Полный текст (2 831 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.
стр. 1786
تَثْلِيثٌ وَلَا اتِّحَادُ الْخَالِقِ بِشَيْءٍ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ، لَا الْمَسِيحِ وَلَا غَيْرِهِ.
وَفِيهَا أَلْفَاظٌ قَلِيلَةٌ مُشْكِلَةٌ مُتَشَابِهَةٌ، وَهِيَ - مَعَ ذَلِكَ - لَا تَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنَ التَّثْلِيثِ وَالِاتِّحَادِ، لَا نَصًّا وَلَا ظَاهِرًا، وَلَكِنَّ بَعْضَهَا يَحْتَمِلُ بَعْضَ مَا قُلْتُمْ، وَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ يَحْتَمِلُ جَمِيعَ مَا قُلْتُمْ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ ظَاهِرًا فِيهِ أَوْ نَصًّا، بَلْ بَعْضُهَا يَحْتَمِلُ بَعْضَ قَوْلِكُمْ.
فَأَخَذْتُمْ ذَلِكَ الْمُحْتَمَلِ وَضَمَمْتُمْ إِلَيْهِ مِنَ الْكُفْرِ الصَّرِيحِ وَالتَّنَاقُضِ الْقَبِيحِ مَا صَيَّرْتُمُوهُ أَمَانَةً لَكُمْ ; (أَيْ عَقِيدَةَ إِيمَانٍ لَكُمْ) .
وَلَوْ كَانَتْ كُلُّهَا تَحْتَمِلُ جَمِيعَ مَا قُلْتُمْ، لَمْ يَجُزِ الْعُدُولُ عَنِ النَّصِّ وَالظَّاهِرِ إِلَى الْمُحْتَمَلِ، وَلَوْ كَانَ بَعْضُهَا ظَاهِرًا فِيمَا قُلْتُمْ، لَمْ يَجُزِ الْعُدُولُ عَنِ النُّصُوصِ الصَّرِيحَةِ إِلَى الظَّاهِرِ الْمُحْتَمَلِ.
وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ فِيهَا نُصُوصًا صَرِيحَةً قَدْ عَارَضَتْهَا نُصُوصٌ أُخْرَىَ صَرِيحَةٌ، لَكَانَ الْوَاجِبُ أَنْ يَنْظُرُوا بِنُورِ اللَّهِ الَّذِي أَيَّدَ بِهِ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ، فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ، وَهُوَ الْمَعْنَى الَّذِي يُوَافِقُ صَرِيحَ الْمَعْقُولِ وَسَائِرَ كُتُبِ اللَّهِ، وَذَلِكَ النَّصُّ الْآخَرُ إِنْ فَهِمُوا تَفْسِيرَهُ، وَإِلَّا فَوَّضُوا مَعْنَاهُ إِلَى اللَّهِ - تَعَالَى - إِنْ كَانَ ثَابِتًا عَنِ الْأَنْبِيَاءِ.
وَهَؤُلَاءِ عَدَلُوا عَمَّا يُعْلَمُ بِصَرِيحِ الْمَعْقُولِ، وَعَمَّا يُعْلَمُ بِنُصُوصِ
стр. 1787
الْأَنْبِيَاءِ الْكَثِيرَةِ، إِلَى مَا يَحْتَمِلُهُ بَعْضُ الْأَلْفَاظِ لِمُوَافَقَتِهِ لِهَوَاهُمْ، فَلَمْ يَتَّبِعُوا: ﴿إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم: ٢٣]
وَأَمَّا كُفَّارُ الْمُجَسِّمَةِ، فَهَؤُلَاءِ أَعْذَرُ وَأَقَلُّ كُفْرًا مِنَ النَّصَارَى، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ كَمَا يَقُولُهُ مَعَهُمُ النُّفَاةُ: إِنَّ ظَوَاهِرَ جَمِيعِ الْكُتُبِ هُوَ التَّجْسِيمُ.
فَفِي التَّوْرَاةِ وَالْقُرْآنِ مِنَ الْآيَاتِ الَّتِي ظَاهِرُهَا التَّجْسِيمُ مَا لَا يُحْصَى.
وَلَيْسَ فِيهَا نَصٌّ بِمَا يَقُولُهُ النُّفَاةُ مِنْ أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِدَاخِلِ الْعَالَمِ وَلَا خَارِجِهِ، وَلَا مُتَّصِلٌ بِهِ وَلَا مُنْفَصِلٌ عَنْهُ، وَلَا هُوَ فَوْقَ الْعَرْشِ، وَلَا يُشَارُ إِلَيْهِ، وَلَا يَصَعَدُ إِلَيْهِ شَيْءٌ، وَلَا يَنْزِلُ مِنْهُ شَيْءٌ، وَلَا يَقْرُبُ مِنْهُ شَيْءٌ، وَلَا يَدْنُو مِنْ شَيْءٍ، وَلَا يَدْنُو إِلَيْهِ شَيْءٌ، إِلَى نَحْوِ ذَلِكَ مِنَ النَّفْيِ الَّذِي يَقُولُهُ نُفَاةُ الصِّفَاتِ.
فَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ لَا التَّوْرَاةِ وَلَا الْإِنْجِيلِ وَلَا الزَّبُورِ وَلَا الْقُرْآنِ وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ النُّبُوَّاتِ - مِنْ هَذَا حَرْفٌ وَاحِدٌ، وَكُلُّهَا مَمْلُوءَةٌ مِمَّا يَقُولُ هَؤُلَاءِ: إِنَّهُ تَجْسِيمٌ.
فَيَقُولُ هَؤُلَاءِ: نَحْنُ اتَّبَعْنَا نُصُوصَ الْأَنْبِيَاءِ، وَلَمْ نَعْدِلْ عَنْهَا إِلَى غَيْرِهَا، وَلَمْ نَجِدْ فِي نُصُوصِهِمْ نَصًّا مُحْكَمًا صَرِيحًا بِالنَّفْيِ الَّذِي يَقُولُهُ نُفَاةُ الصِّفَاتِ.
стр. 1788
وَوَجَدْنَا نُصُوصَهُمْ كُلَّهَا بِالْإِثْبَاتِ الَّذِي يَقُولُونَ: إِنَّهُ تَجْسِيمٌ.
فَكَانَ عَلَى قَوْلِنَا وَقَوْلِهِمْ نُصُوصُ الْأَنْبِيَاءِ ظَاهِرَةً فِي التَّجْسِيمِ، وَلَيْسَ لَهُمْ نَصٌّ يُنَاقِضُ ذَلِكَ، فَاتَّبَعْنَا نُصُوصَهُمْ، وَكُلُّ مَنْ عَارَضَ إِثْبَاتَ الصِّفَاتِ، لَمْ يُعَارِضْهَا بِنُصُوصٍ صَرِيحَةٍ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ، لَكِنْ بِحُجَجٍ عَقْلِيَّةٍ.
فَيَقُولُ هَؤُلَاءِ: إِنَّ النَّصَارَى خَالَفُوا صَرِيحَ الْمَعْقُولِ، وَصَرِيحَ كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ، وَاتَّبَعُوا قَلِيلًا مِنْ مُتَشَابِهِ كَلَامِهِمْ، وَنَحْنُ اتَّبَعْنَا نُصُوصَ الْأَنْبِيَاءِ، وَلَمْ نُخَالِفْ شَيْئًا مِنْ صَرِيحِ نُصُوصِهِمْ، وَلَكِنْ مُخَالِفُنَا يَقُولُ: إِنَّا خَالَفْنَا الْعَقْلَ.
وَنَحْنُ نُنَازِعُهُ فِي ذَلِكَ، وَنَدَّعِي أَنَّ الْعَقْلَ مَعَنَا لَا عَلَيْنَا، وَأَنَّ مَا يَدَّعِيهِ مِنَ الْمَعْقُولَاتِ الَّتِي تُعَارِضُ كَلَامَ الْأَنْبِيَاءِ فَهِيَ بَاطِلَةٌ.
أَوْ يَقُولُونَ: نَحْنُ وَالنَّصَارَى مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّا لَا نُعَارِضُ كَلَامَ الْأَنْبِيَاءِ بِالشُّبَهِ الْعَقْلِيَّةِ، لَكِنْ نَحْنُ اتَّبَعْنَا كَلَامَهُمْ الْمُحْكَمَ الظَّاهِرَ الْكَثِيرَ، الَّذِينَ لَا مُخَالِفَ لَهُ مِنْ كَلَامِهِمْ.
وَهُمْ خَالَفُوا كَلَامَهُمُ الْكَثِيرَ الْمُحْكَمَ، وَاتَّبَعُوا قَلِيلًا مِنَ الْمُتَشَابِهِ.
وَيَقُولُ الْغُلَاةُ مِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُكَفِّرُهُمْ أَئِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَجُمْهُورُهُمْ الَّذِي يَحْكِي عَنْهُمْ: أَنَّ اللَّهَ يَنْزِلُ إِلَى الْأَرْضِ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ، فَيُعَانِقُ الْمُشَاةَ وَيُصَافِحُ الرُّكْبَانَ، وَأَنَّهُ يَتَمَشَّى فِي الْأَرْضِ، يَكُونُ مَوْطِئُ أَقْدَامِهِ مُرُوجًا، وَنَحْوَ ذَلِكَ.
لَيْسَ هَذَا الْقَوْلُ بِأَعْجَبَ مِنْ قَوْلِ النَّصَارَى الَّذِينَ يَقُولُونَ: إِنَّهُ هُوَ الْمَسِيحُ، وَأَنَّ اللَّاهُوتَ وَالنَّاسُوتَ اتَّحَدَا.
стр. 1789
فَنَحْنُ نَقُولُ أَيْضًا: إِنَّهُ حَلَّ فِي بَعْضِ الْأَجْسَادِ الْمَخْلُوقَةِ، كَمَا يَقُولُهُ النَّصَارَى.
أَوْ نَقُولُ: إِنَّهُ تَجَسَّدَ كَمَا تَتَجَسَّدُ الْمَلَائِكَةُ وَالْجِنُّ، وَهَذَا أَقْرَبُ مِنْ قَوْلِ النَّصَارَى: إِنَّهُ اتَّحَدَ بِجِسْمِ الْمَسِيحِ.
فَإِنَّا قَدْ عَهِدْنَا اللَّطَائِفَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ تَتَصَوَّرُ فِي صُورَةٍ بَشَرِيَّةٍ، وَلَمْ نَعْهَدْ مَلَكًا صَارَ هُوَ وَالْبَشَرُ شَيْئًا وَاحِدًا.
فَإِذَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَّحِدَ الْمَلَكُ بِالْبَشَرِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَتَّحِدَ رَبُّ الْخَلَائِقِ كُلِّهِمْ بِالْبَشَرِ؟
قَالُوا: وَقَدْ يَحُلُّ الْجِنِّيُّ فِي بَدَنِ الْإِنْسِيِّ وَيَتَكَلَّمُ عَلَى لِسَانِهِ، إِلَّا أَنَّهُمَا جَوْهَرَانِ وَمَشِيئَتَانِ وَطَبِيعَتَانِ، لَيْسَ بَيْنَهُمَا اتِّحَادٌ، لَكِنَّهُ دَخَلَ فِيهِ وَتَكَلَّمَ عَلَى لِسَانِهِ.
وَالنَّصَارَى يَقُولُونَ: إِنَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ اتَّحَدَ بِالْبَشَرِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: جَوْهَرٌ وَاحِدٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: شَخْصٌ وَاحِدٌ وَأُقْنُومٌ وَاحِدٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: مَشِيئَةٌ وَاحِدَةٌ، فَلَابُدَّ لِكُلٍّ مِنْهُمْ مِنْ نَوْعِ اتِّحَادٍ، وَهَذَا أَبْعَدُ مِنْ حُلُولِ الْجِنِّيِّ فِي الْإِنْسِيِّ، فَإِذَا كَانَ مَا يَقُولُونَهُ مُمْتَنِعًا فِي الْجِنِّ وَالْمَلَائِكَةِ، فَكَيْفَ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ؟
стр. 1790
وَمِنْ غُلَاةِ الْمُجَسِّمَةِ الْيَهُودِ، مَنْ يُحْكَىعَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: (إِنَّ اللَّهَ بَكَى عَلَى الطُّوفَانِ حَتَّى رَمِدَ وَعَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ، وَأَنَّهُ نَدِمَ حَتَّى عَضَّ يَدَهُ وَجَرَى مِنْهُ الدَّمُ) ، وَهَذَا كُفْرٌ وَاضِحٌ صَرِيحٌ، وَلَكِنْ يَقُولُونَ: قَوْلُنَا خَيْرٌ مِنْ قَوْلِ النَّصَارَى، فَإِنَّ النَّصَارَى يَقُولُونَ: (إِنَّهُ أُخِذَ وَضُرِبَ بِالسِّيَاطِ وَبُصِقَ فِي وَجْهِهِ، وَوُضِعَ الشَّوْكُ عَلَى رَأْسِهِ كَالتَّاجِ، وَصُلِبَ بَيْنَ لِصَّيْنِ، وَفُعِلَ بِهِ مِنْ أَقْبَحِ مَا يُفْعَلُ بِاللُّصُوصِ قُطَّاعِ الطُّرُقِ.
وَقَدْ صَرَّحَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ بِأَنَّ هَذَا فِعْلٌ بِاللَّاهُوتِ وَالنَّاسُوتِ جَمِيعًا.
وَشَرِيعَةُ إِيمَانِهِمْ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، وَهُوَ لَازِمٌ لِمَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ مِنْهُمْ، فَإِنَّهُ مَعَ الْقَوْلِ بِالِاتِّحَادِ الَّذِي لَا بُدَّ لِطَوَائِفِهِمُ الثَّلَاثَةِ مِنْهُ، يَمْتَنِعُ أَنْ تَحُلَّ هَذِهِ الْعُقُوبَاتُ فِي هَذَا دُونَ ذَاكَ، فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَحُلَّ فِي النَّاسُوتِ دُونَ اللَّاهُوتِ، فَإِنَّ هَذَا إِنَّمَا يُتَصَوَّرُ إِذَا كَانَ اثْنَيْنِ، وَمَنْ قَالَ بِالِاتِّحَادِ، امْتَنَعَ عِنْدَهُ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ اثْنَانِ.
وَفِي الْجُمْلَةِ، فَالنَّصَارَى الْمُثَلِّثَةُ، إِمَّا أَنْ يُصَرِّحُوا بِالِاتِّحَادِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ كَالْيَعْقُوبِيَّةِ، وَهَؤُلَاءِ يُصَرِّحُونَ بِأَنَّ الْآلَآمَ حَلَّتْ بِاللَّاهُوتِ.
وَإِمَّا أَنْ يَقُولُوا بِالِاتِّحَادِ مِنْ وَجْهٍ كَقَوْلِ الْمَلَكِيَّةِ: إِنَّهُمَا شَخْصٌ
стр. 1791
وَاحِدٌ، وَقَوْلُ النُّسْطُورِيَّةِ: هُمَا مَشِيئَةٌ وَاحِدَةٌ.
وَحِينَئِذٍ فَمَا قَالُوهُ مِنَ التَّعَدُّدِ الَّذِي يُوجِبُ الْمُبَايَنَةَ، وَأَنَّهُ لَا يَتَّصِفُ أَحَدُهُمَا بِمَا يَتَّصِفُ بِهِ الْآخَرُ، وَلَا يَحُلُّ بِهِ مَا حَلَّ بِهِ، فَيَكُونُ مُتَنَاقِضًا لِهَذَا.
فَأَحْسَنُ أَحْوَالِهِمْ أَنْ يَتَنَاقَضُوا فِي الِاتِّحَادِ، كَمَا تَنَاقَضُوا فِي التَّثْلِيثِ، وَهَذَا حَقِيقَةُ قَوْلِ خِيَارِ هَؤُلَاءِ يَتَكَلَّمُونَ بِالْكُفْرِ وَبِمَا يُنَاقِضُهُ، وَبِالتَّوْحِيدِ وَبِمَا يُنَاقِضُهُ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَا يَفْعَلُهُ بِنَفْسِهِ مِنْ نَدَمٍ وَبُكَاءٍ وَحُزْنٍ، هُوَ دُونَ مَا يَفْعَلُهُ أَعْدَاؤُهُ بِهِ مِنْ ضَرْبٍ وَصَفْعٍ وَجَعْلِ الشَّوْكِ عَلَى رَأْسِهِ، وَصَلْبِهِ بَيْنَ لِصَّيْنِ، وَأَنَّ اسْتِغَاثَتَهُ بِمَنْ يُخَلِّصُهُ مِنْ ذَلِكَ أَشَدُّ نَقْصًا مِنْ نَدَمِهِ وَحُزْنِهِ.
وَإِنْ قَالُوا: فَعَلَ هَذَا حَتَّى يُعَلِّمَ عِبَادَهُ التَّشَبُّهَ بِهِ - أَمْكَنَ أُولَئِكَ الْمُجَسِّمَةَ الْكَفَرَةَ أَنْ يَقُولُوا: بَكَى وَنَدِمَ وَعَضَّ يَدَهُ نَدَمًا حَتَّى جَرَى الدَّمُ، حَتَّى يُعَلِّمَ عِبَادَهُ التَّوْبَةَ مِنَ الذُّنُوبِ.
فَفِي الْجُمْلَةِ، مَا قَالَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْمِلَلِ قَوْلًا فِي اللَّهِ، إِلَّا وَقَوْلُ النَّصَارَى أَقْبَحُ مِنْهُ.
وَلِهَذَا، كَانَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ ﵁ يَقُولُ: لَا تَرْحَمُوهُمْ، فَلَقَدْ سَبُّوا اللَّهَ مَسَبَّةً مَا سَبَّهُ إِيَّاهَا أَحَدٌ مِنَ الْبَشَرِ، وَلِهَذَا يُعَظِّمُ اللَّهُ فِرْيَتَهُمْ
стр. 1792
عَلَى اللَّهِ فِي الْقُرْآنِ أَشَدَّ مِنْ تَعْظِيمِ افْتِرَاءِ غَيْرِهِمْ كَقَوْلِهِ: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا - لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا - تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا - أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا - وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا - إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا - لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا - وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: ٨٨ - ٩٥] .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ( «يَقُولُ اللَّهُ كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَشَتَمَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، فَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ: اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا، وَأَنَا الْأَحَدُ الصَّمَدُ لَمْ أَلِدْ وَلَمْ أُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لِي كُفُوًا أَحَدٌ، وَأَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ: لَنْ يُعِيدَنِي كَمَا بَدَأَنِي، وَلَيْسَ أَوَّلُ الْخَلْقِ بِأَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ إِعَادَتِهِ» ) .
وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ( «قَالَ اللَّهُ : كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَشَتَمَنِي وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، فَأَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ، فَزَعَمَ أَنِّي لَا أَقْدِرُ أَنْ أُعِيدَهُ كَمَا كَانَ، وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ: لِي وَلَدٌ، فَسُبْحَانِي أَنْ أَتَّخِذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا» ) .
стр. 1793
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «مَا أَحَدٌ أَصْبَرَ عَلَى أَذًى سَمِعَهُ مِنَ اللَّهِ إِنَّهُ يُشْرَكُ بِهِ وَيُجْعَلُ لَهُ نِدٌّ وَهُوَ يُعَافِيهِمْ وَيَرْزُقُهُمْ وَيَدْفَعُ عَنْهُمْ» .)
الْوَجْهُ الثَّانِيَ عَشَرَ: أَنَّ كُلَّ مَنْ يَعْتَقِدُ فِي التَّجْسِيمِ مَا يَعْتَقِدُ، يُمْكِنُهُ أَنْ يَقُولَ كَمَا يَقُولُهُ النَّصَارَى، فَإِنَّ النَّصَارَى عَمَدُوا إِلَى مَا هُوَ جَسَدٌ مِنْ جِنْسِ سَائِرِ أَجْسَادِ بَنِي آدَمَ، قَالُوا: إِنَّهُ إِلَهٌ تَامٌّ وَإِنْسَانٌ تَامٌّ، وَلَيْسَ فِيهِ مِنَ الْإِلَهِيَّةِ شَيْءٌ، فَمَا بَقِيَ مَعَ هَذَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُعْتَقَدَ فِي نَظَائِرِهِ مَا يُعْتَقَدُ فِيهِ.
فَلَوْ قَالَ الْقَائِلُ: إِنَّ مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ كَانَ هُوَ اللَّهُ، لَمْ يَكُنْ هَذَا أَبْعَدَ مِنْ قَوْلِ النَّصَارَى، فَإِنَّ مُعْجِزَاتِ مُوسَى كَانَتْ أَعْظَمَ وَانْتِصَارَهُ عَلَى عَدْوِهِ أَظْهَرَ، وَقَدْ سَمَّاهُ اللَّهُ فِي التَّوْرَاةِ إِلَهًا لِهَارُونَ وَلِفِرْعَوْنَ.
فَإِذَا قِيلَ فِيهِ مَا قَالُوهُ فِي الْمَسِيحِ: إِنَّهُ أَظْهَرَ الْمُعْجِزَ بِلَاهُوتِهِ، وَأَظْهَرَ الْعُبُودِيَّةَ بِنَاسُوتِهِ، لَمْ يَكُنْ بُطْلَانُ هَذَا أَظْهَرَ مِنْ بُطْلَانِ قَوْلِ النَّصَارَى، بَلْ مَتَى جَوَّزُوا اتِّحَادَ اللَّاهُوتِ بِالنَّاسُوتِ، لَمْ يُمْكِنْهُمْ دَفْعُ ذَلِكَ عَنْ أَحَدٍ مِمَّنْ يُدَّعَى فِيهِ إِلَّا بِدَلِيلٍ خَاصٍّ، بَلْ إِذَا قِيلَ لَهُمْ حَلَّ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْقَدَادِيسِ، لَمْ يُمْكِنْهُمْ نَفْيُ ذَلِكَ.
وَإِذَا قَالُوا: لَمْ يُخْبِرْ بِذَلِكَ أَحَدٌ، وَلَمْ يُبَشِّرْ بِهِ نَبِيٌّ، أَوْ هَذَا غَيْرُ مَعْلُومٍ.
стр. 1794
قِيلَ لَهُمْ: غَايَةُ هَذَا كُلِّهِ، أَنَّكُمْ لَا تَعْلَمُونَ ذَلِكَ، وَلَمْ يَقُمْ عِنْدَكُمْ دَلِيلٌ عَلَيْهِ، وَعَدَمُ الْعِلْمِ لَيْسَ عِلْمًا بِالْعَدَمِ، فَعَدَمُ عِلْمِكُمْ وَعَدَمُ عِلْمِ غَيْرِكُمْ بِالشَّيْءِ، لَيْسَ عِلْمًا بِعَدَمِ ذَلِكَ الشَّيْءِ.
وَكَذَلِكَ عَدَمُ الدَّلِيلِ الْمُعَيَّنِ لَا يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ الْمَدْلُولِ عَلَيْهِ، فَإِنَّ كُلَّ مَا خَلَقَهُ اللَّهُ دَلِيلٌ عَلَيْهِ، ثُمَّ إِذَا عُدِمَ ذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْ عَدَمُ الْخَالِقِ، فَلَا يَجُوزُ نَفْيُ الشَّيْءِ لِعَدَمِ الدَّلِيلِ الدَّالِّ عَلَيْهِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ عَدَمُ الدَّلِيلِ مُسْتَلْزِمًا لِعَدَمِهِ، كَالْأُمُورِ الَّتِي تَتَوَفَّرُ الْهِمَمُ عَلَى نَقْلِهَا، إِذَا لَمْ يُنْقَلْ عُلِمَ انْتِفَاؤُهَا.
وَالْمَقْصُودُ أَنَّكُمْ - مَعَ الْعَدَمِ - يُمْكِنُكُمُ النَّفْيُ الْعَامُّ عَنْ غَيْرِ الْمَسِيحِ لِعَدَمِ الدَّلِيلِ الدَّالِّ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الدَّلِيلِ عَدَمُ الْمَدْلُولِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، لَا سِيَّمَا وَهُوَ كَانَ مُتَّحِدًا بِالْمَسِيحِ عِنْدَهُمْ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِينَ سَنَةً، وَمَعَ هَذَا فَكَانَ يُخْفِي نَفْسَهُ وَلَا يُظْهِرُ إِلَّا الْعُبُودِيَّةَ.
فَإِذَا قِيلَ لَهُمْ: هَكَذَا كَانَ مُتَّحِدًا بِغَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ، وَلَكِنْ أَخْفَى نَفْسَهُ لِحِكْمَةٍ لَهُ فِي ذَلِكَ، أَوْ أَظْهَرَ عَلَى نَفْسِهِ بَعْضَ خَوَاصِّ عِبَادِهِ، أَوْ أَظْهَرَ لِطَائِفَةٍ لَمْ يُنْقَلْ إِلَيْنَا خَبَرُهُمْ وَنَحْوَ ذَلِكَ، لَمْ يُمْكِنْ مَعَ تَصْدِيقِ النَّصَارَى فِيمَا يَدَّعُونَهُ الْجَزْمُ بِكَذِبِ هَؤُلَاءِ، بَلْ مَنْ جَوَّزَ قَوْلَ النَّصَارَى، جَوَّزَ أَنْ يَكُونَ مُتَّحِدًا بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَجْسَامِ، فَيَجْعَلُ كَثِيرًا مِنَ الْأَجْسَامِ الْمَخْلُوقَةِ هِيَ رَبُّ الْعَالَمِينَ، إِذْ كَانَتْ لَيْسَ هُوَ مُتَّحِدًا بِهَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ.
стр. 1795
فَإِذَا اعْتَقَدُوا الِاتِّحَادَ فِيهَا، كَمَا اعْتَقَدَتْهُ النَّصَارَى فِي الْمَسِيحِ، لَمْ يَكُنْ ثَمَّ إِلَهٌ فِي الْحَقِيقَةِ إِلَّا ذَلِكَ الْجِسْمَ النَّاسُوتِيَّ الْمَخْلُوقَ.
لَكِنْ ظَنَّ الضَّالُّ أَنَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ، كَمَا ظَنَّ عُبَّادُ الْعِجْلِ أَنَّ الْعِجْلَ إِلَهُ مُوسَى. فَإِذَا جَازَ أَنْ يَتَّحِدَ الرَّبُّ بِبَعْضِ الْأَجْسَامِ، لَمْ يُنْكَرْ عَلَى أَصْحَابِ الْعِجْلِ إِذَا جَوَّزُوا أَنْ يَكُونَ رَبُّ الْعَالَمِينَ اتَّحَدَ بِالْعِجْلِ، وَقَدْ رَأَوْا مِنْهُ نَوْعَ خَرْقِ عَادَةٍ. فَلَيْسَ لِلنَّصَارَى أَنْ يُنْكِرُوا عَلَى عُبَّادِ الْعِجْلِ وَلَا عُبَّادِ شَيْءٍ مِنَ الْأَصْنَامِ إِذَا أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ الرَّبُّ حَلَّ فِيهَا عِنْدَهُمْ إِنْ لَمْ يُقِيمُوا دَلِيلًا عَلَى أَنَّ الرَّبَّ لَمْ يَحُلَّ فِي ذَلِكَ.
فَإِذَا قِيلَ: إِنَّ مُوسَى ﵇ أَنْكَرَ عَلَى عُبَّادِ الْعِجْلِ.
قِيلَ: نَعَمْ. وَمُوسَى يُنْكِرُ عَلَى كُلِّ مَنْ عَبَدَ شَيْئًا مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ، حَتَّى لَوْ عَبَدَ أَحَدٌ الشَّجَرَةَ الَّتِي كَلَّمَهُ اللَّهُ مِنْهَا لَأَنْكَرَ عَلَيْهِ، فَإِنْكَارُهُ عَلَى النَّصَارَى أَعْظَمُ.
وَمُوسَى ﵇ لَمْ يَقُلْ قَطُّ: إِنَّ اللَّهَ يَتَّحِدُ بِشَيْءٍ مَعَ الْمَخْلُوقَاتِ وَيَحُلُّ فِيهِ، بَلْ أَخْبَرَ مِنْ عَظَمَةِ اللَّهِ بِمَا يُنَاقِضُ ذَلِكَ.
فَفِي التَّوْرَاةِ مِنْ نَهْيِهِ عَنْ عِبَادَةِ مَا سِوَى اللَّهِ وَمِنْ تَعْظِيمِ أَمْرِهِ وَعُقُوبَةِ الْمُشْرِكِينَ بِهِ، وَبِمَا أَخْبَرَ بِهِ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ مَا يُنَاقِضُ قَوْلَ النَّصَارَى.
стр. 1796
وَلِهَذَا كَانَ مَنْ تَدَبَّرَ التَّوْرَاةَ وَغَيْرَهَا مِنْ كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ ﵈ مِنَ النَّصَارَى، تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ دِينَهُمْ يُنَاقِضُ دِينَ الْأَنْبِيَاءِ كُلِّهِمْ، وَأَنَّ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ التَّثْلِيثِ وَالِاتِّحَادِ وَالشِّرْكِ، لَمْ يُبْعَثْ بِهِ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ ﵈.
وَمَا يَفْعَلُونَهُ مِنْ دُعَاءِ الْمَخْلُوقِينَ كَالْمَلَائِكَةِ، أَوْ كَالْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ الَّذِينَ مَاتُوا، مِثْلَ دُعَائِهِمْ مَرْيَمَ وَغَيْرِهَا، وَطَلَبِهِمْ مِنَ الْأَمْوَاتِ الشَّفَاعَةَ لَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ - لَمْ يُبْعَثْ بِهِ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، فَكَيْفَ وَقَدْ صَوَّرُوا تَمَاثِيلَهُمْ لِيَكُونَ تَذْكِيرًا لَهُمْ بِأَصْحَابِهَا، وَيَدْعُونَ تِلْكَ الصُّوَرَ؟
وَإِنْ قَصَدُوا دُعَاءَ أَصْحَابِهَا، فَهُمْ إِذَا صَرَّحُوا بِدُعَاءِ أَصْحَابِهَا وَطَلَبُوا مِنْهُمُ الشَّفَاعَةَ وَهُمْ مَوْتَى وَغَائِبُونَ، كَانُوا مُشْرِكِينَ.
فَكَيْفَ إِذَا كَانَ الدُّعَاءُ فِي الظَّاهِرِ لِتَمَاثِيلِهِمُ الْمُصَوَّرَةِ، وَهَذَا مِمَّا يَعْتَرِفُ حُذَّاقُ عُلَمَائِهِمْ بِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِدِينِ الْأَنْبِيَاءِ كُلِّهِمْ.
وَلِهَذَا وَقَعَ بَيْنَهُمْ تَنَازُعٌ فِي اتِّخَاذِ الصُّوَرِ فِي الْكَنَائِسِ لَمَّا ابْتَدَعَهُ بَعْضُهُمْ، كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي أَخْبَارِهِمْ، وَلَمْ يَأْتِ مَنِ ابْتَدَعَ ذَلِكَ بِحُجَّةٍ شَرْعِيَّةٍ.
وَالْمُجَسِّمَةُ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ اللَّهَ قَدِيمٌ أَزَلِيٌّ، وَأَنَّهُ عَظِيمٌ جِدًّا، لَا يَقُولُونَ: إِنَّهُ مُتَّحِدٌ بِشَيْءٍ مِنَ الْأَجْسَامِ الْمَخْلُوقَةِ، وَلَا يَحُلُّ فِيهَا. فَمَنْ
стр. 1797
قَالَ بِاتِّحَادِهِ وَحُلُولِهِ فِيهَا، كَانَ قَوْلُهُ شَرًّا مِنْ قَوْلِ هَؤُلَاءِ الْمُجَسِّمَةِ.
كَمَا أَنَّ الْمُتَفَلْسِفَةَ الَّذِينَ يَقُولُونَ بِأَنَّ الْأَفْلَاكَ أَجْسَامٌ قَدِيمَةٌ أَزَلِيَّةٌ وَاجِبَةٌ بِنَفْسِهَا أَوَّلُهَا عِلَّةٌ تَتَشَبَّهُ بِهَا كَمَا يَقُولُهُ " أَرِسْطُو " وَذَوُوهُ، أَوْ يُثْبِتُونَ لَهَا عِلَّةً فَاعِلَةً، لَمْ تَزَلْ مُقَارِنَةً لَهَا، كَمَا يَقُولُهُ " ابْنُ سِينَا " وَأَمْثَالُهُ.
وَهَؤُلَاءِ قَوْلُهُمْ شَرٌّ مِنْ قَوْلِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَمُشْرِكِي الْعَرَبِ الَّذِينَ يُثْبِتُونَ لِلسَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ خَالِقًا خَلَقَهَا بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ.
وَلَوْ قَالَ مَنْ قَالَ مِنْهُمْ: إِنَّ ذَلِكَ جِسْمٌ فَغَايَتُهُ أَنْ يُثْبِتَ جِسْمًا قَدِيمًا أَزَلِيًّا مَوْصُوفًا بِصِفَاتِ الْكَمَالِ
فَمَنْ أَثْبَتَ جِسْمًا قَدِيمًا أَزَلِيًّا لَيْسَ مَوْصُوفًا بِصِفَاتِ الْكَمَالِ، كَانَ قَوْلُهُ شَرًّا مِنْ قَوْلِ هَذَا.
فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْمُجَسِّمَةَ الَّذِينَ يُثْبِتُونَ جِسْمًا قَدِيمًا أَزَلِيًّا وَاجِبَ الْوُجُودِ بِنَفْسِهِ عَالِمًا بِكُلِّ شَيْءٍ قَادِرًا عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مَعَ قَوْلِهِمْ: إِنَّهُ تَحُلُّهُ الْحَوَادِثُ وَتَقُومُ بِهِ الْحَرَكَةُ وَالسُّكُونُ - خَيْرٌ مِنْ قَوْلِ الْفَلَاسِفَةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إِنَّ الْأَفْلَاكَ أَجْسَامٌ قَدِيمَةٌ أَزَلِيَّةٌ وَاجِبَةُ الْوُجُودِ بِنَفْسِهَا، كَمَا يَقُولُهُ " أَرِسْطُو " وَذَوُوهُ، وَخَيْرٌ مِنَ النَّصَارَى أَيْضًا.
الْوَجْهُ الثَّالِثَ عَشَرَ: قَوْلُهُمْ: مَنْ قَالَ: ثَلَاثَةُ آلِهَةٍ مُخْتَلِفَةٍ أَوْ مُتَّفِقَةٍ، أَوْ ثَلَاثَةُ أَشْخَاصٍ مُرَكَّبَةٍ، أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يَقْتَضِي الِاشْتِرَاكَ وَالتَّكْثِيرَ وَالتَّبْعِيضَ وَالتَّشْبِيهَ - فَنَحْنُ نَلْعَنُهُ وَنُكَفِّرُهُ.
فَيُقَالُ لَهُمْ: وَأَنْتُمْ أَيْضًا تَلْعَنُونَ مَنْ قَالَ: إِنَّ الْمَسِيحَ لَيْسَ هُوَ إِلَهٌ حَقٌّ مِنْ إِلَهٍ حَقٍّ، وَلَا هُوَ مُسَاوِي الْأَبِ فِي الْجَوْهَرِ، وَمَنْ قَالَ: إِنَّهُ
стр. 1798
لَيْسَ بِخَالِقٍ، وَمَنْ قَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ بِجَالِسٍ عَنْ يَمِينِ أَبِيهِ، وَمَنْ قَالَ أَيْضًا: إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ لَيْسَ بِرَبٍّ حَقٍّ مُحْيٍ، وَمَنْ قَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ ثَلَاثَةَ أَقَانِيمَ.
وَتَلْعَنُونَ أَيْضًا مَعَ قَوْلِكُمْ إِنَّهُ الْخَالِقُ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ الْأَبُ، وَالْأَبُ هُوَ الْخَالِقُ، فَتَلْعَنُونَ مَنْ قَالَ: هُوَ الْأَبُ الْخَالِقُ، وَمَنْ قَالَ: لَيْسَ هُوَ الْخَالِقُ، فَتَجْمَعُونَ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ.
فَتَلْعَنُونَ مَنْ جَرَّدَ التَّوْحِيدَ بِلَا شِرْكٍ وَلَا تَثْلِيثٍ، وَمَنْ أَثْبَتَ التَّثْلِيثَ مَعَ انْفِصَالِ كُلِّ وَاحِدٍ عَنِ الْآخَرِ، وَتَجْمَعُونَ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ.
فَمَنْ أَثْبَتَ أَحَدَهُمَا مُنْفَكًّا عَنِ الْآخَرِ لَعَنْتُمُوهُ، كَمَنْ قَالَ: عِنْدِي وَاحِدٌ ثَلَاثَةٌ.
فَمَنْ قَالَ: هُوَ وَاحِدٌ لَيْسَ بِثَلَاثَةٍ - كَذَّبَهُ، وَمَنْ قَالَ: هُوَ ثَلَاثَةٌ لَيْسَ وَاحِدًا - كَذَّبَهُ.
وَمَنْ قَالَ: عِنْدِي شَيْءٌ مَوْجُودٌ مَعْدُومٌ، فَمَنْ قَالَ: هُوَ مَوْجُودٌ لَيْسَ بِمَعْدُومٍ - كَذَّبَهُ، وَمَنْ قَالَ: مَعْدُومٌ لَيْسَ بِمَوْجُودٍ - كَذَّبَهُ.
وَمَنْ قَالَ: عِنْدِي شَيْءٌ هُوَ حَيٌّ مَيِّتٌ، هُوَ عَالِمٌ جَاهِلٌ، هُوَ قَادِرٌ عَاجِزٌ، فَمَنْ قَالَ: هُوَ حَيٌّ لَيْسَ بِمَيِّتٍ - كَذَّبَهُ، وَمَنْ قَالَ: هُوَ مَيِّتٌ لَيْسَ بِحَيٍّ - كَذَّبَهُ.
فَهَكَذَا أَنْتُمْ تَجْمَعُونَ بَيْنَ قَوْلَيْنِ مُتَنَاقِضَيْنِ، أَحَدُهُمَا حَقٌّ وَالْآخَرُ بَاطِلٌ.
فَمَنْ قَالَ الْحَقَّ وَنَفَى الْبَاطِلَ لَعَنْتُمُوهُ، وَمَنْ قَالَ الْبَاطِلَ وَنَفَى
стр. 1799
الْحَقَّ لَعَنْتُمُوهُ.
وَأَنْتُمْ تُشْبِهُونَ الْمَلَاحِدَةَ مِنَ الْجَهْمِيَّةِ وَالْفَلَاسِفَةِ وَالْبَاطِنِيَّةِ الَّذِينَ يَسْلُبُونَ عَنْهُ النَّقِيضَيْنِ، أَوْ يَمْتَنِعُونَ عَنْ إِثْبَاتِ أَحَدِ النَّقِيضَيْنِ، فَيَقُولُونَ: لَا نَقُولُ هُوَ حَيٌّ وَلَا لَيْسَ بِحَيٍّ، وَلَا هُوَ عَالِمٌ وَلَا لَيْسَ بِعَالِمٍ، وَلَا قَادِرٌ وَلَا لَيْسَ بِقَادِرٍ.
بَلْ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: لَا نَقُولُ: هُوَ مَوْجُودٌ وَلَا مَعْدُومٌ، وَلَا نَقُولُ هُوَ شَيْءٌ وَلَا نَقُولُ لَيْسَ بِشَيْءٍ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: لَيْسَ بِحَيٍّ وَلَا مَيِّتٍ، وَلَا عَالِمٍ وَلَا جَاهِلٍ، وَلَا قَادِرٍ وَلَا عَاجِزٍ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: لَا نُطْلِقُ لَا هَذَا وَلَا هَذَا.
فَيُقَالُ لَهُمْ: رَفْعُ النَّقِيضَيْنِ كَجَمْعِ النَّقِيضَيْنِ، وَالِامْتِنَاعُ عَنْ إِثْبَاتِ أَحَدِ النَّقِيضَيْنِ، كَالِامْتِنَاعِ عَنْ نَفْيِ أَحَدِ النَّقِيضَيْنِ.
وَكَذَلِكَ مَنْ وَصَفَهُ بِأَنَّهُ مَوْجُودٌ وَاجِبُ الْوُجُودِ لِذَاتِهِ، ثُمَّ وَصَفَهُ بِصِفَاتٍ تَسْتَلْزِمُ عَدَمَهُ، فَقَدْ جَمَعَ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ.
وَكُلُّ قَوْلٍ يَتَضَمَّنُ جَمْعَ النَّقِيضَيْنِ وَإِثْبَاتَ الشَّيْءِ وَنَفْيَهُ، أَوْ رَفْعَ النَّقِيضَيْنِ الْإِثْبَاتِ وَالنَّفْيِ - فَهُوَ بَاطِلٌ.
وَالنَّصَارَى فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ أَبْلَغِ النَّاسِ تَنَاقُضًا يَقُولُونَ الشَّيْءَ وَيَقُولُونَ بِمَا يُنَاقِضُهُ، وَيَلْعَنُونَ مَنْ قَالَ هَذَا وَمَنْ قَالَ هَذَا.
وَأَيْضًا فَكُلُّ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ تَلْعَنُ الْأُخْرَى، فَإِنَّ أَهْلَ الْأَمَانَةِ تَلْعَنُ الْأَرْيُوسِيَّةَ وَغَيْرَهُمْ مِنْ طَوَائِفَ النَّصَارَى، وَهُمْ يَلْعَنُونَكُمْ وَكُلٌّ مِنْ فِرَقِكُمْ
стр. 1800
الثَّلَاثَةِ، النُّسْطُورِيَّةِ، وَالْيَعْقُوبِيَّةِ، وَالْمَلَكِيَّةِ، تَلْعَنُ الطَّائِفَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ.
فَأَنْتُمْ وَالْيَعْقُوبِيَّةُ تَلْعَنُونَ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ مَرْيَمَ لَمْ تَلِدْ إِلَهًا، وَيَقُولُونَ: إِنَّ مَرْيَمَ وَلَدَتْ إِنْسَانًا تَامًّا إِلَهًا تَامًّا.
وَأَنْتُمُ والنُّسْطُورِيَّةُ تَلْعَنُونَ مَنْ قَالَ: إِنَّهُمَا جَوْهَرٌ وَاحِدٌ بِمَشِيئَةٍ وَاحِدَةٍ وَطَبِيعَةٍ وَاحِدَةٍ.
وَمَنْ قَالَ: إِنَّ اللَّاهُوتَ تَأَلَّمَ مَعَ قَوْلِكُمْ: إِنَّ اللَّاهُوتَ مَوْلُودٌ مِنْ مَرْيَمَ، وَمَعَ قَوْلِكُمُ: الْمَسِيحُ الَّذِي وَلَدَتْهُ مَرْيَمُ مَاتَ وَصُلِبَ، وَفِي أَقْوَالِكُمْ مِنَ الْعَجَائِبِ الْمُتَنَاقِضَةِ الَّتِي تُوجِبُ أَنَّكُمْ مَلْعُونُونَ، مَا يَطُولُ وَصْفُهُ، فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَهُوَ لَاعِنٌ مَلْعُونٌ، فَلَعْنُكُمْ مَنْ قَالَ بِهَذِهِ الْمَقَالَاتِ، لَا يُوجِبُ أَنَّكُمْ عَلَى الْحَقِّ، بَلْ يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ مِنْ جُمْلَةِ الْمَلْعُونِينَ عِنْدَكُمْ كَطَائِفَةٍ مِنْ طَوَائِفِكُمْ. وَالنَّصَارَى طَوَائِفُ كَثِيرُونَ مُخْتَلِفُونَ اخْتِلَافًا كَثِيرًا.
وَالطَّوَائِفُ الثَّلَاثَةُ الْمَشْهُورَةُ فِي الْأَزْمَانِ الْمُتَأَخِّرَةِ مِنْهُمْ - بَعْضُ طَوَائِفِهِمْ، وَإِلَّا فَهُمْ طَوَائِفُ كَثِيرُونَ مُخْتَلِفُونَ فِي التَّثْلِيثِ وَالِاتِّحَادِ.
وَتَجِدُ كُلَّ صِنْفٍ مِنْهُمْ أَوْ غَيْرِهِمْ فِي مَقَالَاتِهِمْ يَحْكِي أَقْوَالًا غَيْرَ الْأَقْوَالِ الَّتِي حَكَاهَا الْآخَرُونَ.
وَمِنْ أَجَلِّ مَنْ جَمَعَ أَخْبَارَهُمْ عِنْدَهُمْ، سَعِيدُ بْنُ الْبِطْرِيقِ بَتْرَكُ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ فِي أَثْنَاءِ الْمِائَةِ الرَّابِعَةِ مِنْ دَوْلَةِ الْإِسْلَامِ، وَقَدْ بَحَثَ لَهُمْ بَحْثًا اسْتَقْصَى فِيهِ - بِزَعْمِهِ - نَصْرَ مَذْهَبِهِمْ، وَهُوَ مَلَكِيٌّ، وَقَدْ ذَكَرْتُ
стр. 1801
كَلَامَهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَفِيهِمْ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ مَرْيَمَ زَوْجَةُ اللَّهِ، وَفِيهِمْ مَنْ يَجْعَلُهَا إِلَهًا آخَرَ كَالْمَسِيحِ.
وَفِيهِمْ مَنْ يُثْبِتُ أَنَّ الْمَسِيحَ ابْنُ اللَّهِ، الْوِلَادَةَ الْمَعْقُولَةَ الْمَعْرُوفَةَ مِنَ الْحَيَوَانِ.
وَالْأَمَانَةُ الَّتِي جَعَلُوهَا عَقِيدَتَهُمْ وَأَصْلَ إِيمَانِهِمْ فِي زَمَنِ " قُسْطَنْطِينَ " بَعْدَ الْمَسِيحِ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِمِائَةِ سَنَةٍ، هِيَ وَغَيْرُهَا مِنْ أَقْوَالِهِمْ الظَّاهِرَةِ تَدُلُّ عَلَى هَذِهِ الْأُمُورِ الْمُنْكَرَةِ الْقَبِيحَةِ دَلَالَةً بَيِّنَةً.
لَكِنْ عُلَمَاؤُهُمْ يَتَأَوَّلُونَهَا بِتَأْوِيلَاتٍ تُنَاقِضُ مَدْلُولَهَا، مَعَ فَسَادِ تِلْكَ الْمَعَانِي الَّتِي يَحْمِلُونَهَا عَلَيْهَا عَقْلًا وَشَرْعًا.
وَلَيْسَتْ تِلْكَ أَلْفَاظَ الْأَنْبِيَاءِ حَتَّى يُقَالَ: حُكْمُهُمْ فِي ذَلِكَ حُكْمُ سَائِرِ الطَّوَائِفِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِمْ، الَّذِينَ يَقُولُونَ مَا يَرَوْنَهُ مُتَشَابِهًا مِنْ كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ، وَيَقُولُونَ: إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ تَكَلَّمُوا بِمَا لَا يَعْرِفُ أَحَدٌ مَعْنَاهُ، أَوْ إِنَّهُمْ خَاطَبُوا الْجُمْهُورَ بِمَا أَرَادُوا بِهِ تَفْهِيمَهُمْ أُمُورًا يَنْتَفِعُونَ بِهَا، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ كَذِبًا بَاطِلًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ.
فَإِنَّ هَؤُلَاءِ الطَّوَائِفَ، وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ مِنَ الضَّلَالِ وَالْجَهْلِ مَا قَدْ بُسِطَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، فَقَدْ فَعَلُوا ذَلِكَ فِي أَلْفَاظِ الْأَنْبِيَاءِ الَّتِي لَهَا حُرْمَةُ النُّبُوَّةِ.
стр. 1802
بِخِلَافِ النَّصَارَى فَإِنَّهُمْ وَضَعُوا عَقِيدَةً وَشَرِيعَةً، لَيْسَتْ أَلْفَاظُهَا مَنْقُولَةً عَنْ أَحَدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ.
الْوَجْهُ الرَّابِعَ عَشَرَ: قَوْلُهُمْ: وَيُرَادُ بِالْأَبِ وَالِابْنِ غَيْرُ أُبُوَّةِ وَبُنُوَّةِ نِكَاحٍ، وَمَنْ أَرَادَ وِلَادَةَ زَوْجَةٍ لَعَنَّاهُ.
فَيُقَالُ: لَفَظُ الْوِلَادَةِ الْمَعْرُوفَةِ، إِنَّمَا يَكُونُ مِنْ أَصْلَيْنِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ بِانْفِصَالِ جُزْءٍ مِنَ الْأَصْلَيْنِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ بِحُدُوثِ الْمَوْلُودِ سَوَاءٌ أُرِيدَ وِلَادَةُ الْحَيَوَانِ أَوْ غَيْرُهَا، كَمَا تَتَوَلَّدُ النَّارُ مِنْ بَيْنِ الزِّنَادَيْنِ، فَإِذَا قُدِحَ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ، خَرَجَ مِنْهُمَا جُزْءٌ لَطِيفٌ، فَاسْتَحَالَ نَارًا، ثُمَّ سَقَطَ عَلَى الْحِرَاقِ.
وَقَدْ تَوَسَّعَ بَعْضُ النَّاسِ فِي الْوِلَادَةِ حَتَّى عَبَّرَ بِهِ عَمَّا يَحْدُثُ عَنِ الشَّيْءِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِانْفِصَالِ جُزْءٍ مِنْهُ، كَتَوَلُّدِ الشُّعَاعِ عَنِ النَّارِ وَالشَّمْسِ وَغَيْرِهَا ; لِأَنَّ هَذَا يَحْدُثُ بِشَيْئَيْنِ أَحَدُهُمَا مَا يَصْدُرُ عَنْهُ مِنَ الشَّمْسِ وَالنَّارِ، وَالثَّانِي الْمَحَلُّ الْقَابِلُ لَهُ الَّذِي يَنْعَكِسُ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْجِرْمُ الْمُقَابِلُ لَهُ الَّذِي يَقُومُ بِهِ الشُّعَاعُ.
فَأَمَّا مَا يَحْدُثُ عَنْ شَيْءٍ وَاحِدٍ، فَلَا يُعْرَفُ أَنَّهُ يُسَمَّى وِلَادَةً إِنْ قُدِّرَ وُجُودُ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ لَا يُعْرَفُ مَا يَلْزَمُ الشَّيْءَ الْوَاحِدَ أَنَّهُ يُسَمَّى وَلَدًا.
فَأَمَّا مَا يَقُومُ بِالْمَوْصُوفِ مِنْ صِفَاتِهِ اللَّازِمَةِ لَهُ، فَهَذَا أَبْعَدُ
стр. 1803
شَيْءٍ عَنْ أَنْ يُسَمَّى هَذَا الْمَلْزُومُ وِلَادَةً، بَلْ لَا تَكُونُ الْوِلَادَةُ إِلَّا عَنْ أَصْلَيْنِ.
وَكُلُّ مَنْ قَالَ: إِنَّ لِلَّهِ وَلَدًا، لَزِمَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ صَاحِبَةٌ بِأَيِّ وَجْهٍ فَسَّرَ الْوِلَادَةَ، وَأَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ حَادِثٌ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ - بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٠٠ - ١٠١] . فَاسْتَفْهَمَ تَعَالَى اسْتِفْهَامَ إِنْكَارٍ، لِيُبَيِّنَ امْتِنَاعَ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ، إِذْ لَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ، فَإِنَّ الْوَلَدَ لَا يَكُونُ إِلَّا مِنْ أَصْلَيْنِ، وَهَذَا مِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُتَفَطَّنَ لَهُ، فَإِنَّ جَعْلَ مَا يَلْزَمُ الشَّيْءَ الْوَاحِدَ مُتَوَلِّدًا عَنْهُ لَا يُعْرَفُ، لَا سِيَّمَا صِفَاتُهُ الْقَائِمَةُ بِهِ اللَّازِمَةُ لَهُ، كَعِلْمِهِ وَحَيَاتِهِ، لَا سِيَّمَا الصِّفَاتُ الْقَدِيمَةُ الْأَزَلِيَّةُ اللَّازِمَةُ لِذَاتِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الَّذِي لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ مَوْصُوفًا بِهَا، فَإِنَّ صِفَاتَ الْعَبْدِ اللَّازِمَةَ لَهُ، كَحَيَاتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، لَيْسَتْ مُتَوَلِّدَةً عَنْهُ عِنْدَ جَمِيعِ الْعُقَلَاءِ.
وَلَا يَقُولُ عَاقِلٌ يَعْقِلُ مَا يَقُولُ: إِنَّ لَوْنَ السَّمَاءِ وَقَدْرَهَا مُتَوَلِّدٌ عَنْهَا، وَلَا إِنَّ قَدْرَ الشَّمْسِ وَضَوْءَهَا الْقَائِمَ بِهَا اللَّازِمَ لَهَا مُتَوَلِّدٌ عَنْهَا، وَلَا يَقُولُ أَحَدٌ: إِنَّ حَرَارَةَ النَّارِ وَضَوْءَهَا الْقَائِمَ بِهَا مُتَوَلِّدٌ عَنْهَا.
стр. 1804
وَإِنَّمَا يُقَالُ: إِنْ قِيلَ فِيمَا لَيْسَ بِقَائِمٍ بِهَا، بَلْ قَائِمٌ بِغَيْرِهَا، أَوْ فِيمَا هُوَ حَادِثٌ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ، كَالشُّعَاعِ الْقَائِمِ بِالْأَرْضِ وَالْحِيطَانِ، وَهَذَا لَيْسَ بِقَائِمٍ بِهَا، بَلْ قَائِمٌ بِغَيْرِهَا، هُوَ حَادِثٌ مُتَوَلِّدٌ عَنْ أَصْلَيْنِ لَا عَنْ أَصْلٍ وَاحِدٍ.
فَأَمَّا صِفَاتُ الْمَخْلُوقِ الْقَائِمَةُ بِهِ اللَّازِمَةُ لَهُ، فَلَا يَقُولُ أَحَدٌ مِنَ الْعُقَلَاءِ: إِنَّهَا مُتَوَلِّدَةٌ عَنْهُ.
وَالنَّصَارَى يَزْعُمُونَ أَنَّ كَلِمَةَ اللَّهِ الَّتِي يُفَسِّرُونَهَا بِعِلْمِهِ أَوْ حِكْمَتِهِ، وَرُوحَ الْقُدُسِ الَّتِي يُفَسِّرُونَهَا بِحَيَاتِهِ وَقُدْرَتِهِ - هِيَ صِفَةٌ لَهُ قَدِيمَةٌ أَزَلِيَّةٌ، لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ مَوْصُوفًا بِهَا.
وَيَقُولُونَ - مَعَ ذَلِكَ -: إِنَّ الْكَلِمَةَ هِيَ مَوْلُودَةٌ مِنْهُ، فَيَجْعَلُونَ عِلْمَهُ الْقَدِيمَ الْأَزَلِيَّ مُتَوَلِّدًا عَنْهُ، وَلَا يَجْعَلُونَ حَيَاتَهُ الْقَدِيمَةَ الْأَزَلِيَّةَ مُتَوَلِّدَةً عَنْهُ.
وَقَدْ أَصَابُوا فِي أَنَّهُمْ لَمْ يَجْعَلُوا حَيَاتَهُ مُتَوَلِّدَةً عَنْهُ، لَكِنْ ظَهَرَ بِذَلِكَ بَعْضُ مُنَاقَضَاتِهِمْ وَضَلَالِهِمْ، فَإِنَّهُ أَنْوَاعٌ كَثِيرَةٌ، فَإِنَّهُ إِنْ كَانَتْ صِفَةُ الْمَوْصُوفِ الْقَدِيمَةُ اللَّازِمَةُ لِذَاتِهِ يُقَالُ: إِنَّهَا ابْنُهُ وَوَلَدُهُ وَمُتَوَلِّدٌ عَنْهُ، وَنَحْوَ ذَلِكَ، فَتَكُونُ حَيَاتُهُ أَيْضًا ابْنَهُ وَوَلَدَهُ وَمُتَوَلِّدًا عَنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، فَلَا يَكُونُ عِلْمُهُ ابْنَهُ وَلَا وَلَدَهُ وَلَا مُتَوَلِّدًا عَنْهُ.
وَأَبْلَغُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ رُوحَ الْقُدُسِ الْمُنْفَصِلَةَ عَنْهُ الْقَائِمَةَ بِالْأَنْبِيَاءِ وَالصَّدِيقَيْنِ، يَقُولُونَ إِنَّهَا وَلَدُهُ وَلَا إِنَّهَا مُتَوَلِّدَةٌ عَنْهُ، بَلْ يَخُصُّونَ
стр. 1805
ذَلِكَ بِالْكَلِمَةِ، فَلَا يَنْقُلُونَ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ أَنَّهُ سَمَّى شَيْئًا مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ ابْنًا وَلَا وَلَدًا، وَلَا قَالَ: إِنَّ عِلْمَ اللَّهِ أَوْ كَلَامَهُ أَوْ حِكْمَتَهُ وَلَدُهُ أَوِ ابْنُهُ، أَوْ هُوَ مُتَوَلِّدٌ عَنْهُ.
فَعُلِمَ أَنَّ الْقَوْمَ فِي غَايَةِ التَّنَاقُضِ فِي الْمَعَانِي وَالْأَلْفَاظِ، وَأَنَّهُمْ مُخَالِفُونَ لِلْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ كُلِّهَا، وَلِمَا فَطَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ عِبَادَهُ مِنَ الْمَعْقُولَاتِ الَّتِي يُسَمُّونَهَا نَوَامِيسَ عَقْلِيَّةً، وَمُخَالِفُونَ لِجَمِيعِ لُغَاتِ الْآدَمِيِّينَ، وَهَذَا مِمَّا يَظْهَرُ بِهِ فَسَادُ تَمْثِيلِهِمْ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا: تَوَلَّدَتِ الْكَلِمَةُ عَنْهُ، كَمَا تُوَلَّدُ الْكَلِمَةُ وَالْحِكْمَةُ فِينَا عَنِ الْعَقْلِ.
فَيُقَالُ لَهُمْ: لَوْ قُدِّرَ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ سَمَّوْا ذَلِكَ تَوَلُّدًا، فَمَا يَتَوَلَّدُ فِينَا حَادِثٌ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ، وَحُدُوثُهُ يَتَسَبَّبُ مِنْ فِعْلِنَا وَقُدْرَتِنَا وَمَشِيئَتِنَا.
فَأَمَّا صِفَاتُنَا اللَّازِمَةُ لَنَا، الَّتِي لَا اخْتِيَارَ لَنَا فِي اتِّصَافِنَا بِهَا، وَلَمْ نَزَلْ مُتَّصِفِينَ بِهَا، فَلَا يَقُولُ عَاقِلٌ: إِنَّهَا مُتَوَلِّدَةٌ فِينَا وَعَنَّا.
وَأَنْتُمْ تَجْعَلُونَ صِفَةَ اللَّهِ الْقَدِيمَةَ اللَّازِمَةَ لَهُ الَّتِي لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ مُتَّصِفًا بِهَا، مُتَوَلِّدَةً عَنْهُ.
فَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ مَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنَ التَّوَلُّدِ الْعَقْلِيِّ أَمْرٌ مَعْرُوفٌ فِي اللُّغَةِ وَالْعَقْلِ وَالشَّرْعِ، لَمْ يَكُنْ لَكُمْ أَنْ تَجْعَلُوا عِلْمَ اللَّهِ وَحِكْمَتَهُ الَّتِي فَسَّرْتُمْ بِهَا كَلِمَتَهُ ابْنًا لَهُ وَمَوْلُودًا مِنْهُ، لَمْ يَزَلْ مَوْلُودًا مِنْهُ ; لِأَنَّ هَذَا بَاطِلٌ عَقْلًا وَشَرْعًا وَلُغَةً.
أَمَّا الْعَقْلُ، فَإِنَّ صِفَةَ الْمَوْصُوفِ اللَّازِمَةَ لَهُ - وَإِنْ كَانَ مَخْلُوقًا -
стр. 1806
لَيْسَتْ مُتَوَلِّدَةً عَنْهُ، فَكَيْفَ الصِّفَةُ الْقَدِيمَةُ لِلْمَوْصُوفِ الْقَدِيمِ؟
وَلَوْ جَازَ هَذَا، جَازَ أَنْ يُجْعَلَ مَا كَانَ لَازِمًا لِغَيْرِهِ وَلَدًا لَهُ وَمَوْلُودًا مِنْهُ، فَيُجْعَلُ كَيْفِيَّاتُ الْأَشْيَاءِ وَكِمِّيَّاتُهَا مُتَوَلِّدَةً عَنْهَا وَأَمْثَالِهَا.
وَيُقَالُ: إِنَّ طُولَ الْجِسْمِ وَعَرْضَهُ وَعُمْقَهُ مُتَوَلِّدٌ عَنْهُ، وَإِنَّ حَيَاةَ الْحَيِّ مُتَوَلِّدَةٌ عَنْهُ، وَإِنَّ الْقُوَى وَالطَّبَايِعَ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ فِي الْمَخْلُوقَاتِ مُتَوَلِّدَةٌ عَنْهَا.
وَأَمَّا الشَّرْعُ، فَإِنَّ هَذَا لَوْ كَانَ مُتَوَلِّدًا وَهُوَ فِي بَعْضِ اللُّغَاتِ يُسَمَّى وَلَدًا، لَمْ يَجُزْ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى ذَلِكَ كَلَامُ الْأَنْبِيَاءِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي لُغَتِهِمْ يُسَمَّى وَلَدًا.
وَكُلُّ مَنْ نَظَرَ فِي كُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ عُلَمَاءِ النَّصَارَى وَغَيْرِهِمْ، لَمْ يَجِدْ أَحَدًا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ يُسَمِّي عِلْمَ اللَّهِ وَكَلِمَتَهُ وَحَيَاتَهُ وَلَدًا لَهُ، وَلَا ابْنًا لَهُ، وَلَا قَالَ: إِنَّ ذَلِكَ يَتَوَلَّدُ عَنْهُ.
فَقَوْلُهُمْ عَنِ الْمَسِيحِ: عَمِّدُوا النَّاسَ بِاسْمِ الْأَبِ وَالِابْنِ وَرُوحِ الْقُدُسِ: إِنَّهُ أَرَادَ بِالِابْنِ كَلِمَةَ اللَّهِ الْقَدِيمَةَ الْأَزَلِيَّةَ، وَإِنَّهَا مُتَوَلِّدَةٌ مِنْهُ، وَإِنَّهُ أَرَادَ بِرُوحِ الْقُدُسِ حَيَاةَ اللَّهِ الْقَدِيمَةَ الْأَزَلِيَّةَ - كَذِبٌ مَحْضٌ عَلَى الْمَسِيحِ ﵇ لَا يُوجَدُ قَطُّ فِي كَلَامِهِ وَلَا كَلَامِ غَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ أَنَّهُمْ سَمَّوْا عِلْمَ اللَّهِ وَحِكْمَتَهُ، وَلَا شَيْئًا مِنْ صِفَاتِهِ الْقَائِمَةِ بِهِ ابْنًا، وَلَا سَمَّوْا حَيَاتَهُ رُوحَ الْقُدُسِ.
وَأَمَّا اللُّغَةُ، فَإِنَّ هَذَا التَّعْبِيرَ الَّذِي ذَكَرُوا - وَهُوَ تَسْمِيَةُ صِفَاتِ
стр. 1807
الْمَوْصُوفِ اللَّازِمَةِ لَهُ وَلَدًا وَابْنًا وَمُتَوَلِّدًا - لَا يُعْرَفُ فِي لُغَاتِ بَنِي آدَمَ الْمَعْرُوفَةِ.
وَقَدْ يَتَبَنَّى الرَّجُلُ وَلَدَ غَيْرِهِ فَيَتَّخِذُهُ وَلَدًا وَيَجْعَلُهُ بِمَنْزِلَةِ الْوَلَدِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَوَلِّدًا عَنْهُ، كَمَا كَانَتْ تَفْعَلُهُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ مِنَ الْعَرَبِ وَغَيْرِهِمْ، وَلِهَذَا نَزَّهَ اللَّهُ - تَعَالَى - نَفْسَهُ عَنِ الْوِلَادَةِ وَعَنِ اتِّخَاذِ الْوَلَدِ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الصافات: ١٥١] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ - بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٠٠ - ١٠١] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٣]
وَأَمَّا اتِّخَاذُ الْوَلَدِ، فَفِي مَوَاضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ [الإسراء: ١١١] وَقَوْلِهِ تَعَالَى:
стр. 1808
﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ - بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة: ١١٦ - ١١٧] . وَقَوْلِهِ: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ - لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ - يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ - وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٢٦ - ٢٩] . وَقَوْلُهُ: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [المؤمنون: ٩١] وَقَوْلِهِ: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ [الزمر: ٤]
وَأَهْلُ الْكِتَابِ يَذْكُرُونَ أَنَّ فِي كُتُبِهِمْ تَسْمِيَةَ عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ ابْنًا، وَتَسْمِيَةَ اللَّهِ أَبًا، وَتَسْمِيَةَ الْمُصْطَفَيْنَ أَبْنَاءً، وَهَذَا إِذَا كَانَ ثَابِتًا عَنِ الْأَنْبِيَاءِ، فَإِنَّهُمْ لَا يَعْنُونَ بِهِ إِلَّا مَعْنًى صَحِيحًا
وَاللَّفْظُ قَدْ يَكُونُ لَهُ فِي لُغَةٍ مَعْنًى، وَلَهُ فِي لُغَةٍ أُخْرَى مَعْنًى غَيْرُ ذَلِكَ، وَالْمُرَادُ بِهَذَا الْوَلَدِ وَالِابْنِ لَا يُنَافِي كَوْنَهُ مَخْلُوقًا مَرْبُوبًا عَبْدًا لِلَّهِ .
стр. 1809
وَأَمَّا تَسْمِيَةُ شَيْءٍ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ ابْنًا أَوْ وَلَدًا، فَهَذَا لَا يُعْرَفُ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَلَا الْأُمَمِ أَهْلِ اللُّغَاتِ سِوَى مُبْتَدَعَةِ النَّصَارَى. وَلَمْ يَبْقَ لِلتَّوَلُّدِ إِلَّا مَعْنَيَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَنْفَصِلَ عَنْهُ جُزْءٌ، وَالثَّانِي: أَنْ يَحْدُثَ عَنْهُ شَيْءٌ، إِمَّا بِاخْتِيَارِهِ، وَإِمَّا بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ وَقُدْرَتِهِ، كَحُدُوثِ الشُّعَاعِ عَنِ النَّارِ وَالشَّمْسِ.
وَكُلٌّ مِنَ الْأَمْرَيْنِ لَا يَكُونُ إِلَّا عَنْ أَصْلَيْنِ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ حَادِثًا، لَا يَكُونَ مِنْ صِفَاتِهِ اللَّازِمَةِ لَهُ، فَيَمْتَنِعُ أَنْ يَتَوَلَّدَ عَنْهُ شَيْءٌ إِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ أَصْلٌ آخَرُ يَتَوَلَّدُ عَنْهُمَا.
وَالتَّوَلُّدُ عَنْهُ بِغَيْرِ قُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ، مُمْتَنِعٌ عِنْدَ أَهْلِ الْمِلَلِ، الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَسَائِرِ الْأُمَمِ، سِوَى طَائِفَةٍ مِنَ الْمُتَفَلْسِفَةِ يَقُولُونَ: إِنَّهُ مُوجِبٌ بِذَاتِهِ مُسْتَلْزِمًا لِمَا يَصْدُرُ عَنْهُ، فَهَؤُلَاءِ قَوْلُهُمْ يُنَاسِبُ هَذَا التَّوَلُّدَ.
وَالنَّصَارَى تُكَفِّرُ هَؤُلَاءِ، لَكِنْ قَدْ ضَاهَوْهُمْ فِي الْقَوْلِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة: ٣٠] .
وَهَذَا قَالَهُ طَائِفَةٌ مِنَ الْيَهُودِ، وَهُوَ مَعْرُوفٌ عَنْ شَخْصٍ يُقَالُ لَهُ فِنْحَاصُ بْنُ عَازُورَا وَأَتْبَاعِهِ.
стр. 1810
قَالَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ: وَالصَّدُوقِيَّةُ طَائِفَةٌ مِنَ الْيَهُودِ نُسِبُوا إِلَى رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ صَدُوقٌ، وَهُمْ يَقُولُونَ - مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْيَهُودِ -: إِنَّ الْعُزَيْرَ ابْنُ اللَّهِ، وَكَانُوا بِجِهَةِ الْيَمَنِ.
وَلَكِنِ الْمُتَفَلْسِفَةُ الَّذِينَ يَقُولُونَ بِصُدُورِ الْعُقُولِ وَالْأَفْلَاكِ عَنْهُ، وَإِنْ سُمِّيَ ذَلِكَ تَوَلُّدًا، فَهُمْ يَجْعَلُونَ وَلَدَهُ مُنْفَصِلًا عَنْهُ، لَكِنْ يُثْبِتُونَ وَلَدًا قَدِيمًا أَزَلِيًّا صَدَرَ عَنْهُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ، وَيَجْعَلُونَ الشَّيْءَ الْوَاحِدَ مُتَوَلِّدًا عَنْهُ.
وَسَائِرُ الطَّوَائِفِ الَّذِينَ أَثْبَتُوا لِلَّهِ وَلَدًا، جَعَلُوهُ حَادِثًا مُنْفَصِلًا عَنْهُ.
فَأَمَّا جَعْلُ صِفَتِهِ الْقَائِمَةِ بِهِ وَلَدًا لَهُ وَمَوْلُودًا، فَهَذَا لَا يُعْرَفُ عَنْ غَيْرِ النَّصَارَى، فَإِذَا أَثْبَتُوا لَهُ وَلَدًا وَابْنًا غَيْرَ مَخْلُوقٍ، وَالصِّفَةُ الْقَائِمَةُ بِهِ اللَّازِمَةُ لَهُ، لَمْ تَتَوَلَّدْ عَنْهُ وَلَا تُسَمَّى ابْنًا وَلَا وَلَدًا عِنْدَ أَحَدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَغَيْرِهِمْ - تَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ إِمَّا جُزْءًا مُنْفَصِلًا عَنْهُ، وَإِمَّا مَعْلُولًا لَهُ صَادِرًا عَنْهُ بِغَيْرِ قُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ، وَأَيَّ الْقَوْلَيْنِ قَالُوهُ فَهُمْ فِيهِ كُفَّارٌ مُضَاهِئُونَ لِقَوْلِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ.
стр. 1811
وَبَعْضُ عُلَمَائِهِمْ، وَإِنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ، لَكِنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ وَيُشَبِّهُونَهُ بِالشُّعَاعِ مِنَ الشَّمْسِ، وَيَقُولُونَ عَنِ الرُّوحِ: هُوَ مُنْبَثِقٌ مِنَ اللَّهِ خَارِجٌ مِنْهُ.
وَهَذَا كُلُّهُ يُنَاسِبُ الْوِلَادَةَ الَّتِي هِيَ خُرُوجُ شَيْءٍ مِنْهُ، أَوْ حُدُوثُ شَيْءٍ عَنْهُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ وَمَشِيئَتِهِ، وَلَا بُدَّ لَهُ - مَعَ ذَلِكَ - مِنْ مَحَلٍّ يَقُومُ بِهِ، فَإِنَّ الشُّعَاعَ لَا يَقُومُ إِلَّا بِالْأَرْضِ.
وَالْأَمْرُ الْمُنْبَثِقُ الْخَارِجُ مِنْ غَيْرِهِ، إِمَّا أَنْ يَكُونَ جَوْهَرًا قَائِمًا بِنَفْسِهِ، أَوْ صِفَةً قَائِمَةً بِغَيْرِهَا.
فَإِنْ كَانَ جَوْهَرًا، فَقَدِ انْفَصَلَ مِنَ الرَّبِّ جُزْءٌ.
وَإِنْ كَانَ عَرَضًا، فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ مَحَلٍّ، فَيَكُونَ مُتَوَلِّدًا عَنْ أَصْلَيْنِ.
وَتَشْبِيهُهُمْ بِتَوَلُّدِ الْكَلَامِ عَنِ الْعَقْلِ تَشْبِيهٌ بَاطِلٌ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَحْصُلُ بِقُدْرَةِ الْإِنْسَانِ وَمَشِيئَتِهِ، وَهُوَ حَادِثٌ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ.
هَذَا إِذَا عُرِفَ أَنَّ مَا يَقُومُ بِقَلْبِ الْإِنْسَانِ مِنْ عِلْمٍ وَحِكْمَةٍ، يُقَالُ: إِنَّهُ يَتَوَلَّدُ عَنْهُ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ ابْنُهُ، مَعَ أَنَّ هَذَا أَمْرٌ غَيْرُ مَعْرُوفٍ فِي اللُّغَاتِ، وَلَوْ كَانَ مَعْرُوفًا فِي لُغَةِ بَعْضِ الْأُمَمِ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يُفَسَّرَ بِهِ كَلَامُ الْأَنْبِيَاءِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا فِي لُغَتِهِمْ.
وَأَمَّا مَا يَدَّعُونَهُ، فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ الْكَلِمَةَ لَازِمَةٌ لِذَاتِ اللَّهِ أَزَلًا وَأَبَدًا، وَهِيَ مَوْلُودَةٌ مِنْهُ، مَعَ أَنَّهَا غَيْرُ مَصْنُوعَةٍ، فَهَذَا كَلَامٌ مُتَنَاقِضٌ بَاطِلٌ مِنْ وُجُوهٍ.
стр. 1812
فَإِنَّ الْمُتَوَلِّدَ عَنِ الشَّيْءِ لَا يَتَوَلَّدُ إِلَّا عَنْهُ وَعَنْ غَيْرِهِ، وَأَمَّا الشَّيْءُ الْوَاحِدُ فَلَا يَتَوَلَّدُ عَنْهُ وَحْدَهُ شَيْءٌ، وَأَيْضًا فَإِنَّ مَا تَوَلَّدَ عَنْ غَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ حَادِثًا، وَأَمَّا الصِّفَةُ الْقَدِيمَةُ اللَّازِمَةُ لِذَاتِ الرَّبِّ فَلَيْسَتْ مَوْلُودَةً لَهُ، وَلَا مُتَوَلِّدَةً عَنْهُ، بَلْ هِيَ قَائِمَةٌ بِهِ لَازِمَةٌ لِذَاتِهِ.
وَأَيْضًا، فَإِنَّ الْمَوْلُودَ اسْمُ مَفْعُولٍ، يُقَالُ: وَلَدَهُ يَلِدُهُ فَهُوَ مَوْلُودٌ، وَهَذَا لَا يُقَالُ إِلَّا فِي الْحَادِثِ الْمُتَجَدِّدِ، فَإِنَّهُ مَفْعُولُ فِعْلِ الْوَالِدِ.
وَالْقَدِيمُ الْأَزَلِيُّ لَا يَكُونُ مَفْعُولًا مَوْلُودًا.
وَأَيْضًا فَتَسْمِيَةُ الصِّفَةِ الْقَدِيمَةِ الْأَزَلِيَّةِ مَوْلُودًا وَابْنًا، لَا يُوجَدُ فِي كَلَامِ أَحَدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ ﵈.
فَهَبْ أَنَّ هَذَا مِمَّا يَسُوغُ لَنَا فِي اللُّغَةِ أَنْ نَقُولَهُ، لَكِنْ لَا يَجُوزُ أَنَّ نُحْدِثَ لُغَةً غَيْرَ لُغَةِ الْأَنْبِيَاءِ، وَنَحْمِلَ كَلَامَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهَا، فَإِنَّ هَذَا كَذِبٌ عَلَيْهِمْ.
وَهَكَذَا تَفْعَلُ النَّصَارَى وَأَمْثَالُهُمْ مِنْ أَهْلِ التَّحْرِيفِ بِكَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ، يُحْدِثُونَ لَهُمْ لُغَةً مُخَالِفَةً لِلُغَةِ الْأَنْبِيَاءِ، وَيَحْمِلُونَ كَلَامَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِ.
مِثَالُ ذَلِكَ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ أَخْبَرُوا بِأَنَّ اللَّهَ إِلَهٌ وَاحِدٌ، وَكَفَّرُوا مَنْ أَثْبَتَ إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ، وَأَمَرُوا بِالتَّوْحِيدِ وَدَعَوْا إِلَيْهِ، وَحَرَّمُوا الشِّرْكَ وَكَفَّرُوا أَهْلَهُ، وَأَخْبَرُوا أَنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ أَحَدٌ، وَكَانَ مُرَادُهُمْ بِذَلِكَ تَوْحِيدُهُ، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ
стр. 1813
يُعْبَدَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ الْعِبَادَةَ إِلَّا هُوَ، لَيْسَ مَقْصُودُهُمْ بِذَلِكَ نَفْيَ صِفَاتِهِ.
فَلَمْ يَقْصِدُوا بِلَفْظِ " الْأَحَدِ وَالْوَاحِدِ " أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ عِلْمٌ وَلَا قُدْرَةٌ وَلَا شَيْءٌ مِنَ الصِّفَاتِ.
فَجَاءَ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ، فَفَسَّرُوا لَفْظَ اسْمِ " الْوَاحِدِ وَالْأَحَدِ " بِمَا جَعَلُوهُ اصْطِلَاحًا لَهُمْ، فَقَالُوا: الْوَاحِدُ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ تَرْكِيبٌ وَلَا يَنْقَسِمُ، وَلَوْ كَانَ لَهُ صِفَاتٌ لَكَانَ مُرَكَّبًا، وَلَوْ قَامَتْ بِهِ الصِّفَاتُ لَكَانَ جِسْمًا، وَالْجِسْمُ مُرَكَّبٌ مِنَ الْجَوَاهِرِ الْمُنْفَرِدَةِ، أَوْ مِنَ الْمَادَّةِ وَالصُّورَةِ، فَلَا يَكُونُ أَحَدًا وَلَا وَاحِدًا.
فَيُقَالُ: هَذَا الَّذِي قَالُوهُ، لَوْ قُدِّرَ أَنَّهُ صَحِيحٌ فِي الْعَقْلِ وَاللُّغَةِ، فَلَيْسَ هُوَ لُغَةَ الْأَنْبِيَاءِ الَّتِي خَاطَبُوا بِهَا الْخَلْقَ، فَكَيْفَ إِذَا لَمْ يَكُنْ هَذَا الْوَاحِدُ مِنْ لُغَةِ أَحَدٍ مِنَ الْأُمَمِ؟
بَلْ جَمِيعُ الْأُمَمِ تُسَمِّي مَا قَامَ بِهِ الصِّفَاتُ وَاحِدًا، بَلْ يُسَمُّونَهُ وَحِيدًا، وَقَدْ يُسَمُّونَهُ فِي غَيْرِ الْإِثْبَاتِ أَحَدًا، كَقَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] وَقَوْلِهِ: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ [المدثر: ١١] وَأَمْثَالِ ذَلِكَ.
стр. 1814
وَأَمَّا الْبَحْثُ الْعَقْلِيُّ فِي هَذَا، فَقَدْ بَسَطْنَاهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، وَبَيَّنَّا أَنَّ مَا يُسَمِّيهِ هَؤُلَاءِ الْمُتَفَلْسِفَةُ تَرْكِيبًا، كَقَوْلِهِمْ: إِنَّ الشَّيْءَ مُرَكَّبٌ مِنْ وُجُودٍ وَمَاهِيَّةٍ، وَقَوْلِهِمْ: إِنَّ الْأَنْوَاعَ مُرَكَّبَةٌ مِنَ الْأَجْنَاسِ وَالْفُصُولِ، هُوَ بَاطِلٌ عِنْدَ جَمِيعِ جُمْهُورِ الْعُقَلَاءِ.
وَلَيْسَ فِي الْخَارِجِ إِلَّا ذَاتٌ مُتَّصِفَةٌ بِصِفَاتٍ، لَيْسَ فِي الْخَارِجِ وُجُودُ الْقَائِمِ بِنَفْسِهِ، وَمَاهِيَّةٌ أُخْرَى غَيْرَ هَذَا الشَّيْءِ الْمَوْجُودِ الْقَائِمِ بِنَفْسِهِ مَثَلًا.
وَلَكِنْ قَدْ يُعْنَى بِلَفْظِ " مَاهِيَّةٍ " مَا يُتَصَوَّرُ فِي الْأَذْهَانِ، وَبِالْوُجُودِ مَا يُوجَدُ فِي الْأَعْيَانِ، وَحِينَئِذٍ فَهَذِهِ الْمَاهِيَّةُ غَيْرُ هَذَا الْمَوْجُودِ، وَحِينَئِذٍ فَيُقَالُ: هَذِهِ الْمَاهِيَّةُ غَيْرُ هَذَا الْوُجُودِ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ: إِنَّ الْإِنْسَانَ الْمَوْجُودَ فِي الْخَارِجِ مُرَكَّبٌ مِنَ الْجِنْسِ وَالْفَصْلِ، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ الْمَوْجُودَ هُوَ ذَاتٌ مُتَّصِفَةٌ بِصِفَاتٍ هُوَ وَغَيْرُهُ مِنَ الْمَوْجُودَاتِ.
وَلَكِنْ يُتَصَوَّرُ فِي الذِّهْنِ مَا هُوَ مُرَكَّبٌ مِنَ الْحَيَوَانِ وَالنَّاطِقِ، كَمَا يُتَصَوَّرُ مَا هُوَ مُرَكَّبٌ مِنَ الْحَيَوَانِ وَالضَّاحِكِ، وَهَذَا تَرْكِيبٌ ذِهْنِيٌّ لَا تَرْكِيبٌ فِي الْخَارِجِ، وَقَدْ بُسِطَ هَذَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَتَبَيَّنَ أَنَّ مَا جَعَلُوهُ مِنَ الصِّفَاتِ دَاخِلًا فِي الْمَاهِيَّةِ، وَمَا جَعَلُوهُ خَارِجًا عَنْهَا لَازِمًا لَهَا، وَمَا هُوَ مَجْمُوعُ أَجْزَاءِ الْمَاهِيَّةِ، يَرْجِعُ عِنْدَ التَّحْقِيقِ إِلَى مَا هُوَ مَدْلُولٌ عَلَيْهِ بِالتَّضَمُّنِ وَالِالْتِزَامِ وَالْمُطَابَقَةِ.
стр. 1815
وَمِنْ ذَلِكَ تَرْكِيبُ الْجِسْمِ مِنَ الْجَوَاهِرِ الْمُفْرَدَةِ، أَوْ مِنْ الْمَادَّةِ وَالصُّورَةِ.
وَأَكْثَرُ الْعُقَلَاءِ يُنْكِرُونَ تَرْكِيبَ الْجِسْمِ مِنْ هَذَا وَهَذَا، كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا، أَنَّ كَلَامَ الْأَنْبِيَاءِ لَا يَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ إِلَّا عَلَى لُغَتِهِمْ الَّتِي مِنْ عَادَتِهِمْ أَنْ يُخَاطِبُوا بِهَا النَّاسَ، لَا يَجُوزُ أَنْ يُحْدَثَ لُغَةٌ غَيْرُ لُغَتِهِمْ، وَيُحْمَلَ كَلَامُهُمْ عَلَيْهَا.
بَلْ إِذَا كَانَ لِبَعْضِ النَّاسِ - عَادَةٌ وَلُغَةٌ - يُخَاطِبُ بِهَا أَصْحَابَهُ، وَقُدِّرَ أَنَّ ذَلِكَ يَجُوزُ لَهُ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُحَمِّلَ ذَلِكَ، لُغَةَ النَّبِيِّ، وَيَحْمِلَ كَلَامَ النَّبِيِّ عَلَى ذَلِكَ.
وَمِنْ هَذَا إِخْبَارُ الْأَنْبِيَاءِ بِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ وَيَتَكَلَّمُ وَيُنَادِي وَيُنَاجِي، وَأَنَّهُ قَالَ كَذَا وَتَكَلَّمَ بِكَذَا، وَنَادَى مُوسَى وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَالْمَعْرُوفُ فِي لُغَتِهِمْ وَلُغَةِ سَائِرِ الْأُمَمِ، أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ مَنْ قَامَ بِهِ الْكَلَامُ، وَإِنْ كَانَ مُتَكَلِّمًا بِقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ، لَا يُعْرَفُ فِي لُغَتِهِمْ أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ مَنْ أَحْدَثَ كَلَامًا مُنْفَصِلًا عَنْهُ، وَلَا أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ مَنْ قَامَ بِهِ الْكَلَامُ بِدُونِ قُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ.
فَلَيْسَ لِأَحَدٍ - إِذَا جَعَلَ اسْمَ الْمُتَكَلِّمِ لِمَنْ يُحْدِثُ كَلَامًا بَائِنًا عَنْهُ، أَوْ مَنْ قَامَ بِهِ بِدُونِ قُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ - أَنْ يَحْمِلَ كَلَامَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى هَذَا.
بَلِ الْمُتَكَلِّمُ - عِنْدَ الْإِطْلَاقِ - مَنْ تَكَلَّمَ بِقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ، مَعَ قِيَامِ الْكَلَامِ بِهِ.
стр. 1816
وَهَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ فِي لُغَةِ الْأَنْبِيَاءِ وَسَائِرِ الْأُمَمِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، وَنَظَائِرُ هَذَا مُتَعَدِّدَةٌ.
فَمَنْ فَسَّرَ كَلَامَ الْأَنْبِيَاءِ بِغَيْرِ لُغَتِهِمُ الْمَعْرُوفَةِ، فَهُمْ مِمَّنْ بَدَّلَ كَلَامَهُمْ وَحَرَّفَهُ، وَالنَّصَارَى مِنْ هَؤُلَاءِ.
وَكَذَلِكَ اسْمُ الْعَادِلِ وَالظَّالِمِ وَنَحْوِهِمَا، فَإِنَّ الْمَعْرُوفَ مِنْ كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ وَغَيْرِهِمْ أَنَّ الْعَادِلَ مَنْ قَامَ بِهِ الْعَدْلُ وَفَعَلَ الْعَدْلَ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ.
وَالظَّالِمُ مَنْ قَامَ بِهِ الظُّلْمُ، وَفَعَلَهُ بِقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ، لَا يُسَمُّونَ مَنْ لَمْ يَقُمْ بِهِ الظُّلْمُ، وَلَكِنْ قَامَ بِغَيْرِهِ، لِكَوْنِ قَدْ جَعَلَ ذَلِكَ فَاعِلًا لَهُ، وَلَا يُسَمُّونَ مَنْ لَمْ يَفْعَلِ الظُّلْمَ - وَلَكِنْ فَعَلَهُ غَيْرُهُ فِيهِ - ظَالِمًا.
فَمَنْ جَعَلَ الظَّالِمَ وَالْكَافِرَ وَالْفَاسِقَ مَنْ لَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ وَلَكِنْ فَعَلَهُ غَيْرُهُ فِيهِ، أَوْ جَعَلَ الظَّالِمَ مَنْ لَمْ يَقُمْ بِهِ ظُلْمٌ فَعَلَهُ، وَلَكِنْ جَعَلَ غَيْرَهُ مُتَّصِفًا بِهِ ظَالِمًا - فَقَدْ خَرَجَ عَنِ الْمَعْرُوفِ مِنْ كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ وَغَيْرِهِمْ.
وَأَبْلَغُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْمُحْدَثَ وَالْحَادِثَ فِي لُغَةِ جَمِيعِ الْأُمَمِ، لَا يُسَمَّى بِهِ إِلَّا مَا كَانَ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ، وَالْمَخْلُوقُ أَبْلَغُ مِنَ الْمُحْدَثِ وَالْحَادِثِ
فَلَيْسَ لِأَحَدٍ - إِذَا أَحْدَثَ اصْطِلَاحًا سَمَّى بِهِ الْقَدِيمَ الْأَزَلِيَّ الَّذِي لَمْ يَزَلْ مَوْجُودًا، وَلَكِنَّهُ زَعَمَ أَنَّهُ مَعْلُولٌ لِغَيْرِهِ، فَسَمَّاهُ مُحْدَثًا بِهَذَا الِاعْتِبَارِ - أَنْ يَقُولَ: أَنَا أَحْمِلُ كَلَامَ الْأَنْبِيَاءِ الَّذِي أَخْبَرُوا بِهِ، أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ
стр. 1817
وَمَا بَيْنَهُمَا مَخْلُوقٌ أَوْ مَصْنُوعٌ أَوْ مَعْقُولٌ أَوْ مُحْدَثٌ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الْعِبَارَاتِ - عَلَى أَنَّ مُرَادَهُمْ بِذَلِكَ أَنَّهُ مَعْلُولٌ، مَعَ كَوْنِهِ قَدِيمًا أَزَلِيًّا لَمْ يَزَلْ.
وَأَمَّا لَفْظُ " الْقَدِيمِ " فَهُوَ فِي اللُّغَةِ الْمَشْهُورَةِ الَّتِي خَاطَبَنَا بِهَا الْأَنْبِيَاءُ، يُرَادُ بِهِ مَا كَانَ مُتَقَدِّمًا عَلَى غَيْرِهِ تَقَدُّمًا زَمَانِيًّا، سَوَاءٌ سَبَقَهُ عَدَمٌ أَوْ لَمْ يَسْبِقْهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس: ٣٩] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾ [يوسف: ٩٥] وَقَالَ " الْخَلِيلُ ": ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٧٥]
فَلِهَذَا كَانَ الْقَدِيمُ الْأَزَلِيُّ الَّذِي لَمْ يَزَلْ مَوْجُودًا، وَلَمْ يَسْبِقْهُ عَدَمٌ - أَحَقَّ بِاسْمِ الْقَدِيمِ مِنْ غَيْرِهِ.
وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَجْعَلَ الْقَدِيمَ وَالْمُتَقَدِّمَ اسْمًا لِمَا قَارَنَ غَيْرَهُ فِي الزَّمَانِ لِزَعْمِهِ أَنَّهُ مُتَقَدِّمٌ عَلَيْهِ بِالْعِلَّةِ، وَيَقُولُ: إِنَّهُ مُتَقَدِّمٌ عَلَى غَيْرِهِ وَسَابِقٌ لَهُ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ، وَإِنَّ ذَلِكَ الْمَعْلُولَ مُتَأَخِّرٌ عَنْهُ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ، ثُمَّ يَحْمِلُ مَا جَاءَ مِنْ كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ وَأَتْبَاعِ الْأَنْبِيَاءِ وَعُمُومِ الْخَلْق عَلَى هَذَا الِاصْطِلَاحِ لَوْ كَانَ حَقًّا، فَكَيْفَ إِذَا كَانَ بَاطِلًا.
стр. 1818
وَمَا ذَكَرَهُ مِنَ التَّقَدُّمِ وَالسَّبْقِ وَالتَّأَخُّرِ بِغَيْرِ الزَّمَانِ، أَمْرٌ غَيْرُ مَوْجُودٍ وَلَا مَعْقُولٍ وَلَا يُعْرَفُ فِي الْوُجُودِ مَنْ فَعَلَ شَيْئًا، وَكَانَ عِلَّةً فَاعِلَةً لَهُ إِلَّا وَهُوَ مُتَقَدِّمٌ عَلَيْهِ سَابِقٌ لَهُ، لَيْسَ مُقَارِنًا لَهُ فِي الزَّمَانِ أَلْبَتَّةَ، بَلْ مُتَقَدِّمٌ عَلَيْهِ تَقَدُّمًا زَمَانِيًّا.
وَكُلُّ مَنْ يُعْرَفُ أَنَّهُ سَبَبٌ أَوْ عِلَّةٌ فَاعِلَةٌ، فَإِنَّهُ مُتَقَدِّمٌ عَلَى مُسَبِّبِهِ وَمَعْلُولِهِ، لَكِنْ قَدْ يَكُونُ مُتَّصِلًا بِهِ لَيْسَ بَيْنَهُمَا زَمَانٌ آخَرُ.
فَيُقَالُ: لَيْسَ هَذَا مُتَأَخِّرًا عَنْ هَذَا ; أَيْ هُوَ مُتَّصِلٌ بِهِ لَيْسَ بَيْنَهُمَا فَصْلٌ.
وَيُقَالُ: لَيْسَ ذَلِكَ مُتَقَدِّمًا عَلَى هَذَا ; أَيْ لَيْسَ بَيْنَهُمَا زَمَانٌ، بَلْ هُوَ مُتَّصِلٌ بِهِ، إِذْ قَدْ يُرَادُ بِلَفْظِ التَّقَدُّمِ هَذَا، كَقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : ( «الْجِنَازَةُ مَتْبُوعَةٌ، وَلَيْسَتْ بِتَابِعَةٍ، لَيْسَ مِنْهَا مَنْ تَقَدَّمَهَا» ) ; أَيْ مَنْ كَانَ قَدْ تَقَدَّمَهَا، حَتَّى لَمْ يَكُنْ قَرِيبًا مِنْهَا، لَمْ يَكُنْ تَابِعًا لَهَا، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: ( «الرَّاكِبُ خَلْفَ الْجِنَازَةِ، وَالْمَاشِي أَمَامَهَا وَوَرَاءَهَا، وَعَنْ يَمِينِهَا وَيَسَارِهَا، قَرِيبًا مِنْهَا» ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ، وَهُوَ أَبْيَنُ حَدِيثٍ
стр. 1819
رُوِيَ فِي هَذَا الْبَابِ فِي هَذَا الْحُكْمِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ [يس: ٤٠] أَيْ لَا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ، بِحَيْثُ يَكُونُ بَيْنَهُمَا انْفِصَالٌ، بَلْ كُلٌ مِنْهُمَا مُتَّصِلٌ بِالْآخَرِ.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ مَعْرِفَةَ اللُّغَةِ الَّتِي خَاطَبَنَا بِهَا الْأَنْبِيَاءُ وَحُمِلَ كَلَامُهُمْ عَلَيْهَا - أَمْرٌ وَاجِبٌ مُتَعَيِّنٌ، وَمَنْ سَلَكَ غَيْرَ هَذَا الْمَسْلَكِ، فَقَدْ حَرَّفَ كَلَامَهُمْ عَنْ مَوَاضِعِهِ، وَكَذَبَ عَلَيْهِمْ وَافْتَرَى.
وَمِثْلُ هَذَا التَّحْرِيفِ وَالتَّبْدِيلِ قَدِ اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ وَالْيَهُودُ وَالنَّصَارَى عَلَى أَنَّهُ وَقَعَ فِيهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكُتُبِ الثَّلَاثَةِ، وَأَنَّ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ حُرِّفَا بِهَذَا الِاعْتِبَارِ، وَكَذَلِكَ الْقُرْآنُ حَرَّفَهُ أَهْلُ الْإِلْحَادِ وَالْبِدَعِ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ.
فَأَهْلُ الْكِتَابِ نَقَلُوا عَنِ الْأَنْبِيَاءِ أَنَّهُمْ تَكَلَّمُوا بِلَفْظِ الْأَبِ وَالِابْنِ وَمُرَادُهُمْ - عِنْدَهُمْ - بِالْأَبِ: الرَّبُّ، وَبِالِابْنِ: الْمُصْطَفَى الْمُخْتَارُ الْمَحْبُوبُ.
وَلَمْ يَنْقُلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ أَنَّهُمْ سَمَّوْا شَيْئًا مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ ابْنًا، وَلَا قَالُوا عَنْ شَيْءٍ مِنْ صِفَاتِهِ: إِنَّهُ تَوَلَّدَ عَنْهُ، وَلَا إِنَّهُ مَوْلُودٌ لَهُ.
فَإِذَا وُجِدَ فِي كَلَامِ الْمَسِيحِ ﵇ أَنَّهُ قَالَ: (عَمِّدُوا النَّاسَ بِاسْمِ الْأَبِ وَالِابْنِ وَرُوحِ الْقُدُسِ) ثُمَّ فَسَّرُوا الِابْنَ بِصِفَةِ اللَّهِ
стр. 1820
الْقَدِيمَةِ الْأَزَلِيَّةِ، كَانَ هَذَا كَذِبًا بَيِّنًا عَلَى الْمَسِيحِ، حَيْثُ لَمْ يَكُنْ فِي لُغَتِهِ أَنَّ لَفْظَ الِابْنِ يُرَادُ بِهِ صِفَةُ اللَّهِ الْقَدِيمَةُ الْأَزَلِيَّةُ.
وَكَذَلِكَ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ أَنَّ حَيَاةَ اللَّهِ تُسَمَّى رُوحَ الْقُدُسِ، وَإِنَّمَا يُرِيدُونَ بِرُوحِ الْقُدُسِ مَا يُنْزِلُهُ اللَّهُ ﵎ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَيُؤَيِّدُهُمْ، كَانَ تَفْسِيرُ قَوْلِ الْمَسِيحِ: " رُوحُ الْقُدُسِ ": إِنَّهُ أَرَادَ حَيَاةَ اللَّهِ - كَذِبًا عَلَى الْمَسِيحِ.
وَهَذَا مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ أَفْسَدُ مِنْ قَوْلِ بَعْضِ الْمُتَفَلْسِفَةِ: إِنَّ الْعُقُولَ وَالنُّفُوسَ وَالْأَفْلَاكَ مَعْلُولَةٌ لَهُ مُتَوَلِّدَةٌ عَنْهُ، لَازِمَةٌ لَهُ أَزَلًا وَأَبَدًا، وَإِنْ كَانَ هَذَا أَيْضًا بَاطِلًا فِي صَرِيحِ الْعَقْلِ، كَمَا هُوَ كُفْرٌ بِمَا أَخْبَرَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ، كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، فَإِنَّهُ لَا يَصْدُرُ شَيْءٌ عَنْ فَاعِلِ الْأَشْيَاءِ بَعْدَ شَيْءٍ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ الْمَفْعُولُ مُقَارِنًا لِلْفَاعِلِ لَا يَتَأَخَّرُ عَنْهُ، وَلَا يَكُونُ التَّوَلُّدُ إِلَّا عَنْ أَصْلَيْنِ.
وَالْوَاحِدُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ الَّذِي لَيْسَ لَهُ صِفَةٌ ثُبُوتِيَّةٌ، لَا وُجُودَ لَهُ، وَلَوْ كَانَ لَهُ وُجُودٌ لَمْ يَصْدُرْ عَنْهُ وَحْدَهُ شَيْءٌ، كَمَا قَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ.
وَمِمَّا يُوَضِّحُ ذَلِكَ، أَنَّ خَوَاصَّ النَّصَارَى وَعُلَمَاءَهُمْ - مَعَ تَجْوِيزِهِمْ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الْمَسِيحَ ابْنُ اللَّهِ - يَلْزَمُهُمْ أَنْ تَكُونَ مَرْيَمُ صَاحِبَةَ اللَّهِ وَامْرَأَتَهُ، كَمَا قَالَ ذَلِكَ مَنْ يَغْلُو مِنْهُمْ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُ مَرْيَمَ إِلَهًا مَعَ اللَّهِ، كَمَا جَعَلَ الْمَسِيحَ إِلَهًا.
فَإِنْ قَالُوا بِذَلِكَ، جَعَلُوا لِلَّهِ صَاحِبَةً وَوَلَدًا، وَجَعَلُوا الْمَسِيحَ ابْنَ
стр. 1821
مَرْيَمَ وَأُمَّهُ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ، كَمَا فَعَلَ ذَلِكَ مَنْ فَعَلَهُ مِنْهُمْ.
فَإِنَّهُمْ يَعْبُدُونَ مَرْيَمَ وَيَدْعُونَهَا بِمَا يَدْعُونَ بِهِ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ - وَالْمَسِيحَ، وَيَجْعَلُونَهَا إِلَهًا كَمَا يَجْعَلُونَ الْمَسِيحَ إِلَهًا، فَيَقُولُونَ: يَا وَالِدَةَ الْإِلَهِ، اغْفِرِي لَنَا وَارْحَمِينَا، وَنَحْوَ ذَلِكَ، فَيَطْلُبُونَ مِنْهَا مَا يَطْلُبُونَهُ مِنَ اللَّهِ .
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ عَنْ مَرْيَمَ: إِنَّهَا صَاحِبَةُ اللَّهِ .
وَبَيَانُ لُزُومِ ذَلِكَ أَنَّ الْمَسِيحَ - عِنْدَهُمْ - إِنْسَانٌ تَامٌّ وَإِلَهٌ تَامٌّ، نَاسُوتٌ وَلَاهُوتٌ، فَنَاسُوتُهُ مِنْ مَرْيَمَ، وَلَاهُوتُهُ الْكَلِمَةُ الْقَدِيمَةُ الْأَزَلِيَّةُ، وَهِيَ الْخَالِقُ عِنْدَهُمْ.
فَالْمَسِيحُ بَيْنَ أَصْلَيْنِ، نَاسُوتٍ وَلَاهُوتٍ، فَإِذَا كَانَ الْأَبُ هُوَ اللَّهُ - عِنْدَهُمْ - وَالْكَلِمَةُ الْمَوْلُودَةُ عَنِ الْأَبِ ابْنَ اللَّهِ، فَمَعْلُومٌ أَنَّ اللَّاهُوتَ لَمَّا الْتَحَمَ بِالنَّاسُوتِ لِيَصِيرَ مِنْهُمَا الْمَسِيحُ ازْدَوَجَ بِهِ وَقَارَنَهُ، وَهَذَا مَعْنَى الزَّوْجِيَّةِ.
فَكَمَا أَنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّ الْوِلَادَةَ عَقْلِيَّةٌ لَا حِسِّيَّةٌ، فَكَذَلِكَ الِازْدِوَاجُ وَالنِّكَاحُ عَقْلِيٌّ لَا حِسِّيٌّ، فَإِنَّ اللَّاهُوتَ - عَلَى قَوْلِهِمُ - ازْدَوَجَ بِنَاسُوتِ مَرْيَمَ وَنَكَحَهَا نِكَاحًا عَقْلِيًّا، وَخُلِقَ الْمَسِيحُ مِنْ هَذَا وَهَذَا.
وَهُمْ يَقُولُونَ فِي الْأَمَانَةِ: إِنَّ الْمَسِيحَ تَجَسَّدَ مِنْ مَرْيَمَ وَمِنْ رُوحِ الْقُدُسِ.
فَإِنْ فَسَّرُوا رُوحَ الْقُدُسِ بِجِبْرِيلَ - كَمَا يَقُولُهُ الْمُسْلِمُونَ - فَهُوَ
стр. 1822
الْحَقُّ، وَبَطَلَ قَوْلُهُمْ لَكِنَّهُمْ يَقُولُونَ: رُوحُ الْقُدُسِ هُوَ الْأُقْنُومُ الثَّالِثُ، كَمَا يَقُولُونَ فِي الْكَلِمَةِ وَهُوَ اللَّاهُوتُ عِنْدَهُمْ.
فَهُمْ قَدْ ذَكَرُوا أَنَّهُ تَجَسَّدَ مِنَ النَّاسُوتِ وَاللَّاهُوتِ، فَيَلْزَمُهُمْ عَلَى هَذَا أَنْ يَكُونَ الْمَسِيحُ هُوَ الِابْنُ، وَهُوَ رُوحُ الْقُدُسِ، فَيَكُونَ أُقْنُومَيْنِ، لَا أُقْنُومًا وَاحِدًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَنَاقُضُهُمْ فِي هَذَا.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا، أَنَّهُمْ إِذَا قَالُوا: إِنَّ الرَّبَّ أَوْ بَعْضَ صِفَاتِهِ اتَّحَدَ بِمَا خَلَقَ مِنْ مَرْيَمَ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَحْصُلَ لَهُ اتِّصَالٌ بِمَرْيَمَ قَبْلَ اتِّصَالِهِ بِمَا خَلَقَ مِنْهَا، وَذَلِكَ هُوَ مَعْنَى النِّكَاحِ وَالِازْدِوَاجِ.
وَعِنْدَ جُمْهُورِ النَّصَارَى أَنَّ مَرْيَمَ وَلَدَتِ اللَّاهُوتَ كَمَا وَلَدَتِ النَّاسُوتَ، وَهِيَ أُمُّ اللَّاهُوتِ، وَيَقُولُونَ فِي دُعَائِهِمْ: يَا وَالِدَةَ الْإِلَهِ.
وَاللَّاهُوتُ الَّذِي وَلَدَتْهُ مَرْيَمُ هُوَ - عِنْدَهُمْ - رَبُّ الْعَالَمِينَ، وَاللَّاهُوتُ اتَّحَدَ بِالنَّاسُوتِ عِنْدَهُمْ، مِنْ حِينِ خَلْقِ النَّاسُوتِ فِي بَطْنِ مَرْيَمَ، لَمْ يَحْدُثْ بَعْدَ الْوِلَادَةِ.
فَإِذَا جَازَ أَنْ يَكُونَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ عِنْدَهُمْ أُمٌّ وَلَدَتْهُ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، فَإِمْكَانُ أَنْ يَكُونَ لَهُ صَاحِبَةٌ وَزَوْجَةٌ أَوْلَى وَأَحْرَى، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ مَا يُحِيلُهُ الْعَقْلُ وَالشَّرْعُ إِلَّا وَهُوَ لِكَوْنِهَا أُمًّا لِلَّاهُوتِ أَشَدَّ إِحَالَةً.
فَإِنْ جَازَ أَنْ يَكُونَ لِلَّاهُوتِ أُمٌّ وَالْأُمُّ أَصْلٌ، فَلَأَنْ يَكُونَ لَهُ صَاحِبَةٌ هِيَ زَوْجَةٌ وَنَظِيرٌ - أَقْرَبُ وَأَوْلَى، فَإِنَّ مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ وَلَدَ ذَلِكَ الشَّيْءِ، وَهُوَ الْمُتَفَرِّعُ الْمُتَوَلِّدُ عَنْهُ، أَنْقَصُ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ مِنْ نَظِيرِهِ.
فَإِذَا قَالُوا: إِنَّ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ وَلَدًا اتَّحَدَ بِالنَّاسُوتِ هُوَ نَظِيرُهُ الْمُسَاوِي لَهُ فِي الْجَوْهَرِ، وَقَالُوا: إِنَّ النَّاسُوتَ أُمُّ هَذَا الْمَسِيحِ الَّذِي
стр. 1823
هُوَ اللَّهُ وَهُوَ ابْنُ اللَّهِ، وَقَالُوا: إِنَّ النَّاسُوتَ مَرْيَمَ، وَلَدَ اللَّاهُوتَ، كَمَا وُلِدَ النَّاسُوتُ، وَلَمْ يَكُنْ هَذَا عَيْبًا يُنَزَّهُ الرَّبُّ عَنْهُ، فَلَأَنْ يَجْعَلُوا لَهُ أُمَّ هَذَا الْوَلَدِ الَّذِي حَبِلَتْ بِهِ وَاتَّحَدَ بِهِ اللَّاهُوتُ وَهُوَ مِنْهَا، وَوَلَدَتِ اللَّاهُوتَ - صَاحِبَةً وَزَوْجَةً لِلْأَبِ، أَوْلَى وَأَحْرَى، وَإِلَّا فَكَيْفَ تَلِدُ ابْنَهُ الَّذِي هُوَ اللَّاهُوتُ وَلَا تَكُونُ صَاحِبَتَهُ وَامْرَأَتَهُ؟
وَهُمْ يَقُولُونَ: نَحْنُ سَمَّيْنَا عِلْمَهُ مَوْلُودًا عَنْهُ ; لِكَوْنِهِ تَوَلَّدَ عَنْهُ تَوَلُّدَ الْكَلِمَةِ عَنِ الْعَقْلِ، وَهَذَا الْوَلَدُ اتَّحَدَ بِالنَّاسُوتِ فَسَمَّيْنَا الْمَجْمُوعَ وَلَدًا.
وَبِهَذَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ كَوْنِ الْمَسِيحِ ابْنًا وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ يُسَمَّى ابْنًا.
فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: هَؤُلَاءِ أَبْنَاءٌ بِالْوَضْعِ، وَالْمَسِيحُ ابْنٌ بِالطَّبْعِ ; أَيْ أُولَئِكَ سُمُّوا أَبْنَاءً بِمَشِيئَةِ الرَّبِّ وَقُدْرَتِهِ ; لِأَنَّهُ اصْطَفَاهُمْ، وَالْكَلِمَةُ الَّتِي جَعَلُوهَا مُتَّحِدَةً بِالْمَسِيحِ، هِيَ عِنْدَهُمْ مُتَوَلِّدَةٌ عَنِ اللَّهِ تَوَلُّدًا قَدِيمًا أَزَلِيًّا، لَا يَتَعَلَّقُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ، وَلِهَذَا قَالُوا: مَوْلُودٌ غَيْرُ مَصْنُوعٍ، فَإِنَّ الْقَدِيمَ الْأَزَلِيَّ - مَعَ كَوْنِهِ قَائِمًا بِذَاتِهِ - لَا يَكُونُ مَصْنُوعًا عِنْدَ أَحَدٍ مِنَ الْعُقَلَاءِ، وَلَا الْقَائِلِينَ بِقِدَمِ الْعَالَمِ.
فَإِذَا كَانَتِ الْكَلِمَةُ اتَّحَدَتْ بِالْمَسِيحِ الْمَخْلُوقِ مِنْ مَرْيَمَ وَالْتَحَمَتْ بِهِ، فَإِذَا قِيلَ - مَعَ ذَلِكَ -: إِنَّ الْقَدِيمَ مَسَّ الْمُحْدَثِ أَوْ لَاصَقَهُ أَوْ بَاشَرَهُ، كَانَ أَيْسَرَ مِنْ هَذَا كُلِّهِ.
وَالْمَسِيحُ وُلِدَ وِلَادَةً حَادِثَةً عِنْدَهُمْ، غَيْرَ الْوِلَادَةِ الْقَدِيمَةِ الَّتِي لِلْكَلِمَةِ، فَيَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ مَرْيَمُ قَدْ صَارَتْ زَوْجَةً وَامْرَأَةً، بَلْ نُكِحَتْ نِكَاحًا
стр. 1824
حَادِثًا يُنَاسِبُ تِلْكَ الْوِلَادَةِ الْمُحْدَثَةِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٠١] وَلِهَذَا كَانَ الْحُلُولُ أَسْهَلَ مِنَ الِاتِّحَادِ.
فَمَنْ قَالَ: إِنَّهُ حَلَّ فِي جَسَدِ الْمَسِيحِ وَمَاسَّهُ وَبَاشَرَهُ، كَمَا يَحُلُّ الْمَاءُ فِي اللَّبَنِ، كَانَ أَهْوَنَ مِمَّنْ يَقُولُ: إِنَّهُ اتَّحَدَ بِهِ وَالْتَحَمَ بِهِ.
فَإِذَا قِيلَ: إِنَّ مَرْيَمَ امْرَأَةُ الْقَدِيمِ وَصَاحِبَتُهُ وَزَوْجَتُهُ، كَانَ مَا فِي هَذَا مِنْ إِثْبَاتِ مُبَاشَرَتِهِ لَهَا وَمُمَاسَّتِهِ لَهَا وَاتِّصَالِهِ بِهَا.
وَمَهْمَا قُدِّرَ مِنَ اتِّصَالِ الزَّوْجِ بِزَوْجَتِهِ، أَهْوَنُ مِمَّا قَالُوهُ مِنَ اتِّحَادِ الْقَدِيمِ بِالْمُحْدَثِ، وَمَصِيرِهِ إِيَّاهُ، إِمَّا جَوْهَرًا وَاحِدًا، وَإِمَّا شَخْصًا وَاحِدًا، وَإِمَّا مَشِيئَةً وَاحِدَةً.
وَلِهَذَا كَانَ كُلُّ عَاقِلٍ يَعْلَمُ أَنَّ النِّكَاحَ الْحِسِّيَّ أَسْهَلُ مِنَ الْوِلَادَةِ الْحِسِّيَّةِ.
فَالذَّكَرُ مِنَ الْحَيَوَانِ إِذَا نَكَحَ الْأُنْثَى، فَإِنَّمَا مَسُّ الذَّكَرِ لِلْأُنْثَى، لَمْ تَصِرِ الْأُنْثَى مُتَوَلِّدَةً عَنْهُ. فَإِذَا جَوَّزُوا أَنْ يَكُونَ لِلرَّبِّ الْقَدِيمِ الْأَزَلِيِّ مَا يَتَوَلَّدُ عَنْهُ وَيَتَّحِدُ بِهِ، وَهُوَ مُحْدَثٌ مَخْلُوقٌ، فَلَأَنْ يَكُونَ لَهُ مَا يَمَسُّهُ أَوْلَى وَأَحْرَى.
стр. 1825
وَإِذَا قَالُوا: إِنَّ الْمَسِيحَ إِنَّمَا كَانَ ابْنًا ; لِأَنَّ الْكَلِمَةَ الْقَدِيمَةَ الَّتِي هِيَ ابْنٌ، اتَّحَدَتْ بِهِ قَبْلُ، فَقَدْ يُسَمَّى النَّاسُوتُ الَّذِي اتَّحَدَ بِهِ الْقَدِيمُ ابْنًا عِنْدَكُمْ، بِاسْمِ الْقَدِيمِ وَجَعَلْتُمُوهُ إِلَهًا خَالِقًا، فَمَا الْمَانِعُ مِنْ جَعْلِ أُمِّ ذَلِكَ النَّاسُوتِ الَّذِي جَعَلْتُمُوهُ ابْنَ اللَّهِ، صَاحِبَةً لِلَّهِ وَزَوْجَةً، بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْقَدِيمَ الْأَزَلِيَّ حَصَلَ مِنْهُ وَمِنْهَا مَا هُوَ ابْنُ الْقَدِيمِ الْأَزَلِيِّ؟
الْوَجْهُ الْخَامِسَ عَشَرَ: أَنْ يُقَالَ: لَفْظُ الِابْنِ وَرُوحِ الْقُدُسِ، قَدْ جَاءَ فِي حَقِّ غَيْرِ الْمَسِيحِ - عِنْدَكُمْ - حَتَّى الْحَوَارِيِّينَ عِنْدَكُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ الْمَسِيحَ قَالَ لَهُمْ: (إِنَّ اللَّهَ أَبِي وَأَبِيكُمْ وَإِلَهِي وَإِلَهُكُمْ) ، وَيَقُولُونَ: إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ تَحُلُّ فِيهِمْ.
وَفِيمَا عِنْدَكُمْ مِنَ التَّوْرَاةِ أَنَّ الرَّبَّ قَالَ لِمُوسَى: (اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ، فَقُلْ لَهُ: يَقُولُ لَكَ الرَّبُّ: إِسْرَائِيلُ ابْنِي بِكْرِي، أَرْسِلْهُ يَعْبُدْنِي، فَإِنْ أَبَيْتَ أَنْ تُرْسِلَ ابْنِي بِكْرِي، قَتَلْتُ ابْنَكَ بِكْرَكَ. فَلَمَّا لَمْ يُرْسِلْ فِرْعَوْنُ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمَا قَالَ اللَّهُ، قَتَلَ اللَّهُ أَبْكَارَ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ مِنْ بِكْرِ فِرْعَوْنَ الْجَالِسِ عَلَى السَّرِيرِ، إِلَى الْأَوَّلِ مِنْ أَوْلَادِ الْآدَمِيِّينَ، إِلَى وَلَدِ الْحَيَوَانِ إِلَيْهِمْ.)
فَهَذِهِ التَّوْرَاةُ تُسَمِّي بَنِي إِسْرَائِيلَ كُلَّهُمْ أَبْنَاءَ اللَّهِ وَأَبْكَارَهُ، وَتُسَمِّي
следующие страницы →