← Акыда

Акыда · id 170

الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لابن تيمية

ابن تيمية

Полный текст (2 831 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

مِثْلَ نُبُوَّةِ غَيْرِهِ وَطَرِيقِ ثُبُوتِهَا لَوَجَبَ التَّصْدِيقُ بِنُبُوَّتِهِ ; كَمَا وَجَبَ التَّصْدِيقُ بِنُبُوَّةِ غَيْرِهِ وَلَكَانَ تَكْذِيبُهُ كَتَكْذِيبِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَغَيْرِهِمَا مِنَ الرُّسُلِ فَكَيْفَ إِذَا كَانَ ذَلِكَ أَعْظَمَ مِنْ وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ. وَحِينَئِذٍ فَالْأَنْبِيَاءُ كُلُّهُمْ صَادِقُونَ مُصَدِّقُونَ مَعْصُومُونَ فِيمَا يُخْبِرُونَ بِهِ عَنِ اللَّهِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ فِي خَبَرِهِمْ عَنِ اللَّهِ خَبَرٌ بَاطِلٌ لَا عَمْدًا وَلَا خَطَأً فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُخْبِرَ أَحَدُهُمْ بِخِلَافِ مَا أَخْبَرَ بِهِ غَيْرُهُ بَلْ وَلَا يَفْتَرِقُونَ فِي الدِّينِ الْجَامِعِ ; كَمَا قَالَ - تَعَالَى -: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣] وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ - وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ - فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: ٥١ - ٥٣] وَإِنَّمَا يَقَعُ النَّسْخُ فِي بَعْضِ الشَّرَائِعِ ; كَمَا يَقَعُ النَّسْخُ فِي شَرِيعَةِ الرَّسُولِ الْوَاحِدِ وَحِينَئِذٍ فَيُعْلَمُ أَنَّ كُلَّ مَا يُنْقَلُ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ مِمَّا يُنَاقِضُ مَا عُلِمَ مِنْ إِخْبَارِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَهُوَ بَاطِلٌ سَوَاءٌ كَانَ اللَّفْظُ نَفْسُهُ بَاطِلًا لَمْ يَقُلْهُ ذَلِكَ النَّبِيُّ أَوْ قَدْ قَالَ: لَفْظَا وَغَلِطَ

стр. 772

الْمُتَرْجِمُونَ لَهُ مِنْ لُغَةٍ إِلَى لُغَةٍ أَوْ كَانَ اللَّفْظُ وَتَرْجَمَتُهُ صَحِيحَيْنِ لَكِنْ وَقَعَ الْغَلَطُ فِي مَعْرِفَةِ مُرَادِ ذَلِكَ النَّبِيِّ بِذَلِكَ الْكَلَامِ. فَإِنَّ كُلَّ مَا يُحْتَجُّ بِهِ مِنَ الْأَلْفَاظِ الْمَنْقُولَةِ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ أُرْسِلَ بِغَيْرِ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ لَا بُدَّ فِي الِاحْتِجَاجِ بِأَلْفَاظِهِ مِنْ هَذِهِ الْمُقَدِّمَاتِ أَنْ يَعْلَمَ اللَّفْظَ الَّذِي قَالَهُ وَيَعْلَمَ تَرْجَمَتَهُ وَيَعْلَمَ مُرَادَهُ بِذَلِكَ اللَّفْظِ. وَالْمُسْلِمُونَ وَأَهْلُ الْكِتَابِ مُتَّفِقُونَ عَلَى وُقُوعِ الْغَلَطِ فِي تَفْسِيرِ بَعْضِ الْأَلْفَاظِ وَبَيَانِ مُرَادِ الْأَنْبِيَاءِ بِهَا وَفِي تَرْجَمَةِ بَعْضِهَا، فَإِنَّكَ تَجِدُ بِالتَّوْرَاةِ عِدَّةَ نُسَخٍ مُتَرْجَمَةٍ وَبَيْنَهَا فُرُوقٌ يَخْتَلِفُ بِهَا الْمَعْنَى الْمَفْهُومُ وَكَذَلِكَ فِي الْإِنْجِيلِ وَغَيْرِهِ فَهَذَا الطَّرِيقُ فِي الْجَوَابِ طَرِيقٌ عَامٌّ لِكُلِّ مَنْ آمَنَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ وَشَهِدَ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ بَاطِنًا وَظَاهِرًا يُخَاطَبُ بِهِ كُلُّ يَهُودِيٍّ وَنَصْرَانِيٍّ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَارِفًا بِمَا عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَإِنَّهُ لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ يُقِيمُ دَلِيلًا صَحِيحًا عَلَى نُبُوَّةِ مُوسَى وَعِيسَى وَبُطْلَانِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، فَإِنَّ هَذَا مُمْتَنِعٌ لِذَاتِهِ بَلْ وَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُقِيمَ دَلِيلًا صَحِيحًا عَلَى نُبُوَّةِ أَحَدِهِمَا إِلَّا وَإِقَامَةُ مِثْلِ ذَلِكَ الدَّلِيلِ أَوْ أَعْظَمَ مِنْهُ عَلَى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ أَوْلَى وَحِينَئِذٍ فَلَا يُمَكِّنُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ

стр. 773

الْكِتَابِ أَنْ يَحْتَجَّ بِشَيْءٍ مِنَ الْمَنْقُولَاتِ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ الْمُخَالِفَةِ لِمَا ثَبَتَ عَنْ مُحَمَّدٍ ﷺ سَوَاءٌ أَقَرَّ بِنُبُوَّتِهِ أَوْ أَنْكَرَهَا بَلْ إِنِ احْتَجَّ بِشَيْءٍ مِمَّا نُقِلَ عَنْ مُحَمَّدٍ ﷺ بُيِّنَ لَهُ بُطْلَانُ احْتِجَاجِهِ بِهِ وَأَنَّهُ حُجَّةٌ عَلَيْهِ لَا لَهُ. وَإِنِ احْتَجَّ بِشَيْءٍ مِنَ الْمَنْقُولِ عَنْ غَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ ﵈ طُولِبَ بِتَقْدِيرِ نُبُوَّةِ ذَلِكَ النَّبِيِّ مَعَ تَكْذِيبِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَإِلَّا فَبِتَقْدِيرِ أَنْ يُنْقَلَ عَنِ اثْنَيْنِ ادَّعَيَا النُّبُوَّةَ وَأَتَيَا بِالْآيَاتِ الَّتِي تَثْبُتُ بِهَا النُّبُوَّاتُ خَبَرَانِ مُنَاقِضَانِ لَا يَجُوزُ تَصْدِيقُ هَذَا وَتَكْذِيبُ ذَاكَ إِنْ لَمْ يَتَبَيَّنْ مَا يَدُلُّ عَلَى صِدْقِ هَذَا وَكَذِبِ هَذَا وَكَذَلِكَ إِذَا عُورِضَ أَحَدُهُمَا بِجِنْسِ مَا يُعَارَضُ الْآخَرُ. وَهَذَا لَا يُرَدُّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ إِذَا رَدُّوا مَا يَحْتَجُّ بِهِ أَهْلُ الْكِتَابِ مِمَّا يَنْقُلُونَهُ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ مُخَالِفًا لِخَبَرِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ لَا يَطْعَنُونَ فِي نُبُوَّةِ أَحَدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ الْمَعْرُوفِينَ وَإِنَّمَا يَطْعَنُونَ فِي أَنَّهُمْ أَخْبَرُوا بِمَا يُخَالِفُ خَبَرَ مُحَمَّدٍ ﷺ ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَثْبُتُ أَيْ لَمْ يَثْبُتِ اللَّفْظُ وَالتَّرْجَمَةُ وَتَفْسِيرُ اللَّفْظِ وَهَذِهِ الْمُقَدِّمَاتُ يَمْتَنِعُ أَنْ تَقُومَ عَلَى شَيْءٍ يُخَالِفُ خَبَرَ مُحَمَّدٍ لَا جُمْلَةً وَلَا تَفْصِيلًا. فَأَهْلُ الْكِتَابِ يُطَالَبُونَ فِيمَا يُعَارِضُونَ بِهِ بِثَلَاثِ مُقَدِّمَاتٍ. أَحَدُهَا: تَقْدِيرُ أَنَّ أُولَئِكَ صَادِقُونَ وَمُحَمَّدٌ ﷺ كَاذِبٌ.

стр. 774

وَالثَّانِي: ثُبُوتُ مَا أَتَوْا بِهِ لَفْظًا. وَالثَّالِثُ: مَعْرِفَةُ الْمُرَادِ بِاللَّفْظِ تَرْجَمَةً وَتَفْسِيرًا وَإِنْ قَالَ الْكِتَابِيُّ لِلْمُسْلِمِ: أَنْتَ تُوَافِقُنِي عَلَى نُبُوَّةِ هَؤُلَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ، إِجَابَةُ الْمُسْلِمِ بِوُجُوهٍ. مِنْهَا أَنْ يَقُولَ إِنِّي لَمْ أُوَافِقْكَ عَلَى نُبُوَّةِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَعَ التَّكْذِيبِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ بَلْ دِينُ الْمُسْلِمِينَ كُلِّهِمْ أَنَّهُ مَنْ آمَنَ بِبَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ وَكَفَرَ بِبَعْضٍ فَهُوَ كَافِرٌ فَكَيْفَ بِمَنْ كَفَرَ بِمَنْ هُوَ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ أَفْضَلُ الْأَنْبِيَاءِ وَخَاتَمُهُمْ بَلْ قَدْ يَقُولُ لَهُ أَكْثَرُ الْمُسْلِمِينَ نَحْنُ لَمْ نَعْلَمْ نُبُوَّةَ أُولَئِكَ إِلَّا بِإِخْبَارِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُمْ أَنْبِيَاءُ فَلَوْ قَدَحْنَا فِي الْأَصْلِ الَّذِي قَدْ عَلِمْنَا بِهِ نُبُوَّتَهُمْ لَزِمَ الْقَدْحُ فِي نُبُوَّتِهِمْ وَالْفَرْعُ إِذَا قُدِحَ فِي أَصْلِهِ دَلَّ عَلَى فَسَادِهِ فِي نَفْسِهِ سَوَاءٌ قُدِّرَ أَصْلُهُ صَحِيحًا أَوْ فَاسِدًا، فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ أَصْلُهُ فَاسِدًا فَسَدَ هُوَ وَإِنْ كَانَ أَصْلُهُ صَحِيحًا وَهُوَ يُنَاقِضُهُ بَطَلَ هُوَ، فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ أَصْلُهُ فَاسِدًا فَسَدَ هُوَ وَإِنْ كَانَ أَصْلُهُ صَحِيحًا وَهُوَ يُنَاقِضُهُ بَطَلَ هُوَ فَهُوَ إِذًا نَاقِضٌ أَصْلَهُ بَاطِلٌ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ. وَكَذَلِكَ إِذَا قَالَ: لَهُ الْكِتَابِيُّ قَدِ اتَّفَقْنَا عَلَى تَصْدِيقِ مُوسَى وَالتَّوْرَاةِ وَالْمَسِيحِ وَالْإِنْجِيلِ. قَالَ لَهُ الْمُسْلِمُ إِنَّمَا وَافَقْتُكَ عَلَى تَصْدِيقِ مُوسَى وَعِيسَى الَّذَيْنَ

стр. 775

بَشَّرَا بِمُحَمَّدٍ ﷺ ; كَمَا أَخْبَرَنَا بِهِ مُحَمَّدٌ عَنِ اللَّهِ حَيْثُ قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ - الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الأعراف: ١٥٦ - ١٥٧] الْآيَةَ. وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦] إِلَى أَمْثَالِ ذَلِكَ. فَأَمَّا الْإِيمَانُ بِمُوسَى الَّذِي ذَكَرَ أَنَّ شَرِيعَتَهُ مُؤَيَّدَةٌ لَا يُنْسَخُ مِنْهَا شَيْءٌ أَوْ بِمَسِيحٍ ادَّعَى أَنَّهُ اللَّهُ أَوْ أَنَّ اللَّهَ اتَّحَدَ بِهِ أَوْ حَلَّ فِيهِ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا يَدَّعِيهِ أَهْلُ الْكِتَابِ فِي الرَّسُولَيْنِ وَالْكِتَابَيْنِ وَيُخَالِفُهُمْ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ فَهَذَا مِنْ مَوَارِدِ النِّزَاعِ لَا مِنْ مَوَاقِعِ الْإِجْمَاعِ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أَنْ يَحْتَجَّ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِمُوَافَقَتِهِ لَهُ عَلَى ذَلِكَ. وَمِنْ تَمَامِ ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ الْمُسْلِمُ نَعَمْ أَنَا أُقِرُّ بِنُبُوَّةِ مُوسَى وَالْمَسِيحِ وَإِنَّ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ كَلَامُ اللَّهِ لَكِنْ يَمْتَنِعُ عَقْلًا الْإِقْرَارُ بِنُبُوَّةِ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ دُونَ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، فَإِنَّ

стр. 776

الْبَرَاهِينَ وَالْآيَاتِ وَالْأَدِلَّةَ الدَّالَّةَ عَلَى صِدْقِ مُوسَى وَالْمَسِيحِ تَدُلُّ عَلَى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى فَلَوِ انْتُقِضَتْ تِلْكَ الْأَدِلَّةُ لَزِمَ فَسَادُهَا وَأَنْ لَا أُصَدِّقَ بِأَحَدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَإِنْ كَانَتْ حَقًّا لَزِمَ تَصْدِيقُهُمْ كُلُّهِمْ فَلَزِمَ إِمَّا أَنْ نُصَدِّقَهُمْ كُلَّهُمْ وَإِمَّا أَنْ نُكَذِّبَهُمْ كُلَّهُمْ وَلِهَذَا كَانَ مَنْ آمَنَ بِبَعْضٍ وَكَذَّبَ بِبَعْضٍ كَافِرًا. وَمِنَ الْأَجْوِبَةِ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَقُولُوا نَحْنُ نُصَدِّقُ الْأَنْبِيَاءَ الْمُتَقَدِّمِينَ فِي كُلِّ مَا أَخْبَرُوا بِهِ لَكِنْ مَنْ نَقَلَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ أَخْبَرُوا بِمَا يُنَاقِضُ خَبَرَ مُحَمَّدٍ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُقَدِّمَتَيْنِ، ثُبُوتُ ذَلِكَ اللَّفْظِ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْعِلْمُ بِمَعْنَاهُ الَّذِي يُعْلَمُ أَنَّهُ مُنَاقِضٌ لِلْمَعْنَى الَّذِي عُلِمَ أَنَّ مُحَمَّدًا عَنَاهُ، ثُمَّ الْعِلْمُ بِاللَّفْظِ يَحْتَاجُ مَعَ الْخِطَابِ بِغَيْرِ أَلْسُنِ الْأَنْبِيَاءِ الْعَرَبِيَّةِ سَوَاءٌ كَانَتْ عَرَبِيَّةً أَوْ رُومِيَّةً أَوْ سُرْيَانِيَّةً أَوْ قِبْطِيَّةً إِلَى أَنْ يُعْرَفَ أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ الَّذِي تُرْجِمَ بِهِ لَفْظُهُ مُطَابِقٌ لِلَفْظِهِ وَيَمْتَنِعُ ثُبُوتُ الْمُقَدِّمَتَيْنِ ; لِأَنَّ فِي ثُبُوتِهِمَا تَنَاقُضَ الْأَدِلَّةِ الْعِلْمِيَّةِ، وَالْأَدِلَّةُ الْعِلْمِيَّةُ لَا تَتَنَاقَضُ. الطَّرِيقُ الثَّانِي: أَنْ يَقُولَ الْمُسْلِمُونَ: مَا تَذْكُرُونَهُ مِنَ الْمَنْقُولِ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ مُنَاقَضَةً لِمَا أَخْبَرَ بِهِ مُحَمَّدٌ أُمُورٌ لَمْ تُعْلَمْ صِحَّتُهَا فَلَا يَجُوزُ اعْتِقَادُ ثُبُوتِهَا وَالْجَزْمُ بِهَا وَلَوْ لَمْ يُعْلَمْ

стр. 777

أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ أَخْبَرَ بِخِلَافِهَا فَكَيْفَ إِذَا عُلِمَ أَنَّهُ أَخْبَرَ بِخِلَافِهَا وَذَلِكَ أَنَّ الْعِلْمَ بِثُبُوتِهَا مَبْنِيٌّ عَلَى مُقَدِّمَاتٍ. أَحَدُهَا: الْعِلْمُ بِنُبُوَّتِهِمْ وَهَذَا مُمْتَنِعٌ مَعَ تَكْذِيبِ مُحَمَّدٍ ﷺ . وَالثَّانِيَةُ: أَنَّهُمْ قَالُوا: هَذِهِ الْأَلْفَاظُ وَهَذَا يَحْتَاجُ إِلَى إِثْبَاتِ تَوَاتُرِ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ وَلَمْ يَثْبُتْ أَنَّهَا تَوَاتَرَتْ عَنْهُمْ. وَالثَّالِثَةُ: أَنَّ مَعْنَاهَا هُوَ الْمَعْنَى الْمُنَاقِضُ لِخَبَرِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَلَمْ يُعْلَمْ ذَلِكَ. وَكُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ الْمُقَدِّمَاتِ تَمْنَعُ الْعِلْمَ بِثُبُوتِ هَذِهِ الْمَعَانِي الْمُنَاقِضَةِ لِخَبَرِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَكَيْفَ إِذَا اجْتَمَعَتْ. وَهِيَ تَمْنَعُ الْعِلْمَ بِصِحَّتِهَا وَلَوْ لَمْ تُنَاقِضْ خَبَرَ مُحَمَّدٍ فَكَيْفَ إِذَا نَاقَضَتْهُ. الطَّرِيقُ الثَّالِثُ: طَرِيقُ مَنْ يُبَيِّنُ أَنَّ أَلْفَاظَ هَذِهِ الْكُتُبِ لَمْ تَتَوَاتَرْ وَيُثْبِتُونَ ذَلِكَ بِانْقِطَاعِ تَوَاتُرِ التَّوْرَاةِ لَمَّا خُرِّبَ بَيْتُ الْمَقْدِسِ وَانْقِطَاعِ تَوَاتُرِ الْإِنْجِيلِ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ. الطَّرِيقُ الرَّابِعُ: طَرِيقُ مَنْ يُبَيِّنُ أَنَّ بَعْضَ أَلْفَاظِ الْكُتُبِ حُرِّفَتْ،

стр. 778

وَيُقِيمُ الْأَدِلَّةَ الشَّرْعِيَّةَ وَالْعَقْلِيَّةَ عَلَى تَبْدِيلِ بَعْضِ أَلْفَاظِهَا. الطَّرِيقُ الْخَامِسُ: أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ الْأَلْفَاظَ الَّتِي بِأَيْدِيهِمْ لَا تُنَاقِضُ مَا أَخْبَرَ بِهِ مُحَمَّدٌ بَلْ تَدُلُّ عَلَى صِدْقِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَيَتَكَلَّمُ عَلَى تَفْسِيرِ تِلْكَ الْأَلْفَاظِ بِأَعْيَانِهَا. وَهَذِهِ الطَّرِيقُ يَسْلُكُهَا مَنْ لَا يُنَازِعُ فِي ثُبُوتِ الْأَلْفَاظِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. وَأَمَّا الْجُمْهُورُ الَّذِينَ يَقُولُونَ بِتَبْدِيلِ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ فَيَسْلُكُونَ هَذِهِ الطَّرِيقَ وَيَسْلُكُونَ أَيْضًا بَيَانَ عَدَمِ تَوَاتُرِ الْأَلْفَاظِ بَلْ بَيَانَ التَّبْدِيلِ فِي أَلْفَاظِهَا.

стр. 779

[فَصْلٌ: وُقُوعُ التَّبْدِيلِ فِي أَلْفَاظِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَانْقِطَاعِ سَنَدِهِمَا] وَمِنْ حُجَّةِ الْجُمْهُورِ الَّذِينَ يَمْنَعُونَ أَنْ تَكُونَ جَمِيعَ أَلْفَاظِ هَذِهِ الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ الْمَوْجُودَةِ عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ مُنَزَّلَةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لَمْ يَقَعْ فِيهَا تَبْدِيلٌ، وَيَقُولُونَ أَنَّهُ وَقَعَ التَّبْدِيلُ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِهَا وَيَقُولُونَ أَنَّهُ لَمْ يُعْلَمْ أَنَّ أَلْفَاظَهَا مُنَزَّلَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحْتَجَّ بِمَا فِيهَا مِنَ الْأَلْفَاظِ فِي مُعَارَضَةِ مَا عُلِمَ ثُبُوتُهُ أَنَّهُمْ قَالُوا: التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ الْمَوْجُودَةُ الْيَوْمَ بِيَدِ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمْ تَتَوَاتَرْ عَنْ مُوسَى وَعِيسَى ﵉ أَمَّا التَّوْرَاةُ، فَإِنَّ نَقْلَهَا انْقَطَعَ لَمَّا خُرِّبَ بَيْتُ الْمَقْدِسِ أَوَّلًا، وَأَجْلَى مِنْهُ بَنُو إِسْرَائِيلَ، ثُمَّ ذَكَرُوا أَنَّ الَّذِي أَمْلَاهَا عَلَيْهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ شَخْصٌ وَاحِدٌ يُقَالُ لَهُ عِزْرَا وَزَعَمُوا أَنَّهُ نَبِيٌّ.

стр. 780

وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا وَأَنَّهَا قُوبِلَتْ بِنُسْخَةٍ وُجِدَتْ عَتِيقَةٍ. وَقَدْ قِيلَ أَنَّهُ أُحْضِرَتْ نُسْخَةٌ كَانَتْ بِالْمَغْرِبِ وَهَذَا كُلُّهُ لَا يُوجِبُ تَوَاتُرَ جَمِيعِ أَلْفَاظِهَا وَلَا يَمْنَعُ وُقُوعَ الْغَلَطِ فِي بَعْضِهَا ; كَمَا يَجْرِي مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْكُتُبِ الَّتِي يَلِي نَسْخَهَا وَمُقَابَلَتَهَا وَحِفْظَهَا الْقَلِيلُ الِاثْنَانِ وَالثَّلَاثَةُ.

стр. 781

وَأَمَّا الْإِنْجِيلُ الَّذِي بِأَيْدِيهِمْ فَهُمْ مُعْتَرِفُونَ بِأَنَّهُ لَمْ يَكْتُبْهُ الْمَسِيحُ ﵇ وَلَا أَمْلَاهُ عَلَى مَنْ كَتَبَهُ وَإِنَّمَا أَمْلَوْهُ بَعْدَ رَفْعِ الْمَسِيحِ مَتَّى وَيُوحَنَّا وَكَانَا قَدْ صَحِبَا الْمَسِيحَ وَلَمْ يَحْفَظْهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ يَبْلُغُونَ عَدَدَ التَّوَاتُرِ، وَمُرْقُسُ وَلُوقَا وَهُمَا لَمْ يَرَيَا الْمَسِيحَ ﵇ وَقَدْ ذَكَرَ هَؤُلَاءِ أَنَّهُمْ ذَكَرُوا بَعْضَ مَا قَالَهُ الْمَسِيحُ وَبَعْضَ أَخْبَارِهِ وَأَنَّهُمْ لَمْ يَسْتَوْعِبُوا ذِكْرَ أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ. وَنَقْلُ اثْنَيْنِ وَثَلَاثَةٌ وَأَرْبَعَةٌ يَجُوزُ عَلَيْهِ الْغَلَطُ لَا سِيَّمَا وَقَدْ غَلِطُوا فِي الْمَسِيحِ نَفْسِهِ حَتَّى اشْتَبَهَ عَلَيْهِمْ بِالْمَصْلُوبِ، وَلَكِنَّ النَّصَارَى يَزْعُمُونَ أَنَّ الْحَوَارِيِّينَ رُسُلُ اللَّهِ مِثْلُ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَمُوسَى ﵉ وَأَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ وَأَنَّهُمْ سَلَّمُوا إِلَيْهِمُ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَأَنَّ لَهُمْ مُعْجِزَاتٍ وَقَالُوا لَهُمْ هَذِهِ التَّوْرَاةُ وَهَذَا الْإِنْجِيلُ وَيُقِرُّونَ مَعَ هَذَا بِأَنَّهُمْ لَيْسُوا بِأَنْبِيَاءَ فَإِذَا لَمْ يَكُونُوا أَنْبِيَاءَ فَمَنْ لَيْسَ بِنَبِيٍّ لَيْسَ بِمَعْصُومٍ مِنَ الْخَطَأِ وَلَوْ كَانَ مِنْ أَعْظَمِ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ وَلَوْ كَانَ لَهُ خَوَارِقُ عَادَاتٍ فَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَغَيْرُهُمْ مِنْ أَفَاضِلِ الصَّحَابَةِ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ أَفْضَلُ مِنَ الْحَوَارِيِّينَ وَلَا مَعْصُومَ عِنْدَهُمْ إِلَّا مَنْ كَانَ نَبِيًّا. وَدَعْوَى أَنَّهُمْ رُسُلُ اللَّهِ مَعَ كَوْنِهِمْ لَيْسُوا بِأَنْبِيَاءَ تَنَاقُضٌ، وَكَوْنُهُمْ رُسُلَ اللَّهِ هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى كَوْنِ الْمَسِيحِ هُوَ اللَّهُ، فَإِنَّهُمْ رُسُلُ الْمَسِيحِ وَهَذَا

стр. 782

الْأَصْلُ بَاطِلٌ، وَلَكِنْ فِي طَرِيقِ الْمُنَاظَرَةِ وَالْمُجَادَلَةِ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ نَمْنَعُهُمْ فِي هَذَا الْمَقَامِ وَنُطَالِبُهُمْ بِالدَّلِيلِ عَلَى أَنَّهُمْ رُسُلُ اللَّهِ وَلَيْسَ لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ دَلِيلٌ، فَإِنَّهُ لَا يَثْبُتُ أَنَّهُمْ رُسُلُ اللَّهِ إِنْ لَمْ يَثْبُتْ أَنَّ الْمَسِيحَ هُوَ اللَّهُ وَإِثْبَاتُهُمْ أَنَّ الْمَسِيحَ هُوَ اللَّهُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ بِالْعَقْلِ أَوْ بِالسَّمْعِ. وَالْعَقْلُ لَا يُثْبِتُ ذَلِكَ بَلْ يُحِيلُهُ وَهُمْ لَا يَدَّعُونَ ثُبُوتَ ذَلِكَ بِالْعَقْلِ. بَلْ غَايَةُ مَا يَدَّعُونَ إِثْبَاتُ إِمْكَانِهِ بِالْعَقْلِ لَا إِثْبَاتُ وُجُودِهِ مَعَ أَنَّ ذَلِكَ أَيْضًا بَاطِلٌ وَإِنَّمَا يَدَّعُونَ ثُبُوتَ وَجُودِهِ بِالسَّمْعِ وَهُوَ مَا يَنْقُلُونَهُ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ أَلْفَاظٍ يَدَّعُونَ ثُبُوتَهَا عَنِ الْأَنْبِيَاءِ، وَدَلَالَتُهَا عَلَى أَنَّ الْمَسِيحَ هُوَ اللَّهُ كَسَائِرِ مَنْ يَحْتَجُّ بِالْحُجَّةِ السَّمْعِيَّةِ، فَإِنَّ عَامَّةَ بَيَانِ صِحَّةِ الْإِسْنَادِ دُونَ بَيَانِ دَلَالَةِ الْمَتْنِ وَكِلَا الْمُقَدِّمَتَيْنِ بَاطِلَةٌ. وَلَكِنْ يُقَالُ لَهُمْ فِي هَذَا الْمَقَامِ أَنْتُمْ لَا يُمْكِنُكُمْ إِثْبَاتُ كَوْنِ الْمَسِيحِ هُوَ اللَّهُ إِلَّا بِهَذِهِ الْكُتُبِ وَلَا يُمْكِنُكُمْ تَصْحِيحُ هَذِهِ الْكُتُبِ إِلَّا بِإِثْبَاتِ أَنَّ الْحَوَارِيِّينَ رُسُلُ اللَّهِ مَعْصُومُونَ وَلَا يُمْكِنُكُمْ إِثْبَاتُ أَنَّهُمْ رُسُلُ اللَّهِ إِلَّا بِإِثْبَاتِ أَنَّ الْمَسِيحَ هُوَ اللَّهُ فَصَارَ ذَلِكَ دَوْرًا مُمْتَنِعًا.

стр. 783

فَإِنَّهُ لَا تُعْلَمُ إِلَهِيَّةُ الْمَسِيحِ إِلَّا بِثُبُوتِ هَذِهِ الْكُتُبِ وَلَا تَثْبُتُ هَذِهِ الْكُتُبُ إِلَّا بِثُبُوتِ أَنَّهُمْ رُسُلُ اللَّهِ وَلَا يَثْبُتُ ذَلِكَ إِلَّا بِثُبُوتِ أَنَّهُ اللَّهُ فَصَارَ ثُبُوتُ الْإِلَهِيَّةِ مُتَوَقِّفًا عَلَى ثُبُوتِ إِلَهِيَّتِهِ، وَثُبُوتُ كَوْنِهِمْ رُسُلَ اللَّهِ مُتَوَقِّفًا عَلَى كَوْنِهِمْ رُسُلَ اللَّهِ فَصَارَ ذَلِكَ دَوْرًا مُمْتَنِعًا. قَدْ يَدَّعُونَ عِصْمَةَ الْحَوَارِيِّينَ وَعِصْمَةَ أَهْلِ الْمَجَامِعِ بَعْدَ الْحَوَارِيِّينَ كَأَهْلِ الْمَجْمَعِ الْأَوَّلِ الَّذِي كَانَ بِحَضْرَةِ قُسْطَنْطِينَ الَّذِي حَضَرَهُ ثَلَاثُمِائَةٍ وَثَمَانِيَةَ عَشَرَ وَوَضَعُوا لَهُمُ الْأَمَانَةَ الَّتِي هِيَ عَقِيدَةُ النَّصَارَى الَّتِي لَا يَصِحُّ لَهُمْ قُرْبَانٌ إِلَّا بِهَا فَيَزْعُمُونَ أَنَّ الْحَوَارِيِّينَ

стр. 784

أَوْ هَؤُلَاءِ جَرَتْ عَلَى أَيْدِيهِمْ خَوَارِقُ وَقَدْ يَذْكُرُونَ أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ جَرَى إِحْيَاءُ الْمَوْتَى عَلَى يَدَيْهِ وَهَذَا إِذَا كَانَ صَحِيحًا مَعَ أَنَّ صَاحِبَهُ لَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ نَبِيٌّ لَا يَدُلُّ عَلَى عِصْمَتِهِ، فَإِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ بَعْدَهُمْ بِإِحْسَانٍ وَسَائِرِ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَغَيْرِهَا لَهُمْ مِنْ خَوَارِقِ الْعَادَاتِ مَا يَطُولُ وَصْفُهُ وَلَيْسَ فِيهِمْ مَعْصُومٌ يَجِبُ قَبُولُ كُلِّ مَا يَقُولُ بَلْ يَجُوزُ الْغَلَطُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَكُلُّ أَحَدٍ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ وَيُتْرَكُ إِلَّا الْأَنْبِيَاءَ ﵈. وَلِهَذَا أَوْجَبَ اللَّهُ الْإِيمَانَ بِمَا أُوتِيَهُ الْأَنْبِيَاءُ وَلَمْ يُجِبِ الْإِيمَانَ

стр. 785

بِكُلِّ مَا يَقُولُهُ كُلُّ وَلِيٍّ لِلَّهِ. قَالَ - تَعَالَى -: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ١٣٦] وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: ١٧٧] وَلِهَذَا وَجَبَ الْإِيمَانُ بِالْأَنْبِيَاءِ جَمِيعِهِمْ وَمَا أُوتُوهُ كُلُّهُمْ. وَمَنْ كَذَّبَ نَبِيًّا وَاحِدًا تُعْلَمُ نُبُوَّتُهُ فَهُوَ كَافِرٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ وَمَنْ سَبَّهُ وَجَبَ قَتْلُهُ كَذَلِكَ بِخِلَافِ مَنْ لَيْسَ بِنَبِيٍّ، فَإِنَّهُ لَا يَكْفُرُ أَحَدٌ بِمُخَالَفَتِهِ وَلَا يُقْتَلُ بِمُجَرَّدِ سَبِّهِ إِلَّا أَنْ يَقْتَرِنَ بِالسَّبِّ مَا يَكُونُ مُبِيحًا لِلدَّمِ. وَالَّذِي عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ كَالصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ وَأَئِمَّةِ الدِّينِ وَجَمَاهِيرِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ أَفْضَلَ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرُ وَلَيْسَ بَعْدَ الْأَنْبِيَاءِ أَفْضَلُ مِنْهُمَا، وَهَذِهِ الْأُمَّةُ أَفْضَلُ الْأُمَمِ وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «قَدْ كَانَ قَبْلَكُمْ فِي الْأُمَمِ مُحَدَّثُونَ، فَإِنْ يَكُنْ فِي أُمَّتِي أَحَدٌ فَعُمَرُ» وَالْمُحَدَّثُ الْمُلْهَمُ الْمُخَاطَبُ.

стр. 786

وَكَانَ عُمَرُ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ الْحَقَّ عَلَى قَلْبِهِ وَلِسَانِهِ وَمَا كَانَ يَقُولُ لِشَيْءٍ إِنِّي لَأَرَاهُ كَذَا وَكَذَا إِلَّا كَانَ ; كَمَا يَقُولُ وَكَانَتِ السَّكِينَةُ تَنْطِقُ عَلَى لِسَانِهِ وَمَعَ هَذَا فَلَمْ يَكُنْ لَا هُوَ وَلَا غَيْرُهُ مِمَّنْ لَيْسَ بِنَبِيٍّ مَعْصُومًا مِنَ الْغَلَطِ وَلَا يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ قَبُولُ مَا يَقُولُهُ: إِنْ لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَلَا كَانَ يَجُوزُ لَهُ الْعَمَلُ بِمَا يُلْقَى فِي قَلْبِهِ إِنْ لَمْ يَعْرِضْهُ عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَإِنْ وَافَقَ ذَلِكَ قَبِلَهُ وَإِنْ خَالَفَ ذَلِكَ رَدَّهُ. وَعِنْدَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي أَتْبَاعِ الْمَسِيحِ ﵇ مِثْلُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا - فَإِذَا قَالُوا عَنِ الْحَوَارِيِّينَ: أَنَّهُمْ لَيْسُوا مَعْصُومِينَ فَهُمْ يَقُولُونَ ذَلِكَ فِيمَنْ هُوَ عِنْدَهُمْ أَفْضَلُ مِنَ الْحَوَارِيِّينَ، كَمَا أَنَّهُمْ إِذَا قَالُوا: عَنِ الْمَسِيحِ أَنَّهُ عَبْدٌ مَخْلُوقٌ لَيْسَ بِإِلَهٍ فَهُمْ يَقُولُونَ ذَلِكَ فِيمَنْ هُوَ عِنْدَهُمْ أَفْضَلُ مِنَ الْمَسِيحِ كَمُحَمَّدٍ وَإِبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِمَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامُ -. وَفِي الْمَلَاحِدَةِ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى الْأُمَّةِ مَنْ فِيهِ بِدَعٌ مِنَ الْغُلُوِّ يُشْبِهُ غُلُوَّ النَّصَارَى كَمَنْ يَدَّعِي الْإِلَهِيَّةَ

стр. 787

مِنَ الْإِسْمَاعِيلِيَّةِ كَبَنِي عُبَيْدِ الْقَدَّاحِ

стр. 788

كَالْحَاكِمِ وَغَيْرِهِ وَيَدَّعِي الْإِلَهِيَّةَ فِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَوْ غَيْرِهِ كَدَعْوَى النُّصَيْرِيَّةِ وَهَؤُلَاءِ كُفَّارٌ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ. وَكَذَلِكَ مَنْ يَدَّعِي الْإِلَهِيَّةَ فِي بَعْضِ الْمَشَايِخِ كَغُلَاةِ الْعَدَوِيَّةِ وَالْحَلَّاجِيَّةِ وَالْيُونُسِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ وَكَذَلِكَ مَنْ يَدَّعِي عِصْمَةَ بَنِي عُبَيْدٍ أَوْ عِصْمَةَ الْإِثْنَيْ عَشَرَ أَوْ عِصْمَةَ بَعْضِ الْمَشَايِخِ. فَإِنَّ النَّصَارَى يَدَّعُونَ عِصْمَةَ الْحَوَارِيِّينَ الْإِثْنَيْ عَشَرَ وَهَؤُلَاءِ يَدَّعُونَ عِصْمَةَ الْأَئِمَّةِ الْإِثْنَيْ عَشَرَ.

стр. 789

وَهَؤُلَاءِ يُسْنِدُونَ أَصْلَ دِينِهِمْ إِلَى قَوْلِ الْحَوَارِيِّينَ الْمَعْصُومِينَ عِنْدَهُمْ وَيَقُولُونَ أَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ فِي النَّقْلِ عَنِ الْمَسِيحِ وَفِي الْفُتْيَا وَإِنَّ مَا قَالُوهُ فَقَدْ قَالَهُ الْمَسِيحُ ﵊. وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ عَنْ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ فِي النَّقْلِ وَالْفُتْيَا وَإِنَّ مَا قَالُوهُ فَقَدْ قَالَهُ الرَّسُولُ ﵊ وَهَذَا مَبْسُوطٌ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ. وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّهُ لَيْسَ مَعَ النَّصَارَى نَقْلٌ مُتَوَاتِرٌ عَنِ الْمَسِيحِ بِأَلْفَاظِ هَذِهِ الْأَنَاجِيلِ وَلَا نَقْلٌ لَا مُتَوَاتِرٌ وَلَا آحَادٌ بِأَكْثَرِ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الشَّرَائِعِ وَلَا عِنْدَهُمْ وَلَا عِنْدَ الْيَهُودِ نَقْلٌ مُتَوَاتِرٌ بِأَلْفَاظِ التَّوْرَاةِ وَنُبُوَّاتِ

стр. 790

الْأَنْبِيَاءِ كَمَا عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ نَقْلٌ مُتَوَاتِرٌ بِالْقُرْآنِ وَبِالشَّرَائِعِ الظَّاهِرَةِ الْمَعْرُوفَةِ لِلْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ وَهَذَا مِثْلُ الْأَمَانَةِ الَّتِي هِيَ أَصْلُ دِينِهِمْ وَصَلَاتُهُمْ إِلَى الْمَشْرِقِ وَإِحْلَالُ الْخِنْزِيرِ وَتَرْكُ الْخِتَانِ وَتَعْظِيمُ الصَّلِيبِ وَاتَخَادُ الصُّوَرِ فِي الْكَنَائِسِ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ شَرَائِعِهِمْ لَيْسَتْ مَنْقُولَةً عَنِ الْمَسِيحِ وَلَا لَهَا ذِكْرٌ فِي الْأَنَاجِيلِ الَّتِي يَنْقُلُونَهَا عَنْهُ وَهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْأَمَانَةَ الَّتِي جَعَلُوهَا أَصْلَ دِينِهِمْ وَأَسَاسَ اعْتِقَادِهِمْ لَيْسَتْ أَلْفَاظُهَا مَوْجُودَةً فِي الْأَنَاجِيلِ وَلَا هِيَ مَأْثُورَةٌ عَنِ الْحَوَارِيِّينَ وَهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الَّذِينَ وَضَعُوهَا أَهْلُ الْمَجْمَعِ الْأَوَّلِ الَّذِينَ كَانُوا عِنْدَ قُسْطَنْطِينَ الَّذِي حَضَرَهُ ثَلَاثُمِائَةٍ وَثَمَانِيَةَ عَشَرَ وَخَالَفُوا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَرْيُوسَ الَّذِي جَعَلَ الْمَسِيحَ عَبْدًا لِلَّهِ كَمَا يَقُولُ الْمُسْلِمُونَ وَوَضَعُوا هَذِهِ الْأَمَانَةَ. وَهَذَا الْمَجْمَعُ كَانَ بَعْدَ الْمَسِيحِ بِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ تَزِيدُ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ سَنَةٍ وَبَسْطُ هَذَا لَهُ مَوْضِعٌ آخَرُ وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ هُنَا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِمْ: إِنَّ مُحَمَّدًا ﷺ ثَبَّتَ مَا مَعَهُمْ وَأَنَّهُ نَفَى عَنْ إِنْجِيلِهِمْ وَكُتُبِهِمُ الَّتِي بِأَيْدِيهِمُ التُّهَمَ وَالتَّبْدِيلَ لَهَا وَالتَّغْيِيرَ لِمَا فِيهَا بِتَصْدِيقِهِ إِيَّاهَا.

стр. 791

وَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ لَمْ يُصَدِّقْ شَيْئًا مِنْ دِينِهِمُ الْمُبَدَّلِ وَالْمَنْسُوخِ، وَلَكِنْ صَدَّقَ الْأَنْبِيَاءَ قَبْلَهُ وَمَا جَاءُوا بِهِ وَأَثْنَى عَلَى مَنِ اتَّبَعَهُمْ لَا عَلَى مَنْ خَالَفَهُمْ أَوْ كَذَّبَ نَبِيًّا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ. وَإِنَّ كُفْرَ النَّصَارَى مِنْ جِنْسِ كُفْرِ الْيَهُودِ، فَإِنَّ الْيَهُودَ بَدَّلُوا مَعَانِيَ الْكِتَابِ الْأَوَّلِ وَكَذَّبُوا بِالْكِتَابِ الثَّانِي: وَهُوَ الْإِنْجِيلُ وَكَذَلِكَ النَّصَارَى بَدَّلُوا مَعَانِيَ الْكِتَابِ الْأَوَّلِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَكَذَّبُوا بِالْكِتَابِ الثَّانِي: وَهُوَ الْقُرْآنُ وَأَنَّهُمُ ادَّعَوْا أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ صَدَّقَ بِجَمِيعِ أَلْفَاظِ الْكُتُبِ الَّتِي عِنْدَهُمْ. فَجُمْهُورُ الْمُسْلِمِينَ يَمْنَعُونَ هَذَا وَيَقُولُونَ إِنَّ بَعْضَ أَلْفَاظِهَا بُدِّلَ ; كَمَا قَدْ بُدِّلَ كَثِيرٌ مِنْ مَعَانِيهَا، وَمِنَ الْمُسْلِمِينَ مَنْ يَقُولُ: التَّبْدِيلُ إِنَّمَا وَقَعَ فِي مَعَانِيهَا لَا فِي أَلْفَاظِهَا وَهَذَا الْقَوْلُ يُقِرُّ بِهِ عَامَّةُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى. وَعَلَى الْقَوْلَيْنِ فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي تَصْدِيقِ مُحَمَّدٍ ﷺ لِمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ الْبَاطِلِ، فَإِنَّ الْكُتُبَ الْإِلَهِيَّةَ الَّتِي بِأَيْدِيهِمْ لَا تَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ مَا كَفَّرَهُمْ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ وَأُمَّتُهُ مِثْلِ التَّثْلِيثِ وَالِاتِّحَادِ وَالْحُلُولِ وَتَغْيِيرِ شَرِيعَةِ الْمَسِيحِ وَتَكْذِيبِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَلَيْسَ فِي الْكُتُبِ الَّتِي بِأَيْدِيهِمْ مَا يَدُلُّ لَا نَصًّا وَلَا ظَاهِرًا عَلَى الْأَمَانَةِ الَّتِي هِيَ أَصْلُ دِينِهِمْ وَمَا فِي ذَلِكَ مِنَ التَّثْلِيثِ وَالِاتِّحَادِ وَالْحُلُولِ وَلَا فِيهَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَكْثَرِ شَرَائِعِهِمْ

стр. 792

كَالصَّلَاةِ إِلَى الشَّرْقِ وَاسْتِحْلَالِ الْمُحَرَّمَاتِ مِنَ الْخِنْزِيرِ وَالْمَيْتَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ. وَيُقَالُ لَهُمْ: أَيْنَ مَا مَعَكُمْ عَنْ مُحَمَّدٍ ﷺ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَلْفَاظَ الْكُتُبِ الَّتِي بِأَيْدِيكُمْ لَمْ يُغَيَّرْ فِيهَا شَيْءٌ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرَهُمْ إِذَا اخْتَلَفُوا لَمْ يَكُنْ قَوْلُ فَرِيقٍ حُجَّةً عَلَى الْفَرِيقِ الْآخَرِ. فَإِذَا كَانَ الْمُسْلِمُونَ قَدِ اخْتَلَفُوا فِي تَبْدِيلِ بَعْضِ أَلْفَاظِ الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ لَمْ يَكُنْ قَوْلُ فَرِيقٍ حُجَّةً عَلَى الْأُخْرَى وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَلَا مِنْكُمْ أَنْ يُضِيفَ إِلَى الرَّسُولِ قَوْلًا إِلَّا بِدَلِيلٍ. فَأَيْنَ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ الثَّابِتَةِ عَنْ مُحَمَّدٍ ﷺ أَنَّ جَمِيعَ مَا بِأَيْدِي أَهْلِ الْكِتَابِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ وَنُبُوَّاتِ الْأَنْبِيَاءِ لَمْ تُبَدَّلْ بِشَيْءٍ مِنْ أَلْفَاظِهَا حَتَّى يَقُولُوا: إِنَّ مُحَمَّدًا نَفَى عَنْ كُتُبِهِمْ ذَلِكَ؟ . وَهَؤُلَاءِ بَنَوْا كَلَامَهُمْ عَلَى أَنَّ أَلْفَاظَ كُتُبِهِمْ تَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ دِينِهِمُ الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ بَعْدَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَبَعْدَ تَكْذِيبِهِمْ لِمُحَمَّدٍ ﷺ وَأَنَّهُ لَمْ يُبَدَّلْ شَيْءٌ مِنْ أَلْفَاظِهَا.

стр. 793

وَقَدْ تَبَيَّنَ فَسَادُ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ. ثُمَّ زَعَمُوا أَنَّ الْمُسْلِمِينَ يَدَّعُونَ أَنَّ أَلْفَاظَ هَذِهِ الْكُتُبِ حُرِّفَتْ كُلُّهَا بِجَمِيعِ لُغَاتِهَا بَعْدَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَهَذَا الْقَوْلُ لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِيمَا أَعْلَمُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ بِالْجَوَابِ عَنْ هَذَا يَكُونُونَ قَدْ أَجَابُوا الْمُسْلِمِينَ.

стр. 794

[فَصْلٌ: الرَّدُّ عَلَى النَّصَارَى فِي دَعْوَاهُمْ بِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ يَقُولُونَ أَنَّ التَّحْرِيفَ وَقَعَ بَعْدَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ] فَقَالَ الْحَاكِي عَنْهُمْ: فَقُلْتُ لَهُمْ: إِنْ قَالَ قَائِلٌ: إِنَّ التَّبْدِيلَ وَالتَّغْيِيرَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ هَذَا الْقَوْلِ فَقَالُوا: إِنَّا نَعْجَبُ مِنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ عَلَى عِلْمِهِمْ وَذَكَائِهِمْ وَمَعْرِفَتِهِمْ كَيْفَ يَحْتَجُّونَ عَلَيْنَا بِمِثْلِ هَذَا الْقَوْلِ وَذَلِكَ أَنَّا أَيْضًا إِذَا احْتَجَجْنَا عَلَيْهِمْ بِمِثْلِ هَذَا الْقَوْلِ وَقُلْنَا: إِنَّ الْكِتَابَ الَّذِي فِي أَيْدِيهِمْ يَوْمَنَا هَذَا قَدْ غَيَّرُوهُ وَبَدَّلُوهُ وَكَتَبُوا فِيهِ مَا أَرَادُوا وَاشْتَهَوْا هَلْ كَانُوا يُجَوِّزُونَ كَلَامَنَا؟ قَالَ الْحَاكِي عَنْهُمْ: فَقُلْتُ لَهُمْ: هَذَا مِمَّا لَا يَجُوزُ وَلَا يُمْكِنُ أَحَدًا أَنْ يَقُولَهُ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَغَيَّرَ مِنْهُ إِلَى آخِرِ الْفَصْلِ وَسَيَأْتِي بِأَلْفَاظٍ بَعْدَ هَذَا. وَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا السَّائِلَ النَّصْرَانِيَّ الَّذِي ذَكَرَ عَنِ الْمُسْلِمِينَ سُؤَالًا لَا يَقُولُونَهُ وَعَنْ عُلَمَاءِ النَّصَارَى جَوَابُهُ هُوَ وَهْمٌ بَنَوْا كَلَامَهُمْ عَلَى أَصْلَيْنِ فَاسِدَيْنِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّ الرَّسُولَ ثَبَّتَ مَا مَعَهُمْ وَنَفَى عَنْ كُتُبِهِمُ الَّتِي بَيْنَ أَيْدِيهِمُ التُّهَمَ وَالتَّبْدِيلَ وَالتَّغْيِيرَ لَهَا وَمَقْصُودُهُمْ بِذَلِكَ لَا يَتِمُّ إِلَّا إِذَا نَفَى التَّبْدِيلَ عَنْ لَفْظِهَا وَمَعْنَاهَا وَهَذَا مِمَّا يَعْلَمُ كُلُّ عَاقِلٍ أَنَّ الرَّسُولَ لَمْ يَنْفِهِ عَنْهَا بَلِ النَّقْلُ الْمُتَوَاتِرُ عَنْهُ بِنَقِيضِ ذَلِكَ وَهُمْ أَيْضًا وَكُلُّ عَاقِلٍ

стр. 795

يَعْلَمُ أَنَّ الْكُتُبَ الَّتِي بِأَيْدِيهِمْ فِي تَفْسِيرِهَا مِنَ الِاخْتِلَافِ وَالِاضْطِرَابِ بَيْنَ فِرَقِ النَّصَارَى وَبَيْنَ النَّصَارَى وَالْيَهُودِ مَا يُوجِبُ الْقَطْعَ بِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ ذَلِكَ مُبَدَّلٌ مُحَرَّفٌ وَكَذَلِكَ وَقَعَ فِي تَغْيِيرِ شَرَائِعِ هَذِهِ الْكُتُبِ، فَإِنَّ الْكُتُبَ تَضَمَّنَتْ أَصْلَيْنِ: الْإِخْبَارَ وَالْأَمْرَ. وَالْإِيمَانُ بِهَا لَا يَتِمُّ إِلَّا بِتَصْدِيقِهَا فِيمَا أَخْبَرَتْ وَإِيجَابِ طَاعَتِهَا فِيمَا أَوْجَبَتْهُ. وَأَهْلُ الْكِتَابِ يُكَذِّبُونَ بِكَثِيرٍ مِمَّا أَخْبَرَتْ وَلَا يُوجِبُونَ طَاعَتَهَا فِي كَثِيرٍ مِمَّا أَوْجَبَتْهُ وَأَمَرَتْ بِهِ وَكُلُّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ تَشْهَدُ عَلَى الْفِرْقَةِ الْأُخْرَى بِمِثْلِ ذَلِكَ. وَالنَّصَارَى لَهُمْ سَبْعُ مَجَامِعَ مَشْهُورَةٍ عِنْدَهُمْ وَهُمْ فِي كُلِّ

стр. 796

مَجْمَعٍ يَلْعَنُونَ طَائِفَةً مِنْهُمْ كَبِيرَةً وَيُكَفِّرُونَهُمْ وَيَقُولُونَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِبَعْضِ مَا فِي تِلْكَ الْكُتُبِ وَلَمْ يُوجِبُوا طَاعَةَ بَعْضِ أَمْرِهَا وَتِلْكَ الطَّائِفَةُ تَشْهَدُ عَلَى الْأُخْرَى بِأَنَّهَا كَذَّبَتْ بِبَعْضِ مَا فِيهَا، ثُمَّ فِرَقُهُمُ الثَّلَاثَةُ الْمَشْهُورَةُ النَّسْطُورِيَّةُ وَالْمَلَكِيَّةُ وَالْيَعْقُوبِيَّةُ كُلُّ طَائِفَةٍ تُكَفِّرُ الْأُخْرَى وَتَلْعَنُهَا وَتَشْهَدُ عَلَيْهَا أَنَّهَا مُكَذِّبَةٌ بِبَعْضِ مَا فِي النُّبُوَّاتِ غَيْرُ مُوجِبَةٍ لِطَاعَةِ بَعْضِ مَا فِيهَا بَلِ اخْتِلَافُهُمْ فِي نَفْسِ التَّوْحِيدِ وَالرِّسَالَةِ فَزَعَمَ كُلُّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ أَنَّ الْمَسِيحَ جَاءَ بِمَا هُمْ عَلَيْهِ وَالْمَسِيحُ ﵇ وَجَمِيعُ الرُّسُلِ بَرِيئُونَ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا وَبَرِيئُونَ مِمَّنْ يَقُولُ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ أَوْ يَقُولُ عَلَى اللَّهِ مَا لَا يَعْلَمُ وَبَرِيئُونَ مِنْ كُلِّ قَوْلٍ بَاطِلٍ يُقَالُ عَلَى اللَّهِ وَإِنْ كَانَ قَائِلُهُ مُخْطِئًا لَمْ يَتَعَمَّدِ الْكَذِبَ. وَفِي مَقَالَاتِ النَّصَارَى مِنْ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ مَا يَطُولُ وَصْفُهُ وَقَدْ بُسِطَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.

стр. 797

وَإِذَا عَرَفْتَ أَنَّ جَمِيعَ الطَّوَائِفِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى يَشْهَدُونَ أَنَّهُ قَدْ وَقَعَ فِي هَذِهِ الْكُتُبِ تَحْرِيفٌ وَتَبْدِيلٌ فِي مَعَانِيهَا وَتَفَاسِيرِهَا وَشَرَائِعِهَا فَهَذَا الْقَدْرُ كَافٍ وَهُمْ مِنْ حِينِ بُعِثَ مُحَمَّدٌ ﷺ صَارَ كُلُّ مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِهِ كَافِرًا بِخِلَافِ حَالِ النَّصَارَى قَبْلَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، فَإِنَّهُ كَانَ فِيهِمْ مَنْ هُوَ مُتَّبِعٌ لِدِينِ الْمَسِيحِ وَالْمُسْلِمُونَ وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ حَرَّفَ الدِّينَ وَبَدَّلَهُ فَجُمْهُورُهُمْ خَالَفُوا هَؤُلَاءِ فَلَا يَزَالُ فِيهِمْ طَائِفَةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ وَخَذَلَهُمْ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ بِخِلَافِ النَّصَارَى، فَإِنَّهُمْ كَفَرُوا جَمِيعُهُمْ ; كَمَا كَفَرَتِ الْيَهُودُ بِتَكْذِيبِ الْمَسِيحِ. وَالْمُسْلِمُونَ يُثْبِتُونَ بِالدَّلَائِلِ الْكَثِيرَةِ أَنَّهُمْ بَدَّلُوا مَعَانِيَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ نُبُوَّاتِ الْأَنْبِيَاءِ وَابْتَدَعُوا شَرْعًا لَمْ يَأْتِ بِهِ الْمَسِيحُ وَلَا غَيْرُهُ وَلَا يَقُولُ عَاقِلٌ مِثْلَ زَعْمِهِمْ أَنَّ جَمِيعَ بَنِي آدَمَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ وَغَيْرِهِمْ كَانُوا فِي الْجَحِيمِ فِي حَبْسِ الشَّيْطَانِ لِأَجْلِ أَنَّ أَبَاهُمْ آدَمَ أَكَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ وَأَنَّهُمْ إِنَّمَا تَخَلَّصُوا مِنْ ذَلِكَ لَمَّا صُلِبَ الْمَسِيحُ.

стр. 798

فَإِنَّ هَذَا الْكَلَامَ لَوْ نَقَلَهُ نَاقِلٌ عَنْ بَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ لَقَطَعْنَا بِكَذِبِهِ عَلَيْهِمْ فَكَيْفَ وَهَذَا الْكَلَامُ لَيْسَ مَنْقُولًا عِنْدَهُمْ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَإِنَّمَا يَنْقُلُونَهُ عَمَّنْ لَيْسَ قَوْلُهُ حُجَّةً لَازِمَةً، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ دِينِهِمْ مَأْخُوذٌ عَنْ رُؤُوسِهِمُ الَّذِينَ لَيْسُوا بِأَنْبِيَاءَ. فَإِذَا قَطَعْنَا بِكَذِبِ مَنْ يَنْقُلُهُ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ فَكَيْفَ إِذَا لَمْ يَنْقُلْهُ عَنْهُمْ وَذَلِكَ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ ﵈ يُخْبِرُونَ النَّاسَ بِمَا تَقْصُرُ عُقُولُهُمْ عَنْ مَعْرِفَتِهِ لَا بِمَا يَعْرِفُونَ أَنَّهُ بَاطِلٌ مُمْتَنِعٌ فَيُخْبِرُونَهُمْ

стр. 799

بِمُحَيِّرَاتِ الْعُقُولِ لَا مُحَالَاتِ الْعُقُولِ وَآدَمُ ﵇ وَإِنْ كَانَ أَكَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ فَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَاجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ. قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى - ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ [طه: ١٢١ - ١٢٢] وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ٣٧] وَلَيْسَ عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي كُتُبِهِمْ مَا يَنْفِي تَوْبَتَهُ وَإِنَّمَا قَدْ يَقُولُ قَائِلُهُمْ إِنَّا لَا نَعْلَمُ أَنَّهُ تَابَ أَوْ لَيْسَ عِنْدَنَا تَوْبَتُهُ وَعَدَمُ الْعِلْمِ بِشَيْءٍ لَيْسَ عِلْمًا بِعَدَمِهِ وَعَدَمُ وُجُودِ الشَّيْءِ فِي كِتَابٍ مِنْ كُتُبِ اللَّهِ لَا يَنْفِي أَنْ يَكُونَ فِي كِتَابٍ آخَرَ فَفِي التَّوْرَاةِ مَا لَيْسَ فِي الْإِنْجِيلِ وَفِيهِمَا مَا لَيْسَ فِي الزَّبُورِ وَفِي الْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ مَا لَيْسَ فِي التَّوْرَاةِ وَفِي سَائِرِ النُّبُوَّاتِ مَا لَا يُوجَدُ فِي هَذِهِ الْكُتُبِ وَالْقُرْآنُ لَوْ كَانَ دُونَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ وَالنُّبُوَّاتِ أَوْ كَانَ مِثْلَهَا لَأَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ فِيهِ مَا لَيْسَ فِيهَا فَكَيْفَ إِذَا كَانَ أَفْضَلَ وَأَشْرَفَ وَفِيهِ مِنَ الْعِلْمِ أَعْظَمُ مِمَّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى فَضْلَهُ عَلَيْهِمَا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ﴾ [الزمر: ٢٣]

стр. 800

وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ﴾ [يوسف: ٣] وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨] وَسَوَاءٌ تَابَ آدَمُ أَوْ لَمْ يَتُبْ فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رُسُلُ اللَّهِ الَّذِينَ هُمْ أَفْضَلُ مِنْهُ مَحْبُوسِينَ فِي حَبْسِ الشَّيْطَانِ فِي جَهَنَّمَ بِذَنْبِهِ؟ وَإِبْرَاهِيمُ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ كَانَ أَبُوهُ كَافِرًا وَلَمْ يُؤَاخِذْهُ اللَّهُ بِذَنْبِهِ فَكَيْفَ يَجْعَلُهُ فِي جَهَنَّمَ فِي حَبْسِ الشَّيْطَانِ بِسَبَبِ ذَنْبِ أَبِيهِ الْأَقْصَى آدَمَ؟ مَعَ أَنَّهُ كَانَ نَبِيًّا وَنُوحٌ ﵇ قَدْ مَكَثَ فِي قَوْمِهِ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا يَدْعُوهُمْ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ وَأَغْرَقَ اللَّهُ أَهْلَ الْأَرْضِ بِدَعْوَتِهِ وَجَعَلَ ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ فَكَيْفَ يَكُونُ فِي جَهَنَّمَ فِي حَبْسِ الشَّيْطَانِ لِأَجْلِ ذَنْبِ آدَمَ؟ . وَمُوسَى بْنُ عِمْرَانَ الَّذِي كَلَّمَهُ اللَّهُ تَكْلِيمًا وَأَظْهَرَ عَلَى يَدَيْهِ مِنَ الْبَرَاهِينِ وَالْآيَاتِ مَا لَمْ يَظْهَرْ مِثْلُهُ عَلَى يَدَيِ الْمَسِيحِ وَقَتَلَ نَفْسًا لَمْ يُؤْمَرْ بِقَتْلِهَا فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ ذَلِكَ وَلَهُ مِنَ الْمَنْزِلَةِ عِنْدَ اللَّهِ وَالْكَرَامَةِ مَا لَا يُقَدَّرُ قَدْرُهُ فَكَيْفَ يَكُونُ فِي جَهَنَّمَ فِي حَبْسِ الشَّيْطَانِ. ثُمَّ أَيُّ مُنَاسَبَةٍ بَيْنَ الصَّلْبِ الَّذِي هُوَ مِنْ أَعْظَمِ الذُّنُوبِ سَوَاءً

стр. 801

صَلَبُوا الْمَسِيحَ أَوِ الْمُشَبَّهَ بِهِ وَبَيْنَ تَخْلِيصِ هَؤُلَاءِ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ إِنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِالذُّرِّيَّةِ كَانَ ظَالِمًا مُعْتَدِيًا وَاللَّهُ قَادِرٌ عَلَى مَنْعِهِ مِنْ ظُلْمِهِمْ بَلْ وَعَلَى عُقُوبَتِهِ إِذَا لَمْ يَنْتَهِ عَنْ ظُلْمِهِمْ. فَلِمَاذَا أَخَّرَ مَنْعَهُ مِنْ ظُلْمِهِمْ إِلَى زَمَنِ الْمَسِيحِ؟ وَهُوَ سُبْحَانَهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ وَنَاصِرُهُمْ وَمُؤَيِّدُهُمْ وَهُمْ رُسُلُهُ الَّذِينَ نَصَرَهُمْ عَلَى مَنْ عَادَاهُمْ بَلْ أَهْلَكَ أَعْدَاءَهُمُ الَّذِينَ هُمْ جُنْدُ الشَّيْطَانِ فَكَيْفَ لَا يَمْنَعُ الشَّيْطَانَ بَعْدَ مَوْتِهِمْ أَنْ يَظْلِمَهُمْ وَيَجْعَلَ أَرْوَاحَهُمْ فِي جَهَنَّمَ هَذَا إِنْ قُدِّرَ أَنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ قَادِرًا عَلَى ذَلِكَ وَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَ الشَّيْطَانَ بَعْدَ مَوْتِ أَنْبِيَائِهِ وَأَوْلِيَائِهِ وَسُقُوطِ التَّكْلِيفِ عَنْهُمْ وَاسْتِحْقَاقِهِمْ كَرَامَتَهُ وَإِحْسَانَهُ وَجَنَّتَهُ بِحُكْمِ وَعْدِهِ وَمُقْتَضَى حِكْمَتِهِ فَجَعَلَهُ مُسَلَّطًا عَلَى حَبْسِهِمْ فِي جَهَنَّمَ؟ ! . وَإِنْ قَالُوا: الرَّبُّ مَا كَانَ يَقْدِرُ عَلَى تَخْلِيصِهِمْ مِنَ الشَّيْطَانِ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهُ ظَالِمٌ مُعْتَدٍ عَلَيْهِمْ بَعْدَ الْمَوْتِ إِلَّا بِأَنْ يَحْتَالَ عَلَيْهِ بِإِخْفَاءِ نَفْسِهِ لِيَتَمَكَّنَ الشَّيْطَانُ مِنْهُ ; كَمَا يَزْعُمُونَ فَهَذَا مَعَ مَا فِيهِ مِنَ الْكُفْرِ الْعَظِيمِ وَجَعْلِ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ عَاجِزًا ; كَمَا جَعَلُوهُ أَوَّلًا ظَالِمًا فِيهِ مِنَ التَّنَاقُضِ مَا يَقْتَضِي عَظِيمَ جَهْلِهِمُ الَّذِي جَعَلُوا بِهِ الرَّبَّ جَاهِلًا، فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ أَنَّهُ احْتَالَ عَلَى الشَّيْطَانِ لِيَأْخُذَهُ بِعَدْلٍ ; كَمَا احْتَالَ الشَّيْطَانُ عَلَى آدَمَ بِالْحَيَّةِ فَاخْتَفَى مِنْهُ لِئَلَّا يَعْلَمَ أَنَّهُ نَاسُوتُ الْإِلَهِ

стр. 802

وَنَاسُوتُ الْإِلَهِ لَمْ يَعْمَلْ خَطِيئَةً قَطُّ بِخِلَافِ غَيْرِهِ. فَلَمَّا أَرَادَ الشَّيْطَانُ أَخْذَ رُوحِهِ لِيَحْبِسَهُ فِي جَهَنَّمَ كَسَائِرِ مَنْ مَضَى وَهُوَ لَمْ يَعْمَلْ خَطِيئَةً اسْتَحَقَّ الشَّيْطَانُ أَنْ يَأْخُذَهُ الرَّبُّ وَيُخَلِّصَ الذُّرِّيَّةَ مِنْ حَبْسِهِ. وَهَذَا تَجْهِيلٌ مِنْهُمْ لِلرَّبِّ عَمَّا يَقُولُونَ مَعَ تَعْجِيزِهِ وَتَظْلِيمِهِ، فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ هُوَ سَلَّطَ الشَّيْطَانَ عَلَى بَنِي آدَمَ كَمَا يَقُولُونَ. فَلَا فَرْقَ بَيْنَ نَاسُوتِ الْمَسِيحِ وَغَيْرِهِ إِذِ الْجَمِيعُ بَنِي آدَمَ، وَأَيْضًا فَإِذَا قَدَّرَ أَنَّ النَّاسُوتَ يَدْفَعُ الشَّيْطَانَ عَنْ نَفْسِهِ بِحَقٍّ، فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ أَنَّهُ دَخَلَ الْجَحِيمَ وَأَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّةَ آدَمَ. فَيُقَالُ: إِنْ كَانَ تَسَلُّطُ الشَّيْطَانِ عَلَى حَبْسِهِمْ فِي الْجَحِيمِ بِحَقٍّ لِأَجْلِ ذُنُوبِهِمْ مَعَ ذَنْبِ أَبِيهِمْ لَمْ يَجُزْ إِخْرَاجُهُمْ لِأَجْلِ سَلَامَةِ نَاسُوتِ الْمَسِيحِ مِنَ الذَّنْبِ وَإِنْ كَانُوا مَظْلُومِينَ مَعَ الشَّيْطَانِ وَجَبَ تَخْلِيصُهُمْ قَبْلَ صَلْبِ النَّاسُوتِ وَلَمْ يَجُزْ تَأْخِيرُ ذَلِكَ فَلَيْسَ فِي مُجَرَّدِ سَلَامَةِ الْمَسِيحِ مِنَ الذُّنُوبِ مَا يُوجِبُ سَلَامَةَ غَيْرِهِ وَإِنْ قَالُوا إِنَّهُ كَانَ بِدُونِ تَسَلُّطِهِ عَلَى صَلْبِهِ عَاجِزًا عَنْ دَفْعِهِ فَهُوَ مَعَ تَسَلُّطِهِ عَلَى صَلْبِهِ أَعْجَزُ وَأَعْجَزُ. الْأَصْلُ الثَّانِي: الْفَاسِدُ الَّذِي بَنَوْا عَلَيْهِ سُؤَالَهُمُ الَّذِي جَعَلُوهُ مِنْ جِهَةِ الْمُسْلِمِينَ وَجَوَابُهُمْ ظَنُّهُمْ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ يَقُولُونَ: إِنَّ هَذِهِ الْكُتُبَ حُرِّفَتْ أَلْفَاظُ جَمِيعِ النُّسَخِ الْمَوْجُودَةِ مِنْهَا بَعْدَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ ﷺ .

стр. 803

وَهَذَا مِمَّا لَا يَقُولُهُ الْمُسْلِمُونَ، وَلَكِنْ قَدْ يَقُولُ بَعْضُهُمْ: أَنَّهُ حُرِّفَ بَعْدَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ ﷺ أَلْفَاظُ بَعْضِ النُّسَخِ، فَإِنَّ الْجُمْهُورَ الَّذِينَ يَقُولُونَ إِنَّ بَعْضَ أَلْفَاظِهَا حُرِّفَتْ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ كَانَ هَذَا قَبْلَ الْمَبْعَثِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ كَانَ بَعْدَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يُثْبِتُ الْأَمْرَيْنِ أَوْ يُجَوِّزُهُمَا، وَلَكِنْ لَا يَقُولُ: إِنَّهُ حُرِّفَتْ أَلْفَاظُ جَمِيعِ النُّسَخِ الْمَوْجُودَةِ فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا، كَمَا حَكَاهُ هَذَا الْحَاكِي عَنْهُمْ، وَلَكِنْ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ وَعُلَمَاءُ أَهْلِ الْكِتَابِ مُتَّفِقُونَ عَلَى وُقُوعِ التَّحْرِيفِ فِي الْمَعَانِي وَالتَّفْسِيرِ. وَإِنْ كَانَتْ كُلُّ طَائِفَةٍ تَزْعُمُ أَنَّ الْأُخْرَى هِيَ الَّتِي حَرَّفَتِ الْمَعَانِيَ. وَأَمَّا أَلْفَاظُ الْكُتُبِ فَقَدْ ذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ إِلَى أَنَّ أَلْفَاظَهَا لَمْ تُبَدَّلْ ; كَمَا يَقُولُ ذَلِكَ مَنْ يَقُولُهُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ. وَذَهَبَ كَثِيرٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ إِلَى أَنَّهُ بُدِّلَ بَعْضُ أَلْفَاظِهَا. وَهَذَا مَشْهُورٌ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَقَالَهُ أَيْضًا كَثِيرٌ مِنْ عُلَمَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ. حَتَّى فِي صَلْبِ الْمَسِيحِ ذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنَ النَّصَارَى إِلَى أَنَّهُ إِنَّمَا

стр. 804

صُلِبَ الَّذِي شُبِّهَ بِالْمَسِيحِ ; كَمَا أَخْبَرَ بِهِ الْقُرْآنُ وَإِنَّ الَّذِينَ أَخْبَرُوا بِصَلْبِهِ كَانُوا قَدْ أَخْبَرُوا بِظَاهِرِ الْأَمْرِ، فَإِنَّهُ لَمَّا أُلْقِيَ شَبَهُهُ عَلَى الْمَصْلُوبِ ظَنُّوا أَنَّهُ هُوَ الْمَسِيحُ أَوْ تَعَمَّدُوا الْكَذِبَ، ثُمَّ هَؤُلَاءِ مِنْهُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إِنَّ فِي أَلْفَاظِ الْكُتُبِ مَا هُوَ مُبَدَّلٌ. وَفِيهِمْ مَنْ يَجْعَلُ الْمُبَدَّلَ مِنَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ كَثِيرًا مِنْهُمَا وَرُبَّمَا جَعَلَ بَعْضُهُمُ الْمُبَدَّلَّ أَكْثَرَهُمَا لَا سِيَّمَا الْإِنْجِيلُ، فَإِنَّ الطَّعْنَ فِيهِ أَكْثَرُ وَأَظْهَرُ مِنْهُ فِي التَّوْرَاةِ. وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُسْرِفُ حَتَّى يَقُولَ: أَنَّهُ لَا حُرْمَةَ لِشَيْءٍ مِنْهُمَا بَلْ يَجُوزُ الِاسْتِنْجَاءُ بِهِمَا. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ الَّذِي بُدِّلَتْ أَلْفَاظُهُ قَلِيلٌ مِنْهُمَا وَهَذَا أَظْهَرُ. وَالتَّبْدِيلُ فِي الْإِنْجِيلِ أَظْهَرُ، بَلْ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يَقُولُ هَذِهِ الْأَنَاجِيلُ لَيْسَ فِيهَا مِنْ كَلَامِ اللَّهِ إِلَّا الْقَلِيلُ. وَالْإِنْجِيلُ الَّذِي هُوَ كَلَامُ اللَّهِ لَيْسَ هُوَ هَذِهِ الْأَنَاجِيلَ.

стр. 805

[فَصْلٌ: دَعْوَةُ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَى الْحُكْمِ بِمَا فِي كُتُبِهِمْ مِنَ الْأَلْفَاظِ الصَّحِيحَةِ] وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذِهِ التَّوْرَاةَ الَّذِي بِأَيْدِي أَهْلِ الْكِتَابِ فِيهَا مَا هُوَ حُكْمُ اللَّهِ وَإِنْ كَانَ قَدْ بُدِّلَ وَغُيِّرَ بَعْضُ أَلْفَاظِهِمَا كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ﴾ [المائدة: ٤١]

стр. 806

إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٤٣] فَعُلِمَ أَنَّ التَّوْرَاةَ الَّتِي كَانَتْ مَوْجُودَةً بَعْدَ خَرَابِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَبَعْدَ مَجِيءِ بُخْتُنَصَّرَ وَبَعْدَ مَبْعَثِ الْمَسِيحِ وَبَعْدَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ ﷺ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ. وَالتَّوْرَاةُ الَّتِي كَانَتْ عِنْدَ يَهُودِ الْمَدِينَةِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَإِنْ قِيلَ: أَنَّهُ غُيِّرَ بَعْضُ أَلْفَاظِهَا بَعْدَ مَبْعَثِهِ فَلَا نَشْهَدُ عَلَى كُلِّ نُسْخَةٍ فِي الْعَالَمِ بِمِثْلِ ذَلِكَ، فَإِنَّ هَذَا غَيْرُ مَعْلُومٍ لَنَا وَهُوَ أَيْضًا مُتَعَذِّرٌ بَلْ يُمْكِنُ تَغْيِيرُ كَثِيرٍ مِنَ النُّسَخِ وَإِشَاعَةُ ذَلِكَ عِنْدَ الْأَتْبَاعِ حَتَّى لَا يُوجَدَ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ إِلَّا مَا غُيِّرَ بَعْدَ ذَلِكَ وَمَعَ هَذَا فَكَثِيرٌ مِنْ نُسَخِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ مُتَّفِقَةٌ فِي الْغَالِبِ إِنَّمَا تَخْتَلِفُ فِي الْيَسِيرِ مِنْ أَلْفَاظِهَا فَتَبْدِيلُ أَلْفَاظِ الْيَسِيرِ مِنَ النُّسَخِ بَعْدَ مَبْعَثِ الرَّسُولِ ﷺ مُمْكِنٌ لَا يُمْكِنُ أَحَدٌ أَنْ يَجْزِمَ بِنَفْيِهِ وَلَا يَقْدِرُ أَحَدٌ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى أَنْ يَشْهَدَ بِأَنَّ كُلَّ نُسْخَةٍ فِي الْعَالَمِ بِالْكِتَابَيْنِ مُتَّفِقَةُ الْأَلْفَاظِ إِذْ هَذَا لَا سَبِيلَ لِأَحَدٍ إِلَى عِلْمِهِ، وَالِاخْتِلَافُ الْيَسِيرُ فِي أَلْفَاظِ هَذِهِ الْكُتُبِ

стр. 807

مَوْجُودٌ فِي الْكَثِيرِ مِنَ النُّسَخِ، كَمَا قَدْ تَخْتَلِفُ نُسَخُ بَعْضِ كُتُبِ الْحَدِيثِ أَوْ تُبَدَّلُ بَعْضُ أَلْفَاظِ بَعْضِ النُّسَخِ، وَهَذَا خِلَافُ الْقُرْآنِ الْمَجِيدِ الَّذِي حُفِظَتْ أَلْفَاظُهُ فِي الصُّدُورِ بِالنَّقْلِ الْمُتَوَاتِرِ لَا يَحْتَاجُ أَنْ يُحْفَظَ فِي كِتَابٍ ; كَمَا قَالَ - تَعَالَى -: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] وَذَلِكَ أَنَّ الْيَهُودَ قَبْلَ النَّبِيِّ ﷺ وَعَلَى عَهْدِهِ وَبَعْدَهُ مُنْتَشِرُونَ فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا وَعِنْدَهُمْ نُسَخٌ كَثِيرَةٌ مِنَ التَّوْرَاةِ. وَكَذَلِكَ النَّصَارَى عِنْدَهُمْ نُسَخٌ كَثِيرَةٌ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلَمْ يَتَمَكَّنْ أَحَدٌ مِنْ جَمْعِ هَذِهِ النُّسَخِ وَتَبْدِيلِهَا وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مُمْكِنًا لَكَانَ هَذَا مِنَ الْوَقَائِعِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي تَتَوَفَّرُ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهَا وَكَذَلِكَ فِي الْإِنْجِيلِ قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ﴾ [المائدة: ٤٧] فَعُلِمَ أَنَّ فِي هَذَا الْإِنْجِيلِ حُكْمًا أَنْزَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَكِنَّ

стр. 808

الْحُكْمَ هُوَ مِنْ بَابِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ التَّغْيِيرُ فِي بَابِ الْأَخْبَارِ وَهُوَ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ التَّبْدِيلُ لَفْظًا وَأَمَّا الْأَحْكَامُ الَّتِي فِي التَّوْرَاةِ فَمَا يَكَادُ أَحَدٌ يَدَّعِي التَّبْدِيلَ فِي أَلْفَاظِهَا. وَقَدْ ذَكَرَ طَائِفَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ قَوْلَهُ - تَعَالَى -: فِي الْإِنْجِيلِ ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ﴾ [المائدة: ٤٧] هُوَ خِطَابٌ لِمَنْ كَانَ عَلَى دِينِ الْمَسِيحِ قَبْلَ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ لَا الْمَوْجُودِينَ بَعْدَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ ﷺ . وَهَذَا الْقَوْلُ يُنَاسِبُ مُنَاسَبَةً ظَاهِرَةً لِقِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ " وَلِيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ " بِكَسْرِ اللَّامِ كَقِرَاءَةِ حَمْزَةَ فَإِنَّ هَذِهِ لَامُ كَيْ، فَإِنَّهُ تَعَالَى قَالَ ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ - وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٦ - ٤٧]

стр. 809

فَإِذَا قُرِئَ " وَلِيَحْكُمَ " كَانَ الْمَعْنَى وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ لِكَذَا وَكَذَا وَلِيَحْكُمَ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَهَذَا يُوجِبُ الْحُكْمَ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي الْإِنْجِيلِ الْحَقِّ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِنْجِيلَ الْمَوْجُودَ فِي زَمَنِ الرَّسُولِ ﷺ هُوَ ذَلِكَ الْإِنْجِيلُ. وَأَمَّا قِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ﴾ [المائدة: ٤٧] فَهُوَ أَمْرٌ بِذَلِكَ، فَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ قَالَ: هُوَ أَمْرٌ لِمَنْ كَانَ الْإِنْجِيلُ الْحَقُّ مَوْجُودًا عِنْدَهُمْ أَنْ يَحْكُمُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَعَلَى هَذَا يَكُونُ قَوْلُهُ - تَعَالَى -: " وَلْيَحْكُمْ " أَمْرٌ لَهُمْ قَبْلَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَقَالَ: آخَرُونَ لَا حَاجَةَ إِلَى هَذَا التَّكَلُّفِ، فَإِنَّ الْقَوْلَ فِي الْإِنْجِيلِ كَالْقَوْلِ فِي التَّوْرَاةِ وَقَدْ قَالَ - تَعَالَى -:

стр. 810

﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ - سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ - وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ - إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ - وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ - وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ﴾ [المائدة: ٤١ - ٤٦] فَهَذَا قَدْ صَرَّحَ بِأَنَّ أُولَئِكَ الَّذِينَ تَحَاكَمُوا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الْيَهُودِ عِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ، ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْ حُكْمِ اللَّهِ وَقَالَ: بَعْدَ ذَلِكَ ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ﴾ [المائدة: ٤٧] وَهَذِهِ لَامُ الْأَمْرِ وَهُوَ أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ أَنْزَلَهُ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ وَأَمْرُ مَنْ مَاتَ قَبْلَ هَذَا الْخِطَابِ مُمْتَنِعٌ وَإِنَّمَا يَكُونُ الْأَمْرُ أَمْرًا لِمَنْ آمَنَ
следующие страницы →