← Акыда

Акыда · id 170

الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لابن تيمية

ابن تيمية

Полный текст (2 831 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٤٣] فَعُلِمَ أَنَّ التَّوْرَاةَ الَّتِي كَانَتْ مَوْجُودَةً بَعْدَ خَرَابِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَبَعْدَ مَجِيءِ بُخْتُنَصَّرَ وَبَعْدَ مَبْعَثِ الْمَسِيحِ وَبَعْدَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ ﷺ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ. وَالتَّوْرَاةُ الَّتِي كَانَتْ عِنْدَ يَهُودِ الْمَدِينَةِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَإِنْ قِيلَ: أَنَّهُ غُيِّرَ بَعْضُ أَلْفَاظِهَا بَعْدَ مَبْعَثِهِ فَلَا نَشْهَدُ عَلَى كُلِّ نُسْخَةٍ فِي الْعَالَمِ بِمِثْلِ ذَلِكَ، فَإِنَّ هَذَا غَيْرُ مَعْلُومٍ لَنَا وَهُوَ أَيْضًا مُتَعَذِّرٌ بَلْ يُمْكِنُ تَغْيِيرُ كَثِيرٍ مِنَ النُّسَخِ وَإِشَاعَةُ ذَلِكَ عِنْدَ الْأَتْبَاعِ حَتَّى لَا يُوجَدَ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ إِلَّا مَا غُيِّرَ بَعْدَ ذَلِكَ وَمَعَ هَذَا فَكَثِيرٌ مِنْ نُسَخِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ مُتَّفِقَةٌ فِي الْغَالِبِ إِنَّمَا تَخْتَلِفُ فِي الْيَسِيرِ مِنْ أَلْفَاظِهَا فَتَبْدِيلُ أَلْفَاظِ الْيَسِيرِ مِنَ النُّسَخِ بَعْدَ مَبْعَثِ الرَّسُولِ ﷺ مُمْكِنٌ لَا يُمْكِنُ أَحَدٌ أَنْ يَجْزِمَ بِنَفْيِهِ وَلَا يَقْدِرُ أَحَدٌ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى أَنْ يَشْهَدَ بِأَنَّ كُلَّ نُسْخَةٍ فِي الْعَالَمِ بِالْكِتَابَيْنِ مُتَّفِقَةُ الْأَلْفَاظِ إِذْ هَذَا لَا سَبِيلَ لِأَحَدٍ إِلَى عِلْمِهِ، وَالِاخْتِلَافُ الْيَسِيرُ فِي أَلْفَاظِ هَذِهِ الْكُتُبِ

стр. 807

مَوْجُودٌ فِي الْكَثِيرِ مِنَ النُّسَخِ، كَمَا قَدْ تَخْتَلِفُ نُسَخُ بَعْضِ كُتُبِ الْحَدِيثِ أَوْ تُبَدَّلُ بَعْضُ أَلْفَاظِ بَعْضِ النُّسَخِ، وَهَذَا خِلَافُ الْقُرْآنِ الْمَجِيدِ الَّذِي حُفِظَتْ أَلْفَاظُهُ فِي الصُّدُورِ بِالنَّقْلِ الْمُتَوَاتِرِ لَا يَحْتَاجُ أَنْ يُحْفَظَ فِي كِتَابٍ ; كَمَا قَالَ - تَعَالَى -: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] وَذَلِكَ أَنَّ الْيَهُودَ قَبْلَ النَّبِيِّ ﷺ وَعَلَى عَهْدِهِ وَبَعْدَهُ مُنْتَشِرُونَ فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا وَعِنْدَهُمْ نُسَخٌ كَثِيرَةٌ مِنَ التَّوْرَاةِ. وَكَذَلِكَ النَّصَارَى عِنْدَهُمْ نُسَخٌ كَثِيرَةٌ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلَمْ يَتَمَكَّنْ أَحَدٌ مِنْ جَمْعِ هَذِهِ النُّسَخِ وَتَبْدِيلِهَا وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مُمْكِنًا لَكَانَ هَذَا مِنَ الْوَقَائِعِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي تَتَوَفَّرُ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهَا وَكَذَلِكَ فِي الْإِنْجِيلِ قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ﴾ [المائدة: ٤٧] فَعُلِمَ أَنَّ فِي هَذَا الْإِنْجِيلِ حُكْمًا أَنْزَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَكِنَّ

стр. 808

الْحُكْمَ هُوَ مِنْ بَابِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ التَّغْيِيرُ فِي بَابِ الْأَخْبَارِ وَهُوَ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ التَّبْدِيلُ لَفْظًا وَأَمَّا الْأَحْكَامُ الَّتِي فِي التَّوْرَاةِ فَمَا يَكَادُ أَحَدٌ يَدَّعِي التَّبْدِيلَ فِي أَلْفَاظِهَا. وَقَدْ ذَكَرَ طَائِفَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ قَوْلَهُ - تَعَالَى -: فِي الْإِنْجِيلِ ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ﴾ [المائدة: ٤٧] هُوَ خِطَابٌ لِمَنْ كَانَ عَلَى دِينِ الْمَسِيحِ قَبْلَ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ لَا الْمَوْجُودِينَ بَعْدَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ ﷺ . وَهَذَا الْقَوْلُ يُنَاسِبُ مُنَاسَبَةً ظَاهِرَةً لِقِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ " وَلِيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ " بِكَسْرِ اللَّامِ كَقِرَاءَةِ حَمْزَةَ فَإِنَّ هَذِهِ لَامُ كَيْ، فَإِنَّهُ تَعَالَى قَالَ ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ - وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٦ - ٤٧]

стр. 809

فَإِذَا قُرِئَ " وَلِيَحْكُمَ " كَانَ الْمَعْنَى وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ لِكَذَا وَكَذَا وَلِيَحْكُمَ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَهَذَا يُوجِبُ الْحُكْمَ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي الْإِنْجِيلِ الْحَقِّ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِنْجِيلَ الْمَوْجُودَ فِي زَمَنِ الرَّسُولِ ﷺ هُوَ ذَلِكَ الْإِنْجِيلُ. وَأَمَّا قِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ﴾ [المائدة: ٤٧] فَهُوَ أَمْرٌ بِذَلِكَ، فَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ قَالَ: هُوَ أَمْرٌ لِمَنْ كَانَ الْإِنْجِيلُ الْحَقُّ مَوْجُودًا عِنْدَهُمْ أَنْ يَحْكُمُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَعَلَى هَذَا يَكُونُ قَوْلُهُ - تَعَالَى -: " وَلْيَحْكُمْ " أَمْرٌ لَهُمْ قَبْلَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَقَالَ: آخَرُونَ لَا حَاجَةَ إِلَى هَذَا التَّكَلُّفِ، فَإِنَّ الْقَوْلَ فِي الْإِنْجِيلِ كَالْقَوْلِ فِي التَّوْرَاةِ وَقَدْ قَالَ - تَعَالَى -:

стр. 810

﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ - سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ - وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ - إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ - وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ - وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ﴾ [المائدة: ٤١ - ٤٦] فَهَذَا قَدْ صَرَّحَ بِأَنَّ أُولَئِكَ الَّذِينَ تَحَاكَمُوا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الْيَهُودِ عِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ، ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْ حُكْمِ اللَّهِ وَقَالَ: بَعْدَ ذَلِكَ ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ﴾ [المائدة: ٤٧] وَهَذِهِ لَامُ الْأَمْرِ وَهُوَ أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ أَنْزَلَهُ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ وَأَمْرُ مَنْ مَاتَ قَبْلَ هَذَا الْخِطَابِ مُمْتَنِعٌ وَإِنَّمَا يَكُونُ الْأَمْرُ أَمْرًا لِمَنْ آمَنَ

стр. 811

بِهِ مِنْ بَعْدِ خِطَابِ اللَّهِ لِعِبَادِهِ بِالْأَمْرِ فَعُلِمَ أَنَّهُ أَمْرٌ لِمَنْ كَانَ مَوْجُودًا حِينَئِذٍ أَنْ يَحْكُمُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي الْإِنْجِيلِ، وَاللَّهُ أَنْزَلَ فِي الْإِنْجِيلِ الْأَمْرَ بِاتِّبَاعِ مُحَمَّدٍ ﷺ ; كَمَا أَمَرَ بِهِ فِي التَّوْرَاةِ فَلْيَحْكُمُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي الْإِنْجِيلِ مِمَّا لَمْ يَنْسَخْهُ مُحَمَّدٌ ﷺ ; كَمَا أَمَرَ أَهْلَ التَّوْرَاةِ أَنْ يَحْكُمُوا بِمَا أَنْزَلَهُ مِمَّا لَمْ يَنْسَخْهُ الْمَسِيحُ وَمَا نَسَخَهُ فَقَدْ أُمِرُوا فِيهَا بِاتِّبَاعِ الْمَسِيحِ وَقَدْ أُمِرُوا فِي الْإِنْجِيلِ بِاتِّبَاعِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَمَنْ حَكَمَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ بَعْدَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا يُخَالِفُ حُكْمَ مُحَمَّدٍ ﷺ إِذْ كَانُوا مَأْمُورِينَ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ بِاتِّبَاعِ مُحَمَّدٍ ﷺ ; كَمَا قَالَ - تَعَالَى -: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧] وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٤٨] .

стр. 812

فَجَعَلَ الْقُرْآنَ مُهَيْمِنًا. وَالْمُهَيْمِنُ الشَّاهِدُ الْحَاكِمُ الْمُؤْتَمَنُ فَهُوَ يَحْكُمُ بِمَا فِيهَا مِمَّا لَمْ يَنْسَخْهُ اللَّهُ وَيَشْهَدُ بِتَصْدِيقِ مَا فِيهَا مِمَّا لَمْ يُبَدَّلْ وَلِهَذَا قَالَ ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصِّحَاحِ وَالسُّنَنِ وَالْمَسَانِدِ هَذَا. فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ الْيَهُودَ جَاءُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرُوا لَهُ أَنَّ امْرَأَةً مِنْهُمْ وَرَجُلًا زَنَيَا فَقَالَ: لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ فِي شَأْنِ الرَّجْمِ قَالُوا: نَفْضَحُهُمْ وَيُجْلَدُونَ فَقَالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ كَذَبْتُمْ إِنَّ فِيهَا الرَّجْمَ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَنَشَرُوهَا فَوَضَعَ أَحَدُهُمْ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ فَقَرَأَ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: ارْفَعْ يَدَكَ فَرَفَعَ يَدَهُ فَإِذَا فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ فَقَالُوا: صَدَقَ يَا مُحَمَّدُ فَأَمَرَ بِهِمَا النَّبِيُّ ﷺ فَرُجِمَا» .

стр. 813

وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: «أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَهُودِيٍّ وَيَهُودِيَّةٍ قَدْ زَنَيَا، فَانْطَلَقَ حَتَّى جَاءَ يَهُودَ فَقَالَ: مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ عَلَى مَنْ زَنَى قَالُوا: نُسَوِّدُ وُجُوهَهُمَا وَيُطَافُ بِهِمَا قَالَ: ﴿فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: ٩٣] قَالَ: فَجَاءُوا بِهَا فَقَرَأُوهَا حَتَّى إِذَا مَرُّوا بِآيَةِ الرَّجْمِ وَضَعَ الْفَتَى الَّذِي يَقْرَأُ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ وَقَرَأَ مَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا وَرَاءَهَا فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ وَهُوَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُرْهُ فَلْيَرْفَعْ يَدَهُ فَرَفَعَهَا فَإِذَا تَحْتَهَا آيَةُ الرَّجْمِ قَالُوا: صَدَقَ فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ، وَلَكِنَّنَا نَتَكَاتَمُهُ بَيْنَنَا وَأَنَّ أَحْبَارَنَا أَحْدَثُوا التَّحْمِيمَ وَالتَّجْبِيَةَ فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِرَجْمِهِمَا فَرُجِمَا» . وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: «مُرَّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِيَهُودِيٍّ مُحَمَّمٍ مَجْلُودٍ فَدَعَاهُمْ فَقَالَ: هَكَذَا تَجِدُونَ حَدَّ الزَّانِي فِي كِتَابِكُمْ؟ قَالُوا: نَعَمْ فَدَعَى رَجُلًا مِنْ عُلَمَائِهِمْ فَقَالَ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى

стр. 814

مُوسَى أَهَكَذَا تَجِدُونَ حَدَّ الزَّانِي فِي كِتَابِكُمْ؟ قَالَ: لَا وَلَوْلَا أَنَّكَ نَشَدْتَنِي بِهَذَا لَمْ أُخْبِرْكَ، نَجِدُ الرَّجْمَ، وَلَكِنَّهُ كَثُرَ فِي أَشْرَافِنَا فَكُنَّا إِذَا أَخَذْنَا الشَّرِيفَ تَرَكْنَاهُ وَإِذَا أَخَذْنَا الضَّعِيفَ أَقَمْنَا عَلَيْهِ الْحَدَّ فَقُلْنَا تَعَالَوْا فَلْنَجْتَمِعْ عَلَى شَيْءٍ نُقِيمُهُ عَلَى الشَّرِيفِ وَالْوَضِيعِ فَجَعَلْنَا التَّحْمِيمَ وَالْجَلَدَ مَكَانَ الرَّجْمِ فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اللَّهُمَّ إِنِّي أَوَّلُ مَنْ أَحْيَا أَمْرَكَ إِذْ أَمَاتُوهُ فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ [المائدة: ٤١] إِلَى قَوْلِهِ: فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ إِلَى الظَّالِمُونَ إِلَى الْفَاسِقُونَ قَالَ: هِيَ فِي الْكُفَّارِ كُلِّهَا» . وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: «رَجَمَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ وَرَجُلًا

стр. 815

مِنَ الْيَهُودِ» . وَأَمَّا السُّنَنُ فَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ قَالَ: «أَتَى نَفَرٌ مِنَ الْيَهُودِ فَدَعَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْقُفِّ فَأَتَاهُمْ فِي بَيْتِ الْمِدْرَاسِ فَقَالُوا: يَا أَبَا الْقَاسِمِ إِنَّ رَجُلًا مِنَّا زَنَى بِامْرَأَةٍ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ فَوَضَعُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وِسَادَةً فَجَلَسَ عَلَيْهَا، ثُمَّ قَالَ: ائْتُونِي التَّوْرَاةَ فَأُتِيَ بِهَا فَنَزَعَ الْوِسَادَةَ مِنْ تَحْتِهِ وَوَضَعَ التَّوْرَاةَ عَلَيْهَا وَقَالَ: آمَنْتُ بِكِ وَبِمَنْ أَنْزَلَكِ، ثُمَّ قَالَ: ائْتُونِي بِأَعْلَمِكُمْ فَأُتِيَ بِشَابٍّ، ثُمَّ ذَكَرَ قِصَّةَ الرَّجْمِ» .

стр. 816

وَأَخْرَجَ أَيْضًا أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: «زَنَى رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ بِامْرَأَةٍ فَقَالَ: بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ اذْهَبُوا بِنَا إِلَى هَذَا النَّبِيِّ، فَإِنَّهُ نَبِيٌّ بُعِثَ بِالتَّخْفِيفِ، فَإِنْ أَفْتَانَا بِفُتْيَا دُونَ الرَّجْمِ قَبِلْنَاهَا وَاحْتَجَجْنَا بِهَا عِنْدَ اللَّهِ فَقُلْنَا: نَبِيٌّ مِنْ أَنْبِيَائِكَ قَالُوا: فَأَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ فِي أَصْحَابِهِ فَقَالُوا: يَا أَبَا الْقَاسِمِ مَا تَرَى فِي رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ مِنْهُمْ زَنَيَا فَلَمْ يُكَلِّمْهُمْ كَلِمَةً حَتَّى أَتَى بَيْتَ مِدْرَاسِهِمْ فَقَامَ عَلَى الْبَابِ فَقَالَ: أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ عَلَى مَنْ زَنَى إِذَا أُحْصِنَ؟ . قَالُوا نُحَمِّمُهُ وَنُجْبِيهِ وَنَجْلِدُهُ وَالتَّجْبِيَةُ أَنْ يُحْمَلَ الزَّانِيَانِ عَلَى حِمَارٍ وَيُقَابَلَ أَقْفِيَتُهُمَا، وَيُطَافُ بِهِمَا قَالَ: وَسَكَتَ شَابٌّ مِنْهُمْ فَلَمَّا رَآهُ النَّبِيُّ ﷺ سَاكِتًا أَنْشَدَهُ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِذْ نَشَدْتَنَا، فَإِنَّا نَجِدُ فِي التَّوْرَاةِ الرَّجْمَ فَقَالَ: النَّبِيُّ ﷺ فَمَا أَوَّلُ مَا ارْتَخَصْتُمْ أَمْرَ اللَّهِ قَالَ: زَنَى ذُو قَرَابَةِ مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِنَا فَأَخَّرَ عَنْهُ الرَّجْمَ، ثُمَّ زَنَى رَجُلٌ فِي أُسْرَةٍ مِنَ النَّاسِ

стр. 817

فَأَرَادَ رَجْمَهُ فَحَالَ قَوْمُهُ دُونَهُ وَقَالُوا لَا يُرْجَمُ صَاحِبُنَا حَتَّى تَجِيءَ بِصَاحِبِكَ فَتَرْجُمَهُ فَاصْطَلَحُوا هَذِهِ الْعُقُوبَةَ بَيْنَهُمْ قَالَ: النَّبِيُّ ﷺ ، فَإِنِّي أَحْكُمُ بِمَا فِي التَّوْرَاةِ فَأَمَرَ بِهِمَا فَرُجِمَا» . قَالَ الزُّهْرِيُّ فَبَلَغَنَا أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِمْ ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ [المائدة: ٤٤] فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْهُمْ. وَأَيْضًا فَقَدْ تَحَاكَمُوا إِلَيْهِ فِي الْقَوْدِ الَّذِي كَانَ بَيْنَ بَنِي قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ وَكَانَ النَّضِيرُ أَشْرَفَ مِنْ قُرَيْظَةَ فَكَانَ إِذَا قَتَلَ بَعْضُ إِحْدَى الْقَبِيلَتَيْنِ قَتِيلًا مِنَ الْأُخْرَى فَيَقْتُلُونَهُ وَلَمْ يُضَعِّفُوا الدِّيَةَ وَإِذَا قُتِلَ مِنَ الْقَبِيلَةِ الشَّرِيفَةِ قَتَلُوا بِهِ وَأَضْعَفُوا الدِّيَةَ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ سُلَيْمَانُ بْنُ الْأَشْعَثِ فِي سُنَنِهِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ

стр. 818

الْعَلَاءِ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ عَلِيِّ بْنِ صَالِحٍ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «كَانَ قُرَيْظَةُ وَالنَّضِيرُ وَكَانَ النَّضِيرُ أَشْرَفَ مِنْ قُرَيْظَةَ فَكَانَ إِذَا قَتَلَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْظَةَ رَجُلًا مِنَ النَّضِيرِ قُتِلَ بِهِ وَإِذَا قَتَلَ رَجُلٌ مِنَ النَّضِيرِ رَجُلًا مِنْ قُرَيْظَةَ وُدِيَ مِائَةَ وَسْقٍ مِنْ تَمْرٍ» . فَلَمَّا بُعِثَ النَّبِيُّ ﷺ «قَتَلَ رَجُلٌ مِنَ النَّضِيرِ رَجُلًا مِنْ قُرَيْظَةَ فَقَالُوا: ادْفَعُوهُ إِلَيْنَا نَقْتُلُهُ فَقَالُوا: بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ مُحَمَّدٌ فَأَتَوْهُ فَنَزَلَتْ

стр. 819

﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: ٤٢] » وَالْقِسْطُ النَّفْسُ بِالنَّفْسِ، ثُمَّ نَزَلَتْ ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ [المائدة: ٥٠] قَالَ: أَبُو دَاوُدَ قُرَيْظَةُ وَالنَّضِيرُ مِنْ وَلَدِ هَارُونَ. وَبَسْطُ هَذَا لَهُ مَوْضِعٌ آخَرُ وَعَلَى كُلِّ قَوْلٍ، فَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ أَنَّ فِي التَّوْرَاةِ الْمَوْجُودَةِ بَعْدَ الْمَسِيحِ ﵇ حُكْمَ اللَّهِ وَأَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ الْيَهُودَ تَرَكُوا حُكْمَ اللَّهِ الَّذِي فِي التَّوْرَاةِ مَعَ كُفْرِهِمْ بِالْمَسِيحِ وَهَذَا ذَمٌّ مِنَ اللَّهِ لَهُمْ عَلَى مَا تَرَكُوهُ مِنْ حُكْمِهِ الَّذِي جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ الْأَوَّلُ وَلَمْ يَنْسَخْهُ الرَّسُولُ ﷺ الثَّانِي:. وَهَذَا مِنَ التَّبْدِيلِ الثَّانِي: الَّذِي ذُمُّوا عَلَيْهِ وَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ فِي التَّوْرَاةِ الْمَوْجُودَةِ بَعْدَ مَبْعَثِ الْمَسِيحِ حُكْمًا أَنْزَلَهُ اللَّهُ أُمِرُوا أَنْ يَحْكُمُوا بِهِ وَهَكَذَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِي الْإِنْجِيلِ.

стр. 820

وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْحُكْمَ الَّذِي أُمِرُوا أَنْ يَحْكُمُوا بِهِ مِنْ أَحْكَامِ التَّوْرَاةِ وَلَمْ يَنْسَخْهُ الْإِنْجِيلُ وَلَا الْقُرْآنُ، فَكَذَلِكَ مَا أُمِرُوا أَنْ يَحْكُمُوا بِهِ مِنْ أَحْكَامِ الْإِنْجِيلِ هُوَ مِمَّا لَمْ يَنْسَخْهُ الْقُرْآنُ وَذَلِكَ أَنَّ الدِّينَ الْجَامِعَ أَنْ يَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَيَأْمُرَ بِمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَيَحْكُمَ بِمَا أَنْزَلَهُ اللَّهُ فِي أَيِّ كِتَابٍ أَنْزَلَهُ وَلَمْ يَنْسَخْهُ، فَإِنَّهُ يَحْكُمُ بِهِ. وَلِهَذَا كَانَ مَذْهَبُ جَمَاهِيرِ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ أَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا مَا لَمْ يَرِدْ شَرْعُنَا بِخِلَافِهِ وَمَنْ حَكَمَ بِالشَّرْعِ الْمَنْسُوخِ فَلَمْ يَحْكُمْ

стр. 821

بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ، كَمَا أَنَّ اللَّهَ أَمَرَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ أَنْ يَحْكُمُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ وَفِيهِ النَّاسِخُ وَالْمَنْسُوخُ فَهَكَذَا الْقَوْلُ فِي جِنْسِ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ. قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ - وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ - أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ - يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ - فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ - وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ - يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ - إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ - وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة: ٤٨ - ٥٦] .

стр. 822

فَقَدَ أَمَرَ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ أَنْ يَحْكُمَ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْهِ وَحَذَّرَهُ اتِّبَاعَ أَهْوَائِهِمْ وَبَيَّنَ أَنَّ الْمُخَالِفَ لِحُكْمِهِ هُوَ حُكْمُ الْجَاهِلِيَّةِ حَيْثُ قَالَ - تَعَالَى -: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠] وَأَخْبَرَهُ تَعَالَى أَنَّهُ جَعَلَ لِكُلٍّ مِنْ أَهْلِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا، وَأَمْرُهُ تَعَالَى بِالْحُكْمِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ أَمْرٌ عَامٌّ لِأَهْلِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ لَيْسَ لِأَحَدٍ فِي وَقْتٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ أَنْ يَحْكُمَ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَالَّذِي أَنْزَلَهُ اللَّهُ هُوَ دِينٌ وَاحِدٌ اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ الْكُتُبُ وَالرُّسُلُ وَهُمْ مُتَّفِقُونَ فِي أُصُولِ الدِّينِ وَقَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ وَإِنْ تَنَوَّعُوا فِي الشِّرْعَةِ وَالْمِنْهَاجِ بَيْنَ نَاسِخٍ وَمَنْسُوخٍ فَهُوَ شَبِيهٌ بِتَنَوُّعِ حَالِ الْكِتَابِ الْوَاحِدِ، فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا أَوَّلًا مَأْمُورِينَ بِالصَّلَاةِ لِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، ثُمَّ أُمِرُوا أَنْ يُصَلُّوا إِلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَفِي كِلَا الْأَمْرَيْنِ إِنَّمَا اتَّبَعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ .

стр. 823

وَكَذَلِكَ مُوسَى ﵇ كَانَ مَأْمُورًا بِالسَّبْتِ مُحَرَّمًا عَلَيْهِ مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ فِي التَّوْرَاةِ وَهُوَ مُتَّبِعٌ مَا أَنْزَلَهُ اللَّهُ وَالْمَسِيحُ أَحَلَّ بَعْضَ مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ فِي التَّوْرَاةِ وَهُوَ مُتَّبِعٌ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَلَيْسَ فِي أَمْرِ اللَّهِ لِأَهْلِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ أَنْ يَحْكُمُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ أَمْرٌ بِمَا نَسَخَ ; كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ فِي أَمْرِ أَهْلِ الْقُرْآنِ أَنْ يَحْكُمُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ أَمْرٌ بِمَا نَسَخَ، بَلْ إِذَا كَانَ نَاسِخٌ وَمَنْسُوخٌ فَالَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ هُوَ الْحُكْمُ بِالنَّاسِخِ دُونَ الْمَنْسُوخِ فَمَنْ حَكَمَ بِالْمَنْسُوخِ فَقَدْ حَكَمَ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَمِمَّا يُوَضِّحُ هَذَا قَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: ٦٨] فَإِنَّ هَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ هَذَا أَمْرٌ لِمُحَمَّدٍ ﷺ أَنْ يَقُولَ لِأَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِي بُعِثَ إِلَيْهِمْ أَنَّهُمْ لَيْسُوا عَلَى شَيْءٍ حَتَّى يُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُمْ عِنْدَهُمْ مَا يُعْلَمُ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنَ اللَّهِ وَأَنَّهُمْ مَأْمُورُونَ بِإِقَامَتِهِ إِذْ كَانَ ذَلِكَ مِمَّا

стр. 824

قَرَّرَهُ مُحَمَّدٌ ﷺ وَلَمْ يَنْسَخْهُ وَمَعْلُومٌ أَنَّ كُلَّ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ عَلَى لِسَانِ نَبِيٍّ وَلَمْ يَنْسَخْهُ النَّبِيُّ ﷺ الثَّانِي بَلْ أَقَرَّهُ كَانَ اللَّهُ آمِرًا بِهِ عَلَى لِسَانِ نَبِيٍّ بَعْدَ نَبِيٍّ وَلَمْ يَكُنْ فِي بَعْثَةِ الثَّانِي مَا يُسْقِطُ وُجُوبَ اتِّبَاعِ مَا أَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ الْأَوَّلُ وَقَرَّرَهُ النَّبِيُّ الثَّانِي. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ إِنَّ اللَّهَ يَنْسَخُ بِالْكِتَابِ الثَّانِي جَمِيعَ مَا شَرَعَهُ بِالْكِتَابِ الْأَوَّلِ وَإِنَّمَا الْمَنْسُوخُ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ الْكُتُبُ وَالشَّرَائِعُ. وَأَيْضًا فَفِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ مَا دَلَّ عَلَى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَإِذَا حَكَمَ أَهْلُ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمَا حَكَمُوا بِمَا أَوْجَبَ عَلَيْهِمُ اتِّبَاعَ مُحَمَّدٍ ﷺ . وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ مَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَهُ إِذْ لَا يُؤْمَرُونَ أَنْ يَحْكُمُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا يَعْلَمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ، وَالْحُكْمُ إِنَّمَا يَكُونُ فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْعِلْمِ بِبَعْضِ مَعَانِي الْكُتُبِ لَا يُنَافِي عَدَمَ الْعِلْمِ بِبَعْضِهَا وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي الْمَعَانِي، فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ فِي الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ الْأَمْرَ بِعِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّهُ أَرْسَلَ إِلَى الْخَلْقِ رُسُلًا مِنَ الْبَشَرِ وَأَنَّهُ أَوْجَبَ الْعَدْلَ وَحَرَّمَ الظُّلْمَ وَالْفَوَاحِشَ وَالشِّرْكَ وَأَمْثَالَ ذَلِكَ مِنَ الشَّرَائِعِ

стр. 825

الْكُلِّيَّةِ وَأَنَّ فِيهَا الْوَعْدَ بِالثَّوَابِ وَالْوَعِيدِ بِالْعِقَابِ بَلْ هُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى الْإِيمَانِ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَقَدْ تَنَازَعُوا فِي بَعْضِ مَعَانِيهَا وَاخْتَلَفُوا فِي تَفْسِيرِ ذَلِكَ ; كَمَا اخْتَلَفَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى فِي الْمَسِيحِ الْمُبَشِّرِ بِهِ النُّبُوَّاتُ، هَلْ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ﵇ أَوْ مَسِيحٌ آخَرُ يُنْتَظَرُ

стр. 826

وَالْمُسْلِمُونَ يَعْلَمُونَ أَنَّ الصَّوَابَ فِي هَذَا مَعَ النَّصَارَى لَكِنْ لَا يُوَافِقُونَهُمْ عَلَى مَا أَحْدَثُوا فِيهِ مِنَ الْإِفْكِ وَالشِّرْكِ. وَكَذَلِكَ يُقَالُ إِذَا بُدِّلَ قَلِيلٌ مِنْ أَلْفَاظِهَا الْخَبَرِيَّةِ لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ أَكْثَرُ أَلْفَاظِهَا لَمْ يُبَدَّلْ لَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ فِي نَفْسِ الْكِتَابِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْمُبَدَّلِ وَقَدْ يُقَالُ أَنَّ مَا بُدِّلَ مِنْ أَلْفَاظِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ فَفِي نَفْسِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ مَا يَدُلُّ عَلَى تَبْدِيلِهِ فَبِهَذَا يَحْصُلُ الْجَوَابُ عَنْ شُبْهَةِ مَنْ يَقُولُ أَنَّهُ لَمْ يُبَدَّلْ شَيْءٌ مِنْ أَلْفَاظِهَا، فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ إِذَا كَانَ التَّبْدِيلُ قَدْ وَقَعَ فِي أَلْفَاظِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ قَبْلَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ ﷺ لَمْ يُعْلَمِ الْحَقُّ مِنَ الْبَاطِلِ، فَسَقَطَ الِاحْتِجَاجُ بِهِمَا وَوُجُوبُ الْعَمَلِ بِهِمَا عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ فَلَا يُذَمُّونَ حِينَئِذٍ عَلَى تَرْكِ اتِّبَاعِهِمَا. وَالْقُرْآنُ قَدْ ذَمَّهُمْ عَلَى تَرْكِ الْحُكْمِ بِمَا فِيهِمَا وَاسْتَشْهَدَ بِهِمَا فِي مَوَاضِعَ. وَجَوَابُ ذَلِكَ أَنَّ مَا وَقَعَ مِنَ التَّبْدِيلِ قَلِيلٌ وَالْأَكْثَرُ لَمْ يُبَدَّلْ وَالَّذِي لَمْ يُبَدَّلْ فِيهِ أَلْفَاظٌ صَرِيحَةٌ تَبَيَّنَ بِهَا الْمَقْصُودُ مِنْ غَلَطِ مَا خَالَفَهَا وَلَهَا شَوَاهِدُ وَنَظَائِرُ مُتَعَدِّدَةٌ يُصَدِّقُ بَعْضُهَا بَعْضًا بِخِلَافِ الْمُبَدَّلِ، فَإِنَّهُ أَلْفَاظٌ قَلِيلَةٌ، وَسَائِرُ نُصُوصِ الْكُتُبِ يُنَاقِضُهَا، وَصَارَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ كُتُبِ الْحَدِيثِ الْمَنْقُولَةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَإِنَّهُ إِذَا وَقَعَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيِّ أَوْ غَيْرِهِمَا أَحَادِيثُ قَلِيلَةٌ ضَعِيفَةٌ كَانَ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الثَّابِتَةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مَا يُبَيِّنُ ضَعْفَ تِلْكَ.

стр. 827

بَلْ وَكَذَلِكَ صَحِيحُ مُسْلِمٍ فِيهِ أَلْفَاظٌ قَلِيلَةٌ غَلَطٌ، وَفِي نَفْسِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ مَعَ الْقُرْآنِ مَا يُبَيِّنُ غَلَطَهَا، مِثْلُ مَا رُوِيَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ التُّرْبَةَ يَوْمَ السَّبْتِ وَجَعَلَ خَلْقَ الْمَخْلُوقَاتِ فِي الْأَيَّامِ السَّبْعَةِ، فَإِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ قَدْ بَيَّنَ أَئِمَّةُ الْحَدِيثِ كَيَحْيَى بْنِ مَعِينٍ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ

стр. 828

مَهْدِيٍّ وَالْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِمْ أَنَّهُ غَلَطٌ، وَأَنَّهُ لَيْسَ فِي كَلَامِ النَّبِيِّ ﷺ بَلْ صَرَّحَ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ الْكَبِيرِ أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ كَعْبِ الْأَحْبَارِ ; كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوْضِعِهِ، وَالْقُرْآنُ يَدُلُّ عَلَى

стр. 829

غَلَطِ هَذَا، وَيُبَيِّنُ أَنَّ الْخَلْقَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ، وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ آخِرَ الْخَلْقِ كَانَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَيَكُونُ أَوَّلُ الْخَلْقِ يَوْمَ الْأَحَدِ. وَكَذَلِكَ مَا رُوِيَ أَنَّهُ ﷺ ، «صَلَّى الْكُسُوفَ

стр. 830

بِرُكُوعَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ» . فَإِنَّ الثَّابِتَ الْمُتَوَاتِرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَغَيْرِهِمْ أَنَّهُ صَلَّى كُلَّ رَكْعَةٍ بِرُكُوعَيْنِ وَلِهَذَا لَمْ يُخَرِّجِ

стр. 831

الْبُخَارِيُّ إِلَّا ذَلِكَ، وَضَعَّفَ الشَّافِعِيُّ وَالْبُخَارِيُّ وَأَحْمَدُ فِي أَحَدِ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ وَغَيْرُهُمْ حَدِيثَ الثَّلَاثِ وَالْأَرْبَعِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ إِنَّمَا صَلَّى الْكُسُوفَ مَرَّةً وَاحِدَةً وَفِي حَدِيثِ الثَّلَاثِ وَالْأَرْبَعِ أَنَّهُ صَلَّاهَا يَوْمَ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ ابْنُهُ، وَأَحَادِيثُ الرُّكُوعَيْنِ كَانَتْ ذَلِكَ الْيَوْمَ فَمِثْلُ هَذَا الْغَلَطِ إِذَا وَقَعَ كَانَ فِي نَفْسِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ مَا يُبَيِّنُ أَنَّهُ غَلَطٌ، وَالْبُخَارِيُّ إِذَا رَوَى الْحَدِيثَ بِطُرُقٍ فِي بَعْضِهَا غَلَطٌ فِي بَعْضِ الْأَلْفَاظِ ذَكَرَ مَعَهُ الطُّرُقَ الَّتِي تُبَيِّنُ ذَلِكَ الْغَلَطَ ; كَمَا قَدْ بَسَطْنَا الْكَلَامَ عَلَى ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ. فَكَذَلِكَ إِذَا قِيلَ أَنَّهُ وَقَعَ تَبْدِيلٌ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ كَانَ فِي الْكُتُبِ مَا يُبَيِّنُ لَكَ الْغَلَطَ وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَا يَدَّعُونَ أَنَّ كُلَّ نُسْخَةٍ فِي الْعَالَمِ مِنْ زَمَنِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِكُلِّ لِسَانٍ مِنَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ بُدِّلَتْ أَلْفَاظُهَا، فَإِنَّ هَذَا لَا أَعْرِفُ

стр. 832

أَحَدًا مِنَ السَّلَفِ قَالَهُ وَإِنْ كَانَ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ مَنْ قَدْ يَقُولُ ذَلِكَ، كَمَا فِي بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ مَنْ يُجَوِّزُ الِاسْتِنْجَاءَ بِكُلِّ مَا فِي الْعَالَمِ مِنْ نُسَخِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ فَلَيْسَتْ هَذِهِ الْأَقْوَالُ وَنَحْوُهَا مِنْ أَقْوَالِ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ لَمَّا رَأَى بِيَدِ كَعْبِ الْأَحْبَارِ نُسْخَةً مِنَ التَّوْرَاةِ قَالَ: يَا كَعْبُ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذِهِ هِيَ التَّوْرَاةُ الَّتِي أَنْزَلَهَا اللَّهُ عَلَى مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ فَاقْرَأْهَا فَعَلَّقَ الْأَمْرَ

стр. 833

عَلَى مَا يَمْتَنِعُ الْعِلْمُ بِهِ وَلَمْ يَجْزِمْ عُمَرُ ﵁ بِأَنَّ أَلْفَاظَ تِلْكَ مُبَدَّلَةً لَمَّا لَمْ يَتَأَمَّلْ كُلَّ مَا فِيهَا. وَالْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ الْمُتَوَاتِرَةُ يَدُلَّانِ عَلَى أَنَّ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ الْمَوْجُودَيْنِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِيهِمَا مَا أَنْزَلَهُ اللَّهُ وَالْجَزْمُ بِتَبْدِيلِ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ الَّتِي فِي الْعَالَمِ مُتَعَذِّرٌ وَلَا حَاجَةَ بِنَا إِلَى ذِكْرِهِ وَلَا عِلْمَ لَنَا بِذَلِكَ وَلَا يُمْكِنُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّ كُلَّ نُسْخَةٍ فِي الْعَالَمِ بِجَمِيعِ الْأَلْسِنَةِ مِنَ الْكُتُبِ مُتَّفِقَةٌ عَلَى لَفْظٍ وَاحِدٍ، فَإِنَّ هَذَا مِمَّا لَا يُمْكِنُ أَحَدًا مِنَ الْبَشَرِ أَنْ يَعْرِفَهُ بِاخْتِبَارِهِ وَامْتِحَانِهِ وَإِنَّمَا يُعْلَمُ مِثْلُ هَذَا بِالْوَحْيِ وَإِلَّا فَلَا يُمْكِنُ أَحَدًا

стр. 834

مِنَ الْبَشَرِ أَنْ يُقَابِلَ كُلَّ نُسْخَةٍ مَوْجُودَةٍ فِي الْعَالَمِ بِكُلِّ نُسْخَةٍ مِنْ جَمِيعِ الْأَلْسِنَةِ بِالْكُتُبِ الْأَرْبَعَةِ وَالْعِشْرِينَ وَقَدْ رَأَيْنَاهَا مُخْتَلِفَةً فِي الْأَلْفَاظِ اخْتِلَافًا بَيِّنًا، وَالتَّوْرَاةُ هِيَ أَصَحُّ الْكُتُبِ وَأَشْهَرُهَا عِنْدَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَمَعَ هَذَا فَنُسْخَةُ السَّامِرَةِ مُخَالِفَةٌ لِنُسْخَةِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى حَتَّى فِي نَفْسِ الْكَلِمَاتِ الْعَشْرِ ذُكِرَ فِي نُسْخَةِ السَّامِرَةِ مِنْهَا مِنْ أَمْرِ اسْتِقْبَالِ الطُّورِ مَا لَيْسَ فِي نُسْخَةِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَهَذَا مِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ التَّبْدِيلَ وَقَعَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نُسَخِ هَذِهِ الْكُتُبِ، فَإِنَّ عِنْدَ السَّامِرَةِ نُسَخًا مُتَعَدِّدَةً.

стр. 835

وَكَذَلِكَ رَأَيْنَا فِي الزَّبُورِ نُسَخًا مُتَعَدِّدَةً تُخَالِفُ بَعْضُهَا بَعْضًا مُخَالَفَةً كَثِيرَةً فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَلْفَاظِ وَالْمَعَانِي يَقْطَعُ مَنْ رَآهَا أَنَّ كَثِيرًا مِنْهَا كَذِبٌ عَلَى زَبُورِ دَاوُدَ ﵇ وَأَمَّا الْأَنَاجِيلُ فَالِاضْطِرَابُ فِيهَا أَعْظَمُ مِنْهُ فِي التَّوْرَاةِ. فَإِنْ قِيلَ فَإِذَا كَانَتِ الْكُتُبُ الْمُتَقَدِّمَةُ مَنْسُوخَةً فَلِمَاذَا ذُمَّ أَهْلُ الْكِتَابِ عَلَى تَرْكِ الْحُكْمِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْهَا؟ قِيلَ: النَّسْخُ لَمْ يَقَعْ إِلَّا فِي قَلِيلٍ مِنَ الشَّرَائِعِ وَإِلَّا فَالْإِخْبَارُ عَنِ اللَّهِ وَعَنِ الْيَوْمِ الْآخِرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ لَا نَسْخَ فِيهِ. وَكَذَلِكَ الدِّينُ الْجَامِعُ وَالشَّرَائِعُ الْكُلِّيَّةُ لَا نَسْخَ فِيهَا وَهُوَ سُبْحَانَهُ ذَمَّهُمْ عَلَى تَرْكِ اتِّبَاعِ الْكِتَابِ الْأَوَّلِ ; لِأَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ كَفَرُوا مِنْ وَجْهَيْنِ مِنْ جِهَةِ تَبْدِيلِهِمُ الْكِتَابَ الْأَوَّلَ، وَتَرْكِ الْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ بِبَعْضِهِ، وَمِنْ جِهَةِ تَكْذِيبِهِمْ بِالْكِتَابِ الثَّانِي: وَهُوَ الْقُرْآنُ، كَمَا قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٩١] فَبَيَّنَ أَنَّهُمْ كَفَرُوا قَبْلَ مَبْعَثِهِ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ وَقَتَلُوا الْأَنْبِيَاءَ كَمَا

стр. 836

كَفَرُوا حِينَ مَبْعَثِهِ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: ١٨٣] وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ [آل عمران: ١٨٤] وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ - قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [القصص: ٤٨ - ٤٩] وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَهُوَ سُبْحَانَهُ يَذُمُّهُمْ عَلَى تَرْكِ اتِّبَاعِ مَا أَنْزَلَهُ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَعَلَى تَرْكِ اتِّبَاعِ مَا أَنْزَلَهُ فِي الْقُرْآنِ وَيُبَيِّنُ كُفْرَهُمْ بِالْكِتَابِ الْأَوَّلِ وَبِالْكِتَابِ الثَّانِي: وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ أَمْرُهُمْ أَنْ يَحْكُمُوا بِالْمَنْسُوخِ مِنَ الْكِتَابِ الْأَوَّلِ ; كَمَا لَيْسَ فِيهِ أَمْرُهُمْ أَنْ يَحْكُمُوا بِالْمَنْسُوخِ فِي الْكِتَابِ الثَّانِي.

стр. 837

[فَصْلٌ: قِيَاسُ النَّصَارَى كُتُبَهُمْ عَلَى الْقُرْآنِ قِيَاسٌ بَاطِلٌ] فَحِينَئِذٍ فَقَوْلُهُمْ: إِنَّا نَعْجَبُ مِنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ عَلَى عِلْمِهِمْ وَذَكَائِهِمْ وَمَعْرِفَتِهِمْ كَيْفَ يَحْتَجُّونَ عَلَيْنَا بِمِثْلِ هَذَا الْقَوْلِ؟ وَذَلِكَ أَنَّا أَيْضًا إِذَا قُلْنَا وَاحْتَجَجْنَا عَلَيْهِمْ بِمِثْلِ هَذَا الْقَوْلِ إِنَّ الْكِتَابَ الَّذِي بِأَيْدِيهِمْ يَوْمَنَا هَذَا قَدْ غَيَّرُوهُ وَبَدَّلُوهُ وَكَتَبُوا فِيهِ مَا أَرَادُوا وَاشْتَهَوْا هَلْ كَانُوا يُجَوِّزُونَ كَلَامَنَا؟ قَالَ الْحَاكِي عَنْهُمْ: فَقُلْتُ لَهُمْ هَذَا مَا لَا يَجُوزُ وَلَا يُمْكِنُ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَهُ وَلَا يُمْكِنُ تَغْيِيرُهُ وَلَا تَبْدِيلُ حَرْفٍ وَاحِدٍ مِنْهُ.

стр. 838

فَقَالُوا سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ! إِذَا كَانَ الْكِتَابُ الَّذِي لَهُمْ، الَّذِي هُوَ بِاللِّسَانِ الْوَاحِدِ لَا يُمْكِنُ تَبْدِيلُهُ، وَلَا تَغْيِيرُ حَرْفٍ وَاحِدٍ مِنْهُ فَكَيْفَ يُمْكِنُ تَغْيِيرُ كُتُبِنَا الَّتِي هِيَ مَكْتُوبَةٌ بِاثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ لِسَانًا وَفِي كُلِّ لِسَانٍ مِنْهَا كَذَا وَكَذَا أَلْفِ نُسْخَةٍ وَجَازَ عَلَيْهَا إِلَى مَجِيءِ مُحَمَّدٍ أَكْثَرُ مِنْ سِتِّمِائَةِ سَنَةٍ، وَصَارَتْ فِي أَيْدِي النَّاسِ يَقْرَءُونَهَا بِاخْتِلَافِ أَلْسِنَتِهِمْ عَلَى تَشَاسُعِ بُلْدَانِهِمْ. فَمَنِ الَّذِي تَكَلَّمَ بِاثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ لِسَانًا؟ وَمَنْ هُوَ الَّذِي حَكَمَ عَلَى الدُّنْيَا جَمِيعِهَا مُلُوكِهَا وَقَسَاوِسَتِهَا وَغَالِبِهَا حَتَّى حَكَمَ عَلَى جَمِيعِهَا فِي أَقْطَارِ الْأَرْضِ وَجَمَعَهَا فِي أَرْبَعِ زَوَايَا الْعَالَمِ حَتَّى يُغَيِّرَهَا؟ وَإِنْ كَانَ غَيَّرَ بَعْضَهَا، وَتَرَكَ بَعْضَهَا فَهَذَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ لِأَنَّ كُلَّهَا قَوْلٌ وَاحِدٌ وَلَفْظٌ وَاحِدٌ فِي جَمِيعِ الْأَلْسُنِ، فَهَذَا مَا لَا يَجُوزُ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَهُ أَبَدًا

стр. 839

وَالْجَوَابُ أَنْ يُقَالَ: أَوَّلًا: هَذَا الْكَلَامُ مِنْهُمْ يَدُلُّ عَلَى غَايَةِ جَهْلِهِمْ بِمَا يَقُولُهُ الْمُسْلِمُونَ فِي كُتُبِهِمْ، وَتَبَيَّنُ أَنَّهُمْ - لِفَرْطِ جَهْلِهِمْ - يَظُنُّونَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ يَقُولُونَ مَقَالَةً لَا يَخْفَى فَسَادُهَا عَلَى مَنْ لَهُ أَدْنَى عَقْلٍ وَمَعْرِفَةٍ وَالْمُسْلِمُونَ لَا يَشُكُّ أَحَدٌ مِنَ الْأُمَمِ أَنَّهُمْ أَعْظَمُ الْأُمَمِ عُقُولًا وَأَفْهَامًا وَأَتَمُّهُمْ مَعْرِفَةً وَبَيَانًا وَأَحْسَنُ قَصْدًا وَدِيَانَةً وَتَحَرِّيًا لِلصِّدْقِ وَالْعَدْلِ، وَأَنَّهُمْ لَمْ يَحْصُلْ فِي النَّوْعِ الْإِنْسَانِيِّ أُمَّةٌ أَكْمَلُ مِنْهُمْ وَلَا نَامُوسٌ أَكْمَلُ مِنَ النَّامُوسِ الَّذِي جَاءَ بِهِ نَبِيُّهُمْ مُحَمَّدٌ ﷺ وَحُذَّاقُ الْفَلَاسِفَةِ مُعْتَرِفُونَ لَهُمْ بِذَلِكَ وَأَنَّهُ لَمْ يَقْرَعِ الْعَالِمَ نَامُوسٌ أَكْمَلُ مِنْ هَذَا النَّامُوسِ. وَقَدْ جَمَعَ اللَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ جَمِيعَ طُرُقِ الْمَعَارِفِ الْإِنْسَانِيَّةِ، وَأَنْوَاعِهَا فَإِنَّ النَّاسَ نَوْعَانِ:

стр. 840

أَهْلُ كِتَابٍ وَغَيْرُ أَهْلِ كِتَابٍ، كَالْفَلَاسِفَةِ وَالْهُنُودِ. وَالْعِلْمُ يُنَالُ بِالْحِسِّ وَالْعَقْلِ، وَمَا يُحَصَّلُ بِهِمَا وَبِوَحْيِ اللَّهِ إِلَى أَنْبِيَائِهِ الَّذِي هُوَ خَارِجٌ عَمَّا يَشْتَرِكُ فِيهِ النَّاسُ مِنَ الْحِسِّ وَالْعَقْلِ. وَلِهَذَا قِيلَ: الطُّرُقُ الْعِلْمِيَّةُ الْبَصَرُ، وَالنَّظَرُ، وَالْخَبَرُ: الْحِسُّ، وَالْعَقْلُ وَالْوَحْيُ: الْحِسُّ وَالْقِيَاسُ، وَالنُّبُوَّةُ. فَأَهْلُ الْكِتَابِ امْتَازُوا عَنْ غَيْرِهِمْ بِمَا جَاءَهُمْ مِنَ النُّبُوَّةِ مَعَ مُشَارَكَتِهِمْ لِغَيْرِهِمْ فِيمَا يَشْتَرِكُ فِيهِ النَّاسُ مِنَ الْعُلُومِ الْحِسِّيَّةِ، وَالْعَقْلِيَّةِ. وَالْمُسْلِمُونَ حَصَلَ لَهُمْ مِنَ الْعُلُومِ النَّبَوِيَّةِ وَالْعَقْلِيَّةِ مَا كَانَ لِلْأُمَمِ قَبْلَهُمْ، وَامْتَازُوا عَنْهُمْ بِمَا لَا تَعْرِفُهُ الْأُمَمُ وَمَا اتَّصَلَ إِلَيْهِمْ مِنْ عَقْلِيَّاتِ الْأُمَمِ هَذَّبُوهُ لَفْظًا وَمَعْنًى حَتَّى صَارَ أَحْسَنَ مِمَّا كَانَ عِنْدَهُمْ وَنَفَوْا عَنْهُ مِنَ الْبَاطِلِ وَضَمُّوا إِلَيْهِ مِنَ الْحَقِّ مَا امْتَازُوا بِهِ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ. وَكَذَلِكَ الْعُلُومُ النَّبَوِيَّةُ أَعْطَاهُمُ اللَّهُ مَا لَمْ يُعْطِهِ أُمَّةً قَبْلَهُمْ، وَهَذَا ظَاهِرٌ لِمَنْ تَدَبَّرَ الْقُرْآنَ مَعَ تَدَبُّرِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، فَإِنَّهُ يَجِدُ مِنْ فَضْلِ عِلْمِ الْقُرْآنِ مَا لَا يَخْفَى إِلَّا عَلَى الْعُمْيَانِ. فَكَيْفَ يُظَنُّ مَعَ هَذَا بِالْمُسْلِمِينَ أَنْ يَخْفَى عَلَيْهِمْ فَسَادُ هَذَا الْكَلَامِ الَّذِي ظَنَّهُ بِهِمْ هَؤُلَاءِ الْجُهَّالُ:

стр. 841

وَيُقَالُ: ثَانِيًا الْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَدَّعُوا أَنَّ هَذِهِ الْكُتُبَ حُرِّفَتْ بَعْدَ انْتِشَارِهَا، وَكَثْرَةِ النُّسَخِ بِهَا، وَلَكِنَّ جَمِيعَهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى وُقُوعِ التَّبْدِيلِ وَالتَّغْيِيرِ فِي كَثِيرٍ مِنْ مَعَانِيهَا، وَكَثِيرٍ مِنْ أَحْكَامِهَا. وَهَذَا مِمَّا تُسَلِّمُهُ النَّصَارَى جَمِيعُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالنُّبُوَّاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ، فَإِنَّهُمْ يُسَلِّمُونَ أَنَّ الْيَهُودَ بَدَّلُوا كَثِيرًا مِنْ مَعَانِيهَا وَأَحْكَامِهَا. وَمِمَّا تُسَلِّمُهُ النَّصَارَى فِي فِرَقِهِمْ، أَنَّ كُلَّ فِرْقَةٍ تُخَالِفُ الْأُخْرَى فِيمَا تُفَسِّرُ بِهِ الْكُتُبَ الْمُتَقَدِّمَةَ، وَمِمَّا تُسَلِّمُهُ الْيَهُودُ أَنَّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ النَّصَارَى تُفَسِّرُ التَّوْرَاةَ وَالنُّبُوَّاتِ الْمُتَقَدِّمَةَ عَلَى الْإِنْجِيلِ بِمَا يُخَالِفُ مَعَانِيهَا وَأَنَّهَا بَدَّلَتْ أَحْكَامَ التَّوْرَاةِ فَصَارَ تَبْدِيلُ كَثِيرٍ مِنْ مَعَانِي الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَالْيَهُودِ، وَالنَّصَارَى. وَأَمَّا تَغْيِيرُ بَعْضِ أَلْفَاظِهَا فَفِيهِ نِزَاعٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ. وَالصَّوَابُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّهُ بُدِّلَ بَعْضُ أَلْفَاظِهَا، كَمَا ذُكِرَ ذَلِكَ فِي مَوَاضِعِهِ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ قِيَاسَهُمْ كُتُبَهُمْ عَلَى الْقُرْآنِ وَأَنَّهُ كَمَا

стр. 842

لَا تُسْمَعُ دَعْوَى التَّبْدِيلِ فِيهِ، فَكَذَلِكَ فِي كُتُبِهِمْ - قِيَاسٌ بَاطِلٌ فِي مَعْنَاهُ وَلَفْظِهِ. أَمَّا مَعْنَاهُ: فَكُلُّ مَا أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ مِنْ دِينِهِمْ إِجْمَاعًا ظَاهِرًا مَعْرُوفًا عِنْدَهُمْ فَهُوَ مَنْقُولٌ عَنِ الرَّسُولِ نَقْلًا مُتَوَاتِرًا، بَلْ مَعْلُومًا بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِهِ، فَإِنَّ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ، وَالزَّكَاةَ، وَصِيَامَ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَحَجَّ الْبَيْتِ الْعَتِيقِ، وَوُجُوبَ الْعَدْلِ وَالصِّدْقِ، وَتَحْرِيمَ الشِّرْكِ وَالْفَوَاحِشِ وَالظُّلْمِ، بَلْ وَتَحْرِيمَ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَالرِّبَا، وَغَيْرَ ذَلِكَ مَنْقُولٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ (نَقْلًا مُتَوَاتِرًا كَنَقْلِ أَلْفَاظِ الْقُرْآنِ الدَّالَّةِ عَلَى ذَلِكَ. وَمِنْ هَذَا الْبَابِ عُمُومُ رِسَالَتِهِ ﷺ ) وَأَنَّهُ مَبْعُوثٌ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَغَيْرِ أَهْلِ الْكِتَابِ، بَلْ إِلَى الثَّقَلَيْنِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ وَأَنَّهُ كَانَ يُكَفِّرُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى الَّذِينَ لَمْ يَتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ كَمَا كَانَ يُكَفِّرُ غَيْرَهُمْ مِمَّنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِذَلِكَ وَأَنَّهُ جَاهَدَهُمْ وَأَمَرَ بِجِهَادِهِمْ. فَالْمُسْلِمُونَ - عِنْدَهُمْ مَنْقُولًا عَنْ نَبِيِّهِمْ نَقْلًا مُتَوَاتِرًا - ثَلَاثَةُ أُمُورٍ: لَفْظُ الْقُرْآنِ وَمَعَانِيهِ الَّتِي أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهَا وَالسُّنَّةُ الْمُتَوَاتِرَةُ وَهِيَ الْحِكْمَةُ الَّتِي أَنْزَلَهَا اللَّهُ عَلَيْهِ غَيْرَ الْقُرْآنِ. كَمَا قَالَ - تَعَالَى -:

стр. 843

﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [البقرة: ١٥١] . وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [النساء: ١١٣] . وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [البقرة: ٢٣١] . وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: ٣٤] . وَبِذَلِكَ دَعَا الْخَلِيلُ حَيْثُ قَالَ لَمَّا بَنَى - هُوَ وَإِسْمَاعِيلُ - الْكَعْبَةَ

стр. 844

بِأَرْضِ فَارَانَ الْمَذْكُورَةِ فِي الْكِتَابِ الْأَوَّلِ قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧] (١٢٧) ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٨] (١٢٨) ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٩] . وَقَالَ ﷺ : ( «أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ» ) .

стр. 845

فَالْمُسْلِمُونَ عِنْدَهُمْ نَقْلٌ مُتَوَاتِرٌ عَنْ نَبِيِّهِمْ بِأَلْفَاظِ الْقُرْآنِ وَمَعَانِيهِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا وَبِالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ عَنْهُ مِثْلُ: كَوْنِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْعِشَاءِ أَرْبَعًا، وَكَوْنِ الْمَغْرِبِ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ، وَكَوْنِ الصُّبْحِ رَكْعَتَيْنِ وَمِثْلُ الْجَهْرِ فِي الْعِشَائَيْنِ وَالْفَجْرِ وَالْمُخَافَتَةِ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَمِثْلُ كَوْنِ الرَّكْعَةِ فِيهَا سَجْدَتَيْنِ، وَكَوْنِ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ سَبْعًا، وَرَمْيِ الْجَمَرَاتِ كُلُّ وَاحِدَةٍ سَبْعُ حَصَيَاتٍ وَأَمْثَالُ ذَلِكَ. وَأَيْضًا فَالْمُسْلِمُونَ يَحْفَظُونَ الْقُرْآنَ فِي صُدُورِهِمْ حِفْظًا يَسْتَغْنُونَ بِهِ عَنِ الْمَصَاحِفِ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «إِنَّ رَبِّي قَالَ لِي إِنِّي مُنَزِّلٌ عَلَيْكَ كِتَابًا لَا يَغْسِلُهُ الْمَاءُ تَقْرَأُهُ نَائِمًا وَيَقْظَانًا» . يَقُولُ: وَلَوْ غُسِلَ بِالْمَاءِ مِنَ الْمَصَاحِفِ لَمْ يُغْسَلْ مِنَ الْقُلُوبِ كَالْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ، فَإِنَّهُ لَوْ عُدِمَتْ نُسَخُهَا لَمْ يُوجَدْ مَنْ يَنْقُلُهَا نَقْلًا مُتَوَاتِرًا مَحْفُوظَةً فِي الصُّدُورِ. وَالْقُرْآنُ مَا زَالَ مَحْفُوظًا فِي الصُّدُورِ نَقْلًا مُتَوَاتِرًا حَتَّى لَوْ أَرَادَ مُرِيدٌ أَنْ يُغَيِّرَ شَيْئًا مِنَ الْمَصَاحِفِ، وَعَرَضَ ذَلِكَ عَلَى صِبْيَانِ الْمُسْلِمِينَ
следующие страницы →