Полный текст (2 831 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
عَلَى اسْتِقْبَالِ الْكَعْبَةِ وَعَلَى رُكُوعٍ وَسَجْدَتَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَفْعَلُهُ النَّصَارَى فَكَيْفَ يَمْدَحُهُمْ بِإِقَامَةِ الصَّلَاةِ وَهُمْ لَا يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ الَّتِي أَمَرَ بِإِقَامَتِهَا.
ثُمَّ لَوْ قَالَ الْيَهُودِيُّ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة: ٢] التَّوْرَاةُ وَبِالْمُتَّقِينَ الْيَهُودُ لَكَانَ هَذَا مَعَ بُطْلَانِهِ أَقْرَبَ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْكِتَابِ الْإِنْجِيلُ ; لِأَنَّ التَّوْرَاةَ أَحَقُّ بِذَلِكَ مِنَ الْإِنْجِيلِ، فَإِنَّهَا الْأَصْلُ وَاللَّهُ تَعَالَى يَقْرِنُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْقُرْآنِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ كَقَوْلِهِ: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً﴾ [هود: ١٧] وَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأحقاف: ١٠] .
وَقَدْ قَالَتِ الْجِنُّ لَمَّا سَمِعَتِ الْقُرْآنَ ﴿قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٣٠] وَقَالَ: النَّجَاشِيُّ لَمَّا سَمِعَ الْقُرْآنَ إِنَّ هَذَا وَالَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى لَيَخْرُجُ مِنْ مِشْكَاةٍ وَاحِدَةٍ وَكَذَلِكَ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ قَالَ: هَذَا
стр. 667
هُوَ النَّامُوسُ الَّذِي كَانَ يَنْزِلُ عَلَى مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ.
وَقَالَ - تَعَالَى -: قَالُوا: ﴿لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾ [القصص: ٤٨] أَيِ: التَّوْرَاةُ وَالْقُرْآنُ. وَقَالُوا سَاحِرَانِ تَظَاهَرَا أَيْ مُوسَى وَمُحَمَّدٌ وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ.
قَالَ اللَّهُ: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [القصص: ٤٩] فَقَدْ بَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ كِتَابٌ أَهْدَى مِنَ التَّوْرَاةِ وَالْقُرْآنِ.
وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ - وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [الأنعام: ٩١ - ٩٢] .
стр. 668
وَأَمَّا قَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [البقرة: ٤] فَهِيَ صِفَةٌ ثَانِيَةٌ لِلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ مُجْمَلًا، ثُمَّ وَصَفَهُمْ بِإِيمَانٍ مُفَصَّلٍ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِهِ. وَالْعَطْفُ بِالْوَاوِ يَكُونُ لِتَغَايُرِ الذَّوَاتِ وَيَكُونُ لِتَغَايُرِ الصِّفَاتِ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى - الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى - وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى - وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى - فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾ [الأعلى: ١ - ٥] وَالَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى هُوَ الَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى وَهُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ - الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ - وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ - وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ﴾ [الزخرف: ٩ - ١٢] وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ - الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ - وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ - وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ - وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ - إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ - فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ - وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ - وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ - أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ - الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ١١] .
стр. 669
فَهُمْ صِنْفٌ وَاحِدٌ وَصَفَهُمْ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ بِحَرْفِ الْوَاوِ وَكَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا - إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا - وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا - إِلَّا الْمُصَلِّينَ - الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ - وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ - لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ - وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ - وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ - إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ - وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ - إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ - فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ - وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ - وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ - وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ - أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ [المعارج: ١٩ - ٣٥] .
وَقَدْ فَسَّرَ قَبْلُ قَوْلَهُ: يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ صِفَةُ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْكِتَابِ كَمُشْرِكِي الْعَرَبِ، وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ صِفَةُ مَنْ آمَنَ بِهِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ.
وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ: هَؤُلَاءِ غَيْرُ هَؤُلَاءِ، لَكِنَّ هَذَا ضَعِيفٌ، فَإِنَّهُ لَا بُدَّ فِي الْمُؤْمِنِينَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْكِتَابِ أَنْ يُؤْمِنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِهِ وَلَا بُدَّ فِي مُؤْمِنِ أَهْلِ الْكِتَابِ أَنْ يُؤْمِنَ بِالْغَيْبِ. فَكُلٌّ مِنَ الْإِيمَانَيْنِ
стр. 670
وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ وَلَا يَكُونُ أَحَدٌ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِ مُفْلِحًا إِلَّا بِهَذَا وَهَذَا.
وَأَمَّا قَوْلُ النَّصَارَى نَحْنُ الَّذِينَ آمَنَّا بِالسَّيِّدِ الْمَسِيحِ وَمَا رَأَيْنَاهُ فَهَكَذَا الْيَهُودُ آمَنُوا بِمُوسَى ﵇ وَمَا رَأَوْهُ وَالْمُسْلِمُونَ آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ وَمَا رَأَوْهُ بَلِ الْمُسْلِمُونَ آمَنُوا بِمُوسَى وَعِيسَى وَسَائِرِ النَّبِيِّينَ وَمَا رَأَوْهُمْ بِخِلَافِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى الَّذِينَ آمَنُوا بِبَعْضٍ وَكَفَرُوا بِبَعْضٍ. ثُمَّ الْغَيْبُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ صُورَةَ النَّبِيِّ ﵇، فَإِنَّ صُورَةَ النَّبِيِّ لَيْسَتْ مِنَ الْغَيْبِ، فَإِنَّ النَّاسَ يَرَوْنَهَا وَلَيْسَ فِي رُؤْيَتِهَا مَا يُوجِبُ إِيمَانًا وَلَا كُفْرًا، وَلَكِنَّ الْغَيْبَ مَا غَابَ عَنْ مُشَاهَدَةِ الْخَلْقِ وَهُوَ مَا أَخْبَرَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ مِنَ الْغَيْبِ فَيَدْخُلُ فِيهِ الْإِيمَانُ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَهُوَ الْإِيمَانُ بِأَنَّهُمْ رُسُلُ اللَّهِ، وَسَوَاءٌ رُؤِيَتْ أَبْدَانُهُمْ أَوْ لَمْ تُرَ فَقَدْ يَرَاهُمْ مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِرِسَالَتِهِمْ وَقَدْ يُؤْمِنُ بِرِسَالَتِهِمْ مَنْ لَمْ يَرَهُمْ.
وَالْمَقْصُودُ الْإِيمَانُ بِرِسَالَتِهِمْ لَا بِنَفْسِ صُوَرِهِمْ حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ آمَنَّا بِنَبِيٍّ وَلَمْ نَرَهُ وَقَدْ يَعْلَمُ مِنْ دَلَائِلِ نُبُوَّتِهِ وَأَعْلَامِ رِسَالَتِهِ مَنْ لَمْ يَرَهُ أَكْثَرَ مِمَّا يَعْلَمُهَا مَنْ رَآهُ.
стр. 671
فَصْلٌ
وَأَمَّا قَوْلُهُ: فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ - وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٦ - ٤٧] فَهَذَا ثَنَاءٌ مِنْهُ عَلَى الْمَسِيحِ وَالْإِنْجِيلِ وَأَمْرٌ لِلنَّصَارَى بِالْحُكْمِ بِمَا أَنْزَلَ فِيهِ ; كَمَا أَثْنَى عَلَى مُوسَى وَالتَّوْرَاةِ بِأَعْظَمَ مِمَّا عَظَّمَ بِهِ الْمَسِيحَ وَالْإِنْجِيلَ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ﴾ [المائدة: ٤١] أَيْ: قَائِلُونَ لِلْكَذِبِ مُصَدِّقُونَ مُسْتَجِيبُونَ مُطِيعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ
стр. 672
لَمْ يَأْتُوكَ فَهُمْ مُصَدِّقُونَ لِلْكَذِبِ مُطِيعُونَ لِمَنْ يُخَالِفُكَ وَأَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ.
فَكُلٌّ مِنْ تَصْدِيقِ الْكَذِبِ وَالطَّاعَةِ لِمَنْ خَالَفَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَعْظَمِ الذُّنُوبِ.
وَلَفْظُ السَّمِيعِ يُرَادُ بِهِ الْإِحْسَاسُ بِالصَّوْتِ وَيُرَادُ بِهِ فَهْمُ الْمَعْنَى وَيُرَادُ بِهِ قَبُولُهُ فَيُقَالُ: فُلَانٌ سَمِعَ مَا يَقُولُ فُلَانٌ أَيْ يُصَدِّقُهُ أَوْ يُطِيعُهُ وَيَقْبَلُ مِنْهُ.
فَقَوْلُهُ: سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَيْ مُصَدِّقُونَ بِهِ وَإِلَّا مُجَرَّدُ سَمَاعِ صَوْتِ الْكَاذِبِ وَفَهْمِ كَلَامِهِ لَيْسَ مَذْمُومًا عَلَى الْإِطْلَاقِ.
وَكَذَلِكَ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ أَيْ مُسْتَجِيبُونَ لَهُمْ مُطِيعُونَ ; كَمَا قَالَ: فِي حَقِّ الْمُنَافِقِينَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ أَيْ مُسْتَجِيبُونَ مُطِيعُونَ لَهُمْ وَمَنْ قَالَ: إِنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْجَاسُوسُ فَهُوَ غَالِطٌ كَغَلَطِ مَنْ قَالَ: سَمَّاعُونَ لَهُمْ هُمُ الْجَوَاسِيسُ، فَإِنَّ الْجَاسُوسَ إِنَّمَا يَنْقُلُ خَبَرَ الْقَوْمِ إِلَى مَنْ لَا يَعْرِفُهُ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ مَا يَذْكُرُهُ وَيَأْمُرُ بِهِ وَيَفْعَلُهُ يَرَاهُ وَيَسْمَعُهُ كُلُّ مَنْ بِالْمَدِينَةِ مُؤْمِنُهُمْ وَمُنَافِقُهُمْ وَلَمْ يَكُنْ يَقْصِدُ أَنْ يَكْتُمَ يَهُودَ الْمَدِينَةِ مَا يَقُولُهُ وَيَفْعَلُهُ خِلَافَ مَنْ كَانَ يَأْتِيهِ مِنَ الْيَهُودِ وَهُمْ يُصَدِّقُونَ الْكَذِبَ وَيُطِيعُونَ لِلْيَهُودِ
стр. 673
الْآخَرِينَ الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوهُ وَاللَّهُ نَهَى نَبِيَّهُ أَنْ يُحْزِنَهُ الْمُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنْ هَاتَيْنِ الطَّائِفَتَيْنِ الْمُنَافِقَتَيْنِ الَّذِينَ أَظْهَرُوا الْإِيمَانَ بِهِ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ يَطْلُبُونَ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمْ وَلَيْسَ مَقْصُودُهُمْ أَنْ يُطِيعُوهُ وَيَتَّبِعُوا حُكْمَهُ بَلْ إِنْ حَكَمَ بِمَا يَهْوُونَهُ قَبِلُوهُ وَإِنْ حَكَمَ بِخِلَافِ ذَلِكَ لَمْ يَقْبَلُوهُ لِكَوْنِهِمْ مُطِيعِينَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوهُ.
قَالَ - تَعَالَى -: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ﴾ [المائدة: ٤١] أَيْ لَمْ يَأْتِكَ أُولَئِكَ الْقَوْمُ الْآخَرُونَ يَقُولُونَ أَيْ يَقُولُ السَّمَّاعُونَ ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٤١] وَالْحُكْمُ يَفْتَقِرُ إِلَى الصِّدْقِ وَالْعَدْلِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الشَّاهِدُ صَادِقًا وَالْحَاكِمُ عَادِلًا وَهَؤُلَاءِ يُصَدِّقُونَ الْكَاذِبِينَ مِنَ الشُّهُودِ وَيَتَّبِعُونَ حُكْمَ الْمُخَالِفِينَ لِلرُّسُلِ الَّذِينَ يَحْكُمُونَ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ قَصْدُهُمُ اتِّبَاعَ الصِّدْقِ وَالْعَدْلِ فَلَيْسَ عَلَيْكَ أَنْ تَحْكُمَ بَيْنَهُمْ بَلْ إِنْ شِئْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ وَإِنْ شِئْتَ فَلَا تَحْكُمْ.
стр. 674
وَلَكِنْ إِذَا حَكَمْتَ فَلَا تَحْكُمْ إِلَّا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ إِذْ هُوَ الْعَدْلُ.
قَالَ - تَعَالَى -: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة: ٤٢] ، ثُمَّ قَالَ ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ - إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ - وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٣ - ٤٥] فَهَذَا ثَنَاؤُهُ عَلَى التَّوْرَاةِ وَإِخْبَارُهُ أَنَّ فِيهَا حُكْمَ اللَّهِ وَأَنَّهُ أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَفِيهَا ﴿هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ [المائدة: ٤٤] وَقَالَ: عَقِبَ ذِكْرِهَا ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]
стр. 675
وَهَذَا أَعْظَمُ مِمَّا ذَكَرَهُ فِي الْإِنْجِيلِ، فَإِنَّهُ قَالَ: فِي الْإِنْجِيلِ ﴿وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ﴾ [المائدة: ٤٦] وَقَالَ فِيهِ: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧] وَقَالَ: فِي التَّوْرَاةِ ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ [المائدة: ٤٤] وَقَالَ: عَقِبَ ذِكْرِهَا ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] فَهُوَ سُبْحَانَهُ مَعَ إِخْبَارِهِ بِإِنْزَالِ الْكِتَابَيْنِ يَصِفُ التَّوْرَاةَ بِأَعْظَمَ مِمَّا يَصِفُ بِهِ الْإِنْجِيلَ.
كَمَا قَالَ - تَعَالَى -: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ [المائدة: ٤٤] وَإِذَا كَانَ مَا ذَكَرَهُ مِنْ مَدْحِ مُوسَى وَالتَّوْرَاةِ لَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ مَدْحَ الْيَهُودِ الَّذِينَ كَذَّبُوا الْمَسِيحَ وَمُحَمَّدًا ﷺ -
стр. 676
وَلَيْسَ فِيهِ ثَنَاءٌ عَلَى دِينِ الْيَهُودِ الْمُبَدَّلِ الْمَنْسُوخِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ وَالنَّصَارَى، فَكَذَلِكَ أَيْضًا مَا ذَكَرَهُ مِنْ مَدْحِ الْمَسِيحِ وَالْإِنْجِيلِ لَيْسَ فِيهِ مَدْحُ النَّصَارَى الَّذِينَ كَذَّبُوا مُحَمَّدًا وَبَدَّلُوا أَحْكَامَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَاتَّبَعُوا الْمُبَدَّلَ الْمَنْسُوخَ، وَالْيَهُودُ تُوَافِقُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِيمَا ذَكَرَ مَدْحٌ لِلنَّصَارَى، وَالنَّصَارَى تُوَافِقُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِيمَا ذَكَرَ مَدْحٌ لِلْيَهُودِ بَعْدَ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ. فَعُلِمَ اتِّفَاقُ أَهْلِ الْمِلَلِ كُلِّهَا: الْمُسْلِمُونَ وَالْيَهُودُ وَالنَّصَارَى عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِيمَا ذُكِرَ فِي الْقُرْآنِ مِنْ ذِكْرِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَمُوسَى وَعِيسَى مَدْحٌ لِأَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ كَذَّبُوا مُحَمَّدًا ﷺ وَلَا مَدْحٌ لِدِينِهِمُ الْمُبَدَّلِ قَبْلَ مَبْعَثِهِ فَلَيْسَ فِي ذَلِكَ مَدْحٌ لِمَنْ تَمَسَّكَ بِدِينٍ مُبَدَّلٍ وَلَا بِدِينٍ مَنْسُوخٍ، فَكَيْفَ بِمَنْ تَمَسَّكَ بِدِينٍ مُبَدَّلٍ مَنْسُوخٍ.
стр. 677
[فَصْلٌ: قِيَامُ الْحُجَّةِ عَلَى مَنْ بَلَغَتْهُ دَعْوَةُ الرُّسُلِ]
وَهُنَا أَصْلٌ لَا بُدَّ مِنْ بَيَانِهِ وَهُوَ أَنَّهُ قَدْ دَلَّتِ النُّصُوصُ عَلَى أَنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُ إِلَّا مَنْ أَرْسَلَ إِلَيْهِ رَسُولًا تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ عَلَيْهِ.
قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا - اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا - مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٣ - ١٥] وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] وَقَالَ - تَعَالَى -: عَنْ أَهْلِ النَّارِ ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ - قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الملك: ٨ - ٩] وَقَالَ:
стр. 678
﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر: ٧١] وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾ [الأنعام: ١٣٠] وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ [القصص: ٥٩] وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا﴾ [القصص: ٤٧] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾ [القصص: ٤٨] .
стр. 679
وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [المائدة: ١٥] وَقَوْلُهُ: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: ١٩] وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَمَعْلُومٌ أَنَّ الْحُجَّةَ إِنَّمَا تَقُومُ بِالْقُرْآنِ عَلَى مَنْ بَلَغَهُ كَقَوْلِهِ: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] فَمَنْ بَلَغَهُ بَعْضُ الْقُرْآنِ دُونَ بَعْضٍ قَامَتْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ بِمَا بَلَغَهُ دُونَ مَا لَمْ يَبْلُغْهُ فَإِذَا اشْتَبَهَ مَعْنَى بَعْضِ الْآيَاتِ وَتَنَازَعَ النَّاسُ فِي تَأْوِيلِ الْآيَةِ وَجَبَ رَدُّ مَا تَنَازَعُوا فِيهِ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اجْتَهَدَ النَّاسُ فِي فَهْمِ مَا أَرَادَهُ الرَّسُولُ ﷺ فَالْمُصِيبُ لَهُ أَجْرَانِ وَالْمُخْطِئُ لَهُ أَجْرٌ فَلَا يُمْنَعُ أَنْ يُقَالَ ذَلِكَ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ قَبْلَنَا فَمَنْ لَمْ يَبْلُغْهُ جَمِيعُ نُصُوصِ الْكِتَابِ قَبْلَنَا لَمْ تَقُمْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ إِلَّا بِمَا بَلَغَهُ وَمَا خَفِيَ عَلَيْهِمْ مَعْنَاهُ مِنْهُ فَاجْتَهَدَ فِي مَعْرِفَتِهِ، فَإِنْ
стр. 680
أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ وَإِنْ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ وَخَطَأُهُ مَحْطُوطٌ عَنْهُ فَأَمَّا مَنْ تَعَمَّدَ تَحْرِيفَ الْكِتَابِ لَفْظِهِ أَوْ مَعْنَاهُ وَعَرَفَ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ فَعَانَدَهُ فَهَذَا مُسْتَحِقٌّ لِلْعِقَابِ وَكَذَلِكَ مَنْ فَرَّطَ فِي طَلَبِ الْحَقِّ وَاتِّبَاعِهِ مُتَّبِعًا لِهَوَاهُ مُشْتَغِلًا عَنْ ذَلِكَ بِدُنْيَاهُ.
وَعَلَى هَذَا فَإِذَا كَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْكِتَابِ قَدْ حَرَّفُوا بَعْضَ الْكِتَابِ وَفِيهِمْ آخَرُونَ لَمْ يَعْلَمُوا ذَلِكَ فَهُمْ مُجْتَهِدُونَ فِي اتِّبَاعِ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ لَمْ يَجِبْ أَنْ يُجْعَلَ هَؤُلَاءِ مِنَ الْمُسْتَوْجِبِينَ لِلْوَعِيدِ وَإِذَا جَازَ أَنْ يَكُونَ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ جَمِيعَ مَا جَاءَ بِهِ الْمَسِيحُ بَلْ خَفِيَ عَلَيْهِ بَعْضُ مَا جَاءَ بِهِ أَوْ بَعْضُ مَعَانِيهِ فَاجْتَهَدَ لَمْ يُعَاقَبْ عَلَى مَا لَمْ يَبْلُغْهُ وَقَدْ تُحْمَلُ أَخْبَارُ الْيَهُودِ الَّذِينَ كَانُوا مَعَ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ كَانُوا يَنْتَظِرُونَ الْإِيمَانَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ كَابْنِ التَّيْهَانِ وَغَيْرِهِ عَلَى هَذَا وَأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مُكَذِّبِينَ لِلْمَسِيحِ تَكْذِيبَ غَيْرِهِمْ مِنَ الْيَهُودِ.
стр. 681
وَقَدْ تَنَازَعَ النَّاسُ هَلْ يُمْكِنُ مَعَ الِاجْتِهَادِ وَاسْتِفْرَاغِ الْوُسْعِ أَنْ لَا يُبَيَّنَ لِلنَّاظِرِ الْمُسْتَدِلِّ صِدْقُ الرَّسُولِ أَمْ لَا. وَإِذَا لَمْ يُبَيَّنْ لَهُ ذَلِكَ هَلْ يَسْتَحِقُّ الْعُقُوبَةَ فِي الْآخِرَةِ أَمْ لَا؟ .
وَتَنَازَعَ بَعْضُ النَّاسِ فِي الْمُقَلِّدِ مِنْهُمْ أَيْضًا وَالْكَلَامُ فِي مَقَامَيْنِ: الْمَقَامُ الْأَوَّلُ: فِي بَيَانِ خَطَأِ الْمُخَالِفِ لِلْحَقِّ وَضَلَالِهِ وَهَذَا مِمَّا يُعْلَمُ بِطُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ عَقْلِيَّةٍ وَسَمْعِيَّةٍ وَقَدْ يُعْرَفُ الْخَطَأُ فِي أَقْوَالٍ كَثِيرَةٍ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ الْمُخَالِفِينَ لِلْحَقِّ وَغَيْرِ أَهْلِ الْقِبْلَةِ بِأَنْوَاعٍ مُتَعَدِّدَةٍ مِنَ الدَّلَائِلِ.
وَالْمَقَامُ الثَّانِي: الْكَلَامُ فِي كُفْرِهِمْ وَاسْتِحْقَاقِهِمُ الْوَعِيدَ فِي الْآخِرَةِ.
فَهَذَا فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ لِلنَّاسِ مِنْ أَصْحَابِ الْأَئِمَّةِ الْمَشْهُورِينَ مَالِكٍ
стр. 682
وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ لَهُمُ الْأَقْوَالُ الثَّلَاثَةُ.
قِيلَ: أَنَّهُ يُعَذَّبُ فِي النَّارِ مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ وَإِنْ لَمْ يُرْسَلْ إِلَيْهِ رَسُولٌ لِقِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ بِالْعَقْلِ وَهَذَا قَوْلُ كَثِيرٍ مِمَّنْ يَقُولُ بِالْحُكْمِ الْعَقْلِيِّ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ وَالْفِقْهِ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِمْ وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي الْخَطَّابِ.
وَقِيلَ: لَا حُجَّةَ عَلَيْهِ بِالْعَقْلِ بَلْ لَا يَجُوزُ أَنْ يُعَذَّبَ مَنْ لَمْ يَقُمْ عَلَيْهِ حُجَّةٌ لَا بِالشَّرْعِ وَلَا بِالْعَقْلِ وَهَذَا قَوْلُ مَنْ يُجَوِّزُ تَعْذِيبَ أَطْفَالِ الْكُفَّارِ وَمَجَانِينِهِمْ وَهَذَا قَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ كَالْجَهْمِ وَأَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ وَأَصْحَابِهِ وَالْقَاضِي
стр. 683
أَبِي يَعْلَى وَابْنِ عَقِيلٍ وَغَيْرِهِمْ.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: وَعَلَيْهِ السَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ إِنَّهُ لَا يُعَذَّبُ إِلَّا مَنْ بَلَغَتْهُ الرِّسَالَةُ وَلَا يُعَذَّبُ إِلَّا مَنْ خَالَفَ الرُّسُلَ ; كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ.
قَالَ - تَعَالَى -: لِإِبْلِيسَ ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٥] وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَنَحْنُ فِيمَا نُنَاظِرُ فِيهِ أَهْلَ الْكِتَابِ: مُتَقَدِّمِيهِمْ وَمُتَأَخِّرِيهِمْ تَارَةً نَتَكَلَّمُ فِي الْمَقَامِ الْأَوَّلِ وَهُوَ بَيَانُ مُخَالَفَتِهِمْ لِلْحَقِّ وَجَهْلِهِمْ وَضَلَالِهِمْ فَهَذَا تَنْبِيهٌ لِجَمِيعِ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْعَقْلِيَّةِ وَتَارَةً نُبَيِّنُ كُفْرَهُمُ الَّذِي يَسْتَحِقُّونَ بِهِ الْعَذَابَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَهَذَا
стр. 684
أَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لَا يُتَكَلَّمُ فِيهِ إِلَّا بِمَا أَخْبَرَتْ بِهِ الرُّسُلُ ; كَمَا أَنَّا أَيْضًا لَا نَشْهَدُ بِالْإِيمَانِ وَالْجَنَّةِ إِلَّا لِمَنْ شَهِدَتْ لَهُ الرُّسُلُ وَمَنْ لَمْ تَقُمْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ فِي الدُّنْيَا بِالرِّسَالَةِ كَالْأَطْفَالِ وَالْمَجَانِينِ وَأَهْلِ الْفَتَرَاتِ فَهَؤُلَاءِ فِيهِمْ أَقْوَالٌ أَظْهَرُهَا مَا جَاءَتْ بِهِ الْآثَارُ أَنَّهُمْ يُمْتَحَنُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَبْعَثُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ مَنْ يَأْمُرُهُمْ بِطَاعَتِهِ، فَإِنْ أَطَاعُوهُ اسْتَحَقُّوا الثَّوَابَ وَإِنْ عَصَوْهُ اسْتَحَقُّوا الْعِقَابَ.
стр. 685
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَنَحْنُ نَشْهَدُ لِمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا بِمُوسَى مُتَّبِعًا لَهُ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ مُسْلِمٌ مُسْتَحِقٌّ لِلثَّوَابِ.
وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَ مُؤْمِنًا بِالْمَسِيحِ مُتَّبِعًا لَهُ وَنَشْهَدُ لِمَنْ قَامَتْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ بِمُوسَى فَلَمْ يَتَّبِعْهُ كَآلِ فِرْعَوْنَ أَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ النَّارِ.
وَكَذَلِكَ مَنْ قَامَتْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ بِالْمَسِيحِ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ١١٥] وَالَّذِينَ قَالَ فِيهِمْ: ﴿يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ - فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ - وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران: ٥٥ - ٥٧] وَأَمَّا مَنْ بَعُدَ عَهْدُهُ بِالْمَسِيحِ وَبَلَغَتْهُ بَعْضُ أَخْبَارِهِ دُونَ بَعْضٍ أَوْ بِمُوسَى وَبَلَغَهُ أَخْبَارُهُ دُونَ بَعْضٍ، فَهَؤُلَاءِ قَامَتْ عَلَيْهِمُ الْحُجَّةُ بِمَا بَلَغَهُمْ مِنْ أَخْبَارِهِمْ دُونَ مَا لَمْ يَبْلُغْهُمْ مِنْ أَخْبَارِهِمْ وَإِذَا اخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِ بَعْضِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ فَمَنْ قَصَدَ الْحَقَّ وَاجْتَهَدَ فِي طَلَبِهِ لَمْ يَجِبْ
стр. 686
أَنْ يُعَذَّبَ وَإِنْ كَانَ مُخْطِئًا لِلْحَقِّ جَاهِلًا بِهِ ضَالًّا عَنْهُ كَالْمُجْتَهِدِ فِي طَلَبِ الْحَقِّ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ .
وَعَلَى هَذَا فَإِذَا قِيلَ: أَنَّ الْحَوَارِيِّينَ أَوْ بَعْضَهُمْ أَوْ كَثِيرًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أَوْ أَكْثَرَهُمْ كَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَنَّ الْمَسِيحَ نَفْسَهُ صُلِبَ كَانُوا مُخْطِئِينَ فِي ذَلِكَ وَلَمْ يَكُنْ هَذَا الْخَطَأُ مِمَّا يَقْدَحُ فِي إِيمَانِهِمْ بِالْمَسِيحِ إِذَا آمَنُوا بِمَا جَاءَ بِهِ وَلَا يُوجِبُ لَهُمُ النَّارَ، فَإِنَّ الْأَنَاجِيلَ الَّتِي بِأَيْدِي أَهْلِ الْكِتَابِ فِيهَا ذِكْرُ صَلْبِ الْمَسِيحِ وَعِنْدَهُمْ أَنَّهَا مَأْخُوذَةٌ عَنِ الْأَرْبَعَةِ مُرْقُسَ وَلُوقَا وَيُوحَنَّا
стр. 687
وَمَتَّى وَلَمْ يَكُنْ فِي الْأَرْبَعَةِ مَنْ شَهِدَ صَلْبَ الْمَسِيحِ وَلَا مِنَ الْحَوَارِيِّينَ بَلْ وَلَا فِي أَتْبَاعِهِ مَنْ شَهِدَ صَلْبَهُ وَإِنَّمَا الَّذِينَ شَهِدُوا الصَّلْبَ طَائِفَةٌ مِنَ الْيَهُودِ فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ أَنَّهُمْ: عَلِمُوا أَنَّ الْمَصْلُوبَ غَيْرُهُ وَتَعَمَّدُوا الْكَذِبَ فِي أَنَّهُمْ صَلَبُوهُ وَشُبِّهَ صَلْبُهُ عَلَى مَنْ أَخْبَرُوهُمْ وَهَذَا قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ الْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ حَزْمٍ
стр. 688
وَغَيْرِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ بَلِ اشْتَبَهَ عَلَى الَّذِينَ صَلَبُوهُ وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ النَّاسِ، وَالْأَوَّلُونَ يَقُولُونَ أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٧] أَيْ شُبِّهَ لِلنَّاسِ الَّذِينَ أَخْبَرَهُمْ أُولَئِكَ بِصَلْبِهِ.
الْجُمْهُورُ يَقُولُونَ: بَلْ شُبِّهَ لِلَّذِينَ يَقُولُونَ صَلَبُوهُ كَمَا قَدْ ذُكِرَتِ الْقِصَّةُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ النَّاسَ فِي هَذَا الْمَقَامِ عَلَى طَرَفَيْنِ وَوَسَطٍ.
стр. 689
أَمَّا الطَّرَفُ الْوَاحِدُ: فَهُمُ الْغُلَاةُ مِنَ النَّصَارَى الَّذِينَ يَدَّعُونَ أَنَّ الْحَوَارِيِّينَ كَانُوا مَعْصُومِينَ فِيمَا يَقُولُونَهُ وَيَرْوُونَهُ وَيَرَوْنَهُ، وَكَذَلِكَ يَقُولُونَ بِتَصْوِيبِ عُلَمَاءِ النَّصَارَى فِيمَا يَقُولُونَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْإِنْجِيلِ.
وَالطَّرَفُ الْآخَرُ يَقُولُ: بَلْ كُلُّ مَنْ غَلَطَ وَأَخْطَأَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لِلْوَعِيدِ بَلْ كَافِرٌ.
وَالثَّالِثُ: الْوَسَطُ: أَنَّهُمْ لَا يُعْصَمُونَ وَلَا يُؤَثَّمُونَ بَلْ قَدْ يَكُونُونَ مُخْطِئِينَ خَطَأً مَغْفُورًا لَهُمْ إِذَا كَانُوا مُجْتَهِدِينَ فِي مَعْرِفَةِ الْحَقِّ وَاتِّبَاعِهِ بِحَسَبِ وُسْعِهِمْ وَطَاقَتِهِمْ وَعَلَى هَذَا تَدُلُّ الْأَدِلَّةُ الصَّحِيحَةُ وَكُتُبُ اللَّهِ تَدُلُّ عَلَى ذَمِّ الضَّالِّ وَالْجَاحِدِ وَمَقْتِهِ مَعَ أَنَّهُ لَا يُعَاقَبُ إِلَّا بَعْدَ إِنْذَارِهِ.
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ عَنِ النَّبِيِّ
стр. 690
- ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ فَمَقَتَهُمْ عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ إِلَّا بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ» .
فَأَخْبَرَ أَنَّهُ مَقَتَهُمْ إِلَّا هَؤُلَاءِ الْبَقَايَا، وَالْمَقْتُ هُوَ الْبُغْضُ بَلْ أَشَدُّ الْبُغْضِ وَمَعَ هَذَا فَقَدَ أَخْبَرَ فِي الْقُرْآنِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيُعَذِّبَهُمْ حَتَّى يَبْعَثَ إِلَيْهِمْ رَسُولًا فَقَالَ: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] وَقَالَ: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾ [طه: ١٣٤] فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْمُقْتَضِيَ لِعَذَابِهِمْ قَائِمٌ، وَلَكِنَّ شَرْطَ الْعَذَابِ هُوَ بُلُوغُ الرِّسَالَةِ وَلِهَذَا قَالَ ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَا أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنَ اللَّهِ؛ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ أَرْسَلَ الرُّسُلَ وَأَنْزَلَ الْكُتُبَ» .
وَفِي رِوَايَةٍ «مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ بَعَثَ الرُّسُلَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ
стр. 691
وَمَا أَحَدٌ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْمَدْحُ مِنَ اللَّهِ؛ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ مَدَحَ نَفْسَهُ، وَمَا أَحَدٌ أَغْيَرَ مِنَ اللَّهِ، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ» .
وَقَدْ تَنَازَعَ النَّاسُ فِي حُسْنِ الْأَفْعَالِ وَقُبْحِهَا كَحُسْنِ الْعَدْلِ وَالتَّوْحِيدِ وَالصِّدْقِ وَقُبْحِ الظُّلْمِ وَالشِّرْكِ وَالْكَذِبِ هَلْ يُعْلَمُ بِالْعَقْلِ أَمْ لَا يُعْلَمُ إِلَّا بِالسَّمْعِ وَإِذَا قِيلَ أَنَّهُ يُعْلَمُ بِالْعَقْلِ فَهَلْ يُعَاقَبُ مَنْ
стр. 692
فَعَلَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَهُ رَسُولٌ؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ مَعْرُوفَةٍ فِي أَصْحَابِ الْأَئِمَّةِ وَغَيْرِهِمْ، وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ لِأَصْحَابِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِمْ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ لَا يُعْرَفُ ذَلِكَ إِلَّا بِالشَّرْعِ لَا بِالْعَقْلِ، وَهَذَا قَوْلُ نُظَّارِ الْمُجْبِرَةِ كَالْجَهْمِ بْنِ صَفْوَانَ وَأَمْثَالِهِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ وَأَتْبَاعِهِ مِنْ أَصْحَابِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ كَالْقَاضِي أَبِي بَكْرِ بْنِ الطَّيِّبِ وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَامِدٍ وَالْقَاضِي أَبِي يَعْلَى وَأَبِي الْمَعَالِي
стр. 693
وَأَبِي الْوَفَاءِ بْنِ عَقِيلٍ وَغَيْرِهِمْ وَقِيلَ بَلْ قَدْ يُعْلَمُ حُسْنُ الْأَفْعَالِ وَقُبْحُهَا بِالْعَقْلِ.
قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ مَحْفُوظُ بْنُ أَحْمَدَ وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ.
وَهَذَا هُوَ الْمَنْقُولُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ نَفْسِهِ وَعَلَيْهِ عَامَّةُ أَصْحَابِهِ وَكَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ كَأَبِي الْحَسَنِ التَّمِيمِيِّ وَأَبِي الْخَطَّابِ وَأَبِي بَكْرٍ الْقَفَّالِ وَأَبِي نَصْرٍ
стр. 694
السِّجْزِيِّ وَأَبِي الْقَاسِمِ سَعْدِ بْنِ عَلِيٍّ الزَّنْجَانِيِّ وَهُوَ قَوْلُ الْكَرَّامِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ نُظَّارِ الْمُثْبِتَةِ لِلْقَدَرِ وَهُوَ قَوْلُ الْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ
стр. 695
مِنْ نُظَّارِ الْقَدَرِيَّةِ، ثُمَّ هَؤُلَاءِ عَلَى قَوْلَيْنِ: مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: يَسْتَحِقُّونَ عَذَابَ الْآخِرَةِ بِمُجَرَّدِ مُخَالَفَتِهِمْ لِلْعَقْلِ كَقَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْحَنَفِيَّةِ وَأَبِي الْخَطَّابِ، وَقَوْلُ هَؤُلَاءِ مُخَالِفٌ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ بَلْ لَا يُعَذَّبُونَ حَتَّى يُبْعَثَ إِلَيْهِمْ رَسُولٌ ; كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ. لَكِنَّ أَفْعَالَهُمْ تَكُونُ مَذْمُومَةً مَمْقُوتَةً يَذُمُّهَا اللَّهُ وَيُبْغِضُهَا وَيُوصَفُونَ بِالْكُفْرِ الَّذِي يَذُمُّهُ اللَّهُ وَيُبْغِضُهُ وَإِنْ كَانَ لَا يُعَذِّبُهُمْ حَتَّى يَبْعَثَ إِلَيْهِمْ رَسُولًا ; كَمَا قَالَ: النَّبِيُّ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ ; كَمَا تَقَدَّمَ «إِنَّ اللَّهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ فَمَقَتَهُمْ عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ إِلَّا بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَإِنَّ رَبِّي قَالَ: لِي قُمْ فِي قُرَيْشٍ، فَأَنْذِرْهُمْ قُلْتُ إِذًا يَثْلَغُوا رَأْسِي حَتَّى يَدَعُوهُ خُبْزَةً.
قَالَ: " إِنِّي مُبْتَلِيكَ وَمُبْتَلٍ بِكَ وَمُنْزِلٌ عَلَيْكَ كِتَابًا لَا يَغْسِلُهُ الْمَاءُ تَقْرَأُهُ نَائِمًا وَيَقْظَانَ فَابْعَثْ جُنْدًا أَبْعَثْ مِثْلَيْهِمْ، وَقَاتِلْ بِمَنْ أَطَاعَكَ مَنْ عَصَاكَ وَأَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ» .
وَقَالَ: «إِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ فَاجْتَالَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنْزِلْ بِهِ
стр. 696
سُلْطَانًا» .
وَقَالَ: النَّبِيُّ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ» .
وَفِي رِوَايَةٍ «عَلَى هَذِهِ الْمِلَّةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُمَجِّسَانِهِ ; كَمَا تُنْتِجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ» ، ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ «اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠] قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ مَنْ يَمُوتُ مِنْ أَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ وَهُوَ صَغِيرٌ قَالَ: اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ وَمَعَ
стр. 697
مَقْتِ اللَّهِ لَهُمْ فَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيُعَذِّبَهُمْ حَتَّى يَبْعَثَ إِلَيْهِمْ رَسُولًا» وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى إِبْطَالِ قَوْلِ مَنْ قَالَ: أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مُسِيئِينَ وَلَا مُرْتَكِبِينَ لِقَبِيحٍ حَتَّى جَاءَ السَّمْعُ. وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: أَنَّهُمْ كَانُوا مُعَذَّبِينَ بِدُونِ السَّمْعِ إِمَّا لِقِيَامِ الْحُجَّةِ بِالْعَقْلِ ; كَمَا يَقُولُهُ مَنْ يَقُولُهُ مِنَ الْقَدَرِيَّةِ وَإِمَّا لِمَحْضِ الْمَشِيئَةِ ; كَمَا يَقُولُهُ الْمُجْبِرَةُ.
قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ [القصص: ٥٩] وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [القصص: ٤٧]
стр. 698
وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾ [طه: ١٣٤] فَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيُعَذِّبَ الْكُفَّارَ حَتَّى يَبْعَثَ إِلَيْهِمْ رَسُولًا، وَبَيَّنَ أَنَّهُمْ قَبْلَ الرَّسُولِ كَانُوا قَدِ اكْتَسَبُوا الْأَعْمَالَ الَّتِي تُوجِبُ الْمَقْتَ وَالذَّمَّ وَهِيَ سَبَبٌ لِلْعَذَابِ، لَكِنْ شَرْطُ الْعَذَابِ قِيَامُ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ بِالرِّسَالَةِ.
стр. 699
[فَصْلٌ: أَسْبَابُ ضَلَالِ النَّصَارَى وَمَنْ عَلَى شَاكِلَتِهِمْ]
وَمِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ سَبَبَ ضَلَالِ النَّصَارَى وَأَمْثَالِهِمْ مِنَ الْغَالِيَةِ كَغَالِيَةِ الْعُبَّادِ وَالشِّيعَةِ وَغَيْرِهِمْ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ:
أَحَدُهَا: أَلْفَاظٌ مُتَشَابِهَةٌ مُجْمَلَةٌ مُشْكِلَةٌ مَنْقُولَةٌ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ وَعَدَلُوا عَنِ الْأَلْفَاظِ الصَّرِيحَةِ الْمُحْكَمَةِ وَتَمَسَّكُوا بِهَا وَهُمْ كُلَّمَا سَمِعُوا لَفْظًا لَهُمْ فِيهِ شُبْهَةٌ تَمَسَّكُوا بِهِ وَحَمَلُوهُ عَلَى مَذْهَبِهِمْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَلِيلًا عَلَى ذَلِكَ، وَالْأَلْفَاظُ الصَّرِيحَةُ الْمُخَالِفَةُ لِذَلِكَ إِمَّا أَنْ يُفَوِّضُوهَا، وَإِمَّا أَنْ يَتَأَوَّلُوهَا كَمَا يَصْنَعُ أَهْلُ الضَّلَالِ، يَتَّبِعُونَ الْمُتَشَابِهَ مِنَ الْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ وَالسَّمْعِيَّةِ وَيَعْدِلُونَ عَنِ الْمُحْكَمِ الصَّرِيحِ مِنَ الْقِسْمَيْنِ.
وَالثَّانِي: خَوَارِقُ ظَنُّوهَا آيَاتٍ وَهِيَ مِنْ أَحْوَالِ الشَّيَاطِينِ وَهَذَا مِمَّا ضَلَّ بِهِ كَثِيرٌ مِنَ الضُّلَّالِ الْمُشْرِكِينَ وَغَيْرِهِمْ، مِثْلُ دُخُولِ الشَّيَاطِينِ فِي الْأَصْنَامِ وَتَكْلِيمِهَا لِلنَّاسِ، وَمِثْلُ إِخْبَارِ الشَّيَاطِينِ لِلْكُهَّانِ بِأُمُورٍ غَائِبَةٍ وَلَا بُدَّ لَهُمْ مَعَ ذَلِكَ مِنْ كَذِبٍ وَمِثْلُ تَصَرُّفَاتٍ تَقَعُ مِنَ الشَّيَاطِينِ.
وَالثَّالِثُ: أَخْبَارٌ مَنْقُولَةٌ إِلَيْهِمْ ظَنُّوهَا صِدْقًا وَهِيَ كَذِبٌ وَإِلَّا فَلَيْسَ مَعَ النَّصَارَى وَلَا غَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الضَّلَالِ عَلَى بَاطِلِهِمْ لَا مَعْقُولٌ
стр. 700
صَرِيحٌ وَلَا مَنْقُولٌ صَحِيحٌ، وَلَا آيَةٌ مِنْ آيَاتِ الْأَنْبِيَاءِ بَلْ إِنْ تَكَلَّمُوا بِمَعْقُولٍ تَكَلَّمُوا بِأَلْفَاظٍ مُتَشَابِهَةٍ مُجْمَلَةٍ. فَإِذَا اسْتَفْسَرُوا عَنْ مَعَانِي تِلْكَ الْكَلِمَاتِ، وَفُرِّقَ بَيْنَ حَقِّهَا وَبَاطِلِهَا تَبَيَّنَ مَا فِيهَا مِنَ التَّلْبِيسِ وَالِاشْتِبَاهِ.
وَإِنْ تَكَلَّمُوا بِمَنْقُولٍ: فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ صَحِيحًا لَكِنْ لَا يَدُلُّ عَلَى بَاطِلِهِمْ.
وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ غَيْرَ صَحِيحٍ ثَابِتٍ بَلْ مَكْذُوبٍ.
وَكَذَلِكَ مَا يَذْكُرُونَهُ مِنْ خَوَارِقِ الْعَادَاتِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ صَحِيحًا قَدْ ظَهَرَ عَلَى يَدِ نَبِيٍّ كَمُعْجِزَاتِ الْمَسِيحِ وَمَنْ قَبْلَهُ كَإِلْيَاسَ وَالْيَسَعَ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَكَمُعْجِزَاتِ مُوسَى فَهَذِهِ حَقٌّ.
وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ قَدْ ظَهَرَتْ عَلَى يَدِ بَعْضِ الصَّالِحِينَ كَالْحَوَارِيِّينَ وَذَلِكَ لَا يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونُوا مَعْصُومِينَ كَالْأَنْبِيَاءِ، فَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ مَعْصُومُونَ فِيمَا يُبَلِّغُونَهُ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَلَا يَسْتَقِرُّ فِي كَلَامِهِمْ بَاطِلٌ لَا عَمْدًا وَلَا خَطَأً.
وَأَمَّا الصَّالِحُونَ فَقَدْ يَغْلَطُ أَحَدُهُمْ وَيُخْطِئُ مَعَ ظُهُورِ الْخَوَارِقِ عَلَى يَدَيْهِ وَذَلِكَ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ رَجُلًا صَالِحًا وَلَا يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ مَعْصُومًا إِذَا كَانَ هُوَ لَمْ يَدَّعِ الْعِصْمَةَ وَلَمْ يَأْتِ بِالْآيَاتِ دَالَّةً عَلَى ذَلِكَ
стр. 701
وَلَوِ ادَّعَى الْعِصْمَةَ وَلَيْسَ بِنَبِيٍّ لَكَانَ كَاذِبًا لَا بُدَّ أَنْ يَظْهَرَ كَذِبُهُ وَتَقْتَرِنَ بِهِ الشَّيَاطِينُ فَتُضِلُّهُ وَيَدْخُلُ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ [الشعراء: ٢٢١] وَالنَّصَارَى عِنْدَهُمْ مَنْقُولٌ فِي الْأَنَاجِيلِ أَنَّ الَّذِي صُلِبَ وَدُفِنَ فِي الْقَبْرِ رَآهُ بَعْضُ الْحَوَارِيِّينَ وَغَيْرُهُمْ بَعْدَ أَنْ دُفِنَ قَامَ مِنْ قَبْرِهِ رَأَوْهُ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا وَأَرَاهُمْ مَوْضِعَ الْمَسَامِيرِ وَقَالَ: لَا تَظُنُّوا أَنِّي شَيْطَانٌ.
стр. 702
وَهَذَا إِذَا كَانَ صَحِيحًا فَذَاكَ شَيْطَانٌ ادَّعَى أَنَّهُ الْمَسِيحُ وَالْتَبَسَ عَلَى أُولَئِكَ، وَمِثْلُ هَذَا قَدْ جَرَى لِخَلْقٍ عَظِيمٍ فِي زَمَانِنَا وَقَبْلَ زَمَانِنَا كَنَاسٍ كَانُوا بِـ " تَدْمُرَ " فَرَأَوْا شَخْصًا عَظِيمًا طَائِرًا فِي الْهَوَاءِ وَظَهَرَ لَهُمْ مَرَّاتٍ بِأَنْوَاعٍ مِنَ اللِّبَاسِ وَقَالَ: لَهُمْ أَنَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَأَمَرَهُمْ بِأُمُورٍ يَمْتَنِعُ أَنْ يَأْمُرَ بِهَا الْمَسِيحُ ﵇ وَحَضَرُوا إِلَى عِنْدِ النَّاسِ وَبَيَّنُوا لَهُمْ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ شَيْطَانٌ أَرَادَ أَنْ يُضِلَّهُمْ.
وَآخَرُونَ يَأْتِي أَحَدُهُمْ إِلَى قَبْرِ مَنْ يُعَظِّمُهُ وَيُحْسِنُ بِهِ الظَّنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ وَغَيْرِهِمْ فَتَارَةً يَرَى الْقَبْرَ قَدِ انْشَقَّ وَخَرَجَ مِنْهُ إِنْسَانٌ عَلَى صُورَةِ ذَلِكَ الرَّجُلِ وَتَارَةً يَرَى ذَلِكَ الْإِنْسَانَ قَدْ دَخَلَ فِي الْقَبْرِ وَتَارَةً يَرَاهُ إِمَّا رَاكِبًا وَإِمَّا مَاشِيًا دَاخِلًا إِلَى مَكَانِ ذَلِكَ الْمَيِّتِ كَالْقُبَّةِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى الْقَبْرِ وَتَارَةً يَرَاهُ خَارِجًا مِنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ وَيَظُنُّ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ ذَلِكَ الرَّجُلُ الصَّالِحُ وَقَدْ يَظُنُّ أَنَّ قَوْمًا اسْتَغَاثُوا بِهِ فَذَهَبَ إِلَيْهِمْ وَيَكُونُ ذَلِكَ شَيْطَانًا تَصَوَّرَ بِصُورَتِهِ وَهَذَا جَرَى لِغَيْرِ وَاحِدٍ مِمَّنْ أَعْرِفُهُمْ وَتَارَةً يَسْتَغِيثُ
стр. 703
أَقْوَامٌ بِشَخْصٍ يُحْسِنُونَ بِهِ الظَّنَّ إِمَّا مَيِّتٌ وَإِمَّا غَائِبٌ فَيَرَوْنَهُ بِعُيُونِهِمْ قَدْ جَاءَ وَقَدْ يُكَلِّمُهُمْ وَقَدْ يَقْضِي بَعْضَ حَاجَاتِهِمْ فَيَظُنُّونَهُ ذَلِكَ الشَّخْصَ الْمَيِّتَ وَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ زَعَمَ أَنَّهُ هُوَ وَلَيْسَ هُوَ إِيَّاهُ وَكَثِيرًا مَا يَأْتِي الشَّخْصُ بَعْدَ الْمَوْتِ فِي صُورَةِ الْمَيِّتِ فَيُحَدِّثُهُمْ وَيَقْضِي دُيُونًا وَيَرُدُّ وَدَائِعَ وَيُخْبِرُهُمْ عَنِ الْمَوْتَى وَيَظُنُّونَ أَنَّهُ هُوَ الْمَيِّتُ نَفْسُهُ قَدْ جَاءَ إِلَيْهِمْ وَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ تَصَوَّرَ بِصُورَتِهِ.
وَهَذَا كَثِيرٌ جِدًّا لَا سِيَّمَا فِي بِلَادِ الشِّرْكِ كَبِلَادِ الْهِنْدِ وَنَحْوِهَا وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ تَرَاهُ أَنْتَ تَحْتَ سَرِيرِهِ آخِذٌ بِيَدِ ابْنِهِ فِي الْجِنَازَةِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ إِذَا مُتُّ فَلَا تَدَعُوا أَحَدًا يُغَسِّلُنِي، فَأَنَا آتِي مِنْ هَذِهِ النَّاحِيَةِ أُغَسِّلُ نَفْسِي فَيَأْتِي بَعْدَ الْمَوْتِ شَخْصٌ فِي الْهَوَاءِ عَلَى صُورَتِهِ يُغَسِّلُهُ هُوَ وَالَّذِي أَوْصَاهُ وَيَظُنُّ ذَلِكَ أَنَّهُ جَاءَ وَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ تَصَوَّرَ بِصُورَتِهِ وَتَارَةً يَرَى أَحَدُهُمْ شَخْصًا إِمَّا طَائِرًا فِي الْهَوَاءِ وَإِمَّا عَظِيمَ الْخِلْقَةِ وَإِمَّا أَنْ يُخْبِرَهُ بِأَشْيَاءَ غَائِبَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَيَقُولَ لَهُ أَنَا الْخَضِرُ وَيَكُونُ ذَلِكَ شَيْطَانًا كَذَبَ عَلَى ذَلِكَ الشَّخْصِ وَقَدْ يَكُونُ
стр. 704
الرَّائِي مِنْ أَهْلِ الدِّينِ وَالزُّهْدِ وَالْعِبَادَةِ وَقَدْ جَرَى هَذَا لِغَيْرِ وَاحِدٍ وَتَارَةً يَرَى عِنْدَ قَبْرِ نَبِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ أَنَّ الْمَيِّتَ قَدْ خَرَجَ إِمَّا مِنْ حُجْرَتِهِ وَإِمَّا مِنْ قَبْرِهِ وَعَانَقَ ذَلِكَ الزَّائِرَ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَيَكُونُ شَيْطَانًا تَصَوَّرَ بِصُورَتِهِ وَتَارَةً يَجِيءُ مَنْ يَجِيءُ إِلَى عِنْدِ قَبْرِ ذَلِكَ الشَّخْصِ فَيَسْتَأْذِنُهُ فِي أَشْيَاءَ وَيَسْأَلُهُ عَنْ أُمُورٍ فَيُخَاطِبُهُ شَخْصٌ يَرَاهُ أَوْ يَسْمَعُ صَوْتًا وَلَا يَرَى
стр. 705
شَخْصًا وَيَكُونُ ذَلِكَ شَيْطَانًا أَضَلَّهُ.
وَقَدْ يَرَى أَشْخَاصًا فِي الْيَقَظَةِ إِمَّا رُكْبَانًا وَإِمَّا غَيْرَ رُكْبَانٍ وَيَقُولُونَ هَذَا فُلَانٌ النَّبِيُّ إِمَّا إِبْرَاهِيمُ وَإِمَّا الْمَسِيحُ وَإِمَّا مُحَمَّدٌ وَهَذَا فُلَانٌ الصِّدِّيقُ إِمَّا أَبُو بَكْرٍ وَإِمَّا عُمَرُ وَإِمَّا بَعْضُ الْحَوَارِيِّينَ وَهَذَا فُلَانٌ لِبَعْضِ مَنْ يَعْتَقِدُ فِيهِ الصَّلَاحَ إِمَّا جِرْجِسَ أَوْ غَيْرِهِ مِمَّنْ تُعَظِّمُهُ النَّصَارَى وَإِمَّا بَعْضُ شُيُوخِ الْمُسْلِمِينَ وَيَكُونُ ذَلِكَ شَيْطَانًا ادَّعَى أَنَّهُ ذَلِكَ النَّبِيُّ أَوْ ذَلِكَ الشَّيْخُ أَوِ الصِّدِّيقُ أَوِ الْقِدِّيسُ.
وَمِثْلُ هَذَا يَجْرِي كَثِيرًا لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَالنَّصَارَى وَكَثِيرٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَيَرَى أَحَدُهُمْ شَيْخًا يُحْسِنُ بِهِ الظَّنَّ وَيَقُولُ أَنَا الشَّيْخُ فُلَانٌ وَيَكُونُ شَيْطَانًا وَأَعْرِفُ مِنْ هَذَا شَيْئًا كَثِيرًا وَأَعْرِفُ غَيْرَ وَاحِدٍ مِمَّنْ يَسْتَغِيثُ بِبَعْضِ الشُّيُوخِ الْغَائِبِينَ وَالْمَوْتَى يَرَاهُ قَدْ أَتَاهُ فِي الْيَقَظَةِ وَأَعَانَهُ.
وَقَدْ جَرَى مِثْلُ هَذَا لِي وَلِغَيْرِي مِمَّنْ أَعْرِفُهُ ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ أَنَّهُ
следующие страницы →