Полный текст (2 831 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.
стр. 946
الْمَقْصُودَ دُعَاءُ أَصْحَابِهَا، كَمَا فَعَلَهُ جُهَّالُ الْمُشْرِكِينَ، وَإِنْ كَانَ فِي هَذَا جَمِيعِهِ إِنَّمَا يَعْبُدُونَ الشَّيْطَانَ وَإِنْ كَانُوا لَا يَقْصِدُونَ عِبَادَتَهُ، فَإِنَّهُ قَدْ يَتَصَوَّرُ لَهُمْ فِي صُورَةٍ مَا يَظُنُّونَ أَنَّهَا صُورَةُ الَّذِي يُعَظِّمُونَهُ، وَيَقُولُ: أَنَا الْخَضِرُ، أَنَا الْمَسِيحُ، أَنَا جِرْجِسُ، أَنَا الشَّيْخُ فُلَانٌ.
كَمَا قَدْ وَقَعَ هَذَا لِغَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ وَالنَّصَارَى، وَقَدْ يَدْخُلُ الشَّيْطَانُ فِي بَعْضِ التَّمَاثِيلِ فَيُخَاطِبُهُمْ، وَقَدْ يَقْضِي بَعْضَ حَاجَاتِهِمْ، فَبِهَذَا السَّبَبِ وَأَمْثَالِهِ ظَهَرَ الشِّرْكُ قَدِيمًا وَحَدِيثًا، وَفَعَلَ النَّصَارَى وَأَشْبَاهُهُمْ مَا فَعَلُوهُ مِنَ الشِّرْكِ.
وَأَمَّا الْأَنْبِيَاءُ وَالرُّسُلُ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَسَلَامُهُ - فَنَهَوْا عَنْ هَذَا كُلِّهِ وَلَمْ يَشْرَعْ أَحَدٌ مِنْهُمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، وَالنَّصَارَى لَا يَأْمُرُونَ بِتَعْظِيمِ الْأَوْثَانِ الْمُجَسَّدَةِ، وَلَكِنْ بِتَعْظِيمِ التَّمَاثِيلِ الْمُصَوَّرَةِ، فَلَيْسُوا عَلَى التَّوْحِيدِ الْمَحْضِ، وَلَيْسُوا كَالْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ الْأَوْثَانَ وَيُكَذِّبُونَ الرُّسُلَ، فَلِهَذَا جَعَلَهُمُ اللَّهُ نَوْعًا مِنْ غَيْرِ الْمُشْرِكِينَ تَارَةً، وَذَمَّهُمْ عَلَى مَا أَحْدَثُوهُ مِنَ الشِّرْكِ تَارَةً.
وَإِذَا أَطْلَقَ لَفْظَ الشِّرْكِ فَطَائِفَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ تُدْخِلُ فِيهِ جَمِيعَ الْكُفَّارِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَغَيْرِهِمْ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -:
﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة: ٢٢١] .
стр. 947
فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَجْعَلُ اللَّفْظَ عَامًّا لِجَمِيعِ الْكُفَّارِ، وَلَا سِيَّمَا النَّصَارَى ثُمَّ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يَنْهَى عَنْ نِكَاحِ هَؤُلَاءِ، كَمَا كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، يَنْهَى عَنْ نِكَاحِ النَّصْرَانِيَّةِ، وَيَقُولُ: لَا أَعْلَمُ شِرْكًا أَعْظَمَ مِنْ أَنْ تَقُولَ: إِنَّ عِيسَى رَبُّهَا.
وَهَذَا قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنَ الشِّيعَةِ وَغَيْرِهِمْ.
وَأَمَّا جُمْهُورُ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، فَيُجَوِّزُونَ نِكَاحَ الْكِتَابِيَّاتِ وَيُبِيحُونَ ذَبَائِحَهُمْ لَكِنْ إِذَا قَالُوا لَفْظُ الْمُشْرِكِينَ عَامٌّ قَالُوا: هَذِهِ الْآيَةُ
стр. 948
مَخْصُوصَةٌ أَوْ مَنْسُوخَةٌ بِآيَةِ الْمَائِدَةِ وَهُوَ قَوْلُهُ - تَعَالَى -:
﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾ [المائدة: ٥] .
وَطَائِفَةٌ أُخْرَى تَجْعَلُ لَفْظَ الْمُشْرِكِينَ إِذَا أُطْلِقَ لَا يَدْخُلُ فِيهِ أَهْلُ الْكِتَابِ.
وَأَمَّا كَوْنُ النَّصَارَى فِيهِمْ شِرْكٌ كَمَا ذَكَرَهُ اللَّهُ فَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، كَمَا نَطَقَ بِهِ الْقُرْآنُ كَمَا أَنَّ الْمُسْلِمِينَ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ:
﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ [المائدة: ٨٢] .
أَنَّ النَّصَارَى لَمْ يَدْخُلُوا فِي لَفْظِ الَّذِينَ أَشْرَكُوا كَمَا لَمْ يَدْخُلُوا فِي لَفْظِ الْيَهُودِ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ:
﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ [البينة: ١] .
وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَهَذَا لِأَنَّ اللَّفْظَ الْوَاحِدَ تَتَنَوَّعُ دَلَالَتُهُ بِالْإِفْرَادِ وَالِاقْتِرَانِ
стр. 949
فَيَدْخُلُ فِيهِ مَعَ الْإِفْرَادِ وَالتَّجْرِيدِ مَا لَا يَدْخُلُ فِيهِ عِنْدَ الِاقْتِرَانِ بِغَيْرِهِ، كَلَفْظِ الْمَعْرُوفِ وَالْمُنْكَرِ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -:
﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الأعراف: ١٥٧] .
فَإِنَّهُ هُنَا يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ فَإِنَّهُ مَعْرُوفٌ، وَجَمِيعَ مَا نَهَى عَنْهُ فَإِنَّهُ مُنْكَرٌ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: ١١٤] .
فَهُنَا قَرَنَ الصَّدَقَةَ بِالْمَعْرُوفِ وَالْإِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ.
وَكَذَلِكَ الْمُنْكَرُ فِي قَوْلِهِ:
﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] .
قَرَنَ الْفَحْشَاءَ بِالْمُنْكَرِ، وَقَوْلِهِ:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠] .
قَرَنَ الْفَحْشَاءَ بِالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ.
وَكَذَلِكَ لَفْظُ الْبِرِّ وَالْإِيمَانِ، إِذَا أَفْرَدَهُ أَدْخَلَ فِيهِ الْأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ وَالتَّقْوَى، كَقَوْلِهِ:
стр. 950
﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: ١٧٧] .
وَقَالَ:
﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣] .
وَقَوْلِهِ:
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: ٢] .
وَقَدْ يُقْرِنُهُ بِغَيْرِهِ كَقَوْلِهِ:
﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] .
وَقَوْلِهِ:
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٧] .
وَكَذَلِكَ لَفْظُ الْفَقِيرِ، وَالْمِسْكِينِ إِذَا أُفْرِدَ أَحَدُهُمَا دَخَلَ فِيهِ مَعْنَى الْآخَرِ.
وَقَدْ يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا فِي قَوْلِهِ:
﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠] .
стр. 951
فَيَكُونَانِ هُنَا صِنْفَيْنِ، وَفِي تِلْكَ الْمَوَاضِعِ صِنْفٌ وَاحِدٌ، فَكَذَلِكَ لَفْظُ الشِّرْكِ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ:
﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨] .
يَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ الْكُفَّارِ، أَهْلُ الْكِتَابِ وَغَيْرُهُمْ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ لِأَنَّهُ أَفْرَدَهُ وَجَرَّدَهُ، وَإِنْ كَانُوا إِذَا قُرِنَ بِأَهْلِ الْكِتَابِ كَانَا صِنْفَيْنِ.
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ بُرَيْدَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : «كَانَ إِذَا أَرْسَلَ أَمِيرًا عَلَى سَرِيَّةٍ، أَوْ جَيْشٍ أَوْصَاهُ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَأَوْصَاهُ بِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا، وَقَالَ لَهُمْ: اغْزُوا بِسْمِ اللَّهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ، اغْزُوا وَلَا تَغُلُّوا، وَلَا تَغْدِرُوا وَلَا تُمَثِّلُوا، وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا، وَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إِلَى إِحْدَى خِلَالٍ ثَلَاثٍ - فَإِنْ هُمْ أَجَابُوكَ إِلَيْهَا فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمُ - ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ فَإِنْ أَجَابُوكَ إِلَى ذَلِكَ، فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، وَكُفَّ عَنْهُمْ ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ إِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ فَإِنَّ لَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ
стр. 952
وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَيْهِمْ، فَإِنْ أَبَوْا أَنْ يَتَحَوَّلُوا مِنْهَا فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ كَأَعْرَابِ الْمُسْلِمِينَ يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ اللَّهِ الَّذِي يَجْرِي عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَلَيْسَ لَهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ وَالْفَيْءِ نَصِيبٌ، إِلَّا أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَاسْأَلْهُمُ الْجِزْيَةَ، فَإِنْ هُمْ أَجَابُوا فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ» .
وَهَذَا الْحَدِيثُ كَانَ بَعْدَ نُزُولِ آيَةِ الْجِزْيَةِ، وَهِيَ إِنَّمَا نَزَلَتْ عَامَ تَبُوكٍ لَمَّا قَاتَلَ النَّبِيُّ ﷺ النَّصَارَى بِالشَّامِ، وَالْيَهُودَ بِالْيَمَنِ.
وَهَذَا الْحُكْمُ ثَابِتٌ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، وَلَكِنْ تَنَازَعُوا فِي الْجِزْيَةِ: هَلْ تُؤْخَذُ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْكِتَابِ؟ وَهَذَا مَبْسُوطٌ فِي مَوْضِعِهِ.
стр. 953
[فَصْلٌ: رَدُّ دَعْوَى النَّصَارَى أَنَّ الْقُرْآنَ سَوَّى بَيْنَ جَمِيعِ الْأَدْيَانِ]
قَالُوا وَقَالَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ:
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٦٢] .
فَسَاوَى بِهَذَا الْقَوْلِ بَيْنَ سَائِرِ النَّاسِ: الْيَهُودِ وَالْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِمْ.
وَالْجَوَابُ أَنْ يُقَالَ:
أَوَّلًا: لَا حُجَّةَ لَكُمْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى مَطْلُوبِكُمْ، فَإِنَّهُ يُسَوِّي بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الْيَهُودِ وَالصَّابِئِينَ، وَأَنْتُمْ مَعَ الْمُسْلِمِينَ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْيَهُودَ
стр. 954
كُفَّارٌ مِنْ حِينِ بُعِثَ الْمَسِيحُ إِلَيْهِمْ فَكَذَّبُوهُ.
وَكَذَلِكَ الصَّابِئُونَ مِنْ حِينِ بُعِثَ إِلَيْهِمْ رَسُولٌ فَكَذَّبُوهُ، فَهُمْ كُفَّارٌ. فَإِنْ كَانَ فِي الْآيَةِ مَدْحٌ لِدِينِكُمُ الَّذِي أَنْتُمْ عَلَيْهِ بَعْدَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ فَفِيهَا مَدْحُ دِينِ الْيَهُودِ أَيْضًا، وَهَذَا بَاطِلٌ عِنْدَكُمْ وَعِنْدَ الْمُسْلِمِينَ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا مَدْحُ الْيَهُودِ بَعْدَ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ فَلَيْسَ فِيهَا مَدْحٌ لِدِينِ النَّصَارَى بَعْدَ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ.
وَكَذَلِكَ يُقَالُ لِلْيَهُودِيِّ، إِنِ احْتَجَّ بِهَا عَلَى صِحَّةِ دِينِهِ.
وَأَيْضًا، فَإِنَّ النَّصَارَى يُكَفِّرُونَ الْيَهُودَ، فَإِنْ كَانَ دِينُهُمْ حَقًّا لَزِمَ كُفْرُ الْيَهُودِ، وَإِنْ كَانَ بَاطِلًا لَزِمَ بُطْلَانُ دِينِهِمْ فَلَابُدَّ مِنْ بُطْلَانِ أَحَدِ الدِّينَيْنِ فَيَمْتَنِعُ أَنْ تَكُونَ الْآيَةُ مَدَحَتْهُمَا، وَقَدْ سَوَّتْ بَيْنَهُمَا.
فَعُلِمَ أَنَّهَا لَمْ تَمْدَحْ وَاحِدًا مِنْهُمَا بَعْدَ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ، وَإِنَّمَا مَعْنَى الْآيَةِ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ ، وَالَّذِينَ هَادُوا الَّذِينَ اتَّبَعُوا مُوسَى ﵇، وَهُمُ الَّذِينَ كَانُوا عَلَى شَرْعِهِ قَبْلَ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ، وَالنَّصَارَى الَّذِينَ اتَّبَعُوا الْمَسِيحَ ﵇، وَهُمُ الَّذِينَ كَانُوا عَلَى شَرِيعَتِهِ قَبْلَ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ.
стр. 955
وَالصَّابِئِينَ وَهُمُ الصَّابِئُونَ الْحُنَفَاءُ، كَالَّذِينَ كَانُوا مِنَ الْعَرَبِ وَغَيْرِهِمْ عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ قَبْلَ التَّبْدِيلِ وَالنَّسْخِ.
فَإِنَّ الْعَرَبَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَغَيْرِهِ الَّذِينَ كَانُوا جِيرَانَ الْبَيْتِ الْعَتِيقِ الَّذِي بَنَاهُ إِبْرَاهِيمُ وَإِسْمَاعِيلُ كَانُوا حُنَفَاءَ عَلَى مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَى أَنْ غَيَّرَ دِينَهُ بَعْضُ وُلَاةِ خُزَاعَةَ، وَهُوَ عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ غَيَّرَ دِينَ إِبْرَاهِيمَ بِالشِّرْكِ، وَتَحْرِيمِ مَا لَمْ يُحَرِّمْهُ اللَّهُ، وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «رَأَيْتُ عَمْرَو بْنَ لُحَيٍّ يَجُرُّ قَصَبَهُ - أَيْ أَمْعَاءَهُ - فِي النَّارِ وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ بَحَّرَ الْبَحِيرَةَ، وَسَيَّبَ
стр. 956
السَّوَائِبَ، وَغَيَّرَ دِينَ إِبْرَاهِيمَ» .
وَكَذَلِكَ بَنُو إِسْحَاقَ الَّذِينَ كَانُوا قَبْلَ مَبْعَثِ مُوسَى مُتَمَسِّكِينَ بِدِينِ إِبْرَاهِيمَ كَانُوا مِنَ السُّعَدَاءِ الْمَحْمُودِينَ، فَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَانُوا عَلَى دِينِ مُوسَى وَالْمَسِيحِ وَإِبْرَاهِيمَ، وَنَحْوُهُمْ هُمُ الَّذِينَ مَدَحَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٦٢] .
فَأَهْلُ الْكِتَابِ بَعْدَ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ لَيْسُوا مِمَّنْ آمَنَ بِاللَّهِ، وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا، كَمَا قَالَ - تَعَالَى -:
стр. 957
﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] .
وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ كَفَّرَ أَهْلَ الْكِتَابِ الَّذِينَ بَدَّلُوا دِينَ مُوسَى وَالْمَسِيحِ، وَكَذَّبُوا بِالْمَسِيحِ أَوْ بِمُحَمَّدٍ ﷺ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، وَتِلْكَ آيَاتٌ صَرِيحَةٌ، وَنُصُوصٌ كَثِيرَةٌ، وَهَذَا مُتَوَاتِرٌ مَعْلُومٌ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ .
وَلَكِنَّ هَؤُلَاءِ النَّصَارَى سَلَكُوا فِي الْقُرْآنِ مَا سَلَكُوهُ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، يَدَعُونَ النُّصُوصَ الْمُحْكَمَةَ الصَّرِيحَةَ الْبَيِّنَةَ الْوَاضِحَةَ الَّتِي لَا تَحْتَمِلُ إِلَّا مَعْنًى وَاحِدًا، وَيَتَمَسَّكُونَ بِالْمُتَشَابِهِ الْمُحْتَمَلِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى خِلَافِ مُرَادِهِمْ، كَمَا قَالَ - تَعَالَى - فِيهِمْ وَفِي أَمْثَالِهِمْ:
﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧] .
стр. 958
[فَصْلٌ: رَدُّ دَعْوَاهُمْ أَنَّهُ لَا يَلِيقُ بِهِمْ أَنْ يَتْرُكُوا كَلِمَةَ اللَّهِ عِنْدَهُمُ الَّتِي عَظَّمَهَا الْقُرْآنُ]
قَالُوا: ثُمَّ مَدَحَ قَرَابِينَنَا وَتَوَّعَدَنَا إِنْ أَهْمَلْنَا مَا مَعَنَا وَكَفَرْنَا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا أَنْ يُعَذِّبَنَا عَذَابًا أَلِيمًا لَمْ يُعَذِّبْهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ:
﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ١١٢] (١١٢) ﴿قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة: ١١٣] (١١٣) ﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ﴾ [المائدة: ١١٤] (١١٤) ﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ١١٥] .
فَالْمَائِدَةُ هِيَ الْقُرْبَانُ الْمُقَدَّسُ الَّذِي يُتَقَرَّبُ بِهِ فِي كُلِّ قُدَّاسٍ.
стр. 959
وَالْجَوَابُ أَنْ يُقَالَ:
هَذَا كَذِبٌ ظَاهِرٌ عَلَى الْقُرْآنِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، كَمَا كَذَبْتُمْ عَلَيْهِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي الْآيَاتِ ذِكْرُ قَرَابِينِكُمْ الْبَتَّةَ، وَإِنَّمَا فِيهِ ذِكْرُ الْمَائِدَةِ الَّتِي أَنْزَلَهَا اللَّهُ - تَعَالَى - فِي عَهْدِ الْمَسِيحِ ﵇، وَقَوْلُهُمْ: الْمَائِدَةُ هِيَ الْقُرْبَانُ الَّذِي يُتَقَرَّبُ بِهِ فِي كُلِّ قُدَّاسٍ، هُوَ أَوَّلًا: قَوْلٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وَثَانِيًا: هُوَ قَوْلٌ مَعْلُومُ الْفَسَادِ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ نَقَلُوا هَذَا الْقُرْآنَ عَنْ مُحَمَّدٍ ﷺ لَفْظَهُ وَمَعْنَاهُ، فَإِنَّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْمَائِدَةَ مَائِدَةٌ أَنْزَلَهَا اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى عَهْدِ الْمَسِيحِ ﵇، وَقِصَّتُهَا مَشْهُورَةٌ فِي عَامَّةِ الْكُتُبِ تَعْرِفُهَا الْعَامَّةُ وَالْخَاصَّةُ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ إِنَّهَا قَرَابِينُ النَّصَارَى، وَلَيْسَ فِي لَفْظِ الْآيَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، بَلْ يَدُلُّ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْآيَةَ تُبَيِّنُ أَنَّ الْمَائِدَةَ مُنَزَّلَةٌ مِنَ السَّمَاءِ وَقَرَابِينُهُمْ هِيَ عِنْدَهُمْ فِي الْأَرْضِ لَمْ تَنْزِلْ مِنَ السَّمَاءِ.
وَفِي الْآيَةِ أَنَّ عِيسَى قَالَ:
﴿اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ﴾ [المائدة: ١١٤] (١١٤) ﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ١١٥] .
стр. 960
وَفِي أَوَّلِ الْكَلَامِ:
﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ١١٢] (١١٢) ﴿قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة: ١١٣] .
فَأَيْنَ هَذَا مِنْ قَرَابِينِهِمُ الْمَوْجُودَةِ الْيَوْمَ؟
стр. 961
[فَصْلٌ: تَكْرِيمُ الْإِسْلَامِ لِلْمَسِيحِ عَبْدِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ]
قَالُوا: وَلِمَا تَقَدَّمَ بِهِ الْقَوْلُ لِأَنَّهُ غَيْرُ لَائِقٍ عِنْدَ ذَوِي الْأَلْبَابِ أَنْ نُهْمِلَ رُوحَ الْقُدُسِ وَكَلِمَةَ اللَّهِ الَّذِي شَهِدَ لَهُمَا فِي هَذَا الْكِتَابِ بِالْعَظَائِمِ، فَقَالَ عَنْ كَلِمَةِ اللَّهِ:
﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٥٩] .
وَالْجَوَابُ:
إِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - لَمْ يَبْعَثْ مُحَمَّدًا ﷺ بِإِهْمَالِ مَا يَجِبُ مِنْ حَقِّ الْمَسِيحِ ﵇، بَلْ أَمَرَهُ بِالْإِيمَانِ بِالْمَسِيحِ وَبِمَا جَاءَ بِهِ، كَمَا أَمَرَهُ بِالْإِيمَانِ بِمُوسَى وَبِمَا جَاءَ بِهِ وَكَمَا أَمَرَ الْمَسِيحَ بِالْإِيمَانِ بِمُوسَى وَبِمَا جَاءَ بِهِ وَلَكِنَّهُ أَمَرَ بِإِهْمَالِ مَا ابْتُدِعَ مِنَ الدِّينِ الَّذِي لَمْ يَشْرَعْهُ اللَّهُ عَلَى لِسَانِ الْمَسِيحِ ﵇، وَمَا نَسَخَهُ اللَّهُ مِنْ شَرْعِهِ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، فَيُهْمِلُ الْمُبَدَّلَ وَالْمَنْسُوخَ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ
стр. 962
الْمَسِيحَ أَنْ يُهْمِلَ مَا ابْتَدَعَتْهُ الْيَهُودُ مِنَ الدِّينِ الَّذِي لَمْ يَشْرَعْهُ، وَمَا نَسَخَهُ مِنْ شَرْعِ مُوسَى.
فَكَمَا أَمَرَ الْمَسِيحَ أَنْ يُهْمِلَ الْمُبَدَّلَ وَالْمَنْسُوخَ مِنَ التَّوْرَاةِ الَّتِي جَاءَ بِهَا مُوسَى ﵇، وَلَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ إِهْمَالٌ لِمَا يَجِبُ مِنْ حَقِّ التَّوْرَاةِ وَمُوسَى ﵇، فَكَذَلِكَ إِذَا أُهْمِلَ الْمُبَدَّلُ وَالْمَنْسُوخُ مِنْ دِينِ أَهْلِ الْإِنْجِيلِ، لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ إِهْمَالٌ لِمَا يَجِبُ مِنْ حَقِّ الْإِنْجِيلِ وَالْمَسِيحِ، بَلْ مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ يَتَضَمَّنُ الْإِيمَانَ بِجَمِيعِ الْكُتُبِ وَالرُّسُلِ، وَأَنْ لَا نُفَرِّقَ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ كَمَا قَالَ - تَعَالَى -:
﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٦] .
وَالنَّصَارَى كَالْيَهُودِ، آمَنُوا بِبَعْضٍ وَكَفَرُوا بِبَعْضٍ، فَأَيُّمَا هُوَ اللَّائِقُ عِنْدَ أُولِي الْأَلْبَابِ، أَنْ نُؤْمِنَ بِجَمِيعِ كُتُبِ اللَّهِ وَرُسُلِهِ، أَوْ نُؤْمِنَ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرَ بِبَعْضٍ وَأَيُّمَا هُوَ اللَّائِقُ عِنْدَ أُولِي الْأَلْبَابِ أَنْ نَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَنَعْبُدُهُ بِمَا شَرَعَهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ، أَوْ نَبْتَدِعَ مِنَ الشِّرْكِ وَالْعِبَادَاتِ الْمُبْتَدَعَةِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ اللَّهُ كِتَابًا وَلَا بَعَثَ بِهِ رَسُولًا وَنُضَاهِي الْمُشْرِكِينَ عُبَّادَ الْأَوْثَانِ؟
стр. 963
قَالَ - تَعَالَى -:
﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة: ٣٠] .
وَقَالَ - تَعَالَى -:
﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤] .
فَالْمُسْلِمُونَ لَمْ يُهْمِلُوا رُوحَ الْقُدُسِ، وَكَلِمَةَ اللَّهِ، وَقَدْ قَالَ - تَعَالَى - عَنْ كَلِمَةِ اللَّهِ:
﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء: ١٥٩] .
، بَلْ هُمُ الَّذِينَ اتَّبَعُوا دِينَهُ وَدِينَ الرُّسُلِ قَبْلَهُ فَإِنَّ دِينَ الْأَنْبِيَاءِ ﵈ جَمِيعِهِمْ وَاحِدٌ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ
стр. 964
- ﷺ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّا مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ دِينُنَا وَاحِدٌ.
وَقَدْ قَالَ - تَعَالَى -:
﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣] .
فَدِينُ الْمُرْسَلِينَ كُلِّهِمْ دِينٌ وَاحِدٌ، وَيَتَنَوَّعُ شَرْعُهُمْ وَمَنَاهِجُهُمْ كَتَنَوُّعِ شَرِيعَةِ الرَّسُولِ الْوَاحِدِ، فَإِنَّ دِينَ الْمَسِيحِ هُوَ دِينُ مُوسَى، وَهُوَ دِينُ الْخَلِيلِ قَبْلَهُمَا، وَدِينُ مُحَمَّدٍ بَعْدَهُمَا، مَعَ أَنَّ الْمَسِيحَ كَانَ عَلَى شَرِيعَةِ التَّوْرَاةِ ثُمَّ نَسَخَ اللَّهُ عَلَى لِسَانِهِ مَا نَسَخَ مِنْهَا وَهُوَ قَبْلَ النَّسْخِ وَبَعْدَهُ دِينُهُ دِينُ مُوسَى وَلَمْ يُهْمِلْ دِينَ مُوسَى.
كَذَلِكَ الْمُسْلِمُونَ هُمْ عَلَى دِينِ الْمَسِيحِ وَمُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ وَسَائِرِ الرُّسُلِ وَهُمُ الَّذِينَ اتَّبَعُوا الْمَسِيحَ وَلِهَذَا جَعَلَهُمُ اللَّهُ فَوْقَ النَّصَارَى إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
وَالنَّصَارَى الَّذِينَ بَدَّلُوا دِينَ الْمَسِيحِ وَكَذَّبُوا مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ
стр. 965
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَرِيئُونَ مِنْ دِينِ الْمَسِيحِ وَالْمَسِيحُ بَرِيءٌ مِنْهُمْ، كَبَرَاءَةِ مُوسَى مِمَّنْ بَدَّلَ وَغَيَّرَ دِينَهُ وَكَذَّبَ الْمَسِيحَ.
وَالْمُسْلِمُونَ أَشَدُّ تَعْظِيمًا لِلْمَسِيحِ ﵇ وَاتِّبَاعًا لَهُ بِالْحَقِّ مِمَّنْ بَدَّلَ دِينَهُ وَخَالَفَهُ مِنَ النَّصَارَى، فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ يُصَدِّقُونَهُ فِي كُلِّ مَا أَخْبَرَ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ وَلَا يُحَرِّفُونَ مَا قَالَهُ عَنْ مَوَاضِعِهِ، وَلَا يُفَسِّرُونَ كَلَامَهُ بِغَيْرِ مُرَادِهِ، وَكَلَامَ غَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ كَمَا فَعَلَتِ النَّصَارَى، فَإِنَّهُمْ نَقَلُوا عَنِ الْمَسِيحِ أَنَّهُ قَالَ عَمِّدُوا النَّاسَ بِاسْمِ الْأَبِ وَالِابْنِ وَرُوحِ الْقُدُسِ، وَهَذَا إِذَا قَالَهُ الْمَسِيحُ فَإِنَّهُ يُفَسَّرُ بِلُغَتِهِ وَعَادَتِهِ فِي خِطَابِهِ وَعَادَةِ سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ، (وَلَيْسَ فِي كَلَامِ الْمَسِيحِ وَلَا فِي كَلَامِ سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ وَلَا كَلَامِ غَيْرِهِمْ أَنَّ كَلِمَةَ اللَّهِ) الْقَائِمَةَ بِذَاتِهِ سُبْحَانَهُ وَ - تَعَالَى - تُسَمَّى ابْنًا، وَلَا رُوحَ قُدُسٍ، وَلَا تُسَمَّى صِفَتُهُ الْقَدِيمَةُ ابْنًا، وَلَا رُوحَ قُدُسٍ، وَلَا يُوجَدُ قَطُّ فِي كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ اسْمُ الِابْنِ وَاقِعًا إِلَّا عَلَى مَخْلُوقٍ.
وَالْمُرَادُ فِي تِلْكَ اللُّغَةِ أَنَّهُ مُصْطَفًى مَحْبُوبٌ لِلَّهِ، كَمَا يَنْقُلُونَهُ أَنَّهُ قَالَ لِإِسْرَائِيلَ: (أَنْتَ ابْنِي بِكْرِي) ، وَلَدَاوُدَ (أَنْتَ ابْنِي
стр. 966
وَحَبِيبِي) ، وَأَنَّ الْمَسِيحَ قَالَ لِلْحَوَارِيِّينَ (أَبِي وَأَبِيكُمْ) ، فَجَعَلَهُ أَبًا لِلْجَمِيعِ، وَهُمْ كُلُّهُمْ مَخْلُوقُونَ فَيَكُونُ اسْمُ الِابْنِ وَاقِعًا عَلَى الْمَسِيحِ الَّذِي هُوَ نَاسُوتٌ مَخْلُوقٌ، فَعَمَدَ هَؤُلَاءِ الضَّلَالَ فَجَعَلُوا اسْمَ الِابْنِ وَاقِعًا عَلَى اللَّاهُوتِ، قَدِيمٌ أَزَلِيٌّ مَوْلُودٌ غَيْرُ مَخْلُوقٍ.
وَزَعَمُوا أَنَّ الِابْنَ يُرَادُ بِهِ الِابْنُ بِالْوَضْعِ، وَهُوَ الْمَخْلُوقُ، وَهُوَ الِابْنُ بِالطَّبْعِ، وَهُوَ الْقَدِيمُ الْأَزَلِيُّ الْمَوْلُودُ غَيْرُ الْمَخْلُوقِ، وَهَذَا التَّفْرِيقُ هُمْ أَحْدَثُوهُ وَابْتَدَعُوهُ وَلَا يُوجَدُ قَطُّ فِي كَلَامِ الْمَسِيحِ وَلَا غَيْرِهِ أَنَّهُ سَمَّى الْقَدِيمَ الْأَزَلِيَّ ابْنًا، وَلَا جَعَلَ لَهُ ابْنًا قَدِيمًا مَوْلُودًا غَيْرَ مَخْلُوقٍ، وَلَا سَمَّى شَيْئًا مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ قَطُّ ابْنًا.
وَكَذَلِكَ لَفْظُ رُوحِ الْقُدُسِ مَوْجُودٌ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ
стр. 967
- ﵈ لَا يُرَادُ بِهَذَا قَطُّ حَيَاةُ اللَّهِ وَلَا صِفَةٌ قَائِمَةٌ بِهِ.
وَإِنَّمَا يُرَادُ بِهِ مَا أَيَّدَ اللَّهُ بِهِ الْأَنْبِيَاءَ وَالْأَوْلِيَاءَ، وَيَجْعَلُهُ فِي قُلُوبِهِمْ مِنْ هُدَاهُ وَنُورِهِ وَوَحْيِهِ وَتَأْيِيدِهِ، وَمِمَّا يُنَزِّلُ بِذَلِكَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، وَهَذَا الَّذِي تُسَمِّيهِ الْأَنْبِيَاءُ رُوحَ الْقُدُسِ لَمْ يَخْتَصَّ بِهِ الْمَسِيحُ، بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ، بَلْ قَدْ أَنْزَلَهُ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ كَمَا هُوَ مَوْجُودٌ فِي كُتُبِهِمْ: إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ كَانَتْ فِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ، وَكَانَتْ أَيْضًا عِنْدَهُمْ فِي الْحَوَارِيِّينَ.
وَهَكَذَا خَاتَمُ الرُّسُلِ، كَانَ يَقُولُ لِحَسَّانِ بْنِ ثَابِتٍ: «إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ مَعَكَ مَا دُمْتَ تُدَافِعُ عَنْ نَبِيِّهِ» ، وَيَقُولُ «اللَّهُمَّ أَيِّدْهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ» .
وَقَدْ قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى - عَنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ:
﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] .
стр. 968
فَرُوحُ الْقُدُسِ لَا اخْتِصَاصَ لِلْمَسِيحِ ﵇ بِهَا، بَلْ مَا يُفَسَّرُ بِهِ اسْمُ الِابْنِ وَاسْمُ رُوحِ الْقُدُسِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا وُصِفَ بِهِ الْمَسِيحُ فَهُوَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ مِنَ الرُّسُلِ، وَإِذَا فَسَّرُوا الْحُلُولَ بِظُهُورِ نُورِ اللَّهِ وَعِلْمِهِ وَهُدَاهُ فِي الْأَنْبِيَاءِ فَهَذَا حَقٌّ وَهُوَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْمَسِيحِ وَغَيْرِهِ.
فَأَمَّا نَفْسُ ذَاتِ اللَّهِ فَلَمْ تَحِلَّ فِي أَحَدٍ مِنَ الْبَشَرِ.
وَالْمُسْلِمُونَ مَعَ شَهَادَتِهِمْ لِلْمَسِيحِ بِأَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ يَقُولُونَ: إِنَّهُ مُؤَيَّدٌ مَنْصُورٌ عَصَمَهُ اللَّهُ مِنْ أَعْدَائِهِ وَطَهَّرَهُ مِنْهُمْ، وَلَمْ يُسَلِّطْهُمْ عَلَيْهِ.
وَالنَّصَارَى يَدَّعُونَ أَنَّ اسْمَ الْمَسِيحِ اسْمُ اللَّاهُوتِ وَالنَّاسُوتِ وَأَنَّهُ إِلَهٌ تَامٌّ وَإِنْسَانٌ تَامٌّ، وَهَذَا يَمْتَنِعُ شَرْعًا وَعَقْلًا ثُمَّ يَصِفُونَهُ بِالصِّفَاتِ الْمُتَنَاقِضَةِ، يَصِفُونَهُ بِأَنَّ طَائِفَةً مِنْ أَشْرَارِ الْيَهُودِ وَضَعُوا الشَّوْكَ عَلَى رَأْسِهِ وَبَصَقُوا فِي وَجْهِهِ، وَأَهَانُوهُ وَصَلَبُوهُ وَفَعَلُوا بِهِ مَا لَا يُفْعَلُ بِأَخَسِّ النَّاسِ، وَيَقُولُونَ مَعَ هَذَا: إِنَّهُ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا.
стр. 969
[فَصْلٌ: نَسْخُ شَرْعِ التَّوْرَاةِ وَأَنَّ مَا جَاءَ بِهِ الْمَسِيحُ حَقٌّ]
قَالُوا ثُمَّ شَهِدَ لِقَرَابِينِنَا وَذَبَائِحِنَا أَنَّهَا مُقَدَّسَةٌ مَقْبُولَةٌ لَدَى اللَّهِ مِنْ كُتُبِ الْيَهُودِ الَّتِي فِي أَيْدِيهِمْ يَوْمَنَا هَذَا الْمُنَزَّلَةِ مِنَ اللَّهِ عَلَى أَفْوَاهِ الْأَنْبِيَاءِ الْمُرْسَلِينَ.
قَالَ أَشْعِيَا: (قَالَ اللَّهُ: إِنِّي أَعْرِفُ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَقُلُوبَهُمُ الْقَاسِيَةَ الْخَبِيثَةَ فَإِذَا أَنَا ظَهَرْتُ إِلَى الْأُمَمِ فَنَظَرُوا إِلَى كَرَامَتِي أُقِيمُ مِنْهَا أَنْبِيَاءَ وَأَبْعَثُ مِنْهُمْ مُخَلِّصِينَ يُخَلِّصُونَ الْأُمَمَ مِنَ الْبُلْدَانِ الْقَاصِيَةِ الَّذِينَ لَمْ يَسْمَعُوا بِسَمَاعِي، وَلَمْ يَعْرِفُوا مِنْ قَبْلُ كَرَامَتِي، وَيَكُونُ اسْمِي فِيهِمْ، وَيَجْلِبُونَ إِخْوَتَهُمْ مِنَ الْأُمَمِ كُلِّهَا، وَيُجِيبُونَ قَرَابِينَ اللَّهِ عَلَى الدَّوَابِّ وَالْمَرَاكِبِ إِلَى جَبَلٍ قُدْسِيٍّ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَيُقَرِّبُونَ لِي الْقَرَابِينَ بِالسَّمِيدِ، كَمَا كَانَ بَنُو إِسْرَائِيلَ مِنْ قَبْلُ وَكَذَلِكَ بَاقِي الْأُمَمِ وَتُقَرَّبُ الْقَرَابِينُ بَيْنَ يَدَيَّ، فَهُمْ وَزَرْعُهُمْ إِلَى الْأَبَدِ، وَيَحُجُّونَ فِي كُلِّ سَنَةٍ، وَفِي كُلِّ شَهْرٍ، وَمِنْ سَنَةٍ إِلَى سَنَةٍ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، بَيْتِ اللَّهِ وَيُقَرِّبُونَ لِلَّهِ رَبِّهِمْ فِيهِ قَرَابِينَ زَكِيَّةً نَقِيَّةً، يَنْظُرُونَ إِلَى الْأُمَّةِ الْخَبِيثَةِ الْمَارِدَةِ: بَنِي إِسْرَائِيلَ، لَا يَبْلَى حُزْنُهَا وَلَا يَنْقَطِعُ، بَلَاؤُهَا إِلَى الْأَبَدِ) .
стр. 970
وَقَالَ دَانْيَالُ النَّبِيُّ ﵇: (وَسَيَأْتِي عَلَى شَعْبِكَ وَقَرْيَةِ قُدْسِكَ سَبْعُونَ سَابُوعًا، وَتَنْقَضِي الذُّنُوبُ، وَتَفْنَى الْخَطَايَا وَغُفْرَانُ الْإِثْمِ، وَيُؤْتَى بِالْحَقِّ الَّذِي لَمْ يَنْزِلْ مِنْ قَبْلُ، وَتَتِمُّ نُبُوَّاتُ الْأَنْبِيَاءِ وَكُتُبُ الرُّسُلِ، وَتَبِيدُ قَرْيَةُ الْقُدْسِ وَتُخَرَّبُ مَعَ مَجِيءِ الْمَسِيحِ، وَيَفْنَى الْمِيثَاقُ الْعَتِيقُ مِنَ النَّاسِ، وَمِنْ بَعْدِ أُسْبُوعٍ وَنِصْفٍ تَبْطُلُ ذَبَائِحُ الْيَهُودِ وَقَرَابِينُهُمْ، وَتَصِيرُ عَلَى كَفِّ النَّجَاسَةِ وَالْفَسَادِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ) .
стр. 971
وَقَالَ مِيخَا النَّبِيُّ ﵇: (قَالَ اللَّهُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ إِذَا أَتَى الْمَسِيحُ يَدْعُو الْأُمَمَ الْمُبَدَّدَةَ، وَيَضَعُهُمْ شَعْبًا وَاحِدًا، وَيُبْطِلُ قِتَالَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَسِلَاحَهُمْ وَقَرَابِينَهُمْ إِلَى الْأَبَدِ) .
وَقَالَ عَامُوصُ النَّبِيُّ: (لَا تَذْبَحُوا الْعُجُولَ بَعْدُ فَإِنَّ الرَّبَّ سَيَأْتِي صِهْيُونَ وَيُحْدِثُ وَصِيَّةً جَدِيدَةً طَاهِرَةً مِنَ الْخُبْزِ النَّقِيِّ وَالْخَمْرِ الزَّكِيِّ وَيَصِيرُ بَنُو إِسْرَائِيلَ مَطْرُودِينَ) .
стр. 972
وَالْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ مَا يَحْتَجُّونَ بِهِ مِنَ النَّقْلِ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - يَحْتَاجُونَ فِيهِ إِلَى أَرْبَعِ مُقَدِّمَاتٍ: إِلَى أَنْ تُعْلَمَ نُبُوَّةُ الْمَنْقُولِ عَنْهُ، وَالَى أَنْ يُعْلَمَ لَفْظُهُ الَّذِي تَكَلَّمَ بِهِ، وَإِلَى أَنْ يُعْلَمَ مَا ذَكَرُوهُ تَرْجَمَةً صَحِيحَةً عِنْدَهُ، فَإِنَّ أُولَئِكَ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يَتَكَلَّمُوا بِالْعَرَبِيَّةِ، بَلْ وَلَا بِالرُّومِيَّةِ وَالسُّرْيَانِيَّةِ وَالْيُونَانِيَّةِ، وَإِنَّمَا تَكَلَّمُوا بِالْعِبْرِيَّةِ، كَالْمَسِيحِ ﵇.
وَالرَّابِعُ: أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ دَلِيلٌ عَلَى مَا ادَّعَوْهُ مِنْ قَبُولِ قَرَابِينِهِمْ فِي هَذَا الزَّمَانِ، وَنَحْنُ فِي هَذَا الْمَقَامِ نَقْتَصِرُ عَلَى مُنَازَعَتِهِمْ فِي هَذِهِ الْمُقَدِّمَةِ، فَلَيْسَ فِيمَا ذَكَرُوهُ دَلِيلٌ عَلَى مَدْحِ قَرَابِينِهِمْ وَذَبَائِحِهِمْ بَعْدَ التَّبْدِيلِ وَالنَّسْخِ، وَلَكِنَّ غَايَتَهَا أَنْ يَدُلَّ عَلَى مَدْحِهَا قَبْلَ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ، وَهَذَا مِمَّا لَا يُنَازِعُ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ هَذِهِ النُّعُوتَ الْمَذْكُورَةَ عَنْ " أَشْعِيَا " وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ لَا تُوَافِقُ مَا عَلَيْهِ النَّصَارَى، فَإِنَّ النَّصَارَى لَا يُقَرِّبُونَ الْقَرَابِينَ بِالسَّمِيدِ، كَمَا كَانَ بَنُو إِسْرَائِيلَ مِنْ قَبْلُ، وَلَا يَحُجُّونَ فِي كُلِّ شَهْرٍ وَمِنْ سَنَةٍ إِلَى سَنَةٍ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ بَيْتِ اللَّهِ، وَيُقَرِّبُونَ لِلَّهِ رَبِّهِمْ فِيهِ قَرَابِينَ نَقِيَّةً زَكِيَّةً، وَإِنَّمَا يَحُجُّونَ إِلَى قُمَامَةَ الْخَارِجَةِ عَنْ بَيْتِ اللَّهِ الَّذِي كَانَتِ الْأَنْبِيَاءُ تَقْصِدُهُ وَتُصَلِّي فِيهِ، فَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ إِنَّمَا كَانُوا يُصَلُّونَ فِي بَيْتِ
стр. 973
الْمَقْدِسِ، وَيَزُورُونَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ نَفْسَهُ، وَأَمَّا قُمَامَةُ فَلَيْسَ لَهَا ذِكْرٌ فِي كُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ ﵈، بَلْ إِنَّمَا ظَهَرَتْ قُمَامَةُ فِي زَمَنِ قُسْطَنْطِينَ الْمَلِكِ، لَمَّا أَظْهَرَتْهَا أُمُّهُ هِيلَانَةُ الْحَرَّانِيَّةُ لَمَّا جَاءَتْ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، وَاخْتَارَتْ مِنَ الْيَهُودِ ثَلَاثَةً، وَسَأَلَتْهُمْ أَنْ يَدُلُّوهَا عَلَى مَوْضِعِ الصَّلِيبِ فَامْتَنَعُوا، فَعَاقَبَتْهُمْ بِالْحَبْسِ وَالْجُوعِ، فَدَلُّوهَا عَلَى مَوْضِعِهِ فِي مَزْبَلَةٍ فَاسْتَخْرَجُوهُ، وَجَعَلَتْهُ فِي غِلَافٍ مِنْ ذَهَبَ وَحَمَلَتْهُ، وَبَنَتْ كَنِيسَةَ الْقُمَامَةِ فِي مَوْضِعِهِ، كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ الْبِطْرِيقِ فِي تَارِيخِهِ، وَغَيْرُهُ، كَمَا سَيَأْتِي، وَذَلِكَ بَعْدَ الْمَسِيحِ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِ مِائَةِ سَنَةٍ.
وَمِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ أَظْهَرُوا الصَّلِيبَ، وَجَعَلُوا " عِيدَ الصَّلِيبِ "، وَلَمْ يَشْرَعْ ذَلِكَ لَا الْمَسِيحُ وَلَا الْحَوَارِيُّونَ، وَهَذَا مَذْكُورٌ فِي كُتُبِهِمْ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ عُلَمَائِهِمْ، كَمَا قَدْ ذُكِرَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، وَلَا هُمْ يَأْتُونَ بِقَرَابِينَ لِلَّهِ عَلَى الدَّوَابِّ وَالْمَرَاكِبِ إِلَى جَبَلِ قُدْسِ بَيْتِ اللَّهِ الْمَقْدِسِ.
стр. 974
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ مَا ذَكَرُوهُ عَنْ " دَانْيَالَ " لَا يَتَضَمَّنُ مَدْحَ دِينِهِمْ بَعْدَ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ، وَإِنَّمَا يَتَضَمَّنُ أَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ الْمَسِيحَ ﵇ بِالْحَقِّ الَّذِي لَمْ يَزَلْ مِنْ قَبْلُ، وَهُوَ الدِّينُ الَّذِي بَعَثَ بِهِ الرُّسُلَ قَبْلَهُ، وَهُوَ عِبَادَةُ اللَّهِ وَحْدَهُ وَأَنَّ بَيْتَ الْمَقْدِسِ يُخَرَّبُ مَعَ مَجِيءِ الْمَسِيحِ، وَيَفْنَى الْمِيثَاقُ الْعَتِيقُ، يَعْنِي مَا نُسِخَ مِنْ شَرْعِ التَّوْرَاةِ، وَأَنَّهُ يُبْطِلُ ذَبَائِحَ الْيَهُودِ وَقَرَابِينَهُمْ.
وَهَذَا كُلُّهُ إِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى نَسْخِ شَرْعِ التَّوْرَاةِ، وَبُطَلَانِ دَوْلَةِ الْيَهُودِ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَسِيحَ جَاءَ بِالْحَقِّ، وَمَنِ اتَّبَعَ الْمَسِيحَ كَانَ عَلَى الْحَقِّ، وَهَذَا مِمَّا لَا يُنَازِعُ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ فَإِنَّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ مَنْ كَانَ مُتَمَسِّكًا بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمَسِيحُ فَإِنَّهُ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ وَلَكِنْ مَنْ جَاءَ بِشَرْعٍ لَمْ يَأْتِ بِهِ الْمَسِيحُ أَوْ أَرَادَ اتِّبَاعَ شَرْعِهِ بَعْدَ النَّسْخِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْيَهُودِ الَّذِينَ نَسَخَ اللَّهُ مَا نَسَخَهُ مِنْ شَرْعِهِمْ وَأَزَالَ دَوْلَتَهُمْ وَكَذَلِكَ فَعَلَ بِالنَّصَارَى لَمَّا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ أَزَالَ دَوْلَتَهُمْ عَنْ وَسَطِ الْأَرْضِ وَخِيَارِهَا وَحَيْثُ بُعِثَتِ الْأَنْبِيَاءُ كَأَرْضِ الشَّامِ وَمِصْرَ
стр. 975
وَالْجَزِيرَةِ، وَالْعِرَاقِ، وَأَرْمِينِيَّةَ، وَأَذْرَبِيجَانَ، وَأَجْلَاهُمْ إِلَى طَرَفَيِ الْأَرْضِ مِنْ جِهَةِ الشَّمَالِ وَالْجَنُوبِ، وَصَارَ الَّذِينَ فِي وَسَطِ الْأَرْضِ مِنْهُمْ أَحْسَنُ أَحْوَالِهِمْ إِذَا لَمْ يُسْلِمُوا أَنْ يُؤَدُّوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ.
وَكَذَلِكَ مَا ذَكَرُوهُ عَنْ " مِيخَا " وَ " عَامُوسَ " إِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى مَجِيءِ الْمَسِيحِ ﵇، وَبُطْلَانِ مَا نَسَخَهُ اللَّهُ وَأَبْطَلَهُ مِنْ شَرْعِ الْيَهُودِ
стр. 976
وَمُلْكِهِمْ وَلَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ دِينِ النَّصَارَى الَّذِي لَمْ يَشْرَعْهُ الْمَسِيحُ ﵇ وَلَا عَلَى صِحَّتِهِ بَعْدَ أَنْ نُسِخَ بِشَرْعِ مُحَمَّدٍ ﷺ نَسْخًا هُوَ أَبْلَغُ مِنْ نَسْخِ بَعْضِ شَرْعِ مُوسَى بِشَرْعِ الْمَسِيحِ ﵇.
هَذَا إِذَا سَمَّى الشَّرْعَ الْمُؤَقَّتَ بِغَايَةٍ مَجْهُولَةٍ نَسْخًا، فَإِنَّ الْأَوَّلَ لَمْ يُبَشِّرْ بِالثَّانِي.
وَأَمَّا إِذَا كَانَ الْأَوَّلُ بَشَّرَ بِالثَّانِي، وَكَانَتْ شَرِيعَةُ الْأَوَّلِ مُؤَقَّتَةٌ إِلَى مَجِيءِ الثَّانِي لَمْ يُسَمِّ ذَلِكَ نَسْخًا، فَالْمَسِيحُ وَمُحَمَّدٌ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا وَسَلَّمَ - لَمْ يَنْسَخَا شَيْئًا، بَلْ كَانَ شَرْعُ مُوسَى إِلَى مَجِيءِ الْمَسِيحِ، وَشَرْعُ الْمَسِيحِ إِلَى مَجِيءِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا وَسَلَّمَ -.
وَأَمَّا مَا حُكِيَ عَنْ أَشْعِيَا عَنِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ: فَإِذَا ظَهَرْتَ إِلَى الْأُمَمِ فَهَذَا قَدْ يَحْتَجُّ بِهِ النَّصَارَى وَبِأَمْثَالِهِ مِنْ كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ ﵈ عَلَى الْحُلُولِ الَّذِي ابْتَدَعُوهُ، وَهُوَ بَاطِلٌ فَإِنَّ مِثْلَ هَذَا اللَّفْظِ مَذْكُورٌ فِي كُتُبِ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ وَلَا يُرَادُ بِشَيْءٍ مِنْهَا حُلُولُ ذَاتِ اللَّهِ فِي أَحَدٍ مِنَ الْبَشَرِ، كَمَا ذُكِرَ فِي التَّوْرَاةِ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ
стр. 977
اسْتَعْلَنَ لِإِبْرَاهِيمَ وَغَيْرِهِ، وَأَنَّ اللَّهَ يَأْتِي مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ، وَيُشْرِفُ مِنْ سَاعِيرَ، وَيَسْتَعْلِنُ مِنْ جِبَالِ فَارَانَ.
وَمَعْلُومٌ عِنْدَ جَمِيعِ أَهْلِ الْمِلَلِ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَ - تَعَالَى - لَمْ يَحِلَّ فِي مُوسَى وَغَيْرِهِ لَمَّا كَلَّمَهُ، وَلَا يَحِلُّ فِي شَيْءٍ مِنْ جِبَالِ فَارَانَ مَعَ إِخْبَارِهِ أَنَّهُ اسْتَعْلَنَ مِنْهَا.
وَقَدْ قَالَ - تَعَالَى -:
﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: ٣٣] .
فَأَظْهَرَهُ بِالْعِلْمِ وَالْحُجَّةِ وَالْبَيَانِ، وَأَظْهَرَهُ بِالْيَدِ وَالسِّنَانِ، كَمَا قَالَ - تَعَالَى -:
﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور: ٣٥] .
قَالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَغَيْرُهُ: مَثَلُ نُورِهِ فِي قَلْبِ
стр. 978
الْمُؤْمِنِ.
وَقَالَ - تَعَالَى -:
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ [الحديد: ٢٨] .
وَقَالَ - تَعَالَى -:
﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: ٥٢] .
وَفِي التِّرْمِذِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «اتَّقُوا فِرَاسَةَ الْمُؤْمِنِ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ
стр. 979
بِنُورِ اللَّهِ، ثُمَّ قَرَأَ:
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥] » .
قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَقَدْ جَاءَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أَنَّ قُلُوبَ الْمُؤْمِنِينَ تُضِيءُ لِأَهْلِ السَّمَاوَاتِ كَمَا تُضِيءُ الْكَوَاكِبُ لِأَهْلِ الْأَرْضِ.
وَالْمَخْلُوقُ الَّذِي تَظْهَرُ مَحَبَّتُهُ وَذِكْرُهُ وَطَاعَتُهُ فِي بَعْضِ الْبِلَادِ، يُقَالُ فُلَانٌ قَدْ ظَهَرَ فِي هَذِهِ الْأَرْضِ، فَإِذَا ظَهَرَ ذِكْرُ اللَّهِ وَذِكْرُ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَتَوْحِيدُهُ وَآيَاتُهُ وَعِبَادَتُهُ حَتَّى امْتَلَأَتِ الْقُلُوبُ بِذَلِكَ بَعْدَ أَنْ كَانَتْ مُمْتَلِئَةً بِظُلْمَةِ الْكُفْرِ وَالشِّرْكِ، كَانَ ذَلِكَ مِمَّا أَخْبَرَ بِهِ مِنْ ظُهُورِهِ، وَهَذَا أَعْظَمُ مَا يَكُونُ فِي بُيُوتِهِ الَّتِي يُعْبَدُ فِيهَا وَيُذْكَرُ فِيهَا اسْمُهُ.
وَلِهَذَا لَمَّا ذَكَرَ - تَعَالَى - آيَةَ النُّورِ وَقَالَ: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٣٥] .
стр. 980
قَالَ عَقِبَ ذَلِكَ:
﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [النور: ٣٦] .
وَكَذَلِكَ مَا فِي الْكُتُبِ مِنْ ظُهُورِهِ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ فَهُوَ كَظُهُورِهِ بِطُورِ سَيْنَاءَ وَبِجَبَلِ فَارَانَ، وَمَعَ هَذَا فَلَمْ يَرَهُ مُوسَى وَلَا غَيْرُهُ، لَا مُجَرَّدًا وَلَا حَالًّا فِي غَيْرِهِ وَقَدْ أَخْبَرَ الْمَسِيحُ أَنَّهُ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ، كَمَا أَخْبَرَ غَيْرُهُ وَذَلِكَ نَفْيٌ عَامٌّ يُوجِبُ أَنَّهُ لَا يُرَى لَا مُجَرَّدًا، وَلَا حَالًّا فِي دَارِ الدُّنْيَا كَمَا قَدْ بُسِطَ هَذَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَمَعْلُومٌ أَنَّ مُلَابَسَةَ الشَّيْءِ أَبْلَغُ مِنْ رُؤْيَتِهِ فَإِذَا كَانَ الرَّبُّ - تَعَالَى - لَا يَرَاهُ نَاسُوتٌ فَأَنْ لَا يُلَابِسَهُ نَاسُوتٌ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى وَالنَّصَارَى يَزْعُمُونَ أَنَّهُ اتَّحَدَ هُوَ وَالنَّاسُوتُ وَهَذَا أَعْظَمُ مِنَ الرُّؤْيَةِ.
стр. 981
[فَصْلٌ: شَهَادَةُ كُتُبِ الْيَهُودِ لِعِيسَى بِالنُّبُوَّةِ شَهَادَةٌ لِمُحَمَّدٍ]
قَالُوا: فَمَاذَا يَكُونُ أَعْظَمَ مِنْ هَذَا بُرْهَانًا، وَأَقْوَى شَهَادَةً، إِذْ هَذِهِ كُتُبُ أَعْدَائِنَا الْمُخَالِفِينَ لِدِينِنَا، وَهُمْ يُقِرُّونَ بِذَلِكَ وَيَقْرَءُونَهُ فِي كَنَائِسِهِمْ، وَلَمْ يُنْكِرُوا مِنْهُ كَلِمَةً وَاحِدَةً وَلَا حَرْفًا وَاحِدًا.
وَالْجَوَابُ: أَنَّ الْأَمْرَ إِذَا كَانَ عَلَى مَا قَالُوهُ مِنْ ثُبُوتِ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ عَنْ بَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ فَلَيْسَ فِيهَا مَدْحٌ لِدِينِهِمْ بَعْدَ التَّبْدِيلِ، فَكَيْفَ بَعْدَ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ؟ وَإِنَّمَا فِيهَا إِخْبَارٌ بِزَوَالِ مُلْكِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَبِنَسْخِ مَا نُسِخَ مِنْ شَرْعِهِمْ بِمَجِيءِ الْمَسِيحِ ﵇، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى نُبُوَّةِ الْمَسِيحِ وَصِدْقِهِ وَهَذَا مِمَّا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ.
وَالْمَسِيحُ ﵇ عِنْدَهُمْ كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُ، بِقَوْلِهِ - تَعَالَى - لِمَرْيَمَ:
﴿إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ - وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ٤٥ - ٤٦] .
стр. 982
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إِنَّ هَذَا وَغَيْرَهُ مَوْجُودٌ فِي كُتُبِ أَعْدَائِنَا الْيَهُودِ.
فَيُقَالُ لَهُمْ لَا رَيْبَ أَنَّ الْيَهُودَ يُخَالِفُونَكُمْ فِي تَفْسِيرِ الْكُتُبِ، فَأَنْتُمْ تُفَسِّرُونَهَا بِشَيْءٍ، وَهُمْ يُفَسِّرُونَهَا بِشَيْءٍ آخَرَ وَقَدْ يَكُونُ كِلَا التَّفْسِيرَيْنِ بَاطِلًا وَحِينَئِذٍ فَيُقَالُ لَكُمْ كَمَا أَنَّ كُتُبَ الْأَنْبِيَاءِ شَاهِدَةٌ لِلْمَسِيحِ وَلِدِينِهِ وَإِنْ خَالَفَتْكُمُ الْيَهُودُ فِي تَفْسِيرِهَا، فَكَذَلِكَ هِيَ شَاهِدَةٌ لِمُحَمَّدٍ ﷺ وَأُمَّتِهِ، وَإِنْ خَالَفَ أَهْلُ الْكِتَابِ فِي تَفْسِيرِهَا كَمَا قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ فِي كُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ صِفَةَ مُحَمَّدٍ وَأُمَّتِهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ.
وَالْوَاجِبُ فِي الْكُتُبِ إِذَا تَنَازَعَتِ الْأُمَمُ فِي تَفْسِيرِهَا أَنْ يَبِينَ الْحَقُّ الَّذِي يَقُومُ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ الشَّرْعِيُّ وَالْعَقْلِيُّ، وَحِينَئِذٍ تَبَيَّنَ أَنَّكُمْ فَسَّرْتُمْ كُتُبَ اللَّهِ بِأَشْيَاءَ تُخَالِفُ مُرَادَ اللَّهِ فِي أَمْرِ التَّثْلِيثِ وَالِاتِّحَادِ وَغَيْرِهِ، كَمَا فَعَلَتِ الْيَهُودُ بِتَفْسِيرِ الْكُتُبِ، كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
стр. 983
[فَصْلٌ: رَفْضُ دَعْوَى النَّصَارَى أَنَّ مُحَمَّدًا لَمْ يُرْسَلْ إِلَيْهِمْ مَعَ تَشَكُّكِهِ فِيمَا جَاءَ بِهِ]
قَالُوا: وَأَيْضًا فِي قَوْلِ هَذَا الْإِنْسَانِ مِمَّا أَتَى فِي كِتَابِهِ حَيْثُ اتَّبَعَ الْقَوْلَ أَنَّهُ لَمْ يُرْسَلْ إِلَيْنَا مَعَ تَشَكُّكِهِ فِيمَا أَتَى بِهِ فِي هَذَا الْكِتَابِ فِي سُورَةِ سَبَأٍ حَيْثُ يَقُولُ:
﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤] .
وَأَيْضًا فِي سُورَةِ الْأَحْقَافِ يَقُولُ:
﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾ [الأحقاف: ٩] .
وَالْجَوَابُ: أَنَّ نَقْلَهُمْ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّهُ لَمْ يُرْسَلْ إِلَيْهِمْ كَذِبٌ ظَاهِرٌ عَلَيْهِ، فَإِنَّ كِتَابَهُ مَمْلُوءٌ بِدَعْوَتِهِمْ وَأَمْرِهِ لَهُمْ بِالْإِيمَانِ بِهِ وَاتِّبَاعِهِ، بَلْ وَبِعُمُومِ رِسَالَتِهِ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ، بَلْ وَإِلَى الْجِنِّ وَالْإِنْسِ، وَلَيْسَ فِيهِ قَطُّ أَنَّهُ لَمْ يُرْسَلْ إِلَى أَهْلِ الْكِتَابِ، بَلْ فِيهِ التَّصْرِيحُ بِدَعْوَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -:
﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤] .
стр. 984
وَقَدْ كَتَبَ النَّبِيُّ بِهَذِهِ الْآيَةِ إِلَى قَيْصَرَ مَلِكِ النَّصَارَى الَّذِي اسْمُهُ هِرَقْلُ بِالشَّامِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ، وَتَقَدَّمَ أَيْضًا أَنَّ قَوْلَهُ - تَعَالَى -:
﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ [يس: ٦] .
يَقْتَضِي أَنَّهُ لَمْ يُنْذِرِ الْأُمِّيِّينَ، وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ لَا يُنْذِرُ غَيْرَهُمْ، كَمَا أَنَّ قَوْلَهُ:
﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] .
يَقْتَضِي إِنْذَارَ قَوْمِهِ وَلَا يُنَافِي أَنْ يُنْذِرَ غَيْرَهُمْ مِنَ الْعَرَبِ كَمَا أَنَّ قَوْلَهُ فِي قُرَيْشٍ:
﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: ٣] .
لَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ غَيْرُ قُرَيْشٍ مَأْمُورِينَ بِعِبَادَةِ رَبِّ هَذَا الْبَيْتِ، بَلْ أَمَرَ اللَّهُ جَمِيعَ الثَّقَلَيْنِ: الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَنْ يَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ سَكَتَ عَنْ مَا سِوَى الْأُمِّيِّينَ فِي هَذَا، فَيُشْعِرُ بِالنَّفْيِ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ الَّذِي يُسَمَّى مَفْهُومَ الْمُخَالَفَةِ، قِيلَ ذَاكَ إِنَّمَا يَدُلُّ إِذَا
стр. 985
لَمْ يَكُنْ فِي التَّخْصِيصِ فَائِدَةٌ سِوَى الِاخْتِصَاصِ بِالْحُكْمِ، وَلَمْ يَكُنْ هُنَا تَصْرِيحٌ بِأَنَّ حُكْمَ الْمَسْكُوتِ كَحُكْمِ الْمَنْطُوقِ، وَهُنَا لَمَّا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ ، أَمَرَهُ أَنْ يُنْذِرَ عَشِيرَتَهُ الْأَقْرَبِينَ أَوَّلًا، ثُمَّ يُنْذِرُ الْعَرَبَ الْأُمِّيِّينَ ثُمَّ أَهْلَ الْكِتَابِ وَالْمَجُوسَ وَغَيْرَهُمْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَسْطُ هَذَا.
следующие страницы →