← Акыда

Акыда · id 170

الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لابن تيمية

ابن تيمية

Полный текст (2 831 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

وَلَوِ ادَّعَى الْعِصْمَةَ وَلَيْسَ بِنَبِيٍّ لَكَانَ كَاذِبًا لَا بُدَّ أَنْ يَظْهَرَ كَذِبُهُ وَتَقْتَرِنَ بِهِ الشَّيَاطِينُ فَتُضِلُّهُ وَيَدْخُلُ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ [الشعراء: ٢٢١] وَالنَّصَارَى عِنْدَهُمْ مَنْقُولٌ فِي الْأَنَاجِيلِ أَنَّ الَّذِي صُلِبَ وَدُفِنَ فِي الْقَبْرِ رَآهُ بَعْضُ الْحَوَارِيِّينَ وَغَيْرُهُمْ بَعْدَ أَنْ دُفِنَ قَامَ مِنْ قَبْرِهِ رَأَوْهُ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا وَأَرَاهُمْ مَوْضِعَ الْمَسَامِيرِ وَقَالَ: لَا تَظُنُّوا أَنِّي شَيْطَانٌ.

стр. 702

وَهَذَا إِذَا كَانَ صَحِيحًا فَذَاكَ شَيْطَانٌ ادَّعَى أَنَّهُ الْمَسِيحُ وَالْتَبَسَ عَلَى أُولَئِكَ، وَمِثْلُ هَذَا قَدْ جَرَى لِخَلْقٍ عَظِيمٍ فِي زَمَانِنَا وَقَبْلَ زَمَانِنَا كَنَاسٍ كَانُوا بِـ " تَدْمُرَ " فَرَأَوْا شَخْصًا عَظِيمًا طَائِرًا فِي الْهَوَاءِ وَظَهَرَ لَهُمْ مَرَّاتٍ بِأَنْوَاعٍ مِنَ اللِّبَاسِ وَقَالَ: لَهُمْ أَنَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَأَمَرَهُمْ بِأُمُورٍ يَمْتَنِعُ أَنْ يَأْمُرَ بِهَا الْمَسِيحُ ﵇ وَحَضَرُوا إِلَى عِنْدِ النَّاسِ وَبَيَّنُوا لَهُمْ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ شَيْطَانٌ أَرَادَ أَنْ يُضِلَّهُمْ. وَآخَرُونَ يَأْتِي أَحَدُهُمْ إِلَى قَبْرِ مَنْ يُعَظِّمُهُ وَيُحْسِنُ بِهِ الظَّنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ وَغَيْرِهِمْ فَتَارَةً يَرَى الْقَبْرَ قَدِ انْشَقَّ وَخَرَجَ مِنْهُ إِنْسَانٌ عَلَى صُورَةِ ذَلِكَ الرَّجُلِ وَتَارَةً يَرَى ذَلِكَ الْإِنْسَانَ قَدْ دَخَلَ فِي الْقَبْرِ وَتَارَةً يَرَاهُ إِمَّا رَاكِبًا وَإِمَّا مَاشِيًا دَاخِلًا إِلَى مَكَانِ ذَلِكَ الْمَيِّتِ كَالْقُبَّةِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى الْقَبْرِ وَتَارَةً يَرَاهُ خَارِجًا مِنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ وَيَظُنُّ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ ذَلِكَ الرَّجُلُ الصَّالِحُ وَقَدْ يَظُنُّ أَنَّ قَوْمًا اسْتَغَاثُوا بِهِ فَذَهَبَ إِلَيْهِمْ وَيَكُونُ ذَلِكَ شَيْطَانًا تَصَوَّرَ بِصُورَتِهِ وَهَذَا جَرَى لِغَيْرِ وَاحِدٍ مِمَّنْ أَعْرِفُهُمْ وَتَارَةً يَسْتَغِيثُ

стр. 703

أَقْوَامٌ بِشَخْصٍ يُحْسِنُونَ بِهِ الظَّنَّ إِمَّا مَيِّتٌ وَإِمَّا غَائِبٌ فَيَرَوْنَهُ بِعُيُونِهِمْ قَدْ جَاءَ وَقَدْ يُكَلِّمُهُمْ وَقَدْ يَقْضِي بَعْضَ حَاجَاتِهِمْ فَيَظُنُّونَهُ ذَلِكَ الشَّخْصَ الْمَيِّتَ وَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ زَعَمَ أَنَّهُ هُوَ وَلَيْسَ هُوَ إِيَّاهُ وَكَثِيرًا مَا يَأْتِي الشَّخْصُ بَعْدَ الْمَوْتِ فِي صُورَةِ الْمَيِّتِ فَيُحَدِّثُهُمْ وَيَقْضِي دُيُونًا وَيَرُدُّ وَدَائِعَ وَيُخْبِرُهُمْ عَنِ الْمَوْتَى وَيَظُنُّونَ أَنَّهُ هُوَ الْمَيِّتُ نَفْسُهُ قَدْ جَاءَ إِلَيْهِمْ وَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ تَصَوَّرَ بِصُورَتِهِ. وَهَذَا كَثِيرٌ جِدًّا لَا سِيَّمَا فِي بِلَادِ الشِّرْكِ كَبِلَادِ الْهِنْدِ وَنَحْوِهَا وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ تَرَاهُ أَنْتَ تَحْتَ سَرِيرِهِ آخِذٌ بِيَدِ ابْنِهِ فِي الْجِنَازَةِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ إِذَا مُتُّ فَلَا تَدَعُوا أَحَدًا يُغَسِّلُنِي، فَأَنَا آتِي مِنْ هَذِهِ النَّاحِيَةِ أُغَسِّلُ نَفْسِي فَيَأْتِي بَعْدَ الْمَوْتِ شَخْصٌ فِي الْهَوَاءِ عَلَى صُورَتِهِ يُغَسِّلُهُ هُوَ وَالَّذِي أَوْصَاهُ وَيَظُنُّ ذَلِكَ أَنَّهُ جَاءَ وَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ تَصَوَّرَ بِصُورَتِهِ وَتَارَةً يَرَى أَحَدُهُمْ شَخْصًا إِمَّا طَائِرًا فِي الْهَوَاءِ وَإِمَّا عَظِيمَ الْخِلْقَةِ وَإِمَّا أَنْ يُخْبِرَهُ بِأَشْيَاءَ غَائِبَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَيَقُولَ لَهُ أَنَا الْخَضِرُ وَيَكُونُ ذَلِكَ شَيْطَانًا كَذَبَ عَلَى ذَلِكَ الشَّخْصِ وَقَدْ يَكُونُ

стр. 704

الرَّائِي مِنْ أَهْلِ الدِّينِ وَالزُّهْدِ وَالْعِبَادَةِ وَقَدْ جَرَى هَذَا لِغَيْرِ وَاحِدٍ وَتَارَةً يَرَى عِنْدَ قَبْرِ نَبِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ أَنَّ الْمَيِّتَ قَدْ خَرَجَ إِمَّا مِنْ حُجْرَتِهِ وَإِمَّا مِنْ قَبْرِهِ وَعَانَقَ ذَلِكَ الزَّائِرَ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَيَكُونُ شَيْطَانًا تَصَوَّرَ بِصُورَتِهِ وَتَارَةً يَجِيءُ مَنْ يَجِيءُ إِلَى عِنْدِ قَبْرِ ذَلِكَ الشَّخْصِ فَيَسْتَأْذِنُهُ فِي أَشْيَاءَ وَيَسْأَلُهُ عَنْ أُمُورٍ فَيُخَاطِبُهُ شَخْصٌ يَرَاهُ أَوْ يَسْمَعُ صَوْتًا وَلَا يَرَى

стр. 705

شَخْصًا وَيَكُونُ ذَلِكَ شَيْطَانًا أَضَلَّهُ. وَقَدْ يَرَى أَشْخَاصًا فِي الْيَقَظَةِ إِمَّا رُكْبَانًا وَإِمَّا غَيْرَ رُكْبَانٍ وَيَقُولُونَ هَذَا فُلَانٌ النَّبِيُّ إِمَّا إِبْرَاهِيمُ وَإِمَّا الْمَسِيحُ وَإِمَّا مُحَمَّدٌ وَهَذَا فُلَانٌ الصِّدِّيقُ إِمَّا أَبُو بَكْرٍ وَإِمَّا عُمَرُ وَإِمَّا بَعْضُ الْحَوَارِيِّينَ وَهَذَا فُلَانٌ لِبَعْضِ مَنْ يَعْتَقِدُ فِيهِ الصَّلَاحَ إِمَّا جِرْجِسَ أَوْ غَيْرِهِ مِمَّنْ تُعَظِّمُهُ النَّصَارَى وَإِمَّا بَعْضُ شُيُوخِ الْمُسْلِمِينَ وَيَكُونُ ذَلِكَ شَيْطَانًا ادَّعَى أَنَّهُ ذَلِكَ النَّبِيُّ أَوْ ذَلِكَ الشَّيْخُ أَوِ الصِّدِّيقُ أَوِ الْقِدِّيسُ. وَمِثْلُ هَذَا يَجْرِي كَثِيرًا لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَالنَّصَارَى وَكَثِيرٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَيَرَى أَحَدُهُمْ شَيْخًا يُحْسِنُ بِهِ الظَّنَّ وَيَقُولُ أَنَا الشَّيْخُ فُلَانٌ وَيَكُونُ شَيْطَانًا وَأَعْرِفُ مِنْ هَذَا شَيْئًا كَثِيرًا وَأَعْرِفُ غَيْرَ وَاحِدٍ مِمَّنْ يَسْتَغِيثُ بِبَعْضِ الشُّيُوخِ الْغَائِبِينَ وَالْمَوْتَى يَرَاهُ قَدْ أَتَاهُ فِي الْيَقَظَةِ وَأَعَانَهُ. وَقَدْ جَرَى مِثْلُ هَذَا لِي وَلِغَيْرِي مِمَّنْ أَعْرِفُهُ ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ أَنَّهُ

стр. 706

اسْتَغَاثَ بِي مِنْ بِلَادٍ بَعِيدَةٍ وَأَنَّهُ رَآنِي قَدْ جِئْتُهُ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: رَأَيْتُكَ رَاكِبًا بِلِبَاسِكَ وَصُورَتِكَ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: رَأَيْتُكَ عَلَى جَبَلٍ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: غَيْرَ ذَلِكَ فَأَخْبَرْتُهُمْ أَنِّي لَمْ أُغِثْهُمْ وَإِنَّمَا ذَلِكَ شَيْطَانٌ تَصَوَّرَ بِصُورَتِي لِيُضِلَّهُمْ لَمَّا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ وَدَعَوْا غَيْرَ اللَّهِ. وَكَذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِمَّنْ أَعْرِفُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا اسْتَغَاثَ بِهِ بَعْضُ مَنْ يُحْسِنُ بِهِ الظَّنَّ فَرَآهُ قَدْ جَاءَهُ وَقَضَى حَاجَتَهُ قَالَ صَاحِبِي: وَأَنَا لَا أَعْلَمُ بِذَلِكَ وَمِنْ هَؤُلَاءِ الشُّيُوخِ مَنْ يَقُولُ أَنَّهُ يَسْمَعُ صَوْتَ ذَلِكَ الشَّخْصَ الْمُسْتَغِيثَ بِهِ وَيُجِيبُهُ وَتَكُونُ الشَّيَاطِينُ أَسْمَعَتْهُ صَوْتًا يُشْبِهُ صَوْتَ الشَّيْخِ الْمُسْتَغِيثِ لَهُ فَأَجَابَهُ الشَّيْخُ بِصَوْتِهِ فَأَسْمَعَتِ الْمُسْتَغِيثَ صَوْتًا يُشْبِهُ صَوْتَ الشَّيْخِ فَيَظُنُّ أَنَّهُ صَوْتُ الشَّيْخِ. وَهَذَا جَرَى لِمَنْ أَعْرِفُهُ وَأَخْبَرَ بِذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ وَقَالَ: بَقِيَ

стр. 707

الْجِنِّيُّ الَّذِي يُحَدِّثُنِي يُبَلِّغُنِي مِثْلَ صَوْتِ الْمُسْتَغِيثِينَ بِي وَيُبَلِّغُهُمْ مِثْلَ صَوْتِي وَيُرِينِي فِي شَيْءٍ أَبْيَضَ نَظِيرَ مَا أَسْأَلُ عَنْهُ فَأُخْبِرُ بِهِ النَّاسَ أَنِّي رَأَيْتُهُ وَأَنَّهُ سَيَأْتِي وَلَا أَكُونُ قَدْ رَأَيْتُهُ وَإِنَّمَا رَأَيْتُ شَبِيهَهُ. وَهَكَذَا تَفْعَلُ الْجِنُّ بِمَنْ يَعْزِمُ عَلَيْهِمْ وَيُقْسِمُ عَلَيْهِمْ. وَكَذَلِكَ مَا رَآهُ قُسْطَنْطِينُ مِنَ الصَّلِيبِ الَّذِي رَآهُ مِنْ نُجُومٍ، وَالصَّلِيبَ الَّذِي رَآهُ مَرَّةً أُخْرَى هُوَ مِمَّا مَثَّلَهُ الشَّيَاطِينُ وَأَرَاهُمْ ذَلِكَ لِيُضِلَّهُمْ بِهِ ; كَمَا فَعَلَتِ الشَّيَاطِينُ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ بِعُبَّادِ الْأَوْثَانِ.

стр. 708

وَكَذَلِكَ مَنْ ذَكَرَ أَنَّ الْمَسِيحَ جَاءَهُ فِي الْيَقَظَةِ وَخَاطَبَهُ بِأُمُورٍ ; كَمَا يُذْكَرُ عَنْ بُولِسَ، فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ صَادِقًا كَانَ ذَلِكَ الَّذِي رَآهُ فِي الْيَقَظَةِ وَقَالَ: أَنَّهُ الْمَسِيحُ، شَيْطَانًا مِنَ الشَّيَاطِينِ ; كَمَا جَرَى مِثْلُ ذَلِكَ لِغَيْرِ وَاحِدٍ. وَالشَّيْطَانُ إِنَّمَا يُضِلُّ النَّاسَ وَيُغْوِيهِمْ بِمَا يَظُنُّ أَنَّهُمْ يُطِيعُونَهُ فِيهِ فَيُخَاطِبُ النَّصَارَى بِمَا يُوَافِقُ دِينَهُمْ وَيُخَاطِبُ مَنْ يُخَاطِبُ مِنْ ضُلَّالِ الْمُسْلِمِينَ بِمَا يُوَافِقُ اعْتِقَادَهُ وَيَنْقُلُهُ إِلَى مَا يَسْتَجِيبُ لَهُمْ فِيهِ بِحَسَبِ اعْتِقَادِهِمْ. وَلِهَذَا يَتَمَثَّلُ لِمَنْ يَسْتَغِيثُ مِنَ النَّصَارَى بِجِرْجِسَ فِي صُورَةِ جِرْجِسَ أَوْ بِصُورَةِ مَنْ يَسْتَغِيثُ بِهِ النَّصَارَى مِنْ أَكَابِرِ دِينِهِمْ، إِمَّا بَعْضُ الْبَطَارِكَةِ، وَإِمَّا بَعْضُ الْمَطَارِنَةِ، وَإِمَّا بَعْضُ الرُّهْبَانِ، وَيَتَمَثَّلُ لِمَنْ يَسْتَغِيثُ بِهِ مِنْ ضُلَّالِ الْمُسْلِمِينَ بِشَيْخٍ مِنَ الشُّيُوخِ فِي صُورَةِ ذَلِكَ الشَّيْخِ ; كَمَا تَمَثَّلَ لِجَمَاعَةٍ مِمَّنْ أَعْرِفُهُمْ فِي صُورَتِي وَفِي صُورَةِ جَمَاعَةٍ مِنَ الشُّيُوخِ الَّذِينَ ذَكَرُوا فِيَّ ذَلِكَ وَيَتَمَثَّلُ كَثِيرًا فِي صُورَةِ

стр. 709

بَعْضِ الْمَوْتَى تَارَةً يَقُولُ أَنَا الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ وَتَارَةً يَقُولُ أَنَا الشَّيْخُ أَبُو الْحَجَّاجِ الْأَقْصُرِيُّ وَتَارَةً يَقُولُ أَنَا الشَّيْخُ عَدِيٌّ وَتَارَةً يَقُولُ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ الرِّفَاعِيِّ وَتَارَةً يَقُولُ أَنَا أَبُو مَدْيَنَ

стр. 710

الْمَغْرِبِيُّ وَإِذَا كَانَ يَقُولُ أَنَا الْمَسِيحُ أَوْ إِبْرَاهِيمُ أَوْ مُحَمَّدٌ فَغَيْرُهُمْ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى. وَالنَّبِيُّ ﷺ قَالَ: «مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي حَقًّا، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ فِي صُورَتِي» وَفِي رِوَايَةٍ «فِي صُورَةِ الْأَنْبِيَاءِ» . فَرُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ فِي الْمَنَامِ حَقٌّ وَأَمَّا رُؤْيَةُ الْمَيِّتِ فِي الْيَقَظَةِ فَهَذَا جِنِّيٌّ تَمَثَّلَ فِي صُورَتِهِ. وَبَعْضُ النَّاسِ يُسَمِّي هَذَا رُوحَانِيَّةَ الشَّيْخِ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ هِيَ رَفِيقُهُ وَكَثِيرٌ مِنْ هَؤُلَاءِ يُرَى يَقُومُ مِنْ مَكَانِهِ وَيَدَعُ فِي مَكَانِهِ صُورَةً

стр. 711

مِثْلَ صُورَتِهِ، وَكَثِيرٌ مِنْ هَؤُلَاءِ وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يَقُولُ يُرَى فِي مَكَانَيْنِ وَيُرَى وَاقِفًا بِعَرَفَاتٍ وَهُوَ فِي بَلَدِهِ لَمْ يَذْهَبْ فَيَبْقَى النَّاسُ الَّذِينَ لَا يَعْرِفُونَ حَائِرِينَ. فَإِنَّ الْعَقْلَ الصَّرِيحَ يَعْلَمُ أَنَّ الْجِسْمَ الْوَاحِدَ لَا يَكُونُ فِي الْوَقْتِ الْوَاحِدِ فِي مَكَانَيْنِ. وَالصَّادِقُونَ قَدْ رَأَوْا ذَلِكَ عِيَانًا لَا يَشُكُّونَ فِيهِ وَلِهَذَا يَقَعُ النِّزَاعُ كَثِيرًا بَيْنَ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ ; كَمَا قَدْ جَرَى ذَلِكَ غَيْرَ مَرَّةٍ. وَهَذَا صَادِقٌ فِيمَا رَأَى وَشَاهَدَ وَهَذَا صَادِقٌ فِيمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْعَقْلُ الصَّرِيحُ. لَكِنَّ ذَلِكَ الْمَرْئِيَّ كَانَ جِنِّيًّا تَمَثَّلَ بِصُورَةِ الْإِنْسَانِ. وَالْحِسِّيَاتُ إِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا عَقْلِيَّاتٌ تَكْشِفُ حَقَائِقَهَا وَإِلَّا وَقَعَ فِيهَا غَلَطٌ كَبِيرٌ. وَهَذَا الْقِسْمُ الْمَشْهُودُ فِي الْخَارِجِ غَيْرَ مَا يَتَخَيَّلُهُ الْإِنْسَانُ فِي نَفْسِهِ، فَإِنَّ هَذَا يَعْرِفُهُ جَمِيعُ النَّاسِ وَيُصَوِّبُهُ جَمِيعُ الْعُقَلَاءِ يَتَخَيَّلُونَ أَشْيَاءَ فِي أَنْفُسِهِمْ ; كَمَا يَتَخَيَّلُهُ النَّائِمُ فِي مَنَامِهِ وَتَكُونُ تِلْكَ الصُّورَةُ مَوْجُودَةً فِي الْخَيَالِ لَا فِي الْخَارِجِ.

стр. 712

وَالْفَلَاسِفَةُ وَسَائِرُ الْعُقَلَاءِ يَعْتَرِفُونَ بِهَذَا، لَكِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْفَلَاسِفَةِ يَظُنُّ أَنَّ مَا رَأَتْهُ الْأَنْبِيَاءُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَمَا سَمِعَتْهُ مِنَ الْكَلَامِ كَانَ مِنْ هَذَا النَّوْعِ وَيَظُنُّونَ أَنَّ مَا يُرَى مِنَ الْجِنِّ هُوَ مِنْ هَذَا النَّوْعِ وَهَؤُلَاءِ جُهَّالٌ غَالِطُونَ فِي هَذَا، كَمَا جَهِلُوا وَغَلِطُوا فِي ظَنِّهِمْ أَنَّ خَوَارِقَ الْعَادَاتِ سَبَبُهَا قُوًى نَفْسَانِيَّةٌ أَوْ طَبِيعِيَّةٌ أَوْ قُوًى فَلَكِيَّةٌ وَأَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ وَالسَّاحِرِ إِنَّمَا هُوَ حُسْنُ قَصْدِ هَذَا، وَفَسَادُ قَصْدِ الْآخَرِ وَإِلَّا فَكِلَاهُمَا خَوَارِقُ سَبَبُهَا قُوًى نَفْسَانِيَّةٌ أَوْ فَلَكِيَّةٌ، وَهَذَا النَّفْيُ بَاطِلٌ ; كَمَا قَدْ بَسَطْنَا الْكَلَامَ عَلَيْهِ وَبَيَّنَّا جَهْلَ هَؤُلَاءِ وَضَلَالَهُمْ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. وَالَّذِينَ شَاهَدُوا ذَلِكَ فِي الْخَارِجِ وَثَبَتَ عِنْدَهُمْ بِالْأَخْبَارِ الصَّادِقَةِ الْمُتَوَاتِرَةِ وُجُودُ ذَلِكَ فِي الْخَارِجِ يَعْلَمُونَ أَنَّ هَؤُلَاءِ جَاهِلُونَ ضَالُّونَ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَظْهَرُ فِي صُورَةِ الْبَشَرِ ; كَمَا ظَهَرَتْ لِإِبْرَاهِيمَ

стр. 713

وَلُوطٍ وَمَرْيَمَ فِي صُورَةِ الْبَشَرِ وَكَمَا كَانَ جِبْرِيلُ يَظْهَرُ لِلنَّبِيِّ ﷺ تَارَةً فِي صُورَةِ دِحْيَةَ الْكَلْبِيِّ وَتَارَةً فِي صُورَةِ أَعْرَابِيٍّ وَيَرَاهُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ عِيَانًا وَمَا فِي خَيَالِ الْإِنْسَانِ لَا يَرَاهُ غَيْرُهُ، وَكَذَلِكَ كَمَا ظَهَرَ إِبْلِيسُ لِلْمُشْرِكِينَ فِي صُورَةِ الشَّيْخِ النَّجْدِيِّ وَظَهَرَ لَهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ فِي صُورَةِ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ فَلَمَّا رَأَى الْمَلَائِكَةَ هَرَبَ.

стр. 714

قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: ٤٨] وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ قَالَ: تَبَدَّى إِبْلِيسُ فِي جُنْدٍ مِنَ الشَّيَاطِينِ وَمَعَهُ رَايَةٌ فِي صُورَةِ رِجَالٍ مِنْ مُدْلِجٍ، وَالشَّيْطَانُ فِي صُورَةِ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ فَقَالَ: ﴿لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٨] وَأَقْبَلَ جِبْرِيلُ ﵇ عَلَى إِبْلِيسَ فَلَمَّا رَآهُ وَكَانَتْ يَدُهُ فِي يَدِ رَجُلٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ انْتَزَعَ إِبْلِيسُ يَدَهُ وَوَلَّى مُدْبِرًا هُوَ وَشِيعَتُهُ فَقَالَ: الرَّجُلُ يَا سُرَاقَةُ أَتَزْعُمُ أَنَّكَ لَنَا جَارٌ فَقَالَ: ﴿إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: ٤٨] .

стр. 715

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَذَلِكَ لَمَّا رَأَى الْمَلَائِكَةَ قَالَ الضَّحَّاكُ: سَارَ الشَّيْطَانُ مَعَهُمْ بِرَايَتِهِ وَجُنُودِهِ وَأَلْقَى فِي قُلُوبِ الْمُشْرِكِينَ أَنَّ أَحَدًا لَنْ يَغْلِبَكُمْ وَأَنْتُمْ تُقَاتِلُونَ عَلَى دِينِكُمْ وَدِينِ آبَائِكُمْ. وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ تَحْمِلُهُ الْجِنُّ إِلَى مَكَانٍ بَعِيدٍ فَتَحْمِلُ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ إِلَى عَرَفَاتٍ وَغَيْرِ عَرَفَاتٍ وَإِذَا رُئِيَ وَاحِدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ فِي غَيْرِ بَلَدِهِ يَكُونُ تَارَةً مَحْمُولًا قَدْ حَمَلَتْهُ الْجِنُّ وَتَارَةً تَصَوَّرَتْ عَلَى صُورَتِهِ

стр. 716

وَلَا يَكُونُ هَذَا مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ الْمُتَّقِينَ الَّذِينَ لَهُمْ كَرَامَاتٌ بَلْ قَدْ يَكُونُ مِنَ الْكَافِرِينَ أَوِ الْفَاسِقِينَ وَأَعْرِفُ مِنْ ذَلِكَ قَضَايَا كَثِيرَةً لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ تَفْصِيلِهَا. وَعِنْدَ الْمُشْرِكِينَ وَالنَّصَارَى مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ كَثِيرٌ يَظُنُّونَهُ مِنْ جِنْسِ الْآيَاتِ الَّتِي لِلْأَنْبِيَاءِ. إِنَّمَا هِيَ مِنْ جِنْسِ مَا لِلسَّحَرَةِ وَالْكُهَّانِ وَمَنْ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ أَوْلِيَاءِ الرَّحْمَنِ وَأَوْلِيَاءِ الشَّيْطَانِ وَيُفَرِّقُ بَيْنَ مُعْجِزَاتِ الْأَنْبِيَاءِ وَكَرَامَاتِ الصَّالِحِينَ وَبَيْنَ خَوَارِقِ السَّحَرَةِ وَالْكُهَّانِ وَمَنْ تَقْتَرِنُ بِهِمُ الشَّيَاطِينُ وَإِلَّا الْتَبَسَ عَلَيْهِ الْحَقُّ بِالْبَاطِلِ فَإِمَّا أَنْ يُكَذِّبَ بِالْحَقِّ الَّذِي جَاءَ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ الصَّادِقُونَ وَإِمَّا أَنْ يُصَدِّقَ بِالْبَاطِلِ الَّذِي يَقُولُهُ: الْكَاذِبُونَ وَالْغَالِطُونَ. وَهَذِهِ الْأُمُورُ مَبْسُوطَةٌ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، وَالْمَقْصُودُ هُنَا التَّنْبِيهُ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ، وَعُلَمَاءُ النَّصَارَى يُسَلِّمُونَ هَذَا وَعِنْدَهُمْ مِنْ ذَلِكَ أَخْبَارٌ كَثِيرَةٌ مِنْ حِكَايَاتِ أَوْلِيَاءِ الشَّيْطَانِ الَّذِينَ عَارَضَهُمْ أَوْلِيَاءُ الرَّحْمَنِ، وَأَبْطَلُوا أَحْوَالَهُمْ كَمَا أَبْطَلَ مُوسَى - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ - مَا عَارَضَتْهُ بِهِ

стр. 717

السَّحَرَةُ مِنَ الْخَوَارِقِ، كَمَا ذُكِرَ ذَلِكَ فِي التَّوْرَاةِ وَكَمَا يَذْكُرُونَهُ عَنْ فُلَانٍ وَفُلَانٍ، مِثْلِ حِكَايَةِ سِيمُونَ السَّاحِرِ مَعَ الْحَوَارِيِّينَ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَإِذَا كَانَ هَذَا مَعْلُومًا كَانَ مَا يَذْكُرُونَهُ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ، إِذَا كَانَ مُخَالِفًا لِمَا ثَبَتَ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ مِنَ الشَّيْطَانِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحْتَجَّ بِهِ عَلَى مَا يُخَالِفُ شَرَائِعَ الْأَنْبِيَاءِ الثَّابِتَةَ عَنْهُمْ بَلْ هَؤُلَاءِ مِنْ جِنْسِ الدَّجَّالِ الْكَبِيرِ الَّذِي أَنْذَرَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ كُلُّهُمْ حَتَّى نُوحٌ أَنْذَرَ قَوْمَهُ وَقَالَ: خَاتَمُ الرُّسُلِ «مَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا قَدْ أَنْذَرَ أُمَّتَهُ حَتَّى نُوحٌ أَنْذَرَ

стр. 718

قَوْمَهُ وَسَأَقُولُ لَكُمْ فِيهِ قَوْلًا لَمْ يَقُلْهُ نَبِيٌّ لِأُمَّتِهِ أَنَّهُ أَعْوَرُ وَإِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَافِرٌ (ك ف ر) يَقْرَؤُهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ قَارِئٍ وَغَيْرِ قَارِئٍ وَقَالَ: وَاعْلَمُوا أَنَّ أَحَدًا مِنْكُمْ لَنْ يَرَى رَبَّهُ حَتَّى يَمُوتَ» . وَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّ الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ مَسِيحُ الْهُدَى يَنْزِلُ إِلَى الْأَرْضِ عَلَى الْمَنَارَةِ الْبَيْضَاءِ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ فَيَقْتُلُ مَسِيحَ الضَّلَالَةِ وَهَذَا هُوَ الَّذِي تَنْتَظِرُهُ الْيَهُودُ وَيَجْحَدُونَ الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ وَيَقُولُونَ هَذَا هُوَ الَّذِي بَشَّرَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ وَيَتْبَعُهُ مِنْ يَهُودِ أَصْبَهَانَ سَبْعُونَ أَلْفًا مُطَيْلَسِينَ وَيَقْتُلُهُمُ الْمُسْلِمُونَ مَعَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ شَرَّ قِتْلَةٍ حَتَّى يَقُولَ الشَّجَرُ وَالْحَجَرُ يَا مُسْلِمُ هَذَا يَهُودِيٌّ وَرَائِي تَعَالَ

стр. 719

اقْتُلْهُ. وَكُلُّ هَذَا ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَلِهَذَا أَمَرَ أُمَّتَهُ أَنْ يَسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ مِنْ فِتْنَتِهِ فَقَالَ: «إِذَا قَعَدَ أَحَدُكُمْ فِي التَّشَهُّدِ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ أَرْبَعٍ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ» . وَالْأَنْبِيَاءُ كُلُّهُمْ أَنْذَرُوا بِالْكَذَّابِينَ الَّذِينَ يَتَشَبَّهُونَ بِالْأَنْبِيَاءِ لَكِنْ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَعَمَّدُ الْكَذِبَ، وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ لَا يَتَعَمَّدُ بَلْ يَلْتَبِسُ عَلَيْهِ فَيَغْلَطُ فَيُخْبِرُ بِمَا يَظُنُّهُ حَقًّا وَلَا يَكُونُ كَذَلِكَ وَيَرَى فِي الْيَقَظَةِ مَا يَظُنُّهُ فُلَانًا الْوَلِيَّ أَوِ النَّبِيَّ ﷺ أَوِ الْخَضِرَ وَلَا يَكُونُ كَذَلِكَ. وَالْغَلَطُ جَائِزٌ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ إِلَّا الْأَنْبِيَاءَ ﵈، فَإِنَّهُمْ مَعْصُومُونَ، لَا يُقِرُّونَ عَلَى خَطَأٍ، فَمَنْ لَمْ يَزِنْ عُلُومَهُ وَأَعْمَالَهُ وَأَقْوَالَهُ وَأَفْعَالَهُ بِالْمَعْلُومِ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ وَإِلَّا كَانَ ضَالًّا فَنَسْأَلُ اللَّهَ الْعَظِيمَ أَنْ يَهْدِيَنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمَ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا.

стр. 720

وَالْمُسْلِمُونَ وَأَهْلُ الْكِتَابِ مُتَّفِقُونَ عَلَى إِثْبَاتِ مَسِيحَيْنِ: مَسِيحِ هُدًى مِنْ وَلَدِ دَاوُدَ وَمَسِيحِ ضَلَالٍ. يَقُولُ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنَّهُ مِنْ وَلَدِ يُوسُفَ وَمُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ مَسِيحَ الْهُدَى سَوْفَ يَأْتِي كَمَا يَأْتِي مَسِيحُ الضَّلَالَةِ. لَكِنِ الْمُسْلِمُونَ وَالنَّصَارَى يَقُولُونَ: مَسِيحُ الْهُدَى هُوَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَإِنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ، ثُمَّ يَأْتِي مَرَّةً ثَانِيَةً لَكِنِ الْمُسْلِمُونَ يَقُولُونَ أَنَّهُ يَنْزِلُ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَيَقْتُلُ مَسِيحَ الضَّلَالَةِ وَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ وَلَا يَبْقَى دِينٌ إِلَّا دِينَ الْإِسْلَامِ وَيُؤْمِنُ بِهِ أَهْلُ الْكِتَابِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى.

стр. 721

كَمَا قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء: ١٥٩] وَالْقَوْلُ الصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ قَبْلَ مَوْتِ الْمَسِيحِ وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا﴾ [الزخرف: ٦١] وَأَمَّا النَّصَارَى فَتَظُنُّ أَنَّهُ اللَّهُ وَأَنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِحِسَابِ الْخَلَائِقِ وَجَزَائِهِمْ وَهَذَا مِمَّا ضَلُّوا فِيهِ وَالْيَهُودُ تَعْتَرِفُ بِمَجِيءِ مَسِيحِ هُدًى يَأْتِي لَكِنْ يَزْعُمُونَ أَنَّ عِيسَى ﵇ لَمْ يَكُنْ مَسِيحَ هُدًى لِظَنِّهِمْ أَنَّهُ جَاءَ بِدِينِ النَّصَارَى الْمُبْدَلِ وَمَنْ جَاءَ بِهِ فَهُوَ كَاذِبٌ وَهُمْ يَنْتَظِرُونَ الْمَسِيحَيْنِ.

стр. 722

[فَصْلٌ: الْخَوَارِقُ الَّتِي يُضِلُّ بِهَا الشَّيَاطِينُ أَبْنَاءَ آدَمَ] وَالْخَوَارِقُ الَّتِي تُضِلُّ بِهَا الشَّيَاطِينُ لِبَنِي آدَمَ مِثْلُ تَصَوُّرِ الشَّيْطَانِ بِصُورَةِ شَخْصٍ غَائِبٍ أَوْ مَيِّتٍ وَنَحْوُ ذَلِكَ، ضَلَّ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ مِنَ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ أَوْ إِلَى أَهْلِ الْكِتَابِ وَغَيْرِهِمْ وَهُمْ بَنُو ذَلِكَ عَلَى مُقَدِّمَتَيْنِ. إِحْدَاهُمَا: أَنَّ مَنْ ظَهَرَتْ هَذِهِ عَلَى يَدَيْهِ فَهُوَ وَلِيٌّ لِلَّهِ وَبِلُغَةِ النَّصَارَى هُوَ قِدِّيسٌ عَظِيمٌ. الثَّانِيَةُ: أَنَّ مَنْ يَكُونُ كَذَلِكَ فَهُوَ مَعْصُومٌ فَكُلُّ مَا يُخْبِرُ بِهِ فَهُوَ حَقٌّ وَكُلُّ مَا يَأْمُرُ بِهِ فَهُوَ عَدْلٌ وَقَدْ لَا يَكُونُ ظَهَرَتْ عَلَى يَدَيْهِ خَوَارِقُ لَا رَحْمَانِيَّةٌ وَلَا شَيْطَانِيَّةٌ، وَلَكِنْ صَنَعَ حِيلَةً مِنْ حِيَلِ أَهْلِ الْكَذِبِ وَالْفُجُورِ، وَحِيَلُ أَهْلِ الْكَذِبِ وَالْفُجُورِ كَثِيرَةٌ جِدًّا فَيُظَنُّ أَنَّ ذَلِكَ مِنَ الْعَجَائِبِ الْخَارِقَةِ لِلْعَادَةِ وَلَا يَكُونُ كَذَلِكَ مِثْلَ الْحِيَلِ الْمَذْكُورَةِ عَنِ الرُّهْبَانِ.

стр. 723

وَقَدْ صَنَّفَ بَعْضُ النَّاسِ مُصَنَّفًا فِي حِيَلِ الرُّهْبَانِ مِثْلِ الْحِيلَةِ الْمَحْكِيَّةِ عَنْ أَحَدِهِمْ فِي جَعْلِ الْمَاءِ زَيْتًا بِأَنْ يَكُونَ الزَّيْتُ فِي جَوْفِ مَنَارَةٍ فَإِذَا نَقَصَ صُبَّ فِيهَا مَاءً فَيَطْفُو الزَّيْتُ عَلَى الْمَاءِ فَيَظُنُّ الْحَاضِرُونَ أَنَّ نَفْسَ الْمَاءِ انْقَلَبَ زَيْتًا. وَمِثْلِ الْحِيلَةِ الْمَحْكِيَّةِ عَنْهُمْ فِي ارْتِفَاعِ النَّخْلَةِ وَهُوَ أَنَّ بَعْضَهُمْ مَرَّ بِدَيْرِ رَاهِبٍ وَأَسْفَلُ مِنْهُ نَخْلَةٌ فَأَرَاهُ النَّخْلَةَ صَعِدَتْ شَيْئًا شَيْئًا حَتَّى حَاذَتِ الدَّيْرَ فَأَخَذَ مِنْ رُطَبِهَا، ثُمَّ نَزَلَتْ حَتَّى عَادَتْ كَمَا كَانَتْ، فَكَشَفَ الرَّجُلُ الْحِيلَةَ فَوَجَدَ النَّخْلَةَ فِي سَفِينَةٍ فِي مَكَانٍ مُنْخَفِضٍ إِذَا أَرْسَلَ عَلَيْهِ الْمَاءَ امْتَلَأَ حَتَّى تَصْعَدَ السَّفِينَةُ وَإِذَا صَرَّفَ الْمَاءَ إِلَى مَوْضِعٍ آخَرَ هَبَطَتِ السَّفِينَةُ. وَمِثْلِ الْحِيلَةِ الْمَحْكِيَّةِ عَنْهُمْ فِي التَّكَحُّلِ بِدُمُوعِ السَّيِّدَةِ يَضَعُونَ كُحْلًا فِي مَاءٍ مُتَحَرِّكٍ حَرَكَةً لَطِيفَةً فَيَسِيلُ حَتَّى يَنْزِلَ مِنْ تِلْكَ الصُّورَةِ فَيَخْرُجُ مِنْ عَيْنِهَا فَيُظَنُّ أَنَّهُ دُمُوعٌ. وَمِثْلِ الْحِيلَةِ الَّتِي صَنَعُوهَا بِالصُّورَةِ الَّتِي يُسَمُّونَهَا الْقُونَةَ

стр. 724

بِصِيدْنَايَا وَهِيَ أَعْظَمُ مَزَارَاتِهِمْ بَعْدَ الْقُمَامَةِ وَبَيْتِ لَحْمٍ حَيْثُ وُلِدَ الْمَسِيحُ وَحَيْثُ قُبِرَ، فَإِنَّ هَذِهِ صُورَةُ السَّيِّدَةِ مَرْيَمَ، وَأَصْلُهَا خَشَبَةُ نَخْلَةٍ سُقِيَتْ بِالْأَدْهَانِ حَتَّى تَنَعَّمَتْ وَصَارَ الدُّهْنُ يَخْرُجُ مِنْهَا دُهْنًا مَصْنُوعًا يُظَنُّ أَنَّهُ مِنْ بَرَكَةِ الصُّورَةِ. وَمِنْ حِيَلِهِمُ الْكَثِيرَةِ النَّارُ الَّتِي يَظُنُّ عَوَامُّهُمْ أَنَّهَا تَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ فِي عِيدِهِمْ فِي قُمَامَةٍ وَهِيَ حِيلَةٌ قَدْ شَهِدَهَا غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالنَّصَارَى وَرَأَوْهَا بِعُيُونِهِمْ أَنَّهَا نَارٌ مَصْنُوعَةٌ يُضِلُّونَ بِهَا عَوَامَّهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّهَا نَزَلَتْ مِنَ السَّمَاءِ وَيَتَبَرَّكُونَ بِهَا وَإِنَّمَا هِيَ صَنْعَةُ صَاحِبِ مِحَالٍ وَتَلْبِيسٍ. وَمِثْلُ ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنْ حِيَلِ النَّصَارَى فَجَمِيعُ مَا عِنْدَ النَّصَارَى الْمُبَدِّلِينَ لِدِينِ الْمَسِيحِ مِنَ الْخَوَارِقِ إِمَّا حَالٌ شَيْطَانِيٌّ وَإِمَّا مِحَالٌ

стр. 725

بُهْتَانِيٌّ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ كَرَامَاتِ الصَّالِحِينَ. وَكَذَلِكَ أَهْلُ الْإِلْحَادِ الْمُبَدِّلِينَ لِدِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ دِينًا لَمْ يَشْرَعْهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَيَجْعَلُونَهُ طَرِيقًا إِلَى اللَّهِ وَقَدْ يَخْتَارُونَهُ عَلَى الطَّرِيقِ الَّتِي شَرَعَهَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ، مِثْلُ أَنْ يَخْتَارُوا سَمَاعَ الدُّفُوفِ وَالشَّبَّابَاتِ عَلَى سَمَاعِ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فَقَدْ يَحْصُلُ لِأَحَدِهِمْ مِنَ الْوَجْدِ وَالْغَرَامِ الشَّيْطَانِيِّ مَا يَلْبِسُهُ مَعَهُ الشَّيْطَانُ حَتَّى يَتَكَلَّمَ عَلَى لِسَانِ أَحَدِهِمْ بِكَلَامٍ لَا يَعْرِفُهُ ذَلِكَ الشَّخْصُ إِذَا أَفَاقَ ; كَمَا يَتَكَلَّمُ الْجِنِّيُّ عَلَى لِسَانِ الْمَصْرُوعِ وَقَدْ يُخْبِرُ بَعْضَ الْحَاضِرِينَ بِمَا فِي نَفْسِهِ وَيَكُونُ ذَلِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ فَإِذَا فَارَقَ الشَّيْطَانُ ذَلِكَ الشَّخْصَ لَمْ يَدْرِ مَا قَالَ: وَمِنْهُمْ مَنْ يَحْمِلُهُ الشَّيْطَانُ وَيَصْعَدُ بِهِ قُدَّامَ النَّاسِ فِي الْهَوَاءِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يُشِيرُ إِلَى بَعْضِ الْحَاضِرِينَ فَيَمُوتُ أَوْ يَمْرَضُ أَوْ يَصِيرُ مِثْلَ الْخَشَبَةِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يُشِيرُ إِلَى بَعْضِ الْحَاضِرِينَ فَيَلْبَسُهُ الشَّيْطَانُ وَيَزُولُ عَقْلُهُ حَتَّى يَبْقَى دَائِرًا زَمَانًا طَوِيلًا بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ.

стр. 726

وَمِنْهُمْ مَنْ يَدْخُلُ النَّارَ وَيَأْكُلُهَا وَيَبْقَى لَهَبُهَا فِي بَدَنِهِ وَشَعْرِهِ. وَمِنْهُمْ مَنْ تُحْضِرُ لَهُ الشَّيَاطِينُ طَعَامًا أَوْ شَيْئًا مِنْ لَادِنٍ أَوْ سُكَّرٍ أَوْ زَعْفَرَانَ أَوْ مَاءِ وَرْدٍ وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْتِيهِ بِدَرَاهِمَ تَسْرِقُهَا الشَّيَاطِينُ مِنْ بَعْضِ الْمَوَاضِعِ. ثُمَّ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ إِذَا فَرَّقَ الدَّرَاهِمَ عَلَى الْحَاضِرِينَ أُخِذَتْ مِنْهُمْ فَلَا يُمَكَّنُونَ مِنَ التَّصَرُّفِ فِيهَا إِلَى أُمُورٍ يَطُولُ وَصْفُهَا وَآخَرُونَ لَيْسَ لَهُمْ مَنْ يُعِينُهُمْ عَلَى ذَلِكَ مِنَ الشَّيَاطِينِ فَيَصْنَعُونَ حِيَلًا وَمَخَارِيقَ. فَالْمُلْحِدُونَ الْمُبَدِّلُونَ لِدِينِ الرُّسُلِ، دِينِ الْمَسِيحِ أَوْ دِينِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا وَسَلَّمَ - هُمْ كَأَمْثَالِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْإِلْحَادِ

стр. 727

وَالضُّلَّالِ الْكُفَّارِ الْمُرْتَدِّينَ وَالْمُشْرِكِينَ وَنَحْوِهِمْ كَمُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ وَالْأَسْوَدِ الْعَنْسِيِّ وَالْحَارِثِ الدِّمَشْقِيِّ وَبَابَا الرُّومِيِّ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ لَهُمْ خَوَارِقُ شَيْطَانِيَّةٌ. وَأَمَّا أَهْلُ الْحِيَلِ فَيَكْثُرُونَ وَهَؤُلَاءِ لَيْسُوا أَوْلِيَاءَ اللَّهِ بَلْ خَوَارِقُهُمْ إِذَا كَانَتْ شَيْطَانِيَّةً مِنْ جِنْسِ خَوَارِقِ الْكَهَنَةِ وَالسَّحَرَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ حَالٌ شَيْطَانِيٌّ بَلْ مِحَالٌ بُهْتَانِيٌّ فَهُمْ مُتَعَمِّدُونَ لِلْكَذِبِ وَالتَّلْبِيسِ بِخِلَافِ مَنْ تَقْتَرِنُ بِهِ الشَّيَاطِينُ، فَإِنَّ فِيهِمْ مَنْ يَلْتَبِسُ عَلَيْهِ فَيَظُنُّ أَنَّ هَذَا مِنْ جِنْسِ كَرَامَاتِ الصَّالِحِينَ ; كَمَا أَنَّ فِيهِمْ مَنْ يَعْرِفُ أَنَّ ذَلِكَ مِنَ الشَّيَاطِينِ وَيَفْعَلُهُ لِتَحْصِيلِ أَغْرَاضِهِ، فَالْمَقْصُودُ أَنَّهُ كَثِيرٌ مِنَ الْخَوَارِقِ مَا يَكُونُ مِنَ الشَّيَاطِينِ أَوْ يَكُونُ حِيَلًا وَمَخَارِيقَ وَيَظُنُّ أَنَّهَا مِنْ كَرَامَاتِ الصَّالِحِينَ، فَإِنَّ مَا يَكُونُ شَبِيهَ الشِّرْكِ أَوِ الْفُجُورِ إِنَّمَا يَكُونُ مِنَ الشَّيْطَانِ، مِثْلُ أَنْ يُشْرِكَ الرَّجُلُ بِاللَّهِ فَيَدْعُو الْكَوَاكِبَ أَوْ يَدْعُو مَخْلُوقًا مِنَ الْبَشَرِ مَيِّتًا أَوْ غَائِبًا أَوْ يَعْزِمُ وَيُقْسِمُ بِأَسْمَاءٍ مَجْهُولَةٍ لَا يَعْرِفُ مَعْنَاهَا أَوْ يَعْرِفُ أَنَّهَا أَسْمَاءُ الشَّيَاطِينِ أَوْ يَسْتَعِينُ بِالْفَوَاحِشِ وَالظُّلْمِ، فَإِنَّ مَا كَانَ هَذَا سَبَبَهُ مِنَ الْخَوَارِقِ فَهُوَ مِنَ الشَّيْطَانِ ; كَمَا قَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.

стр. 728

وَالصَّالِحُونَ لَهُمْ كَرَامَاتٌ مِثْلُ كَرَامَاتِ صَالِحِي هَذِهِ الْأُمَّةِ وَمِثْلُ كَرَامَاتِ الْحَوَارِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ كَانَ عَلَى دِينِ الْمَسِيحِ لَكِنْ وُجُودُ الْكَرَامَاتِ عَلَى أَيْدِي الصَّالِحِينَ لَا تُوجِبُ أَنْ يَكُونُوا مَعْصُومِينَ كَالْأَنْبِيَاءِ، لَكِنْ يَكُونُ الرَّجُلُ صَالِحًا وَلِيًّا لِلَّهِ وَلَهُ كَرَامَاتٌ وَمَعَ هَذَا فَقَدَ يَغْلَطُ وَيُخْطِئُ فِيمَا يَظُنُّهُ أَوْ فِيمَا يَسْمَعُهُ وَيَرْوِيهِ أَوْ فِيمَا يَرَاهُ أَوْ فِيمَا يَفْهَمُهُ مِنَ الْكُتُبِ وَلِهَذَا كَانَ كُلُّ مَنْ سِوَى الْأَنْبِيَاءِ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِمْ: وَيُتْرَكُ بِخِلَافِ الْأَنْبِيَاءِ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - أَجْمَعِينَ، فَإِنَّهُ يَجِبُ تَصْدِيقُهُمْ فِي كُلِّ مَا أَخْبَرُوا بِهِ مِنَ الْغَيْبِ، وَطَاعَتُهُمْ فِي كُلِّ مَا أَمَرُوا بِهِ وَلِهَذَا أَوْجَبَ اللَّهُ الْإِيمَانَ بِمَا أُوتُوهُ وَلَمْ يُوجِبِ الْإِيمَانَ بِجَمِيعِ مَا يَأْتِي بِهِ غَيْرُهُمْ. قَالَ - تَعَالَى -: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٦] وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: ١٧٧] وَلِهَذَا اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ مَنْ كَذَّبَ نَبِيًّا مَعْلُومَ النُّبُوَّةِ فَهُوَ كَافِرٌ مُرْتَدٌّ وَمَنْ سَبَّ نَبِيًّا وَجَبَ قَتْلُهُ بَلْ يَجِبُ الْإِيمَانُ بِجَمِيعِ مَا أُوتِيَهُ النَّبِيُّونَ

стр. 729

كُلُّهُمْ وَأَنْ لَا نُفَرِّقَ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ، فَنُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ قَالَ - تَعَالَى -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [النساء: ١٥٠] وَلَيْسَ هَذَا لِأَحَدٍ غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ وَلَوْ كَانَ مِنْ رُسُلِ الْأَنْبِيَاءِ وَكَانُوا مِنْ أَعْظَمِ الصِّدِّيقِينَ الْمُقَدَّمِينَ. فَضَلَالُ الضُّلَّالِ مِنْ هَؤُلَاءِ مَبْنِيٌّ عَلَى مُقَدِّمَتَيْنِ. إِحْدَاهُمَا: أَنَّ هَذَا لَهُ كَرَامَةٌ فَيَكُونُ وَلِيًّا لِلَّهِ. وَالثَّانِيَةُ: أَنَّ وَلِيَّ اللَّهِ لَا يَجُوزُ أَنْ يُخْطِئَ بَلْ يَجِبُ تَصْدِيقُهُ فِي كُلِّ مَا أَخْبَرَ، وَطَاعَتُهُ فِي كُلِّ مَا أَمَرَ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنَ الْبَشَرِ أَنْ يُصَدَّقَ فِي كُلِّ مَا أَخْبَرَ بِهِ وَيُطَاعَ فِي كُلِّ أَمْرٍ إِلَّا أَنْ يَكُونَ نَبِيًّا. وَالْمُقَدِّمَتَانِ الْمَذْكُورَتَانِ قَدْ تَكُونُ إِحْدَاهُمَا بَاطِلَةً وَقَدْ يَكُونُ كِلَاهُمَا بَاطِلًا، فَالرَّجُلُ الْمُعَيَّنُ قَدْ لَا يَكُونُ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ تَكُونُ خَوَارِقُهُ مِنَ الشَّيَاطِينِ وَقَدْ يَكُونُ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ، وَلَكِنْ لَيْسَ بِمَعْصُومٍ بَلْ يَجُوزُ عَلَيْهِ الْخَطَأُ وَقَدْ لَا يَكُونُ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ وَلَا يَكُونُ لَهُ خَوَارِقُ، وَلَكِنْ لَهُ مِحَالَاتٌ وَأَكَاذِيبُ.

стр. 730

[فَصْلٌ: مَا يَتَنَاوَلُهُ اسْمُ الرُّسُلِ فِي قَوْلِهِ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ] قَالُوا: وَقَالَ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ [آل عمران: ١٨٤] فَأُعْنِيَ أَيْضًا بِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ الَّذِي هُوَ الْإِنْجِيلُ الْمُقَدَّسُ. فَيُقَالُ: قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الرُّسُلَ تَتَنَاوَلُ قَطْعًا الرُّسُلَ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ لَا سِيَّمَا أُولُو الْعَزْمِ كَنُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَسَلَامُهُ - خَصَّهُمُ اللَّهُ وَفَضَّلَهُمْ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا - لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧ - ٨]

стр. 731

وَفِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣] فَالدِّينُ دِينُ رُسُلِ اللَّهِ دِينٌ وَاحِدٌ ; كَمَا بَيَّنَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ وَكَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّا مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ دِينُنَا وَاحِدٌ وَأَنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِابْنِ مَرْيَمَ لَأَنَا إِنَّهُ لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ نَبِيٌّ» . وَيَتَنَاوَلُ أَيْضًا اسْمَ الرُّسُلِ مَنْ لَمْ يُسَمِّهِمْ بِأَعْيَانِهِمْ فِي الْقُرْآنِ قَالَ - تَعَالَى -: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا - وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا - رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٦٣ - ١٦٥]

стр. 732

وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر: ٧٨] وَأَمَّا الْحَوَارِيُّونَ، فَإِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - ذَكَرَهُمْ فِي الْقُرْآنِ وَوَصَفَهُمْ بِالْإِسْلَامِ وَاتِّبَاعِ الرَّسُولِ وَبِالْإِيمَانِ بِاللَّهِ ; كَمَا أَنْزَلَ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ - رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٥٢ - ٥٣] وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ [المائدة: ١١١] وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ [الصف: ١٤] .

стр. 733

وَلَمْ يَذْكُرِ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ أَنَّهُ أَرْسَلَهُمُ الْبَتَّةَ بَلْ ذَكَرَ أَنَّهُ أَلْهَمَهُمُ الْإِيمَانَ بِهِ وَبِرَسُولِهِ وَأَنَّهُمْ أُمِرُوا بِاتِّبَاعِ رَسُولِهِ وَقَوْلِهِ: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ﴾ [المائدة: ١١١] لَا يَدُلُّ عَلَى النُّبُوَّةِ، فَإِنَّهُ قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [القصص: ٧] وَأُمُّ مُوسَى لَمْ تَكُنْ نَبِيَّةً بَلْ لَيْسَ فِي النِّسَاءِ نَبِيَّةٌ ; كَمَا تَقُولُهُ: عَامَّةُ النَّصَارَى وَالْمُسْلِمِينَ. وَقَدْ ذَكَرَ إِجْمَاعَهُمْ عَلَى ذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِثْلُ الْقَاضِيَيْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ الطَّيِّبِ وَأَبِي يَعْلَى بْنِ أَبِي الْفَرَّاءِ وَالْأُسْتَاذِ أَبِي الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيِّ وَغَيْرِهِمْ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [يوسف: ١٠٩] وَقَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ [المائدة: ٧٥] فَجَعَلَ غَايَةَ مَرْيَمَ الصِّدِّيقِيَّةَ ; كَمَا جَعَلَ غَايَةَ الْمَسِيحِ الرِّسَالَةَ.

стр. 734

وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «كَمُلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ وَآسِيَةُ بِنْتُ مُزَاحِمٍ» يَعْنِي مِنْ نِسَاءِ الْأُمَمِ قَبْلَنَا، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أُمَّ مُوسَى لَيْسَتْ مِمَّنْ كَمُلَ مِنَ النِّسَاءِ فَكَيْفَ تَكُونُ نَبِيَّةً، وَقَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ [آل عمران: ١٨٤] وَالْكِتَابُ اسْمُ جِنْسٍ كَمَا تَقَدَّمَ يَتَنَاوَلُ كُلَّ كِتَابٍ أَنْزَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ [الحج: ٨] وَقَوْلُهُ: وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ الْمَعْنَى فَيَعُمُّ كُلَّ كِتَابٍ مُنِيرٍ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ إِلَّا الْإِنْجِيلَ لَقِيلَ وَلَا الْكِتَابِ الْمُنِيرِ، وَأَيْضًا

стр. 735

فَالتَّوْرَاةُ أَعْظَمُ مِنَ الْإِنْجِيلِ، وَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ أَنَّهُ لَمْ يُنْزِلْ كِتَابًا أَهْدَى مِنَ التَّوْرَاةِ وَالْقُرْآنِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ﴾ [القصص: ٤٨] وَقُرِئَ سَاحِرَانِ تَظَاهَرَا ﴿وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [القصص: ٤٨] وَهَذَا تَعْجِيزٌ لَهُمْ أَنْ يَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا كَقَوْلِهِ: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ [يونس: ٣٨] وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّهُ لَيْسَ الْإِنْجِيلُ وَلَا الزَّبُورُ أَهْدَى مِنَ التَّوْرَاةِ وَالْقُرْآنِ فَكَيْفَ يُجْعَلُ الْكِتَابُ الْمُنِيرُ هُوَ الْإِنْجِيلُ دُونَ التَّوْرَاةِ وَالزَّبُورِ. وَأَيْضًا فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِنَّمَا يَخُصُّ بِالذِّكْرِ مِنَ الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ التَّوْرَاةَ دُونَ غَيْرِهَا فَهِيَ الَّتِي يُقْرِنُهَا بِالْقُرْآنِ، كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ - وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [الأنعام: ٩١ - ٩٢]

стр. 736

وَقَدْ وَصَفَ التَّوْرَاةَ بِأَنَّ فِيهَا نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ فَكَيْفَ يَجْعَلُ النُّورَ فِي الْإِنْجِيلِ دُونَهَا وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ - وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ - أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ﴾ [الأنعام: ١٥٤ - ١٥٦] فَقَدْ ذَكَرَ التَّوْرَاةَ وَالْقُرْآنَ، وَقَوْلُهُمْ أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا فَبَيَّنَ أَنَّ الْكِتَابَ اسْمُ جِنْسٍ يَتَنَاوَلُ هُنَا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ، كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ٦٤] وَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥] فَذَكَرَ الْكِتَابَ بِلَفْظِ الْمُنْفَرِدِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ أَرَادَ بِالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى لَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِالنَّصَارَى ; كَمَا قَالَ: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [الأنعام: ١٥٦] .

стр. 737

وَقَدْ تَبَيَّنَ بُطْلَانُ قَوْلِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيُفَسِّرُونَ كَلَامَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ بِمَا يَعْلَمُ كُلُّ مَنْ عَرَفَ حَالَهُ مِنْ مُؤْمِنٍ وَكَافِرٍ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْهُ. وَبَيَّنَ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يُرِدْ بِالْكِتَابِ الْإِنْجِيلَ وَحْدَهُ ; كَمَا لَمْ يُرِدْ بِالرُّسُلِ الْحَوَارِيِّينَ بَلْ أَرَادَ بِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ مَا أَنْزَلَهُ اللَّهُ مِنَ الْكُتُبِ كَالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ ; كَمَا أَرَادَ بِالرُّسُلِ مَنْ أَرْسَلَهُ اللَّهُ مُطْلَقًا كَنُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَالْمَسِيحِ ابْنِ مَرْيَمَ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَسَلَامُهُ أَجْمَعِينَ -.

стр. 738

[فَصْلٌ: إِثْبَاتُ أَنَّ عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ مَا يُثْبِتُ صِدْقَ مُحَمَّدٍ ﷺ ] قَالُوا: وَقَالَ أَيْضًا: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [الفاتحة: ٩٤ - ٢٨٩٨١] فَيُقَالُ: لَهُمْ مِنَ الْمَعْلُومِ بِالِاضْطِرَارِ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِهَذَا النَّصَارَى فَقَطْ ; كَمَا تَقَدَّمَ، بَلِ الْيَهُودُ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا وَالنَّصَارَى يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا، وَالْكِتَابُ اسْمُ جِنْسٍ ; كَمَا تَقَدَّمَ نَظَائِرُهُ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [الأنعام: ١٥٦] وَقَوْلُهُ: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة: ٥] وَقَوْلُهُ: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ٦٤] فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، وَقَوْلُهُ: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ [البينة: ١] وَقَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ - إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ - فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: ١٨ - ٢٠]

стр. 739

وَقَدْ قَالَ - تَعَالَى -: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ [النساء: ٤٧] . وَتَنَاوُلُ لَفْظِ أَهْلِ الْكِتَابِ هُنَا لِلْيَهُودِ أَظْهَرُ مِنْ تَنَاوُلِهِ لِلنَّصَارَى لِذِكْرِهِ لَعْنَةَ أَصْحَابِ السَّبْتِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [آل عمران: ٧٢] فَهَذَا خَبَرٌ عَنْ طَائِفَةٍ مِنَ الْيَهُودِ قَالُوا: ذَلِكَ وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٠٠]

стр. 740

وَسَبَبُ نُزُولِهَا أَنَّهُ أَرَادَ طَائِفَةٌ مِنَ الْيَهُودِ إِلْقَاءَ الْفِتْنَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ. فَهُمْ دَاخِلُونَ قَطْعًا، وَإِنْ كَانَ الْخِطَابُ مُطْلَقًا يَتَنَاوَلُ الطَّائِفَتَيْنِ. وَأَمَرَهُ تَعَالَى بِسُؤَالِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ عَلَى تَقْدِيرِ الشَّكِّ لَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الرَّسُولُ شَكَّ وَلَا سَأَلَ، إِنْ قِيلَ الْخِطَابُ لَهُ، وَإِنْ قِيلَ لِغَيْرِهِ فَهُوَ أَوْلَى وَأَحْرَى؛ فَإِنَّ تَعْلِيقَ الْحُكْمِ بِالشَّرْطِ لَا يَدُلُّ عَلَى تَحْقِيقِ الشَّرْطِ بَلْ قَدْ يُعَلَّقُ بِشَرْطٍ مُمْتَنِعٍ لِبَيَانِ حُكْمِهِ. قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ - وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ - وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٨٤ - ٨٦] فَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ لَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ مَعَ انْتِفَاءِ
следующие страницы →