُتَشَابِهَةٌ، وَهِيَ - مَعَ ذَلِكَ - لَا تَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنَ التَّثْلِيثِ وَالِاتِّحَادِ، لَا نَصًّا وَلَا ظَاهِرًا، وَلَكِنَّ بَعْضَهَا يَحْتَمِلُ بَعْضَ مَا قُلْتُمْ، وَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ يَحْتَمِلُ جَمِيعَ مَا قُلْتُمْ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ ظَاهِرًا فِيهِ أَوْ نَصًّا، بَلْ بَعْضُهَا يَحْتَمِلُ بَعْضَ قَوْلِكُمْ. فَأَخَذْتُمْ ذَلِكَ الْمُحْتَمَلِ وَضَمَمْتُمْ إِلَيْهِ مِنَ الْكُفْرِ الصَّرِيحِ وَالتَّنَاقُضِ الْقَبِيحِ مَا صَيَّرْتُمُوهُ أَمَانَةً لَكُمْ ; (أَيْ عَقِيدَةَ إِيمَانٍ لَكُمْ) . وَلَوْ كَانَتْ كُلُّهَا تَحْتَمِلُ جَمِيعَ مَا قُلْتُمْ، لَمْ يَجُزِ الْعُدُولُ عَنِ النَّصِّ وَالظَّاهِرِ إِلَى الْمُحْتَمَلِ، وَلَوْ كَانَ بَعْضُهَا ظَاهِرًا فِيمَا قُلْتُمْ، لَمْ يَجُزِ الْعُدُولُ عَنِ النُّصُوصِ الصَّرِيحَةِ إِلَى الظَّاهِرِ الْمُحْتَمَلِ. وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ فِيهَا نُصُوصًا صَرِيحَةً قَدْ عَارَضَتْهَا نُصُوصٌ أُخْرَىَ صَرِيحَةٌ، لَكَانَ الْوَاجِبُ أَنْ يَنْظُرُوا بِنُورِ اللَّهِ الَّذِي أَيَّدَ بِهِ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ، فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ، وَهُوَ الْمَعْنَى الَّذِي يُوَافِقُ صَرِيحَ الْمَعْقُولِ وَسَائِرَ كُتُبِ اللَّهِ، وَذَلِكَ النَّصُّ الْآخَرُ إِنْ فَهِمُوا تَفْسِيرَهُ، وَإِلَّا فَوَّضُوا مَعْنَاهُ إِلَى اللَّهِ - تَعَالَى - إِنْ كَانَ ثَابِتًا عَنِ الْأَنْبِيَاءِ. وَهَؤُلَاءِ عَدَلُوا عَمَّا يُعْلَمُ بِصَرِيحِ الْمَعْقُولِ، وَعَمَّا يُعْلَمُ بِنُصُوصِ

стр. 1787

الْأَنْبِيَاءِ الْكَثِيرَةِ، إِلَى مَا يَحْتَمِلُهُ بَعْضُ الْأَلْفَاظِ لِمُوَافَقَتِهِ لِهَوَاهُمْ، فَلَمْ يَتَّبِعُوا: ﴿إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم: ٢٣] وَأَمَّا كُفَّارُ الْمُجَسِّمَةِ، فَهَؤُلَاءِ أَعْذَرُ وَأَقَلُّ كُفْرًا مِنَ النَّصَارَى، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ كَمَا يَقُولُهُ مَعَهُمُ النُّفَاةُ: إِنَّ ظَوَاهِرَ جَمِيعِ الْكُتُبِ هُوَ التَّجْسِيمُ. فَفِي التَّوْرَاةِ وَالْقُرْآنِ مِنَ الْآيَاتِ الَّتِي ظَاهِرُهَا التَّجْسِيمُ مَا لَا يُحْصَى. وَلَيْسَ فِيهَا نَصٌّ بِمَا يَقُولُهُ النُّفَاةُ مِنْ أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِدَاخِلِ الْعَالَمِ وَلَا خَارِجِهِ، وَلَا مُتَّصِلٌ بِهِ وَلَا مُنْفَصِلٌ عَنْهُ، وَلَا هُوَ فَوْقَ الْعَرْشِ، وَلَا يُشَارُ إِلَيْهِ، وَلَا يَصَعَدُ إِلَيْهِ شَيْءٌ، وَلَا يَنْزِلُ مِنْهُ شَيْءٌ، وَلَا يَقْرُبُ مِنْهُ شَيْءٌ، وَلَا يَدْنُو مِنْ شَيْءٍ، وَلَا يَدْنُو إِلَيْهِ شَيْءٌ، إِلَى نَحْوِ ذَلِكَ مِنَ النَّفْيِ الَّذِي يَقُولُهُ نُفَاةُ الصِّفَاتِ. فَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ لَا التَّوْرَاةِ وَلَا الْإِنْجِيلِ وَلَا الزَّبُورِ وَلَا الْقُرْآنِ وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ النُّبُوَّاتِ - مِنْ هَذَا حَرْفٌ وَاحِدٌ، وَكُلُّهَا مَمْلُوءَةٌ مِمَّا يَقُولُ هَؤُلَاءِ: إِنَّهُ تَجْسِيمٌ. فَيَقُولُ هَؤُلَاءِ: نَحْنُ اتَّبَعْنَا نُصُوصَ الْأَنْبِيَاءِ، وَلَمْ نَعْدِلْ عَنْهَا إِلَى غَيْرِهَا، وَلَمْ نَجِدْ فِي نُصُوصِهِمْ نَصًّا مُحْكَمًا صَرِيحًا بِالنَّفْيِ الَّذِي يَقُولُهُ نُفَاةُ الصِّفَاتِ.

стр. 1788

وَوَجَدْنَا نُصُوصَهُمْ كُلَّهَا بِالْإِثْبَاتِ الَّذِي يَقُولُونَ: إِنَّهُ تَجْسِيمٌ. فَكَانَ عَلَى قَوْلِنَا وَقَوْلِهِمْ نُصُوصُ الْأَنْبِيَاءِ ظَاهِرَةً فِي التَّجْسِيمِ، وَلَيْسَ لَهُمْ نَصٌّ يُنَاقِضُ ذَلِكَ، فَاتَّبَعْنَا نُصُوصَهُمْ، وَكُلُّ مَنْ عَارَضَ إِثْبَاتَ الصِّفَاتِ، لَمْ يُعَارِضْهَا بِنُصُوصٍ صَرِيحَةٍ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ، لَكِنْ بِحُجَجٍ عَقْلِيَّةٍ. فَيَقُولُ هَؤُلَاءِ: إِنَّ النَّصَارَى خَالَفُوا صَرِيحَ الْمَعْقُولِ، وَصَرِيحَ كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ، وَاتَّبَعُوا قَلِيلًا مِنْ مُتَشَابِهِ كَلَامِهِمْ، وَنَحْنُ اتَّبَعْنَا نُصُوصَ الْأَنْبِيَاءِ، وَلَمْ نُخَالِفْ شَيْئًا مِنْ صَرِيحِ نُصُوصِهِمْ، وَلَكِنْ مُخَالِفُنَا يَقُولُ: إِنَّا خَالَفْنَا الْعَقْلَ. وَنَحْنُ نُنَازِعُهُ فِي ذَلِكَ، وَنَدَّعِي أَنَّ الْعَقْلَ مَعَنَا لَا عَلَيْنَا، وَأَنَّ مَا يَدَّعِيهِ مِنَ الْمَعْقُولَاتِ الَّتِي تُعَارِضُ كَلَامَ الْأَنْبِيَاءِ فَهِيَ بَاطِلَةٌ. أَوْ يَقُولُونَ: نَحْنُ وَالنَّصَارَى مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّا لَا نُعَارِضُ كَلَامَ الْأَنْبِيَاءِ بِالشُّبَهِ الْعَقْلِيَّةِ، لَكِنْ نَحْنُ اتَّبَعْنَا كَلَامَهُمْ الْمُحْكَمَ الظَّاهِرَ الْكَثِيرَ، الَّذِينَ لَا مُخَالِفَ لَهُ مِنْ كَلَامِهِمْ. وَهُمْ خَالَفُوا كَلَامَهُمُ الْكَثِيرَ الْمُحْكَمَ، وَاتَّبَعُوا قَلِيلًا مِنَ الْمُتَشَابِهِ. وَيَقُولُ الْغُلَاةُ مِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُكَفِّرُهُمْ أَئِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَجُمْهُورُهُمْ الَّذِي يَحْكِي عَنْهُمْ: أَنَّ اللَّهَ يَنْزِلُ إِلَى الْأَرْضِ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ، فَيُعَانِقُ الْمُشَاةَ وَيُصَافِحُ الرُّكْبَانَ، وَأَنَّهُ يَتَمَشَّى فِي الْأَرْضِ، يَكُونُ مَوْطِئُ أَقْدَامِهِ مُرُوجًا، وَنَحْوَ ذَلِكَ. لَيْسَ هَذَا الْقَوْلُ بِأَعْجَبَ مِنْ قَوْلِ النَّصَارَى الَّذِينَ يَقُولُونَ: إِنَّهُ هُوَ الْمَسِيحُ، وَأَنَّ اللَّاهُوتَ وَالنَّاسُوتَ اتَّحَدَا.

стр. 1789

فَنَحْنُ نَقُولُ أَيْضًا: إِنَّهُ حَلَّ فِي بَعْضِ الْأَجْسَادِ الْمَخْلُوقَةِ، كَمَا يَقُولُهُ النَّصَارَى. أَوْ نَقُولُ: إِنَّهُ تَجَسَّدَ كَمَا تَتَجَسَّدُ الْمَلَائِكَةُ وَالْجِنُّ، وَهَذَا أَقْرَبُ مِنْ قَوْلِ النَّصَارَى: إِنَّهُ اتَّحَدَ بِجِسْمِ الْمَسِيحِ. فَإِنَّا قَدْ عَهِدْنَا اللَّطَائِفَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ تَتَصَوَّرُ فِي صُورَةٍ بَشَرِيَّةٍ، وَلَمْ نَعْهَدْ مَلَكًا صَارَ هُوَ وَالْبَشَرُ شَيْئًا وَاحِدًا. فَإِذَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَّحِدَ الْمَلَكُ بِالْبَشَرِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَتَّحِدَ رَبُّ الْخَلَائِقِ كُلِّهِمْ بِالْبَشَرِ؟ قَالُوا: وَقَدْ يَحُلُّ الْجِنِّيُّ فِي بَدَنِ الْإِنْسِيِّ وَيَتَكَلَّمُ عَلَى لِسَانِهِ، إِلَّا أَنَّهُمَا جَوْهَرَانِ وَمَشِيئَتَانِ وَطَبِيعَتَانِ، لَيْسَ بَيْنَهُمَا اتِّحَادٌ، لَكِنَّهُ دَخَلَ فِيهِ وَتَكَلَّمَ عَلَى لِسَانِهِ. وَالنَّصَارَى يَقُولُونَ: إِنَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ اتَّحَدَ بِالْبَشَرِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: جَوْهَرٌ وَاحِدٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: شَخْصٌ وَاحِدٌ وَأُقْنُومٌ وَاحِدٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: مَشِيئَةٌ وَاحِدَةٌ، فَلَابُدَّ لِكُلٍّ مِنْهُمْ مِنْ نَوْعِ اتِّحَادٍ، وَهَذَا أَبْعَدُ مِنْ حُلُولِ الْجِنِّيِّ فِي الْإِنْسِيِّ، فَإِذَا كَانَ مَا يَقُولُونَهُ مُمْتَنِعًا فِي الْجِنِّ وَالْمَلَائِكَةِ، فَكَيْفَ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ؟

стр. 1790

وَمِنْ غُلَاةِ الْمُجَسِّمَةِ الْيَهُودِ، مَنْ يُحْكَىعَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: (إِنَّ اللَّهَ بَكَى عَلَى الطُّوفَانِ حَتَّى رَمِدَ وَعَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ، وَأَنَّهُ نَدِمَ حَتَّى عَضَّ يَدَهُ وَجَرَى مِنْهُ الدَّمُ) ، وَهَذَا كُفْرٌ وَاضِحٌ صَرِيحٌ، وَلَكِنْ يَقُولُونَ: قَوْلُنَا خَيْرٌ مِنْ قَوْلِ النَّصَارَى، فَإِنَّ النَّصَارَى يَقُولُونَ: (إِنَّهُ أُخِذَ وَضُرِبَ بِالسِّيَاطِ وَبُصِقَ فِي وَجْهِهِ، وَوُضِعَ الشَّوْكُ عَلَى رَأْسِهِ كَالتَّاجِ، وَصُلِبَ بَيْنَ لِصَّيْنِ، وَفُعِلَ بِهِ مِنْ أَقْبَحِ مَا يُفْعَلُ بِاللُّصُوصِ قُطَّاعِ الطُّرُقِ. وَقَدْ صَرَّحَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ بِأَنَّ هَذَا فِعْلٌ بِاللَّاهُوتِ وَالنَّاسُوتِ جَمِيعًا. وَشَرِيعَةُ إِيمَانِهِمْ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، وَهُوَ لَازِمٌ لِمَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ مِنْهُمْ، فَإِنَّهُ مَعَ الْقَوْلِ بِالِاتِّحَادِ الَّذِي لَا بُدَّ لِطَوَائِفِهِمُ الثَّلَاثَةِ مِنْهُ، يَمْتَنِعُ أَنْ تَحُلَّ هَذِهِ الْعُقُوبَاتُ فِي هَذَا دُونَ ذَاكَ، فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَحُلَّ فِي النَّاسُوتِ دُونَ اللَّاهُوتِ، فَإِنَّ هَذَا إِنَّمَا يُتَصَوَّرُ إِذَا كَانَ اثْنَيْنِ، وَمَنْ قَالَ بِالِاتِّحَادِ، امْتَنَعَ عِنْدَهُ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ اثْنَانِ. وَفِي الْجُمْلَةِ، فَالنَّصَارَى الْمُثَلِّثَةُ، إِمَّا أَنْ يُصَرِّحُوا بِالِاتِّحَادِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ كَالْيَعْقُوبِيَّةِ، وَهَؤُلَاءِ يُصَرِّحُونَ بِأَنَّ الْآلَآمَ حَلَّتْ بِاللَّاهُوتِ. وَإِمَّا أَنْ يَقُولُوا بِالِاتِّحَادِ مِنْ وَجْهٍ كَقَوْلِ الْمَلَكِيَّةِ: إِنَّهُمَا شَخْصٌ
следующие страницы →