← Акыда

Акыда · id 170

الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لابن تيمية

ابن تيمية

Полный текст (2 831 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.

стр. 2066

اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَصَلَاةٍ قَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا. ثُمَّ قَرَأَ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾ [طه: ١٣٠] » . وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ دَاوُدَ: سَبَّحُوا اللَّهَ تَسْبِيحًا جَدِيدًا، وَالتَّسَابِيحُ الَّتِي شَرَعَهَا اللَّهُ جَدِيدًا: كَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ الَّتِي شَرَعَهَا لِلْمُسْلِمِينَ جَدِيدًا. وَلَمَّا أَقَامَهَا جِبْرِيلُ لِلنَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " هَذَا وَقْتُكَ وَوَقْتُ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَكَ ". فَكَانَ الْأَنْبِيَاءُ يُسَبِّحُونَ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ كَمَا يَدُلُّ التَّسْبِيحُ الْمُقَدَّمُ، وَالتَّسْبِيحُ الْجَدِيدُ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ سَائِرُ الْكَلَامِ. وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِلنَّصَارَى؛ لِأَنَّهُمْ لَا يُكَبِّرُونَ اللَّهَ بِأَصْوَاتٍ مُرْتَفِعَةٍ، وَلَا بِأَيْدِيهِمْ سُيُوفٌ ذَاتُ شَفْرَتَيْنِ لِيَنْتَقِمَ اللَّهُ بِهِمْ مِنَ الْأُمَمِ، بَلْ أَخْبَارُهُمْ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا مَغْلُوبِينَ مَعَ الْأُمَمِ، لَمْ يَكُونُوا يُجَاهِدُونَهُمْ بِالسَّيْفِ، بَلِ

стр. 2067

النَّصَارَى قَدْ تَعِيبُ مَنْ يُقَاتِلُ الْكُفَّارَ بِالسَّيْفِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُ هَذَا مِنْ مَعَايِبِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَأُمَّتِهِ، وَيُغْفِلُونَ مَا عِنْدَهُمْ مِنْ أَنَّ اللَّهَ أَمَرَ مُوسَى بِقِتَالِ الْكُفَّارِ، فَقَاتَلَهُمْ بَنُو إِسْرَائِيلَ بِأَمْرِهِ، وَقَاتَلَهُمْ يُوشَعُ وَدَاوُدُ، وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَإِبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ قَاتَلَ لِدَفْعِ الظُّلْمِ عَنْ أَصْحَابِهِ.

стр. 2068

[فَصْلٌ: بِشَارَةٌ أُخْرَى مِنَ الزَّبُورِ] فَصْلٌ وَقَالَ دَاوُدُ فِي مَزَامِيرِهِ - وَهِيَ الزَّبُورُ -: مِنْ أَجْلِ هَذَا بَارَكَ اللَّهُ عَلَيْهِ إِلَى الْأَبَدِ، فَتَقَلَّدْ - أَيُّهَا الْجَبَّارُ - بِالسَّيْفِ؛ لِأَنَّ الْبَهَاءَ لِوَجْهِكَ، وَالْحَمْدَ الْغَالِبَ عَلَيْكَ. ارْكَبْ كَلِمَةَ الْحَقِّ وَسِمَةَ التَّأَلُّهِ، فَإِنَّ نَامُوسَكَ وَشَرَائِعَكَ مَقْرُونَةٌ بِهَيْبَةِ يَمِينِكَ، وَسِهَامَكَ مَسْنُونَةٌ، وَالْأُمَمُ يَخِرُّونَ تَحْتَكَ. قَالُوا: فَلَيْسَ مُتَقَلِّدُ السَّيْفِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ بَعْدَ دَاوُدَ سِوَى مُحَمَّدٍ ﷺ وَهُوَ الَّذِي خَرَّتِ الْأُمَمُ تَحْتَهُ، وَقُرِنَتْ شَرَائِعُهُ بِالْهَيْبَةِ، كَمَا قَالَ ﷺ : " «نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ

стр. 2069

شَهْرٍ» ". وَقَدْ أَخْبَرَ دَاوُدُ أَنَّهُ لَهُ نَامُوسًا وَشَرَائِعَ، وَخَاطَبَهُ بِلَفْظِ الْجَبَّارِ، إِشَارَةً إِلَى قُوَّتِهِ وَقَهْرِهِ لِأَعْدَاءِ اللَّهِ، بِخِلَافِ الْمُسْتَضْعَفِ الْمَقْهُورِ. وَهُوَ ﷺ نَبِيُّ الرَّحْمَةِ، وَنَبِيُّ الْمَلْحَمَةِ. وَأُمَّتُهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ، أَذِلَّةٌ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ. بِخِلَافِ مَنْ كَانَ ذَلِيلًا لِلطَّائِفَتَيْنِ مِنَ النَّصَارَى الْمَقْهُورِينَ مَعَ الْكُفَّارِ، أَوْ كَانَ عَزِيزًا عَلَى الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الْيَهُودِ، بَلْ كَانَ مُسْتَكْبِرًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ كَذَّبُوا فَرِيقًا وَقَتَلُوا فَرِيقًا.

стр. 2070

[فَصْلٌ: بِشَارَةٌ ثَالِثَةٌ مِنْ دَاوُدَ ﵇] فَصْلٌ قَالُوا: وَقَالَ: دَاوُدُ فِي مَزْمُورٍ لَهُ: " إِنَّ رَبَّنَا عَظِيمٌ مَحْمُودٌ جِدًّا " وَفِي تَرْجَمَتِهِ: " إِلَهُنَا قُدُّوسٌ، وَمُحَمَّدٌ قَدْ عَمَّ الْأَرْضَ كُلَّهَا فَرَحًا ". قَالُوا: فَقَدْ نَصَّ دَاوُدُ عَلَى اسْمِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَبَلَدِهِ، وَسَمَّاهَا قَرْيَةَ اللَّهِ، وَأَخْبَرَ أَنَّ كَلِمَتَهُ تَعُمُّ الْأَرْضَ كُلَّهَا. قُلْتُ: قَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ لَمَّا قِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَرُوِيَ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ " أَخْبِرْنَا بِبَعْضِ صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ

стр. 2071

- ﷺ فِي التَّوْرَاةِ "، فَقَالَ: " إِنَّهُ لَمَوْصُوفٌ فِي التَّوْرَاةِ بِبَعْضِ صِفَتِهِ فِي الْقُرْآنِ "، وَذِكْرُ صِفَتِهِ مَوْجُودَةٌ فِي نُبُوَّةِ أَشْعِيَاءَ، وَلَيْسَتْ مَوْجُودَةً فِي نَفْسِ كِتَابِ مُوسَى. وَتَقَدَّمَ أَنَّ لَفْظَ التَّوْرَاةِ يَقْصِدُونَ بِهِ جِنْسَ الْكُتُبِ الَّتِي عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ لَا يَخُصُّونَ بِذَلِكَ كِتَابَ مُوسَى. وَإِذَا كَانَ هَذَا مَعْرُوفًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، يُرَادُ بِالتَّوْرَاةِ جِنْسُ الْكُتُبِ الَّتِي عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ، يَتَنَاوَلُ ذَلِكَ كِتَابَ مُوسَى وَزَبُورَ دَاوُدَ وَصُحُفَ سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ - سِوَى الْإِنْجِيلِ - فَإِنَّهُ لَيْسَ عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَإِنَّمَا هُوَ عِنْدَ النَّصَارَى خَاصَّةً. وَأَمَّا سَائِرُ كُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ، فَالْأُمَّتَانِ تُقِرُّ بِهَا وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ

стр. 2072

كَثِيرًا مَا يَقْرِنُ فِي الْقُرْآنِ بَيْنَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَبَيْنَ الْقُرْآنِ، وَإِنَّمَا يَذْكُرُ الزَّبُورَ مُفْرَدًا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الم اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ [آل عمران: ١] . وَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ﴾ [التوبة: ١١١] . وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧] . وَأَهْلُ الْكِتَابِ يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا فِي الْكُتُبِ الَّتِي بِأَيْدِيهِمْ، وَهُوَ فِي كَثِيرٍ مِنْهَا أَصْرَحُ مِمَّا هُوَ فِي كِتَابِ مُوسَى خَاصَّةً. فَإِذَا أُرِيدَ بِالتَّوْرَاةِ جِنْسُ الْكُتُبِ فَلَا يَسْتَرِيبُ عَاقِلٌ فِي كَثْرَةِ ذِكْرِهِ وَنَعْتِهِ وَنَعْتِ أُمَّتِهِ فِي تِلْكَ الْكُتُبِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ اللَّهَ أَرَادَ بِذَلِكَ الِاسْتِشْهَادَ

стр. 2073

بِوُجُودِهِ فِي تِلْكَ الْكُتُبِ، وَإِقَامَةَ الْحُجَّةِ بِذِكْرِهِ فِيهَا. فَإِذَا كَانَ ذِكْرُهُ فِي غَيْرِ كِتَابِ مُوسَى أَكْبَرَ وَأَظْهَرَ عِنْدَهُمْ، كَانَ الِاسْتِدْلَالُ بِذَلِكَ أَوْلَى مِنْ تَخْصِيصِ الِاسْتِدْلَالِ بِكِتَابِ مُوسَى. فَإِذَا حُمِلَ لَفْظُ التَّوْرَاةِ فِي هَذَا عَلَى جِنْسِ الْكُتُبِ، كَمَا هُوَ مَوْجُودٌ فِي لُغَةِ مَنْ تَكَلَّمَ بِذَلِكَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، كَانَ هَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَالْمَدْحِ لِلْقُرْآنِ وَالْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَتَصْدِيقِ بَعْضِهَا بَعْضًا. وَقَدْ أُمِرْنَا أَنْ نُؤْمِنَ بِمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مُطْلَقًا، كَمَا قَالَ - تَعَالَى -: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٦] . وَقَالَ: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: ١٧٧] . وَالزَّبُورُ ذَكَرَهُ مُفْرَدًا فِي مَوْضِعَيْنِ مِنَ الْقُرْآنِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٦٣] .

стр. 2074

وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا﴾ [الإسراء: ٥٥] . فَذَكَرَهُ مُفْرَدًا. وَذَكَرَ كِتَابَ مُوسَى بِهَذِهِ الْإِضَافَةِ، لَا بِلَفْظِ التَّوْرَاةِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ فَقَالَ: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [هود: ١٧] . وَقَالَ: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأحقاف: ١٠] .

стр. 2075

إِلَى قَوْلِهِ.. ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ﴾ [الأحقاف: ١٢] . وَقَوْلُهُ - تَعَالَى -. ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ﴾ [الأنعام: ٩١] . وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ [الأنعام: ١٥٤] . وَإِذَا كَانَ لَفْظُ التَّوْرَاةِ يَتَنَاوَلُ الْكُتُبَ الَّذِي عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ جَمِيعًا، وَالزَّبُورُ وَغَيْرُهُ دَاخِلٌ فِي هَذَا الِاسْمِ، وَكَانَ ظُهُورُ اسْمِهِ وَنَعْتِهِ فِي التَّوْرَاةِ، وَوُجُودُ ذَلِكَ فِيمَا عِنْدَهُمْ، وَتَكَرُّرُهُ فِي غَايَةِ الْقُوَّةِ، وَكَانَ مَعْرِفَتُهُمْ لِذَلِكَ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَاضِحًا بَيِّنًا، إِنْ قُدِّرَ هَذِهِ الْكُتُبُ الَّتِي يَعْتَرِفُ بِهَا عَامَّتُهُمْ، لَمْ يُكْتَمْ مِنْهَا شَيْءٌ، بَلْ هِيَ بَاقِيَةٌ كَمَا كَانَتْ.

стр. 2076

[فَصْلٌ: بِشَارَةٌ رَابِعَةٌ مِنْ دَاوُدَ ﵇] وَقَالُوا: قَالَ دَاوُدُ فِي مَزْمُورِهِ: " لِتَرْتَاحَ الْبَوَادِي وَقُرَاهَا، وَلِتَصِرَّ أَرْضُ (قَيْذَارَ) مُرُوجًا، وَلِيُسَبِّحَ سُكَّانُ الْكُهُوفِ وَيَهْتِفُوا مِنْ قُلَلِ الْجِبَالِ بِحَمْدِ الرَّبِّ، وَيُذِيعُوا تَسَابِيحَهُ فِي الْجَزَائِرِ ". فَلِمَنِ الْبَوَادِي مِنَ الْأُمَمِ سِوَى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ؟ وَمَنْ (قَيْذَارُ) سِوَى ابْنِ إِسْمَاعِيلَ جَدِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ وَمَنْ سُكَّانُ الْكُهُوفِ وَتِلْكَ الْجِبَالِ سِوَى الْعَرَبِ؟

стр. 2077

[فَصْلٌ: بِشَارَةٌ خَامِسَةٌ مِنْ دَاوُدَ ﵇] قَالَ دَاوُدُ فِي مَزْمُورٍ لَهُ: " وَيَحُوزُ مِنَ الْبَحْرِ إِلَى الْبَحْرِ وَمِنْ لَدُنِ الْأَنْهَارِ إِلَى مُنْقَطَعِ الْأَرْضِ، وَيَخِرُّ أَهْلُ الْجَزَائِرِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَيَلْحَسُ أَعْدَاؤُهُ التُّرَابَ وَيَسْجُدُ لَهُ مُلُوكُ الْفُرْسِ، وَتَدِينُ لَهُ الْأُمَمُ بِالطَّاعَةِ وَالِانْقِيَادِ، وَيُخَلِّصُ الْبَائِسَ الْمُضْطَهَدَ مِمَّنْ هُوَ أَقْوَى مِنْهُ، وَيُنْقِذُ الضَّعِيفَ الَّذِي لَا نَاصِرَ لَهُ، وَيَرْأَفُ بِالْمَسَاكِينِ وَالضُّعَفَاءِ، وَيُصَلَّى عَلَيْهِ، وَيُبَارَكُ فِي كُلِّ حِينٍ ". وَهَذِهِ الصِّفَاتُ مُنْطَبِقَةٌ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأُمَّتِهِ، لَا عَلَى الْمَسِيحِ فَإِنَّهُ

стр. 2078

حَازَ مِنَ الْبَحْرِ الرُّومِيِّ إِلَى الْبَحْرِ الْفَارِسِيِّ، وَمِنْ لَدُنِ الْأَنْهَارِ بِجَيْحُونَ وَسَيْحُونَ، إِلَى مُنْقَطَعِ الْأَرْضِ بِالْمَغْرِبِ، كَمَا قَالَ: " زُوِيَتْ لِيَ الْأَرْضُ، مَشَارِقُهَا وَمَغَارِبُهَا، وَسَيَبْلُغُ مُلْكُ أُمَّتِي مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا ". وَهُوَ يُصَلَّى عَلَيْهِ وَيُبَارَكُ فِي كُلِّ حِينٍ: فِي كُلِّ صَلَاةٍ فِي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَغَيْرِهَا، يَقُولُ كُلٌّ مِنْ أُمَّتِهِ: اللَّهُمَّ صِلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، فَيُصَلَّى عَلَيْهِ وَيُبَارَكُ.

стр. 2079

وَمِنْهُ خَرَّتْ أَهْلُ الْجَزَائِرِ بَيْنَ يَدَيْهِ، أَهْلُ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَأَهْلُ الْجَزِيرَةِ الَّتِي بَيْنَ الْفُرَاتِ وَدِجْلَةَ، وَأَهْلُ جَزِيرَةِ قُبْرُصَ، وَأَهْلُ جَزِيرَةِ الْأَنْدَلُسِ. وَخَضَعَتْ لَهُ مُلُوكُ الْفُرْسِ، فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ إِلَّا مَنْ أَسْلَمَ أَوْ أَدَّى الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ. بِخِلَافِ مُلُوكِ الرُّومِ، فَإِنَّ فِيهِمْ مَنْ لَمْ يُسْلِمْ، وَيُؤَدِّ الْجِزْيَةَ، فَلِهَذَا خَصَّ مُلُوكَ فَارِسَ، وَدَانَتْ لَهُ الْأُمَمُ الَّتِي تَعْرِفُهُ وَتَعْرِفُ أُمَّتَهُ، كَانَتْ إِمَّا مُؤْمِنَةً بِهِ، أَوْ مُسْلِمَةً لَهُ مُنَافِقَةً، أَوْ مُهَادِنَةً مُصَالِحَةً، أَوْ خَائِفَةً مِنْهُمْ. وَأَنْقَذَ الضُّعَفَاءَ مِنَ الْجَبَّارِينَ. وَهَذَا بِخِلَافِ الْمَسِيحِ ; فَإِنَّهُ لَمْ يَتَمَكَّنْ هَذَا التَّمَكُّنَ فِي حَيَاتِهِ، وَلَا مَنِ اتَّبَعَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ تَمَكَّنُوا هَذَا التَّمَكُّنَ، وَلَا حَازُوا مَا ذُكِرَ، وَلَا صُلِّيَ عَلَيْهِ وَبُورِكَ عَلَيْهِ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، فَإِنَّ الْقَوْمَ يَدَّعُونَ إِلَاهِيَّتَهُ.

стр. 2080

[فَصْلٌ: شَهَادَةُ سِفْرِ أَشْعِيَا " رَاكِبُ الْحِمَارِ وَرَاكِبُ الْجَمَلِ "] وَقَالُوا - فِي نُبُوَّةِ أَشْعِيَاءَ -: قَالَ أَشْعِيَاءُ: " قِيلَ لِي: قُمْ نِظَارًا، فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى، فَقُلْتُ: أَرَى رَاكِبَيْنِ مُقْبِلَيْنِ: أَحَدُهُمَا عَلَى حِمَارٍ وَالْآخَرُ عَلَى جَمَلٍ، يَقُولُ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: سَقَطَتْ بَابِلُ وَأَصْحَابُهَا لِلْمَنْحَرِ ". قَالُوا: فَرَاكِبُ الْحِمَارِ هُوَ الْمَسِيحُ، وَرَاكِبُ الْجَمَلِ هُوَ مُحَمَّدٌ ﷺ وَهُوَ أَشْهَرُ بِرُكُوبِ الْجَمَلِ مِنَ الْمَسِيحِ بِرُكُوبِ الْحِمَارِ. وَبِمُحَمَّدٍ ﷺ سَقَطَتْ أَصْنَامُ بَابِلَ.

стр. 2081

[فَصْلٌ: بِشَارَةُ الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ بِالْمَسِيحِ وَبِمُحَمَّدٍ وَإِنْذَارُهَا بِالدَّجَّالِ] وَمِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُعْرَفَ: أَنَّ الْكُتُبَ الْمُتَقَدِّمَةَ بَشَّرَتْ بِالْمَسِيحِ، كَمَا بَشَّرَتْ بِمُحَمَّدٍ ﷺ ، وَكَذَلِكَ أَنْذَرَتْ بِالْمَسِيحِ الدَّجَّالِ. وَالْأُمَمُ الثَّلَاثَةُ - الْمُسْلِمُونَ وَالْيَهُودُ وَالنَّصَارَى - مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ أَنْذَرَتْ بِالْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، وَحَذَّرَتْ مِنْهُ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «مَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا وَقَدْ أَنْذَرَ أُمَّتَهُ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ، حَتَّى نُوحٌ أَنْذَرَهُ أُمَّتَهُ، وَسَأَقُولُ لَكُمْ فِيهِ قَوْلًا لَمْ يَقُلْهُ نَبِيٌّ لِأُمَّتِهِ: إِنَّهُ أَعْوَرُ، وَإِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ، مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ (ك ف ر) ، يَقْرَؤُهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ قَارِئٍ وَغَيْرِ قَارِئٍ» . وَالْأُمَمُ الثَّلَاثَةُ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ بَشَّرُوا بِمَسِيحٍ مِنْ وَلَدِ دَاوُدَ. فَالْأُمَمُ الثَّلَاثَةُ مُتَّفِقُونَ عَلَى الْإِخْبَارِ بِمَسِيحِ هُدًى، مِنْ نَسْلِ دَاوُدَ،

стр. 2082

وَمَسِيحِ ضَلَالَةٍ، وَهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ مَسِيحَ الضَّلَالَةِ لَمْ يَأْتِ بَعْدُ، وَمُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ مَسِيحَ الْهُدَى سَيَأْتِي - أَيْضًا -. ثُمَّ الْمُسْلِمُونَ وَالنَّصَارَى مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ مَسِيحَ الْهُدَى هُوَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، وَالْيَهُودُ يُنْكِرُونَ أَنْ يَكُونَ هُوَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ، مَعَ إِقْرَارِهِمْ بِأَنَّهُ مِنْ وَلَدِ دَاوُدَ. قَالُوا: " لِأَنَّ الْمَسِيحَ الْمُبَشَّرَ بِهِ تُؤْمِنُ بِهِ الْأُمَمُ كُلُّهَا "، وَزَعَمُوا أَنَّ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ إِنَّمَا بُعِثَ بِدِينِ النَّصَارَى، وَهُوَ دِينٌ ظَاهِرُ الْبُطْلَانِ. وَالنَّصَارَى تُقِرُّ بِأَنَّ الْمَسِيحَ مَسِيحَ الْهُدَى بُعِثَ، وَمَقْرُونٌ بِأَنَّهُ سَيَأْتِي مَرَّةً ثَانِيَةً، لَكِنْ يَزْعُمُونَ أَنَّ هَذَا الْإِتْيَانَ الثَّانِيَ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لِيَجْزِيَ النَّاسَ بِأَعْمَالِهِمْ، وَهُوَ - فِي زَعْمِهِمْ - هُوَ اللَّهُ، وَاللَّهُ الَّذِي هُوَ اللَّاهُوتُ يَأْتِي فِي نَاسُوتِهِ، كَمَا زَعَمُوا أَنَّهُ جَاءَ قَبْلَ ذَلِكَ. وَأَمَّا الْمُسْلِمُونَ ; فَآمَنُوا بِمَا أَخْبَرَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ عَلَى وَجْهِهِ وَهُوَ

стр. 2083

مُوَافِقٌ لِمَا أَخْبَرَ بِهِ خَاتَمُ الرُّسُلِ، حَيْثُ قَالَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «يُوشِكُ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمُ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَدْلًا، وَإِمَامًا مُقْسِطًا، فَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ، وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ» . وَأَخْبَرَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «أَنَّهُ إِذَا خَرَجَ مَسِيحُ الضَّلَالَةِ الْأَعْوَرُ الْكَذَّابُ، نَزَلَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ عَلَى الْمَنَارَةِ الْبَيْضَاءِ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ، بَيْنَ مَهْرُودَتَيْنِ، وَاضِعًا يَدَيْهِ عَلَى مَنْكِبَيْ مَلَكَيْنِ. فَإِذَا رَآهُ الدَّجَّالُ انْمَاعَ كَمَا يَنْمَاعُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ، فَيُدْرِكُهُ فَيَقْتُلُهُ بِالْحَرْبَةِ عِنْدَ بَابِ لُدٍّ الشَّرْقِيِّ، عَلَى بِضْعَ عَشْرَةَ خُطُوَاتٍ مِنْهُ» ، وَهَذَا تَفْسِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى:

стр. 2084

﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء: ١٥٩] . أَيْ: يُؤْمِنُ بِالْمَسِيحِ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ، حِينَ نُزُولِهِ إِلَى الْأَرْضِ، وَحِينَئِذٍ لَا يَبْقَى يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ، وَلَا يَبْقَى إِلَّا دِينُ الْإِسْلَامِ، وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي نَعْتِهِ عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ. وَلَكِنَّ النَّصَارَى ظَنُّوا مَجِيئَهُ بَعْدَ قِيَامِ الْقِيَامَةِ، وَأَنَّهُ هُوَ اللَّهُ، فَغَلِطُوا فِي ذَلِكَ كَمَا غَلِطُوا فِي مَجِيئِهِ الْأَوَّلِ ; حَيْثُ ظَنُّوا أَنَّهُ هُوَ اللَّهُ، وَالْيَهُودُ أَنْكَرُوا مَجِيئَهُ الْأَوَّلَ، وَظَنُّوا أَنَّ الَّذِي بُشِّرَ بِهِ لَيْسَ إِيَّاهُ، وَلَيْسَ هُوَ الَّذِي يَأْتِي آخِرًا، وَصَارُوا يَنْتَظِرُونَ غَيْرَهُ، وَإِنَّمَا هُوَ بُعِثَ إِلَيْهِمْ أَوَّلًا فَكَذَّبُوهُ، وَسَيَأْتِيهِمْ ثَانِيًا فَيُؤْمِنُ بِهِ كُلُّ مَنْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مِنْ يَهُودِيٍّ وَنَصْرَانِيٍّ إِلَّا مَنْ قُتِلَ أَوْ مَاتَ، وَيُظْهِرُ كَذِبَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَّبُوهُ، وَرَمَوْا أُمَّهُ بِالْفِرْيَةِ، وَقَالُوا: إِنَّهُ وَلَدُ زِنًى، وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ غَلَوْا فِيهِ، وَقَالُوا: إِنَّهُ اللَّهُ. وَلَمَّا كَانَ الْمَسِيحُ ﵇ نَازِلًا فِي أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ صَارَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُحَمَّدٍ - مِنَ الِاتِّصَالِ - مَا لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِ مُحَمَّدٍ ; وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِابْنِ مَرْيَمَ لَأَنَا، إِنَّهُ لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ

стр. 2085

نَبِيٌّ» ، وَرُوِيَ: «كَيْفَ تَهْلِكُ أُمَّةٌ أَنَا فِي أَوَّلِهَا، وَعِيسَى فِي آخِرِهَا» . وَهَذَا مِمَّا يَظْهَرُ بِهِ مُنَاسَبَةُ اقْتِرَانِهِمَا، فِيمَا رَوَاهُ أَشْعِيَاءُ ; حَيْثُ قَالَ: " رَاكِبُ الْحِمَارِ وَرَاكِبُ الْجَمَلِ ".

стр. 2086

[فَصْلٌ: بِشَارَةُ أَشْعِيَاءَ بِشَأْنِ مَكَّةَ] قَالُوا: وَقَالَ أَشْعِيَاءُ النَّبِيُّ ﵇ مُتَنَبِّيًا عَلَى مَكَّةَ - شَرَّفَهَا اللَّهُ -: " ارْفَعِي إِلَى مَا حَوْلَكِ بَصَرَكِ، فَسَتَبْتَهِجِينَ وَتَفْرَحِينَ مِنْ أَجْلِ أَنْ يَصِيرَ إِلَيْكِ ذَخَائِرُ الْبَحْرِ، وَتَحُجَّ إِلَيْكِ عَسَاكِرُ الْأُمَمِ، حَتَّى يَعُمَّ بِكِ قَطْرُ الْإِبِلِ الْمُوبَلَةِ، وَتَضِيقَ أَرْضُكِ عَنِ الْقَطَرَاتِ الَّتِي تَجْتَمِعُ إِلَيْكِ، وَتُسَاقَ إِلَيْكَ كِبَاشُ مَدْيَنَ، وَيَأْتِيَكِ أَهْلُ سَبَأٍ، وَيَسِيرَ إِلَيْكِ أَغْنَامُ فَارَانَ، وَيَخْدِمَكِ رِجَالُ مَأْرَبٍ "، يُرِيدُ سَدَنَةَ الْكَعْبَةِ، وَهُمْ أَوْلَادُ مَأْرَبِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ.

стр. 2087

قَالُوا: فَهَذِهِ الصِّفَاتُ كُلُّهَا حَصَلَتْ بِمَكَّةَ، فَحُمِلَتْ إِلَيْهَا ذَخَائِرُ الْبَحْرَيْنِ، وَحَجَّ إِلَيْهَا عَسَاكِرُ الْأُمَمِ، وَسِيقَتْ إِلَيْهَا أَغْنَامُ فَارَانَ - الْهَدَايَا وَالْأَضَاحِيُّ - وَ (فَارَانُ) هِيَ الْبَرِّيَّةُ الْوَاسِعَةُ الَّتِي فِيهَا مَكَّةُ، وَضَاقَتِ الْأَرْضُ عَنْ قَطَرَاتِ الْإِبِلِ الْمُوبَلَةِ الْحَامِلَةِ لِلنَّاسِ وَأَزْوَادِهِمْ إِلَيْهَا، وَأَتَاهَا أَهْلُ سَبَأٍ، وَهُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ.

стр. 2088

[فَصْلٌ: بِشَارَةٌ ثَالِثَةٌ مِنْ أَشْعِيَاءَ] قَالُوا: وَقَالَ: أَشْعِيَاءُ النَّبِيُّ ﷺ مُعْلِنًا بِاسْمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : " إِنِّي جَعَلْتُ أَمْرَكَ يَا مُحَمَّدُ، يَا قُدُّوسَ الرَّبِّ، اسْمُكَ مَوْجُودٌ مِنَ الْأَبَدِ "، قَالُوا: فَهَلْ بَقِيَ بَعْدَ ذَلِكَ لِزَائِغٍ فَقَالَ: أَوْ لِطَاعِنٍ مَجَالٌ؟ وَقَوْلُ أَشْعِيَاءَ: إِنَّ اسْمَ مُحَمَّدٍ مَوْجُودٌ مِنَ الْأَبَدِ مُوَافِقٌ لِقَوْلِ دَاوُدَ الَّذِي حَكَيْنَاهُ: أَنَّ اسْمَهُ مَوْجُودٌ قَبْلَ الشَّمْسِ. وَقَوْلُهُ: " يَا قُدُّوسَ الرَّبِّ " يَعْنِي يَا مَنْ طَهَّرَهُ الرَّبُّ، وَخَلَّصَهُ مِنْ بَشَرِيَّتِهِ، وَاصْطَفَاهُ لِنَفْسِهِ.

стр. 2089

[فَصْلٌ: بِشَارَةٌ رَابِعَةٌ مِنْ أَشْعِيَاءَ] قَالُوا: وَقَالَ أَشْعِيَاءُ - وَشَهِدَ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ بِالصَّلَاحِ وَالدِّيَانَةِ -: " سَأَرْفَعُ عَلَمًا لِأَهْلِ الْأَرْضِ بَعِيدًا، فَيُصْفَرُ لَهُمْ مِنْ أَقَاصِي الْأَرْضِ، فَيَأْتُونَ سِرَاعًا ". وَالنِّدَاءُ هُوَ مَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ التَّلْبِيَةِ فِي الْحَجِّ، وَهُمُ الَّذِينَ جَعَلُوا لِلَّهِ الْكَرَامَةَ، فَوَحَّدُوهُ وَعَبَدُوهُ، وَأَفْرَدُوهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ، وَكَسَّرُوا الْأَصْنَامَ، وَعَطَّلُوا الْأَوْثَانَ. وَالْعَلَمُ الْمَرْفُوعُ: هُوَ النُّبُوَّةُ، وَصَفِيرُهُ: دُعَاؤُهُمْ إِلَى بَيْتِهِ وَمَشَاعِرِهِ، فَيَأْتُونَهُ سَامِعِينَ مُطِيعِينَ.

стр. 2090

[فَصْلٌ: بِشَارَةٌ خَامِسَةٌ مِنْ أَشْعِيَاءَ] قَالُوا: وَقَالَ أَشْعِيَاءُ النَّبِيُّ - وَالْمُرَادُ مَكَّةُ شَرَّفَهَا اللَّهُ تَعَالَى -: سِيرِي وَاهْتَزِي أَيَّتُهَا الْعَاقِرُ، الَّتِي لَمْ تَلِدُ، وَانْطِقِي بِالتَّسْبِيحِ، وَافْرَحِي إِذْ لَمْ تَحْبِلِي، فَإِنَّ أَهْلَكِ يَكُونُونَ أَكْثَرَ مِنْ أَهْلِي - يَعْنِي بِأَهْلِهِ: بَيْتَ الْمَقْدِسِ، وَيَعْنِي بِالْعَاقِرِ: مَكَّةَ شَرَّفَهَا اللَّهُ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَلِدْ قَبْلَ نَبِيِّنَا ﵊، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ بِالْعَاقِرِ بَيْتَ الْمَقْدِسِ؛ لِأَنَّهُ بَيْتٌ لِلْأَنْبِيَاءِ وَمَعْدِنُ الْوَحْيِ، فَلَمْ تَزَلْ تِلْكَ الْبُقْعَةُ وَلَّادَةً.

стр. 2091

[فَصْلٌ: بِشَارَةٌ سَادِسَةٌ مِنْ أَشْعِيَاءَ] قَالُوا: وَقَالَ أَشْعِيَاءُ النَّبِيُّ - وَنَصَّ عَلَى خَاتَمِ النُّبُوَّةِ -: " وُلِدَ لَنَا غُلَامٌ، يَكُونُ عَجَبًا وَبَشَرًا، وَالشَّامَةُ عَلَى كَتِفَيْهِ، أُرْكُونُ السَّلَامِ، إِلَهٌ جَبَّارٌ، وَسُلْطَانُهُ سُلْطَانُ السَّلَامِ، وَهُوَ ابْنُ عَالِمِهِ، يَجْلِسُ عَلَى كُرْسِيِّ دَاوُدَ. قَالُوا: الْأُرْكُونُ، هُوَ الْعَظِيمُ بِلُغَةِ الْإِنْجِيلِ، وَالْأَرَاكِنَةُ الْمُعَظَّمُونَ. وَلَمَّا أَبْرَأَ الْمَسِيحُ مَجْنُونًا مِنْ جُنُونِهِ، قَالَ الْيَهُودُ: " إِنَّ هَذَا لَا يُخْرِجُ الشَّيَاطِينَ مِنَ الْآدَمِيِّينَ إِلَّا بِأُرْكُونِ الشَّيَاطِينِ " يَعْنُونَ عَظِيمَهُمْ. وَقَالَ الْمَسِيحُ فِي الْإِنْجِيلِ: " إِنَّ أُرْكُونَ الْعَالَمِ يُدَانُ " يُرِيدُ إِمَّا إِبْلِيسَ

стр. 2092

أَوِ الشِّرِّيرَ الْعَظِيمَ الشَّرِّ مِنَ الْآدَمِيِّينَ، وَسَمَّاهُ إِلَهًا عَلَى نَحْوِ قَوْلِ التَّوْرَاةِ: " إِنَّ اللَّهَ جَعَلَ مُوسَى إِلَهًا لِفِرْعَوْنَ "؛ أَيْ حَاكِمًا عَلَيْهِ وَمُتَصَرِّفًا فِيهِ، وَعَلَى نَحْوِ قَوْلِ دَاوُدَ لِلْعُظَمَاءِ مِنْ قَوْمِهِ: " إِنَّكُمْ آلِهَةٌ ". فَقَدْ شَهِدَ أَشْعِيَاءُ بِصِحَّةِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَوَصَفَهُ بِأَخَصِّ عَلَامَاتِهِ وَأَوْضَحِهَا، وَهِيَ شَامَتُهُ، فَلَعَمْرِي لَمْ تَكُنِ الشَّامَةُ لِسُلَيْمَانَ، وَلَا لِلْمَسِيحِ، وَقَدْ وَصَفَهُ بِالْجُلُوسِ عَلَى كُرْسِيِّ دَاوُدَ، يَعْنِي أَنَّهُ سَيَرِثُ بَنِي إِسْرَائِيلَ، نُبُوَّتَهُمْ وَمُلْكَهُمْ، وَيَبْتَزُّهُمْ رِيَاسَتَهُمْ.

стр. 2093

[فَصْلٌ: بِشَارَةٌ سَابِعَةٌ مِنْ أَشْعِيَاءَ] قَالُوا: وَقَالَ أَشْعِيَاءُ فِي وَصْفِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ : " سَتَمْتَلِئُ الْبَادِيَةُ وَالْمُدُنُ مِنْ أَوْلَادِ قَيْذَارَ يُسَبِّحُونَ، وَمِنْ رُءُوسِ الْجِبَالِ يُنَادُونَ، هُمُ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْكَرَامَةَ، وَيُسَبِّحُونَهُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ. وَقَيْذَارُ هُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ بِاتِّفَاقِ النَّاسِ، وَرَبِيعَةُ وَمُضَرُ مِنْ وَلَدِهِ، وَمُحَمَّدٌ ﷺ مِنْ مُضَرَ. وَهَذَا الِامْتِلَاءُ وَالتَّسْبِيحُ لَمْ يَحْصُلْ لَهُمْ إِلَّا بِمَبْعَثِ مُحَمَّدٍ ﷺ .

стр. 2094

[فَصْلٌ: بِشَارَةٌ ثَامِنَةٌ مِنْ أَشْعِيَاءَ] قَالُوا: وَقَالَ أَشْعِيَاءُ - وَالْمُرَادُ مَكَّةُ -: " أَنَا رَسَمْتُكِ عَلَى كَفِّي، وَسَيَأْتِيكِ أَوْلَادُكِ سِرَاعًا، وَيَخْرُجُ عَنْكِ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُخِيفَكِ وَيَخُونَكِ، فَارْفَعِي بَصَرَكِ إِلَى مَا حَوْلَكِ، فَإِنَّهُمْ سَيَأْتُونَكِ وَيَجْتَمِعُونَ إِلَيْكِ، فَتَسَمِّي بِاسْمِي إِنِّي أَنَا الْحَيُّ، لِتَلْبَسِي الْحُلَلَ وَتَزَيَّنِي بِالْإِكْلِيلِ، مِثْلَ الْعَرُوسِ، وَلَتَضِيقَنَّ خَرَابَاتُكِ مِنْ كَثْرَةِ سُكَّانِكِ وَالدَّاعِينَ فِيكِ، وَلَيَهَابَنَّ كُلُّ مَنْ يُنَاوِئُكِ، وَلَيَكْثُرَنَّ أَوْلَادُكِ حَتَّى تَقُولِي مَنْ رَزَقَنِي هَؤُلَاءِ كُلَّهُمْ؟ وَأَنَا وَحِيدَةٌ فَرِيدَةٌ، يَرَوْنَ رَقُوبًا، فَمَنْ رَبَّى لِي هَؤُلَاءِ، وَمَنْ تَكَفَّلَ لِي بِهِمْ؟ ". قَالُوا: وَذَلِكَ - أَيْضًا - مِنْ أَشْعِيَاءَ بِشَأْنِ الْكَعْبَةِ، فَهِيَ الَّتِي أَلْبَسَهَا اللَّهُ

стр. 2095

الْحُلَلَ الدِّيبَاجَ الْفَاخِرَةَ، وَوَكَّلَ بِخِدْمَتِهَا الْخُلَفَاءَ وَالْمُلُوكَ، وَمَكَّةُ: هِيَ الَّتِي رَبَّا اللَّهُ لَهَا الْأَوْلَادَ مِنْ حُجَّاجِهَا، وَالْقَاطِنِينَ بِهَا. وَذَلِكَ أَنَّ مَكَّةَ هِيَ الَّتِي أُخْرِجَ عَنْهَا كُلُّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُخِيفَهَا وَيُخَرِّبَهَا، فَلَمْ تَزَلْ عَزِيزَةً مُكَرَّمَةً مُحَرَّمَةً، لَمْ يُهِنْهَا أَحَدٌ مِنَ الْبَشَرِ قَطُّ، بَلْ أَصْحَابُ الْفِيلِ لَمَّا قَصَدُوهَا، عَذَّبَهُمُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْمَشْهُورَ، وَلَمْ تَزَلْ عَامِرَةً مَحْجُوجَةً، مِنْ لَدُنْ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ. بِخِلَافِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَإِنَّهُ قَدْ أُخْرِبَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، وَخَلَا مِنَ السُّكَّانِ، وَاسْتَوْلَى الْعَدُوُّ عَلَيْهِ وَعَلَى أَهْلِهِ، وَكَذَلِكَ إِخْبَارُهُ بِإِهَانَةِ كُلِّ مِنْ يُنَاوِيهَا: هُوَ لِلْكَعْبَةِ دُونَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥] . وَالْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ كَانَ مُعَظِّمًا لِلْكَعْبَةِ؛

стр. 2096

لَمْ يَرُمْهَا بِمَنْجَنِيقٍ، وَإِنَّمَا قَصَدَ ابْنَ الزُّبَيْرِ خَاصَّةً. وَأَمَّا كَثْرَةُ أَوْلَادِهَا، وَهُمُ الَّذِينَ يَحُجُّونَ إِلَيْهَا وَيَسْتَقْبِلُونَهَا فِي صَلَاتِهِمْ، فَهُمْ أَضْعَافُ أَضْعَافِ أَوْلَادِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ.

стр. 2097

[فَصْلٌ: بِشَارَةٌ تَاسِعَةٌ مِنْ أَشْعِيَاءَ] قَالُوا: وَقَالَ أَشْعِيَاءُ - حَاكِيًا عَنِ اللَّهِ تَعَالَى -: " اشْكُرْ حُبِّي وَابْنِي أَحْمَدَ "، فَسَمَّاهُ اللَّهُ حَبِيبًا وَسَمَّاهُ ابْنًا، وَدَاوُدَ ابْنًا غَيْرَ أَنَّ اللَّهَ خَصَّهُ عَلَيْهِمْ بِمَزِيَّةٍ فَقَالَ: " حُبِّي ابْنِي اشْكُرْهُ "، فَتَعَبَّدَ أَشْعِيَاءُ بِشُكْرِ مُحَمَّدٍ، وَوَظَّفَ عَلَيْهِ وَعَلَى قَوْمِهِ شُكْرَهُ وَإِجْلَالَهُ، لِيَتَبَيَّنَ قَدْرُهُ وَمَنْزِلَتُهُ عِنْدَهُ، وَتِلْكَ مَنْقَبَةٌ لَمْ يُؤْتَهَا غَيْرُهُ مِنَ الرُّسُلِ. وَقَالَ: أَشْعِيَاءُ: " إِنَّمَا سَمِعْنَا مِنْ أَطْرَافِ الْأَرْضِ صَوْتَ مُحَمَّدٍ "، وَهَذَا إِفْصَاحٌ مِنْ أَشْعِيَاءَ بَاسِمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَلْيُرِنَا أَهْلُ الْكِتَابِ نَبِيًّا نَصَّتِ الْأَنْبِيَاءُ عَلَى اسْمِهِ صَرِيحًا، سِوَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .

стр. 2098

[فَصْلٌ: بِشَارَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ مِنْ حَبْقُوقَ] قَالُوا: وَقَالَ حَبْقُوقُ: - وَسُمِّيَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَرِيحًا مَرَّتَيْنِ فِي نُبُوَّتِهِ -: " إِنَّ اللَّهَ جَاءَ مِنَ التَّيَمُّنِ، وَالْقُدُّوسَ مِنْ جَبَلِ فَارَانَ، لَقَدْ أَضَاءَتِ السَّمَاءُ مِنْ بَهَاءِ مُحَمَّدٍ، وَامْتَلَأَتِ الْأَرْضُ مِنْ حَمْدِهِ، شُعَاعٌ مَنْظَرُهُ مِثْلُ النُّورِ، يَحُوطُ بِلَادَهُ بِعِزِّهِ، تَسِيرُ الْمَنَايَا أَمَامَهُ، وَتَصْحَبُ سِبَاعُ الطَّيْرِ أَجْنَادَهُ، قَامَ فَمَسَحَ الْأَرْضَ فَتَضَعْضَعَتْ لَهُ الْجِبَالُ الْقَدِيمَةُ، وَانْخَفَضَتِ الرَّوَابِي، وَتَزَعْزَعَتْ سُتُورُ أَهْلِ مَدْيَنَ ". ،

стр. 2099

ثُمَّ قَالَ: " زَجْرُكَ فِي الْأَنْهَارِ، وَإِقْدَامُ صُوَّامِكَ فِي الْبِحَارِ، رَكِبْتَ الْخُيُولَ، وَعَلَوْتَ مَرَاكِبَ الْإِيفَادِ، وَسَتَنْزِعُ فِي قِسِيِّكَ أَعْرَاقًا وَنَزْعًا، وَتَرْتَوِي السِّهَامُ بِأَمْرِكَ يَا مُحَمَّدُ ارْتِوَاءً، وَلَقَدْ رَأَتْكَ الْجِبَالُ فَارْتَاعَتْ، وَانْحَرَفَ عَنْكَ شُؤْبُوبُ السَّيْلِ، وَتَغَيَّرَتِ الْمَهَاوِي تَغَيُّرًا وَرُعْبًا، رَفَعَتْ أَيْدِيَهَا وَجَلًا وَخَوْفًا، وَسَارَتِ الْعَسَاكِرُ فِي بَرِيقِ سِهَامِكَ وَلَمَعَانِ نَيَازِكِكَ، وَتُدَوِّخُ الْأَرْضَ غَضَبًا، وَتَدُوسُ الْأُمَمَ زَجْرًا؛ لِأَنَّكَ ظَهَرْتَ بِخَلَاصِ أُمَّتِكَ

стр. 2100

وَإِنْقَاذِ تُرَاثِ آبَائِكَ ". قَالُوا: وَهَذَا تَصْرِيحٌ بِمُحَمَّدٍ، وَمَنْ رَامَ صَرْفَ نُبُوَّةِ حَبْقُوقَ هَذِهِ عَنْ مُحَمَّدٍ ﷺ فَقَدْ رَامَ سِتْرَ النَّهَارِ، وَحَبْسَ الْأَنْهَارِ، وَأَنَّى يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ؟ ! وَقَدْ سَمَّاهُ بِاسْمِهِ مَرَّتَيْنِ، وَأَخْبَرَ بِقُوَّةِ أُمَّتِهِ، وَسَيْرِ الْمَنَايَا أَمَامَهُمْ، وَاتِّبَاعِ جَوَارِحِ الطَّيْرِ آثَارَهُمْ. وَهَذِهِ النُّبُوَّةُ لَا تَلِيقُ إِلَّا بِمُحَمَّدٍ، وَلَا تَصْلُحُ إِلَّا لَهُ، وَلَا تَدُلُّ إِلَّا عَلَيْهِ، فَمَنْ حَاوَلَ صَرْفَهَا عَنْهُ فَقَدْ حَاوَلَ مُمْتَنِعًا. وَقَدْ ذَكَرَ فِيهَا مَجِيءَ نُورِ اللَّهِ مِنَ التَّيَمُّنِ - وَهِيَ نَاحِيَةُ مَكَّةَ وَالْحِجَازِ - فَإِنَّ أَنْبِيَاءَ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانُوا يَكُونُونَ مِنْ نَاحِيَةِ الشَّامِ، وَمُحَمَّدٌ جَاءَ مِنْ نَاحِيَةِ

стр. 2101

الْيَمَنِ، وَجِبَالُ فَارَانَ هِيَ جِبَالُ مَكَّةَ - كَمَا قَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ - وَهَذَا مِمَّا لَا يُمْكِنُ النِّزَاعُ فِيهِ. وَأَمَّا امْتِلَاءُ السَّمَاءِ مِنْ بَهَاءِ أَحْمَدَ، بِأَنْوَارِ الْإِيمَانِ وَالْقُرْآنِ الَّتِي ظَهَرَتْ مِنْهُ وَمِنْ أُمَّتِهِ، وَامْتِلَاءُ الْأَرْضِ مِنْ حَمْدِهِ وَحَمْدِ أُمَّتِهِ فِي صَلَوَاتِهِمْ، فَأَمْرٌ ظَاهِرٌ ; فَإِنَّ أُمَّتَهُ هُمُ الْحَمَّادُونَ، لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ حَمْدِ اللَّهِ فِي كُلِّ صَلَاةٍ وَخُطْبَةٍ، وَلَا بُدَّ لِكُلِّ مُصَلٍّ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مَنْ يَقُولُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ - الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ - مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٢ - ٤] . فَإِذَا قَالَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] . قَالَ اللَّهُ: حَمَدَنِي عَبْدِي. فَإِذَا قَالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ٣] .

стр. 2102

قَالَ: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي. فَإِذَا قَالَ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] . قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي. فَهُمْ يَفْتَحُونَ الْقِيَامَ فِي الصَّلَاةِ بِالتَّحْمِيدِ، وَيَخْتِمُونَهَا بِالتَّحْمِيدِ، وَإِذَا رَفَعُوا رُءُوسَهُمْ مِنَ الرُّكُوعِ يَقُولُ: إِمَامُهُمْ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، وَيَقُولُونَ: جَمِيعًا رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، وَيَخْتِمُونَ صَلَاتَهُمْ بِتَحْمِيدٍ، يَجْعَلُ التَّحِيَّاتِ لَهُ وَالصَّلَوَاتِ وَالطَّيِّبَاتِ. وَأَنْوَاعُ تَحْمِيدِهِمْ لِلَّهِ مِمَّا يَطُولُ وَصْفُهُ.

стр. 2103

[فَصْلٌ: بِشَارَةٌ مِنْ حَزْقِيَالَ] قَالُوا: وَقَالَ: حَزْقِيَالُ - وَهُوَ يُهَدِّدُ الْيَهُودَ وَيَصِفُ لَهُمْ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ : " وَإِنَّ اللَّهَ مُظْهِرُهُمْ عَلَيْكُمْ، وَبَاعِثٌ فِيكُمْ نَبِيًّا، وَمُنَزِّلُ عَلَيْهِمْ كِتَابًا، وَمُمَلِّكُهُمْ رِقَابَكُمْ، فَيَقْهَرُونَكُمْ وَيُذِلُّونَكُمْ بِالْحَقِّ، وَيَخْرُجُ رِجَالُ بَنِي قَيْذَارَ فِي جَمَاعَاتِ الشُّعُوبِ، مَعَهُمْ مَلَائِكَةٌ عَلَى خَيْلٍ بِيضٍ مُتَسَلِّحِينَ، مُحِيطُونَ بِكُمْ، وَتَكُونُ عَاقِبَتُكُمْ إِلَى النَّارِ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ النَّارِ ". وَذَلِكَ أَنَّ رِجَالَ بَنِي قَيْذَارَ هُمْ (رَبِيعَةُ) وَ (مُضَرُ) أَبْنَاءُ عَدْنَانَ، وَهُمَا جَمِيعًا مِنْ وَلَدِ قَيْذَارَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، وَالْعَرَبُ كُلُّهُمْ مِنْ

стр. 2104

بَنِي عَدْنَانَ، وَبَنِي قَحْطَانَ. فَعَدْنَانُ - أَبُو رَبِيعَةَ - وَمُضَرُ وَأَنْمَارُ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ بِاتِّفَاقِ النَّاسِ،. وَأَمَّا قَحْطَانُ فَقِيلَ هُمْ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَقِيلَ هُمْ مِنْ وَلَدِ هُودٍ. وَمُضَرُ وَلَدُ إِلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ، وَقُرَيْشٌ هُمْ مِنْ وَلَدِ إِلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ، وَهَوَازِنٌ مِثْلُ عَقِيلٍ، وَكِلَابٍ، وَسَعْدِ بْنِ بَكْرٍ وَ " بَنُو نُمَيْرٍ "، وَثَقِيفٌ وَغَيْرُهُمْ هُمْ مِنْ وَلَدِ إِلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ. وَهَؤُلَاءِ انْتَشَرُوا فِي الْأَرْضِ، فَاسْتَوْلَوْا عَلَى أَرْضِ الشَّامِ وَالْجَزِيرَةِ وَمِصْرَ وَالْعِرَاقِ وَغَيْرِهَا، حَتَّى إِنَّهُمْ لَمَّا سَكَنُوا الْجَزِيرَةَ بَيْنَ الْفُرَاتِ

стр. 2105

وَدِجْلَةَ، سَكَنَتْ مُضَرُ فِي حَرَّانَ وَمَا قَرُبَ مِنْهَا، فَسُمِّيَتْ دِيَارُ مُضَرَ، وَسَكَنَتْ رَبِيعَةُ فِي الْمَوْصِلِ وَمَا قَرُبَ مِنْهَا، فَسُمِّيَتْ دِيَارُ رَبِيعَةَ.
следующие страницы →