Полный текст (2 831 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.
стр. 1996
لِلْعَرَبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَاتِ.
﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩] .
وَرَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ ثُمَّ الظَّفَرِيِّ، عَنْ رِجَالٍ مِنْ قَوْمِهِ قَالُوا: " وَمِمَّا دَعَانَا إِلَى الْإِسْلَامِ - مَعَ رَحْمَةِ اللَّهِ وَهُدَاهُ - أَنَّا كُنَّا نَسْمَعُ مِنْ رِجَالِ يَهُودَ، كُنَّا أَهْلَ شِرْكٍ أَصْحَابَ أَوْثَانٍ، وَكَانُوا أَهْلَ الْكِتَابِ عِنْدَهُمْ عِلْمٌ لَيْسَ عِنْدَنَا، وَكَانَتْ لَا تَزَالُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ شُرُورٌ، فَإِذَا نِلْنَا مِنْهُمْ بَعْضَ مَا يَكْرَهُونَ قَالُوا لَنَا: قَدْ تَقَارَبَ زَمَانُ نَبِيٍّ يُبْعَثُ الْآنَ نَتْبَعُهُ فَنَقْتُلُكُمْ مَعَهُ قَتْلَ عَادٍ وَإِرَمَ، فَكُنَّا كَثِيرًا مَا نَسْمَعُ ذَلِكَ مِنْهُمْ، فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ رَسُولًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، أَجَبْنَا حِينَ دَعَانَا إِلَى اللَّهِ، وَعَرَفْنَا مَا كَانُوا يَتَوَعَّدُونَنَا بِهِ فَبَادَرْنَاهُمْ إِلَيْهِ، فَآمَنَّا بِهِ وَكَفَرُوا بِهِ فَفِينَا وَفِيهِمْ نَزَلَتْ هَؤُلَاءِ الْآيَاتُ
стр. 1997
الَّتِي فِي الْبَقَرَةِ.:.
﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٨٩] .
قَالَ: ابْنُ إِسْحَاقَ: " وَحَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ الْأَنْصَارِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْ شِئْتُ مِنْ رِجَالِ قَوْمِي عَنْ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيِّ، قَالَ: وَاللَّهِ إِنِّي لَغُلَامٌ يَفَعَةٌ ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ أَوْ ثَمَانِ سِنِينَ، أَعْقِلُ كُلَّ مَا سَمِعْتُ، إِذْ سَمِعْتُ يَهُودِيًّا يَقُولُ عَلَى أُطُمِ
стр. 1998
يَثْرِبَ، يَصْرُخُ: " يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ " فَلَمَّا اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ قَالُوا: " مَا لَكَ وَيْلَكَ " قَالَ: " طَلَعَ نَجْمُ أَحْمَدَ الَّذِي يُبْعَثُ اللَّيْلَةَ ".
وَرَوَى أَبُو زُرْعَةَ، بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِيهِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، قَالَ: " «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مُرْدِفِي ثُمَّ أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي يَوْمٍ حَارٍّ مِنْ أَيَّامِ مَكَّةَ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِأَعْلَى الْوَادِي لَقِيَهُ زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ: " يَا ابْنَ عَمْرٍو، مَا لِي أَرَى قَوْمَكَ قَدْ شَنَفُوكَ؟ ".
стр. 1999
قَالَ: " أَمَا وَاللَّهِ، إِنَّ ذَلِكَ لِغَيْرِ ثَائِرَةٍ كَانَتْ مِنِّي فِيهِمْ لَكِنْ أَرَاهُمْ عَلَى ضَلَالٍ " فَخَرَجْتُ أَبْتَغِي هَذَا الدِّينَ، فَأَتَيْتُ إِلَى أَحْبَارِ يَثْرِبَ، فَوَجَدْتُهُمْ يَعْبُدُونَ اللَّهَ وَيُشْرِكُونَ بِهِ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا بِالدِّينِ الَّذِي أَبْتَغِي. فَخَرَجْتُ حَتَّى آتِيَ أَحْبَارَ خَيْبَرَ فَوَجَدْتُهُمْ يَعْبُدُونَ اللَّهَ وَيُشْرِكُونَ بِهِ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا بِالدِّينِ الَّذِي أَبْتَغِي، فَقَالَ لِي حَبْرٌ مِنْ أَحْبَارِ الشَّامِ: " إِنَّكَ لَتَسْأَلُ عَنْ دِينٍ مَا نَعْلَمُ أَحَدًا يَعْبُدُ اللَّهَ بِهِ إِلَّا شَيْخٌ بِالْجَزِيرَةِ ". فَخَرَجْتُ فَقَدِمْتُ عَلَيْهِ فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي خَرَجْتُ لَهُ، فَقَالَ: " إِنَّ كُلَّ مَنْ رَأَيْتَ فِي ضَلَالَةٍ فَمَنْ أَنْتَ "، قُلْتُ: " أَنَا مِنْ أَهْلِ بَيْتِ اللَّهِ، وَمِنْ أَهْلِ الشَّوْكِ وَالْقَرْظِ ".
فَقَالَ: " إِنَّهُ قَدْ خَرَجَ فِي بَلَدِكَ نَبِيٌّ - أَوْ: خَارِجٌ - قَدْ خَرَجَ نَجْمُهُ، فَارْجِعْ فَصَدِّقْهُ وَاتَّبِعْهُ وَآمِنْ بِهِ، فَرَجَعْتُ فَلَمْ أُحِسَّ شَيْئًا بَعْدُ، قَالَ:
стр. 2000
" فَأَنَاخَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعِيرَهُ، فَقَدَّمْنَا إِلَيْهِ السُّفْرَةَ " قَالَ زَيْدٌ: " مَا آكُلُ شَيْئًا ذُبِحَ لِغَيْرِ اللَّهِ " فَتَفَرَّقَا، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَطَافَ بِالْبَيْتِ. قَالَ زَيْدٌ: وَأَنَا مَعَهُ، وَكَانَ صَنَمَانِ مِنْ نُحَاسٍ يُقَالُ لَهُمَا: (إِسَافٌ) وَ (نَائِلَةُ) مُسْتَقْبَلَ الْكَعْبَةِ، يَتَمَسَّحُ بِهِمَا النَّاسُ إِذَا طَافُوا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " لَا تَمَسُّهُمَا وَلَا تَمَسَّحْ بِهِمَا ".
قَالَ زَيْدٌ: فَقُلْتُ فِي نَفْسِي - وَقَدْ طُفْنَا - لَأَمَسَّنَّهُمَا حَتَّى أَنْظُرَ مَا يَقُولُ، فَمَسَسْتُهُمَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " أَلَمْ تُنْهَهْ؟ " فَلَا وَالَّذِي أَكْرَمَهُ، مَا مَسَسْتُهُمَا حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْكِتَابَ» .
«وَمَاتَ زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ قَبْلَ الْإِسْلَامِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّهُ يُبْعَثُ أُمَّةً وَحْدَهُ» .
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ حَدِيثَ خُرُوجِ زَيْدِ بْنِ عَمْرٍو قَرِيبًا مِنْ هَذَا
стр. 2001
اللَّفْظِ.
وَقَالَ: ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ سَلَامَةَ بْنِ وَقْشٍ، قَالَ:
стр. 2002
كَانَ بَيْنَ أَبْيَاتِنَا يَهُودِيٌّ، فَخَرَجَ عَلَى نَادِي قَوْمِهِ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ ذَاتَ غَدَاةٍ، فَذَكَرَ الْبَعْثَ وَالْقِيَامَةَ وَالْجَنَّةَ وَالنَّارَ وَالْحِسَابَ وَالْمِيزَانَ، فَقَالَ ذَلِكَ لِأَصْحَابِ وَثَنٍ، لَا يَرَوْنَ أَنَّ بَعْثًا كَائِنٌ بَعْدَ مَوْتٍ، وَذَلِكَ قَبْلَ مَبْعَثِ رَسُولِ اللَّهِ، فَقَالُوا: " وَيْحَكَ يَا فُلَانُ - أَوْ: وَيْلَكَ - وَهَذَا كَائِنٌ، أَنَّ النَّاسَ يُبْعَثُونَ بَعْدَ مَوْتِهِمْ إِلَى دَارٍ فِيهَا جَنَّةٌ وَنَارٌ يُجْزَوْنَ مِنْ أَعْمَالِهِمْ "، قَالَ: " نَعَمْ، وَالَّذِي يُحْلَفُ بِهِ لَوَدِدْتُ أَنَّ حَظِّي مِنْ تِلْكَ النَّارِ أَنْ تُوقِدُوا أَعْظَمَ تَنُّورٍ فِي دَارِكُمْ فَتَحْمُونَهُ ثُمَّ تَقْذِفُونِي فِيهِ ثُمَّ تُطَيِّنُونَ عَلَيَّ وَأَنِّي أَنْجُو مِنْ تِلْكَ النَّارِ غَدًا. فَقِيلَ: يَا فُلَانُ، فَمَا عَلَامَةُ ذَلِكَ؟ قَالَ: " نَبِيٌّ يُبْعَثُ مِنْ نَاحِيَةِ هَذِهِ الْبِلَادِ " وَأَشَارَ إِلَى مَكَّةَ وَالْيَمَنِ بِيَدِهِ، قَالُوا: " فَمَتَى تَرَاهُ؟ " فَرَمَى بِطَرَفِهِ فَرَآنِي وَأَنَا
стр. 2003
مُضْطَجِعٌ بِفَنَاءِ بَابِ أَهْلِي وَأَنَا أَحْدَثُ الْقَوْمِ، فَقَالَ: " إِنْ يَسْتَنْفِذْ هَذَا الْغُلَامُ عُمُرَهُ يُدْرِكْهُ " فَمَا ذَهَبَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ رَسُولَهُ، وَإِنَّهُ لَحَيٌّ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، فَآمَنَّا بِهِ وَصَدَّقْنَاهُ، وَكَفَرَ بِهِ بَغْيًا وَحَسَدًا، فَقُلْنَا لَهُ: يَا فُلَانُ أَلَسْتَ الَّذِي قُلْتَ مَا قُلْتَ وَأَخْبَرْتَنَا؟ قَالَ: لَيْسَ بِهِ.
وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ «أَنَّ غُلَامًا يَهُودِيًّا كَانَ يَخْدُمُ النَّبِيَّ، فَمَرِضَ فَأَتَاهُ رَسُولُ اللَّهِ يَعُودُهُ، فَوَجَدَ أَبَاهُ عِنْدَ رَأْسِهِ يَقْرَأُ التَّوْرَاةَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ يَا يَهُودِيُّ أُنْشِدُكَ بِاللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى هَلْ تَجِدُ فِي التَّوْرَاةِ صِفَتِي وَمَخْرَجِي؟ قَالَ: لَا، قَالَ الْفَتَى: " بَلَى وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نَجِدُ فِي التَّوْرَاةِ نَعْتُكَ وَمَخْرَجَكَ، وَإِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، فَقَالَ: النَّبِيُّ ﷺ أَقِيمُوا هَذَا مِنْ عِنْدِ
стр. 2004
رَأْسِهِ، وَلُوا أَخَاكُمْ» رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ. وَقَالَ: ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ شَيْخٍ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ، قَالَ: هَلْ تَدْرِي عَمَّا كَانَ إِسْلَامُ أُسَيْدٍ وَثَعْلَبَةَ ابْنَيْ
стр. 2005
سَعْيَةَ، وَأَسَدِ بْنِ عُبَيْدٍ، نَفَرٍ مِنْ هَدْلٍ، لَمْ يَكُونُوا مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ وَبَنِي النَّضِيرِ، كَانُوا فَوْقَ ذَلِكَ، فَقُلْتُ: لَا، قَالَ: فَإِنَّهُ قَدِمَ عَلَيْنَا رَجُلٌ مِنَ الشَّامِ مِنْ يَهُودَ، يُقَالُ لَهُ: ابْنُ الْهَيَّبَانِ، فَأَقَامَ عِنْدَنَا، وَاللَّهِ مَا رَأَيْنَا رَجُلًا قَطُّ لَا يُصَلِّي الْخَمْسَ خَيْرًا مِنْهُ، فَقَدِمَ عَلَيْنَا قَبْلَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ ﷺ بِسِنِينَ، وَكُنَّا إِذَا أَقْحَطْنَا وَقَلَّ عَلَيْنَا الْمَطَرُ، نَقُولُ: يَا ابْنَ الْهَيَّبَانِ اخْرُجْ فَاسْتَسْقِ لَنَا، فَيَقُولُ: لَا وَاللَّهِ حَتَّى تُقَدِّمُوا أَمَامَ مَخْرَجِكُمْ صَدَقَةً، فَنَقُولُ كَمْ؟ فَيَقُولُ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ مُدَّيْنِ مِنْ شَعِيرٍ، فَنُخْرِجُهُ ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَى ظَاهِرِ حَرَّتِنَا وَنَحْنُ مَعَهُ
стр. 2006
فَنَسْتَقِي، فَوَاللَّهِ مَا يَقُومُ مِنْ مَجْلِسِهِ حَتَّى تَمُرَّ الشِّعَابُ. قَدْ فَعَلَ ذَلِكَ غَيْرَ مَرَّةٍ وَلَا مَرَّتَيْنِ وَلَا ثَلَاثَةٍ، فَحَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ وَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ مَا تَرَوْنَهُ أَخْرَجَنِي مِنْ أَرْضِ الْخَمْرِ وَالْخَمِيرِ إِلَى أَرْضِ الْبُؤْسِ وَالْجُوعِ؟ قَالُوا: أَنْتَ أَعْلَمُ، قَالَ: " فَإِنَّهُ إِنَّمَا أَخْرَجَنِي أَتَوَقَّعُ خُرُوجَ نَبِيٍّ قَدْ أَظَلَّ زَمَانُهُ، هَذِهِ الْبِلَادُ مُهَاجَرُهُ، فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تُسْتَبَقُنَّ إِلَيْهِ إِذَا خَرَجَ، يَا مَعْشَرَ يَهُودَ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ بِسَفْكِ الدِّمَاءِ، وَبِسَبْيِ الذَّرَارِيِّ وَالنِّسَاءِ مِمَّنْ يُخَالِفُهُ، وَلَا يَمْنَعَنَّكُمْ ذَلِكَ مِنْهُ " ثُمَّ مَاتَ، فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلَةُ الَّتِي فُتِحَتْ فِيهَا قُرَيْظَةُ، قَالَ أُولَئِكَ الثَّلَاثَةُ الْفِتْيَةُ - وَكَانُوا شُبَّانًا أَحْدَاثًا -: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ وَاللَّهِ إِنَّهُ الَّذِي ذَكَرَ لَكُمُ ابْنُ الْهَيَّبَانِ، فَقَالُوا: مَا هُوَ بِهِ، قَالُوا: " بَلَى وَاللَّهِ إِنَّهُ لِصِفَتُهُ " ثُمَّ نَزَلُوا فَأَسْلَمُوا وَخَلَّوْا أَمْوَالَهُمْ وَأَوْلَادَهُمْ
стр. 2007
وَأَهَالِيَهُمْ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَلَمَّا فُتِحَ الْحِصْنُ رُدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ، لَمَّا حَدَّثَهُ عَنْ هِرَقْلَ - وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُهُ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ - وَذَكَرَ فِيهِ أَنَّ هِرَقْلَ لَمَّا سَأَلَهُ عَنْ صِفَاتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنْ يَكُنْ مَا تَقُولُ حَقًّا، إِنَّهُ نَبِيٌّ، قَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ خَارِجٌ، وَلَمْ أَكُنْ أَظُنُّهُ مِنْكُمْ، وَلَوْ أَعْلَمُ أَنِّي أَخْلُصُ إِلَيْهِ لَأَحْبَبْتُ لِقَاءَهُ، وَلَوْ كُنْتُ عِنْدَهُ لَغَسَلْتُ عَنْ قَدَمَيْهِ.
وَزَادَ الْبُخَارِيُّ فِي حَدِيثِهِ، وَقَالَ ابْنُ النَّاطُورِ: وَكَانَ هِرَقْلُ.
стр. 2008
حَزَّاءً يَنْظُرُ فِي النُّجُومِ، فَنَظَرَ فَقَالَ: إِنَّ مَلِكَ الْخِتَانِ قَدْ ظَهَرَ، فَمَنْ يَخْتَتِنُ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ؟ قَالَ: تَخْتَتِنُ الْيَهُودُ، فَلَا يُهِمَّنَّكَ شَأْنُهُمْ، وَابْعَثْ إِلَى مَنْ فِي مَمْلَكَتِكَ مِنَ الْيَهُودِ فَيَقْتُلُوهُمْ. ثُمَّ وَجَدَ إِنْسَانًا مِنَ الْعَرَبِ فَقَالَ: انْظُرُوا أَمُخْتَتَنٌ هُوَ؟ فَنَظَرُوا فَإِذَا هُوَ مُخْتَتَنٌ، وَسَأَلَهُ عَنِ الْعَرَبِ، فَقَالَ: يَخْتَتِنُونَ. وَقَالَ فِيهِ: وَكَانَ بِرُومِيَّةَ صَاحِبٌ لَهُ كَانَ هِرَقْلُ نَظِيرَهُ فِي الْعِلْمِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ، وَصَارَ إِلَى حِمْصَ، فَلَمْ يَرِمْ مِنْ حِمْصَ حَتَّى أَتَاهُ كِتَابٌ مِنْ صَاحِبِهِ يُوَافِقُ رَأْيَهُ عَلَى خُرُوجِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَنَّهُ نَبِيٌّ.
وَكَذَلِكَ النَّجَاشِيُّ مَلِكُ الْحَبَشَةِ، لَمَّا هَاجَرَ الصَّحَابَةُ إِلَيْهِ، لَمَّا آذَاهُمُ الْمُشْرِكُونَ وَخَافُوا أَنْ يَفْتِنُوهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، وَقَرَءُوا عَلَيْهِ الْقُرْآنَ، قَالَ: فَأَخَذَ عُودًا بَيْنَ أُصْبُعَيْهِ، فَقَالَ: مَا عَدَا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ مَا قُلْتَ هَذَا الْعُودَ، فَتَنَاخَرَتْ بَطَارِقَتُهُ، فَقَالَ: وَإِنْ نَخَرْتُمْ. اذْهَبُوا
стр. 2009
فَأَنْتُمْ سِيُومٌ بِأَرْضِي. يَعْنِي أَنْتُمْ آمِنُونَ. وَقَالَ هَذَا لِأَنَّ قُرَيْشًا أَرْسَلُوا هَدَايَا إِلَيْهِ وَطَلَبُوا مِنْهُ أَنْ يَرُدَّ هَؤُلَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَقَالُوا: " هَؤُلَاءِ فَارَقُوا دِينَنَا وَخَالَفُوا دِينَكَ ".
وَفِي الصَّحِيحِ، حَدِيثُ وَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ الَّذِي تَرْوِيهِ عَائِشَةُ ﵂ فِي بَدْءِ الْوَحْيِ، قَالَتْ: «أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ مِنَ النَّوْمِ، وَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلَاءُ، فَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءَ فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ - وَهُوَ التَّعَبُّدُ - اللَّيَالِيَ ذَوَاتَ الْعَدَدِ - إِلَى أَنْ قَالَتْ - فَأَتَتْ بِهِ خَدِيجَةُ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلٍ، وَكَانَ قَدْ تَنَصَّرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ يَكْتُبُ مِنَ الْإِنْجِيلِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكْتُبَ، فَقَالَتِ: اسْمَعْ مِنِ ابْنِ أَخِيكَ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَبَرَ مَا رَأَى، فَقَالَ وَرَقَةُ: هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى مُوسَى، لَيْتَنِي
стр. 2010
كُنْتُ جَذَعًا أَنْصُرُكَ إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ، قَالَ: أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ؟ قَالَ: لَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِي، وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا " ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ وَرَقَةُ أَنْ تُوُفِّيَ» .
стр. 2011
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: «وَقَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عِشْرُونَ رَجُلًا - أَوْ قَرِيبٌ مِنْ ذَلِكَ - وَهُوَ بِمَكَّةَ مِنَ النَّصَارَى حِينَ ظَهَرَ خَبَرُهُ بِالْحَبَشَةِ، فَوَجَدُوهُ فِي الْمَجْلِسِ فَكَلَّمُوهُ وَسَأَلُوهُ وَرِجَالٌ مِنْ قُرَيْشٍ فِي أَنْدِيَتِهِمْ. فَلَمَّا فَرَغُوا مِنْ مَسْأَلَتِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَمَّا أَرَادُوا، دَعَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى اللَّهِ وَتَلَا عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ، فَلَمَّا سَمِعُوا فَاضَتْ أَعْيُنُهُمْ مِنَ الدَّمْعِ ثُمَّ اسْتَجَابُوا لَهُ وَآمَنُوا بِهِ وَصَدَّقُوهُ، وَعَرَفُوا مِنْهُ مَا كَانَ يُوصَفُ لَهُمْ فِي كِتَابِهِمْ مِنْ أَمْرِهِ، فَلَمَّا قَامُوا مِنْ عِنْدِهِ اعْتَرَضَهُمْ أَبُو جَهْلٍ فِي نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فَقَالُوا: خَيَّبَكُمُ اللَّهُ مِنْ رَكْبٍ، بَعَثَكُمْ مَنْ وَرَاءَكُمْ مِنْ أَهْلِ دِينكُمْ لِتَرْتَادُوا لَهُمْ فَتَأْتُوهُمْ بِخَبَرِ الرَّجُلِ، فَلَمْ تَطْمَئِنَّ مَجَالِسُكُمْ عِنْدَهُ حَتَّى فَارَقْتُمْ دِينَكُمْ وَصَدَّقْتُمُوهُ بِمَا قَالَ لَكُمْ؟ ! مَا نَعْلَمُ رَكْبًا أَحْمَقَ مِنْكُمْ - أَوْ كَمَا قَالُوا لَهُمْ - فَقَالُوا: " سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نُجَاهِلُكُمْ، لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ ". وَيُقَالُ: فِيهِمْ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى:
﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ [القصص: ٥٢] » .
стр. 2012
وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرٍ: حَدَّثَتْنِي جَدَّتِي أُمُّ عُثْمَانَ بِنْتُ سَعِيدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِيهَا سَعِيدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعَمٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي جُبَيْرًا يَقُولُ: لَمَّا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيَّهُ وَظَهَرَ أَمْرُهُ بِمَكَّةَ خَرَجْتُ إِلَى الشَّامِ، فَلَمَّا
стр. 2013
كُنْتُ بِبُصْرَى، أَتَتْنِي جَمَاعَةٌ مِنَ النَّصَارَى فَقَالُوا لِي: أَمِنَ الْحَرَمِ أَنْتَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالُوا: فَتَعْرِفُ هَذَا الَّذِي تَنَبَّأَ فِيكُمْ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَأَخَذُوا بِيَدِي فَأَدْخَلُونِي دَيْرًا لَهُمْ فِيهِ تَمَاثِيلُ وَصُوَرٌ، فَقَالُوا لِي: انْظُرْ هَلْ تَرَى صُورَةَ هَذَا النَّبِيِّ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ فَنَظَرْتُ فَلَمْ أَرَ صُورَتَهُ، قُلْتُ: لَا أَرَى صُورَتَهُ.
فَأَدْخَلُونِي دَيْرًا أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ الدَّيْرِ فِيهِ صُوَرٌ أَكْثَرُ مِمَّا فِي ذَلِكَ الدَّيْرِ، فَقَالُوا لِي: انْظُرْ، هَلْ تَرَى صُورَتَهُ؟ فَنَظَرْتُ، فَإِذَا أَنَا بِصِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَصُورَتِهِ، وَإِذَا أَنَا بِصِفَةِ أَبِي بَكْرٍ وَصُورَتِهِ، وَهُوَ آخِذٌ بِعَقِبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا لِي: انْظُرْ هَلْ تَرَى صِفَتَهُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالُوا: هُوَ هَذَا؟ وَأَشَارُوا إِلَى
стр. 2014
صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قُلْتُ: اللَّهُمَّ نَعَمْ. أَشْهَدُ أَنَّهُ هُوَ. قَالُوا: أَتَعْرِفُ هَذَا الَّذِي أَخَذَ بِعَقِبِهِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ.
قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّ هَذَا صَاحِبُكُمْ، وَأَنَّ هَذَا الْخَلِيفَةُ مِنْ بَعْدِهِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ، وَقَالَ فِيهِ: قَالَ الَّذِي أَرَاهُ الصُّوَرَ: لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ إِلَّا كَانَ بَعْدَهُ نَبِيٌّ، إِلَّا هَذَا النَّبِيُّ. وَرَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ.
وَرَوَى مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ أَنَّ هِشَامَ بْنَ الْعَاصِ، وَنُعَيْمَ بْنَ
стр. 2015
عَبْدِ اللَّهِ، وَرَجُلًا آخَرَ، قَدْ سَمَّاهُ، بُعِثُوا إِلَى مَلِكِ الرُّومِ زَمَنَ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: فَدَخَلْنَا عَلَى جَبَلَةَ بْنِ الْأَيْهَمِ وَهُوَ بِالْغُوطَةِ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
стр. 2016
وَأَنَّهُ انْطُلِقَ بِهِمْ إِلَى الْمَلِكِ وَأَنَّهُمْ وَجَدُوا عِنْدَهُ شِبْهَ الرَّبْعَةِ الْعَظِيمَةِ مُذَهَّبَةً، وَإِذَا فِيهَا أَبْوَابٌ صِغَارٌ فَفَتَحَ فِيهَا بَابًا، فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ خِرْقَةَ حَرِيرٍ سَوْدَاءَ، فِيهَا صُورَةٌ بَيْضَاءُ، وَذَكَرَ صِفَةَ آدَمَ ثُمَّ فَتَحَ بَابًا آخَرَ، فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ حَرِيرَةً، وَفِيهَا صُورَةُ نُوحٍ ثُمَّ إِبْرَاهِيمَ ثُمَّ أَرَاهُمْ حَرِيرَةً فِيهَا صُورَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ وَقَالَ: هَذَا آخِرُ الْأَبْوَابِ لَكِنِّي عَجَّلْتُهُ؛ لِأَنْظُرَ مَا عِنْدَكُمْ ثُمَّ فَتَحَ أَبْوَابًا أُخَرَ، وَأَرَاهُمْ صُورَةَ بَقِيَّةِ الْأَنْبِيَاءِ؛ مُوسَى، وَهَارُونَ، وَدَاوُدَ، وَسُلَيْمَانَ، وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ﵈ وَصِفَةَ لُوطٍ، وَصِفَةَ إِسْحَاقَ، وَذَكَرَ أَنَّ هَذَا عِنْدَهُمْ قَدِيمًا مِنْ عَهْدِ آدَمَ، وَأَنَّ دَانْيَالَ صَوَّرَهَا بِأَعْيَانِهَا.
وَرُوِيَ مِثْلُ هَذَا عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، أَنَّهُ لَمَّا دَخَلَ عَلَى الْمُقَوْقِسِ مَلِكِ مِصْرَ وَالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ مَلِكِ النَّصَارَى، أَخْرَجَ لَهُ صُوَرَ الْأَنْبِيَاءِ وَأَخْرَجَ لَهُ صُورَةَ نَبِيِّنَا ﷺ فَعَرَفَهَا.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: نَفْسُ إِخْبَارِهِ بِذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، وَاسْتِشْهَادُهُ بِأَهْلِ الْكِتَابِ وَإِخْبَارُهُ بِأَنَّهُ مَذْكُورٌ فِي كُتُبِهِمْ، مِمَّا يَدُلُّ الْعَاقِلَ
стр. 2017
عَلَى أَنَّهُ كَانَ مَوْجُودًا فِي كُتُبِهِمْ، فَإِنَّهُ لَا رَيْبَ عِنْدَ كُلِّ مَنْ عَرَفَ حَالَ مُحَمَّدٍ مِنْ مُؤْمِنٍ وَكَافِرٍ، أَنَّهُ كَانَ مِنْ أَعْقَلِ أَهْلِ الْأَرْضِ، فَإِنَّ الْمُكَذِّبِينَ لَهُ لَا يَشُكُّونَ فِي أَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُ مِنَ الْخِبْرَةِ وَالْمَعْرِفَةِ وَالْحِذْقِ، مَا أَوْجَبَ أَنْ يُقِيمَ مِثْلَ هَذَا الْأَمْرِ الْعَظِيمِ، الَّذِي لَمْ يَحْصُلْ لِأَحَدٍ مِثْلُهُ، لَا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ، فَعُلِمَ ضَرُورَةً أَنَّهُ لَا يَفْعَلُهُ وَلَا يُخْبِرُ بِهِ، وَهُوَ مِنْ أَحْرَصِ النَّاسِ عَلَى تَصْدِيقِهِ، وَأَخْبَرِهِمْ بِالطُّرُقِ الَّتِي يُصَدَّقُ بِهَا، وَأَبْعَدِهِمْ عَنْ أَنْ يَفْعَلَ مَا يَعْلَمُ أَنَّهُ يُكَذَّبُ بِهِ.
فَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ مَكْتُوبٌ عِنْدَهُمْ - بَلْ عَلِمَ انْتِفَاءَ ذَلِكَ - لَامْتَنَعَ أَنْ يُخْبِرَ بِذَلِكَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، وَيَسْتَشْهِدَ بِهِ وَيُظْهِرَ ذَلِكَ لِمُوَافَقِيهِ وَمُخَالِفِيهِ، وَأَوْلِيَائِهِ وَأَعْدَائِهِ، فَإِنَّ هَذَا لَا يَفْعَلُهُ إِلَّا مَنْ هُوَ أَقَلُّ النَّاسِ عَقْلًا؛ لِأَنَّ فِيهِ إِظْهَارَ كَذِبِهِ عِنْدَ مَنْ آمَنَ بِهِ مِنْهُمْ، عِنْدَ مَنْ يُخْبَرُونَهُ وَهُوَ ضِدُّ مَقْصُودِهِ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ يُرِيدُ إِقَامَةَ شُهُودٍ عَلَى حَقِّهِ فَيَأْتِي إِلَى مَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَكْذِبُ، وَيَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ بِشَاهِدٍ وَلَا حَضَرَ قَضِيَّتَهُ، وَيَقُولُ: هَذَا يَشْهَدُ لِي، وَهَذَا يَشْهَدُ لِي فَإِنَّهُمْ كَانُوا حَاضِرِينَ هَذِهِ الْقَضِيَّةَ، فَيَقُولُ أُولَئِكَ: لَسْنَا نَشْهَدُ لَهُ وَلَا حَضَرْنَا هَذِهِ الْقَضِيَّةَ، فَهَذَا لَا يَفْعَلُهُ عَاقِلٌ يَعْلَمُ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا حَاضِرِينَ، وَأَنَّهُمْ يُكَذِّبُونَهُ، وَلَا يَشْهَدُونَ لَهُ.
الرَّابِعُ: أَنْ يُقَالَ: لَمَّا قَامَتِ الْأَعْلَامُ عَلَى صِدْقِهِ، فَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ مَكْتُوبٌ فِي الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ بَشَّرُوا بِهِ عُلِمَ أَنَّ الْأَمْرَ كَذَلِكَ. لَكِنَّ هَذَا لَا يُذْكَرُ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يُقَامَ دَلِيلٌ مُنْفَصِلٌ عَلَى نُبُوَّتِهِ.
стр. 2018
وَالطَّرِيقُ الْأَوَّلُ، هُوَ مَنْ أَظْهَرَ الْحُجَجَ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ، وَأَظْهَرُ الْأَعْلَامِ عَلَى نُبُوَّتِهِ.
وَقَدِ اسْتَخْرَجَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ مِنَ الْكُتُبِ الْمَوْجُودَةِ الْآنَ فِي أَيْدِي أَهْلِ الْكِتَابِ مِنَ الْبِشَارَاتِ بِنُبُوَّتِهِ مَوَاضِعَ مُتَعَدِّدَةً، وَصَنَّفُوا فِي ذَلِكَ مُصَنَّفَاتٍ، وَهَذِهِ الْبِشَارَاتُ فِي هَذِهِ الْكُتُبِ مِنْ جِنْسِ الْبِشَارَاتِ بِالْمَسِيحِ ﷺ .
وَالْيَهُودُ يُقِرُّونَ بِاللَّفْظِ، لَكِنْ يَدَّعُونَ أَنَّ الْمُبَشَّرَ بِهِ لَيْسَ هُوَ الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ، وَإِنَّمَا هُوَ آخَرُ يُنْتَظَرُ، وَهُمْ - فِي الْحَقِيقَةِ - لَا يَنْتَظِرُونَ إِلَّا الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ، وَيَنْتَظِرُونَ - أَيْضًا - مَجِيءَ الْمَسِيحِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ إِذَا نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ، كَمَا بُسِطَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَيُحَرِّفُونَ دَلَالَةَ اللَّفْظِ، وَيَقُولُونَ: إِنَّهَا لَا تَدُلُّ عَلَى نَبِيٍّ مُنْتَظَرٍ، كَمَا
стр. 2019
قَالُوا فِي قَوْلِهِ: " سَأُقِيمُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ إِخْوَتِهِمْ مِثْلَكَ يَا مُوسَى، أُنْزِلُ عَلَيْهِ مِثْلَ تَوْرَاةِ مُوسَى، أَجْعَلُ كَلَامِي عَلَى فِيهِ ".
قَالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ هَذَا إِخْبَارًا، بَلْ هَذَا اسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ وَقَدَّرُوا أَلِفَ اسْتِفْهَامٍ، وَلَيْسَ فِي النَّصِّ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ.
فَالْيَهُودُ يُحَرِّفُونَ الدَّلَالَاتِ الْمُبَشِّرَةَ بِالْمَسِيحِ، وَذَلِكَ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ وَالنَّصَارَى لَا يَقْدَحُ فِي الْبِشَارَةِ بِالْمَسِيحِ، بَلْ تَبَيَّنَ دَلَالَةُ النُّصُوصِ عَلَيْهِ، وَبُطْلَانُ تَحْرِيفِ الْيَهُودِ.
وَكَذَلِكَ الْبِشَارَاتُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ فِي الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ، لَا يَقْدَحُ فِيهَا تَحْرِيفُ أَهْلِ الْكِتَابِ، الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، بَلْ تَبَيَّنَ دَلَالَةُ تِلْكَ النُّصُوصِ عَلَى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَبُطْلَانِ تَحْرِيفِ أَهْلِ الْكِتَابِ.
الْوَجْهُ الْخَامِسُ: أَنْ يُقَالَ: مَعْلُومٌ أَنَّ ظُهُورَ دِينِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ
стр. 2020
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبهَا، أَعْظَمُ حَادِثٍ حَدَثَ فِي الْأَرْضِ؛ فَلَمْ يُعْرَفْ قَطُّ دِينٌ انْتَشَرَ وَدَامَ كَانْتِشَارِهِ وَدَوَامِهِ. فَإِنَّ شَرْعَ مُوسَى، وَإِنْ دَامَ فَلَمْ يَنْتَشِرِ انْتِشَارَهُ وَدَوَامَهُ، بَلْ كَانَ غَايَةُ ظُهُورِهِ بِبَعْضِ الشَّامِ، وَأَمَّا شَرْعُ الْمَسِيحِ فَقَبْلَ، قُسْطَنْطِينَ لَمْ يَكُنْ لَهُ مُلْكٌ، بَلْ كَانُوا يَكُونُونَ بِبَعْضِ بِلَادِ الرُّومِ وَغَيْرِهَا، وَكَانُوا مُسْتَضْعَفِينَ تُقْتَلُ أَعْيَانُهُمْ أَوْ عَامَّتُهُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ، وَلَمَّا انْتَشَرَ تَفَرَّقَ أَهْلُهُ فِرَقًا مُتَبَايِنَةً يُكَفِّرُ فِيهَا بَعْضُهُمْ بَعْضًا.
ثُمَّ إِنَّ شَرْعَ مُحَمَّدٍ ﷺ ظَهَرَ فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا وَفِي وَسَطِ الْأَرْضِ الْمَعْمُورَةِ؛ الْإِقْلِيمِ الثَّالِثِ وَالرَّابِعِ وَالْخَامِسِ، وَظَهَرَتْ أُمَّتُهُ عَلَى النَّصَارَى فِي أَفْضَلِ الْأَرْضِ وَأَجَلِّهَا عِنْدَهُمْ؛ كَأَرْضِ الشَّامِ وَمِصْرَ وَالْجَزِيرَةِ وَغَيْرِهَا، وَدَامَ شَرْعُهُ، فَلَهُ الْيَوْمَ أَكْثَرُ مِنْ سَبْعِمِائَةِ سَنَةٍ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا الْمُدَّعِيَ لِلنُّبُوَّةِ، سَوَاءٌ كَانَ صَادِقًا أَوْ كَاذِبًا لَا بُدَّ
стр. 2021
أَنْ يُخْبِرَ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ فَإِنَّهُمْ أَخْبَرُوا بِظُهُورِ الدَّجَّالِ الْكَذَّابِ، تَحْذِيرًا لِلنَّاسِ، مَعَ أَنَّ الدَّجَّالَ مُدَّتُهُ قَلِيلَةٌ، فَلَوْ كَانَ مَا يَقُولُهُ الْمُكَذِّبُ لِمُحَمَّدٍ حَقًّا، وَأَنَّهُ كَاذِبٌ لَيْسَ بِرَسُولٍ، لَكَانَتْ فِتْنَتُهُ أَعْظَمَ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ؛ لِأَنَّ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ أَضْعَافُ أَضْعَافِ مَنْ يَتْبَعُ الدَّجَّالَ. فَلَوْ كَانَ كَاذِبًا لَكَانَ الَّذِينَ افْتُتِنُوا بِهِ أَضْعَافَ أَضْعَافِ مَنْ يُفْتَتَنُ بِالدَّجَّالِ، فَكَانَ التَّحْذِيرُ مِنْهُ أَوْلَى مِنَ التَّحْذِيرِ مِنَ الدَّجَّالِ؛ إِذْ لَيْسَ فِي الْعَالَمِ مِنْ زَمَانِ آدَمَ إِلَى الْيَوْمِ كَذَّابٌ ظَهَرَ وَدَامَ هَذَا الظُّهُورَ وَالدَّوَامَ، فَكَيْفَ تُغْفِلُ الْأَنْبِيَاءُ التَّحْذِيرَ عَنْ مِثْلِ هَذَا لَوْ كَانَ كَاذِبًا؟ .
وَإِذَا كَانَ صَادِقًا: فَالْبِشَارَةُ لِلْإِيمَانِ بِهِ أَوْلَى مَا يُبَشِّرُ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ مِنَ الْمُسْتَقْبَلَاتِ وَتُخْبِرُ بِهِ. فَعُلِمَ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ فِي الْكُتُبِ ذِكْرُهُ ثُمَّ قَدْ وُجِدَ مَوَاضِعُ كَثِيرَةٌ فِي الْكُتُبِ تَزِيدُ عَلَى مِائَةِ مَوْضِعٍ اسْتَدَلُّوا بِهَا عَلَى أَنَّهُ مَذْكُورٌ، وَتَوَاتَرَ عَنْ خَلْقٍ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أَنَّهُ مَوْجُودٌ فِي كُتُبِهِمْ، وَتَوَاتَرَ عَنْ كَثِيرٍ مِمَّنْ أَسْلَمَ أَنَّهُ كَانَ سَبَبُ إِسْلَامِهِمْ - أَوْ مِنْ أَعْظَمِ سَبَبِ إِسْلَامِهِمْ - عِلْمَهُمْ بِذَكْرِهِ فِي الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ، إِمَّا بِأَنَّهُ وَجَدَ ذِكْرَهُ فِي الْكُتُبِ كَحَالِ كَثِيرٍ مِمَّنْ أَسْلَمَ قَدِيمًا وَحَدِيثًا، وَإِمَّا بِمَا ثَبَتَ عِنْدَهُمْ مِنْ أَخْبَارِ أَهْلِ الْكِتَابِ، كَالْأَنْصَارِ فَإِنَّهُ كَانَ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ
стр. 2022
إِسْلَامِهِمْ مَا كَانُوا يَسْمَعُونَهُ مِنْ جِيرَانِهِمْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ ذِكْرِهِ وَنَعْتِهِ، وَانْتِظَارِهِمْ إِيَّاهُ، وَأَنَّ مِنْ خِيَارِهِمْ مَنْ لَمْ يُوجِبْ لَهُ أَنْ يَسْكُنَ أَرْضَ يَثْرِبَ مَعَ شِدَّتِهَا وَيَدَعَ أَرْضَ الشَّامِ مَعَ رَخَائِهَا إِلَّا انْتِظَارُهُ لِهَذَا النَّبِيِّ الْعَرَبِيِّ الَّذِي يُبْعَثُ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ.
وَلَمْ يُمْكِنْ أَحَدٌ قَطُّ أَنْ يَنْقِلَ عَنْ شَيْءٍ مِنَ الْكُتُبِ أَنَّهُ وَجَدَ فِيهَا ذِكْرَهُ بِالذَّمِّ وَالتَّكْذِيبِ وَالتَّحْذِيرِ، كَمَا يُوجَدُ ذِكْرُ الدَّجَّالِ. وَعِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ ذِكْرِ أَصْحَابِهِ؛ كَعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَغَيْرِهِ، وَعَدْلِهِمْ وَسِيرَتِهِمْ، عَنِ الْمَسِيحِ وَغَيْرِهِ، مَا هُوَ مَعْرُوفٌ عِنْدَهُمْ. فَإِذَا كَانَ الَّذِينَ اسْتَخْرَجُوا ذِكْرَهُ مِنْ كُتُبِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالَّذِينَ سَمِعُوا خَبَرَهُ مِنْ عُلَمَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ إِنَّمَا يَذْكُرُونَ نَعْتَهُ فِيهَا بِالْمَدْحِ وَالثَّنَاءِ، عُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ الْمُتَقَدِّمِينَ ذَكَرُوهُ بِالْمَدْحِ وَالثَّنَاءِ، وَلَمْ يَذْكُرُوهُ بِذَمٍّ وَلَا عَيْبٍ.
وَكُلُّ مَنِ ادَّعَى النُّبُوَّةَ وَمَدَحَهُ الْأَنْبِيَاءُ وَأَثْنَوْا عَلَيْهِ، لَمْ يَكُنْ إِلَّا صَادِقًا فِي دَعْوَى النُّبُوَّةِ، إِذْ يَمْتَنِعُ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ يُثْنُونَ عَلَى مَنْ يَكْذِبُ فِي دَعْوَى النُّبُوَّةِ:
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ﴾ [الأنعام: ٩٣] .
وَهَذَا مِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْأَنْبِيَاءُ ذَكَرُوهُ وَأَخْبَرُوا بِهِ، وَأَنَّهُمْ لَمْ يَذْكُرُوهُ إِلَّا بِالثَّنَاءِ وَالْمَدْحِ لَا بِالذَّمِّ وَالْعَيْبِ وَذَلِكَ - مَعَ دَعْوَى
стр. 2023
النُّبُوَّةِ - لَا يَكُونُ إِلَّا إِذَا كَانَ صَادِقًا فِي دَعْوَى النُّبُوَّةِ، فَتَبَيَّنَ أَنَّهُمْ بَشَّرُوا بِنُبُوَّتِهِ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ أَخْبَرُوا أَهْلَ الْكِتَابِ بِمَا سَيَكُونُ مِنْهُمْ مِنَ الْأَحْدَاثِ، وَمَا يُسَلَّطُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْمُلُوكِ الَّذِينَ يَقْتُلُونَهُمْ وَيُخَرِّبُونَ بِلَادَهُمْ وَيَسْبُونَهُمْ كَ - (بُخَتُنَصَّرَ) وَ (سَنْجَارِيبَ) وَلَكِنَّ هَؤُلَاءِ الْمُلُوكَ لَمْ يَدَّعُوا أَنَّهُمْ أَنْبِيَاءُ، وَلَمْ يَدْعُوا إِلَى دِينٍ، فَلَمْ تَحْتَجِ الْأَنْبِيَاءُ إِلَى التَّحْذِيرِ مِنِ اتِّبَاعِهِمْ، وَقَدْ حَذَّرُوا مِنِ اتِّبَاعِ مَنْ يَدَّعِي النُّبُوَّةَ وَهُوَ كَاذِبٌ.
وَمُحَمَّدٌ ﷺ قَدْ قَهَرَ أَهْلَ الْكِتَابِ، وَقَتَلَ مَنْ قَتَلَ وَسَبَى مَنْ سَبَى، وَأَخْرَجَهُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ فَلَا بُدَّ أَنْ يَذْكُرُوهُ وَيَذْكُرُوا الْأَحْدَاثَ الَّتِي تَجْرِي عَلَيْهِمْ فِي أَيَّامِهِ. وَإِذَا كَانَ كَاذِبًا مُدَّعِيًا لِلنُّبُوَّةِ، فَلَا بُدَّ أَنْ يُحَذِّرَهُمْ مِنِ اتِّبَاعِهِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ عَامَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ
стр. 2024
وَمَنْ نَقَلَ عَنْهُمْ إِمَّا أَنْ يَقُولَ: لَيْسَ مَوْجُودًا فِي كُتُبِنَا، أَوْ يَقُولَ: إِنَّهُ مَوْجُودٌ بِالْمَدْحِ وَالثَّنَاءِ، لَا يُمْكِنُ أَحَدٌ أَنْ يَنْقِلَ عَنِ الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ أَنَّهُ مَوْجُودٌ فِيهَا بِالذَّمِّ وَالتَّحْذِيرِ. وَلَوْ كَانَ مَذْكُورًا عِنْدَهُمْ بِالذَّمِّ وَالتَّحْذِيرِ، لَكَانَ مِنْ أَعْظَمِ مَا يَحْتَجُّونَ بِهِ عَلَيْهِ فِي حَيَاتِهِ، وَعَلَى أُمَّتِهِ بَعْدَ مَمَاتِهِ، وَيَحْتَجُّ بِهِ مَنْ لَمْ يُسْلِمْ مِنْهُمْ عَلَى مَنْ أَسْلَمَ.
فَإِنَّهُ مَعْلُومٌ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ كَانَ عِنْدَهُمْ مِنَ الْبُغْضِ لَهُ وَالْعَدَاوَةِ وَتَكْذِيبِهِ، وَالْحِرْصِ عَلَى إِبْطَالِ أَمْرِهِ، مَا أَوْجَبَ أَنْ يَفْتَرُوا أَشْيَاءَ لَمْ تُوجَدْ، وَيَنْسُبُوا إِلَيْهِ أَشْيَاءَ يَعْرِفُ كَذِبَهَا كُلُّ مَنْ عَرَفَ أَمْرَهُ، حَتَّى آلَ الْأَمْرُ بِبَعْضِهِمْ إِلَى أَنْ فَسَّرُوا قَوْلَ الْمُسْلِمِينَ " اللَّهُ أَكْبَرُ " بِأَنَّ " أَكْبَرَ " صَنَمٌ، وَأَنَّ النَّبِيَّ أَمَرَهُمْ بِتَعْظِيمِ هَذَا الصَّنَمِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ فِيهِ: إِنَّهُ أَوْجَبَ الزِّنَا عَلَى الْمَرْأَةِ الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا. عُقُوبَةً لِزَوْجِهَا بِأَنَّهُ لَا يَنْكِحُهَا حَتَّى يَزْنِيَ بِهَا غَيْرُهُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ تَعَلَّمَ مِنْ " بُحَيْرَى الرَّاهِبِ " مَعَ عِلْمِ كُلِّ مَنْ عَرَفَ سِيرَتَهُ أَنَّهُ لَمْ يَجْتَمِعْ بِ - (بُحَيْرَى) وَحْدَهُ، وَلَمْ يَرَهُ إِلَّا بَعْضَ نَهَارٍ مَعَ أَصْحَابِهِ، لَمَّا مَرُّوا بِهِ لَمَّا قَدِمُوا الشَّامَ فِي تِجَارَةٍ، وَأَنَّ (بُحَيْرَى) سَأَلَهُمْ عَنْهُ وَلَمْ يُكَلِّمْهُ إِلَّا كَلِمَاتٍ يَسْتَخْبِرُهُ فِيهَا عَنْ حَالِهِ.
стр. 2025
لَمْ يُخْبِرْهُ بِشَيْءٍ.
وَمَعَ طَعْنِ بَعْضِ أَهْلِ الْكِتَابِ فِيهِ بِأَنَّهُ بُعِثَ بِالسَّيْفِ، حَتَّى قَدْ يَقُولُوا: إِنَّمَا قَامَ دِينُهُ بِالسَّيْفِ، وَحَتَّى يُوهِمُوا النَّاسَ أَنَّ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ إِنَّمَا اتَّبَعُوهُ خَوْفًا مِنَ السَّيْفِ، وَحَتَّى يَقُولُوا: إِنَّ الْخَطِيبَ إِنَّمَا يَتَوَكَّأُ عَلَى سَيْفٍ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّهُ إِنَّمَا يَقُومُ الدِّينُ بِالسَّيْفِ، إِلَى أَمْثَالِ هَذِهِ الْأُمُورِ - الَّتِي هِيَ مِنْ أَظْهَرِ الْأُمُورِ كَذِبًا عَلَيْهِ - يَعْرِفُ أَدْنَى النَّاسِ مَعْرِفَةً بِحَالِهِ أَنَّهَا كَذِبٌ، وَهُمْ - مَعَ هَذَا - يَتَشَبَّثُونَ بِهَا.
فَلَوْ كَانَ عِنْدَهُمْ أَخْبَارٌ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ تُوجِبُ ذَمَّهُ وَالتَّحْذِيرَ مِنْ مُتَابَعَتِهِ، لَكَانَ إِظْهَارُهُمْ لِذَلِكَ وَاحْتِجَاجُهُمْ بِهِ أَقْوَى وَأَبْلَغَ، وَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا يَجِبُ فِي الْعَادَةِ اشْتِهَارُهُ بَيْنَ خَاصَّتِهِمْ وَعَامَّتِهِمْ، قَدِيمًا وَحَدِيثًا، وَكَانَ ظُهُورُ ذَلِكَ فِيهِمْ أَوْلَى مِنْ ظُهُورِ خَبَرِ الدَّجَّالِ فِيهِمْ وَفِي الْمُسْلِمِينَ؛ فَإِنَّ هَذَا الْأَمْرَ مِنْ أَعْظَمِ مَا تَتَوَفَّرُ الْهِمَمُ وَالدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ وَاشْتِهَارِهِ.
فَإِذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، عُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي كُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ مَا يُوجِبُ تَكْذِيبَهُ، وَقَدْ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ تَذْكُرَهُ الْأَنْبِيَاءُ وَتُخْبِرَ بِحَالِهِ، فَإِذَا لَمْ يُخْبِرُوا أَنَّهُ كَاذِبٌ عُلِمَ أَنَّهُمْ أَخْبَرُوا أَنَّهُ نَبِيٌّ صَادِقٌ، كَمَا
стр. 2026
شَاعَ ذَلِكَ وَظَهَرَ وَاسْتَفَاضَ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ.
فَالْكِتَابُ الَّذِي بُعِثَ بِهِ مَمْلُوءٌ بِشَهَادَةِ الْكُتُبِ لَهُ، وَالْكُتُبُ الْمَوْجُودَةُ فِيهَا مَوَاضِعُ كَثِيرَةٌ شَاهِدَةٌ لَهُ مِنْ وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وَالْأَخْبَارُ مُتَوَاتِرَةٌ عَمَّنْ أَسْلَمَ لِأَجْلِ ذَلِكَ، وَهَذَا مِمَّا يُوجِبُ الْقَطْعَ بِأَنَّهُ مَذْكُورٌ فِيهَا بِمَا يَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِ فِي دَعْوَى النُّبُوَّةِ، وَلَيْسَ فِيهَا مَا يُخْبِرُ بِكَذِبِهِ وَالتَّحْذِيرِ مِنْهُ وَهَذَا هُوَ الْمَطْلُوبُ.
وَفِي الْجُمْلَةِ أَمْرُهُ أَظْهَرُ وَأَشْهَرُ وَأَعْجَبُ وَأَبْهَرُ، وَأَخْرُقُ لِلْعَادَةِ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ ظَهَرَ فِي الْعَالَمِ مِنَ الْبَشَرِ. وَمِثْلُ هَذَا إِذَا كَانَ كَاذِبًا، فَلِكَذِبِهِ لَوَازِمُ كَثِيرَةٌ جِدًّا تَفُوقُ الْحَصْرَ مُتَقَدِّمَةٌ وَمُقَارِنَةٌ وَمُتَأَخِّرَةٌ. فَإِنَّ مَنْ هُوَ أَدْنَى دَعْوَةً مِنْهُ إِذَا كَانَ كَاذِبًا لَزِمَ كَذِبَهُ مِنَ اللَّوَازِمِ مَا يُبَيِّنُ كَذِبَهُ، فَكَيْفَ مِثْلُ هَذَا؟ ! فَإِذَا انْتَفَتْ لَوَازِمُ الْمَكْذُوبِ انْتَفَى الْمَلْزُومُ.
وَصِدْقُهُ لَازِمٌ لِأُمُورٍ كَثِيرَةٍ كُلِّهَا تَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِ، وَثُبُوتُ الْمَلْزُومِ يَقْتَضِي ثُبُوتَ اللَّازِمِ مَاضِيهِ وَمُقَارِنِهِ وَمُتَأَخَّرِهِ. وَمُدَّعِي النُّبُوَّةِ لَا يَخْلُو مِنَ الصِّدْقِ أَوِ الْكَذِبِ، وَكُلٌّ مِنَ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ لَهُ لَوَازِمُ وَمَلْزُومَاتٌ، فَأَدِلَّةُ الصِّدْقِ مُسْتَلْزِمَةٌ لَهُ وَأَدِلَّةُ الْكَذِبِ مُسْتَلْزَمَةٌ لَهُ، وَالصِّدْقُ لَهُ لَوَازِمُ وَالْكَذِبُ لَهُ لَوَازِمُ، فَصِدْقُهُ يُعْرَفُ بِنَوْعَيْنِ: بِثُبُوتِ دَلَائِلِ الصِّدْقِ الْمُسْتَلْزِمَةِ لِصِدْقِهِ، وَبِانْتِفَاءِ لَوَازِمِ الْكَذِبِ الْمُوجِبِ انْتِفَاؤُهَا انْتِفَاءَ كَذِبِهِ، كَمَا أَنَّ كَذِبَ الْكَذَّابِ يُعْرَفُ بِأَدِلَّةِ كَذِبِهِ
стр. 2027
الْمُسْتَلْزِمَةِ لِكَذِبِهِ، وَبِانْتِفَاءِ لَوَازِمِ الصِّدْقِ الْمُسْتَلْزِمِ انْتِفَاؤُهَا لِانْتِفَاءِ صِدْقِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالشَّيْءُ يُعْرَفُ تَارَةً بِمَا يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِهِ، وَتَارَةً بِمَا يَدُلُّ عَلَى انْتِفَاءِ نَقِيضِهِ، وَهُوَ الَّذِي يُسَمَّى قِيَاسَ الْخُلْفِ، فَإِنَّ الشَّيْءَ إِذَا انْحَصَرَ فِي شَيْئَيْنِ، لَزِمَ مِنْ ثُبُوتِ أَحَدِهِمَا انْتِفَاءُ الْآخَرِ، وَمِنِ انْتِفَاءِ أَحَدِهِمَا ثُبُوتُ الْآخَرِ. وَمُدَّعِي النُّبُوَّةِ إِمَّا صَادِقٌ وَإِمَّا كَاذِبٌ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا لَهُ لَوَازِمُ يَدُلُّ انْتِفَاؤُهَا عَلَى انْتِفَائِهِ، وَلَهُ مَلْزُومَاتٌ يَدُلُّ ثُبُوتُهَا عَلَى ثُبُوتِهِ.
فَدَلِيلُ الشَّيْءِ مُسْتَلْزِمٌ لَهُ كَأَعْلَامِ النُّبُوَّةِ وَدَلَائِلِهَا، وَآيَاتِ الرُّبُوبِيَّةِ وَأَدِلَّةِ الْأَحْكَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَانْتِفَاءُ الشَّيْءِ يُعْلَمُ بِمَا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَهُ كَانْتِفَاءِ لَوَازِمِهِ؛ مِثْلَ صِدْقِ الْكَاذِبِ، يُقَالُ: لَوْ كَانَ صَادِقًا لَكَانَ مُتَّصِفًا بِمَا يَتَّصِفُ بِهِ الصَّادِقُونَ.
وَكَذَلِكَ كَذِبُ الصَّادِقِ، يُقَالُ: لَوْ كَانَ كَذَّابًا لَكَانَ مُتَّصِفًا بِمَا يَتَّصِفُ بِهِ الْكَذَّابُ، فَإِنَّهُ قَدْ عُرِفَ حَالُ الْأَنْبِيَاءِ الصَّادِقِينَ، وَالْمُتَنَبِّئِينَ الْكَذَّابِينَ، فَانْتِفَاءُ لَوَازِمِ الْكَذِبِ دَلِيلُ صِدْقِهِ، كَمَا أَنَّ ثُبُوتَ مَا يَسْتَلْزِمُ الصِّدْقَ دَلِيلُ صِدْقِهِ، وَكَذَلِكَ الْكَذَّابُ يُسْتَدَلُّ عَلَى كَذِبِهِ بِمَا يَسْتَلْزِمُ كَذِبَهُ وَبِانْتِفَاءِ لَوَازِمِ صِدْقِهِ، وَهَكَذَا سَائِرُ الْأُمُورِ.
стр. 2028
[فَصْلٌ: شَهَادَاتُ الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ لِمُحَمَّدٍ ﵊ وَأَمْثِلَةٌ مِنْهَا]
فَصْلٌ
وَمِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُعْرَفَ مَا قَدْ نَبَّهْنَا عَلَيْهِ غَيْرَ مَرَّةٍ، أَنَّ شَهَادَةَ الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ لِمُحَمَّدٍ ﷺ إِمَّا شَهَادَتُهَا بِنُبُوَّتِهِ، وَإِمَّا شَهَادَتُهَا بِمِثْلِ مَا أَخْبَرَ بِهِ هُوَ مِنَ الْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ عَلَى نُبُوَّتِهِ وَنُبُوَّةِ مَنْ قَبْلَهُ، وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ وَعَلَى غَيْرِ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ أَصْنَافِ الْمُشْرِكِينَ الْمُلْحِدِينَ، كَمَا قَدْ ذَكَرَ اللَّهُ هَذَا النَّوْعَ مِنَ الْآيَاتِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ.
كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ١٩٧] ..
стр. 2029
وَقَوْلِهِ:
﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [يونس: ٩٤] .
وَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٤٣] .
وَقَوْلِهِ:
﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦] .
وَقَوْلِهِ:
﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ﴾ [المائدة: ٨٣] .
وَقَوْلِهِ:
﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٧] .
стр. 2030
وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِ فِي التَّوْرَاةِ مَا قَدْ تُرْجِمَ بِالْعَرَبِيَّةِ: " جَاءَ اللَّهُ مِنْ طُورِ سَيْنَا " وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: " تَجَلَّى اللَّهُ مِنْ طُورِ سَيْنَا، وَأَشْرَقَ مِنْ سَاعِيرَ، وَاسْتَعْلَنَ مِنْ جِبَالِ فَارَانَ ".
قَالَ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ - وَاللَّفْظُ لِأَبِي مُحَمَّدِ بْنِ قُتَيْبَةَ - لَيْسَ بِهَذَا خَفَاءٌ عَلَى مَنْ تَدَبَّرَهُ وَلَا غُمُوضٌ؛ لِأَنَّ مَجِيءَ اللَّهِ مِنْ طُورِ سَيْنَا: إِنْزَالُهُ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى مِنْ طُورِ سَيْنَا، كَالَّذِي هُوَ عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَعِنْدَنَا وَكَذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ إِشْرَاقُهُ مِنْ سَاعِيرَ إِنْزَالُهُ الْإِنْجِيلَ عَلَى
стр. 2031
الْمَسِيحِ، وَكَانَ الْمَسِيحُ مِنْ سَاعِيرَ - أَرْضِ الْخَلِيلِ بِقَرْيَةٍ تُدْعَى (نَاصِرَةَ) - وَبِاسْمِهَا يُسَمَّى مَنِ اتَّبَعَهُ نَصَارَى.
وَكَمَا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ إِشْرَاقُهُ مِنْ سَاعِيرَ بِالْمَسِيحِ، فَكَذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ اسْتِعْلَانُهُ مِنْ جِبَالِ فَارَانَ: إِنْزَالُهُ الْقُرْآنَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ وَجِبَالُ فَارَانَ هِيَ جِبَالُ مَكَّةَ. قَالَ: وَلَيْسَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ خِلَافٌ فِي أَنَّ فَارَانَ هِيَ مَكَّةُ، فَإِنِ ادَّعَوْا أَنَّهَا غَيْرُ مَكَّةَ، فَلَيْسَ يُنْكَرُ ذَلِكَ مِنْ تَحْرِيفِهِمْ وَإِفْكِهِمْ.
قُلْنَا: أَلَيْسَ فِي التَّوْرَاةِ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ أَسْكَنَ (هَاجَرَ) وَ (إِسْمَاعِيلَ) فَارَانَ؟ .
وَقُلْنَا: دُلُّونَا عَلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي اسْتَعْلَنَ اللَّهُ مِنْهُ وَاسْمُهُ فَارَانَ، وَالنَّبِيِّ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْهِ كِتَابًا بَعْدَ الْمَسِيحِ أَوَلَيْسَ (اسْتَعْلَنَ) وَ (عَلَنَ)
стр. 2032
وَهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ؟ وَهُوَ مَا ظَهَرَ وَانْكَشَفَ.
فَهَلْ تَعْلَمُونَ دِينًا ظَهَرَ ظُهُورَ الْإِسْلَامِ وَفَشَا فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا فُشُوَّهُ؟ .
وَقَالَ ابْنُ ظُفَرَ: (سَاعُيرُ) جَبَلٌ بِالشَّامِ، مِنْهُ ظَهَرَتْ نُبُوَّةُ الْمَسِيحِ. قُلْتُ: وَبِجَانِبِ بَيْتِ لَحْمٍ، الْقَرْيَةِ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا الْمَسِيحُ قَرْيَةٌ تُسَمَّى إِلَى الْيَوْمِ سَاعِيرَ وَلَهَا جَبَلٌ يُسَمَّى سَاعِيرَ.
وَفِي التَّوْرَاةِ: أَنَّ نَسْلَ الْعِيصِ كَانُوا سُكَّانًا بِسَاعِيرَ، وَأَمَرَ اللَّهُ
стр. 2033
مُوسَى أَنْ لَا يُؤْذِيَهُمْ.
وَعَلَى هَذَا، فَيَكُونُ ذِكْرُ الْجِبَالِ الثَّلَاثَةِ حَقًّا، جَبَلِ حِرَاءَ الَّذِي لَيْسَ حَوْلَ مَكَّةَ جَبَلٌ أَعْلَى مِنْهُ، وَمِنْهُ كَانَ نُزُولُ أَوَّلِ الْوَحْيِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَحَوْلَهُ مِنَ الْجِبَالِ جِبَالٌ كَثِيرَةٌ، حَتَّى قَدْ قِيلَ: إِنَّ بِمَكَّةَ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ جَبَلٍ. وَذَلِكَ الْمَكَانُ يُسَمَّى فَارَانَ، إِلَى هَذَا الْيَوْمِ، وَفِيهِ كَانَ ابْتِدَاءُ نُزُولِ الْقُرْآنِ.
وَالْبَرِّيَّةُ الَّتِي بَيْنَ مَكَّةَ وَطُورِ سَيْنَا تُسَمَّى بَرِّيَّةَ فَارَانَ، وَلَا يُمْكِنُ أَحَدًا أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّهُ - بَعْدَ الْمَسِيحِ - نَزَلَ كِتَابٌ فِي شَيْءٍ مِنْ تِلْكَ الْأَرْضِ وَلَا بُعِثَ نَبِيٌّ. فَعُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِاسْتِعْلَانِهِ مِنْ جِبَالِ فَارَانَ إِلَّا إِرْسَالَ مُحَمَّدٍ ﷺ وَهُوَ - سُبْحَانَهُ - ذَكَرَ هَذَا فِي التَّوْرَاةِ عَلَى التَّرْتِيبِ الزَّمَانِيِّ. فَذَكَرَ إِنْزَالَ التَّوْرَاةِ ثُمَّ الْإِنْجِيلِ ثُمَّ الْقُرْآنِ، وَهَذِهِ الْكُتُبُ نُورُ اللَّهِ وَهُدَاهُ.
وَقَالَ فِي الْأَوَّلِ: جَاءَ، أَوْ: ظَهَرَ، وَفِي الثَّانِي: أَشْرَقَ، وَفِي الثَّالِثِ: اسْتَعْلَنَ. وَكَانَ مَجِيءُ التَّوْرَاةِ مِثْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، أَوْ مَا هُوَ أَظْهَرُ مِنْ ذَلِكَ، وَنُزُولُ الْإِنْجِيلِ مِثْلَ إِشْرَاقِ الشَّمْسِ، زَادَ بِهِ النُّورُ وَالْهُدَى.
стр. 2034
وَأَمَّا نُزُولُ الْقُرْآنِ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ ظُهُورِ الشَّمْسِ فِي السَّمَاءِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: وَاسْتَعْلَنَ مِنْ جِبَالِ فَارَانَ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ ظَهَرَ بِهِ نُورُ اللَّهِ وَهُدَاهُ فِي مَشْرِقِ الْأَرْضِ وَمَغْرِبِهَا، أَعْظَمَ مِمَّا ظَهَرَ بِالْكِتَابَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ، كَمَا يَظْهَرُ نُورُ الشَّمْسِ إِذَا اسْتَعْلَتْ فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا؛ وَلِهَذَا سَمَّاهُ اللَّهُ سِرَاجًا مُنِيرًا، وَسَمَّى الشَّمْسَ سِرَاجًا وَهَّاجًا.
وَالْخَلْقُ يَحْتَاجُونَ إِلَى السِّرَاجِ الْمُنِيرِ، أَعْظَمَ مِنْ حَاجَتِهِمْ إِلَى السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ؛ فَإِنَّ الْوَهَّاجَ يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ فِي وَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ، وَكَمَا قِيلَ: قَدْ يَنْضَرُّونَ بِهِ بَعْضَ الْأَوْقَاتِ، وَأَمَّا السِّرَاجُ الْمُنِيرُ فَيَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ كُلَّ وَقْتٍ وَفِي كُلِّ مَكَانٍ لَيْلًا وَنَهَارًا، سِرًّا وَعَلَانِيَةً.
وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «زُوِيَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَشَارِقُهَا وَمَغَارِبُهَا وَسَيَبْلُغُ مُلْكُ أُمَّتِي مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا» .
стр. 2035
وَهَذِهِ الْأَمَاكِنُ الثَّلَاثَةُ أَقْسَمَ اللَّهُ بِهَا فِي الْقُرْآنِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين: ١] .
فَأَقْسَمَ بِالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ، وَهُوَ الْأَرْضُ الْمُقَدَّسَةُ الَّذِي يَنْبُتُ فِيهَا ذَلِكَ، وَمِنْهَا بَعَثَ الْمَسِيحَ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ فِيهَا الْإِنْجِيلَ، وَأَقْسَمَ بِطُورِ سِينِينَ، وَهُوَ الْجَبَلُ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ فِيهِ مُوسَى وَنَادَاهُ مِنْ وَادِيهِ الْأَيْمَنِ مِنَ الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ، وَأَقْسَمَ بِالْبَلَدِ الْأَمِينِ، وَهِيَ مَكَّةُ وَهُوَ الْبَلَدُ الَّذِي أَسْكَنَ إِبْرَاهِيمُ ابْنَهُ إِسْمَاعِيلَ وَأَمَّهُ، وَهُوَ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ خَلْقًا وَأَمْرًا قَدَرًا وَشَرْعًا، فَإِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَهُ وَدَعَا لِأَهْلِهِ فَقَالَ:
﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم: ٣٧] .
следующие страницы →