Полный текст (2 831 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.
стр. 981
[فَصْلٌ: شَهَادَةُ كُتُبِ الْيَهُودِ لِعِيسَى بِالنُّبُوَّةِ شَهَادَةٌ لِمُحَمَّدٍ]
قَالُوا: فَمَاذَا يَكُونُ أَعْظَمَ مِنْ هَذَا بُرْهَانًا، وَأَقْوَى شَهَادَةً، إِذْ هَذِهِ كُتُبُ أَعْدَائِنَا الْمُخَالِفِينَ لِدِينِنَا، وَهُمْ يُقِرُّونَ بِذَلِكَ وَيَقْرَءُونَهُ فِي كَنَائِسِهِمْ، وَلَمْ يُنْكِرُوا مِنْهُ كَلِمَةً وَاحِدَةً وَلَا حَرْفًا وَاحِدًا.
وَالْجَوَابُ: أَنَّ الْأَمْرَ إِذَا كَانَ عَلَى مَا قَالُوهُ مِنْ ثُبُوتِ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ عَنْ بَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ فَلَيْسَ فِيهَا مَدْحٌ لِدِينِهِمْ بَعْدَ التَّبْدِيلِ، فَكَيْفَ بَعْدَ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ؟ وَإِنَّمَا فِيهَا إِخْبَارٌ بِزَوَالِ مُلْكِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَبِنَسْخِ مَا نُسِخَ مِنْ شَرْعِهِمْ بِمَجِيءِ الْمَسِيحِ ﵇، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى نُبُوَّةِ الْمَسِيحِ وَصِدْقِهِ وَهَذَا مِمَّا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ.
وَالْمَسِيحُ ﵇ عِنْدَهُمْ كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُ، بِقَوْلِهِ - تَعَالَى - لِمَرْيَمَ:
﴿إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ - وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ٤٥ - ٤٦] .
стр. 982
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إِنَّ هَذَا وَغَيْرَهُ مَوْجُودٌ فِي كُتُبِ أَعْدَائِنَا الْيَهُودِ.
فَيُقَالُ لَهُمْ لَا رَيْبَ أَنَّ الْيَهُودَ يُخَالِفُونَكُمْ فِي تَفْسِيرِ الْكُتُبِ، فَأَنْتُمْ تُفَسِّرُونَهَا بِشَيْءٍ، وَهُمْ يُفَسِّرُونَهَا بِشَيْءٍ آخَرَ وَقَدْ يَكُونُ كِلَا التَّفْسِيرَيْنِ بَاطِلًا وَحِينَئِذٍ فَيُقَالُ لَكُمْ كَمَا أَنَّ كُتُبَ الْأَنْبِيَاءِ شَاهِدَةٌ لِلْمَسِيحِ وَلِدِينِهِ وَإِنْ خَالَفَتْكُمُ الْيَهُودُ فِي تَفْسِيرِهَا، فَكَذَلِكَ هِيَ شَاهِدَةٌ لِمُحَمَّدٍ ﷺ وَأُمَّتِهِ، وَإِنْ خَالَفَ أَهْلُ الْكِتَابِ فِي تَفْسِيرِهَا كَمَا قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ فِي كُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ صِفَةَ مُحَمَّدٍ وَأُمَّتِهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ.
وَالْوَاجِبُ فِي الْكُتُبِ إِذَا تَنَازَعَتِ الْأُمَمُ فِي تَفْسِيرِهَا أَنْ يَبِينَ الْحَقُّ الَّذِي يَقُومُ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ الشَّرْعِيُّ وَالْعَقْلِيُّ، وَحِينَئِذٍ تَبَيَّنَ أَنَّكُمْ فَسَّرْتُمْ كُتُبَ اللَّهِ بِأَشْيَاءَ تُخَالِفُ مُرَادَ اللَّهِ فِي أَمْرِ التَّثْلِيثِ وَالِاتِّحَادِ وَغَيْرِهِ، كَمَا فَعَلَتِ الْيَهُودُ بِتَفْسِيرِ الْكُتُبِ، كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
стр. 983
[فَصْلٌ: رَفْضُ دَعْوَى النَّصَارَى أَنَّ مُحَمَّدًا لَمْ يُرْسَلْ إِلَيْهِمْ مَعَ تَشَكُّكِهِ فِيمَا جَاءَ بِهِ]
قَالُوا: وَأَيْضًا فِي قَوْلِ هَذَا الْإِنْسَانِ مِمَّا أَتَى فِي كِتَابِهِ حَيْثُ اتَّبَعَ الْقَوْلَ أَنَّهُ لَمْ يُرْسَلْ إِلَيْنَا مَعَ تَشَكُّكِهِ فِيمَا أَتَى بِهِ فِي هَذَا الْكِتَابِ فِي سُورَةِ سَبَأٍ حَيْثُ يَقُولُ:
﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤] .
وَأَيْضًا فِي سُورَةِ الْأَحْقَافِ يَقُولُ:
﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾ [الأحقاف: ٩] .
وَالْجَوَابُ: أَنَّ نَقْلَهُمْ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّهُ لَمْ يُرْسَلْ إِلَيْهِمْ كَذِبٌ ظَاهِرٌ عَلَيْهِ، فَإِنَّ كِتَابَهُ مَمْلُوءٌ بِدَعْوَتِهِمْ وَأَمْرِهِ لَهُمْ بِالْإِيمَانِ بِهِ وَاتِّبَاعِهِ، بَلْ وَبِعُمُومِ رِسَالَتِهِ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ، بَلْ وَإِلَى الْجِنِّ وَالْإِنْسِ، وَلَيْسَ فِيهِ قَطُّ أَنَّهُ لَمْ يُرْسَلْ إِلَى أَهْلِ الْكِتَابِ، بَلْ فِيهِ التَّصْرِيحُ بِدَعْوَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -:
﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤] .
стр. 984
وَقَدْ كَتَبَ النَّبِيُّ بِهَذِهِ الْآيَةِ إِلَى قَيْصَرَ مَلِكِ النَّصَارَى الَّذِي اسْمُهُ هِرَقْلُ بِالشَّامِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ، وَتَقَدَّمَ أَيْضًا أَنَّ قَوْلَهُ - تَعَالَى -:
﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ [يس: ٦] .
يَقْتَضِي أَنَّهُ لَمْ يُنْذِرِ الْأُمِّيِّينَ، وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ لَا يُنْذِرُ غَيْرَهُمْ، كَمَا أَنَّ قَوْلَهُ:
﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] .
يَقْتَضِي إِنْذَارَ قَوْمِهِ وَلَا يُنَافِي أَنْ يُنْذِرَ غَيْرَهُمْ مِنَ الْعَرَبِ كَمَا أَنَّ قَوْلَهُ فِي قُرَيْشٍ:
﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: ٣] .
لَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ غَيْرُ قُرَيْشٍ مَأْمُورِينَ بِعِبَادَةِ رَبِّ هَذَا الْبَيْتِ، بَلْ أَمَرَ اللَّهُ جَمِيعَ الثَّقَلَيْنِ: الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَنْ يَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ سَكَتَ عَنْ مَا سِوَى الْأُمِّيِّينَ فِي هَذَا، فَيُشْعِرُ بِالنَّفْيِ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ الَّذِي يُسَمَّى مَفْهُومَ الْمُخَالَفَةِ، قِيلَ ذَاكَ إِنَّمَا يَدُلُّ إِذَا
стр. 985
لَمْ يَكُنْ فِي التَّخْصِيصِ فَائِدَةٌ سِوَى الِاخْتِصَاصِ بِالْحُكْمِ، وَلَمْ يَكُنْ هُنَا تَصْرِيحٌ بِأَنَّ حُكْمَ الْمَسْكُوتِ كَحُكْمِ الْمَنْطُوقِ، وَهُنَا لَمَّا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ ، أَمَرَهُ أَنْ يُنْذِرَ عَشِيرَتَهُ الْأَقْرَبِينَ أَوَّلًا، ثُمَّ يُنْذِرُ الْعَرَبَ الْأُمِّيِّينَ ثُمَّ أَهْلَ الْكِتَابِ وَالْمَجُوسَ وَغَيْرَهُمْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَسْطُ هَذَا.
стр. 986
[فَصْلٌ: اللَّهُ نَفَى جَمِيعَ وُجُوهِ الشِّرْكِ بِهِ]
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ مَعَ تَشَكُّكِهِ فِيمَا أَتَى بِهِ فَمِنَ الْكَذِبِ الْبَيِّنِ فَإِنَّهُ - تَعَالَى - قَالَ:
﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ [سبأ: ٢٢] (٢٢) ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: ٢٣] (٢٣) ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤] (٢٤) ﴿قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [سبأ: ٢٥] (٢٥) ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ﴾ [سبأ: ٢٦] .
فَإِنَّهُ لَمَّا دَعَاهُمْ إِلَى التَّوْحِيدِ وَبَيَّنَ أَنَّ مَا يَدْعُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ، وَلَا هُوَ شَرِيكٌ، وَلَا هُوَ ظَهِيرٌ وَلَا يَنْفَعُ شَفِيعٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ، نَفَى بِذَلِكَ جَمِيعَ وُجُوهِ الشِّرْكِ، فَإِنَّ مَا يُشْرَكُ بِهِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ مُلْكٌ أَوْ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ، أَوْ يَكُونَ مُعِينًا، فَإِذَا انْتَفَتِ الثَّلَاثَةُ لَمْ يَبْقَ إِلَّا الشَّفَاعَةُ الَّتِي هِيَ دُعَاءٌ لَكَ
стр. 987
وَمَسْأَلَةٌ وَتِلْكَ لَا تَنْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ.
ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ هَذَا أَنَّهُ لَا رَازِقَ يَرْزُقُ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا اللَّهُ دَلَّ بِهَذَا وَهَذَا عَلَى التَّوْحِيدِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ:
﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ [النحل: ٥٣] (٥٣) ﴿ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ٥٤] (٥٤) ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٥٥] .
فَلَمَّا ذَكَرَ مَا دَلَّ عَلَى وُجُوبِ تَوْحِيدِهِ، وَبَيَانِ أَنَّ أَهْلَ التَّوْحِيدِ هُمْ عَلَى الْهُدَى، وَأَنَّ أَهْلَ الشِّرْكِ عَلَى الضَّلَالِ قَالَ:
﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤] .
يَقُولُ: إِنَّ أَحَدَ الْفَرِيقَيْنِ أَهْلِ التَّوْحِيدِ الَّذِينَ لَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ، وَأَهْلِ الشِّرْكِ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ.
وَهَذَا مِنَ الْإِنْصَافِ فِي الْخِطَابِ الَّذِي كُلُّ مَنْ سَمِعَهُ مِنْ وَلِيٍّ وَعَدُوٍّ قَالَ لِمَنْ خُوطِبَ بِهِ قَدْ أَنْصَفَكَ صَاحِبُكَ، كَمَا يَقُولُ الْعَادِلُ الَّذِي ظَهَرَ عَدْلُهُ لِلظَّالِمِ الَّذِي ظَهَرَ ظُلْمُهُ: الظَّالِمُ إِمَّا أَنَا وَإِمَّا أَنْتَ، لَا لِلشَّكِّ فِي الْأَمْرِ الظَّاهِرِ، وَلَكِنْ لِبَيَانِ أَنَّ أَحَدَنَا ظَالِمٌ ظَاهِرُ الظُّلْمِ، وَهُوَ أَنْتَ لَا أَنَا.
стр. 988
فَإِنَّهُ إِذَا قِيلَ: أَهْلُ التَّوْحِيدِ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ اللَّهَ عَلَى هُدًى، أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ، وَأَهْلُ الشِّرْكِ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ مَا لَا يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ عَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ.
تَبَيَّنَ أَنَّ أَهْلَ التَّوْحِيدِ عَلَى الْهُدَى، وَأَهْلَ الشِّرْكِ عَلَى الضَّلَالِ، وَهَذَا مِمَّا يَعْلَمُهُ جَمِيعُ الْمِلَلِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، يَعْلَمُونَ أَنَّ أَهْلَ التَّوْحِيدِ عَلَى الْهُدَى، وَأَهْلَ الشِّرْكِ عَلَى الضَّلَالِ.
وَفِي الْقُرْآنِ فِي بَيَانِ مِثْلِ هَذَا مَا لَا يُحْصَى إِلَّا بِكُلْفَةٍ، بَلْ قُطْبُ الْقُرْآنِ وَسَائِرِ الْكُتُبِ وَمَدَارُهَا عَلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ، فَكَيْفَ يُقَالُ إِنَّ الرَّسُولَ كَانَ يَشُكُّ هَلِ الْمُهْتَدَى هُمْ أَهْلُ التَّوْحِيدِ أَمْ أَهْلُ الشِّرْكِ؟ وَهَلْ يَقُولُ هَذَا إِلَّا مَنْ هُوَ فِي غَايَةِ الْجَهْلِ وَالْعِنَادِ.
(ثُمَّ الْآيَةُ خِطَابٌ لِلْمُشْرِكِينَ لَيْسَتْ خِطَابًا لِلنَّصَارَى خُصُوصًا) .
стр. 989
[فَصْلٌ: الرَّسُولُ بَشَرٌ لَا يَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا يَقُولُ إِنَّهُ مَلَكٌ]
وَأَمَّا قَوْلُهُ - تَعَالَى -: قُلْ مَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ، فَلَفْظُ الْآيَةِ:
﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الأحقاف: ٩] .
وَهَذَا بَعْدَ قَوْلِهِ:
﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الأحقاف: ٨] .
وَنَظِيرُ هَذَا قَوْلُهُ:
﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأنعام: ٥٠] .
وَهَذَا قَالَهُ نُوحٌ ﵇ أَوَّلُ الرُّسُلِ، وَأُمِرَ مُحَمَّدٌ
стр. 990
- ﷺ آخِرُ الرُّسُلِ أَنْ يَقُولَهُ، وَمِثْلُ قَوْلِهِ:
﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا﴾ [الجن: ٢١] (٢١) ﴿قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ [الجن: ٢٢] (٢٢) ﴿إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن: ٢٣] .
وَهَذَا وَنَحْوُهُ يَتَضَمَّنُ اعْتِرَافَهُ بِأَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولٌ مِنَ اللَّهِ لَا يَتَعَدَّى حَدَّ الرِّسَالَةِ وَلَا يَدَّعِي الْمُشَارَكَةَ فِي الْأُلُوهِيَّةِ، كَمَا ادَّعَتْهُ النَّصَارَى فِي الْمَسِيحِ وَلِهَذَا قَالَ - تَعَالَى -:
﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة: ٧٥] .
فَتَبَيِّنَ أَنَّهُ لَا يَتَعَدَّى حَدَّ الرِّسَالَةِ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -:
وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ.
وَلِهَذَا قَالَ ﷺ وَفِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَى صِحَّتِهِ: «لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ فَقُولُوا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ» .
стр. 991
فَقَالَ - تَعَالَى -:
﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾ [الأحقاف: ٩] .
يَقُولُ لَسْتُ أَوَّلَ مَنْ أُرْسِلَ، أَوِ ادَّعَى الرِّسَالَةَ، بَلْ قَدْ تَقَدَّمَ قَبْلِي رُسُلٌ:
﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الأحقاف: ٩] .
يَقُولُ لَا أَدَّعِي عِلْمَ الْغَيْبِ، إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ أُنْذِرُكُمْ بِمَا أَمَرَنِي اللَّهُ أَنْ أُنْذِرَكُمْ بِهِ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ، وَهَذَا مِنْ كَمَالِ صِدْقِهِ وَعَدْلِهِ وَعُبُودِيَّتِهِ لِلَّهِ وَطَاعَتِهِ، وَتَمْيِيزِ مَا يَسْتَحِقُّهُ الْخَالِقُ وَحْدَهُ مِمَّا يَسْتَحِقُّهُ الْعَبْدُ، فَإِنَّ الْعِلْمَ بِعَوَاقِبِ الْأُمُورِ عَلَى وَجْهِ التَّفْصِيلِ مِمَّا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ، فَلَا يَعْلَمُهُ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، وَلَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ.
وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ الرَّسُولِ أَنْ يَعْلَمَ كُلَّ مَا يَكُونُ وَقَوْلُهُ - تَعَالَى -:
﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾ [الأحقاف: ٩] .
نَفْيٌ لِعِلْمِهِ بِجَمِيعِ مَا يُفْعَلُ بِهِ وَبِهِمْ وَهَذَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ
стр. 992
- ﵎، وَهَذَا لَا يَنْفِي أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِأَنَّهُ سَعِيدٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَإِنْ لَمْ يَدْرِ تَفَاصِيلَ مَا يَجْرِي لَهُ فِي الدُّنْيَا مِنَ الْمِحَنِ وَالْأَعْمَالِ، وَمَا يَتَجَدَّدُ لَهُ مِنَ الشَّرَائِعِ، وَمَا يُكْرَمُ بِهِ فِي الْآخِرَةِ مِنْ أَصْنَافِ النَّعِيمِ، فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: (يَقُولُ اللَّهُ - تَعَالَى -: «أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ) » ، وَأَيْضًا هَذَا مَأْثُورٌ عَنْ غَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ ﵈.
وَلَا مِنْ شَرْطِ النَّبِيِّ أَنْ يَعْلَمَ حَالَ الْمُخَاطَبِينَ: مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، وَمَنْ يَكْفُرُ، وَتَفْصِيلَ مَا يَصِيرُونَ إِلَيْهِ، هَذَا إِنْ قِيلَ إِنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ مَا نُفِيَ فِيهَا، وَإِنْ قِيلَ إِنَّهُ أَعْلَمُ بِذَلِكَ فَمَعْلُومٌ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يُعْلِمْهُ بِكُلِّ شَيْءٍ جُمْلَةً، بَلْ أَعْلَمَهُ بِالْأُمُورِ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ.
وَقَدْ قَالَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ:
стр. 993
«إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا» (١) «لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا» (٢) «وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا» .
وَقَالَ - تَعَالَى -:
﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [الفتح: ٢٨] .
وَفِي الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ عَنْهُ ﷺ مِنَ الْإِخْبَارِ بِمَا سَيَكُونُ فِي الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ أَضْعَافُ أَضْعَافِ مَا يُوجَدُ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ، حَتَّى إِنَّهُ يُنَبِّئُ عَنِ الشَّيْءِ الَّذِي يَكُونُ بَعْدَ مَا يَبِينُ مِنَ السِّنِينَ خَبَرًا أَكْمَلَ مِنْ خَبَرِ مَنْ عَايَنَ ذَلِكَ، كَقَوْلِهِ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا التُّرْكَ صِغَارَ الْأَعْيُنِ، ذُلْفَ الْأُنُوفِ، حُمْرَ الْخُدُودِ، يَنْتَعِلُونَ الشَّعَرَ، كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الْمَجَانُّ الْمُطْرَقَةُ، فَمَنْ رَأَى
стр. 994
هَؤُلَاءِ التُّرْكَ الَّذِينَ قَاتَلَهُمُ الْمُسْلِمُونَ مِنْ حِينِ خَرَجَ جِنْكِزْ خَانْ مَلِكُهُمُ الْأَكْبَرُ وَأَوْلَادُهُ وَأَوْلَادُ أَوْلَادِهِ، مِثْلُ هُولَاكُو وَغَيْرِهِ مِنْ مُلُوكِ التُّرْكِ الْكُفَّارِ الَّذِينَ قَاتَلَهُمُ الْمُسْلِمُونَ، لَمْ يَحْسُنْ أَنْ يَصِفَهُمْ بِأَحْسَنَ مِنْ هَذِهِ الصِّفَةِ» .
وَقَدْ أَخْبَرَ بِهَذَا قَبْلَ ظُهُورِهِ بِأَكْثَرَ مِنْ سِتِّمِائَةِ سَنَةٍ، وَقَوْلِهِ: ﷺ «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَخْرُجَ نَارٌ مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ تُضِيءُ لَهَا أَعْنَاقُ الْإِبِلِ بِبُصْرَى،» وَهَذِهِ النَّارُ ظَهَرَتْ سَنَةَ
стр. 995
خَمْسٍ وَخَمْسِينَ وَسِتِّمِائَةٍ بِأَرْضِ الْحِجَازِ، فَكَانَتْ تَحْرِقُ الْحَجَرَ وَلَا تُنْضِجُ اللَّحْمَ، وَرَأَى أَهْلُ بُصْرَى أَعْنَاقَ الْجِمَالِ مِنْ ضَوْءِ تِلْكَ النَّارِ، وَكَانَتْ مُنْذِرَةً بِمَا يَكُونُ بَعْدَهَا، فَفِي سَنَةِ سِتٍّ وَخَمْسِينَ وَسِتِّمِائَةٍ دَخَلَ هُولَاكُو مَلِكُ الْكُفَّارِ بَغْدَادَ، وَقَتَلَ فِيهَا مَقْتَلَةً عَظِيمَةً مَشْهُورَةً (وَسَيَأْتِي - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - بَعْضُ أَخْبَارٍ أَنَّهُ شَاهَدَ النَّاسُ وُقُوعَهَا كَمَا أَخْبَرْنَا عِنْدَ ذِكْرِنَا مُعْجِزَاتِهِ) .
стр. 996
[فَصْلٌ: رَدُّ دَعْوَى النَّصَارَى أَنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ]
ثُمَّ قَالُوا: مَعَ الْأَمْرِ لَهُ فِي فَاتِحَةِ الْكِتَابِ أَنْ يَسْأَلَ الْهِدَايَةَ إِلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، صِرَاطِ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ، فَإِنَّهُ عَنَى بِقَوْلِهِ: الْمُنْعَمِ عَلَيْهِمْ وَالْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَالضَّالِّينَ الثَّلَاثَ أُمَمٍ الَّذِينَ كَانُوا فِي عَصْرِهِ، وَهُمُ: النَّصَارَى، وَالْيَهُودُ وَعُبَّادُ الْأَصْنَامِ، وَلَمْ يَكُنْ فِي زَمَانِهِ غَيْرَ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثِ أُمَمٌ.
فَالْمُنْعَمُ عَلَيْهِمْ نَحْنُ النَّصَارَى وَالْمَغْضُوبُ عَلَيْهِمْ فَلَا - يُشَكُّ أَنَّهُمُ - الْيَهُودُ، الَّذِينَ غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فِي كُتُبِ التَّوْرَاةِ وَالْأَنْبِيَاءِ وَهَذَا الْكِتَابِ، وَالضَّالِّينَ فَهُمْ عُبَّادُ الْأَصْنَامِ الَّذِينَ ضَلُّوا عَنِ اللَّهِ، فَهَذَا أَمْرٌ وَاضِحٌ بَيِّنٌ ظَاهِرٌ عِنْدَ كُلِّ أَحَدٍ، وَلَا سِيَّمَا عِنْدَ ذَوِي الْعُقُولِ وَالْمَعْرِفَةِ وَالصِّرَاطُ: هُوَ الْمَذْهَبُ، أَيِ الطَّرِيقُ، وَهَذِهِ اللَّفْظَةُ رُومِيَّةٌ، لِأَنَّ الطَّرِيقَ بِالرُّومِيَّةِ اسْطِرَاطَا.
وَالْجَوَابُ:
أَمَّا قَوْلُهُمْ: الْمُنْعَمُ عَلَيْهِمْ نَحْنُ النَّصَارَى، فَمِنَ الْعَجَائِبِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى فَرْطِ جَهْلِ صَاحِبِهَا، وَأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ هَذَا شَيْءٌ بَيِّنٌ
стр. 997
وَاضِحٌ عِنْدَ كُلِّ أَحَدٍ، لَا سِيَّمَا عِنْدَ ذَوِي الْعَقْلِ وَالْمَعْرِفَةِ، فَيَا سُبْحَانَ اللَّهِ!
أَلَمْ يَعْرِفِ الْعَامَّ وَالْخَاصَّ عِلْمًا ضَرُورِيًّا لَا تُمْكِنُ الْمُنَازَعَةُ فِيهِ مِنْ دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، وَدِينِ أُمَّتِهِ الَّذِي تَلَقَّوْهُ عَنْهُ مِنْ تَكْفِيرِ النَّصَارَى وَتَجْهِيلِهِمْ وَتَضْلِيلِهِمْ وَاسْتِحْلَالِ جِهَادِهِمْ وَسَبْيِ حَرِيمِهِمْ وَأَخْذِ أَمْوَالِهِمْ، مَا يُنَاقِضُ كُلَّ الْمُنَاقَضَةِ أَنْ يَكُونَ مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ فِي كُلِّ صَلَاةٍ يَقُولُونَ: اللَّهُمَّ اهْدِنَا صِرَاطَ النَّصَارَى.
وَهَلْ يَنْسِبُ مُحَمَّدًا ﷺ وَأُمَّتَهُ إِلَى أَنَّهُمْ فِي كُلِّ صَلَاةٍ يَطْلُبُونَ مِنَ اللَّهِ أَنْ يَهْدِيَهُمْ صِرَاطَ النَّصَارَى إِلَّا مَنْ هُوَ مِنْ أَكْذَبِ الْكَذَّابِينَ وَأَعْظَمِ الْخَلْقِ افْتِرَاءً وَوَقَاحَةً وَجَهْلًا وَضَلَالًا؟
وَلَوْ كَانُوا يَسْأَلُونَ اللَّهَ هِدَايَةَ طَرِيقِ النَّصَارَى، لَدَخَلُوا فِي دِينِ النَّصَارَى، وَلَمْ يُكَفِّرُوهُمْ وَيُقَاتِلُوهُمْ، وَيَضَعُوا عَلَيْهِمِ الْجِزْيَةَ الَّتِي يُؤَدُّونَهَا عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ، وَلَمْ يَشْهَدُوا عَلَيْهِمْ بِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَأُمَّتُهُ أَخَذُوا ذَلِكَ جَمِيعَهُ عَنْهُ مَنْقُولًا عَنْهُ بِالنَّقْلِ الْمُتَوَاتِرِ بِإِجْمَاعِهِمْ، لَمْ يَبْتَدِعُوا ذَلِكَ، كَمَا ابْتَدَعَتِ النَّصَارَى مِنَ الْعَقَائِدِ وَالشَّرَائِعِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ، فَلَا يُلَامُ الْمُسْلِمُونَ فِي اتِّبَاعِهِمْ لِرَسُولِ اللَّهِ الَّذِي جَاءَ بِالْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى.
وَمُحَمَّدٌ ﷺ إِنْ كَانَ رَسُولًا صَادِقًا، فَقَدْ كَفَّرَ
стр. 998
النَّصَارَى، وَأَمَرَ بِجِهَادِهِمْ، وَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ وَمِنْ دِينِهِمْ، وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا لَمْ يُقْبَلْ شَيْءٌ مِمَّا نَقَلَهُ عَنِ اللَّهِ .
وَقَدْ تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةِ قَوْلُهُ - تَعَالَى -:
﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣] .
﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧] .
﴿وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة: ٣٠] (٣٠) ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١] .
فَمَنْ يَقُولُ عَنِ النَّصَارَى مِثْلَ هَذِهِ الْأَقْوَالِ هَلْ يَأْمُرُ أُمَّتَهُ فِي كُلِّ صَلَاةٍ أَنْ يَقُولُوا: اهْدِنَا طَرِيقَهُمْ؟
ثُمَّ يُقَالُ: أَيُّ شَيْءٍ فِي الْآيَةِ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ: صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمَتْ عَلَيْهِمْ، هُمُ النَّصَارَى.
وَإِنَّمَا الْمُنْعَمُ عَلَيْهِمْ هُمُ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -:
﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩] .
стр. 999
فَهَؤُلَاءِ هُمُ الَّذِينَ أَمَرَ اللَّهُ عِبَادَهُ أَنْ يَسْأَلُوا هِدَايَةَ صِرَاطِهِمْ.
وَأَمَّا النَّصَارَى الَّذِينَ كَانُوا عَلَى دِينِ الْمَسِيحِ قَبْلَ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ فَهُمْ مِنَ الْمُنْعَمِ عَلَيْهِمْ، كَمَا أَنَّ الْيَهُودَ الَّذِينَ كَانُوا عَلَى دِينِ مُوسَى قَبْلَ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ كَانُوا مِنَ الْمُنْعَمِ عَلَيْهِمْ.
وَأَمَّا النَّصَارَى بَعْدَ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ فَهُمْ مِنَ الضَّالِّينَ، لَا مِنَ الْمُنْعَمِ عَلَيْهِمْ عِنْدَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، كَمَا قَالَ - تَعَالَى -:
﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧] .
وَقَالَ - تَعَالَى -:
﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [مريم: ٣٨] .
وَعُبَّادُ الْأَصْنَامِ مِنَ الضَّالِّينَ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ الْيَهُودُ مَغْضُوبٌ عَلَيْهِمْ وَالنَّصَارَى ضَالُّونَ رَوَاهُ الْإِمَامُ
стр. 1000
أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْيَهُودَ يَعْرِفُونَ الْحَقَّ وَلَا يَعْمَلُونَ بِهِ، وَالنَّصَارَى يَعْبُدُونَ بِلَا عِلْمٍ، وَقَدْ وَصَفَ اللَّهُ الْيَهُودَ بِأَعْمَالٍ، وَالنَّصَارَى بِأَعْمَالٍ، فَوَصَفَ الْيَهُودَ بِالْكِبْرِ وَالْبُخْلِ وَالْجُبْنِ وَالْقَسْوَةِ وَكِتْمَانِ الْعِلْمِ وَسُلُوكِ سَبِيلِ الْغَيِّ وَهُوَ سَبِيلُ الشَّهَوَاتِ وَالْعُدْوَانِ.
وَذَكَرَ عَنِ النَّصَارَى الْغُلُوَّ وَالْبِدَعَ فِي الْعِبَادَاتِ وَالشِّرْكَ وَالضَّلَالَ وَاسْتِحْلَالَ مَحَارِمِ اللَّهِ، فَقَالَ - تَعَالَى -:
стр. 1001
﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء: ١٧١] (١٧١) ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٧٢] (١٧٢) ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [النساء: ١٧٣] .
وَقَالَ - تَعَالَى -:
﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد: ٢٧] .
أَيْ لَكِنْ كَتَبْنَا عَلَيْهِمُ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ، لَمْ نَكْتُبْ عَلَيْهِمُ الرَّهْبَانِيَّةَ، بَلْ هُمُ ابْتَدَعُوهَا وَمَعَ ابْتِدَاعِهِمْ إِيَّاهَا فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ فَهُمْ مَذْمُومُونَ عَلَى ابْتِدَاعِ الرَّهْبَانِيَّةِ وَعَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَرْعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا.
стр. 1002
وَأَمَّا مَا كُتِبَ عَلَيْهِمْ مِنَ ابْتِغَاءِ رِضْوَانِ اللَّهِ فَيَحْصُلُ بِفِعْلِ مَا شَرَعَهُ اللَّهُ لَهُمْ مِنْ وَاجِبٍ وَمُسْتَحَبٍّ، فَإِنَّ ذَلِكَ هُوَ الَّذِي يَرْضَاهُ، وَمَنْ فَعَلَ مَا يَرْضَاهُ اللَّهُ فَقَدْ فَعَلَ مَا كُتِبَ عَلَيْهِ، وَيَحْصُلُ رِضْوَانُ اللَّهِ أَيْضًا بِمُجَرَّدِ فِعْلِ الْوَاجِبَاتِ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي كُتِبَ عَلَى الْعِبَادِ، فَإِذَا لَمْ يُكْتَبْ عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءُ رِضْوَانِ اللَّهِ كَانَ ابْتِغَاءُ رِضْوَانِهِ وَاجِبًا، فَمَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ لَا يُشْتَرَطُ فِي حُصُولِ مَا كُتِبَ عَلَيْهِمْ.
وَلِهَذَا ضَعَّفَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَغَيْرُهُ الْحَدِيثَ الْمَرْوِيَّ: أَوَّلُ الْوَقْتِ رِضْوَانُ اللَّهِ وَآخِرُهُ عَفْوُ اللَّهِ، فَإِنَّ مَنْ صَلَّى فِي آخِرِ الْوَقْتِ كَمَا أَمَرَ فَقَدْ فَعَلَ الْوَاجِبَ، وَبِذَلِكَ يَرْضَى اللَّهُ عَنْهُ وَإِنْ كَانَ فِعْلُ الْمُسْتَحِبَّاتِ وَالْمُسَابَقَةُ إِلَى الطَّاعَاتِ أَبْلَغَ فِي إِرْضَاءِ اللَّهِ، وَيَحْصُلُ لَهُ بِذَلِكَ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ وَمَحَبَّتِهِ مَا لَا يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ الْوَاجِبَاتِ.
стр. 1003
كَمَا قَالَ مُوسَى ﵇.
﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ [طه: ٨٤] .
وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «يَقُولُ اللَّهُ - تَعَالَى -: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ بَارَزَنِي بِالْمُحَارَبَةِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِمِثْلِ أَدَاءِ مَا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَلَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، فَبِي يَسْمَعُ، وَبِي يُبْصِرُ، وَبِي يَبْطِشُ، وَبِي يَمْشِي فَلَئِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَ بِي لَأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ قَبْضِ رُوحِ عَبْدِي
стр. 1004
الْمُؤْمِنِ، يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ» ، وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ فَقَوْلُهُ حَتَّى أُحِبَّهُ يُرِيدُ الْمَحَبَّةَ الْمُطْلَقَةَ الْكَامِلَةَ.
وَأَمَّا أَصْلُ الْمَحَبَّةِ: فَهِيَ حَاصِلَةٌ بِفِعْلِ الْوَاجِبَاتِ، فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ وَالْمُقْسِطِينَ، وَمَنْ أَدَّى الْوَاجِبَاتِ فَهُوَ مِنَ الْمُتَّقِينَ الْمُقْسِطِينَ.
وَقَالَ - تَعَالَى - فِيهِمْ:
﴿وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة: ٣٠] (٣٠) ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١] .
وَقَالَ - تَعَالَى -:
﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧] .
وَهُوَ - سُبْحَانَهُ - خَاطَبَ النَّصَارَى بِهَذَا لِأَنَّ النَّصَارَى يَعْتَمِدُونَ فِي دِينِهِمْ عَلَى مَا يَقُولُهُ كُبَرَاؤُهُمُ الَّذِينَ وَضَعُوا لَهُمُ الْقَوَانِينَ وَالنَّوَامِيسَ
стр. 1005
وَيُسَوِّغُونَ لِأَكَابِرِهِمُ الَّذِينَ صَارُوا عِنْدَهُمْ عُظَمَاءَ فِي الدِّينِ أَنْ يَضَعُوا لَهُمْ شَرِيعَةً وَيَنْسَخُوا بَعْضَ مَا كَانُوا عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ، لَا يَرُدُّونَ مَا يَتَنَازَعُونَ فِيهِ مِنْ دِينِهِمْ إِلَى اللَّهِ وَرُسُلِهِ، بِحَيْثُ لَا يُمَكِّنُونَ أَحَدًا مِنَ الْخُرُوجِ عَنْ كُتُبِ اللَّهِ الْمُنَزَّلَةِ كَالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَعَنِ اتِّبَاعِ مَا جَاءَ بِهِ الْمَسِيحُ، وَمَنْ قَبْلَهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ ﵈.
وَلِهَذَا قَالَ - تَعَالَى -:
﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [المائدة: ٦٨] .
بَلْ مَا وَضَعَهُ لَهُمْ أَكَابِرُهُمْ مِنَ الْقَوَانِينِ الدِّينِيَّةِ وَالنَّوَامِيسِ الشَّرْعِيَّةِ بَعْضُهَا يَنْقُلُونَهُ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ، وَبَعْضُهَا عَنِ الْحَوَارِيِّينَ، وَكَثِيرٌ مِنْ ذَلِكَ لَيْسَ مَنْقُولًا، لَا عَنِ الْأَنْبِيَاءِ، وَلَا عَنِ الْحَوَارِيِّينَ، بَلْ مِنْ وَضْعِ أَكَابِرِهِمْ وَابْتِدَاعِهِمْ.
كَمَا ابْتَدَعُوا لَهُمُ الْأَمَانَةَ الَّتِي هِيَ أَصْلُ عَقِيدَتِهِمْ، وَابْتَدَعُوا لَهُمُ الصَّلَاةَ إِلَى الشَّرْقِ، وَابْتَدَعُوا لَهُمْ تَحْلِيلَ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ، وَسَائِرِ
стр. 1006
الْمُحَرَّمَاتِ، وَابْتَدَعُوا لَهُمُ الصَّوْمَ وَقْتَ الرَّبِيعِ، وَجَعَلُوهُ خَمْسِينَ يَوْمًا، وَابْتَدَعُوا لَهُمْ أَعْيَادَهُمْ، كَعِيدِ الصَّلِيبِ، وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَعْيَادِ.
وَكَذَلِكَ «قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ لَمَّا سَمِعَهُ يَقْرَأُ هَذِهِ الْآيَةَ:
﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١] .
فَقَالَ: لَمْ يَعْبُدُوهُمْ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّهُمْ أَحَلُّوا لَهُمُ الْحَرَامَ فَأَطَاعُوهُمْ، وَحَرَّمُوا عَلَيْهِمُ الْحَلَالَ فَأَطَاعُوهُمْ، فَكَانَتْ تِلْكَ عِبَادَتَهُمْ» وَلِهَذَا قَالَ - تَعَالَى -:
﴿وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧] .
فَإِنَّهُمْ يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَ أَكَابِرِهِمُ الَّذِينَ مَضَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ، وَأُولَئِكَ ضَلُّوا مِنْ قَبْلِ هَؤُلَاءِ وَأَضَلُّوا أَتْبَاعَهُمْ، وَهُمْ كَثِيرُونَ، وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ، وَهُوَ وَسَطُ السَّبِيلِ، وَهُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ، فَإِنْ كَانُوا هُمْ وَأَتْبَاعُهُمْ ضَالِّينَ عَنِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَأْمُرَ اللَّهُ عِبَادَهُ أَنْ
стр. 1007
يَسْأَلُوهُ أَنْ يَهْدِيَهُمُ الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، وَيَعْنِيَ بِهِ صِرَاطَ هَؤُلَاءِ الضَّالِّينَ الْمُضِلِّينَ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ، وَهُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ.
وَقَدْ قَالَ - سُبْحَانَهُ -: وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ هَؤُلَاءِ لِأَنَّ أَصْلَ ابْتِدَاعِهِمْ هَذِهِ الْبِدْعَةَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ مَعَ ظَنٍّ كَاذِبٍ، فَكَانُوا مِمَّنْ قِيلَ فِيهِمْ:
﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم: ٢٣] .
وَمِمَّنْ قِيلَ فِيهِ.
﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص: ٥٠] .
وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَسِيحَ ﷺ لَمَّا رُفِعَ إِلَى السَّمَاءِ وَعَادَاهُ الْيَهُودُ، وَعَادَوْا أَتْبَاعَهُ عَدَاوَةً شَدِيدَةً، وَبَالَغُوا فِي أَذَاهُمْ وَإِذْلَالِهِمْ وَطَلَبِ قَتْلِهِمْ وَنَفْيِهِمْ، صَارَ فِي قُلُوبِهِمْ مِنْ بُغْضِ الْيَهُودِ، وَطَلَبِ الِانْتِقَامِ مِنْهُمْ مَا لَا يُوصَفُ، فَلَمَّا صَارَ لَهُمْ دَوْلَةٌ وَمُلْكٌ مِثْلَ مَا صَارَ لَهُمْ فِي دَوْلَةِ قُسْطَنْطِينَ، صَارُوا يُرِيدُونَ مُقَابَلَةَ الْيَهُودِ.
كَمَا جَرَتِ الْعَادَةُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ بَيْنَ الطَّوَائِفِ الْمُتَقَابِلَةِ الْمُتَنَازِعِينَ فِي الْمُلْكِ، وَالْمُتَنَازِعِينَ فِي الْبِدَعِ كَالْخَوَارِجِ، وَالرَّوَافِضِ،
стр. 1008
وَالْجَبْرِيَّةِ مَعَ الْقَدَرِيَّةِ وَالْمُعَطِّلَةِ مَعَ الْمُمَثِّلَةِ، وَكَالدَّوْلَتَيْنِ الْمُتَنَازِعَتَيْنِ عَلَى الْمُلْكِ وَالْأَهْوَاءِ بِمَنْزِلَةِ قَيْسٍ وَيَمَنٍ، وَأَمْثَالِ ذَلِكَ.
إِذَا ظَهَرَتْ طَائِفَةٌ عَلَى الْأُخْرَى بَعْدَمَا آذَتْهَا الْأُخْرَى وَانْتَقَمَتْ مِنْهَا تُرِيدُ أَنْ تَأْخُذَ بِثَأْرِهَا، وَلَا تَقِفَ عِنْدَ حَدِّ الْعَدْلِ، بَلْ تَعْتَدِي عَلَى تِلْكَ كَمَا اعْتَدَتْ تِلْكَ عَلَيْهَا.
فَصَارَ النَّصَارَى يُرِيدُونَ مُنَاقَضَةَ الْيَهُودِ فَأَحَلُّوا مَا يُحَرِّمُهُ الْيَهُودُ كَالْخِنْزِيرِ وَغَيْرِهِ، وَصَارُوا يَمْتَحِنُونَ مَنْ دَخَلَ فِي دِينِهِمْ بِأَكْلِ الْخِنْزِيرِ، فَإِنْ أَكَلَهُ وَإِلَّا لَمْ يَجْعَلُوهُ نَصْرَانِيًّا.
стр. 1009
وَتَرَكُوا الْخِتَانَ، وَقَالُوا: إِنَّ الْمَعْمُودِيَّةَ عِوَضٌ عَنْهُ، وَصَلَّوْا إِلَى قِبْلَةٍ غَيْرِ قِبْلَةِ الْيَهُودِ.
وَكَانَ الْيَهُودُ قَدْ أَسْرَفُوا فِي ذَمِّ الْمَسِيحِ ﵇ وَزَعَمُوا أَنَّهُ وَلَدُ زِنَا، وَأَنَّهُ كَذَّابٌ سَاحِرٌ.
فَغَلَوْا هَؤُلَاءِ فِي تَعْظِيمِ الْمَسِيحِ، وَقَالُوا: إِنَّهُ اللَّهُ وَابْنُ اللَّهِ، وَأَمْثَالُ
стр. 1010
ذَلِكَ، وَصَارَ مَنْ يَطْلُبُ أَنْ يَقُولَ فِيهِ الْقَوْلَ الْعَدْلَ مِثْلَ كَثِيرٍ مِنْ عُلَمَائِهِمْ وَعُبَّادِهِمْ، يَجْمَعُونَ لَهُ مَجْمَعًا وَيَلْعَنُونَهُ فِيهِ عَلَى وَجْهِ التَّعَصُّبِ، وَاتِّبَاعِ الْهَوَى، وَالْغُلُوِّ فِيمَنْ يُعَظِّمُونَهُ، كَمَا يَجْرِي مِثْلُ ذَلِكَ لِأَهْلِ الْأَهْوَاءِ، كَالْفَلَاةِ فِي بَعْضِ الْمَشَايِخِ، وَبَعْضِ أَهْلِ الْبَيْتِ، وَبَعْضِ الْعُلَمَاءِ وَبَعْضِ الْمُلُوكِ، وَبَعْضِ الْقَبَائِلِ وَبَعْضِ الْمَذَاهِبِ، وَبَعْضِ الطَّرَائِقِ، فَإِنَّمَا كَانَ مَصْدَرُ ضَلَالِهِمْ أَهْوَاءَ نُفُوسِهِمْ، قَالَ - تَعَالَى - لِلنَّصَارَى الَّذِينَ كَانُوا فِي وَقْتِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ:
﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧] .
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ إِنَّ الصِّرَاطَ هُوَ الْمَذْهَبُ أَيِ الطَّرِيقُ، وَهَذِهِ لَفْظَةٌ رُومِيَّةٌ لِأَنَّ الطَّرِيقَ بِالرُّومِيَّةِ اسْطِرَاطَا.
فَيُقَالُ لَهُمْ: الصِّرَاطُ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ: هُوَ الطَّرِيقُ يُقَالُ هُوَ الطَّرِيقُ الْوَاضِحُ وَيُقَالُ هُوَ الطَّرِيقُ الْمَحْدُودُ بِجَانِبَيْنِ الَّذِي لَا يَخْرُجُ عَنْهُ، وَمِنْهُ الصِّرَاطُ الْمَنْصُوبُ عَلَى جَهَنَّمَ، وَهُوَ الْجِسْرُ الَّذِي يَعْبُرُ عَلَيْهِ الْمُؤْمِنُونَ إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِذَا عَبَرَ عَلَيْهِ الْكُفَّارُ سَقَطُوا فِي جَهَنَّمَ، وَيُقَالُ فِيهِ: مَعْنَى الِاسْتِوَاءِ وَالِاعْتِدَالِ الَّذِي يُوجِبُ سُرْعَةَ الْعُبُورِ عَلَيْهِ، وَفِيهِ ثَلَاثُ لُغَاتٍ، هِيَ ثَلَاثُ قِرَاءَاتٍ: الصِّرَاطُ، وَالسِّرَاطُ، وَالزِّرَاطُ، وَهِيَ لُغَةٌ
стр. 1011
عَرَبِيَّةٌ عَرْبَاءُ لَيْسَتْ مِنَ الْمُعَرَّبِ، وَلَا مَأْخُوذَةً مِنْ لُغَةِ الرُّومِ كَمَا زَعَمُوا.
وَيُقَالُ أَصْلُهُ مِنْ قَوْلِهِمْ: سَرَطْتُ الشَّيْءَ أَسْرُطُهُ سَرْطًا، إِذَا ابْتَلَعْتُهُ وَاسْتَرَطْتُهُ ابْتَلَعْتُهُ، فَإِنَّ الْمُبْتَلِعَ يَجْرِي بِسُرْعَةٍ فِي مَجْرًى مَحْدُودٍ.
وَمِنْ أَمْثَالِ الْعَرَبِ: لَا تَكُنْ حُلْوًا فَتُسْتَرَطْ، وَلَا مُرًّا فَتُعْفَى، مِنْ قَوْلِهِمْ: أَعْفَيْتَ الشَّيْءَ، إِذَا أَزَلْتَهُ مِنْ فِيكَ لِمَرَارَتِهِ، وَيُقَالُ فُلَانٌ يَسْتَرِطُ مَا يَأْخُذُ مِنَ الدَّيْنِ.
وَحَكَى يَعْقُوبُ بْنُ السِّكِّيتِ: الْأَخْذُ سُرَّيْطٌ، وَالْقَضَاءُ ضُرَّيْطٌ، وَالسِّرْطَاطُ: الْفَالَوْذَجِ، لِأَنَّهُ يُسْتَرَطُ اسْتِرَاطًا، وَسَيْفٌ سِرَاطِيٌّ، أَيْ قَاطِعٌ فَإِنَّهُ مَاضٍ سَرِيعُ الْمَذْهَبِ فِي مَضْرِبِهِ.
فَالصِّرَاطُ: هُوَ الطَّرِيقُ الْمَحْدُودُ الْمُعْتَدِلُ الَّذِي يَصِلُ سَالِكُهُ إِلَى مَطْلَبِهِ بِسُرْعَةٍ، وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ لَفْظَ الصِّرَاطِ فِي كِتَابِهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، وَلَمْ يُسَمِّ اللَّهُ سَبِيلَ الشَّيْطَانِ سِرَاطًا، بَلْ سَمَّاهَا سُبُلًا، وَخَصَّ طَرِيقَهُ بِاسْمِ الصِّرَاطَ، كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -:
стр. 1012
﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] .
وَفِي السُّنَنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: «خَطَّ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَطًّا، وَخَطَّ خُطُوطًا عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ، ثُمَّ قَالَ: هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ وَهَذِهِ سُبُلٌ عَلَى كُلِّ سَبِيلٍ مِنْهَا شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ مَنْ أَجَابَهُ قَذَفَهُ فِي النَّارِ ثُمَّ قَرَأَ:
﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] » .
فَسَمَّى - سُبْحَانَهُ - طَرِيقَهُ صِرَاطًا، وَسَمَّى تِلْكَ سُبُلًا، وَلَمْ يُسَمِّهَا صِرَاطًا كَمَا سَمَّاهَا سَبِيلًا، وَطَرِيقُهُ يُسَمِّيهِ سَبِيلًا كَمَا يُسَمِّيهِ صِرَاطًا.
وَقَالَ - تَعَالَى -: عَنْ مُوسَى وَهَارُونَ:
стр. 1013
﴿وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ﴾ [الصافات: ١١٧] (١١٧) ﴿وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الصافات: ١١٨] .
وَقَالَ - تَعَالَى -:
﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١] (١) ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [الفتح: ٢] (٢) ﴿وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ [الفتح: ٣] .
وَهَذِهِ الْهِدَايَةُ الْخَاصَّةُ الَّتِي أَعْطَاهُ إِيَّاهَا بَعْدَ فَتْحِ الْحُدَيْبِيَةِ أَخَصُّ مِمَّا تَقَدَّمَ فَإِنَّ السَّالِكَ إِلَى اللَّهِ لَا يَزَالُ يَتَقَرَّبُ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ بَعْدَ شَيْءٍ، وَيَزِيدُهُ اللَّهُ هُدًى بَعْدَ هُدًى، وَأَقْوَمُ الطَّرِيقِ وَأَكْمَلُهَا الطَّرِيقُ الَّتِي بَعَثَ اللَّهُ بِهَا نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ كَمَا قَالَ - تَعَالَى -:
﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩] .
стр. 1014
[فَصْلٌ: بَيَانُ أَنَّ تَفْسِيرَهُمْ لِلتَّثْلِيثِ تَفْسِيرٌ بَاطِلٌ]
قَالَ الْحَاكِي عَنْهُمْ: فَقُلْتُ: إِنَّهُمْ يُنْكِرُونَ عَلَيْنَا فِي قَوْلِنَا، أَبٌ وَابْنٌ، وَرُوحُ قُدُسٍ، وَأَيْضًا فِي قَوْلِنَا إِنَّهُمْ ثَلَاثَةُ أَقَانِيمَ، وَأَيْضًا فِي قَوْلِنَا إِنَّ الْمَسِيحَ رَبٌّ وَإِلَهٌ وَخَالِقٌ، وَأَيْضًا يَطْلُبُونَ مِنَّا إِيضَاحَ تَجْسِيدِ تَجَسُّمِ كَلِمَةِ اللَّهِ الْخَالِقِ بِإِنْسَانٍ مَخْلُوقٍ.
أَجَابُوا قَائِلِينَ: لَوْ عَلِمُوا قَوْلَنَا هَذَا إِنَّمَا نُرِيدُ بِهِ الْقَوْلَ الَّذِي يَعْنِي أَنَّ اللَّهَ شَيْءٌ حَيٌّ نَاطِقٌ لَمَّا أَنْكَرُوا عَلَيْنَا ذَلِكَ، لِأَنَّنَا مَعْشَرَ النَّصَارَى لَمَّا رَأَيْنَا حُدُوثَ الْأَشْيَاءِ عَلِمْنَا أَنَّ شَيْئًا غَيْرَهَا أَحْدَثَهَا، إِذْ لَا يُمْكِنُ حُدُوثُهَا مِنْ ذَوَاتِهَا لِمَا فِيهَا مِنَ التَّضَادِّ وَالتَّقَلُّبِ.
فَقُلْنَا: إِنَّهُ شَيْءٌ لَا كَالْأَشْيَاءِ الْمَخْلُوقَةِ إِذْ هُوَ الْخَالِقُ لِكُلِّ شَيْءٍ، وَذَلِكَ لِنَنْفِيَ عَنْهُ الْعَدَمَ، وَرَأَيْنَا الْأَشْيَاءَ الْمَخْلُوقَةَ تَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ: شَيْءٌ حَيٌّ، وَشَيْءٌ غَيْرُ حَيٍّ، فَوَصَفْنَاهُ بِأَجْمَلِهِمَا، فَقُلْنَا: هُوَ شَيْءٌ حَيٌّ، لِنَنْفِيَ
стр. 1015
الْمَوْتَ عَنْهُ، وَرَأَيْنَا الْحَيَّ يَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ: حَيٌّ نَاطِقٌ، وَحَيٌّ غَيْرُ نَاطِقٍ، فَوَصَفْنَاهُ بِأَفْضَلِهِمَا، فَقُلْنَا: هُوَ شَيْءٌ حَيٌّ نَاطِقٌ لِنَنْفِيَ الْجَهْلَ عَنْهُ.
وَالثَّلَاثَةُ أَسْمَاءٍ وَهِيَ إِلَهٌ وَاحِدٌ، مُسَمًّى وَاحِدٌ، وَرَبٌّ وَاحِدٌ، خَالِقٌ وَاحِدٌ شَيْءٌ حَيٌّ نَاطِقٌ، أَيِ الذَّاتُ وَالنُّطْقُ وَالْحَيَاةُ، فَالذَّاتُ عِنْدَنَا الْأَبُ الَّذِي هُوَ ابْتِدَاءُ الِاثْنَيْنِ، وَالنُّطْقُ الِابْنُ الَّذِي هُوَ مَوْلُودٌ مِنْهُ لِوِلَادَةِ النُّطْقِ مِنَ الْعَقْلِ، وَالْحَيَاةُ رُوحُ الْقُدُسِ، وَهَذِهِ أَسْمَاءٌ لَمْ نُسَمِّهِ نَحْنُ بِهَا.
وَالْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: قَوْلُهُمْ: أَمَّا قَوْلُنَا أَبٌ، وَابْنٌ، وَرُوحُ قُدُسٍ، فَلَوْ عَلِمُوا قَوْلَنَا هَذَا إِنَّمَا نُرِيدُ بِهِ تَصْحِيحَ الْقَوْلِ بِأَنَّ اللَّهَ حَيٌّ نَاطِقٌ لَمَا أَنْكَرُوا ذَلِكَ عَلَيْنَا، فَيُقَالُ: لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا ادَّعَوْهُ فَإِنَّ النَّصَارَى يَقُولُونَ: إِنَّ هَذَا الْقَوْلَ تَلَقَّوْهُ عَنِ الْإِنْجِيلِ، وَإِنَّ فِي الْإِنْجِيلِ عَنِ الْمَسِيحِ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ - أَنَّهُ قَالَ: عَمِّدُوا النَّاسَ بِاسْمِ الْأَبِ، وَالِابْنِ وَرُوحِ الْقُدُسِ فَكَانَ أَصْلُ قَوْلِهِمْ هُوَ مَا يَذْكُرُونَهُ مِنْ أَنَّهُ مُتَلَقًّى مِنَ الشَّرْعِ الْمُنَزَّلِ لَا أَنَّهُمْ أَثْبَتُوا الْحَيَاةَ وَالنُّطْقَ بِمَعْقُولِهِمْ، ثُمَّ عَبَّرُوا عَنْهَا بِهَذِهِ الْعِبَارَاتِ، كَمَا ادَّعَوْهُ فِي مُنَاظَرَتِهِمْ.
стр. 1016
وَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ لَمَا احْتَاجُوا إِلَى هَذِهِ الْعِبَارَةِ، وَلَا إِلَى جَعْلِ الْأَقَانِيمِ ثَلَاثَةً، بَلْ مَعْلُومٌ عِنْدَهُمْ، وَعِنْدَ سَائِرِ أَهْلِ الْمِلَلِ أَنَّ اللَّهَ مَوْجُودٌ حَيٌّ عَلِيمٌ، قَدِيرٌ مُتَكَلِّمٌ لَا تَخْتَصُّ صِفَاتُهُ بِثَلَاثَةٍ، وَلَا يُعَبَّرُ عَنْ ثَلَاثَةٍ مِنْهَا بِعِبَارَةٍ لَا تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، وَهُوَ لَفْظُ: الْأَبِ، وَالِابْنِ، وَرُوحِ الْقُدُسِ، فَإِنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ لَا تَدُلُّ عَلَى مَا فَسَّرُوهَا بِهِ فِي لُغَةِ أَحَدٍ مِنَ الْأُمَمِ، وَلَا يُوجَدُ فِي كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ أَنَّهُ عَبَّرَ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ عَمَّا ذَكَرُوهُ مِنَ الْمَعَانِي، بَلْ إِثْبَاتُ مَا ادَّعَوْهُ مِنَ التَّثْلِيثِ وَالتَّعْبِيرِ عَنْهُ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ هُوَ مِمَّا ابْتَدَعُوهُ لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ لَا شَرْعٌ وَلَا عَقْلٌ.
وَهُمْ يَدَّعُونَ أَنَّ التَّثْلِيثَ وَالْحُلُولَ وَالِاتِّحَادَ إِنَّمَا صَارُوا إِلَيْهِ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ، وَهُوَ نُصُوصُ الْأَنْبِيَاءِ وَالْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ، لَا مِنْ جِهَةِ الْعَقْلِ، وَزَعَمُوا أَنَّ الْكُتُبَ الْإِلَهِيَّةَ نَطَقَتْ بِذَلِكَ، ثُمَّ تَكَلَّفُوا لِمَا ظَنُّوهُ مَدْلُولَ الْكِتَابِ طَرِيقًا عَقْلِيَّةً، فَسَّرُوهُ بِهَا تَفْسِيرًا ظَنُّوهُ جَائِزًا فِي الْعَقْلِ وَلِهَذَا نَجِدُ النَّصَارَى لَا يَلْجَئُونَ فِي التَّثْلِيثِ وَالِاتِّحَادِ إِلَّا إِلَى الشَّرْعِ وَالْكُتُبِ وَهُمْ يَجِدُونَ نَفْرَةَ عُقُولِهِمْ وَقُلُوبِهِمْ عَنِ التَّثْلِيثِ وَالِاتِّحَادِ وَالْحُلُولِ فَإِنَّ فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ فِي قُلُوبِ النَّاسِ مِنَ الْمَعَارِفِ الْعَقْلِيَّةِ الَّتِي قَدْ يُسَمُّونَهَا نَامُوسًا عَقْلِيًّا طَبِيعِيًّا يَدْفَعُ ذَلِكَ وَيَنْفِيهِ وَيُنَفِّرُ عَنْهُ وَلَكِنْ يَزْعُمُونَ أَنَّ الْكُتُبَ الْإِلَهِيَّةَ جَاءَتْ بِذَلِكَ وَأَنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ يَفُوقُ الْعَقْلَ وَأَنَّ هَذَا الْكَلَامَ مِنْ طَوْرٍ وَرَاءَ طَوْرِ الْعَقْلِ
стр. 1017
فَيَنْقُلُونَهُ لِظَنِّهِمْ أَنَّ الْكُتُبَ الْإِلَهِيَّةَ أَخْبَرَتْ بِهِ، لَا لِأَنَّ الْعُقُولَ دَلَّتْ عَلَيْهِ، مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، بَلْ فِيهَا مَا يَدُلُّ عَلَى نَقِيضِهِ كَمَا سَنَذْكُرُهُ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -، وَلَا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ مَا يُحِيلُهُ الْعَقْلُ وَيُبْطِلُهُ وَيَعْلَمُ أَنَّهُ مُمْتَنِعٌ، وَبَيْنَ مَا يَعْجِزُ عَنْهُ الْعَقْلُ فَلَا يَعْرِفُهُ وَلَا يَحْكُمُ فِيهِ بِنَفْيٍ وَلَا إِثْبَاتٍ، وَأَنَّ الرُّسُلَ أَخْبَرَتْ بِالنَّوْعِ الثَّانِي: وَلَا يَجُوزُ أَنْ تُخْبِرَ بِالنَّوْعِ الْأَوَّلِ، فَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ مُحَالَاتِ الْعُقُولِ وَمَحَارَاتِ الْعُقُولِ، وَقَدْ ضَاهَوْا فِي ذَلِكَ مَنْ قَبْلَهُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ جَعَلُوا لِلَّهِ وَلَدًا شَرِيكًا.
قَالَ - تَعَالَى -:
﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة: ٣٠] .
وَقَدْ ضَاهَاهُمْ فِي ذَلِكَ أَهْلُ الْبِدَعِ وَالضَّلَالِ الْمُشْبِهُونَ لَهُمْ مِنَ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى الْإِسْلَامِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: نَحْوَ قَوْلِهِمْ مِنَ الْغُلُوِّ فِي الْأَنْبِيَاءِ وَأَهْلِ الْبَيْتِ وَالْمَشَايِخِ وَغَيْرِهِمْ، وَمَنْ يَدَّعِي الْوَحْدَةَ أَوِ الْحُلُولَ أَوِ الِاتِّحَادَ الْخَاصَّ الْمُعَيَّنَ كَدَعْوَى النَّصَارَى وَدَعْوَى الْغَالِيَةِ مِنَ الشِّيعَةِ فِي عَلِيٍّ وَطَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ كَالنَّصِيرِيَّةِ وَنَحْوِهِمْ مِمَّنْ يَدَّعِي
стр. 1018
إِلَهِيَّةَ عَلِيٍّ، وَكَدَعْوَى بَعْضِ الْإِسْمَاعِيلِيَّةِ الْإِلَهِيَّةَ فِي الْحَاكِمِ وَغَيْرِهِ مِنْ بَنِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَيْمُونٍ الْقَدَّاحِ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ.
وَدَعْوَى كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ نَحْوَ ذَلِكَ فِي بَعْضِ الشُّيُوخِ، إِمَّا الْمَعْرُوفِينَ بِالصَّلَاحِ، وَإِمَّا مَنْ يُظَنُّ بِهِ الصَّلَاحُ وَلَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ، فَإِنَّ لَهُمْ أَقْوَالًا مِنْ جِنْسِ أَقْوَالِ النَّصَارَى، وَبَعْضُهَا شَرٌّ مِنْ أَقْوَالِ النَّصَارَى.
وَعَامَّةُ هَؤُلَاءِ إِذَا خُوطِبُوا بِبَيَانِ فَسَادِ قَوْلِهِمْ قَالُوا مِنْ جِنْسِ قَوْلِ النَّصَارَى، هَذَا أَمْرٌ فَوْقَ الْعَقْلِ، وَيَقُولُ بَعْضُهُمْ مَا كَانَ يَقُولُهُ التِّلْمِسَانِيُّ لِشَيْخِ أَهْلِ الْوَحْدَةِ، يَقُولُ: ثَبَتَ عِنْدَنَا فِي الْكَشْفِ
стр. 1019
مَا يُنَاقِضُ صَرِيحَ النَّقْلِ وَيَقُولُونَ: لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْلُكَ سَبِيلَهُمْ: دَعِ الْعَقْلَ وَالنَّقْلَ، أَوِ اخْرُجْ مِنَ الْعَقْلِ وَالنَّقْلِ.
وَيُنْشِدُونَ فِيهِمْ:
مَجَانِينُ إِلَّا أَنَّ سِرَّ جُنُونِهِمُ ... عَزِيزٌ عَلَى أَقْدَامِهِ يَسْجُدُ الْعَقْلُ
هُمْ مَعْشَرٌ حَلُّوا النِّظَامَ وَحَرَّقُوا ... السِّيَاجَ فَلَا فَرْضَ لَدَيْهِمُ وَلَا نَقْلُ
وَهَؤُلَاءِ مُقَلِّدُونَ لِمَشَايِخِهِمْ مُتَّبِعُونَ لَهُمْ فِيمَا يَخْرُجُونَ بِهِ عَنْ شَرِيعَةِ الرَّسُولِ، وَمَا ابْتَدَعُوهُ مِمَّا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ بِاتِّخَاذِ الْبِدَعِ عِبَادَاتٍ، وَاسْتِحْلَالِ الْمُحَرَّمَاتِ كَتَقْلِيدِ بَعْضِ النَّصَارَى لِشُيُوخِهِمْ، وَإِذَا اعْتَرَضَ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ يَقُولُونَ: الشَّيْخُ يُسَلَّمُ لَهُ حَالُهُ، وَلَا يُعْتَرَضُ عَلَيْهِ كَمَا يَقُولُ النَّصَارَى لِشُيُوخِهِمْ وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يَقُولُ نَحْنُ أَوْلَادُ اللَّهِ،
стр. 1020
وَيَقُولُ: الْمَسِيحُ هُوَ وَلَدُ اللَّهِ، وَيَنْطِقُ أَيْضًا، بِلَفْظِ الشَّهْوَةِ، فَيَقُولُ إِنَّهُمْ أَوْلَادُ شَهْوَةٍ، وَيَقُولُ: إِنَّهُ زَوْجُ مَرْيَمَ، كَمَا يَقُولُ ذَلِكَ مَنْ يَقُولُهُ مِنَ النَّصَارَى.
وَغَايَةُ مَا عِنْدَهُمْ أَنَّهُمْ يَحْكُونَ عَنْ شُيُوخِهِمْ نَوْعًا مِنْ خَرْقِ الْعَادَاتِ، قَدْ يَكُونُ كَذِبًا، وَقَدْ يَكُونُ صِدْقًا، وَإِذَا كَانَتْ صِدْقًا فَقَدْ يَكُونُ مِنْ أَحْوَالِ أَوْلِيَاءِ الشَّيْطَانِ كَالسَّحَرَةِ وَالْكُهَّانِ، وَقَدْ يَكُونُ مِنْ أَحْوَالِ أَوْلِيَاءِ الرَّحْمَنِ، وَإِذَا كَانَتْ مِنْ أَحْوَالِ أَوْلِيَاءِ الرَّحْمَنِ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ مَا يُوجِبُ تَقْلِيدَ الْوَلِيِّ فِي كُلِّ مَا يَقُولُهُ، إِذِ الْوَلِيُّ لَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَعْصُومًا، وَلَا يَجِبُ اتِّبَاعُهُ فِي كُلِّ مَا يَقُولُهُ، وَلَا الْإِيمَانُ بِكُلِّ مَا يَقُولُهُ.
وَإِنَّمَا هَذَا مِنْ خَصَائِصِ الْأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ يَجِبُ الْإِيمَانُ بِكُلِّ مَا يَقُولُونَهُ فَيَجِبُ تَصْدِيقُهُمْ فِي كُلِّ مَا يُخْبِرُونَ بِهِ مِنَ الْغَيْبِ، وَطَاعَتُهُمْ فِيمَا أَوْجَبُوهُ عَلَى الْأُمَمِ، وَمَنْ كَفَرَ بِشَيْءٍ مِمَّا جَاءُوا بِهِ فَهُوَ كَافِرٌ، وَمَنْ سَبَّ نَبِيًّا وَاحِدًا وَجَبَ قَتْلُهُ، وَلَيْسَ هَذَا لِغَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ مِنَ الصَّالِحِينَ.
فَهَؤُلَاءِ الْمُبْتَدِعَةُ الْغُلَاةُ الْمُشْرِكُونَ الْقَائِلُونَ بِنَوْعٍ مِنَ الْحُلُولِ هُمْ
следующие страницы →