← Акыда

Акыда · id 170

الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لابن تيمية

ابن تيمية

Полный текст (2 831 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

مَرْيَمَ وَأُمَّهُ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ، كَمَا فَعَلَ ذَلِكَ مَنْ فَعَلَهُ مِنْهُمْ. فَإِنَّهُمْ يَعْبُدُونَ مَرْيَمَ وَيَدْعُونَهَا بِمَا يَدْعُونَ بِهِ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ - وَالْمَسِيحَ، وَيَجْعَلُونَهَا إِلَهًا كَمَا يَجْعَلُونَ الْمَسِيحَ إِلَهًا، فَيَقُولُونَ: يَا وَالِدَةَ الْإِلَهِ، اغْفِرِي لَنَا وَارْحَمِينَا، وَنَحْوَ ذَلِكَ، فَيَطْلُبُونَ مِنْهَا مَا يَطْلُبُونَهُ مِنَ اللَّهِ . وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ عَنْ مَرْيَمَ: إِنَّهَا صَاحِبَةُ اللَّهِ . وَبَيَانُ لُزُومِ ذَلِكَ أَنَّ الْمَسِيحَ - عِنْدَهُمْ - إِنْسَانٌ تَامٌّ وَإِلَهٌ تَامٌّ، نَاسُوتٌ وَلَاهُوتٌ، فَنَاسُوتُهُ مِنْ مَرْيَمَ، وَلَاهُوتُهُ الْكَلِمَةُ الْقَدِيمَةُ الْأَزَلِيَّةُ، وَهِيَ الْخَالِقُ عِنْدَهُمْ. فَالْمَسِيحُ بَيْنَ أَصْلَيْنِ، نَاسُوتٍ وَلَاهُوتٍ، فَإِذَا كَانَ الْأَبُ هُوَ اللَّهُ - عِنْدَهُمْ - وَالْكَلِمَةُ الْمَوْلُودَةُ عَنِ الْأَبِ ابْنَ اللَّهِ، فَمَعْلُومٌ أَنَّ اللَّاهُوتَ لَمَّا الْتَحَمَ بِالنَّاسُوتِ لِيَصِيرَ مِنْهُمَا الْمَسِيحُ ازْدَوَجَ بِهِ وَقَارَنَهُ، وَهَذَا مَعْنَى الزَّوْجِيَّةِ. فَكَمَا أَنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّ الْوِلَادَةَ عَقْلِيَّةٌ لَا حِسِّيَّةٌ، فَكَذَلِكَ الِازْدِوَاجُ وَالنِّكَاحُ عَقْلِيٌّ لَا حِسِّيٌّ، فَإِنَّ اللَّاهُوتَ - عَلَى قَوْلِهِمُ - ازْدَوَجَ بِنَاسُوتِ مَرْيَمَ وَنَكَحَهَا نِكَاحًا عَقْلِيًّا، وَخُلِقَ الْمَسِيحُ مِنْ هَذَا وَهَذَا. وَهُمْ يَقُولُونَ فِي الْأَمَانَةِ: إِنَّ الْمَسِيحَ تَجَسَّدَ مِنْ مَرْيَمَ وَمِنْ رُوحِ الْقُدُسِ. فَإِنْ فَسَّرُوا رُوحَ الْقُدُسِ بِجِبْرِيلَ - كَمَا يَقُولُهُ الْمُسْلِمُونَ - فَهُوَ

стр. 1822

الْحَقُّ، وَبَطَلَ قَوْلُهُمْ لَكِنَّهُمْ يَقُولُونَ: رُوحُ الْقُدُسِ هُوَ الْأُقْنُومُ الثَّالِثُ، كَمَا يَقُولُونَ فِي الْكَلِمَةِ وَهُوَ اللَّاهُوتُ عِنْدَهُمْ. فَهُمْ قَدْ ذَكَرُوا أَنَّهُ تَجَسَّدَ مِنَ النَّاسُوتِ وَاللَّاهُوتِ، فَيَلْزَمُهُمْ عَلَى هَذَا أَنْ يَكُونَ الْمَسِيحُ هُوَ الِابْنُ، وَهُوَ رُوحُ الْقُدُسِ، فَيَكُونَ أُقْنُومَيْنِ، لَا أُقْنُومًا وَاحِدًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَنَاقُضُهُمْ فِي هَذَا. وَالْمَقْصُودُ هُنَا، أَنَّهُمْ إِذَا قَالُوا: إِنَّ الرَّبَّ أَوْ بَعْضَ صِفَاتِهِ اتَّحَدَ بِمَا خَلَقَ مِنْ مَرْيَمَ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَحْصُلَ لَهُ اتِّصَالٌ بِمَرْيَمَ قَبْلَ اتِّصَالِهِ بِمَا خَلَقَ مِنْهَا، وَذَلِكَ هُوَ مَعْنَى النِّكَاحِ وَالِازْدِوَاجِ. وَعِنْدَ جُمْهُورِ النَّصَارَى أَنَّ مَرْيَمَ وَلَدَتِ اللَّاهُوتَ كَمَا وَلَدَتِ النَّاسُوتَ، وَهِيَ أُمُّ اللَّاهُوتِ، وَيَقُولُونَ فِي دُعَائِهِمْ: يَا وَالِدَةَ الْإِلَهِ. وَاللَّاهُوتُ الَّذِي وَلَدَتْهُ مَرْيَمُ هُوَ - عِنْدَهُمْ - رَبُّ الْعَالَمِينَ، وَاللَّاهُوتُ اتَّحَدَ بِالنَّاسُوتِ عِنْدَهُمْ، مِنْ حِينِ خَلْقِ النَّاسُوتِ فِي بَطْنِ مَرْيَمَ، لَمْ يَحْدُثْ بَعْدَ الْوِلَادَةِ. فَإِذَا جَازَ أَنْ يَكُونَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ عِنْدَهُمْ أُمٌّ وَلَدَتْهُ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، فَإِمْكَانُ أَنْ يَكُونَ لَهُ صَاحِبَةٌ وَزَوْجَةٌ أَوْلَى وَأَحْرَى، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ مَا يُحِيلُهُ الْعَقْلُ وَالشَّرْعُ إِلَّا وَهُوَ لِكَوْنِهَا أُمًّا لِلَّاهُوتِ أَشَدَّ إِحَالَةً. فَإِنْ جَازَ أَنْ يَكُونَ لِلَّاهُوتِ أُمٌّ وَالْأُمُّ أَصْلٌ، فَلَأَنْ يَكُونَ لَهُ صَاحِبَةٌ هِيَ زَوْجَةٌ وَنَظِيرٌ - أَقْرَبُ وَأَوْلَى، فَإِنَّ مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ وَلَدَ ذَلِكَ الشَّيْءِ، وَهُوَ الْمُتَفَرِّعُ الْمُتَوَلِّدُ عَنْهُ، أَنْقَصُ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ مِنْ نَظِيرِهِ. فَإِذَا قَالُوا: إِنَّ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ وَلَدًا اتَّحَدَ بِالنَّاسُوتِ هُوَ نَظِيرُهُ الْمُسَاوِي لَهُ فِي الْجَوْهَرِ، وَقَالُوا: إِنَّ النَّاسُوتَ أُمُّ هَذَا الْمَسِيحِ الَّذِي

стр. 1823

هُوَ اللَّهُ وَهُوَ ابْنُ اللَّهِ، وَقَالُوا: إِنَّ النَّاسُوتَ مَرْيَمَ، وَلَدَ اللَّاهُوتَ، كَمَا وُلِدَ النَّاسُوتُ، وَلَمْ يَكُنْ هَذَا عَيْبًا يُنَزَّهُ الرَّبُّ عَنْهُ، فَلَأَنْ يَجْعَلُوا لَهُ أُمَّ هَذَا الْوَلَدِ الَّذِي حَبِلَتْ بِهِ وَاتَّحَدَ بِهِ اللَّاهُوتُ وَهُوَ مِنْهَا، وَوَلَدَتِ اللَّاهُوتَ - صَاحِبَةً وَزَوْجَةً لِلْأَبِ، أَوْلَى وَأَحْرَى، وَإِلَّا فَكَيْفَ تَلِدُ ابْنَهُ الَّذِي هُوَ اللَّاهُوتُ وَلَا تَكُونُ صَاحِبَتَهُ وَامْرَأَتَهُ؟ وَهُمْ يَقُولُونَ: نَحْنُ سَمَّيْنَا عِلْمَهُ مَوْلُودًا عَنْهُ ; لِكَوْنِهِ تَوَلَّدَ عَنْهُ تَوَلُّدَ الْكَلِمَةِ عَنِ الْعَقْلِ، وَهَذَا الْوَلَدُ اتَّحَدَ بِالنَّاسُوتِ فَسَمَّيْنَا الْمَجْمُوعَ وَلَدًا. وَبِهَذَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ كَوْنِ الْمَسِيحِ ابْنًا وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ يُسَمَّى ابْنًا. فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: هَؤُلَاءِ أَبْنَاءٌ بِالْوَضْعِ، وَالْمَسِيحُ ابْنٌ بِالطَّبْعِ ; أَيْ أُولَئِكَ سُمُّوا أَبْنَاءً بِمَشِيئَةِ الرَّبِّ وَقُدْرَتِهِ ; لِأَنَّهُ اصْطَفَاهُمْ، وَالْكَلِمَةُ الَّتِي جَعَلُوهَا مُتَّحِدَةً بِالْمَسِيحِ، هِيَ عِنْدَهُمْ مُتَوَلِّدَةٌ عَنِ اللَّهِ تَوَلُّدًا قَدِيمًا أَزَلِيًّا، لَا يَتَعَلَّقُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ، وَلِهَذَا قَالُوا: مَوْلُودٌ غَيْرُ مَصْنُوعٍ، فَإِنَّ الْقَدِيمَ الْأَزَلِيَّ - مَعَ كَوْنِهِ قَائِمًا بِذَاتِهِ - لَا يَكُونُ مَصْنُوعًا عِنْدَ أَحَدٍ مِنَ الْعُقَلَاءِ، وَلَا الْقَائِلِينَ بِقِدَمِ الْعَالَمِ. فَإِذَا كَانَتِ الْكَلِمَةُ اتَّحَدَتْ بِالْمَسِيحِ الْمَخْلُوقِ مِنْ مَرْيَمَ وَالْتَحَمَتْ بِهِ، فَإِذَا قِيلَ - مَعَ ذَلِكَ -: إِنَّ الْقَدِيمَ مَسَّ الْمُحْدَثِ أَوْ لَاصَقَهُ أَوْ بَاشَرَهُ، كَانَ أَيْسَرَ مِنْ هَذَا كُلِّهِ. وَالْمَسِيحُ وُلِدَ وِلَادَةً حَادِثَةً عِنْدَهُمْ، غَيْرَ الْوِلَادَةِ الْقَدِيمَةِ الَّتِي لِلْكَلِمَةِ، فَيَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ مَرْيَمُ قَدْ صَارَتْ زَوْجَةً وَامْرَأَةً، بَلْ نُكِحَتْ نِكَاحًا

стр. 1824

حَادِثًا يُنَاسِبُ تِلْكَ الْوِلَادَةِ الْمُحْدَثَةِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٠١] وَلِهَذَا كَانَ الْحُلُولُ أَسْهَلَ مِنَ الِاتِّحَادِ. فَمَنْ قَالَ: إِنَّهُ حَلَّ فِي جَسَدِ الْمَسِيحِ وَمَاسَّهُ وَبَاشَرَهُ، كَمَا يَحُلُّ الْمَاءُ فِي اللَّبَنِ، كَانَ أَهْوَنَ مِمَّنْ يَقُولُ: إِنَّهُ اتَّحَدَ بِهِ وَالْتَحَمَ بِهِ. فَإِذَا قِيلَ: إِنَّ مَرْيَمَ امْرَأَةُ الْقَدِيمِ وَصَاحِبَتُهُ وَزَوْجَتُهُ، كَانَ مَا فِي هَذَا مِنْ إِثْبَاتِ مُبَاشَرَتِهِ لَهَا وَمُمَاسَّتِهِ لَهَا وَاتِّصَالِهِ بِهَا. وَمَهْمَا قُدِّرَ مِنَ اتِّصَالِ الزَّوْجِ بِزَوْجَتِهِ، أَهْوَنُ مِمَّا قَالُوهُ مِنَ اتِّحَادِ الْقَدِيمِ بِالْمُحْدَثِ، وَمَصِيرِهِ إِيَّاهُ، إِمَّا جَوْهَرًا وَاحِدًا، وَإِمَّا شَخْصًا وَاحِدًا، وَإِمَّا مَشِيئَةً وَاحِدَةً. وَلِهَذَا كَانَ كُلُّ عَاقِلٍ يَعْلَمُ أَنَّ النِّكَاحَ الْحِسِّيَّ أَسْهَلُ مِنَ الْوِلَادَةِ الْحِسِّيَّةِ. فَالذَّكَرُ مِنَ الْحَيَوَانِ إِذَا نَكَحَ الْأُنْثَى، فَإِنَّمَا مَسُّ الذَّكَرِ لِلْأُنْثَى، لَمْ تَصِرِ الْأُنْثَى مُتَوَلِّدَةً عَنْهُ. فَإِذَا جَوَّزُوا أَنْ يَكُونَ لِلرَّبِّ الْقَدِيمِ الْأَزَلِيِّ مَا يَتَوَلَّدُ عَنْهُ وَيَتَّحِدُ بِهِ، وَهُوَ مُحْدَثٌ مَخْلُوقٌ، فَلَأَنْ يَكُونَ لَهُ مَا يَمَسُّهُ أَوْلَى وَأَحْرَى.

стр. 1825

وَإِذَا قَالُوا: إِنَّ الْمَسِيحَ إِنَّمَا كَانَ ابْنًا ; لِأَنَّ الْكَلِمَةَ الْقَدِيمَةَ الَّتِي هِيَ ابْنٌ، اتَّحَدَتْ بِهِ قَبْلُ، فَقَدْ يُسَمَّى النَّاسُوتُ الَّذِي اتَّحَدَ بِهِ الْقَدِيمُ ابْنًا عِنْدَكُمْ، بِاسْمِ الْقَدِيمِ وَجَعَلْتُمُوهُ إِلَهًا خَالِقًا، فَمَا الْمَانِعُ مِنْ جَعْلِ أُمِّ ذَلِكَ النَّاسُوتِ الَّذِي جَعَلْتُمُوهُ ابْنَ اللَّهِ، صَاحِبَةً لِلَّهِ وَزَوْجَةً، بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْقَدِيمَ الْأَزَلِيَّ حَصَلَ مِنْهُ وَمِنْهَا مَا هُوَ ابْنُ الْقَدِيمِ الْأَزَلِيِّ؟ الْوَجْهُ الْخَامِسَ عَشَرَ: أَنْ يُقَالَ: لَفْظُ الِابْنِ وَرُوحِ الْقُدُسِ، قَدْ جَاءَ فِي حَقِّ غَيْرِ الْمَسِيحِ - عِنْدَكُمْ - حَتَّى الْحَوَارِيِّينَ عِنْدَكُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ الْمَسِيحَ قَالَ لَهُمْ: (إِنَّ اللَّهَ أَبِي وَأَبِيكُمْ وَإِلَهِي وَإِلَهُكُمْ) ، وَيَقُولُونَ: إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ تَحُلُّ فِيهِمْ. وَفِيمَا عِنْدَكُمْ مِنَ التَّوْرَاةِ أَنَّ الرَّبَّ قَالَ لِمُوسَى: (اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ، فَقُلْ لَهُ: يَقُولُ لَكَ الرَّبُّ: إِسْرَائِيلُ ابْنِي بِكْرِي، أَرْسِلْهُ يَعْبُدْنِي، فَإِنْ أَبَيْتَ أَنْ تُرْسِلَ ابْنِي بِكْرِي، قَتَلْتُ ابْنَكَ بِكْرَكَ. فَلَمَّا لَمْ يُرْسِلْ فِرْعَوْنُ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمَا قَالَ اللَّهُ، قَتَلَ اللَّهُ أَبْكَارَ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ مِنْ بِكْرِ فِرْعَوْنَ الْجَالِسِ عَلَى السَّرِيرِ، إِلَى الْأَوَّلِ مِنْ أَوْلَادِ الْآدَمِيِّينَ، إِلَى وَلَدِ الْحَيَوَانِ إِلَيْهِمْ.) فَهَذِهِ التَّوْرَاةُ تُسَمِّي بَنِي إِسْرَائِيلَ كُلَّهُمْ أَبْنَاءَ اللَّهِ وَأَبْكَارَهُ، وَتُسَمِّي

стр. 1826

أَبْنَاءَ أَهْلِ مِصْرَ أَبْنَاءَ فِرْعَوْنَ، فَتُوُسِّعَ بِتَسْمِيَةِ سِخَالِ الْحَيَوَانِ أَوْلَادَ الْمَالِكِ لِلْحَيَوَانِ. وَفِي مَزَامِيرِ دَاوُدَ يَقُولُ: (أَنْتَ ابْنِي، سَلْنِي أُعْطِكَ) . وَفِي الْإِنْجِيلِ يَقُولُ عَنِ الْمَسِيحِ: (أَنَا ذَاهِبٌ إِلَى أَبِي وَأَبِيكُمْ، وَإِلَهِي وَإِلَهِكُمْ) ، وَقَالَ: (إِذَا صَلَّيْتُمْ فَقُولُوا: يَا أَبَانَا الَّذِي فِي السَّمَاءِ، قُدُّوسٌ اسْمُكَ، افْعَلْ بِنَا كَذَا وَكَذَا) . وَيَقُولُونَ عَنِ الْقِدِّيسِينَ: إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ يَحُلُّ فِيهِمْ، وَكَذَلِكَ حَلَّتْ فِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، بَلْ عِنْدَهُمْ: إِنَّ اللَّهَ يَحُلُّ فِي الصَّدِيقَيْنِ كُلِّهِمْ.

стр. 1827

فَإِنْ كَانَ الِابْنُ وَرُوحُ الْقُدُسِ، يَقْتَضِي اتِّحَادَ اللَّاهُوتِ بِالنَّاسُوتِ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنَ الْحَوَارِيِّينَ لَاهُوتًا وَنَاسُوتًا، وَكَذَلِكَ الْأَنْبِيَاءُ، فَيَكُونَ النَّبِيُّ لَاهُوتًا وَنَاسُوتًا ; لِأَنَّهُ قَدْ سُمِّيَ عِنْدَكُمُ ابْنَ اللَّهِ، وَنَطَقَتْ فِيهِ رُوحُ الْقُدُسِ، لَا سِيَّمَا وَأَنْتُمْ قُلْتُمْ فِي الْأَمَانَةِ: إِنَّهُ رُوحٌ مُمَجَّدٌ مَسْجُودٌ لَهُ، نَاطِقٌ فِي الْأَنْبِيَاءِ. فَإِنْ كَانَ هَذَا يُوجِبُ حُلُولَ اللَّاهُوتِ فِي النَّاسُوتِ أَوِ اتِّحَادَهُ، لَزِمَ أَنْ يَكُونَ غَيْرُ الْمَسِيحِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، بَلْ وَالْحَوَارِيِّينَ، بَلْ وَأَبْنَاءِ إِسْرَائِيلَ - لَاهُوتًا وَنَاسُوتًا، إِذْ كَانَ الَّذِي جَعَلْتُمُوهُ اللَّاهُوتَ حَلَّ بِغَيْرِ الْمَسِيحِ وَاتَّحَدَ بِهِ، أَوْ سَكَنَ فِيهِ، أَوِ احْتَجَبَ بِهِ، أَوْ مَا قُلْتُمْ مِنَ الْأَلْفَاظِ الَّتِي اسْتَدْلَلْتُمْ بِهَا عَلَى أَنَّ اللَّاهُوتَ حَلَّ فِي الْمَسِيحِ، كَلَفْظِ الِابْنِ وَرُوحِ الْقُدُسِ - مَوْجُودٌ عِنْدَكُمْ فِي غَيْرِ حَقِّ الْمَسِيحِ. وَالْمُعْجِزَاتُ الَّتِي احْتَجَجْتُمْ بِهَا لِلْمَسِيحِ، قَدْ وُجِدَتْ لِغَيْرِ الْمَسِيحِ. وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ الْمَسِيحَ أَفْضَلُ مِنْ بَعْضِ أُولَئِكَ، فَلَا رَيْبَ أَنَّ الْمَسِيحَ ﵇ أَفْضَلُ مِنْ جُمْهُورِ الْأَنْبِيَاءِ، أَفْضَلُ مِنْ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَصْحَابِ النُّبُوَّاتِ الْمَوْجُودَةِ عِنْدَكُمْ، وَأَفْضَلُ مِنَ الْحَوَارِيِّينَ. لَكِنَّ مَزِيدَ الْفَضْلِ يَقْتَضِي الْفَضِيلَةَ فِي النُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةَ، كَفَضِيلَةِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَمُحَمَّدٍ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَسَلَامُهُ -، وَذَلِكَ

стр. 1828

لَا يَقْتَضِي خُرُوجَهُ عَنْ جِنْسِ الرُّسُلِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المائدة: ٧٥] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ - لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ - أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ - مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ [المائدة: ٧٢ - ٧٥] . وَجِمَاعُ هَذَا الْجَوَابِ: أَنَّ مَا يُوصَفُ بِهِ الْمَسِيحُ عِنْدَهُمْ مِنْ كَوْنِهِ ابْنَ اللَّهِ، وَكَوْنِ اللَّهِ حَلَّ فِيهِ، أَوْ ظَهَرَ أَوْ سَكَنَ، وَكَوْنِ رُوحِ الْقُدُسِ أَوْ رُوحِ اللَّهِ حَلَّتْ فِيهِ، وَكَوْنِهِ مَسِيحًا - كُلُّ ذَلِكَ مَوْجُودٌ عِنْدَهُمْ فِي حَقِّ غَيْرِ الْمَسِيحِ. فَلَيْسَ لِلْمَسِيحِ اخْتِصَاصٌ بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ، وَإِنَّمَا يُوجَدُ اخْتِصَاصُهُ بِلَفْظِ الْكَلِمَةِ، وَكَوْنُهُ تَجَسَّدَ مِنْ رُوحِ الْقُدُسِ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي خَصَّهُ بِهِ الْقُرْآنُ، فَإِنَّ اللَّهَ قَالَ:

стр. 1829

﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١] . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: « (مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرَوْحٌ مِنْهُ - أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنْ عَمَلٍ) » فَهَذَا الَّذِي خَصَّهُ بِهِ الْقُرْآنُ، هُوَ الَّذِي خَصَّتْهُ الْكُتُبُ الْمُتَقَدِّمَةُ، إِذْ كَانَ الْقُرْآنُ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ. وَأَمَّا سَائِرُ مَا يُوصَفُ بِهِ وَيَدَّعُونَ اخْتِصَاصَهُ بِهِ مِنْ كَوْنِهِ ابْنًا لِلَّهِ وَكَوْنِهِ مَسِيحًا، فَغَيْرُهُ أَيْضًا فِي كُتُبِ اللَّهِ يُسَمَّى ابْنًا لِلَّهِ وَمَسِيحًا، وَلِذَلِكَ مَا يُذْكَرُ مِنَ الْأَلْفَاظِ الَّتِي يَحْتَجُّونَ بِهَا عَلَى الْحُلُولِ، مِثْلَ كَوْنِ الرَّبِّ ظَهَرَ فِيهِ أَوْ حَلَّ أَوْ سَكَنَ، فَإِنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ مَوْجُودَةٌ عِنْدَهُمْ فِي حَقِّ غَيْرِ الْمَسِيحِ بِخِلَافِ لَفْظِ الِاتِّحَادِ، فَإِنَّهُ لَا يُوجَدُ عِنْدَهُمْ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ لَا فِي حَقِّ الْمَسِيحِ وَلَا غَيْرِهِ، كَمَا لَا يُوجَدُ عِنْدَهُمْ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ لَفْظُ

стр. 1830

" الْأَقَانِيمِ " وَلَا لَفْظُ " التَّثْلِيثِ " وَلَا " اللَّاهُوتُ " وَ " النَّاسُوتُ " وَلَا تَسْمِيَةُ اللَّهِ جَوْهَرًا، بَلْ هَذَا كُلُّهُ مِمَّا ابْتَدَعُوهُ، كَمَا ابْتَدَعُوا أَيْضًا تَسْمِيَةَ صِفَاتِ اللَّهِ ابْنًا وَرُوحَ الْقُدُسِ، فَهُمُ ابْتَدَعُوا أَلْفَاظًا لَمْ يَنْطِقْ بِهَا الْأَنْبِيَاءُ، أَثْبَتُوا لَهَا مَعَانِيَ وَابْتَدَعُوا اسْتِعْمَالَ أَلْفَاظِ الْأَنْبِيَاءِ فِي غَيْرِ مُرَادِهِمْ، وَحَمَلُوا مُرَادَهُمْ عَلَيْهَا. وَالْأَلْفَاظُ الْمُتَشَابِهَةُ الَّتِي يَحْتَجُّونَ بِهَا عَلَى اتِّحَادِ اللَّاهُوتِ بِالنَّاسُوتِ مَوْجُودَةٌ - عِنْدَهُمْ - فِي حَقِّ غَيْرِ الْمَسِيحِ. فَلَيْسَ لِلْمَسِيحِ خَاصَّةٌ فِي كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ، تُوجِبُ أَنْ يَكُونَ هُوَ اللَّهُ أَوِ ابْنُ اللَّهِ، وَتِلْكَ الْأَلْفَاظُ قَدْ عُرِفَ - بِاتِّفَاقِهِمْ وَاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ -، أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا حُلُولُ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَمَعْرِفَتُهُ وَهُدَاهُ وَنُورُهُ وَمِثَالُهُ الْعِلْمِيُّ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ الصَّالِحِينَ، كَمَا قَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ وَقَدْ تَقَدَّمَ. وَمَنْ قَالَ مِنْ ضُلَّالِ الْمُسْلِمِينَ: (إِنَّ الرَّبَّ يَتَّحِدُ أَوْ يَحُلُّ فِي الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ، وَإِنَّ هَذَا مِنَ السِّرِّ الَّذِي لَا يُبَاحُ بِهِ، فَقَوْلُهُ مِنْ جِنْسِ قَوْلِ النَّصَارَى فِي الْمَسِيحِ، وَهَذَا كَثِيرٌ فِي كَلَامِ كَثِيرٍ مِنَ الْمَشَايِخِ وَالْمُدَّعِينَ لِلْمَعْرِفَةِ وَالتَّحْقِيقِ وَالتَّوْحِيدِ، فَيَجْعَلُونَ تَوْحِيدَ الْعَارِفِينَ أَنْ يَصِيرَ الْمُوَحِّدُ هُوَ الْمُوَحَّدُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ يَحُلُّ فِي قَلْبِ الْعَارِفِ وَيَتَكَلَّمُ بِلِسَانِهِ، كَمَا يَتَكَلَّمُ الْجِنِّيُّ عَلَى لِسَانِ الْمَصْرُوعِ، وَيَقُولُ الْأَوَّلُ: مَا وَحَّدَ الْوَاحِدَ مِنْ وَاحِدٍ ... إِذْ كُلُّ مَنْ وَحَّدَهُ جَاحِدُ

стр. 1831

تَوْحِيدُ مَنْ يَنْطِقُ عَنْ نَعْتِهِ عَارِيَةٌ أَبْطَلَهَا الْوَاحِدُ ... تَوْحِيدُهُ إِيَّاهُ تَوْحِيدُهُ وَنَعْتُ مَنْ يَنْعَتُهُ لَاحِدُ وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ هَذَا هُوَ السِّرُّ الَّذِي بَاحَ بِهِ الْحَلَّاجُ وَغَيْرُهُ، وَهَذَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْأَسْرَارِ الَّتِي يَكْتُمُهَا الْعَارِفُونَ، فَلَا يَبُوحُونَ بِهَا إِلَّا لِخَوَاصِّهِمْ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إِنَّمَا قُتِلَ الْحَلَّاجُ ; لِأَنَّهُ بَاحَ بِهَذَا السِّرِّ وَيُنْشِدُونَ: مَنْ بَاحَ بِالسِّرِّ كَانَ الْقَتْلُ شِيمَتَهُ ... بَيْنَ الرِّجَالِ وَلَمْ يُؤْخَذْ لَهُ ثَارُ وَأَمْثَالَ ذَلِكَ. وَهَؤُلَاءِ فِي دَعْوَاهُمُ الِاتِّحَادَ وَالْحُلُولَ بِغَيْرِ الْمَسِيحِ، شَرٌّ مِنَ النَّصَارَى. فَإِنَّ الْمَسِيحَ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ - أَفْضَلُ مِنْ كُلِّ مَنْ لَيْسَ بِنَبِيٍّ، بَلْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْ جَمَاهِيرِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ. فَإِذَا كَانَ مَنِ ادَّعَى أَنَّ اللَّاهُوتَ اتَّحَدَ بِهِ كَافِرًا، فَكَيْفَ بِمَنِ ادَّعَى ذَلِكَ فِيمَنْ هُوَ دُونَهُ؟ وَهَذَا الِاتِّحَادُ الْخَاصُّ غَيْرُ الِاتِّحَادِ وَالْحُلُولِ الْعَامِّ لِقَوْلِ الَّذِينَ يَقُولُونَ إِنَّهُ حَالٌّ بِذَاتِهِ فِي كُلِّ مَكَانٍ، أَوْ مُتَّحِدٌ بِكُلِّ شَيْءٍ.

стр. 1832

وَغُلَاةُ هَؤُلَاءِ وَمُحَقِّقُوهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّهُ عَيْنُ الْوُجُودِ، وَالْوُجُودُ وَاحِدٌ. فَيَجْعَلُونَ الْوُجُودَ الْخَالِقَ الْقَدِيمَ الْوَاجِبَ، هُوَ عَيْنُ وُجُودِ الْمَخْلُوقِ الْمُحْدَثِ الْمُمْكِنِ. وَهَؤُلَاءِ مِثْلُ ابْنِ عَرَبِيٍّ الطَّائِيِّ، وَصَاحِبِهِ الصَّدْرِ الْقُونَوِيِّ، وَصَاحِبِهِ الْعَفِيفِ التِّلْمِسَانِيِّ، وَابْنِ سَبْعِينَ، وَصَاحِبِهِ الشُّشْتَرِيِّ، وَعَبْدِ اللَّهِ الْبِلْيَانِيِّ وَعَامِرٍ الْبَصْرِيِّ وَطَوَائِفَ غَيْرِ هَؤُلَاءِ. وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: إِنَّ النَّصَارَى إِنَّمَا كَفَرُوا لِأَنَّهُمْ خَصُّوا ذَلِكَ بِالْمَسِيحِ.

стр. 1833

وَحَقِيقَةُ قَوْلِ هَؤُلَاءِ هُوَ جَحْدُ الْخَالِقَ وَتَعْطِيلُهُ، كَمَا قَالَ فِرْعَوْنُ: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣] وَقَالَ: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨] فَإِنَّ فِرْعَوْنَ مَا كَانَ يُنْكِرُ هَذَا الْوُجُودَ الْمَشْهُودَ، لَكِنْ يُنْكِرُ أَنَّ لَهُ صَانِعًا مُبَايِنًا لَهُ خَلَقَهُ، وَهَؤُلَاءِ مُوَافِقُونَ لِفِرْعَوْنَ فِي ذَلِكَ. لَكِنَّ فِرْعَوْنَ أَظْهَرَ الْجُحُودَ وَالْإِنْكَارَ، فَلَمْ يَقُلِ " الْوُجُودُ الْمَخْلُوقُ هُوَ الْخَالِقُ ". وَهَؤُلَاءِ ظَنُّوا أَنَّهُمْ يُقِرُّونَ بِالْخَالِقِ، وَأَنَّ الْوُجُودَ الْمَخْلُوقَ هُوَ الْخَالِقُ، وَقَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَى هَؤُلَاءِ فِي آخِرِ هَذَا الْكِتَابِ. وَهَؤُلَاءِ لَهُمْ شِعْرٌ نَظَمُوا قَصَائِدَ عَلَى مَذْهَبِهِمْ، كَابْنِ الْفَارِضِ فِي قَصِيدَتِهِ الْمُسَمَّاةِ " بِنَظْمِ السُّلُوكِ " حَيْثُ يَقُولُ: لَهَا صَلَوَاتِي بِالْمَقَامِ أُقِيمُهَا ... وَأَشْهَدُ فِيهَا أَنَّهَا لِي صَلَّتِ كِلَانَا مُصَلٍّ وَاحِدٌ سَاجِدٌ إِلَى ... حَقِيقَتِهِ بِالْجَمْعِ فِي كُلِّ سَجْدَةِ

стр. 1834

وَمَا كَانَ لِي صَلَّى سِوَايَ وَلَمْ تَكُنْ صَلَاتِي لِغَيْرِي فِي أَدَا كُلِّ رَكْعَةِ إِلَى أَنْ قَالَ: وَمَا زِلْتُ إِيَّاهَا وَإِيَّايَ لَمْ تَزَلْ ... وَلَا فَرْقَ بَلْ ذَاتِي لِذَاتِي أَحَبَّتِ وَقَوْلُهُ: إِلَيَّ رَسُولًا كُنْتُ مِنِّيَ مُرْسَلًا ... وَذَاتِي بِآيَاتِي عَلَيَّ اسْتَدَلَّتِ فَإِنْ دُعِيَتْ كُنْتُ الْمُجِيبَ وَإِنْ أَكُنْ ... مُنَادًى أَجَابَتْ مَنْ دَعَانِي وَلَبَّتِ وَقَدْ رُفِعَتْ يَاءُ الْمُخَاطَبِ بَيْنَنَا ... وَفِي رَفْعِهَا عَنْ فُرْقَةِ الْفَرْقِ رِفْعَتِي إِلَى أَمْثَالِ هَذِهِ الْأَبْيَاتِ. وَكَذَلِكَ ابْنُ إِسْرَائِيلَ فِي شِعْرِهِ قِطْعَةٌ مِنْ هَذَا كَقَوْلِهِ: وَمَا أَنْتَ غَيْرَ الْكَوْنِ بَلْ أَنْتَ عَيْنُهُ ... وَيَفْهَمُ هَذَا السِّرَّ مَنْ هُوَ ذَائِقُ وَالتِّلْمِسَانِيُّ الْمُلَقَّبُ بِالْعَفِيفِ، كَانَ مِنْ أَفْجَرِ النَّاسِ، وَكَانَ أَحَذَقَ هَؤُلَاءِ الْمَلَاحِدَةِ. وَلَمَّا قُرِئَ عَلَيْهِ كِتَابُ " فُصُوصُ الْحِكَمِ " لِابْنِ عَرَبِيٍّ قِيلَ لَهُ: هَذَا الْكَلَامُ يُخَالِفُ الْقُرْآنَ، قَالَ: الْقُرْآنُ كُلُّهُ شِرْكٌ، وَإِنَّمَا التَّوْحِيدُ فِي كَلَامِنَا.

стр. 1835

فَقِيلَ لَهُ: إِذَا كَانَ الْوُجُودُ وَاحِدًا، فَلِمَاذَا تَحْرُمُ عَلَيَّ أُمِّي وَتُبَاحُ لِي امْرَأَتِي؟ فَقَالَ: الْجَمِيعُ عِنْدَنَا حَلَالٌ، وَلَكِنْ هَؤُلَاءِ الْمَحْجُوبُونَ قَالُوا: حَرَامٌ، فَقُلْنَا: حَرَامٌ عَلَيْكُمْ. وَكَلَامُ هَؤُلَاءِ كُلُّهُ مُتَنَاقِضٌ يَنْقُضُ بَعْضُهُ بَعْضًا. فَإِنَّ قَوْلَهُ: (هَؤُلَاءِ الْمَحْجُوبُونَ) وَقَوْلَهُ: (قُلْنَا حَرَامٌ عَلَيْكُمْ) ، يَقْتَضِي الْفَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَحْجُوبِينَ، وَبَيْنَ الْمُخَاطَبِ وَالْمُخَاطِبِ، وَهَذَا يُنَاقِضُ وَحْدَةَ الْوُجُودِ. وَإِذَا قَالُوا: (هَذِهِ مَظَاهِرُ لِلْحَقِّ وَمَجَالٍ) فَإِنْ كَانَ الظَّاهِرُ غَيْرَ الْمُظْهَرِ، وَالْمُجَلَّى غَيْرَ الْمُتَجَلِّي، فَقَدْ ثَبَتَ التَّعَدُّدُ، وَأَنَّ فِي الْوُجُودِ اثْنَيْنِ ظَاهِرًا وَمَظْهَرًا، وَإِنْ جَعَلُوهُمَا وَاحِدًا، فَقَدْ بَطَلَ جَوَابُهُمْ.

стр. 1836

[فَصْلٌ: مُنَاقَشَةُ النَّصَارَى فِي إِطْلَاقِ لَفْظِ الْجَوْهَرِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى] فَصْلٌ قَالَ الْحَاكِي عَنْهُمْ: فَقُلْتُ فَإِنَّهُمْ يُنْكِرُونَ عَلَيْنَا قَوْلَنَا: إِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - جَوْهَرٌ قَالُوا إِنَّنَا نَسْمَعُ عَنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ أَنَّهُمْ ذَوُو فَضْلٍ وَأَدَبٍ وَمَعْرِفَةٍ، وَمَنْ هَذَا صُورَتُهُ، وَقَدْ قَرَأَ شَيْئًا مِنْ كُتُبِ الْفَلَاسِفَةِ وَالْمَنْطِقِ فَمَا حَقُّهُمْ يُنْكِرُونَ هَذَا عَلَيْنَا وَذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ

стр. 1837

فِي الْوُجُودِ شَيْءٌ إِلَّا وَهُوَ إِمَّا جَوْهَرٌ وَإِمَّا عَرَضٌ؛ لِأَنَّ أَيَّ أَمْرٍ نَظَرْنَاهُ وَجَدْنَاهُ إِمَّا قَائِمًا بِنَفْسِهِ غَيْرَ مُفْتَقِرٍ فِي وُجُودِهِ إِلَى غَيْرِهِ، وَهُوَ الْجَوْهَرُ، وَإِمَّا مُفْتَقِرٌ فِي وُجُودِهِ إِلَى غَيْرِهِ لَا قِوَامَ لَهُ بِنَفْسِهِ، وَهُوَ الْعَرَضُ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ لِهَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ قِسْمٌ ثَالِثٌ. فَأَشْرَفُ هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ الْقَائِمُ بِذَاتِهِ الْغَيْرُ مُفْتَقِرٍ فِي وُجُودِهِ إِلَى غَيْرِهِ. وَهُوَ الْجَوْهَرُ. وَلَمَّا كَانَ الْبَارِي - تَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ - أَشْرَفَ الْمَوْجُودَاتِ؛ إِذْ هُوَ سَبَبُ سَائِرِهَا، أَوْجَبَ أَنْ يَكُونَ أَشْرَفَ الْأُمُورِ وَأَعْلَاهَا الْجَوْهَرُ؛ وَلِهَذَا قُلْنَا إِنَّهُ جَوْهَرٌ لَا كَالْجَوَاهِرِ الْمَخْلُوقَةِ، كَمَا نَقُولُ إِنَّهُ شَيْءٌ لَا كَالْأَشْيَاءِ الْمَخْلُوقَةِ، وَإِلَّا لَزِمَ أَنْ يَكُونَ قِوَامُهُ بِغَيْرِهِ وَمُفْتَقِرٌ فِي وُجُودِهِ إِلَى غَيْرِهِ، وَهَذَا مِنَ الْقَبِيحِ أَنْ يُقَالَ عَلَى اللَّهِ - تَعَالَى - فَقُلْتُ

стр. 1838

لَهُمْ إِنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّا إِنَّمَا نَمْتَنِعُ مِنْ تَسَمِّيهِ جَوْهَرًا؛ لِأَنَّ الْجَوْهَرَ مَا قَبِلَ عَرَضًا وَمَا شَغَلَ الْحَيِّزَ وَلِهَذَا مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ الْقَوْلُ بِأَنَّهُ - تَعَالَى - جَوْهَرٌ. قَالُوا: إِنَّ الَّذِي يَقْبَلُ عَرَضًا وَيَشْغَلُ حَيِّزًا هُوَ الْجَوْهَرُ الْكَثِيفُ، فَأَمَّا الْجَوْهَرُ اللَّطِيفُ فَمَا يَقْبَلُ عَرَضًا وَلَا يَشْغَلُ حَيِّزًا؛ مِثْلَ جَوْهَرِ النَّفْسِ، وَجَوْهَرِ الْعَقْلِ، وَجَوْهَرِ الضَّوْءِ، وَمَا يَجْرِي هَذَا الْمَجْرَى مِنَ الْجَوَاهِرِ اللَّطِيفَةِ الْمَخْلُوقَةِ. فَإِذَا كَانَتِ الْجَوَاهِرُ اللَّطِيفَةُ الْمَخْلُوقَةُ لَا تَقْبَلُ عَرَضًا، وَلَا تَشْغَلُ حَيِّزًا فَيَكُونُ خَالِقُ الْجَوَاهِرِ اللَّطَائِفِ وَالْكَثَائِفِ، وَمُرَكِّبُ اللَّطَائِفِ بِالْكَثَائِفِ يَقْبَلُ عَرَضًا وَيَشْغَلُ حَيِّزًا؟ كَلَّا. وَالْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدهَا: أَنْ يُقَالَ: أَمَّا تَسْمِيَةُ الْبَارِي جَوْهَرًا. فَهُوَ مِنْ أَهْوَنِ مَا يُنْكَرُ عَلَى النَّصَارَى؛ وَلِهَذَا كَانَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يُنْكِرُهُ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ - فَقَطْ - أَوِ اللُّغَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُنْكِرُهُ مِنْ جِهَةِ الْعَقْلِ أَيْضًا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَرَاهُ نِزَاعًا لَفْظِيًّا. وَطَائِفَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يُسَمُّونَهُ جَوْهَرًا وَجِسْمًا أَيْضًا. وَذَلِكَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ - تَعَالَى - عَلَى طَرِيقَتَيْنِ، فَكَثِيرٌ مِنْهُمْ يَقُولُ: إِنَّ أَسْمَاءَهُ سَمْعِيَّةٌ شَرْعِيَّةٌ، فَلَا يُسَمَّى إِلَّا بِالْأَسْمَاءِ الَّتِي جَاءَتْ بِهَا الشَّرِيعَةُ، فَإِنَّ هَذِهِ عِبَادَةٌ، وَالْعِبَادَاتُ مَبْنَاهَا عَلَى التَّوْقِيفِ وَالِاتِّبَاعِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: مَا صَحَّ مَعْنَاهُ فِي اللُّغَةِ، وَكَانَ مَعْنَاهُ ثَابِتًا لَهُ،

стр. 1839

لَمْ يَحْرُمْ تَسْمِيَتُهُ بِهِ، فَإِنَّ الشَّارِعَ لَمْ يُحَرِّمْ عَلَيْنَا ذَلِكَ، فَيَكُونُ عَفْوًا. وَالصَّوَابُ الْقَوْلُ الثَّالِثُ؛ وَهُوَ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ أَنْ يُدْعَى بِالْأَسْمَاءِ أَوْ يُخْبَرَ بِهَا عَنْهُ. فَإِذَا دُعِيَ لَمْ يُدْعَ إِلَّا بِالْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى كَمَا قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ [الأعراف: ١٨٠] وَأَمَّا الْإِخْبَارُ عَنْهُ فَهُوَ بِحَسَبِ الْحَاجَةِ؛ فَإِذَا احْتِيجَ فِي تَفْهِيمِ الْغَيْرِ الْمُرَادَ إِلَى أَنْ يُتَرْجَمَ أَسْمَاؤُهُ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ، أَوْ يُعَبَّرَ عَنْهُ بِاسْمٍ لَهُ مَعْنًى صَحِيحٌ، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُحَرَّمًا. وَأَمَّا الَّذِينَ مَنَعُوهُ مِنْ جِهَةِ الْعَقْلِ فَكَثِيرٌ: مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُونَ: إِنَّ الْجَوْهَرَ مَا شَغَلَ الْحَيِّزَ، وَحَمَلَ الْأَعْرَاضَ وَاللَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، وَهَذَا قَوْلُ مَنْ نَفَى ذَلِكَ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: الْجَوْهَرُ مَا إِذَا وُجِدَ كَانَ وُجُودُهُ لَا فِي مَوْضُوعٍ، وَهَذَا إِنَّمَا يَكُونُ فِيمَا وُجُودُهُ زَائِدٌ عَلَى ذَاتِهِ، وَوَاجِبُ الْوُجُودِ وُجُودُهُ عَيْنُ ذَاتِهِ، فَلَا يَكُونُ

стр. 1840

جَوْهَرًا. وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ سِينَا وَأَمْثَالِهِ مِنْ مُتَأَخِّرِي الْمُتَفَلْسِفَةِ. وَأَمَّا قُدَمَاءُ الْفَلَاسِفَةِ؛ كَأَرِسْطُو وَأَمْثَالِهِ؛ فَكَانُوا يُسَمُّونَهُ جَوْهَرًا؛ وَعَنْهُمْ أَخَذَتِ النَّصَارَى هَذِهِ التَّسْمِيَةَ؛ فَإِنَّ أَرِسْطُو كَانَ قَبْلَ الْمَسِيحِ

стр. 1841

بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِمِائَةِ سَنَةٍ وَلِهَذَا قَالَ هَؤُلَاءِ فِي كِتَابِهِمْ نَعْجَبُ مِمَّنْ يُنْكِرُ ذَلِكَ وَهُوَ قَدْ قَرَأَ شَيْئًا مِنْ كُتُبِ الْفَلَاسِفَةِ وَالْمَنْطِقِ. وَأَمَّا اللُّغَةُ: فَإِنَّ لَفْظَ الْجَوْهَرِ لَيْسَ مِنَ الْعَرَبِيَّةِ الْعَرْبَاءِ؛ وَلِهَذَا لَا يُعْرَفُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الْمَحْضِ، وَإِنَّمَا هُوَ مُعَرَّبٌ كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْجَوْهَرُ مُعَرَّبٌ، الْوَاحِدَةُ

стр. 1842

جَوْهَرَةٌ، فَهُوَ مِنَ الْعَرَبِيَّةِ الْمُعَرَّبَةِ، لَا مِنَ الْعَرَبِيَّةِ الْعَرْبَاءِ، كَلَفْظِ سِجِّيلٍ، وَإِسْتَبْرَقٍ وَأَمْثَالِ ذَلِكَ مِنَ الْأَلْفَاظِ الْمُعَرَّبَةِ، وَهَذَا اللَّفْظُ لَيْسَ مَوْجُودًا فِي الْقُرْآنِ. وَمَعَ هَذَا فَلَمَّا عُرِّبَ كَانَ مَعْنَاهُ فِي اللُّغَةِ هُوَ الْجَوْهَرَ الْمَعْرُوفَ. وَتَسْمِيَةُ الْقَائِمِ بِنَفْسِهِ أَوِ الشَّاغِلِ لِلْحَيِّزِ جَوْهَرًا، فَهُوَ أَمْرٌ اصْطِلَاحِيٌّ، لَيْسَ هُوَ مِنَ الْأَسْمَاءِ اللُّغَوِيَّةِ وَلَا الْعُرْفِيَّةِ الْعَامَّةِ، وَلَا الْأَسْمَاءِ الشَّرْعِيَّةِ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ كَلَامِ الْأَوَائِلِ، كَالْيُونَانِ وَغَيْرِهِمْ، فَإِنَّهُ

стр. 1843

يُوجَدُ فِي كَلَامِهِمْ تَسْمِيَةُ الْقَائِمِ بِنَفْسِهِ جَوْهَرًا. وَقَدْ قِيلَ: سَمَّوْهُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ جَوْهَرَ الشَّيْءِ أَصْلُهُ وَالْقَائِمُ بِنَفْسِهِ هُوَ الْأَصْلُ. وَقَدْ يُسَمُّونَ الْعَرَضَ الْقَائِمَ بِغَيْرِهِ جَوْهَرًا. وَقِيلَ: لِأَنَّ لَفْظَ الْجَوْهَرِ، فَوَعْلٌ، مِنَ الْجَهْرِ؛ وَهُوَ الظُّهُورُ وَالْوُضُوحُ، وَالْقَائِمُ بِنَفْسِهِ يَظْهَرُ وَيُعْرَفُ قَبْلَ أَنْ يُعْرَفَ مَا قَامَ بِهِ مِنَ الْأَعْرَاضِ. وَالنَّاسُ مُتَّفِقُونَ عَلَى إِثْبَاتِ الْأَعْيَانِ الْقَائِمَةِ بِنَفْسِهَا الَّتِي تُسَمَّى جَوَاهِرَ أَوْ أَجْسَامًا، وَتَنَازَعُوا فِي ثُبُوتِ الْأَعْرَاضِ الْقَائِمَةِ بِهَا، وَالنِّزَاعُ عِنْدَ مُحَقَّقِيهِمْ لَفْظِيٌّ، فَإِنَّ عَاقِلًا لَا يُنَازِعُ أَنَّ الْجِسْمَ يَتَحَرَّكُ بَعْدَ سُكُونِهِ. لَكِنَّ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: حَرَكَتُهُ لَيْسَتْ زَائِدَةً عَلَى ذَاتِهِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: هِيَ زَائِدَةٌ عَلَى ذَاتِهِ. وَهُوَ نَظِيرُ نِزَاعِهِمْ فِي الصِّفَاتِ: هَلْ هِيَ زَائِدَةٌ عَلَى الذَّاتِ أَوْ لَيْسَتْ زَائِدَةً؟ . وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ مُسَمَّى الْإِنْسَانِ إِذَا أُطْلِقَ دَخَلَ فِيهِ صِفَاتُهُ، وَإِذَا مُيِّزَ بَيْنَ هَذَا وَهَذَا قِيلَ: الذَّاتُ وَالصِّفَاتُ. وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَخُصُّ بِلَفْظِ الْعَرَضِ مَا لَمْ يَكُنْ مِنَ الصِّفَاتِ لَازِمًا لِلْمَوْصُوفِ، وَالصِّفَاتُ اللَّازِمَةُ يُسَمِّيهَا صِفَاتٍ ذَاتِيَّةً جَوْهَرِيَّةً. وَمِنْهُمْ مَنْ يَخُصُّ بِالْعَرَضِ

стр. 1844

مَا لَا يَبْقَى عِنْدَهُ زَمَانَيْنِ، وَيَقُولُ: صِفَاتُ الْمَخْلُوقِ تُسَمَّى أَعْرَاضًا؛ لِأَنَّهَا لَا تَقْبَلُ زَمَانَيْنِ بِخِلَافِ صِفَاتِ اللَّهِ، فَإِنَّهَا عِنْدَهُ بَاقِيَةٌ فَلَا تُسَمَّى أَعْرَاضًا. وَمِنْ نُظَّارِ الْمُسْلِمِينَ مَنْ يُسَمِّي صِفَاتِ كُلِّ مَوْصُوفٍ أَعْرَاضًا، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا يَدْخُلُ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ الَّتِي تُذْكَرُ فِي أُصُولِ الْإِيمَانِ الَّتِي يَجِبُ اعْتِقَادُهَا مِنَ الْأَسْمَاءِ مَا هُوَ اصْطِلَاحُ طَائِفَةٍ مِنَ النَّاسِ، مَعَ أَنَّهُ يُوهِمُ مَعْنًى بَاطِلًا. وَهَذَا الْوَضْعُ مِمَّا اضْطَرَبَ فِيهِ - مَعَ النَّصَارَى - كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ. مِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُ الصِّفَاتِ أَعْيَانًا قَائِمَةً بِنَفْسِهَا وَجَوَاهِرَ قَائِمَةً بِنَفْسِهَا. وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُ الْأَعْيَانَ الْقَائِمَةَ بِنَفْسِهَا صِفَاتٍ، وَالصِّفَاتُ لَا تَقُومُ بِأَنْفُسِهَا بَلْ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ مَوْصُوفٍ تَقُومُ بِهِ. وَالْأَوَّلُونَ نَوْعَانِ: مِنْهُمْ مَنْ نَفَى الصِّفَاتِ، وَقَالَ: لَوْ أَثْبَتْنَا لَهُ حَيَاةً وَعِلْمًا وَقُدْرَةً

стр. 1845

لَزِمَ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ آلِهَةً فَإِنَّ الْقِدَمَ أَخَصُّ وَصْفِهِ، فَلَوْ أَثْبَتْنَا قَدِيمًا لَيْسَتْ هِيَ الذَّاتَ، لَزِمَ أَنْ يُشَارِكَ الذَّاتَ فِي أَخَصِّ وَصْفِهَا، فَتَكُونُ ذَاتًا أُخْرَى قَائِمَةً بِنَفْسِهَا. وَهَذِهِ طَرِيقَةُ كَثِيرٍ مِنْ نُفَاةِ الصِّفَاتِ مِنْ مُبْتَدِعَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى احْتَجُّوا عَلَى نَفْيِ الصِّفَاتِ بِأَنَّا لَوْ أَثْبَتْنَاهَا لَزِمَ أَنْ تَكُونَ آلِهَةً. وَقَالَ مَنْ قَالَ مِنَ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى الْإِسْلَامِ: أَنَّا لَوْ أَثْبَتْنَا الصِّفَاتِ لَقُلْنَا بِقَوْلِ النَّصَارَى، حَيْثُ أَثْبَتُوا لِلَّهِ الْأَقَانِيمَ، وَحُجَّةُ هَؤُلَاءِ قَائِمَةٌ عَلَى النَّصَارَى، وَهُمُ النَّوْعُ الثَّالِثُ، فَإِنَّهُمْ أَثْبَتُوا لِلَّهِ صِفَاتٍ جَعَلُوهَا جَوْهَرًا

стр. 1846

قَائِمًا بِنَفْسِهِ، وَقَالُوا: إِنَّ اللَّهَ مَوْجُودٌ حَيٌّ نَاطِقٌ، ثُمَّ قَالُوا حَيَاتُهُ جَوْهَرٌ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ، وَنُطْقُهُ - وَهُوَ الْكَلِمَةُ - جَوْهَرٌ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ وَقَالُوا فِي هَذَا: إِنَّهُ إِلَهٌ مِنْ إِلَهٍ، وَهَذَا إِلَهٌ مِنْ إِلَهٍ، فَأَثْبَتُوا صِفَاتٍ لِلَّهِ وَجَعَلُوهَا جَوَاهِرَ قَائِمَةً بِنَفْسِهَا، ثُمَّ قَالُوا: الْجَمِيعُ جَوْهَرٌ، فَكَانَ فِي كَلَامِهِمْ أُمُورٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الْبَاطِلِ الْمُتَنَاقِضِ. مِنْهُمْ مَنْ جَعَلَ الصِّفَاتِ جَوْهَرًا. وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَ الْجَوَاهِرَ الْمُتَعَدِّدَةَ جَوْهَرًا وَاحِدًا. وَالَّذِينَ قَالُوا مِنْ نُفَاةِ الصِّفَاتِ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْجَهْمِيَّةِ: إِنَّ مَنْ أَثْبَتَ الصِّفَاتِ فَقَدْ قَالَ بِقَوْلِ النَّصَارَى، هُوَ مُتَوَجِّهٌ عَلَى مَنْ جَعَلَ الصِّفَاتِ جَوَاهِرَ. وَهَؤُلَاءِ هُمُ النَّصَارَى يَزْعُمُونَ أَنَّ الصِّفَاتِ جَوَاهِرُ آلِهَةٍ، ثُمَّ قَالَ هَؤُلَاءِ: وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَلَا صِفَةَ لَهُ. وَقَالَتِ النَّصَارَى: بَلِ الْأَبُ جَوْهَرُ إِلَهٍ، وَالِابْنُ جَوْهَرُ إِلَهٍ، وَرُوحُ الْقُدُسِ جَوْهَرُ إِلَهٍ، ثُمَّ قَالُوا: وَالْجَمِيعُ إِلَهٌ وَاحِدٌ. وَنَفْسُ تَصَوُّرِ هَذِهِ الْأَقْوَالِ - التَّصَوُّرَ التَّامَّ - يُوجِبُ الْعِلْمَ بِفَسَادِهَا. وَأَمَّا الرُّسُلُ وَأَتْبَاعُهُمْ فَنَطَقُوا أَنَّ لِلَّهِ عِلْمًا وَقُدْرَةً وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الصِّفَاتِ، وَثَبَتُوا أَنَّ الْإِلَهَ إِلَهٌ وَاحِدٌ. فَإِذَا قَالَ الْقَائِلُ: عَبَدْتُ اللَّهَ وَدَعَوْتُ اللَّهَ؛ فَإِنَّمَا دَعَا وَعَبَدَ إِلَهًا وَاحِدًا؛ وَهُوَ ذَاتٌ مُتَّصِفَةٌ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ، لَمْ يَعْبُدْ ذَاتًا لَا حَيَاةَ لَهَا وَلَا عِلْمَ وَلَا قُدْرَةَ، وَلَا عَبَدَ ثَلَاثَةَ آلِهَةٍ وَلَا ثَلَاثَةَ جَوَاهِرَ، بَلْ نَفْسُ اسْمِ اللَّهِ يَتَضَمَّنُ ذَاتَهُ الْمُقَدَّسَةَ الْمُتَّصِفَةَ

стр. 1847

بِصِفَاتِهِ - سُبْحَانَهُ - وَلَيْسَتْ صِفَاتُهُ خَارِجَةً عَنْ مُسَمَّى اسْمِهِ، وَلَا زَائِدَةً عَلَى مُسَمَّى اسْمِهِ، بَلْ إِذَا قُدِّرَ ذَاتٌ مُجَرَّدَةٌ عَنِ الصِّفَاتِ، فَالصِّفَاتُ زَائِدَةٌ عَلَى هَذِهِ الذَّاتِ الْمُقَدَّرَةِ فِي الذِّهْنِ الْمُجَرَّدَةِ عَنِ الصِّفَاتِ لَيْسَتِ الصِّفَاتُ زَائِدَةً عَنِ الذَّاتِ الْمُتَّصِفَةِ بِالصِّفَاتِ، فَإِنَّ تِلْكَ لَا تَحَقَّقُ إِلَّا بِصِفَاتِهَا فَتَقْدِيرُهَا - مُجَرَّدَةً عَنْ صِفَاتِهَا - تَقْدِيرٌ مُمْتَنِعٌ. وَقَدْ تَنَازَعَ الْمُثْبِتَةُ: هَلْ يُقَالُ الصِّفَاتُ عَيْنُ الذَّاتِ، أَمْ يُقَالُ لَيْسَتْ عَيْنَ الذَّاتِ؟ أَمْ يُقَالُ: لَا يُقَالُ هُنَّ غَيْرُ الذَّاتِ، وَلَا يُقَالُ لَيْسَتْ غَيْرَ الذَّاتِ؟ وَتَنَازَعُوا فِي مُسَمَّى الْغَيْرَيْنِ: هَلْ هُمَا مَا جَازَ مُفَارَقَةُ أَحَدِهِمَا الْآخَرَ مُطْلَقًا، أَوْ مَا جَازَ مُفَارَقَتُهُ بِوُجُودٍ أَوْ زَمَانٍ أَوْ مَكَانٍ، أَوْ هُمَا مَا جَازَ الْعِلْمُ بِأَحَدِهِمَا مَعَ عَدَمِ الْعِلْمِ بِالْآخَرِ؟ وَغَايَةُ ذَلِكَ مُنَازَعَاتٌ لَفْظِيَّةٌ. وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَرَّقَ فِي الصِّفَاتِ اللَّازِمَةِ بَيْنَ بَعْضِهَا وَبَعْضٍ؛ فَجَعَلَ بَعْضَهَا زَائِدًا عَلَى الذَّاتِ وَبَعْضَهَا لَيْسَ بِزَائِدٍ عَلَى الذَّاتِ، وَكَانَ الْفَرْقُ بِحَسَبِ مَا يَتَصَوَّرُهُ، لَا بِحَسَبِ مَا الْأَمْرُ عَلَيْهِ فِي نَفْسِهِ. فَإِذَا

стр. 1848

أَمْكَنَهُمْ تَصَوُّرُ الذَّاتِ بِدُونِ صِفَةٍ قَالُوا: هَذِهِ زَائِدَةٌ، وَإِلَّا قَالُوا لَيْسَتْ زَائِدَةً. وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهَا زَائِدَةٌ عَلَى مَا تَصَوَّرُوهُ هُمْ مِنَ الذَّاتِ، لَا أَنَّهُ فِي الْخَارِجِ ذَاتٌ مُجَرَّدَةٌ عَنْ تِلْكَ الصِّفَةِ، وَصِفَةٌ زَائِدَةٌ عَلَيْهَا، بَلْ لَيْسَ إِلَّا الذَّاتُ الْمُتَّصِفَةُ بِتِلْكَ الصِّفَاتِ. وَلَكِنْ يَجِبُ الْفَرْقُ بَيْنَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الصِّفَاتِ غَيْرُ الذَّاتِ، وَبَيْنَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهَا غَيْرُ اللَّهِ؛ فَإِنَّ اسْمَ (اللَّهِ) مُتَنَاوِلٌ لِذَاتِهِ الْمُتَّصِفَةِ بِصِفَاتِهِ. فَإِذَا قَالَ الْقَائِلُ: دَعَوْتُ اللَّهَ وَعَبَدْتُ اللَّهَ؛ فَلَمْ يَدْعُ ذَاتًا مُجَرَّدَةً وَلَا صِفَاتٍ مُجَرَّدَةً، بَلْ دَعَا الذَّاتَ الْمُتَّصِفَةَ بِصِفَاتِهَا فَاسْمُهُ - تَعَالَى - يَتَنَاوَلُ ذَلِكَ. فَلَيْسَتْ صِفَاتُهُ خَارِجَةً عَنْ مُسَمَّى اسْمِهِ وَلَا زَائِدَةً عَلَى ذَلِكَ، وَإِنْ قِيلَ إِنَّهَا زَائِدَةٌ عَلَى الذَّاتِ الْمُجَرَّدَةِ. وَمَنْ ظَنَّ أَنَّهَا زَائِدَةٌ عَلَى الذَّاتِ الْمُتَّصِفَةِ بِصِفَاتِهَا الَّتِي تَدْخُلُ صِفَاتُهَا فِي مُسَمَّاهَا، فَقَدْ غَلِطَ وَلَكِنْ فِي الْأَذْهَانِ وَالْأَلْسِنَةِ زَلَقٌ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ كَثِيرًا. فَإِذَا قِيلَ: الصِّفَاتُ مُغَايِرَةٌ لِلذَّاتِ، لَمْ يَكُنْ فِي هَذَا مِنَ الْمَحْذُورِ مَا فِي قَوْلِنَا: إِنَّ صِفَاتِ اللَّهِ غَيْرُ اللَّهِ؛ فَإِنَّ اسْمَ اللَّهِ يَتَنَاوَلُ صِفَاتِهِ. فَإِذَا قِيلَ: إِنَّهَا غَيْرُهُ؛ فُهِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهَا مُبَايِنَةٌ لَهُ وَهَذَا بَاطِلٌ. وَلِهَذَا كَانَ النُّفَاةُ إِذَا نَاظَرُوا أَئِمَّةَ الْمُسْلِمِينَ، كَمَا نَاظَرُوا الْإِمَامَ

стр. 1849

أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ فِي مِحْنَتِهِ الْمَشْهُورَةِ فَقَالُوا لَهُ: " مَا تَقُولُ فِي الْقُرْآنِ وَكَلَامِ اللَّهِ، أَهْوَ اللَّهُ أَمْ غَيْرُ اللَّهِ؟ " عَارَضَهُمْ بِالْعِلْمِ؛ وَقَالَ لَهُمْ: " مَا تَقُولُونَ فِي عِلْمِ اللَّهِ، أَهْوَ اللَّهُ أَمْ غَيْرُ اللَّهِ؟ ". وَأَجَابَ - أَيْضًا -

стр. 1850

بِأَنَّ الرُّسُلَ لَمْ تَنْطِقْ بِوَاحِدٍ مِنَ الْأَمْرَيْنِ، فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي كَلَامِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَقُلْ لِكَلَامِهِ: هُوَ أَنَا، وَلَا قَالَ: إِنَّهُ غَيْرِي! حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ: إِذَا كَانَ قَدْ جَعَلَ كَلَامَهُ غَيْرَهُ وَسِوَاهُ فَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ خَالِقٌ لِكُلِّ مَا سِوَاهُ! . فَإِنْ كَانَ الِاحْتِجَاجُ بِالسَّمْعِ؛ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ الِاحْتِجَاجُ بِالْعَقْلِ؛ فَالْمَرْجِعُ فِي ذَلِكَ إِلَى الْمَعَانِي لَا إِلَى الْعِبَارَاتِ. فَإِنْ أَرَادَ الْمُرِيدُ بِقَوْلِهِ: هَلْ كَلَامُهُ وَعِلْمُهُ غَيْرُهُ، أَنَّهُ مُبَايِنٌ لَهُ. فَلَيْسَ هُوَ غَيْرًا لَهُ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ. وَإِنْ أَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّ نَفْسَ الْكَلَامِ وَالْعِلْمِ لَيْسَ هُوَ الْعَالِمَ الْمُتَكَلِّمَ؛ فَهُوَ غَيْرٌ لَهُ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ. وَإِذَا كَانَ اللَّفْظُ مُجْمَلًا لَمْ يَجُزْ إِطْلَاقُهُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يُفْهِمُ الْمَعْنَى الْفَاسِدَ. وَأَمَّا الَّذِينَ جَعَلُوا الْأَعْيَانَ الْقَائِمَةَ بِأَنْفُسِهَا صِفَاتٍ، فَهُمْ هَؤُلَاءِ الْمُتَفَلْسِفَةُ النُّفَاةُ لِلصِّفَاتِ وَمَنْ أَشْبَهَهُمْ؛ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ عَقْلٌ وَعَاقِلٌ وَمَعْقُولٌ. وَلَفْظُ (الْعَقْلِ) عِنْدَهُمْ وَإِنْ كَانُوا يَقُولُونَ: هُوَ جَوْهَرٌ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ، فَقَدْ صَرَّحُوا أَيْضًا بِأَنَّهُ - نَفْسَهُ - عِلْمُهُ، حَتَّى صَرَّحُوا بِأَنَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ عِلْمٌ، كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ ابْنُ رُشْدٍ وَغَيْرُهُ، وَنَقَلُوهُ عَنْ أَرِسْطُو،

стр. 1851

وَأَنَّ الْعُقُولَ الْعَشَرَةَ كُلٌّ مِنْهَا عِلْمٌ، فَهُوَ عِلْمٌ وَعَالِمٌ وَمَعْلُومٌ، بَلْ قَالُوا: عَقْلٌ وَعَاقِلٌ وَمَعْقُولٌ، وَعَاشِقٌ وَمَعْشُوقٌ وَعِشْقٌ، وَلَذِيذٌ وَمُلْتَذٌّ وَلَذَّةٌ، فَجَعَلُوهُ - نَفْسَهُ - لَذَّةً وَعَقْلًا وَعِشْقًا، وَجَعَلُوا ذَلِكَ هُوَ الْعَالِمَ الْعَاشِقَ الْمُلْتَذَّ، وَجَعَلُوا نَفْسَ الْعِلْمِ نَفْسَ الْعِشْقِ وَنَفْسَ اللَّذَّةِ؛ فَجَعَلُوهُ - نَفْسَهُ - صِفَاتٍ، وَجَعَلُوهُ ذَاتًا قَائِمَةً بِنَفْسِهَا، وَجَعَلُوا كُلَّ صِفَةٍ هِيَ الْأُخْرَى، وَهَذَا مِمَّا يُعْلَمُ - بِصَرِيحِ الْعَقْلِ - بُطْلَانُهُ. وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُصَرِّحُ بِأَنَّهُ - نَفْسَهُ - عِلْمٌ، فَإِنَّهُ يَقُولُ: هُوَ عَاقِلٌ وَمَعْقُولٌ وَعَقْلٌ؛ يَقُولُ: إِنَّهُ يَعْلَمُ - نَفْسَهُ - بِلَا عِلْمٍ عَلِمَهُ، بَلْ هُوَ الْعَالِمُ، وَهُوَ الْمَعْلُومُ وَهُوَ الْعِلْمُ. وَحَقِيقَةُ كَلَامِهِمْ تَعُودُ إِلَى قَوْلِ أُولَئِكَ؛ فَإِنَّهُمْ إِذَا قَالُوا: إِنَّ الْعِلْمَ الَّذِي يَعْلَمُ بِهِ ذَاتَهُ هُوَ الْعَالِمُ وَهُوَ الْمَعْلُومُ؛ فَقَدْ جَعَلُوا نَفْسَ الْعِلْمِ نَفْسَ الْعَالِمِ وَنَفْسَ الْعِلْمِ نَفْسَ الْمَعْلُومِ وَهِيَ حَقِيقَةُ قَوْلِ أُولَئِكَ، وَهَذِهِ الْأُمُورُ مَبْسُوطَةٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.

стр. 1852

الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يُقَالَ لَهُمْ: أَنْتُمْ تَقُولُونَ إِنَّكُمْ مُتَّبِعُونَ لِلْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَنْبَغِ لَكُمْ فِي شَرِيعَةِ إِيمَانِكُمْ مِنَ الْأَسْمَاءِ إِلَّا مَا جَاءَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ ﵈. وَالْأَنْبِيَاءُ لَمْ يُسَمِّ اللَّهَ أَحَدٌ مِنْهُمْ جَوْهَرًا، وَإِنَّمَا سَمَّاهُ بِذَلِكَ أَرِسْطُو وَأَمْثَالُهُ، وَهَؤُلَاءِ كَانُوا مُشْرِكِينَ يَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ وَلَمْ يَكُونُوا يَعْرِفُونَ اللَّهَ الْمَعْرِفَةَ الصَّحِيحَةَ، وَلَا يَقُولُونَ: إِنَّهُ خَالِقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ، وَلَا عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَإِنَّمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ الْكَوَاكِبَ الْعُلْوِيَّةَ، وَالْأَصْنَامَ السُّفْلِيَّةَ وَيَعْبُدُونَ الشَّيَاطِينَ وَيُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ، وَإِنَّمَا صَارُوا مُؤْمِنِينَ لَمَّا دَخَلَ إِلَيْهِمْ دِينُ الْمَسِيحِ، صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ بَعْدَ الْإِسْكَنْدَرِ الْمَقْدُونِيِّ

стр. 1853

- صَاحِبِ أَرِسْطُو - بِنَحْوِ ثَلَاثِمِائَةِ سَنَةٍ. وَيُقَالُ: إِنَّهُ آخِرُ مُلُوكِهِمْ كَانَ (بَطْلَيْمُوسَ) وَكَانُوا يُسَمُّونَ الْمَلِكَ مِنْ مُلُوكِهِمْ (بَطْلَيْمُوسَ) كَمَا يُسَمُّونَ الْقِبْطُ مَلِكَهَا (فِرْعَوْنَ) وَالْحَبَشَةُ مَلِكَهَا (النَّجَاشِيَّ) وَالْفُرْسُ (كِسْرَى) وَنَحْوُ ذَلِكَ. وَحِينَئِذٍ فَعُدُولُكُمْ عَنْ طَرِيقَةِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ. إِلَى طَرِيقَةِ الْكُفَّارِ وَالْمُشْرِكِينَ الْمُعَطِّلِينَ مِنَ الضَّلَالِ الْمُبِينِ. وَفِي كُتُبِهِمْ: أَنْ بُولِصَ لَمَّا صَارَ إِلَى (أَيْثِينِيَّةَ) دَارِ الْفَلَاسِفَةِ، وَفِيهَا دَارُ الْأَصْنَامِ، وَجَدَ مَكْتُوبًا عَلَى بَابِ دَارِ الْعُلَمَاءِ: الْإِلَهُ الْخَفِيُّ

стр. 1854

الَّذِي لَا يُعْرَفُ هُوَ الَّذِي خَلَقَ الْعَالَمَ. فَكَانُوا لَا يَعْرِفُونَ رَبَّ الْعَالَمِينَ، فَكَيْفَ يُعْدَلُ عَنْ طَرِيقَةِ رُسُلِ اللَّهِ وَأَنْبِيَائِهِ كَمُوسَى، وَدَاوُدَ، وَالْمَسِيحِ، إِلَى طَرِيقَةِ هَؤُلَاءِ الْكُفَّارِ الْمُشْرِكِينَ الْمُعَطِّلِينَ؟ ! . وَلَكِنَّ النَّصَارَى رَكَّبُوا دِينًا مِنْ دِينَيْنِ: مِنْ دِينِ الْأَنْبِيَاءِ الْمُوَحِّدِينَ وَدِينِ الْمُشْرِكِينَ، فَصَارَ فِي دِينِهِمْ قِسْطٌ مِمَّا جَاءَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ، وَقِسْطٌ مِمَّا ابْتَدَعُوهُ مِنْ دِينِ الْمُشْرِكِينَ فِي أَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ، كَمَا أَحْدَثُوا أَلْفَاظَ الْأَقَانِيمِ، وَهِيَ أَلْفَاظٌ لَا تُوجَدُ فِي كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ، وَكَمَا أَحْدَثُوا الْأَصْنَامَ الْمَرْقُومَةَ بَدَلَ الْأَصْنَامِ الْمُجَسَّدَةِ، وَالصَّلَاةَ إِلَى الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالْكَوَاكِبِ، بَدَلَ الصَّلَاةِ لَهَا، وَالصِّيَامَ فِي وَقْتِ الرَّبِيعِ، لِيَجْمَعُوا بَيْنَ الدِّينِ الشَّرْعِيِّ وَالْأَمْرِ الطَّبِيعِيِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ. الْوَجْهُ الثَّالِثُ: قَوْلُهُمْ: إِنَّ الَّذِي يَشْغَلُ حَيِّزًا وَيَقْبَلُ عَرَضًا هُوَ الْجَوْهَرُ الْكَثِيفُ، فَأَمَّا الْجَوْهَرُ اللَّطِيفُ فَمَا يَقْبَلُ عَرَضًا وَلَا يَشْغَلُ حَيِّزًا، مِثْلَ جَوْهَرِ النَّفْسِ وَجَوْهَرِ الْعَقْلِ وَجَوْهَرِ الضَّوْءِ. فَيُقَالُ: الْكَلَامُ فِي

стр. 1855

الْجَوَاهِرِ. هَلْ هِيَ مُنْقَسِمَةٌ إِلَى مُتَحَيِّزٍ وَغَيْرِ مُتَحَيِّزٍ أَوْ كُلُّهَا مُتَحَيِّزَةٌ؟ مُتَّصِلٌ بِالْكَلَامِ عَلَى نَفْسِ الْإِنْسَانِ النَّاطِقَةِ. فَنَقُولُ إِنَّ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ مَعْرِفَةً بِوُجُودِ الْمَلَائِكَةِ وَالْجِنِّ، كَمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَإِجْمَاعُ الْأُمَّةِ، وَكَذَلِكَ سَلَفُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا يَعْرِفُونَ وُجُودَ النَّفْسِ الَّتِي هِيَ رُوحُ الْإِنْسَانِ الَّتِي تُفَارِقُ بَدَنَهُ حِينَ الْمَوْتِ، كَمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَإِجْمَاعُ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ، وَإِنْ كَانَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ يَزْعُمُ أَنَّهَا عَرَضٌ مِنْ

стр. 1856

أَعْرَاضِ الْبَدَنِ، أَوْ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَائِهِ، فَهَذَا قَوْلٌ مُحْدَثٌ فِي الْإِسْلَامِ لَمْ يَذْهَبْ إِلَيْهِ أَحَدٌ مِنَ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ، وَإِنْ كَانَ مَحْكِيًّا عَنْ أَكْثَرِ الْمُتَكَلِّمِينَ، فَلَيْسَ الَّذِينَ قَالُوا هَذَا مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَلَا أَئِمَّتِهَا، بَلْ هُمْ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ الْمُحْدَثِ الْمَذْمُومِ عِنْدَ السَّلَفِ. وَأَئِمَّةُ الْأُمَّةِ وَكَثِيرٌ مِنَ الْمُتَفَلْسِفَةِ الدَّاخِلِينَ فِي أَهْلِ الْمِلَلِ يَقُولُونَ: إِنَّ الذَّوَاتِ الَّتِي تُسَمِّيهَا الْأَنْبِيَاءُ الْمَلَائِكَةَ هِيَ الَّتِي تُسَمِّيهَا الْمُتَفَلْسِفَةُ الْمَشَّاءُونَ عُقُولًا، أَوْ عُقُولًا وَنُفُوسًا، وَهَذَا غَلَطٌ عَظِيمٌ كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوْضِعِهِ. فَإِنَّ الْعُقُولَ الَّتِي يُثْبِتُهَا هَؤُلَاءِ الْمُتَفَلْسِفَةُ لَا حَقِيقَةَ لَهَا عِنْدَ الرُّسُلِ وَأَتْبَاعِهِمْ، بَلْ وَلَا حَقِيقَةَ لَهَا فِي الْمَعْقُولِ الصَّرِيحِ، بَلْ حَقِيقَةُ كَلَامِهِمْ أَنَّهَا أَعْرَاضٌ قَائِمَةٌ بِنَفْسِهَا. وَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّ وَاجِبَ الْوُجُودِ - نَفْسَهُ - هُوَ عِلْمٌ، وَجَعَلُوا نَفْسَ الْعِلْمِ هُوَ نَفْسَ الْعَالِمِ، وَنَفْسُ تَصَوُّرِ هَذَا الْقَوْلِ يَكْفِي فِي الْعِلْمِ بِفَسَادِهِ، كَمَا أَنَّ هَؤُلَاءِ الْمُتَفَلْسِفَةَ

стр. 1857

- أَتْبَاعَ أَرِسْطُو - لَا يَعْرِفُونَ الْمَلَائِكَةَ، بَلْ وَلَا الْجِنَّ، وَإِنَّمَا عِلْمُهُمْ مَعْرِفَةُ الْأَجْسَامِ الطَّبِيعِيَّةِ، وَتَكَلَّمُوا فِي الْإِلَهِيَّاتِ بِكَلَامٍ قَلِيلٍ نَزْرٍ؛ بَاطِلُهُ أَكْثَرُ مِنْ حَقِّهِ، كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ. وَهَؤُلَاءِ يَزْعُمُونَ أَنَّ الْعَقْلَ الْأَوَّلَ أَبْدَعَ مَا دُونَهُ مِنَ الْعُقُولِ وَالْأَفْلَاكِ إِلَى أَنْ يَنْتَهِيَ الْأَمْرُ إِلَى الْعَقْلِ الْعَاشِرِ، فَهُوَ مُبْدِعٌ مَا تَحْتَ فَلَكِ الْقَمَرِ. وَهَذَا كُلُّهُ مِنْ أَعْظَمِ الْكُفْرِ عِنْدَ الرُّسُلِ وَأَتْبَاعِهِمْ أَهْلِ الْمِلَلِ. فَإِنَّ مَضْمُونَ هَذَا أَنَّ مَلَكًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ خَلَقَ كُلَّ مَا تَحْتَ السَّمَاءِ، وَمَلَكًا فَوْقَهُ خَلَقَ كُلَّ مَا سِوَى اللَّهِ - سُبْحَانَهُ - وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْكُفْرِ فِي دِينِ الْمُرْسَلِينَ وَأَهْلِ الْمِلَلِ الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى. قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ - لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ - يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦ - ٢٨] فَأَخْبَرَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تَسْبِقُهُ بِالْقَوْلِ، وَلَا تَعْمَلُ إِلَّا بِأَمْرِهِ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ مَلَكٌ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ.

стр. 1858

وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: إِنَّ الْوَحْيَ وَالْكَلَامَ الَّذِي جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ، إِنَّمَا هُوَ فَيْضٌ مِنْ هَذَا الْعَقْلِ الْفَعَّالِ عَلَى قُلُوبِ الْأَنْبِيَاءِ. وَاللَّهُ - تَعَالَى - عِنْدَ هَؤُلَاءِ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ مُوسَى وَلَا عِيسَى وَلَا إِبْرَاهِيمَ وَلَا مُحَمَّدًا وَلَا غَيْرَهُمْ مِنَ الرُّسُلِ، وَلَا يَعْرِفُ الْجُزْئِيَّاتِ، بَلْ عِنْدَ أَرِسْطُو وَأَتْبَاعِهِ: أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ شَيْئًا مِنَ الْأَشْيَاءِ، بَلْ وَلَا خَلَقَ عِنْدَهُمْ شَيْئًا، بَلْ وَلَا يَقْدِرُ عِنْدَهُمْ عَلَى خَلْقِ شَيْءٍ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنْ يَكُونَ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا. وَأَرِسْطُو وَقَوْمُهُ كَانُوا مُشْرِكِينَ يَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ بِمَقْدُونِيَّةَ وَأَثِينِيَّةَ وَغَيْرِهِمَا مِنْ مَدَائِنِ فَلَاسِفَةِ الْيُونَانِ، وَكَانَ وَزِيرًا لِلْإِسْكَنْدَرِ بْنِ فِيلِبْسَ الْمَقْدُونِيِّ، وَكَانَ هَذَا قَبْلَ الْمَسِيحِ ﵇ بِنَحْوِ ثَلَاثِمِائَةِ سَنَةٍ، وَلَمْ يَكُنْ وَزِيرًا لِذِي الْقَرْنَيْنِ الَّذِي بَنَى سَدَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ،

стр. 1859

وَعَامَّةُ عِلْمِ الْقَوْمِ عِلْمُ الطَّبِيعِيَّاتِ وَالْحِسَابِيَّاتِ، وَأَمَّا الْعِلْمُ الْإِلَهِيُّ - وَهُوَ الَّذِي يُسَمُّونَهُ عِلْمَ مَا بَعْدَ الطَّبِيعَةِ، وَهُوَ مُنْتَهَى فَلْسَفَتِهِمْ - فَإِنَّمَا تَكَلَّمُوا فِيهِ عَلَى أُمُورٍ كُلِّيَّةٍ، قَسَّمُوا الْوُجُودَ إِلَى جَوْهَرٍ وَتِسْعَةِ أَعْرَاضٍ يَجْمَعُهَا بَيْتَانِ زَيْدُ الطَّوِيلُ الْأَسْوَدُ بْنُ مَالِكٍ ... فِي دَارِهِ بِالْأَمْسِ كَانَ مُتَّكَى فِي يَدِهِ سَيْفٌ نَضَاهُ فَانْتَضَى ... فَهَذِهِ عَشْرُ مَقُولَاتٍ سِوَا وَهِيَ: الْجَوْهَرُ، وَالْكَمُّ، وَالْكَيْفُ، وَالْأَيْنُ، وَمَتَى، وَالْإِضَافَةُ، وَالْمِلْكُ، وَالْوَضْعُ، وَأَنْ يَفْعَلَ، وَأَنْ يَنْفَعِلَ. وَقَدْ نَازَعَهُ أَتْبَاعُهُ وَغَيْرُهُمْ فِي هَذَا الْحَصْرِ وَقَالُوا: إِنَّهُ لَا دَلِيلَ

стр. 1860

عَلَيْهِ. وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهَا ثَلَاثَةً. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ غَيْرَ ذَلِكَ وَأَثْبَتَ الْعِلَّةَ الْأُولَى بِنَاءً عَلَى حَرَكَةِ الْفَلَكِ، وَأَنَّهُ يَتَحَرَّكُ حَرَكَةً شَوْقِيَّةً، فَلَابُدَّ لَهُ مِمَّا يَتَشَبَّهُ بِهِ. فَالْعِلَّةُ الْأُولَى هِيَ غَايَةٌ لِحَاجَةِ الْفَلَكِ إِلَيْهَا مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ مُتَحَرِّكٌ لِيَتَشَبَّهَ بِهَا كَحَرَكَةِ الْمُؤْتَمِّ بِإِمَامِهِ، وَالْمُقْتَدِي بِقُدْوَتِهِ، وَقَدْ يَقُولُونَ: كَتَحْرِيكِ الْمَعْشُوقِ لِعَاشِقِهِ. وَكَلَامُ أَرِسْطُو فِي ذَلِكَ مَوْجُودٌ، وَقَدْ نَقَلْتُهُ بِأَلْفَاظِهِ وَتَكَلَّمْتُ عَلَيْهِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ فِي مَقَالَةِ اللَّامِ وَهِيَ آخِرُ فَلْسَفَتِهِ وَمُنْتَهَى حِكْمَتِهِ. وَفِي كِتَابِ أَثُولُوجْيَا " وَلَمْ يَثْبُتْ أَنَّ الرَّبَّ مُبْدِعٌ لِفَلَكٍ
следующие страницы →