Полный текст (2 831 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.
стр. 2031
الْمَسِيحِ، وَكَانَ الْمَسِيحُ مِنْ سَاعِيرَ - أَرْضِ الْخَلِيلِ بِقَرْيَةٍ تُدْعَى (نَاصِرَةَ) - وَبِاسْمِهَا يُسَمَّى مَنِ اتَّبَعَهُ نَصَارَى.
وَكَمَا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ إِشْرَاقُهُ مِنْ سَاعِيرَ بِالْمَسِيحِ، فَكَذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ اسْتِعْلَانُهُ مِنْ جِبَالِ فَارَانَ: إِنْزَالُهُ الْقُرْآنَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ وَجِبَالُ فَارَانَ هِيَ جِبَالُ مَكَّةَ. قَالَ: وَلَيْسَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ خِلَافٌ فِي أَنَّ فَارَانَ هِيَ مَكَّةُ، فَإِنِ ادَّعَوْا أَنَّهَا غَيْرُ مَكَّةَ، فَلَيْسَ يُنْكَرُ ذَلِكَ مِنْ تَحْرِيفِهِمْ وَإِفْكِهِمْ.
قُلْنَا: أَلَيْسَ فِي التَّوْرَاةِ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ أَسْكَنَ (هَاجَرَ) وَ (إِسْمَاعِيلَ) فَارَانَ؟ .
وَقُلْنَا: دُلُّونَا عَلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي اسْتَعْلَنَ اللَّهُ مِنْهُ وَاسْمُهُ فَارَانَ، وَالنَّبِيِّ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْهِ كِتَابًا بَعْدَ الْمَسِيحِ أَوَلَيْسَ (اسْتَعْلَنَ) وَ (عَلَنَ)
стр. 2032
وَهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ؟ وَهُوَ مَا ظَهَرَ وَانْكَشَفَ.
فَهَلْ تَعْلَمُونَ دِينًا ظَهَرَ ظُهُورَ الْإِسْلَامِ وَفَشَا فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا فُشُوَّهُ؟ .
وَقَالَ ابْنُ ظُفَرَ: (سَاعُيرُ) جَبَلٌ بِالشَّامِ، مِنْهُ ظَهَرَتْ نُبُوَّةُ الْمَسِيحِ. قُلْتُ: وَبِجَانِبِ بَيْتِ لَحْمٍ، الْقَرْيَةِ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا الْمَسِيحُ قَرْيَةٌ تُسَمَّى إِلَى الْيَوْمِ سَاعِيرَ وَلَهَا جَبَلٌ يُسَمَّى سَاعِيرَ.
وَفِي التَّوْرَاةِ: أَنَّ نَسْلَ الْعِيصِ كَانُوا سُكَّانًا بِسَاعِيرَ، وَأَمَرَ اللَّهُ
стр. 2033
مُوسَى أَنْ لَا يُؤْذِيَهُمْ.
وَعَلَى هَذَا، فَيَكُونُ ذِكْرُ الْجِبَالِ الثَّلَاثَةِ حَقًّا، جَبَلِ حِرَاءَ الَّذِي لَيْسَ حَوْلَ مَكَّةَ جَبَلٌ أَعْلَى مِنْهُ، وَمِنْهُ كَانَ نُزُولُ أَوَّلِ الْوَحْيِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَحَوْلَهُ مِنَ الْجِبَالِ جِبَالٌ كَثِيرَةٌ، حَتَّى قَدْ قِيلَ: إِنَّ بِمَكَّةَ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ جَبَلٍ. وَذَلِكَ الْمَكَانُ يُسَمَّى فَارَانَ، إِلَى هَذَا الْيَوْمِ، وَفِيهِ كَانَ ابْتِدَاءُ نُزُولِ الْقُرْآنِ.
وَالْبَرِّيَّةُ الَّتِي بَيْنَ مَكَّةَ وَطُورِ سَيْنَا تُسَمَّى بَرِّيَّةَ فَارَانَ، وَلَا يُمْكِنُ أَحَدًا أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّهُ - بَعْدَ الْمَسِيحِ - نَزَلَ كِتَابٌ فِي شَيْءٍ مِنْ تِلْكَ الْأَرْضِ وَلَا بُعِثَ نَبِيٌّ. فَعُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِاسْتِعْلَانِهِ مِنْ جِبَالِ فَارَانَ إِلَّا إِرْسَالَ مُحَمَّدٍ ﷺ وَهُوَ - سُبْحَانَهُ - ذَكَرَ هَذَا فِي التَّوْرَاةِ عَلَى التَّرْتِيبِ الزَّمَانِيِّ. فَذَكَرَ إِنْزَالَ التَّوْرَاةِ ثُمَّ الْإِنْجِيلِ ثُمَّ الْقُرْآنِ، وَهَذِهِ الْكُتُبُ نُورُ اللَّهِ وَهُدَاهُ.
وَقَالَ فِي الْأَوَّلِ: جَاءَ، أَوْ: ظَهَرَ، وَفِي الثَّانِي: أَشْرَقَ، وَفِي الثَّالِثِ: اسْتَعْلَنَ. وَكَانَ مَجِيءُ التَّوْرَاةِ مِثْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، أَوْ مَا هُوَ أَظْهَرُ مِنْ ذَلِكَ، وَنُزُولُ الْإِنْجِيلِ مِثْلَ إِشْرَاقِ الشَّمْسِ، زَادَ بِهِ النُّورُ وَالْهُدَى.
стр. 2034
وَأَمَّا نُزُولُ الْقُرْآنِ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ ظُهُورِ الشَّمْسِ فِي السَّمَاءِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: وَاسْتَعْلَنَ مِنْ جِبَالِ فَارَانَ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ ظَهَرَ بِهِ نُورُ اللَّهِ وَهُدَاهُ فِي مَشْرِقِ الْأَرْضِ وَمَغْرِبِهَا، أَعْظَمَ مِمَّا ظَهَرَ بِالْكِتَابَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ، كَمَا يَظْهَرُ نُورُ الشَّمْسِ إِذَا اسْتَعْلَتْ فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا؛ وَلِهَذَا سَمَّاهُ اللَّهُ سِرَاجًا مُنِيرًا، وَسَمَّى الشَّمْسَ سِرَاجًا وَهَّاجًا.
وَالْخَلْقُ يَحْتَاجُونَ إِلَى السِّرَاجِ الْمُنِيرِ، أَعْظَمَ مِنْ حَاجَتِهِمْ إِلَى السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ؛ فَإِنَّ الْوَهَّاجَ يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ فِي وَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ، وَكَمَا قِيلَ: قَدْ يَنْضَرُّونَ بِهِ بَعْضَ الْأَوْقَاتِ، وَأَمَّا السِّرَاجُ الْمُنِيرُ فَيَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ كُلَّ وَقْتٍ وَفِي كُلِّ مَكَانٍ لَيْلًا وَنَهَارًا، سِرًّا وَعَلَانِيَةً.
وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «زُوِيَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَشَارِقُهَا وَمَغَارِبُهَا وَسَيَبْلُغُ مُلْكُ أُمَّتِي مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا» .
стр. 2035
وَهَذِهِ الْأَمَاكِنُ الثَّلَاثَةُ أَقْسَمَ اللَّهُ بِهَا فِي الْقُرْآنِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين: ١] .
فَأَقْسَمَ بِالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ، وَهُوَ الْأَرْضُ الْمُقَدَّسَةُ الَّذِي يَنْبُتُ فِيهَا ذَلِكَ، وَمِنْهَا بَعَثَ الْمَسِيحَ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ فِيهَا الْإِنْجِيلَ، وَأَقْسَمَ بِطُورِ سِينِينَ، وَهُوَ الْجَبَلُ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ فِيهِ مُوسَى وَنَادَاهُ مِنْ وَادِيهِ الْأَيْمَنِ مِنَ الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ، وَأَقْسَمَ بِالْبَلَدِ الْأَمِينِ، وَهِيَ مَكَّةُ وَهُوَ الْبَلَدُ الَّذِي أَسْكَنَ إِبْرَاهِيمُ ابْنَهُ إِسْمَاعِيلَ وَأَمَّهُ، وَهُوَ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ خَلْقًا وَأَمْرًا قَدَرًا وَشَرْعًا، فَإِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَهُ وَدَعَا لِأَهْلِهِ فَقَالَ:
﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم: ٣٧] .
стр. 2036
وَقَالَ تَعَالَى -:
﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: ١٢٥] .
فَأَخْبَرَ اللَّهُ - تَعَالَى - أَنَّ إِبْرَاهِيمَ دَعَا اللَّهَ بِأَنْ يَجْعَلَ مَكَّةَ بَلَدًا آمِنًا، وَاسْتَجَابَ اللَّهُ دُعَاءَ إِبْرَاهِيمَ، وَذَكَرَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، وَبِهَا بَنَى إِبْرَاهِيمُ الْبَيْتَ، كَمَا قَالَ - تَعَالَى -:
﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧] .
стр. 2037
وَقَالَ - تَعَالَى -:
﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٦] .
وَقَالَ - تَعَالَى -:
﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: ١] .
وَقَالَ - تَعَالَى -:
﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [القصص: ٥٧] .
وَقَالَ - تَعَالَى -:
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٧] .
стр. 2038
فَقَوْلُهُ - تَعَالَى:
﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ [التين: ١] .
إِقْسَامٌ مِنْهُ بِالْأَمْكِنَةِ الشَّرِيفَةِ الْمُعَظَّمَةِ الثَّلَاثَةِ، الَّتِي ظَهَرَ فِيهَا نُورُهُ وَهُدَاهُ، وَأَنْزَلَ فِيهَا الثَّلَاثَةَ: التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَالْقُرْآنَ. كَمَا ذَكَرَ الثَّلَاثَةَ فِي التَّوْرَاةِ بِقَوْلِهِ: " جَاءَ اللَّهُ مِنْ طُورِ سَيْنَا وَأَشْرَقَ مِنْ سَاعِيرَ وَاسْتَعْلَنَ مِنْ جِبَالِ فَارَانَ ".
وَلَمَّا كَانَ مَا فِي التَّوْرَاةِ خَبَرًا عَنْهَا، أَخْبَرَ بِهَا عَلَى تَرْتِيبِهَا الزَّمَانِيِّ، فَقَدَّمَ الْأَسْبَقَ فَالْأَسْبَقَ. وَأَمَّا الْقُرْآنُ فَإِنَّهُ أَقْسَمَ بِهَا تَعْظِيمًا لِشَأْنِهَا، وَذَلِكَ تَعْظِيمٌ لِقُدْرَتِهِ - سُبْحَانَهُ - وَآيَاتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ. فَأَقْسَمَ بِهَا عَلَى وَجْهِ التَّدْرِيجِ دَرَجَةً بَعْدَ دَرَجَةٍ، فَخَتَمَهَا بِأَعْلَى الدَّرَجَاتِ. فَأَقْسَمَ أَوَّلًا بِالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ ثُمَّ بِطُورِ سَيْنَا ثُمَّ بِمَكَّةَ لِأَنَّ أَشْرَفَ الْكُتُبِ
стр. 2039
الثَّلَاثَةِ: الْقُرْآنُ ثُمَّ التَّوْرَاةُ ثُمَّ الْإِنْجِيلُ، وَكَذَلِكَ الْأَنْبِيَاءُ، فَأَقْسَمَ بِهَا عَلَى وَجْهِ التَّدْرِيجِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ.:.
﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا﴾ [الذاريات: ١] .
فَأَقْسَمَ بِطَبَقَاتِ الْمَخْلُوقَاتِ، طَبَقَةً بَعْدَ طَبَقَةٍ، فَأَقْسَمَ بِالرِّيَاحِ الذَّارِيَاتِ ثُمَّ بِالسَّحَابِ الْحَامِلَاتِ لِلْمَطَرِ فَإِنَّهَا فَوْقَ الرِّيَاحِ ثُمَّ بِالْجَارِيَاتِ يُسْرًا، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهَا السُّفُنُ. وَلَكِنَّ الْأَنْسَبَ أَنْ تَكُونَ هِيَ الْكَوَاكِبَ الْمَذْكُورَةَ فِي قَوْلِهِ:
﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ - الْجِوَارِ الْكُنَّسِ﴾ [التكوير: ١٥ - ١٦] .
فَسَمَّاهَا جَوَارِيَ، كَمَا سَمَّى الْفُلْكَ جَوَارِيَ فِي قَوْلِهِ:
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ﴾ [الشورى: ٣٢] .
وَالْكَوَاكِبُ فَوْقَ السَّحَابِ.
стр. 2040
ثُمَّ قَالَ:
﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا﴾ [الذاريات: ٤] .
وَهِيَ الْمَلَائِكَةُ الَّتِي هِيَ أَعَلَى دَرَجَةً مِنْ هَذَا كُلِّهِ.
وَمَا ذَكَرَ ابْنُ قُتَيْبَةَ وَغَيْرُهُ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ، مِنْ تَرْبِيَةِ إِسْمَاعِيلَ فِي بَرِّيَّةِ " فَارَانَ " فَهَكَذَا هُوَ فِي التَّوْرَاةِ قَالَ فِيهَا: (وَغَدَا إِبْرَاهِيمُ، فَأَخَذَ الْغُلَامَ وَأَخَذَ خُبْزًا وَسِقَاءً مِنْ مَاءٍ وَدَفَعَهُ إِلَى هَاجَرَ وَحَمَلَهُ عَلَيْهَا، وَقَالَ لَهَا: اذْهَبِي، فَانْطَلَقَتْ هَاجَرُ، فَضَلَّتْ فِي بَرِيَّةِ سَبْعٍ، وَنَفَدَ الْمَاءُ الَّذِي كَانَ مَعَهَا، فَطَرَحَتِ الْغُلَامَ تَحْتَ شَجَرَةٍ، وَجَلَسَتْ فِي مُقَابَلَتِهِ عَلَى مِقْدَارِ رَمْيَةٍ بِسَهْمٍ؛ لِئَلَّا تُبْصِرَ الْغُلَامَ حِينَ يَمُوتُ، وَرَفَعَتْ صَوْتَهَا بِالْبُكَاءِ، وَسَمِعَ اللَّهُ صَوْتَ الْغُلَامِ فَدَعَا مَلَكُ اللَّهِ هَاجَرَ، وَقَالَ لَهَا: مَا لَكِ يَا هَاجَرُ لَا تَخْشِي؛ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ صَوْتَ الْغُلَامِ حَيْثُ هُوَ، فَقُومِي فَاحْمِلِي الْغُلَامَ وَشُدِّي يَدَكِ بِهِ، فَإِنِّي جَاعِلُهُ لِأُمَّةٍ عَظِيمَةٍ، وَفَتَحَ اللَّهُ عَيْنَيْهَا فَبَصُرَتْ بِئْرَ مَاءٍ فَسَقَتِ الْغُلَامَ وَمَلَأَتْ سِقَاءَهَا، وَكَانَ اللَّهُ مَعَ الْغُلَامِ، فَرَبَى وَسَكَنَ فِي بَرِّيَّةِ " فَارَانَ ") .
стр. 2041
فَهَذَا خَبَرُ اللَّهِ فِي التَّوْرَاةِ: أَنَّ إِسْمَاعِيلَ رَبَى وَسَكَنَ فِي بَرِّيَّةِ فَارَانَ بَعْدَ أَنْ كَادَ يَمُوتُ مِنَ الْعَطَشِ، وَأَنَّ اللَّهَ سَقَاهُ مِنْ بِئْرِ مَاءٍ. وَقَدْ عُلِمَ بِالتَّوَاتُرِ، وَاتِّفَاقِ الْأُمَمِ أَنَّ إِسْمَاعِيلَ إِنَّمَا رَبَى بِمَكَّةَ، وَهُوَ وَأَبُوهُ إِبْرَاهِيمُ بَنَيَا الْبَيْتَ، فَعُلِمَ أَنَّ أَرْضَ مَكَّةَ، فَارَانُ.
стр. 2042
وَهَذِهِ الْبِشَارَةُ فِي التَّوْرَاةِ لِهَاجَرَ بِإِسْمَاعِيلَ، وَقَوْلُ اللَّهِ: " إِنِّي جَاعِلُهُ لِأُمَّةٍ عَظِيمَةٍ وَمُعَظَّمَةٍ جِدًّا جِدًّا، وَإِنَّ هَاجَرَ فَتَحَتْ عَيْنَيْهَا فَرَأَتْ بِئْرَ مَاءٍ فَدَنَتْ مِنْهَا " إِلَى آخِرِ الْكَلَامِ.
وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ قَالَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ: " إِنَّهُ يَجْعَلُ يَدَهُ فَوْقَ يَدَيِ الْجَمِيعِ ".
وَمَعْلُومٌ بِاتِّفَاقِ الْأُمَمِ، وَالنَّقْلِ، أَنَّ إِسْمَاعِيلَ تَرَبَّى بِأَرْضِ مَكَّةَ.،
стр. 2043
فَعُلِمَ أَنَّهَا " فَارَانُ "، وَأَنَّهُ هُوَ وَإِبْرَاهِيمُ بَنَيَا الْبَيْتَ الَّذِي مَا زَالَ مَحْجُوجًا مِنْ عَهْدِ إِبْرَاهِيمَ، تَحُجُّهُ الْعَرَبُ وَغَيْرُ الْعَرَبِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَغَيْرِهِمْ، كَمَا حَجَّ إِلَيْهِ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ وَيُونُسُ بْنُ مَتَّى، كَمَا فِي الصَّحِيحِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِوَادِي الْأَزْرَقِ، فَقَالَ: أَيُّ وَادٍ هَذَا؟ فَقَالُوا: هَذَا وَادِي الْأَزْرَقِ، فَقَالَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى مُوسَى ﷺ هَابِطًا مِنَ الثَّنِيَّةِ وَاضِعًا إِصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ، لَهُ جُؤَارٌ إِلَى اللَّهِ بِالتَّلْبِيَةِ مَارًّا بِهَذَا الْوَادِي. قَالَ: ثُمَّ سِرْنَا حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى ثَنِيَّةٍ، فَقَالَ: أَيُّ ثَنِيَّةٍ هَذِهِ؟ قَالُوا: هَرْشَى، فَقَالَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى يُونُسَ عَلَى نَاقَةٍ حَمْرَاءَ عَلَيْهِ جُبَّةٌ صُوفٌ خِطَامُ نَاقَتِهِ لِيفُ خُلْبَةٍ، مَارًّا بِهَذَا الْوَادِي مُلَبِّيًا» .
стр. 2044
وَفِي رِوَايَةٍ «أَمَّا مُوسَى فَرَجُلٌ آدَمُ، جَعْدٌ عَلَى جَمَلٍ أَحْمَرَ مَخْطُومٍ بِخُلْبَةٍ» .
وَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ أَوْجَبَ حَجَّهُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ، فَحَجَّتْ إِلَيْهِ الْأُمَمُ مِنْ مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا. وَالْبِئْرُ
стр. 2045
الَّذِي شَرِبَ مِنْهَا إِسْمَاعِيلُ وَأُمُّهُ، هِيَ بِئْرُ زَمْزَمَ، وَحَدِيثُهَا مَذْكُورٌ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَوَّلُ مَا اتَّخَذَ النِّسَاءُ الْمِنْطَقَ مِنْ قِبَلِ أُمِّ إِسْمَاعِيلَ، اتَّخَذَتْ مِنْطَقًا لِيُعَفِّيَ أَثَرَهَا عَلَى سَارَّةَ.
ثُمَّ جَاءَ بِهَا إِبْرَاهِيمُ، وَبِابْنِهَا إِسْمَاعِيلَ وَهِيَ تُرْضِعُهُ حَتَّى وَضَعَهَا عِنْدَ الْبَيْتِ، عِنْدَ دَوْحَةٍ فَوْقَ زَمْزَمَ، فِي أَعْلَى الْمَسْجِدِ وَلَيْسَ بِمَكَّةَ.
стр. 2046
يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ وَلَيْسَ بِهَا مَاءٌ، وَوَضَعَ عِنْدَهَا جِرَابًا فِيهِ تَمْرٌ وَسِقَاءً فِيهِ مَاءٌ ثُمَّ قَفَّا إِبْرَاهِيمُ مُنْطَلِقًا فَتَبِعَتْهُ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ، فَقَالَتْ: يَا إِبْرَاهِيمُ أَيْنَ تَذْهَبُ وَتَتْرُكُنَا بِهَذَا الْوَادِي لَيْسَ فِيهِ أُنْسٌ وَلَا شَيْءٌ؟ فَقَالَتْ لَهُ ذَلِكَ مِرَارًا، وَجَعَلَ لَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهَا، فَقَالَتْ لَهُ: آللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَتْ: إِذًا لَا يُضَيِّعُنَا،. ثُمَّ رَجَعَتْ فَانْطَلَقَ إِبْرَاهِيمُ حَتَّى إِذَا كَانَ عِنْدَ الثَّنِيَّةِ حَيْثُ لَا يَرَوْنَهُ اسْتَقْبَلَ بِوَجْهِهِ الْبَيْتَ ثُمَّ دَعَا بِهَذِهِ الدَّعَوَاتِ فَقَالَ:.
﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ [إبراهيم: ٣٧] حَتَّى بَلَغَ " يَشْكُرُونَ ".
وَجَعَلَتْ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ تُرْضِعُ إِسْمَاعِيلَ، وَتَشْرَبُ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ حَتَّى إِذَا نَفِدَ مَا فِي السِّقَاءِ وَعَطِشَتْ وَعَطِشَ ابْنُهَا، وَجَعَلَتْ تَنْظُرُ إِلَيْهِ يَتَلَوَّى، انْطَلَقَتْ كَرَاهِيَةَ أَنْ تَنْظُرَ إِلَيْهِ، فَوَجَدَتِ الصَّفَا أَقْرَبَ جَبَلٍ فِي الْأَرْضِ يَلِيهَا فَقَامَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ اسْتَقْبَلَتِ الْوَادِيَ تَنْظُرُ هَلْ تَرَى أَحَدًا؟ فَلَمْ تَرَ أَحَدًا فَهَبَطَتْ مِنَ الصَّفَا، حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الْوَادِيَ رَفَعَتْ طَرَفَ دِرْعِهَا
стр. 2047
ثُمَّ سَعَتْ سَعْيَ الْإِنْسَانِ الْمَجْهُودِ، حَتَّى جَاوَزَتِ الْوَادِيَ ثُمَّ أَتَتِ الْمَرْوَةَ، فَقَامَتْ عَلَيْهَا وَنَظَرَتْ هَلْ تَرَى مِنْ أَحَدٍ؟ فَلَمْ تَرَ أَحَدًا فَفَعَلَتْ ذَلِكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : فَلِذَلِكَ سَعَى النَّاسُ بَيْنَهُمَا، فَلَمَّا أَشْرَفَتِ الْمَرْوَةَ سَمِعَتْ صَوْتًا، فَقَالَتْ صَهْ - تُرِيدُ نَفْسَهَا - فَسَمِعَتْ - أَيْضًا - فَقَالَتْ: قَدْ أَسْمَعْتَ إِنْ كَانَ عِنْدَكَ غَوَاثٌ، فَإِذَا هِيَ بِالْمَلَكِ عِنْدَ مَوْضِعِ زَمْزَمَ، فَبَحَثَ بِعَقِبِهِ - أَوْ قَالَ: بِجَنَاحِهِ - حَتَّى ظَهَرَ الْمَاءُ، فَجَعَلَتْ تَحُوطُهُ وَتَقُولُ بِيَدِهَا هَكَذَا، تَغْرِفُ مِنَ الْمَاءِ فِي سِقَائِهَا، وَهُوَ يَفُورُ بَعْدَمَا تَغْرِفُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : يَرْحَمُ اللَّهُ أُمَّ
стр. 2048
إِسْمَاعِيلَ، لَوْ تَرَكَتْ زَمْزَمَ لَمْ تَغْرِفْ مِنَ الْمَاءِ لَكَانَ عَيْنًا مَعِينًا.
قَالَ: فَشَرِبَتْ وَأَرْضَعَتْ وَلَدَهَا، فَقَالَ لَهَا الْمَلَكُ: لَا تَخَافُوا الضَّيْعَةَ؛ فَإِنَّ هَاهُنَا بَيْتَ اللَّهِ، يَبْنِي هَذَا الْغُلَامُ وَأَبُوهُ، وَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضَيِّعُ أَهْلَهُ. وَكَانَ الْبَيْتُ مُرْتَفِعًا مِنَ الْأَرْضِ كَالرَّابِيَةِ، تَأْتِيهِ السُّيُولُ، فَتَأْخُذُهُ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ، وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ.
стр. 2049
وَكَانَتْ بِئْرُ زَمْزَمَ قَدْ عَمِيَتْ ثُمَّ أَحْيَاهَا عَبْدُ الْمُطَّلِبِ، جَدُّ النَّبِيِّ ﷺ وَصَارَتِ السِّقَايَةُ فِي وَلَدِهِ: فِي
стр. 2050
الْعَبَّاسِ، وَأَوْلَادِهِ يَسْقُونَ مِنْهَا، وَيَسْقُونَ - أَيْضًا - الشَّرَابَ الْحُلْوَ، وَالشُّرْبُ مِنْ ذَلِكَ سُنَّةٌ.
وَاللَّهُ - تَعَالَى - قَالَ فِي إِسْمَاعِيلَ: " إِنِّي جَاعِلُهُ لِأُمَّةٍ عَظِيمَةٍ وَمُعَظَّمَةٍ جِدًّا جِدًّا ". وَهَذَا التَّعْظِيمُ الْمُؤَكَّدُ بِ - (جِدًّا جِدًّا) يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ تَعْظِيمًا مُبَالَغًا فِيهِ. فَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ الْبَيْتَ الَّذِي بَنَاهُ لَا يَحُجُّ إِلَيْهِ أَحَدٌ، وَأَنَّ ذُرِّيَّتَهُ لَيْسَ مِنْهُمْ نَبِيٌّ، كَمَا يَقُولُهُ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ تَعْظِيمٌ مُبَالَغًا فِيهِ جِدًّا جِدًّا؛ إِذْ أَكْثَرُ مَا فِي ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ لَهُ ذُرِّيَّةٌ. وَمُجَرَّدُ كَوْنِ الرَّجُلِ لَهُ نَسْلٌ وَعَقِبٌ، لَا يُعَظَّمُ بِهِ إِلَّا إِذَا كَانَ فِي الذُّرِّيَّةِ مُؤْمِنُونَ مُطِيعُونَ لِلَّهِ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: " أَجْعَلُهُ لِأُمَّةٍ عَظِيمَةٍ " إِنْ كَانَتْ تِلْكَ الْأُمَّةُ كَافِرَةً، لَمْ تَكُنْ عَظِيمَةً، بَلْ كَانَ يَكُونُ أَبًا لِأُمَّةٍ كَافِرَةٍ، فَعُلِمَ أَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ
стр. 2051
الْعَظِيمَةَ كَانُوا مُؤْمِنِينَ، وَهَؤُلَاءِ يَحُجُّونَ الْبَيْتَ، فَعُلِمَ أَنَّ حَجَّ الْبَيْتِ مِمَّا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَيَأْمُرُ بِهِ. وَلَيْسَ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَحُجُّ إِلَيْهِ إِلَّا الْمُسْلِمُونَ، فَعُلِمَ أَنَّهُمُ الَّذِينَ فَعَلُوا مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَيَرْضَاهُ، وَأَنَّهُمْ وَسَلَفَهُمُ الَّذِينَ كَانُوا يَحُجُّونَ الْبَيْتَ أُمَّةٌ أَثْنَى اللَّهُ عَلَيْهَا وَشَرَّفَهَا، وَأَنَّ إِسْمَاعِيلَ عَظَّمَهُ اللَّهُ جِدًّا جِدًّا، بِمَا جَعَلَ فِي ذُرِّيَّتِهِ مِنَ الْإِيمَانِ وَالنُّبُوَّةِ، وَهَذَا هُوَ كَمَا امْتَنَّ اللَّهُ عَلَى نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ بِقَوْلِهِ:
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [الحديد: ٢٦] .
وَقَالَ فِي الْخَلِيلِ:
﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [العنكبوت: ٢٧] .
فَعُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّ إِسْمَاعِيلَ وَذُرِّيَّتَهُ مُعَظَّمُونَ عِنْدَ اللَّهِ مَمْدُوحُونَ، وَأَنَّ إِسْمَاعِيلَ مُعَظَّمٌ جِدًّا جِدًّا، كَمَا عَظَّمَ اللَّهُ نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ، وَإِنْ كَانَ إِبْرَاهِيمُ أَفْضَلَ مِنْ إِسْمَاعِيلَ لَكِنَّ الْمَقْصُودَ أَنَّ هَذَا التَّعْظِيمَ لَهُ وَلِذَرِّيَّتِهِ إِنَّمَا يَكُونُ إِذَا كَانَتْ ذُرِّيَّتُهُ عَلَى دِينِ حَقٍّ، وَهَؤُلَاءِ يَحُجُّونَ إِلَى هَذَا الْبَيْتِ، وَلَا يَحُجُّ إِلَيْهِ بَعْدَ مَجِيءِ مُحَمَّدٍ غَيْرُهُمْ.
стр. 2052
وَلِهَذَا لَمَّا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:
﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] .
فَقَالُوا: لَا نَحُجُّ، فَقَالَ:
﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧] .
وَ - أَيْضًا - فَهَذَا التَّعْظِيمُ الْمُبَالَغُ فِيهِ، الَّذِي صَارَ بِهِ وَلَدُ إِسْمَاعِيلَ فَوْقَ النَّاسِ، لَمْ يَظْهَرْ إِلَّا بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهَا حَقٌّ وَمُبَشَّرٌ بِهِ.
فَهَذَا نَعْتُ مُحَمَّدٍ ﷺ لَا نَعْتَ الْمَسِيحِ، فَهُوَ الَّذِي بُعِثَ بِشَرِيعَةٍ قَوِيَّةٍ، وَدَقَّ مُلُوكَ الْأَرْضِ وَأُمَمَهَا، حَتَّى امْتَلَأَتِ الْأَرْضُ مِنْهُ وَمِنْ أُمَّتِهِ مِنْ مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا، وَسُلْطَانُهُ دَائِمٌ لَمْ يَقْدِرْ أَحَدٌ أَنْ يُزِيلَهُ، كَمَا زَالَ مُلْكُ الْيَهُودِ وَزَالَ مُلْكُ النَّصَارَى عَنْ خِيَارِ الْأَرْضِ وَأَوْسَطِهَا.
وَمِثْلُ هَذَا بِشَارَةٌ أُخْرَى بِمُحَمَّدٍ ﷺ مِنْ كَلَامِ " شَمْعُونَ " بِمَا رَضُوهُ مِنْ تَرْجَمَتِهِمْ، وَهُوَ: " جَاءَ اللَّهُ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ جِبَالِ فَارَانَ، وَامْتَلَأَتِ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ مِنْ تَسْبِيحِهِ وَتَسْبِيحِ أُمَّتِهِ ".
стр. 2053
فَهَذَا تَصْرِيحٌ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ الَّذِي جَاءَ بِالنُّبُوَّةِ مِنْ جِبَالِ " فَارَانَ " وَامْتَلَأَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ مِنْ تَسْبِيحِهِ وَتَسْبِيحِ أُمَّتِهِ.
وَلَمْ يَخْرُجْ أَحَدٌ قَطُّ، وَامْتَلَأَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ مِنْ تَسْبِيحِهِ وَتَسْبِيحِ أُمَّتِهِ، مِمَّا يُسَمَّى " فَارَانَ " سِوَى مُحَمَّدٍ ﷺ وَالْمَسِيحُ لَمْ يَكُنْ فِي أَرْضِ فَارَانَ أَلْبَتَّةَ. وَمُوسَى إِنَّمَا كُلِّمَ مِنَ الطُّورِ، وَالطُّورُ لَيْسَ مِنْ أَرْضِ فَارَانَ، وَإِنْ كَانَتِ الْبَرِّيَّةُ الَّتِي بَيْنَ الطُّورِ وَأَرْضِ الْحِجَازِ مِنْ فَارَانَ، فَلَمْ يُنَزِّلِ اللَّهُ فِيهَا التَّوْرَاةَ، وَبِشَارَاتُ التَّوْرَاةِ قَدْ تَقَدَّمَتْ بِجَبَلِ الطُّورِ، وَبِشَارَةُ الْإِنْجِيلِ بِجَبَلِ (سَاعِيرَ) .
وَمِثْلُ هَذَا كَمَا نُقِلَ فِي نُبُوَّةِ (حَبْقُوقَ) أَنَّهُ قَالَ: جَاءَ اللَّهُ مِنَ التَّيَمُّنِ، وَظَهَرَ الْقُدُسُ عَلَى جِبَالِ (فَارَانَ) وَامْتَلَأَتِ الْأَرْضُ مِنْ
стр. 2054
تَحْمِيدِ (أَحْمَدَ) وَمَلَكَ بِيَمِينِهِ رِقَابَ الْأُمَمِ، وَأَنَارَتِ الْأَرْضُ لِنُورِهِ وَحَمَلَتْ خَيْلُهُ فِي الْبَحْرِ.
وَمِنْ ذَلِكَ مَا فِي التَّوْرَاةِ الَّتِي بِأَيْدِيهِمْ، فِي السِّفْرِ الْأَوَّلِ مِنْهَا، وَهِيَ خَمْسَةُ أَسْفَارٍ فِي الْفَصْلِ التَّاسِعِ فِي قِصَّةِ هَاجَرَ، لَمَّا فَارَقَتْ سَارَّةَ وَخَاطَبَهَا الْمَلَكُ فَقَالَ: " يَا هَاجَرُ مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتِ؟ وَإِلَى أَيْنَ تُرِيدِينَ؟ " فَلَمَّا شَرَحَتْ لَهُ الْحَالَ قَالَ: ارْجِعِي فَإِنِّي سَأُكْثِرُ ذُرِّيَّتَكِ وَزَرْعَكِ حَتَّى لَا يُحْصَوْنَ وَهَا أَنْتِ تَحْبَلِينَ وَتَلِدِينَ ابْنًا نُسَمِّيهِ إِسْمَاعِيلَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ تَذَلُّلَكِ وَخُضُوعَكِ، وَوَلَدُكِ يَكُونُ وَحْشِيَّ النَّاسِ، وَيَكُونُ يَدُهُ فَوْقَ الْجَمِيعِ، وَيَدُ الْكُلِّ بِهِ، وَيَكُونُ عَلَى تُخُومِ جَمِيعِ إِخْوَتِهِ.
стр. 2055
قَالَ: الْمُسْتَخْرِجُونَ لِهَذِهِ الْبِشَارَةِ: مَعْلُومٌ أَنَّ يَدَ بَنِي إِسْمَاعِيلَ قَبْلَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ ﷺ لَمْ تَكُنْ فَوْقَ أَيْدِي بَنِي إِسْحَاقَ، بَلْ كَانَ فِي بَنِي إِسْحَاقَ النُّبُوَّةُ وَالْكِتَابُ، وَقَدْ دَخَلُوا مِصْرَ زَمَنَ يُوسُفَ مَعَ يَعْقُوبَ، فَلَمْ يَكُنْ لِبَنِي إِسْمَاعِيلَ فَوْقَهُمْ يَدٌ ثُمَّ خَرَجُوا مِنْهَا لَمَّا بُعِثَ مُوسَى، وَكَانُوا مَعَ مُوسَى أَعَزَّ أَهْلِ الْأَرْضِ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ عَلَيْهِمْ يَدٌ ثُمَّ مَعَ (يُوشَعَ) بَعْدَهُ إِلَى زَمَنِ دَاوُدَ، وَمَلَكَ سُلَيْمَانُ الَّذِي لَمْ يُؤْتَ أَحَدٌ مِثْلَهُ وَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ (بُخَتُنَصَّرَ) فَلَمْ يَكُنْ لِبَنِي إِسْمَاعِيلَ عَلَيْهِمْ يَدٌ ثُمَّ بُعِثَ الْمَسِيحُ وَخُرِّبَ بَيْتُ الْمَقْدِسِ الْخَرَابَ الثَّانِيَ، حَيْثُ أَفْسَدُوا فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ، وَمِنْ حِينِئِذٍ زَالَ مُلْكُهُمْ وَقَطَّعَهُمُ اللَّهُ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا، وَكَانُوا تَحْتَ حُكْمِ الرُّومِ وَالْفُرْسِ، لَمْ يَكُنْ لِلْعَرَبِ عَلَيْهِمْ حُكْمٌ أَكْثَرُ مِنْ غَيْرِهِمْ، فَلَمْ يَكُنْ لِوَلَدِ إِسْمَاعِيلَ سُلْطَانٌ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الْأُمَمِ - لَا أَهْلِ الْكِتَابِ، وَلَا الْأُمِّيِّينَ - فَلَمْ يَكُنْ يَدُ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ فَوْقَ الْجَمِيعِ، حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا؛ الَّذِي دَعَا بِهِ إِبْرَاهِيمُ وَإِسْمَاعِيلُ حَيْثُ قَالَا:
﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٩] .
стр. 2056
فَلَمَّا بُعِثَ، صَارَ يَدُ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ فَوْقَ الْجَمِيعِ، فَلَمْ يَكُنْ فِي الْأَرْضِ سُلْطَانٌ أَعَزُّ مِنْ سُلْطَانِهِمْ، وَقَهَرُوا فَارِسَ وَالرُّومَ وَغَيْرَهُمْ مِنَ الْأُمَمِ، وَقَهَرُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالْمُشْرِكِينَ وَالصَّابِئِينَ. فَظَهَرَ بِذَلِكَ تَحْقِيقُ قَوْلِهِ فِي التَّوْرَاةِ " وَتَكُونُ يَدُهُ فَوْقَ الْجَمِيعِ وَيَدُ الْكُلِّ بِهِ " وَهَذَا أَمْرٌ مُسْتَمِرٌّ إِلَى آخِرِ الدَّهْرِ.
فَإِنْ قِيلَ: هَذِهِ بِشَارَةٌ بِمُلْكِهِ وَظُهُورِهِ؟ قِيلَ: الْمُلْكُ مُلْكَانِ؛ مُلْكٌ لَيْسَ فِيهِ دَعْوَى نُبُوَّةٍ، وَهَذَا لَمْ يَكُنْ لِبَنِي إِسْمَاعِيلَ عَلَى الْجَمِيعِ، وَمُلْكٌ صَدَرَ عَنْ دَعْوَى نُبُوَّةٍ، فَإِنْ كَانَ مُدَّعِي النُّبُوَّةِ كَاذِبًا:
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ﴾ [الأنعام: ٩٣] .
وَهَذَا مِنْ شَرِّ النَّاسِ وَأَكْذَبِهِمْ وَأَظْلَمِهِمْ وَأَفْجَرِهِمْ، وَمُلْكُهُ شَرٌّ مِنْ مُلْكِ الظَّالِمِ الَّذِي لَمْ يَدَّعِ نُبُوَّةً كَ - (بُخَتُنَصَّرَ) وَ (سَنْجَارِيبَ) .
وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْإِخْبَارَ بِهَذِهِ لَا يَكُونُ بِشَارَةً، وَلَا تَفْرَحُ سَارَّةُ وَإِبْرَاهِيمُ بِهَذَا، كَمَا لَوْ قِيلَ: يَكُونُ جَبَّارًا طَاغِيًا يَقْهَرُ النَّاسَ عَلَى طَاعَتِهِ، وَيَقْتُلُهُمْ وَيَسْبِي حَرِيمَهُمْ، وَيَأْخُذُ أَمْوَالَهُمْ بِالْبَاطِلِ، " فَإِنَّ الْإِخْبَارَ بِهَذَا لَا يَكُونُ بِشَارَةً وَلَا يُسَرُّ الْمُخْبَرُ بِذَلِكَ، وَإِنَّمَا يَكُونُ بِشَارَةً تَسُرُّهُ، إِذَا كَانَ ذَلِكَ يَعْدِلُ، وَكَانَ عُلُوُّهُ مَحْمُودًا لَا إِثْمَ فِيهِ، وَذَلِكَ فِي مُدَّعِي النُّبُوَّةِ لَا يَكُونُ إِلَّا وَهُوَ صَادِقٌ لَا كَاذِبٌ ".
стр. 2057
[فَصْلٌ: بِشَارَةٌ مِنَ الزَّبُورِ وَتَفْسِيرُهَا]
فَصْلٌ
وَقَالَ: دَاوُدُ فِي الزَّبُورِ فِي قَوْلِهِ: " سَبِّحُوا اللَّهَ تَسْبِيحًا جَدِيدًا، وَلْيَفْرَحْ بِالْخَالِقِ مَنِ اصْطَفَى اللَّهُ لَهُ أُمَّتَهُ وَأَعْطَاهُ النَّصْرَ، وَسَدَّدَ الصَّالِحِينَ مِنْهُمْ بِالْكَرَامَةِ، يُسَبِّحُونَهُ عَلَى مَضَاجِعِهِمْ وَيُكَبِّرُونَ اللَّهَ بِأَصْوَاتٍ مُرْتَفِعَةٍ، بِأَيْدِيهِمْ سُيُوفٌ ذَاتُ شَفْرَتَيْنِ؛ لِيَنْتَقِمَ بِهِمْ مِنَ الْأُمَمِ الَّذِينَ لَا يَعْبُدُونَهُ ".
وَهَذِهِ الصِّفَاتُ إِنَّمَا تَنْطَبِقُ عَلَى صِفَاتِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَأُمَّتِهِ، فَهُمُ الَّذِينَ يُكَبِّرُونَ اللَّهَ بِأَصْوَاتٍ مُرْتَفِعَةٍ فِي أَذَانِهِمْ
стр. 2058
لِلصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَعَلَى الْأَمَاكِنِ الْعَالِيَةِ، كَمَا قَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: ( «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذَا عَلَوْنَا كَبَّرْنَا، وَإِذَا هَبَطْنَا سَبَّحْنَا، فَوُضِعَتِ الصَّلَاةُ عَلَى ذَلِكَ» ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَفَلَ مِنَ الْجُيُوشِ أَوِ السَّرَايَا أَوِ الْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ إِذَا أَوْفَى عَلَى ثَنِيَّةٍ أَوْ فَدْفَدٍ، كَبَّرَ ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ سَاجِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ، صَدَقَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ» .
стр. 2059
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: ( «صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ مَعَهُ بِالْمَدِينَةِ، الظُّهْرَ أَرْبَعًا، وَالْعَصْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ بَاتَ بِهَا حَتَّى أَصْبَحَ ثُمَّ رَكِبَ حَتَّى اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ عَلَى الْبَيْدَاءِ، حَمِدَ اللَّهَ وَسَبَّحَ وَكَبَّرَ ثُمَّ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ وَحَجٍّ» ) وَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: «أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُسَافِرَ فَأَوْصِنِي. قَالَ: عَلَيْكَ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالتَّكْبِيرِ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ، فَلَمَّا أَنْ وَلَّى الرَّجُلُ قَالَ: اللَّهُمَّ اطْوِ لَهُ الْبُعْدَ، وَهَوِّنْ عَلَيْهِ السَّفَرَ» رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ.
стр. 2060
وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ مِنْهُ: «أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالتَّكْبِيرِ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ» وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ وَجُيُوشُهُ إِذَا عَلَوْا شَرَفًا كَبَّرُوا، وَإِذَا هَبَطُوا سَبَّحُوا» .
وَهُمْ يُكَبِّرُونَ اللَّهَ بِأَصْوَاتٍ عَالِيَةٍ مُرْتَفِعَةٍ فِي أَعْيَادِهِمْ: عِيدِ الْفِطْرِ وَعِيدِ النَّحْرِ، فِي الصَّلَاةِ وَالْخُطْبَةِ، وَفِي ذَهَابِهِمْ إِلَى الصَّلَاةِ وَفِي
стр. 2061
أَيَّامِ (مِنًى) الْحُجَّاجُ، وَسَائِرُ أَهْلِ الْأَمْصَارِ يُكَبِّرُونَ عَقِيبَ الصَّلَوَاتِ فَإِمَامُ الصَّلَاةِ يُسَنُّ لَهُ الْجَهْرُ بِالتَّكْبِيرِ.
وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: أَنَّهُ كَانَ يُكَبِّرُ بِمِنًى، فَيَسْمَعُهُ أَهْلُ الْمَسْجِدِ فَيُكَبِّرُونَ بِتَكْبِيرِهِ، فَيَسْمَعُهُمْ أَهْلُ الْأَسْوَاقِ فَيُكَبِّرُونَ، حَتَّى تَرْتَجَّ مِنًى تَكْبِيرًا.
وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ يَخْرُجَانِ إِلَى السُّوقِ أَيَّامَ الْعَشْرِ، فَيُكَبِّرَانِ وَيُكَبِّرُ النَّاسُ بِتَكْبِيرِهِمَا، وَيُكَبِّرُونَ عَلَى قَرَابِينِهِمْ وَهَدْيِهِمْ وَضَحَايَاهُمْ، كَمَا كَانَ «نَبِيُّهُمْ يَقُولُ عِنْدَ الذَّبْحِ: بِسْمِ اللَّهِ وَاللَّهُ
стр. 2062
أَكْبَرُ» وَيُكَبِّرُونَ إِذَا رَمَوُا الْجِمَارَ، وَيُكَبِّرُونَ عَلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَيُكَبِّرُونَ فِي الطَّوَافِ عِنْدَ مُحَاذَاةِ الرُّكْنِ، وَكُلُّ هَذَا يَجْهَرُونَ فِيهِ بِالتَّكْبِيرِ غَيْرَ مَا يُسِرُّونَهُ.
قَالَ - تَعَالَى - لَمَّا ذَكَرَ صَوْمَ رَمَضَانَ الَّذِي يُقِيمُونَ لَهُ عِيدَ الْفِطْرِ، قَالَ - تَعَالَى -:
﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ١٨٥] .
وَلَمَّا ذَكَرَ الْهَدْيَ الَّذِي يُقَرَّبُ فِي عِيدِ النَّحْرِ، وَهُوَ يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ قَالَ:
стр. 2063
﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الحج: ٣٦] .
وَالنَّصَارَى يُسَمُّونَ عِيدَ الْمُسْلِمِينَ عِيدَ " اللَّهُ أَكْبَرُ " لِظُهُورِ التَّكْبِيرِ فِيهِ، وَلَيْسَ هَذَا لِأَحَدٍ مِنَ الْأُمَمِ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَلَا غَيْرِهِمْ - غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ - وَإِنَّمَا كَانَ مُوسَى يَجْمَعُ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِالْبُوقِ، وَالنَّصَارَى لَهُمُ النَّاقُوسُ.
стр. 2064
وَأَمَّا تَكْبِيرُ اللَّهِ بِأَصْوَاتٍ مُرْتَفِعَةٍ، فَإِنَّمَا هُوَ شَعَائِرُ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّ الْأَذَانَ شِعَارُ الْمُسْلِمِينَ، وَبِهَذَا يَظْهَرُ تَقْصِيرُ مَنْ فَسَّرَ ذَلِكَ بِتَلْبِيَةِ الْحُجَّاجِ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : " «أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَرَادَ الْإِغَارَةَ إِنْ سَمِعَ أَذَانًا أَوْ رَأَى مَسْجِدًا وَإِلَّا أَغَارَ» ".
وَفِي لَفْظِ مُسْلِمٍ: " «كَانَ يُغِيرُ إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ، وَكَانَ يَسْتَمِعُ الْأَذَانَ، فَإِنْ سَمِعَ أَذَانًا أَمْسَكَ وَإِلَّا أَغَارَ ".
فَسَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْفِطْرَةِ. ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَقَالَ: خَرَجْتَ مِنَ النَّارِ» .
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: " بِأَيْدِيهِمْ سُيُوفٌ ذَاتُ شَفْرَتَيْنِ " وَهِيَ السُّيُوفُ الْعَرَبِيَّةُ الَّتِي بِهَا فَتَحَ الصَّحَابَةُ وَأَتْبَاعُهُمُ الْبِلَادَ، وَقَوْلُهُ: " يُسَبِّحُونَهُ عَلَى مَضَاجِعِهِمْ. بَيَانٌ لِنَعْتِ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى
стр. 2065
جُنُوبِهِمْ، وَيُصَلِّي أَحَدُهُمْ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ، فَلَا يَتْرُكُونَ ذِكْرَ اللَّهِ فِي حَالٍ، بَلْ يَذْكُرُونَهُ حَتَّى فِي هَذِهِ الْحَالِ، وَيُصَلُّونَ فِي الْبُيُوتِ عَلَى الْمَضَاجِعِ. بِخِلَافِ أَهْلِ الْكِتَابِ.
وَالصَّلَاةُ أَعْظَمُ التَّسْبِيحِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٧] .
وَقَوْلُهُ:
﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه: ١٣٠] .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: «كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذْ نَظَرَ الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، فَقَالَ: إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ، لَا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ
стр. 2066
اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَصَلَاةٍ قَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا. ثُمَّ قَرَأَ قَوْلَهُ تَعَالَى:
﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾ [طه: ١٣٠] » .
وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ دَاوُدَ: سَبَّحُوا اللَّهَ تَسْبِيحًا جَدِيدًا، وَالتَّسَابِيحُ الَّتِي شَرَعَهَا اللَّهُ جَدِيدًا: كَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ الَّتِي شَرَعَهَا لِلْمُسْلِمِينَ جَدِيدًا. وَلَمَّا أَقَامَهَا جِبْرِيلُ لِلنَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " هَذَا وَقْتُكَ وَوَقْتُ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَكَ ".
فَكَانَ الْأَنْبِيَاءُ يُسَبِّحُونَ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ كَمَا يَدُلُّ التَّسْبِيحُ الْمُقَدَّمُ، وَالتَّسْبِيحُ الْجَدِيدُ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ سَائِرُ الْكَلَامِ. وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِلنَّصَارَى؛ لِأَنَّهُمْ لَا يُكَبِّرُونَ اللَّهَ بِأَصْوَاتٍ مُرْتَفِعَةٍ، وَلَا بِأَيْدِيهِمْ سُيُوفٌ ذَاتُ شَفْرَتَيْنِ لِيَنْتَقِمَ اللَّهُ بِهِمْ مِنَ الْأُمَمِ، بَلْ أَخْبَارُهُمْ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا مَغْلُوبِينَ مَعَ الْأُمَمِ، لَمْ يَكُونُوا يُجَاهِدُونَهُمْ بِالسَّيْفِ، بَلِ
стр. 2067
النَّصَارَى قَدْ تَعِيبُ مَنْ يُقَاتِلُ الْكُفَّارَ بِالسَّيْفِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُ هَذَا مِنْ مَعَايِبِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَأُمَّتِهِ، وَيُغْفِلُونَ مَا عِنْدَهُمْ مِنْ أَنَّ اللَّهَ أَمَرَ مُوسَى بِقِتَالِ الْكُفَّارِ، فَقَاتَلَهُمْ بَنُو إِسْرَائِيلَ بِأَمْرِهِ، وَقَاتَلَهُمْ يُوشَعُ وَدَاوُدُ، وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَإِبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ قَاتَلَ لِدَفْعِ الظُّلْمِ عَنْ أَصْحَابِهِ.
стр. 2068
[فَصْلٌ: بِشَارَةٌ أُخْرَى مِنَ الزَّبُورِ]
فَصْلٌ
وَقَالَ دَاوُدُ فِي مَزَامِيرِهِ - وَهِيَ الزَّبُورُ -: مِنْ أَجْلِ هَذَا بَارَكَ اللَّهُ عَلَيْهِ إِلَى الْأَبَدِ، فَتَقَلَّدْ - أَيُّهَا الْجَبَّارُ - بِالسَّيْفِ؛ لِأَنَّ الْبَهَاءَ لِوَجْهِكَ، وَالْحَمْدَ الْغَالِبَ عَلَيْكَ. ارْكَبْ كَلِمَةَ الْحَقِّ وَسِمَةَ التَّأَلُّهِ، فَإِنَّ نَامُوسَكَ وَشَرَائِعَكَ مَقْرُونَةٌ بِهَيْبَةِ يَمِينِكَ، وَسِهَامَكَ مَسْنُونَةٌ، وَالْأُمَمُ يَخِرُّونَ تَحْتَكَ.
قَالُوا: فَلَيْسَ مُتَقَلِّدُ السَّيْفِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ بَعْدَ دَاوُدَ سِوَى مُحَمَّدٍ ﷺ وَهُوَ الَّذِي خَرَّتِ الْأُمَمُ تَحْتَهُ، وَقُرِنَتْ شَرَائِعُهُ بِالْهَيْبَةِ، كَمَا قَالَ ﷺ : " «نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ
стр. 2069
شَهْرٍ» ". وَقَدْ أَخْبَرَ دَاوُدُ أَنَّهُ لَهُ نَامُوسًا وَشَرَائِعَ، وَخَاطَبَهُ بِلَفْظِ الْجَبَّارِ، إِشَارَةً إِلَى قُوَّتِهِ وَقَهْرِهِ لِأَعْدَاءِ اللَّهِ، بِخِلَافِ الْمُسْتَضْعَفِ الْمَقْهُورِ.
وَهُوَ ﷺ نَبِيُّ الرَّحْمَةِ، وَنَبِيُّ الْمَلْحَمَةِ. وَأُمَّتُهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ، أَذِلَّةٌ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ. بِخِلَافِ مَنْ كَانَ ذَلِيلًا لِلطَّائِفَتَيْنِ مِنَ النَّصَارَى الْمَقْهُورِينَ مَعَ الْكُفَّارِ، أَوْ كَانَ عَزِيزًا عَلَى الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الْيَهُودِ، بَلْ كَانَ مُسْتَكْبِرًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ كَذَّبُوا فَرِيقًا وَقَتَلُوا فَرِيقًا.
стр. 2070
[فَصْلٌ: بِشَارَةٌ ثَالِثَةٌ مِنْ دَاوُدَ ﵇]
فَصْلٌ
قَالُوا: وَقَالَ: دَاوُدُ فِي مَزْمُورٍ لَهُ: " إِنَّ رَبَّنَا عَظِيمٌ مَحْمُودٌ جِدًّا " وَفِي تَرْجَمَتِهِ: " إِلَهُنَا قُدُّوسٌ، وَمُحَمَّدٌ قَدْ عَمَّ الْأَرْضَ كُلَّهَا فَرَحًا ". قَالُوا: فَقَدْ نَصَّ دَاوُدُ عَلَى اسْمِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَبَلَدِهِ، وَسَمَّاهَا قَرْيَةَ اللَّهِ، وَأَخْبَرَ أَنَّ كَلِمَتَهُ تَعُمُّ الْأَرْضَ كُلَّهَا.
قُلْتُ: قَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ لَمَّا قِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَرُوِيَ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ " أَخْبِرْنَا بِبَعْضِ صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ
следующие страницы →