← Акыда

Акыда · id 170

الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لابن تيمية

ابن تيمية

Полный текст (2 831 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وَلَمَّا كَانَ هَذَا مِنْ أَعْلَى الدَّرَجَاتِ، وَهَذَا مِنْ أَسْفَلِ الدَّرَكَاتِ، كَانَ بَيْنَهُمَا مِنَ الْفُرُوقِ، وَالدَّلَائِلِ، وَالْبَرَاهِينِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى صِدْقِ أَحَدِهَا وَكَذِبِ الْآخَرِ مَا يَظْهَرُ لِكُلِّ مَنْ عَرَفَ حَالَهُمَا. وَلِهَذَا كَانَتْ دَلَائِلُ الْأَنْبِيَاءِ وَأَعْلَامُهُمُ الدَّالَّةُ عَلَى صِدْقِهِمْ كَثِيرَةٌ مُتَنَوِّعَةٌ، كَمَا أَنَّ دَلَائِلَ كَذِبِ الْمُتَنَبِّئِينَ كَثِيرَةٌ مُتَنَوِّعَةٌ، كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ.

стр. 72

[فَصْلٌ: تَوْضِيحِ الدَّعْوَى وَالرَّدِّ عَلَيْهَا] [ ادِّعَاؤُهُمْ أَنَّ الرَّسُولَ لَمْ يُبْعَثْ إِلَّا إِلَى أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ مِنَ الْعَرَبِ] إِذَا عُرِفَ هَذَا، فَهَؤُلَاءِ الْقَوْمُ فِي هَذَا الْمَقَامِ ادَّعَوْا أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ لَمْ يُرْسَلْ إِلَيْهِمْ، بَلْ إِلَى أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ مِنَ الْعَرَبِ فَهَذِهِ الدَّعْوَى عَلَى وَجْهَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَقُولُوا: إِنَّهُ بِنَفْسِهِ لَمْ يَدَّعِ أَنَّهُ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ، وَلَكِنَّ أُمَّتَهُ ادَّعَوْا لَهُ ذَلِكَ. وَإِمَّا أَنْ يَقُولُوا: إِنَّهُ ادَّعَى أَنَّهُ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَهُوَ كَاذِبٌ فِي هَذِهِ الدَّعْوَى، وَكَلَامُهُمْ فِي صَدْرِ هَذَا الْكِتَابِ يَقْتَضِي الْوَجْهَ الْأَوَّلَ. وَفِي آخِرِهِ قَدْ يُقَالُ: إِنَّهُمْ أَشَارُوا إِلَى الْوَجْهِ الثَّانِي، لَكِنَّهُمْ فِي الْحَقِيقَةِ لَمْ يُنْكِرُوا رِسَالَتَهُ إِلَى الْعَرَبِ، وَإِنَّمَا أَنْكَرُوا رِسَالَتَهُ إِلَيْهِمْ. وَأَمَّا رِسَالَتُهُ إِلَى الْعَرَبِ فَلَمْ يُصَرِّحُوا بِتَصْدِيقِهِ فِيهَا وَلَا بِتَكْذِيبِهِ، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ لَفْظِهِمْ يَقْتَضِي الْإِقْرَارَ بِرِسَالَتِهِ إِلَى الْعَرَبِ، بَلْ صَدَّقُوا بِمَا وَافَقَ قَوْلَهُمْ وَكَذَّبُوا بِمَا خَالَفَ قَوْلَهُمْ. وَنَحْنُ نُبَيِّنُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ احْتِجَاجُهُمْ بِشَيْءٍ مِمَّا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ نَتَكَلَّمُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا، وَنُبَيِّنُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ احْتِجَاجُهُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ عَلَى صِحَّةِ دِينِهِمْ، بِوَجْهٍ مِنَ

стр. 73

الْوُجُوهِ، وَنُبَيِّنُ أَنَّ الْقُرْآنَ، لَا حُجَّةَ فِيهِ لَهُمْ، وَلَا فِيهِ تَنَاقُضٌ. وَكَذَلِكَ كُتُبُ الْأَنْبِيَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ، الَّتِي يَحْتَجُّونَ بِهَا هِيَ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا حُجَّةٌ لَهُمْ، وَلَوْ لَمْ يُبْعَثْ مُحَمَّدٌ ﷺ ، فَكَيْفَ وَالْكِتَابُ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ مُوَافِقٌ لِسَائِرِ كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ ﵈ فِي إِبْطَالِ دِينِهِمْ، وَقَوْلِهِمْ فِي التَّثْلِيثِ، وَالِاتِّحَادِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، مَعَ الْعَقْلِ الصَّرِيحِ. فَهُمُ احْتَجُّوا فِي كِتَابِهِمْ هَذَا بِالْقُرْآنِ، وَبِمَا جَاءَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ قَبْلَ مُحَمَّدٍ ﷺ مَعَ الْعَقْلِ. وَنَحْنُ نُبَيِّنُ أَنَّهُ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيمَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ ، وَلَا فِيمَا جَاءَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ قَبْلَهُ، وَلَا فِي الْعَقْلِ بَلْ مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ، وَمَا جَاءَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ قَبْلَهُ مَعَ صَرِيحِ الْعَقْلِ كُلُّهَا بَرَاهِينُ قَطْعِيَّةٌ عَلَى فَسَادِ دِينِهِمْ، وَلَكِنْ نَذْكُرُ قَبْلَ ذَلِكَ أَنَّ احْتِجَاجَهُمْ بِمَا جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ لَا يَصِحُّ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَحْتَجَّ بِمُجَرَّدِ الْمَنْقُولِ عَنْ مُحَمَّدٍ ﷺ مَنْ يُكَذِّبُهُ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ مِمَّا جَاءَ بِهِ. وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْأَنْبِيَاءِ ﵈، بِخِلَافِ الِاحْتِجَاجِ بِكَلَامِ غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُمْكِنُ مُوَافَقَةُ بَعْضِهِ دُونَ بَعْضٍ، وَأَمَّا مَا أَخْبَرَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ ﵈، أَوْ مَنْ قَالَ إِنَّهُ نَبِيٌّ،

стр. 74

فَلَا يُمْكِنُ الِاحْتِجَاجُ بِبَعْضِهِ، دُونَ بَعْضٍ سَوَاءٌ قُدِّرَ صِدْقُهُمْ، أَوْ كَذِبُهُمْ. فَيُقَالُ لَهُمْ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ، سَوَاءٌ أَقَرُّوا بِنُبُوَّتِهِ إِلَى الْعَرَبِ، أَوْ غَيْرِهِمْ، أَوْ كَذَّبُوهُ فِي قَوْلِهِ إِنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، أَوْ سَكَتُوا عَنْ هَذَا وَهَذَا، أَوْ صَدَّقُوهُ فِي الْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ. إِنَّ احْتِجَاجَكُمْ عَلَى صِحَّةِ مَا تُخَالِفُونَ فِيهِ الْمُسْلِمِينَ، مِمَّا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ ، لَا يَصِحُّ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ ; فَاحْتِجَاجُكُمْ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُرْسَلْ إِلَيْكُمْ، أَوْ عَلَى صِحَّةِ دِينِكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ حُجَّةٌ دَاحِضَةٌ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ. مَعَ أَنَّا سَنُبَيِّنُ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ الْكُتُبَ الْإِلَهِيَّةَ كُلَّهَا مَعَ الْمَعْقُولِ، لَا حُجَّةَ لَكُمْ فِي شَيْءٍ مِنْهَا، بَلْ كُلُّهَا حُجَّةٌ عَلَيْكُمْ. وَهَذَا بِخِلَافِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ احْتِجَاجُهُمْ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى بِمَا جَاءَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ قَبْلَ مُحَمَّدٍ ﷺ ، وَأَهْلُ الْكِتَابِ لَا يَصِحُّ احْتِجَاجُهُمْ بِمَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ مُقِرُّونَ بِنُبُوَّةِ مُوسَى، وَعِيسَى وَدَاوُدَ، وَسُلَيْمَانَ، وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ ﵈، وَعِنْدَهُمْ يَجِبُ الْإِيْمَانُ بِكُلِّ كِتَابٍ أَنْزَلَهُ اللَّهُ، وَبِكُلِّ نَبِيٍّ أَرْسَلَهُ اللَّهُ، وَهَذَا أَصْلُ دِينِ الْمُسْلِمِينَ، فَمَنْ كَفَرَ بِنَبِيٍّ وَاحِدٍ، أَوْ كِتَابٍ وَاحِدٍ، فَهُوَ عِنْدَهُمْ كَافِرٌ، بَلْ مَنْ سَبَّ نَبِيًّا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، فَهُوَ عِنْدَهُمْ كَافِرٌ

стр. 75

مُبَاحُ الدَّمِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٣٦] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: ١٧٧] . وَالْكِتَابُ اسْمُ جِنْسٍ لِكُلِّ كِتَابٍ أَنْزَلَهُ اللَّهُ، يَتَنَاوَلُ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ، كَمَا يَتَنَاوَلُ الْقُرْآنَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ [الشورى: ١٥] . وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] .

стр. 76

وَفِي الْقِرَاءَةِ الْأُخْرَى (وَكِتَابِهِ) ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ [الشورى: ١٥] . وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الم - ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ - الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ - وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ - أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١ - ٥] . فَذَكَرَ أَنَّ هَذَا الْكِتَابَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ، وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ، وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ، وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِهِ، وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ، ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّ هَؤُلَاءِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، فَحَصَرَ الْفَلَاحَ فِي هَؤُلَاءِ، فَلَا يَكُونُ مُفْلِحًا إِلَّا مَنْ كَانَ مِنْ هَؤُلَاءِ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [البقرة: ٤] . هُوَ صِفَةٌ لِلْمَذْكُورِينَ لَيْسَ هَؤُلَاءِ صِنْفًا آخَرَ، فَإِنَّ عَطْفَ الشَّيْءِ عَلَى الشَّيْءِ قَدْ يَكُونُ لِتَغَايُرِ الصِّفَاتِ، وَإِنْ كَانَتِ الذَّاتُ وَاحِدَةً هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ هُنَا، وَإِنْ كَانَ قَدْ قِيلَ إِنَّ الصِّنْفَ الثَّانِيَ مُؤْمِنُو أَهْلِ الْكِتَابِ،

стр. 77

وَالْأَوَّلَ هُمُ الْمُسْلِمُونَ، فَهَذَا ضَعِيفٌ، وَأَفْسَدُ مِنْهُ قَوْلُ هَؤُلَاءِ

стр. 78

النَّصَارَى: إِنَّ الْكِتَابَ الْمُرَادُ بِهِ الْإِنْجِيلُ، كَمَا سَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَالْعَطْفُ لِتَغَايُرِ الصِّفَاتِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى - الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى - وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى - وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى - فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾ [الأعلى: ١ - ٥] . وَهُوَ سُبْحَانَهُ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى، وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى، وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى، فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحَوَى. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ - الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ - وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ - وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ - وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ٥] . إِلَى آخَرِ الْآيَاتِ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [البقرة: ٤] .

стр. 79

هُمُ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ، وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ، وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ، وَهُمُ الَّذِينَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ، وَهُمُ الْمُفْلِحُونَ. وَلَكِنْ فَصَّلَ إِيْمَانَهُمْ بَعْدَ أَنْ أَجْمَلَهُ ; لِئَلَّا يَظُنَّ ظَانٌّ أَنَّ مُجَرَّدَ دَعْوَى الْإِيْمَانِ بِالْغَيْبِ يَنْفَعُ، وَإِنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِمَا أُنْزِلَ إِلَى مُحَمَّدٍ ﷺ ، وَمَا أُنْزِلَ إِلَى مَنْ قَبْلَهُ، فَلَوْ قَالَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ: أَنَا أُؤْمِنُ بِالْغَيْبِ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ لَا يُؤْمِنُ بِبَعْضِ مَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ ، أَوْ بِبَعْضِ مَا أُنْزِلَ عَلَى مَنْ قَبْلَهُ، لَمْ يَكُنْ مُؤْمِنًا، حَتَّى يُؤْمِنَ بِجَمِيعِ مَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ، وَمَا أُنْزِلَ إِلَى مَنْ قَبْلَهُ، وَلَوْ كَانُوا صِنْفًا آخَرَ لَكَانَ الْمُفْلِحُونَ قِسْمَيْنِ: قِسْمًا يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ، وَلَا يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ، وَمَا أُنْزِلَ إِلَى مَنْ قَبْلَهُ، وَقِسْمًا يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ، وَمَا أُنْزِلَ إِلَى مَنْ قَبْلَهُ، وَلَا يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ، وَهَذَا بَاطِلٌ عِنْدَ جَمِيعِ الْأُمَمِ الْمُؤْمِنِينَ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، فَإِنَّ الْإِيْمَانَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ وَإِلَى مَنْ قَبْلَهُ يَتَضَمَّنُ الْإِيْمَانَ بِالْغَيْبِ، وَالْإِيْمَانُ بِالْغَيْبِ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِالْإِيْمَانِ بِجَمِيعِ مَا أَنْزَلَهُ اللَّهُ ﵎. [مَا يَثْبُتُ بِهِ مَتَى ثَبَتَ الِاحْتِجَاجُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ] وَالْمُسْلِمُونَ لَا يَسْتَجِيزُ أَحَدٌ مِنْهُمْ التَّكْذِيبَ بِشَيْءٍ مِمَّا أُنْزِلَ عَلَى مَنْ قَبْلِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، لَكِنَّ الِاحْتِجَاجَ بِذَلِكَ عَلَيْهِمْ يَحْتَاجُ إِلَى ثَلَاثِ مُقَدِّمَاتٍ: إِحْدَاهَا: ثُبُوتُ ذَلِكَ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ ﵈. وَالثَّانِيَةُ: صِحَّةُ التَّرْجَمَةِ إِلَى اللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ، أَوِ اللِّسَانِ الَّذِي.

стр. 80

يُخَاطَبُ بِهِ كَالرُّومِيِّ، وَالسُّرْيَانِيِّ، فَإِنَّ لِسَانَ مُوسَى، وَدَاوُدَ وَالْمَسِيحَ، وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، كَانَتْ عِبْرَانِيَّةً، وَمَنْ قَالَ إِنَّ لِسَانَ الْمَسِيحِ كَانَ سُرْيَانِيًّا، أَوْ رُومِيًّا فَقَدْ غَلِطَ. وَالثَّالِثَةُ: تَفْسِيرُ ذَلِكَ الْكَلَامِ وَمَعْرِفَةُ مَعْنَاهُ. فَلِهَذَا كَانَ الْمُسْلِمُونَ لَا يَرُدُّونَ شَيْئًا مِنَ الْحُجَجِ بِتَكْذِيبِ أَحَدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ فِي شَيْءٍ قَالَهُ وَلَكِنْ قَدْ يُكَذِّبُونَ النَّاقِلَ عَنْهُمْ، أَوْ يُفَسِّرُونَ الْمَنْقُولَ عَنْهُمْ بِمَا أَرَادُوهُ، أَوْ بِمَعْنًى آخَرَ عَلَى وَجْهِ الْغَلَطِ. وَإِنْ كَانَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ قَدْ يَغْلَطُ فِي تَكْذِيبِ بَعْضِ النَّقْلِ، أَوْ تَأْوِيلِ بَعْضِ الْمَنْقُولِ عَنْهُمْ، فَهُوَ كَمَا يَغْلَطُ مَنْ يَغْلَطُ مِنْهُمْ، وَمِنْ سَائِرِ أَهْلِ الْمِلَلِ فِي التَّكْذِيبِ عَلَى وَجْهِ الْغَلَطِ بِبَعْضِ مَا يُنْقَلُ عَمَّنْ يُقِرُّ بِنُبُوَّتِهِ، أَوْ فِي تَأْوِيلِ الْمَنْقُولِ عَنْهُ. وَهَذَا بِخِلَافِ تَكْذِيبِ نَفْسِ النَّبِيِّ، فَإِنَّهُ كُفْرٌ صَرِيحٌ، بِخِلَافِ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَإِنَّهُ لَا يَتِمُّ مُرَادُهُمْ إِلَّا بِتَكْذِيبِهِمْ بِبَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ، وَمَتَى كَذَّبَ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ مِمَّا أَخْبَرَ بِهِ مَنْ قَالَ إِنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ بَطُلَ احْتِجَاجُهُ بِسَائِرِ كَلَامِهِ، فَكَانَتْ حُجَّتُهُمُ الَّتِي يَحْتَجُّونَ بِهَا دَاحِضَةً، وَذَلِكَ أَنَّ الَّذِي يَقُولُ إِنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، إِمَّا أَنْ يَكُونَ صَادِقًا فِي قَوْلِهِ: إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ، وَفِي جَمِيعِ مَا يُخْبِرُ بِهِ عَنِ اللَّهِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ كَاذِبًا، وَلَوْ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ عَنِ اللَّهِ. فَإِنْ كَانَ صَادِقًا فِي ذَلِكَ امْتَنَعَ أَنْ يَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ فِي شَيْءٍ مِمَّا يُبَلِّغُهُ عَنِ اللَّهِ، فَإِنَّ مَنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ، وَلَوْ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ كَانَ مِمَّنِ

стр. 81

افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ، وَلَمْ يَكُنْ رَسُولًا مِنْ رُسُلِ اللَّهِ، وَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ تَبَيَّنَ أَنَّهُ مِنَ الْمُتَنَبِّئِينَ الْكَذَّابِينَ. وَمِثْلُ هَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُحْتَجَّ بِخَبَرِهِ عَنِ اللَّهِ، فَإِنَّهُ قَدْ عُلِمَ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يُرْسِلْهُ، وَإِذَا قَالَ هُوَ قَوْلًا، وَكَانَ صِدْقًا، كَانَ كَمَا يَقُولُهُ غَيْرُهُ يُقْبَلُ، لَا لِأَنَّهُ بَلَّغَهُ عَنِ اللَّهِ وَلَا لِأَنَّهُ رَسُولٌ عَنِ اللَّهِ، بَلْ كَمَا يُقْبَلُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَسَائِرِ الْكُفَّارِ مَا يَقُولُونَهُ مِنَ الْحَقِّ، فَإِنَّ عُبَّادَ الْأَوْثَانِ إِذَا قَالُوا عَنِ اللَّهِ مَا هُوَ حَقٌّ مِثْلَ إِقْرَارِ مُشْرِكِي الْعَرَبِ بِأَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَمْ نُكَذِّبْهُمْ فِي ذَلِكَ، وَإِنْ كَانُوا كُفَّارًا، وَكَذَلِكَ إِذَا قَالَ الْكَافِرُ إِنَّ اللَّهَ حَيٌّ قَادِرٌ خَالِقٌ، لَمْ نُكَذِّبْهُ فِي هَذَا الْقَوْلِ. فَمَنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، قَالَ إِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَهَا عَلَيْهِ، وَلَمْ يَكُنِ اللَّهُ أَنْزَلَهَا عَلَيْهِ، فَهُوَ مِنَ الْكَذَّابِينَ الَّذِينَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُحْتَجَّ بِشَيْءٍ مِنْ أَقْوَالِهِمُ الَّتِي يَقُولُونَ إِنَّهُمْ يُبَلِّغُونَهَا عَنِ اللَّهِ ﵎، وَمَا قَالُوهُ غَيْرَ ذَلِكَ فَهُمْ فِيهِ كَسَائِرِ النَّاسِ، بَلْ كَأَمْثَالِهِمْ مِنَ الْكَذَّابِينَ إِنْ عُرِفَ صِحَّةُ ذَلِكَ الْقَوْلِ مِنْ جِهَةِ غَيْرِهِمْ قُبِلَ لِقِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَى صِحَّتِهِ، لَا لِكَوْنِهِمْ قَالُوهُ، وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ صِحَّتُهُ مِنْ جِهَةِ غَيْرِهِمْ، لَمْ يَكُنْ فِي قَوْلِهِمْ لَهُ مَعَ ثُبُوتِ كَذِبِهِمْ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ. وَحِينَئِذٍ، فَهَؤُلَاءِ إِنْ أَقَرُّوا بِرِسَالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، وَأَنَّهُ صَادِقٌ فِيمَا بَلَّغَهُ عَنِ اللَّهِ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ، وَجَبَ عَلَيْهِمُ الْإِيْمَانُ بِكُلِّ مَا ثَبَتَ عَنْهُ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ، كَمَا يَجِبُ الْإِيْمَانُ بِكُلِّ مَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ. وَإِنْ كَذَّبُوهُ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ،، أَوْ شَكُّوا فِي صِدْقِهِ فِيهَا، امْتَنَعَ مَعَ

стр. 82

ذَلِكَ أَنْ يُقِرُّوا بِأَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، وَإِذَا لَمْ يُقِرُّوا بِأَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، كَانَ احْتِجَاجُهُمْ بِمَا قَالَهُ كَاحْتِجَاجِهِمْ بِسَائِرِ مَا يَقُولُهُ مَنْ لَيْسَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، بَلْ مِنَ الْكَذَّابِينَ، أَوْ مِنَ الْمَشْكُوكِ فِي صِدْقِهِمْ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَنْ عُرِفَ كَذِبُهُ عَلَى اللَّهِ فِيمَا يَقُولُ: إِنَّهُ يُبَلِّغُهُ عَنِ اللَّهِ أَوْ شُكَّ فِي صِدْقِهِ، لَا يُعْلَمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، وَلَا أَنَّهُ صَادِقٌ فِي كُلِّ مَا يَقُولُهُ، وَيُبَلِّغُهُ عَنِ اللَّهِ، وَإِذَا لَمْ يُعْلَمْ ذَلِكَ مِنْهُ لَمْ يُعْرَفْ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ إِلَيْهِ شَيْئًا، بَلْ إِذَا عُرِفَ كَذِبُهُ عُرِفَ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يُنْزِلْ إِلَيْهِ شَيْئًا وَلَا أَرْسَلَهُ، كَمَا عُرِفَ كَذِبُ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ، وَالْأَسْوَدِ الْعَنْسِيِّ، وَطُلَيْحَةَ الْأَسَدِيِّ، وَكَمَا عُرِفَ كَذِبُ مَانِي، وَأَمْثَالِهِ،

стр. 83

وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْمُتَنَبِّئِينَ الْكَذَّابِينَ. وَإِذَا شُكَّ فِي صِدْقِهِ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، بَلْ جُوِّزَ أَنْ يَكُونَ كَذَبَهَا عَمْدًا، أَوْ خَطَأً لَمْ يَجُزْ تَصْدِيقُهُ مَعَ ذَلِكَ فِي سَائِرِ مَا يُبَلِّغُهُ عَنِ اللَّهِ ; لِأَنَّ تَصْدِيقَهُ فِيمَا يُخْبِرُ بِهِ عَنِ اللَّهِ، إِنَّمَا يَكُونُ إِذَا كَانَ رَسُولًا صَادِقًا لَا يَكْذِبُ عَمْدًا وَلَا خَطَأً، فَإِنَّ كُلَّ مَنْ أَرْسَلَهُ اللَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ صَادِقًا فِي كُلِّ مَا يُبَلِّغُهُ عَنِ اللَّهِ، لَا يَكْذِبُ فِيهِ عَمْدًا وَلَا خَطَأً. [صِدْقُ الرَّسُولِ وَعِصْمَتُهُ مِنَ الْكَذِبِ] وَهَذَا أَمْرٌ اتَّفَقَ عَلَيْهِ النَّاسُ كُلُّهُمُ الْمُسْلِمُونَ، وَالْيَهُودُ، وَالنَّصَارَى، وَغَيْرُهُمُ، اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الرَّسُولَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ صَادِقًا مَعْصُومًا فِيمَا يُبَلِّغُهُ عَنِ اللَّهِ، لَا يَكْذِبُ عَلَى اللَّهِ خَطَأً وَلَا عَمْدًا، فَإِنَّ مَقْصُودَ الرِّسَالَةِ لَا يَحْصُلُ بِدُونِ ذَلِكَ، كَمَا قَالَ مُوسَى ﵇ لِفِرْعَوْنَ: ﴿يَافِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ - حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [الأعراف: ١٠٤ - ١٠٥] . وَفِي الْقِرَاءَةِ الْمَشْهُورَةِ: يُخْبِرُ أَنَّهُ جَدِيرٌ وَحَرِيٌّ وَثَابِتٌ وَمُسْتَقِرٌّ عَلَى أَنْ لَا يَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ، وَعَلَى الْقِرَاءَةِ الْأُخْرَى أَخْبَرَ أَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ.

стр. 84

وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ - لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ - ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ - فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٤ - ٤٧] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ﴾ [الشورى: ٢٤] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ - قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ١٠١ - ١٠٢] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [يونس: ١٥] . وَهَذَا لِبَسْطِهِ مَوْضِعٌ آخَرُ. وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ هُنَا: أَنَّ احْتِجَاجَهُمْ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ مِمَّا جَاءَ بِهِ

стр. 85

مُحَمَّدٌ ﷺ ، لَا يَصِحُّ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ رَسُولًا صَادِقًا فِي كُلِّ مَا يُخْبِرُ بِهِ عَنِ اللَّهِ ، فَقَدْ عَلِمَ كُلُّ وَاحِدٍ أَنَّهُ جَاءَ بِمَا يُخَالِفُ دِينَ النَّصَارَى، فَيَلْزَمُ إِذَا كَانَ رَسُولًا صَادِقًا أَنْ يَكُونَ دِينُ النَّصَارَى بَاطِلًا، وَإِنْ قَالُوا فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ مِمَّا جَاءَ بِهِ أَنَّهَا بَاطِلَةٌ، لَزِمَ أَنْ لَا يَكُونَ عِنْدَهُمْ رَسُولًا صَادِقًا مُبَلِّغًا عَنِ اللَّهِ وَحِينَئِذٍ، فَسَوَاءٌ قَالُوا: هُوَ مَلِكٌ عَادِلٌ، أَوْ هُوَ عَالِمٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ، أَوْ هُوَ رَجُلٌ صَالِحٌ مِنَ الصَّالِحِينَ، أَوْ جَعَلُوهُ قِدِّيسًا عَظِيمًا مِنْ أَعْظَمِ الْقِدِّيسِينَ، فَمَهْمَا عَظَّمُوهُ بِهِ وَمَدَحُوهُ بِهِ لِمَا رَأَوْهُ مِنْ مَحَاسِنِهِ الْبَاهِرَةِ وَفَضَائِلِهِ الظَّاهِرَةِ وَشَرِيعَتِهِ الطَّاهِرَةِ، مَتَى كَذَّبُوهُ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ مِمَّا جَاءَ بِهِ أَوْ شَكُّوا فِيهَا كَانُوا مُكَذِّبِينَ لَهُ فِي قَوْلِهِ: إِنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، وَأَنَّهُ بَلَّغَ هَذَا الْقُرْآنَ عَنِ اللَّهِ، وَمَنْ كَانَ كَاذِبًا فِي قَوْلِهِ: إِنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ لَمْ يَكُنْ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ لَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ حُجَّةً أَلْبَتَّةَ، لَكِنَّ لَهُ أُسْوَةَ أَمْثَالِهِ. فَإِنْ عُرِفَ صِحَّةُ مَا يَقُولُهُ بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ، قُبِلَ الْقَوْلُ ; لِأَنَّهُ عُرِفَ صِدْقُهُ مِنْ غَيْرِ جِهَتِهِ، لَا لِأَنَّهُ قَالَهُ، وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ صِحَّةُ الْقَوْلِ لَمْ يُقْبَلْ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ إِنْ لَمْ يُقِرَّ الْمُقِرُّ لِمَنْ ذَكَرَ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ بِأَنَّهُ صَادِقٌ فِي كُلِّ مَا يُبَلِّغُهُ عَنِ اللَّهِ مَعْصُومٌ عَنِ اسْتِقْرَارِ الْكَذِبِ خَطَأً أَوْ عَمْدًا لَمْ يَصِحَّ احْتِجَاجُهُمْ بِقَوْلِهِ.

стр. 86

وَهَذَا الْأَصْلُ يُبْطِلُ قَوْلَ عُقَلَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَهُوَ لِقَوْلِ جُهَّالِهِمْ أَعْظَمُ إِبْطَالًا، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ عُقَلَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَأَكْثَرَهُمْ يُعَظِّمُونَ مُحَمَّدًا ﷺ ، لِمَا دَعَا إِلَيْهِ مِنْ تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلِمَا نَهَى عَنْهُ مِنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ، وَلِمَا صَدَّقَ التَّوْارَةَ وَالْإِنْجِيلَ، وَالْمُرْسَلِينَ قَبْلَهُ، وَلِمَا ظَهَرَ مِنْ عَظَمَةِ الْقُرْآنِ الَّذِي جَاءَ بِهِ، وَمَحَاسِنِ الشَّرِيعَةِ الَّتِي جَاءَ بِهَا، وَفَضَائِلِ أُمَّتِهِ الَّتِي آمَنَتْ بِهِ، وَلِمَا ظَهَرَ عَنْهُ وَعَنْهُمْ مِنَ الْآيَاتِ، وَالْبَرَاهِينِ، وَالْمُعْجِزَاتِ، وَالْكَرَامَاتِ، لَكِنْ يَقُولُونَ مَعَ ذَلِكَ: إِنَّهُ بُعِثَ إِلَى غَيْرِنَا، وَإِنَّهُ مَلِكٌ عَادِلٌ، لَهُ سِيَاسَةٌ عَادِلَةٌ، وَإِنَّهُ مَعَ ذَلِكَ حَصَّلَ عُلُومًا مِنْ عُلُومِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَغَيْرِهِمْ، وَوَضَعَ لَهُمْ نَامُوسًا بِعِلْمِهِ وَرُتَبِهِ، كَمَا وَضَعَ أَكَابِرُهُمْ لَهُمُ الْقَوَانِينَ، وَالنَّوَامِيسَ الَّتِي بِأَيْدِيهِمْ وَمَهْمَا قَالُوهُ مِنْ هَذَا، فَإِنَّهُمْ لَا يَصِيرُونَ بِهِ مُؤْمِنِينَ بِهِ، وَلَا يَسُوغُ لَهُمْ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ الِاحْتِجَاجُ بِشَيْءٍ مِمَّا قَالَهُ ; لِأَنَّهُ قَدْ عُرِفَ بِالنَّقْلِ الْمُتَوَاتِرِ الَّذِي يَعْلَمُهُ جَمِيعُ الْأُمَمِ مِنْ جَمِيعِ الطَّوَائِفِ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ، وَأَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ، فَإِنْ كَانَ صَادِقًا فِي ذَلِكَ، فَمَنْ كَذَّبَهُ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، فَقَدْ كَذَّبَ رَسُولَ اللَّهِ، وَمَنْ كَذَّبَ رَسُولَ اللَّهِ، فَهُوَ كَافِرٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ صَادِقًا فِي ذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ رَسُولًا لِلَّهِ، بَلْ كَانَ كَاذِبًا، وَمَنْ كَانَ كَاذِبًا عَلَى اللَّهِ، يَقُولُ: اللَّهُ أَرْسَلَنِي بِذَلِكَ، وَلَمْ يُرْسِلْهُ بِهِ، لَا يَجُوزُ أَنْ يُحْتَجَّ بِشَيْءٍ مِنْ أَقْوَالِهِ.

стр. 87

[الرَّدُّ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ فِي قَوْلِهِمْ بِالْإِرْسَالِ الْكَوْنِيِّ] وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ جُهَلَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إِنَّهُ كَانَ مَلِكًا مُسَلَّطًا عَلَيْهِمْ، وَإِنَّهُ رَسُولٌ غَضِبَ، أَرْسَلَهُ اللَّهُ إِرْسَالًا كَوْنِيًّا ; لِيَنْتَقِمَ بِهِ مِنْهُمْ كَمَا أَرْسَلَ بُخْتُنَصَّرَ، وَسَنْحَارِيبَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَكَمَا أَرْسَلَ جِنْكِسْ خَانْ، وَغَيْرَهُ مِنَ الْمُلُوكِ الْكَافِرِينَ وَالظَّالِمِينَ مِمَّا

стр. 88

يَنْتَقِمُ بِهِ مِمَّنْ عَصَاهُ، فَهَؤُلَاءِ أَعْظَمُ تَكْذِيبًا لَهُ، وَكُفْرًا بِهِ مِنْ أُولَئِكَ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ الْمُلُوكَ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ عَلَيْهِ كِتَابًا، وَلَا أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ الَّذِي أُبَلِّغُهُ إِلَيْكُمْ هُوَ كَلَامُ اللَّهِ، وَلَا أَنَّ اللَّهَ أَمَرَكُمْ أَنْ تُصَدِّقُونِي فِيمَا أَخْبَرْتُكُمْ بِهِ، وَتُطِيعُونِي فِيمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ، وَمَنْ لَمْ يُصَدِّقْنِي بَاطِنًا وَظَاهِرًا، فَإِنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، بَلْ هَؤُلَاءِ أَرْسَلَهُمْ إِرْسَالًا كَوْنِيًّا قَدَّرَهُ وَقَضَاهُ، كَمَا يُرْسِلُ الرِّيحَ بِالْعَذَابِ، وَكَمَا يُرْسِلُ الشَّيَاطِينَ قَالَ تَعَالَى: ﴿أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ [مريم: ٨٣] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا - فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا﴾ [الإسراء: ٤ - ٥] . وَهَذَا بِخِلَافِ قَوْلِهِ: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ [نوح: ١] . وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا﴾ [المزمل: ١٥] .

стр. 89

وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٣] . فَإِنَّ هَذَا يَعْنِي بِهِ الْإِرْسَالَ الدِّينِيَّ، الَّذِي يُحِبُّهُ تَعَالَى، وَيَرْضَاهُ الَّذِي هَدَى بِهِ مَنِ اتَّبَعَهُمْ، وَأَدْخَلَهُ فِي رَحْمَتِهِ، وَعَاقَبَ مَنْ عَصَاهُمْ، وَجَعَلَهُ مِنَ الْمُسْتَوْجِبِينَ لِلْعَذَابِ، وَهُوَ الْإِرْسَالُ الَّذِي أَوْجَبَ اللَّهُ بِهِ طَاعَةَ مَنْ أَرْسَلَهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٦٤] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠] . وَهَذِهِ الرِّسَالَةُ الَّتِي أَقَامَ بِهَا الْحُجَّةَ عَلَى الْخَلْقِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٥] .

стр. 90

وَهَذَا كَمَا اصْطَفَى رُوحَ الْقُدُسِ جِبْرِيلَ ﵇، لِنُزُولِهِ بِالْقُرْآنِ عَلَى مَنِ اصْطَفَاهُ مِنَ الْبَشَرِ، وَهُوَ مُحَمَّدٌ ﷺ . قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٩٧] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ - نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ - عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ - بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٥] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ - قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ١٠١ - ١٠٢] . فَأَخْبَرَ أَنَّهُ نَزَّلَ بِهِ جِبْرِيلَ، وَسَمَّاهُ الرُّوحَ الْأَمِينَ، وَسَمَّاهُ رُوحَ الْقُدُسِ، وَقَدْ ذَكَرَهُ أَيْضًا فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ - ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ - مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير: ١٩ - ٢١] .

стр. 91

ثُمَّ قَالَ: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ - وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ - وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ - وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ - فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ - إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ - لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ - وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٢ - ٢٩] . فَهَذَا الرَّسُولُ جِبْرِيلُ ﵇، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ - وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ - وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ - تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ - وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ - لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ - ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ - فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ١٩ - ٤٧] . فَهَذَا الرَّسُولُ مُحَمَّدٌ ﷺ . وَأَمَّا الْإِرْسَالُ الْكَوْنِيُّ الَّذِي قَدَّرَهُ وَقَضَاهُ، مِثْلَ إِرْسَالِ الرِّيَاحِ وَإِرْسَالِ الشَّيَاطِينِ، فَذَلِكَ نَوْعٌ آخَرُ. قَالَ تَعَالَى: ﴿أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ [مريم: ٨٣] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الفرقان: ٤٨] . وَاللَّهُ تَعَالَى لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ، فَلَفْظُ الْإِرْسَالِ، وَالْبَعْثِ، وَالْإِرَادَةِ، وَالْأَمْرِ، وَالْإِذْنِ، وَالْكِتَابِ، وَالتَّحْرِيمِ، وَالْقَضَاءِ، وَالْكَلَامِ يَنْقَسِمُ إِلَى: خَلْقِيٍّ، وَأَمْرِيٍّ، وَكَوْنِيٍّ، وَدِينِيٍّ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الْإِرْسَالَ. وَأَمَّا الْبَعْثُ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [الجمعة: ٢] .

стр. 92

وَقَالَ فِي الْكَوْنِيِّ: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ [الإسراء: ٥] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣١] . وَأَمَّا الْإِرَادَةُ، فَقَالَ تَعَالَى فِي الْكَوْنِيَّةِ: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام: ١٢٥] . وَقَالَ نُوحٌ ﵇: ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [هود: ٣٤] . وَقَالَ تَعَالَى فِي الْإِرَادَةِ الدِّينِيَّةِ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ - وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا - يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٦ - ٢٨] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٦] .

стр. 93

وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣] . وَقَالَ تَعَالَى فِي الْأَمْرِ الْكَوْنِيِّ: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢] . وَكَذَلِكَ فِي أَظْهَرِ الْقَوْلَيْنِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ﴾ [الإسراء: ١٦] .

стр. 94

وَأَمَّا الْأَمْرُ الدِّينِيُّ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] . وَأَمَّا الْإِذْنُ الْكَوْنِيُّ مِثْلُ قَوْلِهِ فِي السَّحَرَةِ: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٢] . وَالدِّينِيُّ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا - وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥ - ٤٦] . وَالْكِتَابُ الْكَوْنِيُّ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١] . وَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ [التوبة: ٥١] . وَالدِّينِيُّ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ﴾ [الحشر: ٣] . وَقَوْلِهِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣] . وَقَوْلِهِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ [البقرة: ١٧٨] .

стр. 95

وَالْقَضَاءُ الْكَوْنِيُّ كَقَوْلِهِ: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [فصلت: ١٢] . وَالدِّينِيُّ: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣] . أَيْ: أَمَرَ. وَالتَّحْرِيمُ الْكَوْنِيُّ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ [القصص: ١٢] . وَقَوْلِهِ: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٢٦] . وَقَوْلِهِ: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٥] . وَالدِّينِيُّ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣] . وَقَوْلِهِ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] . وَالْكَلِمَاتُ الْكَوْنِيَّةُ، مِثْلُ قَوْلِ النَّبِيِّ، ﷺ : «أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ، الَّتِي لَا يُجَاوِزُهُنَّ بَرٌّ، وَلَا فَاجِرٌ» . وَمِنْهُ

стр. 96

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ﴾ [التحريم: ١٢] . وَالدِّينِيَّةُ: مِثْلُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «اتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللَّهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ» . وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٦٤] .

стр. 97

وَهَذَا مَبْسُوطٌ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ. [تَفْرُّقُ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي النَّبِيِّ ﷺ ] وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّهُ تَفَرُّقُ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي النَّبِيِّ ﷺ ، كُلٌّ يَقُولُ فِيهِ قَوْلًا هُوَ نَظِيرُ تَفَرُّقِ سَائِرِ الْكُفَّارِ، فَإِنَّ الْكُفَّارَ بِالْأَنْبِيَاءِ مِنْ عَادَاتِهِمْ أَنْ تَقُولَ كُلُّ طَائِفَةٍ فِيهِ قَوْلًا يُنَاقِضُ قَوْلَ الطَّائِفَةِ الْأُخْرَى، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ فِي الْكِتَابِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ، وَأَقْوَالُهُمْ كُلُّهَا أَقْوَالٌ مُخْتَلِفَةٌ بَاطِلَةٌ، وَهَذَا هُوَ الِاخْتِلَافُ الْمَذْمُومُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١١٨] . وَفِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ [الذاريات: ٨] . وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [البقرة: ١٧٦] . وَقَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ - يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٥ - ١٠٦] . وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [المائدة: ١٤] .

стр. 98

وَمِثَالُ أَقْوَالِ الْكُفَّارِ فِي الْأَنْبِيَاءِ مَا ذَكَرَهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا - الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا - وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا - وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا - وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا - قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا - وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا - أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا - انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ١ - ٩] . فَبَيَّنَ سُبْحَانَهُ أَنَّ الْكُفَّارَ ضَرَبُوا لَهُ أَمْثَالًا كُلُّهَا بَاطِلَةٌ، ضَلُّوا فِيهَا عَنِ الْحَقِّ، فَلَا يَسْتَطِيعُونَ مَعَ الضَّلَالِ سَبِيلًا إِلَى الْحَقِّ، وَضَرْبُ الْأَمْثَالِ لَهُ يَتَضَمَّنُ تَمْثِيلَهُ بِأُنَاسٍ آخَرِينَ، وَجَعْلَهُ فِي تِلْكَ الْأَنْوَاعِ الَّتِي لَيْسَ هُوَ مِنْهَا، وَلَا مُمَاثِلًا لِأَفْرَادِهَا، مِثْلُ قَوْلِهِمْ: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ [الفرقان: ٤] . مَثَّلُوهُ بِالْكَاذِبِ الْمُسْتَعِينِ بِمَنْ يُعِينُهُ عَلَى مَا يَفْتَرِيهِ، وَمَثَّلُوهُ بِمَنْ

стр. 99

يَسْتَكْتِبُ أَسَاطِيرَ الْأَوَّلِينَ مِنْ غَيْرِهِ، فَتُقْرَأُ عَلَيْهِ طَرَفَيِ النَّهَارِ، وَهُوَ يَتَعَلَّمُ مِنْ أُولَئِكَ مَا يَقُولُهُ، وَمَثَّلُوهُ بِالْمَسْحُورِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا - وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا - نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا - انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٥ - ٩] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ - لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ - وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ - كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ - الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ - فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ - عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ - فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ - إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ - الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر: ٨٧ - ٩٦] . قَالَ كَثِيرًا مِنَ السَّلَفِ: الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ: هُمُ الَّذِينَ

стр. 100

عَضَّهُوهُ، فَقَالُوا سِحْرٌ، وَشِعْرٌ وَكِهَانَةٌ، وَنَحْوُ ذَلِكَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ - وَمَا لَا تُبْصِرُونَ - إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ - وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ - وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ - تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ - وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ - لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ - ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ - فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ - وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ - وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ - وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ - وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ - فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الحاقة: ٣٨ - ٥٢] . وَقَالَ: ﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ - أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ - قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ - أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ - أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ - فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ [الطور: ٢٩ - ٣٤] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ - نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ - عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ - بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ - وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ - أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ - وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ - فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ - كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ - لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوْا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ - فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ - فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ - أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ - أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ - ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ - مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ - وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ - ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ٢٠٩] .

стр. 101

ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ - وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ - إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ - فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ - وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ - وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ - فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ - وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ - الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ - وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ - إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ - هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ - تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ - يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ - وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ - أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ - وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ - إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٠ - ٢٢٧] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ - وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ - وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ - بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ - وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ - أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ - قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ - وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ - يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ - يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٦ - ٥٥] .

стр. 102

وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ [الطور: ٣٣] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ - فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [هود: ١٣ - ١٤] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ - فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٣ - ٢٤] .

стр. 103

وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ - فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ - وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الذاريات: ٤٩ - ٥١] . وَقَدْ أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّ هَذِهِ سُنَّةُ الْكُفَّارِ فِي الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ كَمَا قَالَ: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ - أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ [الذاريات: ٥٢ - ٥٣] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [فصلت: ٤٣] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ١١٢] . وَقَدْ أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّ الْكُفَّارَ قَالُوا عَنْ مُوسَى ﵇ أَنَّهُ سَاحِرٌ، وَأَنَّهُ مَجْنُونٌ، فَقَالَ فِرْعَوْنُ: ﴿قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء: ٢٧] . وَقَوْلُهُ: ﴿وَقَالُوا يَاأَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ [الزخرف: ٤٩] .

стр. 104

وَقَالَ: ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ [طه: ٧١] . وَكَذَلِكَ قَالُوا عَنِ الْمَسِيحِ ابْنِ مَرْيَمَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الصف: ٦] . وَذَكَرَ تَعَالَى عَنِ الْيَهُودِ أَنَّهُمْ قَالُوا عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا، فَقَوْلُ الْيَهُودِ فِي الْمَسِيحِ مِنْ جِنْسِ أَقْوَالِ الْكُفَّارِ فِي الْأَنْبِيَاءِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُ كُفَّارِ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي خَاتَمِ الْأَنْبِيَاءِ مُحَمَّدٍ ﷺ تَسْلِيمًا. [الرَّدُّ عَلَى دَعْوَى قَصْرِ الرِّسَالَةِ عَلَى الْعَرَبِ] فَإِذَا عُلِمَ هَذَا فَنَقُولُ بَعْدَ ذَلِكَ لِمَنْ قَالَ إِنَّهُ رَسُولٌ أُرْسِلَ إِلَى الْعَرَبِ الْجَاهِلِيَّةِ دُونَ أَهْلِ الْكِتَابِ: إِنَّهُ مِنَ الْمَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ لِكُلِّ مَنْ عُلِمَ أَحْوَالُهُ بِالنَّقْلِ الْمُتَوَاتِرِ الَّذِي هُوَ أَعْظَمُ تَوَاتُرًا مِمَّا يُنْقَلُ عَنْ مُوسَى وَعِيسَى وَغَيْرِهِمَا، وَبِالْقُرْآنِ الْمُتَوَاتِرِ عَنْهُ، وَسُنَّتِهِ الْمُتَوَاتِرَةِ عَنْهُ، وَسُنَّةِ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِهِ، أَنَّهُ ﷺ ذَكَرَ أَنَّهُ أُرْسِلَ إِلَى أَهْلِ الْكِتَابِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، كَمَا ذَكَرَ أَنَّهُ أُرْسِلَ إِلَى الْأُمِّيِّينَ، بَلْ ذَكَرَ أَنَّهُ أُرْسِلَ إِلَى جَمِيعِ بَنِي آدَمَ عَرَبِهِمْ، وَعَجَمِهِمْ مِنَ الرُّومِ، وَالْفُرْسِ

стр. 105

وَالتُّرْكِ، وَالْهِنْدِ، وَالْبَرْبَرِ، وَالْحَبَشَةِ، وَسَائِرِ الْأُمَمِ، بَلْ أَنَّهُ أُرْسِلَ إِلَى الثَّقَلَيْنِ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ جَمِيعًا. وَهَذَا كُلُّهُ مِنَ الْأُمُورِ الظَّاهِرَةِ الْمُتَوَاتِرَةِ عَنْهُ، الَّتِي اتَّفَقَ عَلَى نَقْلِهَا عَنْهُ أَصْحَابُهُ مَعَ كَثْرَتِهِمْ، وَتَفَرُّقِ دِيَارِهِمْ وَأَحْوَالِهِمْ، وَقَدْ صَحِبَهُ عَشَرَاتُ أُلُوفٍ، لَا يُحْصِي عَدَدَهُمْ عَلَى الْحَقِيقَةِ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى، وَنَقَلَ ذَلِكَ عَنْهُمُ التَّابِعُونَ، وَهُمْ أَضْعَافُ الصَّحَابَةِ عَدَدًا، ثُمَّ ذَلِكَ مَنْقُولٌ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ

стр. 106

إِلَى زَمَنِنَا مَعَ كَثْرَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَانْتِشَارِهِمْ فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا، كَمَا أَخْبَرَ بِذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ، فَقَالَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «زُوِيَتْ لِي الْأَرْضُ، فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَسَيَبْلُغُ مُلْكُ أُمَّتِي مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا» ، وَكَانَ كَمَا أَخْبَرَ، فَبَلَغَ مُلْكُ أُمَّتِهِ طَرَفَيِ الْعِمَارَةِ شَرْقًا وَغَرْبًا، وَانْتَشَرَتْ دَعْوَتُهُ فِي وَسَطِ الْأَرْضِ، كَالْإِقْلِيمِ الثَّالِثِ وَالرَّابِعِ وَالْخَامِسِ ; لِأَنَّهُمْ أَكْمَلُ عُقُولًا، وَأَخْلَاقًا، وَأَعْدَلُ أَمْزِجَةً، بِخِلَافِ طَرَفَيِ الْجَنُوبِ وَالشَّمَالِ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ نَقَصَتْ عُقُولُهُمْ وَأَخْلَاقُهُمْ، وَانْحَرَفَتْ أَمْزِجَتُهُمْ. أَمَّا طَرَفُ الْجَنُوبِ، فَإِنَّهُ لِقُوَّةِ الْحَرَارَةِ احْتَرَقَتْ أَخْلَاطُهُمْ، فَاسْوَدَّتْ أَلْوَانُهُمْ، وَتَجَعَّدَتْ شُعُورُهُمْ.

стр. 107

وَأَمَّا أَهْلُ طَرَفِ الشَّمَالِ فَلِقُوَّةِ الْبَرْدِ لَمْ تَنْضَجْ أَخْلَاطُهُمْ، بَلْ صَارَتْ فَجَّةً، فَأَفْرَطُوا فِي سُبُوطَةِ الشَّعْرِ وَالْبَيَاضِ الْبَارِدِ الَّذِي لَا يُسْتَحْسَنُ. وَلِهَذَا لَمَّا ظَهَرَ الْإِسْلَامُ غَلَبَ أَهْلُهُ عَلَى وَسَطِ الْمَعْمُورَةِ، وَهُمْ أَعْدَلُ بَنِي آدَمَ وَأَكْمَلُهُمْ، وَالنَّصَارَى الَّذِينَ تَرَبَّوْا تَحْتَ ذِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ أَكْمَلُ مِنْ غَيْرِهِمْ مِنَ النَّصَارَى عُقُولًا وَأَخْلَاقًا، وَأَمَّا النَّصَارَى الْمُحَارِبُونَ لِلْمُسْلِمِينَ الْخَارِجُونَ عَنْ ذِمَّتِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْجَنُوبِ وَالشَّمَالِ، فَهُمْ أَنْقَصُ عُقُولًا وَأَخْلَاقًا، وَلِمَا فِيهِمْ مِنْ نَقْصِ الْعُقُولِ وَالْأَخْلَاقِ ظَهَرَتْ فِيهِمُ النَّصْرَانِيَّةُ دُونَ الْإِسْلَامِ. [تَوْجِيهُ الدَّعْوَةِ مِنَ الرَّسُولِ إِلَى أَهْلِ الْكِتَابِ وَغَيْرِهِمْ] وَالْمَقْصُودُ: أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ هُوَ نَفْسُهُ دَعَا أَهْلَ الْكِتَابِ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى إِلَى الْإِيْمَانِ بِهِ، وَبِمَا جَاءَ بِهِ، كَمَا دَعَا مَنْ لَا كِتَابَ لَهُ مِنَ الْعَرَبِ وَسَائِرِ الْأُمَمِ.

стр. 108

وَهُوَ الَّذِي أَخْبَرَ عَنِ اللَّهِ ﵎ بِكُفْرِ مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِهِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَغَيْرِهِمْ، وَبِأَنَّهُمْ يَصْلَوْنَ جَهَنَّمَ، وَسَاءَتْ مَصِيرًا، وَهُوَ الَّذِي أَمَرَ بِجِهَادِهِمْ، وَدَعَاهُمْ بِنَفْسِهِ وَنُوَّابِهِ، وَحِينَئِذٍ فَقَوْلُهُمْ فِي الْكِتَابِ لَمْ يَأْتِ إِلَيْنَا بَلْ إِلَى الْجَاهِلِيَّةِ مِنَ الْعَرَبِ سَوَاءٌ أَرَادُوا أَنَّ اللَّهَ بَعَثَهُ إِلَى الْعَرَبِ، وَلَمْ يَبْعَثْهُ إِلَيْنَا، أَوْ أَرَادُوا أَنَّهُ ادَّعَى أَنَّهُ أُرْسِلَ إِلَى الْعَرَبِ لَا إِلَيْنَا ; فَإِنَّهُ قَدْ عَلِمَ جَمِيعُ الطَّوَائِفِ أَنَّ مُحَمَّدًا دَعَا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى إِلَى الْإِيْمَانِ بِهِ، وَذَكَرَ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ إِلَيْهِمْ وَأَمَرَهُ بِجِهَادِ مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِهِ مِنْهُمْ فَإِذَا قِيلَ مَعَ هَذَا أَنَّهُ قَالَ: لَمْ أُبْعَثْ إِلَّا إِلَى الْعَرَبِ، كَانَ كَاذِبًا كَذِبًا ظَاهِرًا عَلَيْهِ سَوَاءٌ صَدَّقَهُ الْإِنْسَانُ أَوْ كَذَّبَهُ، فَإِنَّ الْمَقْصُودَ هُنَا أَنَّهُ نَفْسَهُ دَعَا جَمِيعَ أَهْلِ الْأَرْضِ إِلَى الْإِيْمَانِ بِهِ، فَدَعَا أَهْلَ الْكِتَابِ كَمَا دَعَا الْأُمِّيِّينَ. أَمَّا الْيَهُودُ: فَإِنَّهُمْ كَانُوا جِيرَانَهُ فِي الْحِجَازِ بِالْمَدِينَةِ، وَمَا حَوْلَهَا، وَخَيْبَرَ، فَإِنَّ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارَ كُلَّهُمْ آمَنُوا بِهِ مِنْ غَيْرِ سَيْفٍ وَلَا قِتَالٍ، بَلْ لَمَّا ظَهَرَ لَهُمْ مِنْ بَرَاهِينِ نُبُوَّتِهِ، وَدَلَائِلِ صِدْقِهِ آمَنُوا بِهِ، وَقَدْ حَصَلَ مِنَ الْأَذَى فِي اللَّهِ لِمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ مَا هُوَ مَعْرُوفٌ فِي السِّيرَةِ، وَقَدْ آمَنَ بِهِ فِي حَيَاتِهِ كَثِيرٌ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى بَعْضُهُمْ بِمَكَّةَ وَبَعْضُهُمْ بِالْمَدِينَةِ وَكَثِيرٌ

стр. 109

مِنْهُمْ كَانُوا بِغَيْرِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ عَاهَدَ مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِهِ مِنَ الْيَهُودِ، ثُمَّ نَقَضُوا الْعَهْدَ، فَأَجْلَى بَعْضَهُمْ، وَقَتَلَ بَعْضَهُمْ ; لِمُحَارَبَتِهِمْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ. وَقَدْ قَاتَلَهُمْ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ قَاتَلَ بَنِي النَّضِيرِ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ سُورَةَ الْحَشْرِ، وَقَاتَلَ قُرَيْظَةَ عَامَ الْأَحْزَابِ، وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِي سُورَةِ الْأَحْزَابِ، وَقَاتَلَ قَبْلَهُمْ بَنِي قَيْنُقَاعَ، وَبَعْدَ هَؤُلَاءِ

стр. 110

غَزَا خَيْبَرَ هُوَ وَأَهْلُ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ، الَّذِينَ بَايَعُوهُ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، وَكَانُوا أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ، فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ خَيْبَرَ، وَأَقَرَّ الْيَهُودَ فِيهَا فَلَّاحِينَ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى سُورَةَ الْفَتْحِ يَذْكُرُ فِيهَا ذَلِكَ فَكَيْفَ يُقَالُ: إِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ أُرْسِلَ إِلَّا إِلَى مُشْرِكِي الْعَرَبِ وَهَذِهِ حَالُ الْيَهُودِ مَعَهُ؟
следующие страницы →